← Общие книги

Общие книги · id 12194

أساليب دعوة العصاة

عبد الرب نواب الدين

Полный текст (117 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

﴿اللهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران:٢] . ﴿هُوَ الذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلهَ إِلا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران:٦] . ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ لا إِلهَ إِلا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمرانك:١٨] . ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ ليَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧] . ﴿ذَلِكُمْ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُل شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُل شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام:١٠٢] . ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِليْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنْ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٠٦] . ﴿قُل يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِليْكُمْ جَمِيعًا الذِي لهُ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلهَ إِلا هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لعَلكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨] . ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلهًا وَاحِدًا لا إِلهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١] . ﴿فَإِن لمْ يَسْتَجِيبُوا لكُمْ فَاعْلمُوا أَنَّمَا أُنزِل بِعِلمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلا هُوَ فَهَل أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود:١٤] . ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَليْهِمْ الذِي أَوْحَيْنَا إِليْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَانِ قُل هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلا هُوَ عَليْهِ تَوَكَّلتُ وَإِليْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد:٣٠] .

стр. 37

﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل:٢] . ﴿إِنَّمَا إِلهُكُمْ اللهُ الذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ وَسِعَ كُل شَيْءٍ عِلمًا﴾ [طه:٩٨] . ﴿وَمَا أَرْسَلنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِليْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] . ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لنْ نَقْدِرَ عَليْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] . ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ لا إِلهَ إِلا هُوَ كُل شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لهُ الحُكْمُ وَإِليْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨] . ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَليْكُمْ هَل مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣] . ﴿خَلقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَل مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَل لكُمْ مِنْ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلقًا مِنْ بَعْدِ خَلقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمْ اللهُ رَبُّكُمْ لهُ المُلكُ لا إِلهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر:٦] . ﴿بل الله فاعبد وكن من الشاكرين﴾ [الزمر] . ﴿هُوَ الحَيُّ لا إِلهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالمِينَ﴾ [غافر:٦٥] . ﴿لا إِلهَ إِلا هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ﴾ [الدخان:٨] . ﴿فَاعْلمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ يَعْلمُ مُتَقَلبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٩] . ﴿هُوَ اللهُ الذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ هُوَ اللهُ

стр. 38

الذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر:٢٣] . ﴿رَبُّ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا﴾ [المزمل:٩] . والآيات البينات ونظائرها في تقرير التوحيد كثيرة جدا، وهي على كثرتها وتنوع دلالاتها تؤكد وترسخ هذا الأصل الذي عليه تقوم كل دعوة وعليه يؤسس كل مجتمع راشد إنه أصل توحيد العبادة وهو توحيد الألوهية الذي هو أصل الأصول. ومن السنة النبوية من عشرات الأحاديث حديث معاذ بن جبل ﵁ قال قال النبي ﷺ : “ يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد قال الله ورسوله أعلم قال أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدري ما حقهم عليه قال الله ورسوله أعلم قال أن لا يعذبهم “ ١. وللتوحيد مستلزمات ومقتضيات حرص عليها المسلمون مذ كانوا، ومن عشرات الأمثلة عليه من سيرة السلف حديث عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عن ابن أخت زينب امرأة عبد الله عن زينب قالت كانت عجوز تدخل علينا ترقي من الحمرة وكان لنا سرير طويل القوائم وكان عبد الله إذا دخل تنحنح وصوت فدخل يوما فلما سمعت صوته احتجبت منه فجاء فجلس إلى جانبي فمسني فوجد مس خيط فقال ما هذا فقلت رقى لي فيه من الحمرة فجذبه وقطعه فرمى به وقال لقد أصبح آل عبد الله أغنياء عن الشرك سمعت رسول الله ﷺ يقول “ إن الرقى والتمائم والتولة شرك” ٢. قلت فإني خرجت يوما فأبصرني فلان فدمعت عيني التي تليه فإذا رقيتها

стр. 39

سكنت دمعتها، وإذا تركتها دمعت قال ذاك الشيطان إذا أطعته تركك وإذا عصيته طعن بإصبعه في عينك ولكن لو فعلت كما فعل رسول الله ﷺ كان خيرا لك وأجدر أن تشفين تنضحين في عينك الماء وتقولين " أذهب الباس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما" ١. ج) معرفته بأن مدار الفوز بالجنة والنجاة من النار محض رحمة الله تعالى وتفضله، وهذه الرحمة تتحقق بشرط الايمان والعمل الصالح، ففي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : “ لن ينجي أحدا منكم عمله” قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: “ ولا أنا الا أن يتغمدني الله برحمة، سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشئ من الدلجة والقصد القصد تبلغوا” ٢. وفي الحديث كما قال ابن حجر: أن العامل لا ينبغي أن يتكل على عمله في طلب النجاة ونيل الدرجات لأنه إنما عمل بتوفيق الله وإنما ترك المعصية بعصمة الله فكل ذلك بفضله ورحمته٣. د) ومما ينبغي تعليم العصاة وتبصيرهم به مما هو مندرج في مضامين التربية والتعليم: التبصير بأن للذنوب والمعاصي آثارا وخيمة في الحياة الدنيا وتبعة ثقيلة في الآخرة إن لم تتدارك العصاة رحمة الله، فمن آثار الذنوب في الدنيا ذهاب النعم وحلول النقم، ومن الشواهد العملية ما حصل للمسلمين يوم أحد من الهزيمة والضعف، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الذِينَ تَوَلوْا مِنْكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٥٥]

стр. 40

ثم قارن بين الحالين حال التقاة وحال العصاة فقال ﴿أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [آل عمران:١٦٢] ثم بين أن الذنوب سبب الضعف والمصائب فقال: ﴿أَوَلمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْليْهَا قُلتُمْ أَنَّى هَذَا قُل هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:١٦٥] في آيات مترابطة محكمة يعتبر بها أولوا الألباب. ومن الأمثلة أيضا أن الله تعالى حذر من عواقب المعصية بكل صورها وأشكالها وأنها عواقب وخيمة ينبئ عنها أسلوب التهديد في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام:١٢٠] . وهذا ولا شك تهديد ووعيد شديد من رب الأرباب وقيوم السموات، والجزاء بالمعاصي يكون في الدنيا أو في الآخرة أو في الدارين معا أجارنا الله من ذلك، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] أي ما أصابكم من مصائب الدنيا فسببها أعمالكم السيئة فضلا عن عواقبها الوخيمة في الآخرة إن لم يغفرها الله، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الذِينَ آمَنُوا لهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلمُونَ﴾ [النور:١٩] فذكر هاهنا عذاب الدنيا والآخرة لمن يعمل على نشر الفواحش في صفوف المؤمنين. وقد يكون أثر التمادي في المعاصي وبيلا جدا قال ابن تيمية ﵀: “ولا ريب أن المعصية قد تكون بريد الكفر فينهى عنها خشية أن تفضي إلى الكفر المحبط كما قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلمُ اللهُ الذِينَ يَتَسَللُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَليَحْذَرْ الذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] وإبليس

стр. 41

خالف أمر الله فصار كافرا وغيره أصابه عذاب أليم١. ومما ينبغي تعليمه العصاة وتبصيرهم به أن الله ﵎ بين أن آثار المعاصي لا تقتصر على العصاة فقط وإنما تعم المجتمع بأسره قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ [الأنفال:٢٥] بل وتبقى آثار المعاصي من شؤمها حتى على غير البشر ودليله ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال “ الحجر الأسود من الجنة وكان أشد بياضا من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك “ ٢. وأن من نجا من آثار الذنوب وتبعات المعاصي يوم القيامة فقد فاز وأفلح قال تعالى: ﴿وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [غافر:٩] . وقال في الهالكين من العصاة المجرمين ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:٤١] . ومن أساليب القرآن العظيم في ذلك بيان أثر الطاعة الحميد مع بيان أثر المعصية الوخيم ليختار الانسان لنفسه ما يتحمل تبعته ويتكبد معرته! وهو أثر يمتد من الحياة الدنيا ليشمل الدار الآخرة، مما ورد في أهل الطاعة والمتقين: - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَل مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلا يُظْلمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء:١٢٤] . - وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِل صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] . - وقال في موضع: ﴿إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَليْهِمْ وَلا

стр. 42

هُمْ يَحْزَنُونَ أُوْلئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف:١٣-١٤] - وقال: ﴿إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الذاريات:١٥] - وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] وهذه النصوص ونظائرها مما مضى ومما سيأتي إن شاء الله تعالى مادة علمية جليلة يستمد منها الداعية مواعظه بين المؤمنين ويقيم عليها أسلوبه في الخطاب والحوار والمواقف. ولا تنبغي الاستهانة بالأمر بالمعروف ولو كان قليلا فإنه بالإخلاص يعظم حتى ينجي بإذن الله صاحبه من العقاب وفي حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: “ لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق” ١. ومن السير قصة البغيّ من رواية أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: “ بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني اسرائيل فنزعت موقها فسقته فغفر لها “ ٢. وفي وصف أهل الطاعة والتقوى أهل الجنة وهم أهل الايمان والعمل الصالح حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال النبي ﷺ : “ إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك وسعديك فيقول هل رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك. فيقول أناأعطيكم أفضل من ذلك قالوا يا رب وأي شئ أفضل من ذلك. فيقول: أهل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا” ٣.

стр. 43

يا لها من بشارة لو فقهها المؤمنون وأعدوا لها عدتها!. ومما ورد في أهل المعصية سوى ما تقدم قوله تعالى: ﴿كُل نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ اليَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنْ المُجْرِمِينَ مَا سَلكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لمْ نَكُ مِنَ المُصَلينَ وَلمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا اليَقِينُ﴾ [المدثر:٣٨-٤٧] ففي الآية الشريفة أن من أسباب دخول النار: ترك الصلاة إما كسلا أو جحودا وعدم إطعام المسكين، وكذلك الخوض مع الخائضين والتكذيب بيوم الدين، وهذه معاصي كبيرة كما ترى. ومما ورد على سبيل المقارنة بين الحالين والتباين بين السبيلين قوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ مَا لكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٦-٣٥] . وقال في موضع: ﴿فَلا تَعْلمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ أَمَّا الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلهُمْ جَنَّاتُ المَأْوَى نُزُلا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ كُلمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيل لهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ وَلنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ العَذَابِ الأَدْنَى دُونَ العَذَابِ الأَكْبَرِ لعَلهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة:١٧-٢١] . وقال في موضعٍ بعد أن ذكر أهل النار وأهل الجنة: ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَل يَسْتَوِيَانِ مَثَلا أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود:٢٤] . وليس بعد هذه الآيات البينات بيان ولا بعدها حجة ولا برهان ﴿تِلكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَليْكَ بِالحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:٦] . ج) ومن مجالات التعليم في تبصير العصاة: تعريفهم بحقيقة الدنيا وأنها دار ابتلاء وامتحان كي لا يغتروا بها ولا يركنوا إليها ولا تلهيهم عن معالي الأمور

стр. 44

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣] . د) ومما يندرج في ذلك إيجاد القناعة لدى المسلم بما كتب الله له فلا تطمح عينه إلى حقوق الآخرين ولا تمتد يده إلى أموالهم ولا يلوك لسانه أعراضهم فمتى حصلت لديه القناعة بحرمة الآخرين وحرمة حقوقهم ومكتسباتهم لم يتعد حدوده، وفي هذا حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : “ انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله “١. هـ) ومن مجالات تعليمهم وتبصيرهم: إيقافهم على آثار الإستغفار والتوبة والأوبة في الدنيا والآخرة من ازدياد الثمار ونزول البركة وارتفاع القحط ورخص الأسعار ونحو ذلك وفي الآخرة مغفرة ورضوان وأن ترك الاستغفار والتمادي في المعاصي على العكس من ذلك، وفي هذا قول الباري جل ذكره في قصة هود ﵇: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِليْهِ يُرْسِل السَّمَاءَ عَليْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢] وقال في داود ﵇: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لهُ عِنْدَنَا لزُلفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص:٢٥] وقال في دعوة نوح ﵇: ﴿فَقُلتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِل السَّمَاءَ عَليْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لكُمْ أَنْهَارًا مَا لكُمْ لا تَرْجُونَ لِلهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣-١٠] إن هذا الأسلوب التربوي الإيماني يفتح في المؤمن البصيرة فيرى بنور الله ويزيده ذلك إيمانا ويقينا، لذا يكون حساسا كثير الخوف من الله فيتقه ويتقي

стр. 45

عقابه وغضبه باتقاء المعاصي، وتأمل حال النبي ﷺ كيف كان مرهف الحس، تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: “كان النبي ﷺ إذا رأى مخيلة أقبل وأدبر، فإذا أمطرت سري عنه) قالت فقلت له، فقال: وما أدري لعله كما قال الله تعالى: ﴿فَلمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِل أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَل هُوَ مَا اسْتَعْجَلتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف:٢٤] ” ١. و) ومن مجالات تبصير العصاة أيضا: تعليمهم الآداب والأخلاق الإسلامية التي هي بمثابة التحصين لهم من الوقوع في المعاصي وهي من التدابير الشرعية لقطع دابر المعصية قبل وقوعها وقبل تكرارها وهذا ما يعبرون عنه بقولهم الوقاية خير من العلاج، وهذا باب تربوي عظيم ولنضرب فيه بعض الأمثلة: - في الدخول إلى البيوت لابد من استئذان وإعلام كي لا يقع البصر على عورة أو تمتد يد إلى محرم أو يتعلق قلب بشهوة موبقة، ولا يجوز الهجوم في الدخول كيفما اتفق، وفي تقرير هذا الأدب الإسلامي الجليل قول الباري جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلمُوا عَلى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لكُمْ لعَلكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِنْ لمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لكُمْ وَإِنْ قِيل لكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢٨-٢٧] . - في سلوك المسلم العام لابد من حفظ البصر والسمع والفؤاد عما نهى الله عنه صيانة له من العطب ووقاية لأخلاقه من كل شر وسوء قال تعالى: ﴿قُل لِلمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِلمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَليَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُن إِلا لِبُعُولتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولتِهِنَّ أَوْ

стр. 46

أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الذِينَ لمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لعَلكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١-٣٠] - في تنمية الرقابة الذاتية التي تنهى المسلم بالدافع الذاتي عن الفحشاء والمنكر فتستوي عنده الخلوة والجلوة قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام:١٢٠] وكم في الآيات البينات من دروس وعبر، وكم فيها من آداب وأخلاق، لو وفق الدعاة إلى تعليمها الناس وتربيتهم عليها وتبصيرهم بآثارالإلتزام بها لكان للناس شأن آخر.

стр. 47

٢- أسلوب تقوية الإيمان وتقوية الوازع الديني: لا جرم أن الايمان بالله وبيوم الحساب وما فيه من جزاء وحساب وجنة ونار هو الصراط السوي الذي يحفز على التقوى ويقي المسلم بإذن الله تعالى مصارع السوء فإذا ما انتفى الإيمان أو ضعف، قويت نوازع الشر فغلبت الشهوات على النفس فلا يزال الإيمان والحال هذه في ضعف كما في أبي هريرة ﵁ مرفوعا إلى النبي ﷺ : “ لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن” ١. إن الرقابة الذاتية والشعور بالذنب وهو ما يسمى بيقظة الضمير، هو الذي يعصم بعد الله تعالى من الوقوع في الاثم ومقارفة السيئات أو التمادي فيها، فإذا ما ضعف الإيمان وكلت العزيمة وخارت تنامى في النفس التهاون

стр. 48

بمحارم الله والعياذ بالله، وهذا يتفاوت من جيل إلى جيل كما في حديث أنس ﵁ قال: " إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد النبي ﷺ من الموبقات" ١. ويوضح هذا بجلاء أكثر حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال:" إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا، فقال أبو شهاب [يعني الراوي] بيده فوق أنفه " ٢. ونقل ابن حجر عن المحب الطبري قال: إنما كانت هذه صفة المؤمن لشدة خوفه من الله ومن عقوبته لأنه على يقين من الذنب وليس على يقين من المغفرة، والفاجر قليل المعرفة بالله فلذلك قل خوفه واستهان بالمعصية٣. وقال قوله " إِنَّ المُؤْمِن يَرَى ذُنُوبه كَأَنَّهُ قَاعِد تَحْت جَبَل يَخَاف أَنْ يَقَع عَليْه" قال ابن أَبِي جمرة: “السَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّ قَلب المُؤْمِن مُنَوَّر, فَإِذَا رَأَى مِنْ نَفْسه مَا يُخَالِف مَا يُنَوِّر بِهِ قَلبه عَظُمَ الأَمْر عَليْهِ, وَالحِكْمَة فِي التَّمْثِيل بِالجَبَلِ أَنَّ غَيْره مِنْ المُهْلِكَات قَدْ يَحْصُل التَّسَبُّب إِلى النَّجَاة مِنْهُ بِخِلافِ الجَبَل إِذَا سَقَطَ عَلى الشَّخْص لا يَنْجُو مِنْهُ عَادَة. وَحَاصِله أَنَّ المُؤْمِن يَغْلِب عَليْهِ الخَوْف لِقُوَّةِ مَا عِنْده مِنْ الإِيمَان فَلا يَأْمَن العُقُوبَة بِسَبَبِهَا, وَهَذَا شَأْن المسلم أَنَّه دائم الخَوف وَالمراقبَة، يستصْغر عمله الصَّالح ويخشى من صغير عمله السَّيِّئ “. قوله “وإنّ الفَاجر يَرى ذنوبه كذباب “ في رواية أَبي الرَّبيع الزّهراني عن أَبِي شهاب عند الإِسماعيلِيّ “ يرى ذنُوبه كأَنَّهَا ذباب مرَّ على أَنْفه “ أَي ذَنْبه سهل عنده لا

стр. 49

يعتقد أَنَّه يحصل له بسببه كبير ضرر، كما أن ضرر الذباب عنده سهل، وكذا دفعه عنه “١. وحب الدنيا والخلود إليها وإلى شهوات النفس ومن ثم كراهية الأعمال الجادة النافعة الصائبة هو سبب الشقاء كما يبين ذلك حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : “ حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره” ٢. فلا بد من امتثال المأمور وترك المحظور ولا بد أن يتحلى المسلم بهاتين الخصلتين معا، والاقتصار على واحدة دون الأخرى لا يجدي ولا يحقق المطلوب، قال ابن تيمية: “ ترك المكروه بدون فعل المحبوب ليس بمطلوب وإنما المطلوب بالمقصود الأول فعل ما يحبه الله ورسوله وترك المكروه متعين كذلك به تزكو النفس فإن الحسنات اذا انتفت عنها السيئات زكت فبالزكاة تطيب النفس من الخبائث وتعظم فى الطاعات كما أن الزرع إذا أزيل عنه الدغل زكا وظهر وعظم. فصل: وأما طريق الوصول إلى ذلك فبالاجتهاد فى فعل المأمور وترك المحظور والاستعانة به على ذلك ففي صحيح مسلم عن النبى ﷺ أنه قال “المؤمن القوى خير واحب الى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لو أنى فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإنّ لو تفتح عمل” ٣. وهذه المجاهدة التي ينوه بها شيخ الإسلام هي طريق السالكين إلى منازل العبودية لله رب العالمين، وقد أوضح ذلك ابن القيم ﵀ فقال: “ في هذا المقام تفاوتت عقول الخلائق وظهرت حقائق الرجال، فأكثرهم آثر الحلاوة

стр. 50

المنقطعة على الحلاوة الدائمة التي لا تزول، ولا يحتمل مرارة ساعة لحلاوة الأبد، ولا ذل ساعة لعز الأبد، ولا محنة ساعة لعافية الأبد، فإن الحاضر عنده شهادة والمنتظر غيب والإيمان ضعيف، وسلطان الشهوة حاكم فتولد من ذلك ايثار العاجلة ورفض الآخرة، وهذا حال النظر الواقع على ظواهر الأمور وأوائلها ومبادئها، وأما النظر الثاقب الذي يخرق حجبه العاجلة ويجاوزه إلى العواقب والغايات فله شأن آخر”١. وكأن ابن القيم ﵀ يفسر بذلك ما في كتاب الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿كَلا بَل تُحِبُّونَ العَاجِلةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة ٢٠-٢١] . وقوله تعالى: ﴿بَل تُؤْثِرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى١٦-١٧] . وتفريعا على ما سبق نقول: من الوسائل التي بها يتقوى الإيمان وتزكو النفس فتنبو عن الخسائس: - إقامة الفروض لاسيما الصلوات الخمس كما في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ “ الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر” ٢. فأداء العبادات وجملة الطاعات يقوي الإيمان، وللطاعة أثر حميد في النفس يبعث فيها المضي في الخير والكف عن الشر. ذكر ابن القيم ﵀ أثر العبادة في النفس حتى تجد راحتها في العبادة والمناجاة ثم قال: “ فإذا حصل للنفس هذا الحظ الجليل فأي فقر يخشى معه وأي غنى فاتها حتى تلتفت إليه ولا يحصل لها

стр. 51

هذا حتى ينقلب طبعها ويصير مجانسا لطبيعة القلب فتصير بذلك مطمئنة بعد أن كانت لوامة وإنما تصير مطمئنة بعد تبدل صفاتها وانقلاب طبعها لاستغناء القلب بما وصل إليه من نور الحق سبحانه فجرى أثر ذلك النور في سمعه وبصره وشعره وبشره وعظمه ولحمه ودمه وسائر مفاصله وأحاط بجهاته من فوقه وتحته ويمينه ويساره وخلفه وأمامه وصارت ذاته نورا وصار عمله نورا وقوله نورا ومدخله نورا ومخرجه نورا وكان في مبعثه ممن انبهر له نوره فقطع به الجسر. وإذا وصلت النفس إلى هذه الحال استغنت بها عن التطاول إلى الشهوات التي توجب اقتحام الحدود المسخوطة والتقاعد عن الأمور المطلوبة المرغوبة فإن فقرها إلى الشهوات هو الموجب لها التقاعد عن المرغوب المطلوب وأيضا فتقاعدها عن المطلوب بينهما موجب لفقرها إلى الشهوات فكل منهما موجب للآخر وترك الأوامر أقوى لها من افتقارها إلى الشهوات فإنه بحسب قيام العبد بالأمر تدفع عنه جيوش الشهوة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَر﴾ [العنكبوت:٤٥] ١. - ومما يقوي الإيمان التحصن بالأدعية والأوراد المشروعة، وقد نبه إليها أهل العلم وبينوا خصائصها وتأثيرها كما في كلام ابن القيم ﵀ قال: “وأصل المعاصي كلها العجز فإن العبد يعجز عن أسباب أعمال الطاعات، وعن الأسباب التي تبعده عن المعاصي وتحول بينه وبينها فيقع في المعاصي فجمع هذا الحديث الشريف استعاذته ﷺ من أصول الشر وفروعه ومبادئه وغاياته وموارده ومصادره، وهو مشتمل على ثمان خصال كل خصلتين منها قرينتين فقال “ أعوذ بك من الهم والحزن” وهما قرينتان، فإن المكروه الوارد على القلب ينقسم باعتبار سببه إلى قسمين: فإنه إما أن يكون سببه أمرا ماضيا فهو يحدث الحزن،

стр. 52

وإما أن يكون توقع أمر مستقبل فهو يحدث الهم وكلاهما من العجز “١. والحديث المشار إليه رواه أنس ﵁ مرفوعا وهذا نصه: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال" ولفظ مسلم " اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات" ٢. والخلاصة أن سبب المعصية ضعف الإيمان الذي يولد العجز عن الطاعات وفي حديث شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ : "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله” ٣. - ومما يقوي الإيمان: تدبر آيات الله الكونية والقرآنية أما الكونية فأكثر من يحاط بها، وما من لمحة بصر إلا ولله فيها آية تدل على أنه لا إله إلا هو. وأما الآيات القرآنية فكثيرة أيضا، منها قوله تعالى: ﴿مَا يَلفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] إن تدبر هذه الآيات يغرس في النفس الخوف من الجبار ومن شديد عذابه وأليم عقابه. ولنتدبر قليلا هذه الآية الشريفة التي تقرر أن الله تعالى يحصي على الناس كل أقوالهم وأفعالهم.. وينبغي أن تتنامى في وجدان المسلم هذه الحقيقة الإيمانية وهي كتابة أعماله وأقواله صغيرها وكبيرها وأن يستحضرها في كل حال، قال ابن تيمية ﵀: “وقد اختلف أهل التفسير هل يكتب جميع أقواله؟ فقال مجاهد وغيره: يكتبان كل شئ حتى أنينه في مرضه. وقال عكرمة لا يكتبان الا ما يؤجر عليه أو يؤزر. والقرآن يدل على أنهما يكتبان الجميع فإنه قال: ﴿مَا يَلفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾

стр. 53

نكرة في الشرط مؤكدة بحرف (من) فهذا يعم كل قوله وأيضا فكونه يؤجر على قول معين أو يؤزر يحتاج إلى أن يعرف الكاتب ما أمر به وما نهى عنه فلا بد في إثبات معرفة الكاتب به إلى نقل، وأيضا فهو مأمور إما بقول الخير وإما بالصمات، فإذا عدل عما أمر به من الصمات الى فضول القول الذي ليس بخير كان هذا عليه فإنه يكون مكروها والمكروه ينقصه ... ”١. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الكِتَابُ فَتَرَى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلتَنَا مَالِ هَذَا الكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] ومَن مِن الناس يسترسل في الكلام الفارغ أو العمل الباطل بعد أن يوقن أن كل حركة وهمسة تحصى عليه؟! إلا أن يكون غافلا ذا لهو أو ماجنا ذا فسق.

стр. 54

٣- أسلوب الوعظ والتذكير: قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلهُمْ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلمُ بِمَنْ ضَل عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [النحل:١٢٥] في الآية الشريفة تقرير لأسلوب الوعظ، وفيها أن الوعظ لا بد من تقييده بخُلق الداعية المسلم المستنير بنور الله المستهدي بهدي رسول الله ﷺ كي تكون الموعظة حسنة. فالحديث هنا من وجهين: الوجه الأول معرفة السبيل الأقوم للإنتفاع بالموعظة: ولا بد لتحقيق الانتفاع بالموعظة وبالتذكير من أمرين أساسين: الأول: صلاح حال الواعظ حتى تتحقق المصادقية في مواعظه.

стр. 55

الثاني: زوال الموانع التي تعيق الانتفاع بالموعظة كاتباع الهوى والرين الذي يغطي على القلب. وفي هذا قال ابن القيم ﵀: “ المنيب المتذكر لا تشتد حاجته إليها [أي الموعظة] كحاجة الغافل المعرض فإنه شديد الحاجة جدا إلى العظة ليتذكرما قد نسيه فينتفع بالتذكر وأما العمى عن عيب الواعظ: فإنه إذا اشتغل به حرم الانتفاع بموعظته لأن النفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه ولا ينتفع به وهذا بمنزلة من يصف له الطبيب دواء لمرض به مثله والطبيب معرض عنه غير ملتفت إليه بل الطبيب المذكور عندهم: أحسن حالا من هذا الواعظ المخالف لما يعظ به لأنه قد يقوم عنده دواء آخر عنده مقام هذا الدواء وقد يرى أن به قوة على ترك التداوي وقد يقنع بعمل الطبيعة وغير ذلك بخلاف هذا الواعظ فإن ما يعظ به طريق معين للنجاة لا يقوم غيرها مقامها ولا بد منها ولأجل هذه النفرة قال شعيب ﵇ لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود:٨٨] وقال بعض السلف: إذا أردت أن يقبل منك الأمر والنهي: فإذا أمرت بشيء فكن أول الفاعلين له المؤتمرين به وإذا نهيت عن شيء فكن أول المنتهين عنه وقد قيل: يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام ومن الضنى تمسي وأنت سقيم لا تنه عن خلق وتأتى مثله عار عليك إذا فعلت عظيم إبدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل ما تقول ويقتدى بالقول منك وينفع التعليم فالعمى عن عيب الواعظ: من شروط تمام الانتفاع بموعظته وأما تذكر الوعد والوعيد: فإن ذلك يوجب خشيته والحذر منه ولا تنفع الموعظة إلا لمن آمن به وخافه ورجاه قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ﴾

стр. 56

[هود:١٠٣] وقال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى:١٠] وقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات [٤٥] وأصرح من ذلك قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥] فالإيمان بالوعد والوعيد وذكره: شرط في الانتفاع بالعظات والآيات والعبر يستحيل حصوله بدونه قال وإنما تستبصر العبرة بثلاثة أشياء: بحياة العقل ومعرفة الأيام والسلامة من الأغراض إنما تتميز العبرة وترى وتتحقق بحياة العقل والعبرة هي الاعتبار وحقيقتها: العبور من حكم الشيء إلى حكم مثله فإذا رأى من قد أصابته محنة وبلاء لسبب ارتكبه علم أن حكم من ارتكب ذلك السبب كحكمه وحياة العقل: هي صحة الإدراك وقوة الفهم وجودته وتحقق الانتفاع النور ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ﴾ [إبراهيم:٥] . وقد فسرت أيام الله بنعمه وفسرت بنقمه من أهل الكفر والمعاصي، فالأول تفسير ابن عباس وأبي بن كعب ومجاهد، والثاني: تفسير مقاتل. والصواب: أن أيامه تعم النوعين وهي وقائعه التي أوقعها بأعدائه ونعمه التي ساقها إلى أوليائه وسميت هذه النعم والنقم الكبار المتحدث بها أياما لأنها ظرف لها تقول العرب فلان عالم بأيام العرب وأيام الناس أي بالوقائع التي كانت في تلك الأيام فمعرفة هذه الأيام توجب للعبد استبصار العبر وبحسب معرفته بها تكون عبرته وعظته قال الله تعالى: ﴿لقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] ولا يتم ذلك إلا بالسلامة من الأغراض وهي متابعة الهوى والانقياد لداعى النفس الأمارة بالسوء فإن اتباع الهوى يطمس نور العقل ويعمي بصيرة القلب ويصد عن اتباع الحق ويضل عن الطريق المستقيم فلا تحصل بصيرة العبرة معه ألبتة والعبد إذا اتبع هواه فسد رأيه ونظره فأرته نفسه الحسن في صورة القبيح والقبيح في صورة الحسن فالتبس عليه الحق بالباطل فأنى له الانتفاع بالتذكر والتفكر أو بالعظة.”١.

стр. 57

الوجه الثاني: معرفة آداب المواعظ: وهو أمرلا بد للداعية من معرفته ومراعاته كي تكون موعظته حسنة، فيتجنب السب والشتم واللعن وبذاءة اللسان وفحش القول والسخرية وحب الانتقام للنفس وكل ما نهى عنه الشرع. وفي حديث عائشة ﵂: “ وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شئ قط الا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله” ١. وتأمل كيف وعى الصحابة هذا القصد في الوعظ والنصح روى ابن الجوزي ﵀ قال: مر أبو الدرداء ﵁ على رجل قد أصاب ذنبا فكانوا يسبونه فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى. قال: فلا تسبوا أخاكم واحمدوا الله الذي عافاكم. قالوا أفلا تبغضه؟ قال: إنما أبغض عمله فإذا تركه فهو أخي٢. ومن فقه الدعوة في هذه معرفة دقيق العلم المتعلق به، قال ابن تيمية بعد أن ذكر المذهبين في جواز لعن العصاة وعدم جوازه: “ والتحقيق أن هذين القولين يسوغ فيهما الإجتهاد فإن اللعنة لمن يعمل المعاصى مما يسوغ فيها الاجتهاد وكذلك محبة من يعمل حسنات وسيئات بل لا يتنافا عندنا أن يجتمع فى الرجل الحمد والذم والثواب والعقاب كذلك لا يتنافا أن يصلى عليه ويدعى له وأن يلعن ويشتم أيضا باعتبار وجهين. فإن أهل السنة متفقون على أن فساق أهل الملة وإن دخلوا النار أو استحقوا دخولها فإنهم لا بد أن يدخلوا الجنة فيجتمع فيهم الثواب والعقاب ولكن الخوارج والمعتزلة تنكر ذلك وترى أن من استحق الثواب لا يستحق العقاب، ومن استحق العقاب لا يستحق الثواب، والمسئلة مشهورة وتقريرها في غير هذا الموضع، وأما جواز الدعاء للرجل وعليه فبسط هذه المسألة فى الجنائر

стр. 58

فإن موتى المسلمين يصلى عليهم برهم وفاجرهم وأن لعن الفاجر مع ذلك بعينه أو بنوعه لكن الحال الاول أوسط وأعدل وبذلك أجبت مقدم المغل بولاى لما قدموا دمشق فى الفتنة الكبيرة وجرت بينى وبينه وبين غيره مخاطبات فسألنى فيما سألنى: ما تقولون فى يزيد؟ فقلت: لا نسبه ولا نحبه! فإنه لم يكن رجلا صالحا فنحبه ونحن لا نسب أحدا من المسلمين بعينه فقال أفلا تلعنونه أما كان ظالما؟ أما قتل الحسين؟ فقلت له نحن إذا ذكر الظالمون كالحجاج بن يوسف وأمثاله نقول كما قال الله فى القرآن ﴿أَلا لعْنَةُ اللهِ عَلى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨] ولا نحب أن نلعن أحدا بعينه وقد لعنه قوم من العلماء وهذا مذهب يسوغ فيه الإجتهاد لكن ذلك القول أحب إلينا وأحسن. وأما من قتل الحسين أو أعان على قتله أو رضى بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. قال: فما تحبون أهل البيت؟ قلت: محبتهم عندنا فرض واجب يؤجر عليه فإنه قد ثبت عندنا فى صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال خطبنا رسول الله ﷺ بغدير يدعى هما بين مكة والمدينة فقال: “ أيها الناس إنى تارك فيكم الثقلين كتاب الله فذكر كتاب الله وحض عليه ثم قال وعترتى ... “ ١. وقال: “ واعلم أنه لا منافاة بين عقوبة الإنسان في الدنيا على ذنبه وبين الصلاة عليه والإستغفار له فإن الزاني والسارق والشارب وغيرهم من العصاة تقام عليهم الحدود ومع هذا فيحسن إليهم بالدعاء لهم في دينهم ودنياهم فإن العقوبات الشرعية إنما شرعت رحمة من الله بعباده فهي صادرة عن رحمة الله وإرادة الإحسان إليهم ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على الذنوب أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة لهم كما يقصد الوالد تأديب ولده وكما يقصد

стр. 59

الطبيب معالجة المريض فإن النبي ﷺ قال إنما أنا لكم بمنزلة الوالد وقد قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب] “١. قال ابن حزم ﵀ في أهمية إلتزام الدعاة بآداب المواعظ: “ الإتساء بالنبي ﷺ في وعظ أهل الجهل والمعاصي والرذائل واجب، فمن وعظ بالجفاء والإكفهرار فقد أخطأ وتعدى طريقته ﷺ وصار في أكثر الأمر مغريا للموعوظ بالتمادي على أمره لجاجا وحردا ومغايظة للواعظ الجافي، فيكون في وعظه مسيئا لا محسنا، ومن وعظ ببشر وتبسم ولين وكأنه مشير برأي ومخبر عن غير الموعوظ بما يستفتح من الموعوظ فذلك أبلغ وأنجع في الموعظة، فإن لم يتقبل فلينتقل إلى الموعظة بالتحشيم وفي الخلاء، فإن لم يقبل ففي حضرة من يستحي منه الموعوظ، فهذا أدب الله في أمره بالقول واللين، وكان ﷺ لا يواجه بالموعظة لكن كان يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا، وقد أثنى ﵊ على الرفق وأمر بالتيسير ونهى عن التنفير، وكان يتخوّل بالموعظة خوف الملل، وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللهِ لِنْتَ لهُمْ وَلوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّل عَلى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩] . وأما الغلظة والشدة فإنما تجب في حد من حدود الله تعالى، فلا لين في ذلك للقادر على إقامة الحد خاصة. ومما ينجع في الوعظ أيضا الثناء بحضرة المسئ على من فعل خلاف فعله، فهذا داعية إلى عمل الخير، وما أعلم لحب المدح فضلا إلا هذا وحده، وهو أن يقتدي به من يسمع الثناء، ولهذا يجب أن يؤرخ الفضائل والرذائل لينفر سامعها عن القبيح المأثور عن غيره، ويرغب في الحسن المنقول عمن تقدمه ويتعظ بما سلف”٢.

стр. 60

ومن أجلّ أساليب الوعظ: التذكير فهو أجلّ الأساليب في وعظ العصاة، والتذكير ضرب من الوعظ حتى أن النبي ﷺ وصفه ربه بصفة التذكير فقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:٢١] ولا ينتفع بالتذكير إلا من كان له إيمان وخوف من الله وخشية منه ويخاف الحساب قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى:٩-١٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر:١٣] وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥] وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لهُ قَلبٌ أَوْ أَلقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧] وقال تعالى في مدح الذين يتأثرون بالموعظة والتذكير بالله: ﴿وَالذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لمْ يَخِرُّوا عَليْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان:٧٣] ومما يقع التذكير به أيضا التذكير بأيام الله قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُل صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم:٥] ومن التذكير بأيام الله تذكير بنعمه وآلائه، ولا ينتفع بالتذكير بأيام الله إلا الصبار الشكور وهو كثير الصبر والشكر. ومن التذكير بالله التخويف به تعالى وعقابه وأليم عذابه كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الذِينَ أَحْسَنُوا بِالحُسْنَى﴾ [النجم:٣١] وقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالا وَسَعِيرًا إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان:٤-٥] ومن السنة ما في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : “ لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا” ١.

стр. 61

ومن التذكير التذكير برحمة الله وسعة عفوه ترغيبا في الإنابة، والنفوس إذا أكثرت من الذنوب عميت عن رؤية الهدى فارتكست في الغي والضلال إلا أن تتداركها رحمة الله، والله تعالى يقول: ﴿وَهُوَ الذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى:٢٥] . ومن أنفع التذكير التذكير بالقِصاص الذي لا مندوحة عنه في حقوق المخلوقين إن لم يحصل بينهم تسامح، يدل عليه حديث أبي سعيد ﵁ مرفوعا إلى النبي ﷺ : “ إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار يتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة “ ١. قال الإمام ابن حجر ﵀: “ دل هذا الحديث على أن المراد بالذنوب في حديث بن عمر ما يكون بين المرء وربه دون مظالم العباد فمقتضى الحديث أنها تحتاج إلى المقاصصة ودل حديث الشفاعة أن بعض المؤمنين من العصاة يعذب بالنار ثم يخرج منها بالشفاعة كما تقدم تقريره في كتاب الإيمان فدل مجموع هذه الأحاديث على أن العصاة من المؤمنين في القيامة على قسمين: أحدهما من معصيته بينه وبين ربه فدل حديث بن عمر على أن هذا القسم على قسمين: قسم تكون معصيته مستورة في الدنيا فهذا الذي يسترها الله عليه في القيامة وهو بالمنطوق وقسم تكون معصيته مجاهرة فدل مفهومه على أنه بخلاف ذلك. والقسم الثاني من تكون معصيته بينه وبين العباد فهم على قسمين أيضا قسم ترجح سيئاتهم على حسناتهم فهؤلاء يقعون في النار ثم يخرجون بالشفاعة وقسم تتساوى سيئاتهم وحسناتهم فهؤلاء لا يدخلون الجنة حتى يقع بينهم التقاص كما دل عليه حديث أبي سعيد وهذا كله بناء على ما دلت عليه

стр. 62

الأحاديث الصحيحة أن يفعله باختياره وإلا فلا يجب على الله شيء وهو يفعل في عباده ما يشاء”١.

стр. 63

٤- أسلوب التأليف والستر: هذا الأسلوب ذو شقين، الشق الأول التأليف والثاني الستر، فلنتكلم عن كل منهما بما يناسب المقام، أما تأليف القلوب فإنه أسلوب يخاطب العاطفة ويحرك الشجون ويزع في الإنسان وازع الخير إن كان من ذوي الضمائر الحية، والدين الحنيف دين تأليف القلوب، يرغّب في الألفة ويدعو إليها، بل جعل المؤلفة قلوبهم أحد مصارف الزكاة الثمانية قال الله تعالى: ﴿وَالمُؤَلفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠] . وضرب رسول الله ﷺ بسيرته القولية والعملية أروع الأمثلة في هذا الأسلوب اللطيف الرقيق يستميل به قلوب الناس ويكسر به شوكة الأعداء ويكسبهم إلى الصف الإسلامي فمن الأمثلة عليه قوله يوم الفتح: “ من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن “ ٢. وفي ذلك منح أهل الجاه والسيادة ما يحقق رغبتهم في الاعتداد بالنفس ما لم يضر ذلك بمصلحة الدعوة، وهو نوع تأليف لقلوبهم وكسبهم إلى صف الخير والبر. ومما يتحقق به تأليف القلوب: بذل المال والإنفاق في سبيل الله والتودد والتحبب إلى الخلق سواء كان البذل من الزكاة أو الهدية أو غيرها، ولقد كان ﵊ كما تواترت به السنة: “ ما سئل ﷺ على الإسلام شيئا إلا أعطاه، وقد جاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا! فإن محمدا يعطي عطاءا لا يخشى الفاقة “٣.

стр. 64

وأسلوب التأليف يتغلغل في أغوار النفس البشرية فيعالج فيها الإعوجاج ويشبع فيها النهمة ويصحح لها تصور حقيقة المادة، لتوقن أنها بلغة لا غاية، وتأمل كيف كان يؤثر هذا البذل النبوي في النفوس، قال سعد بن أبي وقاص ﵁ أعطى رسول الله ﷺ رهطا وسعد جالس فترك رسول الله ﷺ رجلا هو أعجبهم إلي فقلت يا رسول الله ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنا فقال أو مسلما فسكت قليلا ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي فقلت ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنا فقال أو مسلما ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي وعاد رسول الله ﷺ ثم قال “ يا سعد إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار” ١. وكان هذا منهاجا نبويا يسري على كل من يستحق التأليف والترغيب في الخير بالأسلوب الرفيق، يشهد لذلك قول أنس ﵁: فلقد “ كان الرجل يأتي النبي ﷺ فيسلم لشئ يعطاه من الدنيا فلا يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه وأعز عليه من الدنيا وما فيها” ٢. وقال ﷺ لرجل “ بئس أخو العشيرة “ ثم ألان له في القول وتطلق في وجهه٣. قال النووي: ولم يمدحه النبي ﷺ ولا ذكر أنه أثنى عليه في وجهه ولا في قفاه، إنما تألفه بشئ من الدنيا مع لين الكلام. ا?. أما الستر: فهو كذلك أسلوب في دعوة العصاة واستمالتهم إلى حياض الطاعة والخير، ومن الأمثلة عليه حديث أنس ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه عليّ. قال ولم يسأله

стр. 65

عنه، قال وحضرت الصلاة فصلى مع النبي ﷺ فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قام إليه فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم فيّ كتاب الله، قال: “أليس قد صليت معنا”؟ قال: نعم. قال: “فإن الله قد غفر لك ذنبك” أو قال “حدك” ١. قال ابن حجر: “قال الخطابي: في هذا الحديث أنه لا يكشف عن الحدود بل يدفع مهما أمكن، وهذا الرجل لم يفصح بأمر يلزمه به إقامة الحد عليه فلعله أصاب صغيرة ظنها كبيرة توجب الحد فلم يكشفه النبي ﷺ عن ذلك، لأن موجب الحد لا يثبت بالإحتمال..”٢. وإذا كان مرتكب المعصية ما ليس فيه حد من ذوي الجاه والمكانة الاجتماعية وكان في سترهم تأليف لقلوبهم على سبيل إرجاء نهيهم عن المنكر إلى حين أو على سبيل ترك مؤاخذتهم لحين فلا مانع منه من غير ضعف ولا مداهنة وفي مثل هذا حديث النبي ﷺ : “ أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم “ ٣. وكثيرا ما يكون في إقالتهم عثراتهم خيرا لا سيما إن كانوا يستشعرون هذا المعنى ويقدرونه، ويحسون بما اقترفوه من معصية في جنب الله، وأنه ما غُض عنهم إلا استصلاحا لحالهم ومراعاة لمكانتهم وأن يعود ذلك بالمصلحة على المجتمع. هذا وللستر ضوابط تستنبط من جملة النصوص الواردة فيه، ملخصها: ١- أن يترجح في الظن إقلاعه عن المعصية ولو بعد حين. ٢- أن لا يترتب على الستر مفسدة شرعية راجحة. ٣- أن لا يكون قد وصل الأمر الى الحاكم الشرعي، فإن وصل إلى الحاكم الشرعي فلا يجوز الستر حينئذ لا سيما الحدود الشرعية. لما فيها من الحق العام الذي لا يملك الأفراد التنازل عنه.

стр. 66

أسلوب حفز العاطفة وإثارة الشعور والحميو والغيرة ... ٥ - أسلوب حفز العاطفة وإثارة الشعور والحمية والغيرة: للإنسان عواطف وأحاسيس يكنها ويعبر عنها وقد لا يملك مع أحاسيسه ومشاعره غير الانقياد لها والاستجابة لسلطانها، ومن ثم فإن من الحكمة في الدعوة إستحثاث مشاعر الإنسان وعواطفه وتوجيهها نحو الخير والفضيلة، وفي المقابل كفها عن الشر والإثم والعدوان، ومن هذا الأسلوب ما نراه كثيرا في باب الحسبة المأثورة عن السلف قولهم للعاصي: ألا تتقي الله؟ ألا تستحي؟ ألست بمسلم؟ ألا تغار على دينك؟ ألست أهلا للمروءة؟ أين شهامتك أين دينك وغيرتك على محارم الله؟ ألا تخشى الموت والحساب؟ ونحو ذلك.. والغيرة في الإنسان أمر جبلي، ولعلها أجلى مظاهر العاطفة التي يتميز بها الإنسان، والغيرة في المسلم فوق ذلك أمر شرعي، فمن لا غيرة له على محارمه لا دين له، والمسلم يغار على عرضه وحريمه ويعمل جاهدا على صون كل ما يمس ذلك، بل ويبذل نفسه في سبيل الدفاع عن الحريم والعرض بسبب غيرته التي يأمره بها دينه القويم. والأمثلة كثيرة على أن الغيرة أمر مركوز في الفطر السليمة وهي من الغرائز التي ينميها الدين الحنيف ويوجهها نحو الخير والفضيلة، فمن ذلك قول الباري جل ذكره: ﴿أَلمْ يَأْنِ لِلذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَل مِنْ الحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦] وقوله ﴿مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧] وحديث المغيرة قال قال سعد بن عبادة لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: “ أتعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين،

стр. 67

ولا أحد أحب إليه المدحة من الله ومن أجل ذلك وعد الله الجنة “ ١. وأمثل من يصلح لهم هذا الأسلوب الشباب الذين تتأجج لديهم الشهوة وتتحفز لديهم كذلك الغيرة على العرض والمحارم، ومثال هذا الأسلوب ما رواه أبو أمامة ﵁ “أن فتى شابا أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: إئذن لي في الزنا! فأقبل القوم عليه فزجروه قالوا: مه مه؟! قال: أدن، فدنا منه قريبا، قال فجلس. قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم! قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم [وذكر العمة والخالة] قال: فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه. فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شئ” ٢. ولعل من أوفق ما يدعى إليه الشباب من خلال هذا الأسلوب تبصيرهم بحقائق دينهم القويم، وأنه دين الطهر والعفة ونقاء القلب، ودين العقل والمنطق فما لا يرضاه المسلم لنفسه كيف يرضاه لغيره، ومع هذا التبصير والتنوير لا بد من التحذير من التقليد الأعمى للكفار وعواقبه وآثاره، وإعلامهم بأن الكافرين لا يريدون للمسلمين خيرا قط قال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَلا المُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّل عَليْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة] فتقليدهم في المضار يجلب الشقاء للإنسان والتعاسة والبوار. ثم مع التبصير والتحذير لا بد من إيقاف الشباب على المصائب والنوازل

стр. 68

التي نزلت بالمسلمين في أعراضهم ودمائهم من قبل الكفار في مختلف البلاد مثل الكوسوفا والشيشان وكشمير وبورما وفلسطين وغيرها. ويكون الهدف من ذلك كفهم عن المعاصي والذنوب من جهة، وحثهم نحو معالي الأمور والاشتغال بقضايا المسلمين من جهة أخرى وأنها أولى من الاشتغال بالسفاسف والملهيات التي لا تزيد المسلم إلا سعارا بعد سعار وانتكاسا بعد انتكاس ووهنا بعد وهن. لأن العصاة لم يتورطوا في المعاصي إلا لفراغ قلوبهم عن الأمور المهمة كإقامة الصلوات وتدبير أمور المعاش والمعاد والسعي في حوائج المسلمين، والعمل الدائب في خدمة الدين الحنيف والدعوة إليه والدفاع عن العقيدة ... هذا، وينبغي ألا يخرج هذا الأسلوب عما جاءت به الشريعة، لأن كل ما لم يأمر به الله ورسوله فهو بدعة ولا خير فيه، ومن البدع ما أحدثه أهل الطرق من المواجيد ونحوها يستحثون بها العامة ويحركون بها شجونهم وهذا كله منكر لا يصح الأخذ به، وقد بين أهل العلم هذا الموضوع منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد ذكر ما أحدث بعد القرون الثلاثة المفضلة من أمور تحدث في المستمع الاضطراب والاختلاج والإغماء أو الموت وذكر ما فيها من تفصيل ثم قال “ فأما سماع القاصدين لصلاح القلوب فى الاجتماع على ذلك إما نشيد مجرد نظير الغبار وإما بالتصفيق ونحو ذلك فهو السماع المحدث فى الإسلام فانه أحدث بعد ذهاب القرون الثلاثة الذين اثنى عليهم النبى ﷺ حيث قال: "خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ١. وقد كرهه أعيان الأمة ولم يحضره أكابر المشايخ وقال الشافعى ﵀ خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن وسئل عنه الامام أحمد بن حنبل فقال هو محدث أكرهه قيل له أنه يرق عليه القلب

стр. 69

فقال لا تجلسوا معهم قيل له أيهجرون فقال لا يبلغ بهم هذا كله فبين أنه بدعة لم يفعلها القرون الفاضلة لا فى الحجاز ولا فى الشام ولا فى اليمن ولا فى مصر ولا فى العراق ولا خراسان ولو كان للمسلمين به منفعة فى دينهم لفعله السلف “١ إن إثارة الشعور الإسلامي وحث الغيرة على الدين والمحارم لأسلوب تربوي مثمر، لأن المسلم مهما أوغل في حمأة المعصية تراه أبدا معتزا بأنه مسلم وإن كان جاهلا بحقيقة الإسلام على ما درج عليه الكثيرون من أبناء المسلمين اليوم.

стр. 70

٦- أسلوب الاستتابة: المعاصي مهما تعاظمت فإنها تغفر، حتى الشرك إذا تاب العبد منه قبل الموت فإنه يغفر، هذه الحقيقة ثابتة في عقيدة أهل السنة ثبوت الجبال، ولا يكفِّر بالكبائر إلا أصحاب الأهواء كالخوارج ونحوهم ومن هذا المنطلق العقدي يأتي أسلوب الاستتابة: ويقصد (بالاستتابة) في الأصل حمل العصاة على التوبة بالقهر والقوة والغلبة وعليه فهو من مراتب تغيير المنكر، ولا مانع أن يقصد به الترغيب في التوبة والانابة بإيجاد القناعة الذاتية لدى العصاة بأن يتوبوا ويقلعوا عما هم فيه من المعصية والاثم والعدوان، لتكون توبتهم ذاتية بدافع من ذات أنفسهم، لأن السين والتاء للطلب يقال استغفر أي طلب المغفرة، واستتاب طلب منه أن يتوب وينيب. وفيما يلي بعض ما ورد في التوبة وفضلها ثم نورد بعد ذلك ما يتعلق بالاستتابة التي هي بمعنى القهر والقوة: ثمة نصوص كثيرة في التوبة والإنابة إلى الله لا يسع المسلم ردها منها قول الله تعالى: ﴿وَالذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللهُ وَلمْ يُصِرُّوا عَلى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلمُونَ أُوْلئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ

стр. 71

وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦] وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَل سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللهَ يَجِدْ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] وقوله: ﴿قُل يَا عِبَادِي الذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِل إِليْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُول نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لمِنْ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُول لوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لكُنْتُ مِنْ المُتَّقِينَ أَوْ تَقُول حِينَ تَرَى العَذَابَ لوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ المُحْسِنِينَ بَلى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنْ الكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٥٣-٥٩] . ومن السنة النبوية الشريفة: - حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: “كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون” ١. - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : “ والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم “ ٢. - وفي حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعا: “ التائب من الذنب كمن لا ذنب له “ ٣.

стр. 72

- حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: “ كان في بني اسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا، ثم خرج يسأل فأتى راهبا فسأله فقال له: هل من توبة؟ قال لا. فقتله! فجعل يسأل فقال له رجل إئت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت فناء بصدره نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه أن تقربي، وأوحى الله الى هذه أن تباعدي، وقال قيسوا ما بينهما فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له “ ١. - حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: “ لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلا وبه مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله، قال أرجع إلى مكاني فرجع فنام نومة ثم رفع رأسه فاذا راحلته عنده” ٢. - حديث “ما يصيب المسلم من نصب ولاوصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها الا كفر الله بها من خطاياه “ ٣. ومن هذه الأحاديث الشريفة وغيرها يتبين أن الذنوب تستوجب العقوبة، وأن التوبة النصوح إلى الله تعالى ترفع العقوبة، كما أن هناك أسبابا أخرى تزول بها عقوبة الذنب وهي نحو عشرة كما يقول ابن تيمية ﵀، ملخصها: ١- التوبة باتفاق المسلمين كما تقدم، ٢- الاستغفار، ٣- الحسنات الماحية، ٤- دعاء المؤمن للمؤمن كصلاة الجنازة، ٥- ما يعمل للميت من أعمال البر، ٦- شفاعة النبي ﷺ وغيره يوم القيامة، ٧- المصائب التي يكفر الله بها الخطايا في الدنيا، ٨- ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة، ٩- أهوال يوم القيامة

стр. 73

وكربها وشدائدها، ١٠- رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد١. هذا وينبغي أن لا يغيب عن بال الدعاة أن رحمة الله واسعة وأنه يغفر الذنوب جميعا، قال الإمام النووي ﵀:"مذهب أهل السنة بأجمعهم من السلف الصالح وأهل الحديث والفقهاء والمتكلمين على مذهبهم من الاشعريين أن أهل الذنوب فى مشيئة الله تعالى وأن كل من مات على الايمان وتشهد مخلصا من قلبه بالشهادتين فانه يدخل الجنة فان كان تائبا أو سليما من المعاصى دخل الجنة برحمة ربه وحرم على النار بالجملة فان حملنا اللفظين الواردين على هذا فيمن هذه صفته كان بينا وهذا معنى تأويلى الحسن والبخارى وإن كان هذا من المخلطين بتضييع ما أوجب الله تعالى عليه أو بفعل ما حرم عليه فهو فى المشيئة لا يقطع فى أمره بتحريمه على النار ولا باستحقاقه الجنة لاول وهلة بل يقطع بأنه لابد من دخوله الجنة آخرا وحاله قبل ذلك فى خطر المشيئة إن شاء الله تعالى عذبه بذنبه وإن شاء عفا عنه بفضله ويمكن أن تستقل الاحاديث بنفسها ويجمع بينها فيكون المراد باستقاق الجنة ما قدمناه من اجماع أهل السنة أنه لا بد من دخولها لكل موحد أما معجلا معافى وأما مؤخرا بعد عقابه والمراد بتحريم النار تحريم الخلود خلافا للخوارج والمعتزلة فى المسألتين"٢. وللتوبة شروط معروفة وهي:١- الإقلاع عن الذنب. إذ لا معنى للتوبة حال تلبس العاصي بمعصيته!، ٢- الندم القلبي وهو أمارة الصدق في التوبة والرغبة فيها والتأسف على ما مضى، ٣- العزم على عدم العود ومنه المسارعة إلى التوبة والمبادرة إليها من غير تسويف. وهذا مستنبط من قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلى اللهِ لِلذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ

стр. 74

بِجَهَالةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَليْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَليْسَتْ التَّوْبَةُ لِلذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ المَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلئِكَ أَعْتَدْنَا لهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧ - ١٨] وقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِل مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:٥٤] وللعزم أمارات يعرف بها منها: الاستغفار باللسان وملازمة الذكر والدعاء قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] ومجانبة خلطاء السوء. ٤- رد المظلمة والتحلل من صاحبها سواء كانت عينا أو عرضا أو غير ذلك لأن الوزن يومئذ الحق، وكل إنسان يتعامل في المقاصة بحسناته يوم لا دينار ولا درهم، وقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شئ فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه" ١. ولابد للتائب من صلاح حاله بعد التوبة النصوح ويكون ذلك أمارة قبول التوبة كما في قوله تعالى: ﴿وَالذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لغَفُورٌ رَحِيم﴾ [الأعراف:١٥٣] وما سبق مثله قريبا في آية سورة الأنعام. هذا وقد ورد في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه ﷺ أدعية فيها التوبة والإنابة، وعلى المؤمن الأخذ بها والنهل من معينها، مثل قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِل عَليْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلتَهُ عَلى الذِينَ مِنْ قَبْلِنَا

стр. 75

رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلنَا مَا لا طَاقَةَ لنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلى القَوْمِ الكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦] . ومن الأذكار الشرعية سيد الاستغفار كما في حديث شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: “ سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا اله الا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب الا أنت” قال: “ومن قالها من النهار مؤمنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة “ ١. وينبغي أن يعلم الداعية وأن يبصر به المدعوين أن التوبة تقبل من جميع الذنوب والمعاصي حتى أعظمها وهو الشرك بالله تعالى إذا تاب منه العبد قبل الموت وحسن حاله على التوحيد لقوله تعالى: ﴿قُل يَاعِبَادِي الذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] لعموم قوله ﷺ “ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله “ ٢. قال النووي ﵀: وفيه أن الإيمان شرط الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ما أتى به رسول الله ﷺ بقوله “ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به “ وفيه ترك تخطئة المجتهدين المختلفين في الفروع بعضهم بعضا، وفيه قبول توبة الزنديق٣. فهذه النصوص ونظائرها ترغب في التوبة وتدعو إليها وتحض عليها وتأمر
следующие страницы →