وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦]
وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَل سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللهَ يَجِدْ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]
وقوله: ﴿قُل يَا عِبَادِي الذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِل إِليْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُول نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لمِنْ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُول لوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لكُنْتُ مِنْ المُتَّقِينَ أَوْ تَقُول حِينَ تَرَى العَذَابَ لوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ المُحْسِنِينَ بَلى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنْ الكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٥٣-٥٩] .
ومن السنة النبوية الشريفة:
- حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: “كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون” ١.
- حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : “ والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم “ ٢.
- وفي حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعا: “ التائب من الذنب كمن لا ذنب له “ ٣.
стр. 72
- حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: “ كان في بني اسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا، ثم خرج يسأل فأتى راهبا فسأله فقال له: هل من توبة؟ قال لا. فقتله! فجعل يسأل فقال له رجل إئت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت فناء بصدره نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه أن تقربي، وأوحى الله الى هذه أن تباعدي، وقال قيسوا ما بينهما فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له “ ١.
- حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: “ لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلا وبه مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله، قال أرجع إلى مكاني فرجع فنام نومة ثم رفع رأسه فاذا راحلته عنده” ٢.
- حديث “ما يصيب المسلم من نصب ولاوصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها الا كفر الله بها من خطاياه “ ٣.
ومن هذه الأحاديث الشريفة وغيرها يتبين أن الذنوب تستوجب العقوبة، وأن التوبة النصوح إلى الله تعالى ترفع العقوبة، كما أن هناك أسبابا أخرى تزول بها عقوبة الذنب وهي نحو عشرة كما يقول ابن تيمية ﵀، ملخصها:
١- التوبة باتفاق المسلمين كما تقدم،
٢- الاستغفار،
٣- الحسنات الماحية،
٤- دعاء المؤمن للمؤمن كصلاة الجنازة،
٥- ما يعمل للميت من أعمال البر،
٦- شفاعة النبي ﷺ وغيره يوم القيامة،
٧- المصائب التي يكفر الله بها الخطايا في الدنيا،
٨- ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة،
٩- أهوال يوم القيامة
стр. 73
وكربها وشدائدها، ١٠- رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد١.
هذا وينبغي أن لا يغيب عن بال الدعاة أن رحمة الله واسعة وأنه يغفر الذنوب جميعا، قال الإمام النووي ﵀:"مذهب أهل السنة بأجمعهم من السلف الصالح وأهل الحديث والفقهاء والمتكلمين على مذهبهم من الاشعريين أن أهل الذنوب فى مشيئة الله تعالى وأن كل من مات على الايمان وتشهد مخلصا من قلبه بالشهادتين فانه يدخل الجنة فان كان تائبا أو سليما من المعاصى دخل الجنة برحمة ربه وحرم على النار بالجملة فان حملنا اللفظين الواردين على هذا فيمن هذه صفته كان بينا وهذا معنى تأويلى الحسن والبخارى وإن كان هذا من المخلطين بتضييع ما أوجب الله تعالى عليه أو بفعل ما حرم عليه فهو فى المشيئة لا يقطع فى أمره بتحريمه على النار ولا باستحقاقه الجنة لاول وهلة بل يقطع بأنه لابد من دخوله الجنة آخرا وحاله قبل ذلك فى خطر المشيئة إن شاء الله تعالى عذبه بذنبه وإن شاء عفا عنه بفضله ويمكن أن تستقل الاحاديث بنفسها ويجمع بينها فيكون المراد باستقاق الجنة ما قدمناه من اجماع أهل السنة أنه لا بد من دخولها لكل موحد أما معجلا معافى وأما مؤخرا بعد عقابه والمراد بتحريم النار تحريم الخلود خلافا للخوارج والمعتزلة فى المسألتين"٢.
وللتوبة شروط معروفة وهي:١- الإقلاع عن الذنب. إذ لا معنى للتوبة حال تلبس العاصي بمعصيته!، ٢- الندم القلبي وهو أمارة الصدق في التوبة والرغبة فيها والتأسف على ما مضى، ٣- العزم على عدم العود ومنه المسارعة إلى التوبة والمبادرة إليها من غير تسويف.
وهذا مستنبط من قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلى اللهِ لِلذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ
стр. 74
بِجَهَالةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَليْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَليْسَتْ التَّوْبَةُ لِلذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ المَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلئِكَ أَعْتَدْنَا لهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧ - ١٨] وقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِل مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:٥٤] وللعزم أمارات يعرف بها منها: الاستغفار باللسان وملازمة الذكر والدعاء قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] ومجانبة خلطاء السوء.
٤- رد المظلمة والتحلل من صاحبها سواء كانت عينا أو عرضا أو غير ذلك لأن الوزن يومئذ الحق، وكل إنسان يتعامل في المقاصة بحسناته يوم لا دينار ولا درهم، وقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شئ فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه" ١.
ولابد للتائب من صلاح حاله بعد التوبة النصوح ويكون ذلك أمارة قبول التوبة كما في قوله تعالى: ﴿وَالذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لغَفُورٌ رَحِيم﴾ [الأعراف:١٥٣] وما سبق مثله قريبا في آية سورة الأنعام.
هذا وقد ورد في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه ﷺ أدعية فيها التوبة والإنابة، وعلى المؤمن الأخذ بها والنهل من معينها، مثل قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِل عَليْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلتَهُ عَلى الذِينَ مِنْ قَبْلِنَا
стр. 75
رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلنَا مَا لا طَاقَةَ لنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلى القَوْمِ الكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦] .
ومن الأذكار الشرعية سيد الاستغفار كما في حديث شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: “ سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا اله الا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب الا أنت” قال: “ومن قالها من النهار مؤمنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة “ ١.
وينبغي أن يعلم الداعية وأن يبصر به المدعوين أن التوبة تقبل من جميع الذنوب والمعاصي حتى أعظمها وهو الشرك بالله تعالى إذا تاب منه العبد قبل الموت وحسن حاله على التوحيد لقوله تعالى: ﴿قُل يَاعِبَادِي الذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] لعموم قوله ﷺ “ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله “ ٢.
قال النووي ﵀: وفيه أن الإيمان شرط الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ما أتى به رسول الله ﷺ بقوله “ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به “ وفيه ترك تخطئة المجتهدين المختلفين في الفروع بعضهم بعضا، وفيه قبول توبة الزنديق٣.
فهذه النصوص ونظائرها ترغب في التوبة وتدعو إليها وتحض عليها وتأمر
стр. 76
بها. وهذا هو المعنى الأول للإستتابة وهوالمنصب نحو الترغيب فيها.
وأما المعنى الثاني فهو المنصب نحو حمل العصاة على التوبة حملا بالقوة والغلبة والقهر كما في الحدود الشرعية، وهو باب عظيم في الدعوة إلى الله تعالى يتوخى فيه الاصلاح والأخذ بأيدي السفهاء من المعصية إلى الطاعة، وفيها ـ أيضا ـ حماية لجانب الشريعة من تهاون المفرطين وغلو الغالين، فبالإستتابة تقوى سطوة الدين ومهابته في النفوس وتضمحل شوكة العصاة والعتاة والمجرمين.
وقد عقد علماء الإسلام أبوابا في كتبهم في بيان هذا الباب وفضله وأثره وعواقبه الحميدة من مثل قول الإمام البخاري في الصحيح كتاب إستتابة المرتدين والمعاندين. وقد سبقت الاشارة إلى بعضها.
وللإستتابة في كل حد من الحدود الشرعية تفصيل ذكره أهل العلم، ولنسق من ذلك مثالا لحد الردة، ولنختر في ذلك قبسات من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: “ الذي عليه جماهير أهل العلم أن المرتد يستتاب ومذهب مالك وأحمد أنه يستتاب ويؤجل بعد الإستتابه ثلاثة أيام وهل ذلك واجب أو مستحب على روايتين عنهما أشهرهما عنهما أن الاستتابة واجبة وهو قول إسحاق بن راهويه، وكذلك مذهب الشافعي هل الاستتابه واجبة أو مستحبة على قولين لكن عنده في أحد القولين يستتاب فإن تاب في الحال والا قتل وهو قول ابن المنذر والمزني، وفي القول الآخر يستتاب ثلاثا كمذهب مالك وأحمد وقال الزهري وابن القاسم في رواية يستتاب ثلاث مرات.
ومذهب أبي حنيفة أنه يستتاب أيضا فإن لم يتب وإلا قتل والمشهور عندهم أن الاستتابة مستحبة وذكر الطحاوي عنهم لايقتل المرتد حتى يستتاب وعندهم يعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قتل مكانه إلا أن يطلب أن يؤجل فإنه يؤجل ثلاثة أيام. وقال الثوري يؤجل ما رجيت توبته وكذلك معنى قول النخعي.
وذهب عبيد بن عمير وطاوس إلى أنه يقتل ولا يستتاب لأنه أمر بقتل
стр. 77
المبدل دينه والتارك لدينه المفارق للجماعة ولم يأمر باستتابتة كما أمر الله سبحانه بقتال المشركين من غير استتابة مع أنهم لو تابوا لكففنا عنهم، يؤيد ذلك أن المرتد أغلظ كفرا من الكافر الأصلي فإذا جاز قتل الأسير الحربي من غير استتابة فقتل المرتد أولى.
وسر ذلك أنا لا نجيز قتل كافر حتى نستتيبه بأن يكون قد بلغته دعوة محمد ﷺ إلى الإسلام فإن قتل من لم تبلغه الدعوة غير جائز والمرتد قد بلغته الدعوة فجاز قتله كالكافر الأصلي الذي بلغته وهذا هو عله من رأى الإستتابة مستحبة فإن الكفار يستحب أن ندعوهم إلى الاسلام عند كل حرب وإن كانت الدعوة قد بلغتهم فكذلك المرتد ولايجب ذلك فيهما. نعم لو فرض المرتد من يخفى عليه جواز الرجوع إلى الإسلام فإن الإستتابة هنا لابد منها. ويدل على ذلك أيضا أن النبي ﷺ أهدر يوم الفتح مكة دم عبد الله بن سعد بن أبي سرح ودم مقيس بن صبابه ودم عبد الله بن خطل وكانوا مرتدين ولم يستتبهم بل قتل ذانك الرجلان وتوقف ﷺ عن مبايعة بن أبي سرح لعل بعض المسلمين يقتله فعلم أن قتل المرتد جائز ما لم يسلم وأنه لا يستتاب، وأيضا فإن النبي ﷺ عاقب العرنيين الذين كانوا في اللقاح ثم ارتدوا عن الإسلام بما أوجب موتهم ولم يستتبهم ولأنه فعل شيئا من الأسباب المبيحة للدم فقتل قبل استتابتة كالكافر الأصلي وكالزاني وكقاطع الطريق ونحوهم فإن كل هؤلاء من قبلت توبته ومن لم تقبل يقتل قبل الإستتابة ولأن المرتد لو امتنع بأن يلحق بدار الحرب أو بأن يكون المرتدون ذوي شوكة يمتنعون بها عن حكم الإسلام فإنه يقتل قبل الإستتابة بلا تردد فكذلك إذا كان في أيدينا.
وحجة من رأى الاستتابة إما واجبة أو مستحبة قوله : ﴿قُل لِلذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لهُمْ مَا قَدْ سَلفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٣٨] أمر الله رسوله أن يخبر جميع الذين كفروا أنهم إن انتهوا غفر لهم ما
стр. 78
سلف وهذا معنى الاستتابة، والمرتد من الذين كفروا والأمر للوجوب فعلم أن استتابة المرتد واجبة ولا يقال فقد بلغهم عموم الدعوة إلى الإسلام لأن هذا الكفر أخص من ذلك الكفر فإنه يوجب قتل كل من فعله ولا يجوز استبقاؤه وهو لم يستتب من هذا الكفر. وأيضا فإن النبي ﷺ بعث بالتوبة إلى الحارث بن سويد ومن كان قد ارتد معه إلى مكة كما قدمناه بعد أن كانت قد نزلت فيهم آية التوبة فتكون استتابته مشروعة، ثم إن هذا الفعل منه خرج امتثالا للأمر بالدعوة إلى الإسلام والابلاغ لدينه فيكون واجبا، وعن جابر ﵁: “ أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام فأمر النبي ﷺ أن يعرض عليها الإسلام فإن رجعت وإلا قتلت “ ١، وعن عائشة رضى الله عنها قالت: “ ارتدت امرأة يوم أحد فأمر النبي ﷺ أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت" رواهما الدارقطني٢.
وهذا إن صح أمر بالاستتابة والأمر للوجوب، والعمدة فيه إجماع الصحابة عن محمد بن عبد الله بن عبد القاري قال قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى الأشعري فسأله عن الناس فاخبره ثم قال هل من مغربة خبر؟ قال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، قال فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. قال عمر: “ فهلا حبستموه ثلاثا وطعمتوه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله؟! اللهم إني لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني “. رواه مالك والشافعي واحمد. قال: اذهب إلى حديث عمر، وهذا يدل على أن الاستتابة واجبة وإلا لم يقل عمر: “ لم أرض إذ بلغني “ وعن أنس بن مالك قال لما افتتحنا تستر بعثني الأشعري إلى عمر بن الخطاب فلما قدمت عليه قال ما فعل البكريون جحينة وأصحابه؟ قال: فأخذت به في حديث آخر! قال فقال:
стр. 79
ما فعل النفر البكريون؟ قال: فلما رأيته لا يقطع قلت: يا أمير المؤمنين، ما فعلوا أنهم قتلوا ولحقوا بالمشركين ارتدوا عن الإسلام وقاتلوا مع المشركين حتى قتلوا، قال فقال لأن أكون أخذتهم سلما كان أحب إلي مما على وجه الارض من صفراء أو بيضاء. قال فقلت: وما كان سبيلهم لو أخذتهم سلما؟ قال: “ كنت أعرض عليهم الباب الذي خرجوا منه فإن أبوا استودعتهم السجن” وعن عبد الله بن عتبة قال: أخذ ابن مسعود قوما ارتدوا عن الإسلام من أهل العراق، قال فكتب فيهم إلى عثمان بن عفان ﵁ فكتب إليه: “ أن اعرض عليهم دين الحق وشهادة أن لا إله إلا الله، فإن قبلوا فخل عنهم، وإن لم يقبلوا فاقتلهم) فقبلها بعضهم فتركه ولم يقبلها بعضهم فقتله. رواهما الإمام أحمد بسند صحيح ... “١.
وذكر أيضا ما يتعلق باستتابة ساب الله تعالى فقال ﵀: “ فصل: في من سب الله تعالى: إن كان مسلما وجب قتله بالإجماع لأنه بذلك كافر مرتد وأسوأ من الكافر فإن الكافر يعظم الرب ويعتقد أن ما هو عليه من الدين الباطل ليس باستهزاء بالله ولا مسبة له، ثم اختلف أصحابنا وغيرهم في قبول توبته بمعنى أنه هل يستتاب كالمرتد ويسقط عنه القتل إذا أظهر التوبة من ذلك بعد رفعه إلى السلطان وثبوت الحد عليه على قولين:
أحدهما أنه بمنزلة ساب الرسول فيه الروايتان كالروايتين في ساب الرسول هذه طريقة أبي الخطاب وأكثر من احتذى حذوه من المتأخرين وهو الذي يدل عليه كلام الإمام أحمد حيث قال: “كل من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب ﵎ فعليه القتل مسلما كان أو كافرا “ وهذا مذهب أهل المدينة، فاطلق وجوب القتل عليه ولم يذكر استتابته وذكر أنه قول أهل المدينة ومن وجب عليه القتل لم يسقط بالتوبة وقول أهل المدينة المشهور أنه لا يسقط القتل بتوبته
стр. 80
ولو لم يرد هذا لم يخصه بأهل المدينة فإن الناس مجمعون على أن من سب الله تعالى من المسلمين يقتل وإنما اختلفوا في توبته فلما أخذ بقول أهل المدينة في المسلم كما أخذ بقولهم في الذمي علم أنه قصد محل الخلاف بين المدنيين والكوفيين في المسألتين وعلى هذه الطريقة فظاهر المذهب أنه لا يسقط القتل باظهار التوبة بعد القدرة عليه كما ذكرناه في ساب الرسول. وأما الرواية الثانية فإن عبد الله قال: سئل أبي عن رجل قال يا ابن كذا وكذا أنت ومن خلقك. قال أبي: هذا مرتد عن الإسلام. قلت لأبي: تضرب عنقه؟ قال: نعم نضرب عنقه، فجعله من المرتدين. والرواية الأولى قول الليث بن سعد وقول مالك روى ابن القاسم عنه قال من سب الله تعالى من المسلمين قتل ولم يستتب إلا أن يكون افترى على الله بارتداده إلى دين دان به وأظهره فيستتاب وإن لم يظهره لم يستتب وهذا قول ابن القاسم ومطرف وعبد الملك وجماهير المالكية. والثاني: أنه يستتاب وتقبل توبته بمنزلة المرتد المحض وهذا قول القاضي أبي يعلى والشريف أبي جعفر وأبي علي بن البناء وابن عقيل مع قولهم أن من سب الرسول ﷺ لا يستتاب وهذا قول طائفة من المدنيين منهم محمد بن مسلمة والمخزومي وابن أبي حازم قالوا لا يقتل المسلم بالسب حتى يستتاب وكذلك اليهودي والنصراني فإن تابوا قبل منهم وإن لم يتوبوا قتلوا ولا بد من الاستتابة وذلك كله كالردة وهو الذي ذكره العراقيون من المالكية “١
وللوقوف على المزيد مما يتعلق باستتابة المرتد وقد كثرت وتنوعت صور الردة في عصرنا أنقل أيضا عن شيخ الإسلام قوله: “ الردة على قسمين مجردة ومغلظة وتقبل توبة المرتد المجرد عند عامة أهل العلم وروي عن الحسن البصري أنه يقتل ولو أسلم، وأشهر الروايتين عن الإمام مالك والإمام أحمد أن استتابة
стр. 81
المرتد واجبة، وفي الثانية مستحبة والمشهور عند الإمام أبي حنيفة أن الاستتابة مستحبة، وهو أيضا قول للإمام الشافعي إلا أنه قال في أحد قوليه يستتاب فإن تاب في الحال وإلا قتل، ومذهب الجمهور أن المرتد يؤجل ثلاثة أيام بعد الاستتابة. إن حقيقة السب هو الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف وهو ما يفهم عنه السب في عقول الناس. إن الحكم في سب سائر الانبياء عليهم الصلاة والسلام كالحكم في سب نبينا محمد ﷺ إن السَّاب لله من المسلمين يجب قتله بالإجماع لأنه صار بذلك كافرا مرتدا بل اسوأ من الكافر وأن الذمي من إذا سب الله تعالى بما لا يتدين به مثل اللعن والتقبيح فهو سب يقتل به وإذا سب الله تعالى بما يتدين به مثل قول النصارى أن لله ولدا وصاحبة ففيه خلاف عند العلماء”١.
فالاستتابة أسلوب به يتعظ الغاوون، وبه تبقى للدين هيبته في النفوس، وبه ينزجر كل من تساهل في أمور دينه بارتكاب المعاصي صغائرها وكبائرها، وكأن الاستتابة حرز من التمادي في الإثم والعدوان.
стр. 82
٧- أسلوب الزجر بالإغلاظ في القول والضرب:
وفي مشروعيته الآية التي ورد فيها الإغلاظ للكفار والمنافقين ويدخل فيهم العصاة العتاة وهي قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَليْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [التوبة:٧٣]
وأيضا الأحاديث التي ورد فيها اللعن لفئات معينة من العصاة كالمصورين والمستوشمات والواشمات والمتنمصات وزوارات القبور والمغير منار الأرض.. ولا ريب أن اللعن يتضمن زجرا بليغا فهو الطرد والابعاد من رحمة الله التي وسعت كل شئ.
стр. 83
وقد كان النبي ﷺ وهو الإمام والمربي يزجر العتاة ويتخذ في ذلك من يعينه بعد الله تعالى، وقد جاء في حديث أنس ﵁ “ أن قيس بن سعد ﵁ كان يكون بين يدي النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرط من الأمير” ١.
ومن السنة العملية حديث عائشة ﵂ قالت: استأذن رجل على رسول الله ﷺ فقال: “ ائذنوا له بئس أخو العشيرة، أو بئس ابن العشيرة " فلما دخل ألان له الكلام، قلت يا رسول الله قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام؟! قال: “ أي عائشة إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه” ٢.
وفي الحديث أن من زجر العصاة التحذير منهم ومن مسلكهم ويتأكد ذلك أن كانوا من أهل الأهواء والبدع الذين مضرتهم على الدين أكبر ومفسدتهم في الأمة أعظم من العصاة الذين تقتصر معاصيهم على أنفسهم وذويهم. لذا عنون البخاري فقال” باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب” ثم أورد فيه الحديث.
وقال النووي: وفي الحديث مداراة من يتقي فحشه وجواز غيبة الفاسق المعلن فسقه ومن يحتاج الناس إلى التحذير منه.. وأما قوله “ بئس أخو العشيرة أو رجل العشيرة” فالمراد قبيلته أي بئس هذا الرجل منها٣.
ومما يستدل به أيضا على زجر العصاة بالتحذير منهم ومن أعمالهم السيئة ما في حديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : “ ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا” قال الليث: كانا رجلين من المنافقين ٤.
стр. 84
ومن الزجر الضرب والتأديب وحلق الشعر مع مراعاة المصلحة المحققة للغرض وهو زجر العاصي وكفه عن المعصية قال القرطبي ﵀ في تفسيره: “ قال أبو عبد الرحمن النجيبي كنت قاعدا عند عمر بن عبد العزيز وهو إذ ذاك أمير المدينة فأتي برجل يقطع الدراهم وقد شهد عليه فضربه وحلقه وأمر فطيف به وأمره أن يقول: هذا جزاء من يقطع الدراهم ثم أمر أن يرد إليه، فقال:
إنه لم يمنعني أن أقطع يدك إلا أني لم أكن تقدمت في ذلك قبل اليوم وقد تقدمت في ذلك فمن شاء فليقطع، قال القاضي أبو بكر بن العربي: أما أدبه بالسوط فلا كلام فيه، وأما حلقه فقد فعله عمر، وقد كنت أيام الحكم بين الناس أضرب وأحلق وإنما كنت أفعل ذلك بمن يرى شعره عونا له على المعصية وطريقا إلى التجمل به في الفساد وهذا هو الواجب في كل طريق للمعصية أن يقطع إذا كان غير مؤثر في البدن، وأما قطع يده فإنما أخذ ذلك عمر من فصل السرقة وذلك أن قرض الدراهم غير كسرها فإن الكسر إفساد الوصف والقرض تنقيص للقدر فهو أخذ مال على جهة الاختفاء فإن قيل أليس الحرز أصلا في القطع قلنا يحتمل أن يكون عمر يرى أن تهيئنها للفصل بين الخلق دينارا أو درهما حرز لها وحرز كل سيء على قدر حاله وقد أنفذ ذلك ابن الزبير وقطع يد رجل في قطع الدنانير والدراهم، وقد قال علماؤنا المالكية إن الدنانير والدراهم خواتيم الله عليها اسمه ولو قطع على قول أهل التأويل من كسر خاتما لله كان أهلا لذلك أو من كسر خاتم سلطان عليه اسمه أدب وخاتم الله تقضى به الحوائج فلا يستويان في العقوبة قال ابن العربي وأرى أن يقطع في قرضها دون كسرها وقد كنت أفعل ذلك أيام توليتي الحكم إلا أني كنت محفوفا بالجهال فلم أجبن بسبب المقال للحسدة الضلال فمن قدر عليه يوما من أهل الحق فليفعله احتسابا لله تعالى١.
стр. 85
وينبغي في أسلوب الزجر مراعاة الحكمة ومنها:
أن يمازج بين الزجر واللين كل بحسب الحال والمقتضى، لا سيما إن كان يقوم بالزجر أكثر من واحد كالأبوين أو الحاكم ونائبه فيأخذ هذا بالزجر وهذا باللين ليذهب كل منهما ما لدى الآخر من الفتور أو الغلظة، ومن الأمثلة عليه ما رواه ابو بكر الكوفي قال حدثنا عبد الله بن نمير عن مجالد عن الشعبي قال قال زياد: “ كتب إلي أمير المؤمنين أنه ليس ينبغي لي ولا لك ان نسوس الناس سياسة واحدة أن نلين جميعا فتمرح الناس في المعصية ولا أن نشد جميعا فنحمل الناس على المهالك ولكن تكون للشدة والفظاظة وأكون للين والرأفة والرحمة” ١.
أن يتجنب السب والشتم واللعن ـ كما تقدم ذكره في أسلوب الوعظ ـ فإن ذلك ليس من منهاج الصالحين وقد يتورط فيه من يتكرر منه الزجر كالآباء والمعلمين ونحوهم، ومما يتجنب أيضا الدعاء على المزجور ففي حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: “ لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم “ ٢.
والخلاصة أن الزجر أسلوب في منع العاصي من المضي في معصيته وينبغي أن لا يكون للتشفي ولا للإهانة لذاتها، ولا للإنتقام للنفس ولا لشئ من مقاصد النفس، وإنما يكون الزجر لله تعالى ولانتهاك محارمه وتعدي حدوده، وإذا لم ينفع العاصي الزجر فالردع، وفيما يلي الحديث عنه.
стр. 86
٨- الردع بإقامة الحدود الشرعية والتعزيز والكفارات:
أما الحدود الشرعية: فهي حد القتل قصاصا، والقتل للردة، وحد
стр. 87
الحرابة، وحد الزنا، وحد اللواط، وحد القذف، وحد السكر، وحد القصاص في الأطراف، والتعزير متروك لاجتهاد الحاكم.
ولنضرب بعض الأمثلة والأدلة على هذه الحدود:
- في حد القتل قصاصا قول الباري جل ذكره: ﴿يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَليْكُمْ القِصَاصُ فِي القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ الآية [البقرة: ١٧٨] .
- في حد الردة قوله ﷺ : “ من بدل دينه فاقتلوه” ١.
- في حد الحرابة قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣] .
- في حد الزنا غير المحصن قول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَليَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢] .
وفي حد الزنا في حالة الإحصان القتل رجما، ودليله حديث ابن عباس ﵄ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ : “ إن الله قد بعث محمدا ﷺ بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف “ ٢.
стр. 88
- في حد اللواط وهو إتيان الذكر الذكر القتل لحديث ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : “ من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به “ ١.
- في حد القذف وهو اتهام المسلم أو المسلمة ورميه بالفاحشة: الجلد ثمانين جلدة قال تعالى: ﴿وَالذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلدَةً وَلا تَقْبَلُوا لهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلئِكَ هُمْ الفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] .
- في حد السكر: الجلد أربعين جلدة، لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب فقال: “ اضربوه” قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه، فلما انصرف قال القوم: أخزاك الله! فقال رسول الله ﷺ :“لا تقولوا هكذا لا تعينوا عليه الشيطان” وفي رواية أبي لهيعة عند أبي داود: ثم قال ﷺ بعد ضربه:“بكتوه “ فأقبلوا عليه يقولون: ما اتقيت الله ما خشيت الله وما استحييت من رسول الله، ثم أرسلوه، وقال في آخره:“ولكن قولوا اللهم اغفر له اللهم ارحمه” ٢.
وفي رواية عبد الرحمن بن أزهر: “ ثم أخذ رسول الله ﷺ ترابا من الأرض فرمى به في وجهه” ٣.
- وفي حد القصاص في الأطراف قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَليْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لهُ وَمَنْ لمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَل اللهُ فَأُوْلئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] .
стр. 89
- وأما التعزير فهو متروك لاجتهاد الإمام وتقديره، ومن الأدلة عليه حديث أبي بردة الأنصاري قال سمعت النبي ﷺ يقول: “ لا تجلدوا فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله” ١.
ويكون التعزيز بالضرب وقد يكون بالقتل، وقد يكون بتغريم المال ومنه الغرامات التي يضعها الإمام على مخالفي أنظمة المرور في عصرنا كما يقطعون إشارة المرور فيتسببون في ازهاق الأرواح.
ومن المعلوم أن إقامة الحدود الشرعية إنما هي من اختصاصات السلطان فليس لآحاد الناس القيام بذلك، ولابد قبل إقامة الحد الشرعي من إثبات التهمة بالطرق الشرعية التي يسلكها القاضي فلا تجوز شهادة رجل واحد في حد من حدود الله تعالى قال ابن القيم ﵀: “صح عن أبي بكر ﵁ أنه قال: لو رأيت رجلا على حد من حدود الله تعالى لم آخذه حتى يكون معي شاهد غيري، وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لعبد الرحمن بن عوف ﵁ أرأيت لو رأيت رجلا قتل أو شرب أو زنا؟ قال: شهادتك شهادة رجل. فقال له عمر: صدقت” ٢.
ومن وسائل الزجر الضرب فيما هو دون الحدود الشرعية كضرب الأب ابنه والزوج زوجته والمعلم والمربي تلميذه ونحو ذلك والأصل فيه قوله ﷺ : “ لا تجلدوا فوق عشرة أسواط الا في حد من حدود الله” ٣.
على أن لا يكون الضرب مبرحا ولا متجاوزا الحد الشرعي فلا يكسر عظما ولا يجرح ولا يترك آثارا عضوية ولا يلجأ اليه الا بعد استنفاذ الوسائل الأخرى، ولا يضرب من لا ولاية له عليه وإنما هذا من مسئوليات السلطان أو من ينيبه فيه كرجال الحسبة والشرطة.
стр. 90
وينبغي للدعاة والوعاظ والناصحين والمرشدين والمعلمين والمربين ونحوهم أن يراعوا آداب الزجر فمن ذلك:
- ألا يبالغوا فيه ولا يخرجوا به عن حدود المقاصد الشرعية التي شرع من أجلها، وإن من مقاصد الزجر أن يحصل الارتداع والانكفاف فحسب فإذا جر إلى غير ذلك فهو من الشطط وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: “ المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه “ ١
وفيه أن المؤمن يكون حرصه على إصلاح أخيه المسلم أكبر من حرصه على إيقاع العقوبة به أو إنزال النكاية به، بل إن العافية لا يعدلها شئ.
- وأن لا يخرج عن حدود أدب المسلم المستبصر فلا يتورط في الشتائم بل يعمل على سل السخائم، ففي حديث أنس ﵁ قال: “ لم يكن النبي ﷺ فاحشا ولا لعانا ولا سبابا كان يقول عند المعتبة ما له ترب يمينه “ ٢.
- وأن لا يسلك الطرق غير المشروعة في التحري أو تتبع العورات للإدانة وإيقاع الزجر فإن العافية بغية المؤمن ما وسعه إليها سبيل، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: “ إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا” ٣.
والدعاة إنما هم في حقيقة الأمر ناصحون مصلحون، والإصلاح لا يتأتى إلا بالطرق المشروعة الخيّرة.
стр. 91
- وأن لا يبلغ الزاجر والواعظ في تغليظه وتشديده على العصاة حد التيئيس من رحمة الله، وربما تورط في القول على الله تعالى بغير علم، فيكون كمن نهى غيره عن الصغائر وأوقع نفسه في الكبائر! يدل عليه حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: “ إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم” ١.
وفي قوله (فهو أهلكهم) وجهان: الأول بفتح الكاف أي قال لهم هلكوا ولا يكون ذلك إلا إذا استحقرهم، وفي هذا حملهم على التمادي في المعصية فهو آيسهم. الوجه الثاني (فهو أهلكُهم) بالضم والمعنى فهو أكثرهم هلاكا لعجبه بنفسه، وكلا الوجهين مذموم. ونقل أبو داود عن الإمام مالك قوله: إذا قال ذلك تحزنا لما يرى في الناس ـ يعني في أمر دينهم ـ فلا أرى به بأسا، وإذا قال ذلك عجبا بنفسه وتصاغرا للناس فهو المكروه الذي نهي عنه.٢
إن إقامة الحدود من واجبات الولاة والحكام لأنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولنمض مع الامام ابن القيم يفصّل لنا الكلام في هذا وننقل منه ما ذكره بطوله خاصة في باب التعزير قال ﵀: “ ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية فإن الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن فإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور.
والعقوبة تكون على فعل محرم أو ترك واجب، والعقوبات كما تقدم منها ما هو مقدر ومنها ما هو غير مقدر وتختلف مقاديرها وأجناسها وصفاتها باختلاف أحوال الجرائم وكبرها وصغرها وبحسب حال المذنب في نفسه.
والتعزير منه ما يكون بالتوبيخ وبالزجر وبالكلام ومنه ما يكون بالحبس ومنه ما يكون بالنفي ومنه ما يكون بالضرب وإذا كان على ترك واجب كأداء
стр. 92
الديون والأمانات والصلاة والزكاة فإنه يضرب مرة بعد مرة ويفرق الضرب عليه يوما بعد يوم حتى يؤدي الواجب. وإن كان ذلك على جرم ماض فعل منه مقدار الحاجة، وليس لأقله حد وقد تقدم الخلاف في أكثره وأنه يسوغ بالقتل إذا لم تندفع المفسدة إلا به مثل قتل المفرق لجماعة المسلمين والداعي إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وفي الصحيح عن النبي ﷺ : “إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما” ١ وقال: “من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان” ٢.
وأمر بقتل رجل تعمد عليه الكذب وقال لقوم أرسلني إليكم رسول الله ﷺ أن أحكم في نسائكم وأموالكم، وسأله ابن الديلمي عمن لم ينته عن شرب الخمر فقال: “ من لم ينته عنها فاقتلوه “٣ وأمر بقتل شاربها بعد الثالثة أو الرابعة، وأمر بقتل الذي يتزوج امرأة أبيه، وأمر بقتل الذي اتهم بجاريته حتى تبين له أنه خصي وأبعد الأئمة من التعزيز بالقتل أبو حنيفه ومع ذلك فيجوز التعزيز للمصلحه كقتل المكثر من اللواط وقتل القاتل بالمثقل.
ومالك يرى تعزير الجاسوس المسلم بالقتل ووافقه بعض أصحاب أحمد ويرى أيضا هو وجماعة من أصحاب أحمد والشافعي قتل الداعية إلى البدعة، وعزر أيضا ﷺ بالهجر وعزر بالنفي كما أمر بإخراج المخنثين من المدينة ونفيهم وكذلك الصحابة من بعده كما فعل عمر ﵁ بالأمر بهجر صبيغ ونفي نصر بن حجاج.
стр. 93
فصل: وأما التعزير بالعقوبات المالية فمشروع أيضا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك وأحد قولي الشافعي وقد جاءت السنة عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه بذلك في مواضع منها: إباحته ﷺ سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده، ومثل أمره ﷺ بكسر دنان الخمر وشق ظروفها، ومثل أمره لعبد الله بن عمر أن يحرق الثوبين المعصفرين، ومثل أمره ﷺ يوم خيبر بكسر القدور التي طبخ فيها لحم الحمر الأنسية ثم استأذنوه في غسلها فأذن لهم، فدل ذلك على جواز الأمرين لأن العقوبة لم تكن واجبة بالكسر، ومثل هدمه مسجد الضرار، ومثل تحريق متاع الغال، ومثل حرمان السلب الذي أساء على نائبه، ومثل إضعاف الغرم على سارق مالا قطع فيه من الثمر والكثر، ومثل إضعافه الغرم على كاتم الضالة ومثل أخذه شطر مال مانع الزكاة عزمة من عزمات الرب ﵎، ومثل أمره لابس خاتم الذهب بطرحه فلم يعرض له أحد، ومثل تحريق موسى ﵇ العجل وإلقاء برادته في اليم، ومثل قطع نخيل اليهود إغاظة لهم، ومثل تحريق عمر وعلي ﵄ المكان الذي يباع فيه الخمر، ومثل تحريق عمر قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن الرعية، وهذه قضايا صحيحة معروفة وليس يسهل دعوى نسخها، ومن قال إن العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك فقد غلط على مذاهب الأئمة نقلا واستدلالا فأكثر هذه المسائل سائغ في مذهب أحمد ... إلى آخر كلامه ﵀”١.
ومما تقدم يتبين أن زجر العصاة والتنكيل بهم هو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهومن الحسبة التي يقوم بها المسلمون إما تطوعا وإما ولاية، وينبغي تعاون المسلمين لاسيما الدعاة على هذا المبدأ العظيم وأن يكونوا جميعا يدا واحدة في نشر الفضائل وقمع الرذائل قال ابن تيمية ﵀ مبينا طرفا من
стр. 94
المنكرات وكيف تآزر الصحابة على قمعها وأهلها: “ ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: “ لا تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها” ١.
فنهى النبي ﷺ عن وصف المرأة لئلا تتمثل في نفسه صورتها فكيف بمن يصف المردان بهذه الصفات ويرغب في الفواحش بمثل هذه الأقوال المنكرات التي تخرج القلب السليم وتعمى القلب السقيم وتسوق الإنسان إلى العذاب الأليم وقد أمر عمر ﵁ بضرب نائحة فضربت حتى بدا شعرها فقيل له يا أمير المؤمنين إنه قد بدا شعرها فقال لا حرمة لها إنما تأمر بالجزع وقد نهى الله عنه وتنهى عن الصبر وقد أمر الله به وتفتن الحي وتؤذي الميت وتبيع عبرتها وتبكي شجو غيرها إنها لا تبكي علي ميتكم وإنما تبكي على أخذ دراهمكم!
وبلغ عمر أن شابا يقال له نصر ابن حجاج تغنت به امرأة فأخذ شعره ثم رآه جميلا فنفاه إلى البصرة وقال لا يكون عندي من تغنى به النساء فكيف لو رأى عمر من يغني بمثل هذه الأقوال الموزونة في المردان مع كثرة الفجور وظهور الفواحش وقلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن هؤلاء من المضادين لله ولرسوله ولدينه ويدعون إلى ما نهى الله عنه ويصدون عما أمر الله به ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا٢.
ونقول: وكيف لو رأى عمر ما في عصرنا من انتشار صناعة الغناء انتشار النار في الهشيم وما يصاحبها من آلات العزف والموسيقى وما ينتج عنه من خنوع وتخنث وميوعة وميل عن العفاف والفضيلة؟!
رحم الله أحوال المسلمين وأنار لهم طريق السعادة ووفق شبابهم إلى
стр. 95
الاستقامة آمين.
وأما الردع بالكفارات الشرعية: فككفارة القتل الخطأ، وكفارة الظهار، وكفارة اليمين، وكفارة الجماع في نهار رمضان لغير عذر، وجزاء الصيد للمحرم، وفدية الحج والعمرة على من ترك واجبا أو ارتكب محظورا. وفي كل ذلك نصوص من القرآن والسنة أضربنا صفحا عن إيرادها اختصارا. وهذه الكفارات هي تطهير للمسلم مما تلبس به من معصية وجبر للعبادة التي اعتراها نقص، وتربية للنفس على الطاعة والتقوى. وتربيتها بحبسها عن المعصية والإثم والعدوان.
стр. 96
٩- أسلوب تغيير البيئة:
تغيير البيئة أصل معتبر شرعا في تغيير المنكرات وفي التعزير والتأديب وفي استصلاح العصاة، ذلك لأن الإنسان ابن بيئته فإذا كانت بيئته التي نشأ فيها أو عاش بين ظهرانيها توفرت فيها عناصر الجريمة أو أسباب المعصية بحيث سهل عليه ارتكاب المحظور وجب تغيير هذا النمط الفاسد في حياته وانتشاله من هذا الوحل وإلقاؤه في بيئة صالحة وتربة نظيفة، لذا شرعت الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإيمان، ومن مجتمع الإنحلال إلى مجتمع الطهر والعفاف.
والأدلة متضافرة على أن تغيير البيئة أسلوب في استصلاح فئة من العصاة، منها:
- حديث أبي سعيد الخدري أن نبي الله ﷺ قال: “ كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة؟ فقال: لا فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة: فقال: نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض
стр. 97
كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة. قال قتادة: فقال الحسن ذكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره” ١.
ووجه الشاهد في الحديث قوله: “ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء” قال الحافظ ابن حجر: “ فيه فضل التحول من الأرض التي يصيب الإنسان فيها المعصية لما يغلب بحكم العادة على مثل ذلك، إما لتذكره لأفعاله الصادرة قبل ذلك والفتنة بها، وإما لوجود من كان يعينه على ذلك ويحضه عليه. ولهذا قال له: “ ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء) ففيه إشارة إلى أن التائب ينبغي له مفارقة الأحول التي إعتادها في زمن المعصية، والتحول منها كلها والاشتغال بغيرها “٢.
وهذا ما نسميه بلغة العصر تغيير البيئة بكل ما فيها من مؤثرات تغري بالمعصية وتغوي، ومن ثم البحث عن البيئة الصالحة ذات المؤثرات المعينة على الطاعة والاستقامة.
- حديث زيد بن خالد ﵁ فعن النبي ﷺ “أنه أمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مئة وتغريب عام “ ٣ فتغيير البيئة مقصود في تغريب الزاني عاما، عساه يجد
стр. 98
البيئة الصالحة ومدة عام تكفي لتبديل أحواله ووقوفه على المرغبات في الخير والمنفرات من الشر والإثم والعدوان.
- وحديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: “ لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال: أخرجوهم من بيوتكم” ١.
وفي إخراج المخنثين من البيوت تحصين لأهل البيت من خبثهم وميوعتهم وفسادهم، وفي الوقت ذاته فيه زجر لهم وتغيير للبيئة التي درجوا فيها والتي قد تساعدهم على البقاء في حالهم المشينة.
قال ابن تيمية: “ وقد ذكر الشافعي وأحمد أن التغريب جاء في السنة في موضعين أحدهما أن النبى ﷺ قال فى الزانى إذا لم يحصن “ جلد مائة جلدة وتغريب عام”، والثاني نفى المخنثين فيما روته أم سلمة أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها مخنث وهو يقول لعبد الله أخيها إن فتح الله لك الطائف غدا أدلك على ابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال النبي ﷺ “أخرجوهم من بيوتكم” رواه الجماعة إلا الترمذى وفى رواية في الصحيح “ لا يدخلن هؤلاء عليكم” وفى رواية: “ هذا يعرف مثل هذا لا يدخلن عليكم بعد اليوم “
قال ابن جريج المخنث هو هيت وهكذا ذكره غيره وقد قيل فيه إنه هنب وزعم بعضهم أنه ماتع وقيل هوان، وروى الجماعة إلا مسلما: “ أن النبى ﷺ لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال أخرجوهم من بيوتكم وأخرجوا فلانا وفلانا يعنى المخنثين “ وقد ذكر بعضهم أنهم كانوا ثلاثة: بهم وهيت وماتع على عهد رسول الله ﷺ ولم يكونوا يرمون بالفاحشة الكبرى إنما كان تخنيثهم وتأنيثهم لينا فى القول وخضابا فى الأيدى والأرجل كخضاب
стр. 99
النساء ولعبا كلعبهن.
وفى سنن أبى داود عن أبى هريرة أن النبي ﷺ أتى بمخنث وقد خضب رجليه ويديه بالحناء فقال: “ما بال هذا” فقيل يا رسول الله يتشبه بالنساء فأمر به فنفى إلى النقيع فقيل يا رسول الله ألا نقتله فقال: “إني نهيت عن قتل المصلين” ١ قال أبو أسامة حماد بن أسامة والنقيع ناحية عن المدينة وليس بالبقيع وقيل أنه الذي حماه النبي ﷺ لإبل الصدقة ثم حماه عمر وهو على عشرين فرسخا من المدينة وقيل عشرين ميلا ونقيع الخضمات موضع آخر قرب المدينة وقيل هو الذي حماه عمر والنقيع موضع يستنقع فيه الماء كما في الحديث أول جمعة جمعت بالمدينة في نقيع الخضمات.
فإذا النبى ﷺ قد أمر بإخراج مثل هؤلاء من البيوت فمعلوم أن الذى يمكن الرجال من نفسه والإستمتاع به وبما يشاهدونه من محاسنه وفعل الفاحشة الكبرى به شر من هؤلاء وهو أحق بالنفى من بين أظهر المسلمين وإخراجه عنهم فإن المخنث فيه إفساد للرجال والنساء لأنه إذا تشبه بالنساء فقد تعاشره النساء ويتعلمن منه وهو رجل فيفسدهن، ولأن الرجال إذا مالوا إليه فقد يعرضون عن النساء ولأن المرأة إذا رأت الرجل يتخنث فقد تترجل هى وتتشبه بالرجال فتعاشر الصنفين وقد تختار هى مجامعة النساء كما يختار هو مجامعة الرجال.
وأما إفساده للرجال فهو أن يمكنهم من الفعل به كما يفعل بالنساء بمشاهدته ومباشرته وعشقه فإذا أخرج من بين الناس وسافر إلى بلد آخر ساكن فيه الناس ووجد هناك من يفعل به الفاحشة فهنا يكون نفيه بحبسه فى مكان واحد ليس معه فيه غيره وإن خيف خروجه فإنه يقيد إذ هذا هو معنى نفيه وإخراجه من بين الناس. ولهذا تنازع العلماء فى نفى المحارب من الأرض هل هو
стр. 100
طرده بحيث لا يأوى فى بلد او حبسه أو بحسب ما يراه الإمام من هذا وهذا ففى مذهب أحمد ثلاث روايات الثالثة اعدل وأحسن فإن نفيه بحيث لا يأوى فى بلد لا يمكن لتفرق الرعية وإختلاف هممهم بل قد يكون بطرده يقطع الطريق وحبسه قد لا يمكن لأنه يحتاج إلى مؤنة إلى طعام وشراب وحارس ولا ريب أن النفى أسهل إن أمكن.
وقد روى إن هيتا لما إشتكى الجوع أمره النبى ﷺ أن يدخل المدينة من الجمعة إلى الجمعة يسأل ما يقيته إلى الجمعة الأخرى ومعلوم أن قوله: ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] لا يتضمن نفيه من جميع الأرض وإنما هو نفيه من بين الناس وهذا حاصل بطرده وحبسه، وهذا الذى جاءت به الشريعة من النفى هو نوع من الهجرة أى هجره وليس هذا كنفى الثلاثة الذين خلفوا ولا هجره كهجرهم فإنه منع الناس من مخالطتهم ومخاطبتهم حتى أزواجهم ولم يمنعهم من مشاهدة الناس وحضور مجامعهم فى الصلاة وغيرها وهذا دون النفى المشروع، فإن النفى المشروع مجموع من الأمرين وذلك أن الله خلق الآدميين محتاجين إلى معاونة بعضهم بعضا على مصلحة دينهم ودنياهم فمن كان بمخالطته للناس لا يحصل منه عون على الدين بل يفسدهم ويضرهم فى دينهم ودنياهم إستحق الإخراج من بينهم وذلك أنه مضرة بلا مصلحة فإن مخالطته لهم فيها فسادهم وفساد أولادهم فإن الصبى إذا رأى صبيا مثله يفعل شيئا تشبه به وسار بسيرته مع الفساق فإن الإجتماع بالزناة واللوطيين فيه أعظم الفساد والضرر على النساء والصبيان والرجال فيجب أن يعاقب اللوطى والزانى بما فيه تفريقه وإبعاده، وجماع الهجرة هى هجرة السيئات وأهلها وكذلك هجران الدعاة إلى البدع وهجران الفساق وهجران من يخالط هؤلاء كلهم أو يعاونهم”١.
стр. 101
فهو إذن هجران ونفي وتغريب بقدر ما تتحقق به المصلحة وتندرئ به المفسدة، وهذا من مقاصد الشريعة.
стр. 102
١٠ - أسلوب إيجاد البدائل:
إيجاد البديل أسلوب تربوي يتوخى سد الحاجات وتهذيب الرغبات، وهو أسلوب أصيل جاء به الكتاب والسنة، وهذا الأسلوب هو الأوفق في عصر كعصرنا حيث تكاثرت المغريات والملهيات عن ذكر الله تعالى، وأصبح الشباب من الجنسين مغرمين بها بحيث قل من يستمع للمواعظ أو يستجيب للتذكير ثم هم بما نمت به معارفهم من الثقافات المتنوعة التي يتلقفونها عبر المسموع والمقروء والمرئي من الوسائل يُطالِبون بالبديل الصالح! هذا دأب العاقلين منهم، فلا بد أن يكون لدى الدعاة والمصلحين سواء الآباء والمربين والمعلمين والمحتسبين ما يقدمونه بديلا عن المنكر الذي يقع فيه العصاة. ولنتأمل الآن قبسات من هدي الكتاب والسنة لنر كيف عالج الأنبياء والمرسلون والمصلحون العصاة بهذا الأسلوب التربوي الناجع:
- قال الله تعالى في دعوة لوط ﵇: ﴿قَال يَاقَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَليْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيد﴾ [هود:٧٨] قال ابن كثير ﵀: “ يرشدهم إلى نسائهم فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدنيا والآخرة كما قال لهم في الآية الأخرى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ العَالمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلقَ لكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَل أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء:١٦٥-١٦٦] .
قال مجاهد لم يكن بناته ولكن كن من أمته وكل نبي أبو أمته وكذا روي عن قتادة وغير واحد وقال ابن جريج أمرهم أن يتزوجوا النساء ولم يعرض عليهم سفاحا وقال سعيد بن جبير يعني نساءهم هن بناته وهو أب لهم، ومن
стр. 103
القراءات: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [وهو أب لهم] ﴾ [الأحزاب: ٦] ١.
وإيجاد البدائل الصالحة أسلوب تشريعي يربي في المسلم الرغبة في الخير والقناعة به والرضا والتسليم له، كما يربّي فيه الرغبة عن الشر والإثم والعدوان ونبذه.
- ومن صوره: لما حرم الله الربا أباح البيع وجعله البديل الصالح عنه فقال تعالى: ﴿وَأَحَل اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
- وفي تحريم الزنا وكافة الوسائل المؤدية إليه نهى عن ذلك كله في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [الاسراء:٣٢] وفي المقابل أمر بإنكاح الأيامى وهم من لا زوج له من الجنسين قال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيم﴾ [النور:٣٢] بل وأيضا أباح تعدد الزوجات بشرط العدل بينهن قال : ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣] ومن لم يكن عنده استطاعة على التعدد لعجز نفسي أو عجز مالي ولم تعفه زوجته أباح له استبدال زوجته بأخرى أجمل منها وأزكى وأقرب إلى تحقيق مراده فقال: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء:٢٠]
وهكذا فالإسلام لايضيق شيئا لمصلحة العباد إلا ويوسع مقابله ما هو أنفع لهم وأزكى وأرجى، وهل يستوي الطهر والعهر؟! أم هل يستوي العفاف والخنا!
стр. 104
- ولما حرم المتاجرة في أعيان منهي عنها كما في قوله ﷺ : “ إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام” ١ أباح المتاجرة في سائر البيوع الأخرى التي لا حصر لها وهكذا.
ويمكن أن يقدم الداعية البديل الصالح لهواة سماع الموسيقى والأغاني المحرمة بترغيبهم في تلاوة الكتاب العزيز وترتيله وتشنيف الأسماع بقراءته بالأصوات الجميلة التي تميل إليها النفوس والتي ليس فيها تطريب ولا خروج عن المعروف المألوف.
وكذلك هواة الأفلام التي يأباها الدين وتنبذها المروءة والتي تربي في النشء الميوعة والانحلال والجريمة، تنبغي دلالتهم وترغيبهم إلى القصص الإسلامية التي صوغت بأسلوب أدبي رفيع وكذلك كتب التاريخ الإسلامي التي لا تخلو من المستطرف المستظرف من الوقائع في مختلف الأحقاب، وقد تهيأت في عصرنا أقراص الحاسب الآلي [الكمبيوتر] وتحوي قصص النبيين والصالحين وأتيحت الاستفادة منها بأسلوب مشوق أخاذ لا سيما لفئة الشباب من الجنسين، على نحو لم يسبق من قبل ... فضلا عن لوحات المناظر الطبيعية من غير ذوات الأرواح وهو فن معروف لدى هواته وفيه الغنية عن الصور المحرمة.
стр. 105
١١- أسلوب الهجر:
الأصل في المجتمع الإسلامي التواصل والمحبة والتساند كما في حديث أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ” لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام “ ٢ لكنه ولمصحلة العصاة وعلاجهم وإستصلاحهم وكف أذاهم عن الآخرين الصلحاء الذين يخشى أن
стр. 106
يسري إليهم الفساد بالمخالطة يجوز الهجر.
وفي تقرير مبدأ العقوبة بالهجر وغيره نصوص كثيرة استقى منها العلماء أن أسلوب العقوبة ومقدارها يتقدر بحسب المعصية، من ذلك ما ذكره ابن تيمية قال ﵀: " بعد أن ذكر تغليظ العقوبة على من سب الرسول ﷺ لما يترتب عليها من المفاسد العظيمة قال: " وأيضا فإن سب الله ليس له داع عقلي في الغالب وأكثر ما هو سب في نفس الأمر إنما يصدر عن اعتقاد وتدين يراد به التعظيم لا السب ولا يقصد الساب حقيقة الإهانة لعلمه أن ذلك لا يؤثر بخلاف سب الرسول فإنه في الغالب إنما يقصد به الإهانة والاستخفاف والدواعي إلى ذلك متوفرة من كل كافر ومنافق وصار من جنس الجرائم التي تدعوا إليها الطباع فإن حدودها لا تسقط بالتوبة بخلاف الجرائم التي لا داعي إليها.
ونكتة هذا الفرق أن خصوص سب الله تعالى ليس إليه داع غالب الأوقات فيندرج في عموم الكفر بخلاف سب الرسول فإن لخصوصه دواعي متوفرة فناسب أن يشرع لخصوصه حد والحد المشروع لخصوصه لا يسقط بالتوبة كسائر الحدود فلما اشتمل سب الرسول على خصائص من جهة توفر الدواعي إليه وحرص اعداء الله عليه وأن الحرمة تنتهك به انتهاك الحرمات بانتهاكها وأن فيه حق لمخلوق تحتمت عقوبته لا لأنه أغلظ إثما من سب الله بل لأن مفسدته لا تنحسم إلا بتحتم القتل.
ألا ترى أن الكفر والردة أعظم إثما من الزنى والسرقة وقطع الطريق وشرب الخمر ثم الكافر والمرتد إذا تابا بعد القدرة عليهما سقطت عقوبتهما ولو تاب أولئك الفساق بعد القدرة لم تسقط عقوبتهم مع أن الكفر أعظم من الفسق ولم يدل ذلك على أن الفاسق أعظم إثما من الكافر فمن أخذ تحتم العقوبة سقوطها من كبر الذنب وصغره فقد نأى عن مسالك الفقه والحكمة، ويوضح ذلك أنا نقر الكفار بالذمة على أعظم الذنوب ولا نقر واحدا منهم ولا من
стр. 107
غيرهم على زنى ولا سرقة ولا كبير من المعاصي الموجبة للحدود وقد عاقب الله قوم لوط من العقوبة بما لم يعاقبه بشرا في زمنهم لأجل الفاحشة والأرض مملوئة من المشركين وهم في عافية وقد دفن رجل قتل رجلا على عهد النبي ﷺ مرات والأرض تلفظه في كل ذلك فقال النبي ﷺ أن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراكم هذا لتعتبروا ولهذا يعاقب الفاسق الملي من الهجر والإعراض والجلد وغير ذلك بما لايعاقب به الكافر الذمي مع أن ذلك أحسن حالا عند الله وعندنا من الكافر١.
وتتلخص ثلاثة آراء للعلماء في مدة هجر العصاة:
الأول: أن مدة الهجر لا يصح أن تتجاوز ثلاثة أيام لحديث أبي أيوب ﵁
عن النبي ﷺ قال: “ لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام “ ٢ وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : “ لا هجرة بعد ثلاث “ ٣.
الثاني: أن مدة الهجر أقصاها أربعون يوما استدلالا بهجر النبي ﷺ الثلاثة الذين خلفوا حتى نزلت توبتهم قال تعالى: ﴿لقَدْ تَابَ اللهُ عَلى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ العُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَليْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ وَعَلى الثَّلاثَةِ الذِينَ خُلفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَليْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَليْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلجَأَ مِنْ اللهِ إِلا إِليْهِ ثُمَّ تَابَ عَليْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٧-١١٨] .
стр. 108
ومنه ما ذكره أبو داود في سننه قال: هجر النبي ﷺ بعض نسائه أربعين يوما وابن عمر هجر ابنا له الى أن مات، وإذا كانت الهجرة لله فليس من هذا بشئ وإن عمر بن عبد العزيز غطى وجهه عن رجل١.
وأيضا قول عائشة ﵂: هجر النبي ﷺ نساءه شهرا ٢.
الثالث: أنه ليس للهجر مدة محددة بل يهجر حتى يقلع عن المعصية وأن الهجر مرتبط بالمصلحة فمتى تحققت وهي الاقلاع عن المعصية بطل الهجر. قال ابن تيمية ﵀: “ وإن كان في هجره لمظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره كما هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين خلفوا حتى تاب الله عليهم”٣
وابن تيمية خير من بحث في مسألة الهجر وحدودها ومدتها وما يتعلق بها وبين أنها تدور مع تحقيق المصالح، ولو جمع ما كتبه ﵀ في هذه المسألة لبلغ وقرا كبيرا قال ﵀:
“ ذكر الخلال فى كتاب السنة فى باب مجانبة من قال القرآن مخلوق عن اسحق أنه قال لأبى عبد الله من قال القرآن مخلوق قال ألحلق به كل بلية، قلت فيظهر العدواة لهم أم يداريهم؟ قال أهل خراسان لا يقوون بهم وهذا الجواب منه مع قوله فى القدرية لو تركنا الرواية عن القدرية لتركناها عن أكثر أهل البصرة ومع ما كان يعاملهم به فى المحنة من الدفع بالتى هى أحسن ومخاطبتهم بالحجج يفسر ما فى كلامه وأفعاله من هجرهم والنهى عن مجالستهم ومكالمتهم حتى هجر فى زمن غير ما أعيان من الأكابر وأمر بهجرهم لنوع ما من التجهم فان الهجرة نوع من أنواع التعزير والعقوبة نوع من أنواع الهجرة التى هى ترك
стр. 109
السيئات فإن النبى ﷺ قال: “ المهاجر من هجر السيئات” ١ وقال: “المهاجر من هجر ما نهى الله عنه “ ٢.
فهذه هجرة التقوى وفى هجرة التعزير والجهاد هجرة الثلاثة الذين خلفوا وأمر المسلمين بهجرهم حتى تيب عليهم.
فالهجرة تارة تكون من نوع التقوى إذا كانت هجرا للسيئات كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ وَمَا عَلى الذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرَى لعَلهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:٦٨-٦٩] فبين سبحانه أن المتقين خلاف الظالمين وان المأمورين بهجران مجالس الخوض فى آيات الله هم المتقون وتارة تكون من نوع الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واقامة الحدود وهو عقوبة من اعتدى وكان ظالما.
وعقوبة الظالم وتعزيره مشروط بالقدرة فلهذا اختلف حكم الشرع فى نوعى الهجرتين بين القادر والعاجز وبين قلة نوع الظالم المبتدع وكثرته وقوته وضعفه كما يختلف الحكم بذلك فى سائر أنواع الظلم من الكفر والفسوق والعصيان فإن كلما حرمه الله فهو ظلم إما فى حق الله فقط وإما فى حق عباده وإما فيهما وما أمر به من هجر الترك والانتهاء وهجر العقوبة والتعزير إنما هو إذا لم يكن فيه مصلحة دينية راجحة على فعله وإلا فإذا كان فى السيئة حسنة راجحة لم تكن سيئة وإذا كان فى العقوبة مفسدة راجحة على الجريمة لم تكن حسنة بل تكون سيئة وان كانت مكافئة لم تكن حسنة ولا سيئة.
стр. 110
فالهجران قد يكون مقصوده ترك سيئة البدعة التى هى ظلم وذنب وإثم وفساد وقد يكون يكون مقصوده فعل حسنة الجهاد البدعة والنهى عن المنكر وعقوبة الظالمين لينزجروا ويرتدعوا وليقوى الإيمان والعمل الصالح عند أهله، فإن عقوبة الظالم تمنع الظالم النفوس عن ظلمه وتحضها على فعل ضد ظلمه من الإيمان والسنة ونحو ذلك فإذا لم يكن فى هجرانه إنزجار أحد ولا انتهاء أحد بل بطلان كثير من الحسنات المأمور بها لم تكن هجرة مأمورا بها كما ذكره أحمد عن أهل خراسان إذ ذاك أنهم لم يكونوا يقوون بالجهمية فإذا عجزوا عن إظهار العداوة لهم سقط الأمر بفعل هذه الحسنة وكان مداراتهم فيه دفع الضرر عن المؤمن الضعيف ولعله أن يكون فيه تأليف الفاجر القوى وكذلك لما كثر القدر فى أهل البصرة فلو ترك رواية الحديث عنهم لاندرس العلم والسنن والآثار المحفوظة فيهم فإذا تعذر اقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك الا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرا من العكس ولهذا كان الكلام فى هذه المسائل فيه تفصيل”١.
وملخص ما سبق: أن الهجرة أسلوب في استصلاح العصاة، وأنه لا مدة للهجر، وأن الهجرة إنما تشرع إذا حققت المقصود وهو الانزجار.
إن للخلطة والعزلة في حياة الدعاة فقها ينبغي أن يعيه الدعاة لاسيما وقد ورد فيها نصوص كثيرة منها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : “ إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: