ال مقدمة
الحمد لله العلي الكبير، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن مناهج الدعوة إلى الله تعالى موضوع واسع الأرجاء متعدد الجوانب، وهو موضوع إيماني تربوي عصري لا يستغني عن معرفته المسلم لا سيما الداعي إلى الله الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، فالداعي كي يكون صائبا رشيدا لا بد له من بصيرة تنير له الطريق وتوقفه على مناهج الدعوة ومعالم الرشد كما قال تعالى:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] أي على يقين وحق١.
وأساليب دعوة العصاة محور أساس من محاور مناهج الدعوة، ولقد قيض الله تعالى من عباده العلماء العاملين والدعاة الناصحين على اختلاف الأمصار وتعاقب الأجيال من دعوا إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة وردوا الشاردين من العصاة والغواة إلى حياض الإيمان، سيدهم وإمامهم رسول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون وأصحابه المكْرمون ومن جاء بعدهم من التابعين، وكذلك الأئمة المهديين على تعاقب الأجيال ومنهم ابن تيمية ﵀ ومدرسته السلفية في القرن السابع الهجري بعد أن مست الحاجة في عصره إلى إقامة السنة وقمع البدعة ورد العدوان عن بلاد المسلمين من قبل التتار وغيرهم وما صاحب ذلك الغزو العسكري من غزو فكري واكبه وسبقه وتلاه، ثم ما تلى عصره من عصور أخرى منها عصر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وكانت عامة المعاصي في عصره تنصب في الاعتقادات الشركية وما يتعلق بها كانتشار
стр. 2
الخرافات والبدع.
وهذا البحث هو قبسات من منهج السلف في دعوة العصاة من المسلمين، والعصاة في الواقع شريحة كبيرة من سواد المسلمين في جل الأعصار والأمصار، وكما هو معروف فالخطأ والمعصية طبيعة بشرية جبل عليها بنو آدم إلا من رحم الله قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَليْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢٢] فالإنسان يعصي لجهله، والله يوفق برحمته من يشاء للتوبة، وكما قال في موضع آخر: ﴿يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَلوْلا فَضْلُ اللهِ عَليْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢١]
وكما ورد في حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: “كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون” ١.
فوقوع المعصية ثم إحداث التوبة أمران ينبغي أن يتلازما، فإذا تخلفت التوبة عن المعصية آذن بالخطر الكبير والشرر المستطير، لأن المعصية إن خفيت لم تضر إلا المتلبس بها أما إذا أعلنت ولم تنكر ولم تغير كانت بلاءً وبيلا.
ولقد تركز الحديث في هذا البحث الوجيز على محورين رئيسين وهما:
- تعريف العصاة وبيان أسباب المعصية وأنواعها ودركاتها.
- أساليب دعوة العصاة وآثارها.
أهمية الموضوع والحاجة إليه:
تنبع أهمية البحث في أساليب دعوة العصاة من أن الاستقامة مطلب
стр. 3
شرعي بدونه لا تتحقق السعادة في الدنيا ولا النعيم المقيم في الآخرة، والتورط في المعاصي داء يستشري فيردي إذا لم تحسم مادته من أول الطريق وبالأسلوب الحكيم!
إن الاستقامة على أمر الله، غاية تهدف إليها الدعوة قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود:١١٢] والاستقامة مدعاة للاستقرار النفسي والاستقرار الاجتماعي، قال تعالى: ﴿إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَليْهِمْ المَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ التِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] ﴿إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَليْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف:١٣] .
كما أن المعاصي انحراف عن النهج السوي والانحراف مدعاة للاضطراب السلوكي والاضطراب النفسي والاجتماعي، ويظل العاصي في دوامة الشقاء إن لم تتداركه رحمة الله قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَليْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢١-١٢٢] ومن ثم فإن الابتعاد عن المعاصي وعن أسبابها من بداية الطريق بالحزم مطلب شرعي وهذا كثيرا ما نراه في آيات التنزيل الحكيم مثل قوله تعالى:
﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [الاسراء:٣٢] ولم يقل ولا تزنوا فهو نهي عن مجرد القرب منه بتجنب أسبابه ودواعيه كالنظر والسمع ... الخ وهذا ـ أيضا ـ مطلب اجتماعي هام به يتحقق الاستقرار في المجتمع، ولقد كان من بنود البيعة يوم العقبة كما رواها عبادة بن الصامت ﵁ أن لا يرتكب المسلمون متعمدين المعاصي في معروف، إذ قال ﵊ يومئذ وحوله عصابة من أصحابه: “ بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين
стр. 4
أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف “١.
والمعروف كما قال ابن حجر: ما عُرف من الشارع حُسنه نهيا وأمرا٢.
فطاعة الله في كل ما أمر به وتجنب معصيته في كل ما نهى عنه هو التقوى وهو أمر أساس لا ينهض المجتمع الأمثل إلا عليه، وبقدر تحقيق هذه الغاية السنية يكون المجتمع موفقا مسددا.
لمحة في منهج البحث:
وموضوع البحث في طريقة عرضه وأسلوب جمعه غلبت فيه الجانب الإصلاحي الذي هو هدف الدعوة ومقصودها، ثم إن البحث من حيث المحور الموضوعي ليس ببعيد عما كتبه كثير من أهل العلم في موضوعات (الحسبة) مثلما نجده في كتاب الحسبة لابن تيمية، وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له أيضا، وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتب السياسة الشرعية، فإن المادة العلمية التي نجدها في هذه الكتب تحت تصنيف (مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو مراتب تغيير المنكر) ضافية تروي ظمأ الباحثين، وتحل استشكالاتهم وتنير الطريق أمام المحتسبين والدعاة والمربين.
ولقد تتبعت في بحثي هذا الدليل وعدت عليه بعد التأمل والدراسة بالاستنباط على ضوء ما قاله علماء السلف رحمهم الله تعالى. وعلى العموم فلقد أكثرت من إيراد النصوص الشرعية (الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة) تأصيلا للبحث العلمي، وتوفيرا للزاد القريب الذي يرجع إليه الدعاة والمحتسبون وهم يدعون العصاة إلى الله.
وعلاوة على قواعد مناهج البحث المعروفة من التوثيق والتحليل، عنيت
стр. 5
بالتبويب والعنونة عناية فائقة إذ تبرز هذه الطريقة مكامن الموضوع وتحدد أطره العامة وتجعل المادة العلمية ميسورة سهلة، وفي لغة البحث توخيت كذلك سهولة اللفظ مع إجادة السبك حتى تتسنى الاستفادة من هذا البحث لكل قارئ يريد معالجة مشكلة المعصية في النفس البشرية.
وفي التوثيق رمزت في الحواشي في عزو الأحاديث إلى الصحاح الستة ومعها مسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك وسنن الدارمي بالرموز الآتية: (خ) صحيح البخاري طبعة فتح الباري المطبعة السلفية، (م) صحيح مسلم ترقيم محمد عبد الباقي، (د) سنن أبي داود الموسوعة الإلكترونية صخر، (ت) سنن الترمذي ترقيم أحمد شاكر، (س) سنن النسائي، (ما) سنن ابن ماجة ترقيم محمد عبد الباقي، (ط) موطأ الإمام مالك ترقيم الموسوعة الإلكترونية صخر، (أحمد) مسند الإمام أحمد ترقيم الموسوعة الإلكترونية صخر، (دارمي) مسند الإمام الدارمي. وأما غيرها من كتب السنة فإني أذكرها باسمها دون رمز لأن ذكرها قليل في هذا البحث وعامة الأحاديث المستشهد بها تدور على الكتب التسعة الآنفة.
وذكرت إثر كل رمز اسم الكتاب من المرجع الحديثي ورقم الحديث وذلك للاختصار وتحرير الحواشي من ثقل الإطالة والتكرار، وعلى سبيل المثال: [ (خ) الصلاة (٣٥٠) ] معناه: رواه البخاري في كتاب الصلاة حديث رقم (٣٥٠) وهكذا في بقية الكتب الحديثية الأخرى.. والتزمت بطبعة واحدة في كل المراجع التي أحلت إليها.
التعريف بمفردات البحث:
(أساليب دعوة العصاة) عنوانٌ له دلالاته وخصائصه، وهو في مجموعه يمثل وحدة قيّمة في مناهج الدعوة، إذ تتوجه تلك المناهج إلى المخاطبين على تنوع أجناسهم وتفاوت ثقافاتهم وتعدد مشاربهم، وتتوخى في عمومها الإصلاح والتوجيه نحو الخير والرشد. وأساليب دعوة العصاة أو منهج دعوة العصاة
стр. 6
اصطلاحان متقاربان يتجلى مضمونهما في هذا البحث الموجز، ولنقف باقتضاب على أهم المدلولات التي تتضمنها مفردات البحث:
فـ (الأساليب) جمع أسلوب، وهو كما قال اللغويون: الطريق والوجه والمذهب، قال ابن منظور: “ يقال للسَّطْر من النخيل أُسْلوبٌ وكل طريقٍ ممتدّ فهو أُسلوبٌ قال: والأُسْلوبُ الطريق والوجهُ والمَذْهَبُ يقال أَنتم في أُسْلُوب سُوءٍ ويُجمَعُ أَسالِيبَ، الأُسْلُوبُ: الطريقُ تأُخذ فيه الأُسْلوبُ بالضم الفَنُّ، يقال أَخَذَ فلانٌ في أَساليبَ من القول أَي أَفانِينَ منه “١.
وقد ورد التعبير بـ (الأساليب) عند السلف ويقصد به فنون القول كما عند ابن تيمية؛ قال: “ومن أعظم التقصير نسبة الغلط إلى متكلم مع إمكان تصحيح كلامه وجريانه على أحسن أساليب كلام الناس”٢.
فهو هنا عبر بالأساليب في معنى الأنماط البيانية الكلامية. فالأشبه في الأساليب أنها تختص بالبيان والكلام، يقال أساليب الدعوة أي الطرائق البيانية التي يوصل بها الداعية دعوته إلى المدعوين، وأما الوسائل فهي الأعم مدلولا تشمل الطرائق البيانية وغيرها، إذ هي القنوات التي من خلالها يوصل الداعية كلمته إلى الآخرين كالمذياع والراي والكتاب والجريدة والشريط ومنبر الخطابة ودار الأيتام والمستشفى الخيري ... الخ وهذا هو الفرق بين أساليب الدعوة ووسائلها.
وقد يتداخل الاصطلاحان في مدلولهما كما سيأتي في غضون هذا البحث، لكن يبقى المعنى الأصلي والأغلب لـ (الأساليب) منصبا نحو الأدوات البيانية الخطابية.
стр. 7
وأما (مناهج الدعوة) فهو أعم وأشمل ينتظم الأساليب والوسائل والخطط والأهداف والغايات يقال مناهج الدعوة ومناهج التربية ومناهج المؤرخين ومناهج المفسرين ... ويقصد بذلك جملة الخطط والطرائق والأساليب التي سلكوها.
(والدعوة) هي النداء والصيحة والطلب والاستمالة والحث والحض في اللغة: قال ابن منظور: “ دَعَا: يَدْعُو دَعْوَةً ودُعاءً وادَّعَى يَدَّعي ادِّعاءً ودَعَوى. وفي نسبه دَعْوة أَي دَعْوَى. والدِّعْوَة بكسر الدال ادِّعاءُ الوَلدِ الدَّعِيّ غير أَبيه. “١.
ومن مرادفات الدعوة أيضا الحلف قال: “الدَّعْوة: الحِلفُ، وفي التهذيب: الدَّعوةُ الحِلف، يقال: دَعوة بني فلان في بني فلان. وتَدَاعَى البناءُ والحائط للخَراب إِذا تَكَسَّر وآذنَ بانْهِدامٍ. وداعيناها عليهم من جَوانِبِها: هَدَمْنَاها عليهم. وتَدَاعَى الكثيب من الرمل إِذا هِيل فانْهال”٢.
وفي الحديث: “كَمَثَلِ الجَسَدِ إِذا اشْتَكَى بعضُه تَدَاعَى سائرُه بالسَّهَرِ والحُمَّى” ٣.
كأَنّ بعضه دعا بعضاً من قولهم تَدَاعَت الحيطان أَي تساقطت أَو كادت، وتَدَاعَى عليه العدوّ من كل جانب: أَقْبَل، من ذلك. وتَدَاعَت القبائلُ على بني فلان إِذا تأَلبوا ودَعا بعضهم بعضاً إِلى التَّناصُر عليهم. وفي الحديث: “تَدَاعَتْ عليكم الأُمَمُ “ أَي اجتمعوا ودعا بعضهم بعضاً. وفي حديث ثَوْبانَ: “ يُوشكُ أَن تَداعَى عليكم الأُمَمُ كما تَدَاعَى الأَكَلةُ على قَصْعَتِها “ ٤.
стр. 8
فالدعوة على ما تقدم من الألفاظ التي تطلق ويراد منها معان كثيرة ومرادفات متعددة.
والدعوة في الاصطلاح هي: “ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر “ وفي تعريف آخر: “قيام من له علم ودراية بدعوة الناس إلى الخير ودلالتهم إلى مسالك الرشد في أمور الدين والدنيا”.
وعند ابن تيمية: “ الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به وبما جاءت به رسله بتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والدعوة إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله “١
والدعوة في استصلاح المنحرفين عن جادة الاستقامة هي: “ استمالة العصاة إلى جانب الاستقامة والرشد وإخراجهم من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة ومن أوحال الطغيان والغي والظلم إلى رحاب التقوى والرشد والعدل، ليكونوا صالحين في ذوات أنفسهم مصلحين ـ بعد ذلك ـ لغيرهم” ويراعى في هذا جانب التقويم والتهذيب والإرشاد نحو الخير والفضيلة.
(والعصاة) هم المتساهلون في جانب التقوى المجافون لجناب الطاعة المتجانفون للإثم. وسيأتي التعريف بهم على وجه التفصيل قريبا إن شاء الله.
المشكلة البحثية:
المعاصي تنوعت وتكاثرت في زماننا هذا على نحو لم يسبق له مثيل، وذلك لتنوع وتكاثر الملهيات والصوارف عن طاعة الله من جهة، ولضعف الوازع الديني والأخلاقي من جهة أخرى، ثم لتشابك المصالح بالمفاسد في كثير من الأحيان مما لا تنفك عنه الحياة اليومية من جهة ثالثة.
стр. 9
لقد تعرضت كثير من المجتمعات الإسلامية للغزو الفكري المنظم والحرب الثقافية المقننة منذ عقود كثيرة، وكان ذلك الغزو بديلا عن الحرب القتالية التي أريقت فيها دماء واستبسل فيها المسلمون دفاعا عن العرض والأرض وقبل ذلك حماية للعقيدة والدين.
خاض أعداء المسلمين حروبا شعواء لمحو الإسلام والقضاء على المسلمين كان من أبرزها الحروب الصليبية التي امتدت زهاء قرنين (٤٨٨-٦٨٤?/ ١٠٩٥-١٢٩٢م) وأدرك أعداء الإسلام أن القتال لن يزعزع المسلم عن دينه بل يزيده تمسكا ودفاعا واستبسالا ويؤجج فيه روح الجهاد والفداء.. فغيروا الإستراتيجية وأتوا بالغزو الفكري وكان الهدف الأول منه إقصاء الدين من حياة المسلم ليكون مخلوقا لا تحركه غير الشهوات والملذات فلا يهتم بالجهاد ولا بقضايا المسلمين ولا بمعالي الأمور. ونتجت إثر ذلك جملة من المشكلات التي يعاني منها الكثير من المسلمين حين بعد الكثيرون منهم عن هدي ربهم، ومن ثم تنامت في عقول الأكثرين من المسلمين مشكلات عديدة فيما يتعلق بالمعاصي منها:
- الاستهانة بالمعصية، بل الاستخفاف بالدين وأثره في الحياة والتقليل من أهميته.
- ومنها التسويف في التوبة.
- ومنها الجهل بالمعصية ذاتها.
- ومنها الجهل بعواقب المعاصي وتبعاتها.
- ومنها ذلك الانحراف العقدي الذي ظهر مبكرا في تاريخ المسلمين وهو المبالغة والغلو في مرتكبي المعاصي لا سيما الكبائر، غلوا أخرج به الغلاةُ العصاةَ من مسمى الإيمان وظهرت إثر ذلك نعرة التكفير وهو ما عُرف بنزعة الخوارج، وفي المقابل التهاون بالمعاصي وزعم أنه لا تنفع مع الإيمان طاعة كما لا تضر معه معصية، وهو ما عُرف بنزعة المرجئة وغيرهم. وهو فكر متنامي في كثير من
стр. 10
المجتمعات الإسلامية المعاصرة.
وهذا البحث ليس مرتبطا كليا بالغزو الفكري الذي تعرض له المسلمون في هذا العصر خاصة وإن كان ذلك الغزو له تأثيره العميق في مختلف مجالات الحياة في المجتمعات الإسلامية، بل البحث جمع وتحليل لمادة الدعوة من حيثياتها المتنوعة: “الموضوع، والأساليب، والوسائل، والمراتب، والمقاصد والغايات” فيما يخص المعصية والعصاة، المشكلة وطرائق العلاج، من أجل أن تزكو نفس المسلم ويجلو قلبه وتبيضّ صفحته ويخرج من حمأة المعصية وظلماتها إلى نور الإيمان والطاعة كان لا بد له من توبة وإنابة إلى الله ولزوم الاستقامة، وفي هذا البحث جمعٌ لأهم الأساليب المحققة لذلك والمعينة عليه والمقربة له.
تساؤلات البحث:
تنبثق من موضوع البحث عدة تساؤلات مهمة، تثري المحاور الأساسية فيه وتوقف القارئ الكريم على المعالم الكبرى لموضوع العصاة وكيف يمكن استصلاحهم، لا سيما وهم يمثلون الفئة الأكبر عددا في جميع المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية، على حد قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣] وقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:١١٦] وهذه الفئة هي الأكثر حاجة إلى التقويم المستمر والتوجيه المتنامي، وتتلخص التساؤلات في الفقرات التالية:
- ما هي المعاصي وما حدودها؟
- لماذا يقدم الإنسان على معصية خالقه وبارئه؟
- وهل للمعاصي آثار في واقع العصاة واستقرار المجتمع؟
- وكيف يمكن إخراج العصاة من ضيق المعصية إلى سعة الطاعة؟
стр. 11
- وكيف يمكن إبقاؤهم على الطاعة، ودرء النكوص إلى المعصية؟
تلكم أبرز التساؤلات التي تجئ الإجابات عنها مستوفاة إن شاء الله تعالى في غضون هذا البحث.
وبعد: فإن يكن في بحثي ما هو مشمول في رياض الخير والصواب فهو من الله جل ذكره، فله سبحانه الحمد أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وما جانبت فيه الصواب فإني أستغفر الله منه وأتقدم بالاعتذار وأجنح إلى الحق وأطلبه حيث كان ولا أستنكف عن قبوله إن شاء الله.
وأسأل الله التوفيق والعون والسداد. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،،
стр. 12
باب: تعريف العصاة وبيان أسباب المعصية وأنواعها ودركاتها
تعريف المعصية والعصاة
...
المحور الأول: تعريف العصاة وبيان أسباب المعصية وأنواعها ودركاتها
تعريف المعصية والعصاة:
المعصية والعصيان كما قال في كتب اللغة: (ضد الطاعة، وقد عَصاه من باب رمى ومَعْصِيَةً أيضا وعِصْياناً فهو عَاصٍ وعَصِيٌّ وعَاصَاهُ مثل عصاه واسْتَعْصَى عليه) فالمعصية ضد الطاعة وضد التقوى والاستقامة لذا كان الورع: الكف عن المعاصي١
والعصاة هم المفّرطون، والمسيئون، وأهل الذنوب، والفساق، والذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، والمرجون لأمر الله، وكل ذلك من الأوصاف التي وردت في القرآن الكريم.
ومعصية الله ورسوله إذا أطلقت دخل فيها الكفر والفسوق كما قال ابن تيمية، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولهُ فَإِنَّ لهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٣] وقال تعالى: ﴿وَتِلكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُل جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود:٥٩] قال: “ فأطلق معصيتهم للرسل بأنهم عصوا هودا معصية تكذيب لجنس الرسل فكانت المعصية لجنس الرسل كمعصية من قال: ﴿قَالُوا بَلى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلنَا مَا نَزَّل اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك [٩] ومعصية من كذّب وتولى قال تعالى: ﴿لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَىالذِي كَذَّبَ وَتَوَلى﴾ [الليل:١٥- ١٦] أي كذب بالخبر وتولى عن طاعة الأمر”٢.
فالمعصية في مفهومها العام تتناول الكفر الأصلي وكذلك الردة إذا تحققت
стр. 13
موجباتها، وليس هو موضوع هذا البحث، والمفهوم الخاص هو محور هذا البحث وهو ارتكاب الذنوب الصغائر والكبائر تهاونا من غير استحلال.
ومن أصول العقيدة عند أهل السنة والجماعة ـ كما هو معلوم ـ أن المسلم لا يكفر بارتكاب الكبائر ما لم يستحلها، وعلى هذا الاعتقاد مضى سلف الأمة وهو متضافر في كتب السلف متواتر بين الأجيال، قال الإمام مسلم في كتاب الإيمان: باب الدليل على أن من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا فهو مؤمن، ثم أورد فيه جملة من الأحاديث النبوية الشريفة منها حديث العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: “ ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا”١.
فالعصاة مهما فرطوا في جنب الله لا يزالون مسلمين ما لم تصل معصيتهم إلى كبيرة الشرك بالله تعالى أو يرتكبوا كفرا بواحا. ومع ذلك فليس العصاة كالأتقياء قال تعالى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ وَالذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا المُسِيءُ قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر:٥٨]
وكل من هذه الأنواع وعد الله الجنة والمغفرة إذا تخلص من الشرك كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر:٣٢ -٣٣]
قال الامام الطبري: “ قوله تعالى ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ لأن يكون من أهل الذنوب والمعاصي التي هي دون النفاق والشرك عندي أشبه بمعنى الآية من أن يكون المنافق أو الكافر، وذلك أن الله تعالى ذكره اتبع هذه الآية قوله ﴿جَنَّاتُ
стр. 14
عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: ٣٣] فعم بدخول الجنة جميع الأصناف الثلاثة) ١.
ومما تقدم يتبين أن: المسلمين ثلاثة أنواع:
السابقون وهم المقربون وهم أعلى الأصناف الثلاثة.
والمقتصدون وهم من لم يجتهدوا في العبادة فكانت أعمالهم قصدا.
والظالمون وهم المسرفون على أنفسهم بإغراقها في الذنوب والآثام.
سمات العصاة:
يُعرف العصاة بسمات يتميزون بها منها ما تلازمهم على الدوام ومنها ما يتلبسون بها تارة ويتخلصون منها تارة بحسب قربهم أو بعدهم من مقام الإيمان والتقوى، ومن أهم تلك السمات:
١- الغفلة عن الله وعن يوم الحساب:
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنْ القَوْلِ بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنْ الغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:٢٠٥] والغفلة هي الداء الذي يردي الكثيرين عن العمل ليوم الحساب، والغفلة مذمومة في كل الأحوال لأنها تعمي القلب عن العمل وتلهيه بسفاسف الأمور والشهوات، وتخدع النفس بالأماني إذ تلهيه بها حتى يدنو الأجل وتتبدى الحقيقة وتنكشف الغمة، فيبدأ الغافل في الندم على ما فرط في جنب الله ولا ينفع ساعتئذ الندم. والغفلة عن الله وعن الموت والحساب سببها ضعف الإيمان كما سيأتي.
قال ابن تيمية ﵀: “ فصل: فالغفلة والشهوة أصل الشر قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلنَا قَلبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨] والهوى وحده لا يستقل بفعل السيئات إلا مع الجهل وإلا فصاحب الهوى إذا علم قطعا أن ذلك يضره ضررا راجحا انصرفت نفسه عنه بالطبع فإنّ الله تعالى
стр. 15
جعل فى النفس حبا لما ينفعها وبغضا لما يضرها فلا تفعل ما تجزم بأنه يضرها ضررا راجحا بل متى فعلته كان لضعف العقل. ولهذا يوصف هذا بأنه عاقل وذو نهى وذو حجى، ولهذا كان البلاء العظيم من الشيطان لامن مجرد النفس فإن الشيطان يزين لها السيئات ويأمرها بها ويذكر لها ما فيها من المحاسن التى هي منافع لامضار كما فعل ابليس بآدم وحواء فقال: ﴿يَا آدَمُ هَل أَدُلكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلدِ وَمُلك لا يَبْلى﴾ [طه:١٢٠] وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين١.
٢- ضعف الإيمان:
والإيمان يتقوى بالعمل الصالح وتزكية النفس ومجاهدتها على التزام الحق كما سبق، والإيمان بالمعاصي يضعف كما أنه بالطاعات يتقوى، وإذا كثرت المعاصي ران على القلب حجاب كثيف حتى لا يكاد يرى الحق، وفي بيان ذلك وتوضيحه حديث أبي هريرة ﷺ مرفوعا إلى النبي ﷺ : “ لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن” ٢
وإذا كان ضعف الإيمان سمة من سمات العصاة فإن هذا لا يعني أن أصل الإيمان ينتفي، وهذا هو المذهب الصحيح الذي عليه السلف، ولعل من أبين من فصل الكلام في هذه المسألة ابن تيمية ﵀ قال: “ ومما ينبغى أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة [أي دخول العمل في مسمى الإيمان] هو نزاع لفظي وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء كحماد بن أبى سليمان وهو أول من قال ذلك ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم متفقون مع
стр. 16
جميع علماء السنة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد وان قالوا أن إيمانهم كامل كإيمان جبريل فهم يقولون أن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقا للذم والعقاب كما تقوله الجماعة ويقولون أيضا بأن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة والذين ينفون عن الفاسق اسم الإيمان من أهل السنة متفقون على أنه لا يخلد في النار فليس بين فقهاء الملة نزاع فى أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطنا وظاهرا بما جاء به الرسول وما تواتر عنه أنهم من أهل الوعيد وأنه يدخل النار منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها ولا يخلد منهم فيها أحد ولا يكونون مرتدين مباحي الدماء.
ولكن الأقوال المنحرفة قول من يقول بتخليدهم في النار كالخوارج والمعتزلة وقول غلاة المرجئة الذين يقولون ما نعلم أن أحدا منهم يدخل النار بل نقف في هذا كله وحكى عن بعض غلاة المرجئة الجزم بالنفي العام، ويقال للخوارج الذي نفى عن السارق والزاني والشارب وغيرهم الإيمان هو لم يجعلهم مرتدين عن الإسلام بل عاقب هذا بالجلد وهذا بالقطع ولم يقتل أحدا إلا الزاني المحصن ولم يقتله قتل المرتد فإن المرتد يقتل بالسيف بعد الاستتابة وهذا يرجم بالحجارة بلا استتابة فدل ذلك على أنه وإن نفى عنهم الإيمان فليسوا عنده مرتدين عن الإسلام مع ظهور ذنوبهم وليسوا كالمنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر فأولئك لم يعاقبهم إلا على ذنب ظاهر. [واستطرد ﵀ في بيان هذه المسألة العقدية الهامة فقال] :
وبسبب الكلام فى مسألة الإيمان تنازع الناس هل فى اللغة أسماء شرعية نقلها الشارع عن مسماها فى اللغة أو أنها باقية فى الشرع على ما كانت عليه فى اللغة لكن الشارع زاد في أحكامها لا في معنى الأسماء وهكذا قالوا في اسم الصلاة والزكاة والصيام والحج إنها باقية في كلام الشارع على معناها اللغوي
стр. 17
لكن زاد في أحكامها ومقصودهم أن الإيمان هو مجرد التصديق وذلك يحصل بالقلب واللسان وذهبت طائفة ثالثة إلى أن الشارع تصرف فيها تصرف أهل العرف فهي بالنسبة إلى اللغة مجاز وبالنسبة إلى عرف الشارع حقيقة.
والتحقيق أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة كما يستعمل نظائرها كقوله تعالى: ﴿وَلِلهِ عَلى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِليْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٥٧] فذكر حجا خاصا وهو حج البيت وكذلك قوله: ﴿فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ﴾ [البقرة: ١٥٨] ... الخ١.
ولمباحث الإيمان تفصيل ذكره أهل العلم يطلب في مظانه، والخلاصة المعنية هنا أنه اعتقاد بالقلب، وتصديق باللسان، وعمل بالجوارح، ولا بد من تضافر هذه العمد الثلاثة.
٣- غلبة الشبهات والشهوات:
وهي ثالثة الأثافي، ولولا غلبة الشهوات لكان الناس في خير، والله تعالى ركب في الإنسان تلك الشهوات كشهوة الزواج وشهوة حب المال والتملك وشهوة التسلط على ما سيأتي تفصيله بعد إن شاء الله تعالى، فمن تغلب على شهواته وسيطر عليها وحاكمها وضبطها سلك سبيل الرشد، ومن غلبته شهوته سلكت به سبيل الغي والعياذ بالله.
وهذه السمات الثلاث بينها تداخل وتشابك وبعضها يتولد من البعض الآخر ثم هي من مرض القلب مما ينعت به المنافقون، قال ابن تيمية ﵀: “ذكر الله مرض القلب في مواضع فقال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٩]
والمرض في القلب كالمرض في الجسد فكما أن هذا هو إحالة عن الصحة
стр. 18
والاعتدال من غير موت فكذلك قد يكون في القلب مرض يحيله عن الصحة والاعتدال من غير أن يموت القلب سواء أفسد إحساس القلب وإدراكه أو أفسد عمله وحركته.
وذلك كما فسروه هو من ضعف الإيمان إما بضعف علم القلب واعتقاده وإما بضعف عمله وحركته فيدخل فيه من ضعف تصديقه ومن غلب عليه الجبن والفزع فإن أدواء القلب من الشهوة المحرمة والحسد والجبن والبخل وغير ذلك كلها أمراض وكذلك الجهل والشكوك والشبهات التي فيه”١.
٤- الجهل:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلى اللهِ لِلذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَليْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٧]
قال القرطبي: “ في هذه الآية والأنعام أنه من عمل منكم سوءا بجهالة يعم الكفر والمعاصي فكل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته قال قتادة أجمع أصحاب النبي ﷺ على أن كل معصية فهي بجهالة عمدا كانت أو جهلا وقاله ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد والسدي وروى عن الضحاك ومجاهد أنهما قالا الجهالة هنا العمد وقال عكرمة أمور الدنيا كلها جهالة يريد الخاصة بها الخارجة عن طاعة الله وهذا القول جار مع قوله تعالى إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وقال الزجاج يعني قوله بجهالة إختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية وقيل بجهالة أي لا يعلمون كنه العقوبة ذكره إبن فورك قال إبن عطية وضعف قوله هذا ورد عليه”٢.
وقال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِل مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالةٍ ثُمَّ
стр. 19
تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:٥٤] .
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل:١١٩] .
ونجلي هذا أكثر من خلال الحديث عن أسباب المعصية ودوافعها فنقول وبالله التوفيق:
أسباب المعصية وأنواعها:
ما هي أسباب المعصية؟ ولماذا يعصي المسلم ربه؟! تلكم هي القضية التي يعالجها الدعاة بالحكمة والموعظة الحسنة، وهي قضية العصر وكل عصر، المعاصي داء له بإذن الله دواء، ودواؤه في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ .
في علاج مشكلة المعصية يعمل الدعاة جاهدين بشتى الأساليب والوسائل المشروعة، ومعرفة أسباب المعصية جزء من العلاج، وتلكم الأسباب تنحصر في أمرين فهي إما (شبهات أوشهوات) ولنلق بعض الضوء على هذين السببين الرئيسين الَّذين يتفرع عنهما الأسباب الأخرى:
ففي الشهوات قول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ [آل عمران:١٤] .
في هذه الآية الشريفة المنيفة تعداد للشهوات والغرائز المركبة في الانسان وفي أعماقه كغريزة النكاح وغريزة حب الولد والنسل، وحب المال، والجاه وزخارف الدنيا والسلطان، وابتدأ تعالى ذكر هذه الشهوات بشهوة النكاح وهي أخطرها وأنكاها إن لم تعالج مبكرا وفي الإطار المشروع، وقد ورد في الحديث النبوي الشريف: “ ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء” ١.
стр. 20
وفي الحديث كما قال الحافظ ابن حجر: أن الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن١ ثم ذكر تعالى الشهوات الأخرى مجملة، وقد ورد تفصيلها في مواضع أخر كشهوة حب المال في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَليْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلا بَل لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعَامِ المِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لمًّا وَتُحِبُّونَ المَال حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر:١٦-١٩] .
وجاء في السنة توضيح أبعاد هذه الشهوة الجامحة المتأصلة في الإنسان ففي حديث سهل بن سعد ﵁ قال سمعت عبد الله بن الزبير ﵄ على المنبر بمكة في خطبته يقول: يا أيها الناس إن النبي ﷺ كان يقول: “ لو أن ابن آدم أعطي واديا ملئا من ذهب أحب إليه ثانيا ولو أعطي ثانيا أحب إليه ثالثا ولا يسد جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب” ٢.
ومثله حديث ابن عباس ﵄ مرفوعا: “لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم الا التراب ويتوب الله على من تاب” ٣.
وما من ريب أن الشهوات اذا استحوذت على المرء أوردته المهالك وفي حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ : “ حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره” ولفظ مسلم: ”حفت النار بالمكاره وحفت النار بالشهوات” ٤
قال الحافظ ابن حجر: “وهو من جوامع كلمه ﷺ وبديع بلاغته في ذم الشهوات وإن مالت إليها النفوس، والحض على الطاعات وإن كرهتها النفوس
стр. 21
وشق عليها، قال: المراد بالمكاره هنا ما أمر المكلف بمجاهدة نفسه فيه فعلا وتركا ... وأطلق عليها المكاره لمشقتها على العامل وصعوبتها عليه”١.
واتباع الشهوات لذاتها لا للاستعانة بها على الطاعات مذموم، وكذلك اتباع الأهواء، قال ابن تيمية ﵀: “ قوله سبحانه ﴿كَالذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالذِي خَاضُوا أُوْلئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلئِكَ هُمْ الخَاسِرُونَ﴾ [التوبة:٦٩] ففي قوله ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ﴾ إشارة إلى اتباع الشهوات وهو داء العصاة. وقوله ﴿وَخُضْتُمْ كَالذِي خَاضُوا﴾ إشارة إلى اتباع الشبهات وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات وكثيرا ما يجتمعان فقل من تجد في اعتقاده فسادا إلا وهو ظاهر في عمله وقد دلت الآية على أن الذين كانوا من قبل استمتعوا وخاضوا وهؤلاء فعلوا مثل أولئك.
ثم قوله: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ﴾ و ﴿وَخُضْتُمْ﴾ خبر عن وقوع ذلك في الماضي وهو ذم لمن يفعله إلى يوم القيامة كسائر ما أخبر الله به عن أعمال وصفات الكفار والمنافقين عند مبعث عبده ورسوله محمد ﷺ فإنه ذم لمن يكون حاله حالهم إلى يوم القيامة”٢.
وأما الشبهات فقد ذكرها الله في قوله: ﴿هُوَ الذِي أَنْزَل عَليْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلم تَأْوِيلهُ إِلا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُل مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلبَابِ﴾ [آل عمران:٧] .
стр. 22
ولا يخفى أن الشيطان ـ عليه لعائن الله ـ للإنسان بالمرصاد يزخرف له الشهوات ويزين له الشبهات ليوقعه في حبائله، أليس هو الذي قطع على نفسه العهد باغواء بني آدم قال تعالى: ﴿قَال فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٦-١٧] .
وقد حذر الله ﵎ من كيد الشيطان ومكره فقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:٢٧] .
وأخبر أن الشيطان لعنه الله سيحقق أمنيته باغواء الأكثرين من بني آدم فقال تعالى: ﴿وَلقَدْ صَدَّقَ عَليْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنْ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠] .
وقال في موضع: ﴿قَال فَبِعِزَتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمْ المُخْلصِينَ﴾ [ص:٨٢-٨٣] .
قال ابن القيم: “ وأما جهاد الشيطان فمرتبتان: إحداهما جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان.
الثانية: جهاده على دفع ما يلقي إليه من الإرادات الفاسدة والشهوات فالجهاد الأول يكون بعده اليقين والثاني يكون بعده الصبر قال تعالى: ﴿وَجَعَلنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] فأخبر أن إمامة الدين إنما تنال بالصبر واليقين فالصبر يدفع الشهوات والإرادات الفاسدة واليقين يدفع الشكوك والشبهات”١.
ومع كيد الشيطان ومكره هناك عدد من العوامل النفسية التي تسهل
стр. 23
المعصية وتزينها كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، منها:
أ - إتباع الهوى وهو مذموم قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٤] ففرق تعالى بين أهل الإتباع للحق وأهل الأهواء الذين لا ينضبطون باتباع ما ينافي أهواءهم وينغص عليهم رغباتهم، واتباعهم للأهواء نوع من العبودية لغير الله، وفيهم شبه بالبهائم التي لا يهمها غير شهوة البطن والفرج، وقد قال جل ذكره: ﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَليْهِ وَكِيلا [٤٣] أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَل هُمْ أَضَل سَبِيلا﴾ [الفرقان:٤٤]
وقال في موضع: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الهَوَى فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠-٤١]
ولا يتبع هواه إلا ضعيف الإيمان ناقص المروءة مهزوز الإرادة من خارت عزيمته ومرض قلبه وقعدت نفسه عن معالي الأمور لذا لا يوصف باتباع الأهواء
في القرآن العظيم إلا أهل الضلالة والشقاوة.
قال ابن تيميّة ﵀: ”أصل الهوى محبة النفس ويتبع ذلك بغضها ونفس الهوى وهو الحب والبغض الذى فىالنفس لا يلام عليه فان ذلك قد لا يملك وإنما يلام على اتباعه كما قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الهَوَى فَيُضِلكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [ص: ٢٦] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَل مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللهِ﴾ [القصص: ٥٠] وقال النبى ﷺ : ”ثلاث منجيات خشية الله فى السر والعلانية والقصد فى الفقر والغنى وكلمة الحق فى الغضب والرضا وثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع واعجاب المرء بنفسه “ ١.
والحب والبغض يتبعه ذوق عند وجود المحبوب والمبغض ووجد وارادة
стр. 24
وغير ذلك فمن اتبع ذلك بغير أمر الله ورسوله فهو ممن اتبع هواه بغير هدى من الله بل قد يصعد به الأمر الى أن يتخذ الهه هواه واتباع الأهواء فى الديانات أعظم من اتباع الاهواء فى الشهوات فان الأول حال الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين كما قال تعالى ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ ١.
ب- والنفس الأمارة بالسوء وفيها قوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف:٥٣]
قال ابن تيميّة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف] وهذا يدل على أنه ليس كل نفس أمارة بالسوء بل ما رحم ربى ليس فيه النفس الأمارة بالسوء. وقد ذكر طائفة من الناس أن النفس لها ثلاثة أحوال تكون أمارة بالسوء ثم تكون لوامة أي تفعل الذنب ثم تلوم عليه أو تتلوم فتتردد بين الذنب والتوبة ثم تصير مطمئنة والمقصود هنا أن ما رحم ربي من النفوس ليست بأمارة وإذا كانت النفوس منقسمة إلى مرحومة وأمارة فقد علمنا قطعا أن نفس امرأة العزيز من النفوس الأمارة بالسوء لأنها أمرت بذلك مرة بعد مرة وراودت وافترت وإستعانت بالنسوة وسجنت ...) ٢.
جـ- والتقليد الأعمى ومسايرة السادة والزعماء في الباطل وفيه قوله تعالى: ﴿قَال الذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَل كُنتُمْ مُجْرِمِينَ وَقَال الذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَل مَكْرُ الليْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَل لهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لمَّا رَأَوْا العَذَابَ وَجَعَلنَا الأَغْلال فِي أَعْنَاقِ الذِينَ كَفَرُوا هَل يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ:٣٢-٣٣] .
стр. 25
د- والمال والغنى والجاه وكل ذلك يطغي ويلهي إن لم تصاحبه تقوى الله تعالى، قال تعالى: ﴿كَلا إِنَّ الإِنسَانَ ليَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٧] .
وقال في موضع: ﴿وَلوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧] .
?- والركون إلى الحياة الدنيا بزخارفها وزيناتها وخداعها واغترار الناس بها الا من رحم الله وفي هذا يقول تعالى: ﴿اعْلمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لعِبٌ وَلهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠] وقال في موضع: ﴿بَل تُؤْثِرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٦-١٧] .
و_ وأيضا ما يرين على القلوب من المعاصي بالتمادي فيها والغفلة عن الله ونسيان لقائه وكل ذلك يزيد الشقي شقاءا قال تعالى: ﴿كَلا بَل رَانَ عَلى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] .
قال ابن تيمية: ” والمؤمن لا يزال يخرج من الظلمات إلى النور ويزداد هدى فيتجدد له من العلم والإيمان ما لم يكن قبل ذلك فيتوب مما تركه وفعله والتوبة تصقل القلب وتجليه مما عرض له من رين الذنوب” كما قال النبي ﷺ : “إن العبد إذا أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي قال الله ﴿كَلا بَل رَانَ عَلى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] “١.
стр. 26
وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح “إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة” ١.
والتوبة من الإعتقادات أعظم من التوبة من الإرادات فإن من ترك واجبا أو فعل قبيحا يعتقد وجوبه وقبحه كان ذلك الإعتقاد داعيا له إلى فعل الواجب ومانعا من فعل القبيح فلا يكون في فعله وتركه ثابت الدواعي والصوارف بل تكون دواعيه وصوارفه متعارضة ولهذا يكون الغالب على هذا التلوم وتكون نفسهم لوامة تارة يؤدون الواجب وتارة يتركونه وتارة يتركون القبيح وتارة يفعلونه كما تجده في كثير من فساق القبلة الذين يؤدون الحقوق تارة ويمنعونها أخرى ويفعلون السيئات تارة ويتركونها”٢.
وعلى الداعية أن يعرف هذه الأسباب ومكامن الداء في النفس حتى إذا أوقع علاجه أوقعه على بصيرة وبقدر وحكمة.
стр. 27
أنواع المعاصي ودركاتها:
المعاصي تتفاوت بحسب الجرم، وبحسب الحال، وبحسب العاصي المتلبس بالمعصية، وبحسب الزمان والمكان، فمن المعاصي الكبائر ومنها الصغائر، ومنها ما يرتكبه العاصي عمدا ومنها ما يرتكبه ناسيا أو جهلا، ومنها ما يرتكبه متأولا، والداعية الحصيف عليه أن يدرك ذلك كله قبل أن يبدأ العلاج والتقويم والنصح والتوجيه والوعظ.
فالمعاصي باعتبار الدركات: كبائر وصغائر كما في قول الباري جل ذكره ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًاء﴾ [النساء:١٤] .
стр. 28
وقال جل ذكره في موضع: ﴿وَالذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى:٣٧] .
وقال: ﴿الذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالفَوَاحِشَ إِلا اللمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلمُ بِمَنْ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] .
ففي هذه الآيات البينات أن الذنوب كبائر وصغائر والصغائر هي اللمم والسيئات، وينبغي للمسلم أن لا يستهين بالمحقرات والصغائر فإن معظم النار من مستصغر الشرر، وكما قال الحكماء: لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن أنظر إلى عظمة من عصيت! وهو الله ﵎. وهذا الفهم قالت به عامة الأشعرية وهو أن الذنوب كلها كبائر١.
وهو صحيح لكن باعتبار من عُصي وهو الله ﵎، أما باعتبار تفاوت الذنوب فهي صغائر وكبائر بنص التنزيل الحكيم كما سبق إيرادها قريبا وهو قول عامة الفقهاء.
والكبائر المذكورة في الآيات الآنفة كثيرة جدا، منها ما بينتها السنة النبوية كما في أحاديث أنس وأبي هريرة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وغيرهم ﵃ جميعا.
ففي حديث أنس ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن الكبائر فقال: “ الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس وشهادة الزور” ٢.
وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ” اجتنبوا السبع الموبقات” قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: ” الشرك بالله، والسحر، وقتل
стр. 29
النفس التي حرم الله الا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات”١.
وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعا إلى النبي ﷺ : “الكبائر الاشراك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وقول الزور “ ٢
ولا جرم أن الشرك بالله أعظم الذنوب وأكبر الكبائر وهو المبدوء به في الأحاديث السابقة ويوضح ذلك أكثر حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: “أن تجعل لله ندا وهو خلقك” قلت ثم أي؟ قال: “ أن تقتل ولدك تحاف أن يطعم معك “ قلت ثم أي؟ قال: “أن تزاني حليلة جارك” ٣.
وقد ذكر ابن كثير أقوال العلماء في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١] منها ما روي عن ابن عباس ﵄ أنهم قالوا عن الكبائر هي سبع، فقال: ” أكثر من سبع وسبع قال فلا أدري كم قالها من مرة”. وفي رواية ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ” هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع” قال ابن كثير: ورواه ابن جرير عن ابن حميد عن ليث عن طاوس قال جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أرأيت الكبائر السبع التي ذكرهن الله ما هن قال: “هن إلى السبعين أدنى منهن إلى سبع” وروى بسنده عن سعيد بن جبير: أن رجلا قال لابن عباس ﵄: كم الكبائر سبع؟ قال: “هن إلى سبع مئة أقرب منها إلى سبع غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار”٤.
стр. 30
وقد عني علماء الإسلام ببيان الكبائر وتحديد عددها وأعيانها منهم الإمام الذهبي ﵀ إذ ألف كتابا سماه (الكبائر) وذكر فيه سبعين كبيرة.
ولكن ما هي الكبيرة ولم سميت بذلك؟
قال اللغويون: “ الكَبَائر واحدتُها كبيرة وهي الفَعْلة القبيحة من الذنوب المَنْهيِّ عنها شرعا العظيمِ أمْرُها كالقَتْل والزّنا والفِرار من الزّحْف وغير ذلك وهي من الصِّفات الغالِبة وفي حديث الإفْكِ وهو الذي تَولى كِبْرَه أي مُعْظَمه وقيل الكِبْر الإثم وهو من الكَبِيرة كالخِطْء من الخَطيئة وفيه أيضا أنّ حَسَّانَ كان ممَّنْ كَبُر عليها ومنه حديث عذاب القبر “إنهما ليُعَذَّبان وما يُعَذَّبان في كَبير”١.
أي ليس في أمْرٍ كان يَكْبُر عليهما ويَشُقُّ فِعْلُه لو أرَادَاه لا أنه في نَفْسِه غيرُ كبير وكَيْف لا يكون كَبِيرا وهُما يُعَذَّبان فيه، وفيه: “ لا يَدخُلُ الجنةَ من في قَلبه مِثقالُ حَبَّة من خَرْدَلٍ من كِبْر”٢٣.
نقل ابن كثير أقوال ابن عباس في ذلك منها قوله: “ الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب” وقال: “ كل ما نهى الله عنه كبيرة” وقال: “كل شيء عصى الله به فهو كبيرة “ ثم ذكر أقوال التابعين فذكر قول ابن عبيدة: “ الكبائر الإشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها والفرار يوم الزحف وأكل مال اليتيم وأكل الربا والبهتان قال ويقولون: أعرابية بعد هجرة! ”.
ونقل عن ابن جريربسنده عن عبيد بن عمير قال: “ الكبائر سبع ليس منهن كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله:
- الإشراك بالله منهن ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ
стр. 31
أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] .
- أكل مال اليتيم ﴿إِنَّ الذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال اليَتَامَى ظُلمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠] .
- أكل الربا ﴿الذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
- قذف المحصنات ﴿إِنَّ الذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ الغَافِلاتِ المُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣] .
- الفرار من الزحف ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا لقِيتُمْ الذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلوهُمْ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال:١٥] .
- التعرب بعد الهجرة [أي الرجوع إلى حياة الأعراب والبداوة قال تعالى ﴿إِنَّ الذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لهُمْ الهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّل لهُمْ وَأَمْلى لهُمْ﴾ [محمد:٢٥] .
- قتل المؤمن ﴿وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَليْهِ وَلعَنَهُ وَأَعَدَّ لهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣] .
ثم ذكر أن شتم الصحابة لاسيّما الشيخين من الكبائر المكفرة، وعن عطاء ابن أبي رباح قال: “ الكبائر سبع قتل النفس وأكل مال اليتيم وأكل الربا ورمي المحصنة وشهادة الزور وعقوق الوالدين والفرار من الزحف” ١.
وقال الإمام الذهبي: “الذي يتجه ويقوم عليه الدليل أن من ارتكب شيئا من هذه العظائم مما فيه حد في الدنيا كالقتل والزنا والسرقة أو جاء فيه وعيد في الآخرة من عذاب أو غضب أو تهديد أو لعن فاعله على لسان نبينا محمد صلى
стр. 32
الله عليه وسلم فإنه كبيرة “١.
ولئن كانت المعاصي بحسب دركاتها كبائر وصغائر، فإنها من حيث تبعاتها وما يترتب عليها أنواع، وفي هذا قال ابن القيم ﵀: “ والمعاصي ثلاثة أنواع: نوع فيه حد ولا كفارة فيه كالزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف فهذا يكفي فيه الحد عن الحبس والتعزيز، ونوع فيه كفارة ولا حد فيه كالجماع في الإحرام أو في نهار رمضان ووطء المظاهرمنها قبل التكفير، فهذا تكفي فيه الكفارة عن الحد، وهل تكفي عن التعزير؟ فيه قولان للفقهاء، ونوع لا كفارة فيه ولا حد كسرقة مالا قطع فيه واليمين الغموس عند أحمد وأبي حنيفة، والنظر إلى الأجنبية ونحو ذلك، فهذا يسوغ فيه التعزير وجوبا عند الأكثرين وجوازا عند الشافعي” ٢.
إن معرفة الداعية بهذه المسائل المتعلقة بالمعاصي وأنواعها ونتائجها باب عظيم من أبواب العلم والحكمة، إذ تمثل الخطوة الأولى والأهم لمعالجة العصاة وردهم إلى حياض التقوى والطاعة بالأسلوب الحكيم والموقف الرزين.
стр. 33
باب: أساليب دعوة العصاة
أسلوب التعليم والتبصير
...
المحور الثاني: أساليب دعوة العصاة
إن اشتغال الدعاة بدعوة العصاة لهو العمل الأكبر الذي يقومون به داخل المجتمع الإسلامي، ولا يقل أهمية وفضلا عن دعوة غير المسلمين، وأساليب دعوة العصاة المسلمين تتنوع وتتعدد بتعدد العصاة وتعدد المعاصي وتفاوتها، وأيضا تنوع أسباب وقوع الناس في المعاصي، وهذا أمر يلمسه الداعية الدارس لأساليب الدعوة المتأمل في النصوص التي تضبطها وتحكمها وتفصل الحديث فيها.
ويمكن تلخيص تلك الأساليب في الآتي:
١- أسلوب التعليم والتبصير.
٢- أسلوب تقوية الايمان وتقوية الوازع الديني.
٣- أسلوب الوعظ والتذكير.
٤- أسلوب التأليف والستر.
٥- أسلوب حفز العاطفة واثارة الشعور والغيرة.
٦- أسلوب الاستتابة.
٧- أسلوب الزجر بالاغلاظ في القول والضرب.
٨- الردع بإقامة الحدود الشرعية والكفارات.
٩- أسلوب تغيير البيئة.
١٠- إيجاد البدائل.
١١- أسلوب الهجر.
ولنتناول كل واحد من هذه الأساليب بشئ من التفصيل على ضوء الكتاب والسنة النبوية الشريفة والسيرة العطرة وبعض مواقف السلف الصالح، فأقول وبالله تعالى التوفيق ومنه جل وعلا التسديد والتأييد:
стр. 34
١- أسلوب التعليم والتبصير:
وهو أسلوب يأتي في المقدمة، ويأخذ مكانته في أوليات سُلم الأساليب، لأن العلم يسبق القول والعمل، والمؤاخذة والمعاتبة والمناصحة وغير ذلك من أساليب التربية والتقويم والدعوة إنما تسوغ بعد التعليم والتبصير والتنوير وإقامة الحجة وإيضاح المحجة!.
وبأسلوب التعليم والتبصير يتحقق البلاغ وتقام الحجة، وينبغي أن يسبق التعليمُ المؤاخذةَ والمحاسبة وهذا هو الترتيب الطبيعي لإصلاح العصاة.
وللعلماء تفصيل في إلزام المسلم بمعرفة الأحكام التفصيلية ليس هنا موضع إيرادها، ومن الإشارة إليها ما قاله ابن تيمية: “ اختلف العلماء في خطاب الله ورسوله هل يثبت حكمه في حق العبيد قبل البلاغ؟ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، قيل يثبت وقيل لا يثبت وقيل يثبت المبتدأ دون الناسخ، والصحيح الذي دل عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الاسراء:١٥] .
وقوله ﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٦٥] .
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : “ ما أحد أحب اليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين” ١،٢.
وفي أسلوب العلم والتعليم عدد من الثوابت والمبادئ التي لابد للداعية من معرفتها وتعلمها وتعليمها وتبصير العصاة بها، ومنها:
أ) العلم بشرط قبول العمل وهو منحصر في الإخلاص والمتابعة، كما قال
стр. 35
تعالى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ [الملك:٢] قال الفضيل بن عياض ﵀: “ أخلصه وأصوبه فان العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة”١.
فالعمل الصالح لا بد أن يراد به وجه الله تعالى فان الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه وحده كما في الصحيح عن النبي ﷺ قال: “ يقول الله أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا برئ منه وهو كله للذي أشرك” ٢،٣.
ب) تعليم المسلمين التوحيد وتبصيرهم به وبأهميته القصوى وتربيتهم عليه، لا سيما توحيد الألوهية الذي هو أصل الدين وأساسه وهو الأصل الذي دعا إليه كل الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن تتبع الآيات القرآنية الشريفة التي تأمر بالتوحيد وتحض عليه وتنوه بقيمته وأهميته، وتنهى عن الشرك وتحذر من خطره يجد حشدا كبيرا، الأمر الذي يبرز أهمية التوحيد وأنه أساس كل دعوة وأصل كل عمل شريف، ولنذكر منها الآيات التالية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة [٥] .
﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ لا إِلهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] .
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] .
الذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر:٢٣] .
﴿رَبُّ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا﴾ [المزمل:٩] .
والآيات البينات ونظائرها في تقرير التوحيد كثيرة جدا، وهي على كثرتها وتنوع دلالاتها تؤكد وترسخ هذا الأصل الذي عليه تقوم كل دعوة وعليه يؤسس كل مجتمع راشد إنه أصل توحيد العبادة وهو توحيد الألوهية الذي هو أصل الأصول.
ومن السنة النبوية من عشرات الأحاديث حديث معاذ بن جبل ﵁ قال قال النبي ﷺ : “ يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد قال الله ورسوله أعلم قال أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدري ما حقهم عليه قال الله ورسوله أعلم قال أن لا يعذبهم “ ١.
وللتوحيد مستلزمات ومقتضيات حرص عليها المسلمون مذ كانوا، ومن عشرات الأمثلة عليه من سيرة السلف حديث عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عن ابن أخت زينب امرأة عبد الله عن زينب قالت كانت عجوز تدخل علينا ترقي من الحمرة وكان لنا سرير طويل القوائم وكان عبد الله إذا دخل تنحنح وصوت فدخل يوما فلما سمعت صوته احتجبت منه فجاء فجلس إلى جانبي فمسني فوجد مس خيط فقال ما هذا فقلت رقى لي فيه من الحمرة فجذبه وقطعه فرمى به وقال لقد أصبح آل عبد الله أغنياء عن الشرك سمعت رسول الله ﷺ يقول “ إن الرقى والتمائم والتولة شرك” ٢.
قلت فإني خرجت يوما فأبصرني فلان فدمعت عيني التي تليه فإذا رقيتها
стр. 39
سكنت دمعتها، وإذا تركتها دمعت قال ذاك الشيطان إذا أطعته تركك وإذا عصيته طعن بإصبعه في عينك ولكن لو فعلت كما فعل رسول الله ﷺ كان خيرا لك وأجدر أن تشفين تنضحين في عينك الماء وتقولين " أذهب الباس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما" ١.
ج) معرفته بأن مدار الفوز بالجنة والنجاة من النار محض رحمة الله تعالى وتفضله، وهذه الرحمة تتحقق بشرط الايمان والعمل الصالح، ففي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : “ لن ينجي أحدا منكم عمله” قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: “ ولا أنا الا أن يتغمدني الله برحمة، سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشئ من الدلجة والقصد القصد تبلغوا” ٢.
وفي الحديث كما قال ابن حجر: أن العامل لا ينبغي أن يتكل على عمله في طلب النجاة ونيل الدرجات لأنه إنما عمل بتوفيق الله وإنما ترك المعصية بعصمة الله فكل ذلك بفضله ورحمته٣.
د) ومما ينبغي تعليم العصاة وتبصيرهم به مما هو مندرج في مضامين التربية والتعليم:
التبصير بأن للذنوب والمعاصي آثارا وخيمة في الحياة الدنيا وتبعة ثقيلة في الآخرة إن لم تتدارك العصاة رحمة الله، فمن آثار الذنوب في الدنيا ذهاب النعم وحلول النقم، ومن الشواهد العملية ما حصل للمسلمين يوم أحد من الهزيمة والضعف، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الذِينَ تَوَلوْا مِنْكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٥٥]
стр. 40
ثم قارن بين الحالين حال التقاة وحال العصاة فقال ﴿أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [آل عمران:١٦٢]
ثم بين أن الذنوب سبب الضعف والمصائب فقال: ﴿أَوَلمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْليْهَا قُلتُمْ أَنَّى هَذَا قُل هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:١٦٥] في آيات مترابطة محكمة يعتبر بها أولوا الألباب.
ومن الأمثلة أيضا أن الله تعالى حذر من عواقب المعصية بكل صورها وأشكالها وأنها عواقب وخيمة ينبئ عنها أسلوب التهديد في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام:١٢٠] .
وهذا ولا شك تهديد ووعيد شديد من رب الأرباب وقيوم السموات، والجزاء بالمعاصي يكون في الدنيا أو في الآخرة أو في الدارين معا أجارنا الله من ذلك، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]
أي ما أصابكم من مصائب الدنيا فسببها أعمالكم السيئة فضلا عن عواقبها الوخيمة في الآخرة إن لم يغفرها الله، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الذِينَ آمَنُوا لهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلمُونَ﴾ [النور:١٩] فذكر هاهنا عذاب الدنيا والآخرة لمن يعمل على نشر الفواحش في صفوف المؤمنين.
وقد يكون أثر التمادي في المعاصي وبيلا جدا قال ابن تيمية ﵀: “ولا ريب أن المعصية قد تكون بريد الكفر فينهى عنها خشية أن تفضي إلى الكفر المحبط كما قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلمُ اللهُ الذِينَ يَتَسَللُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَليَحْذَرْ الذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] وإبليس