Полный текст (394 стр.). Показаны 386–394 · переход к 391.
стр. 386
وعن بريدة الأسلمي قال: ((خرجتُ ذات يوم لحاجة؛ فإذا أنا بالنبي ﷺ يمشي بين يدي، فأخذ بيدي فانطلقنا نمشي جميعًا فإذا نحن بين أيدينا برجل يصلي يكثر الركوع، والسجود فقال النبي ﷺ : أتراه يرائي؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، فترك يدي من يده، ثم جمع بين يديه فجعل يصوبهما، ويرفعهما، ويقول: عليكم هديًا قاصدًا، عليكم هديًا قاصدًا، عليكم هديًا قاصدًا، فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه)).
وعن عبد الله بن عمرو قال: ((ذكر لرسول الله ﷺ رجال يجتهدون في العبادة اجتهادًا شديدًا؛ فقال: تلك ضراوة الإسلام وشرته، ولكل ضراوة شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى اقتصاد وسنة فلام ما هو، ومن كانت فترته إلى المعاصي فذلك الهالك)).
وعن مقدام بن معد يكرب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما ملأ آدمي، وعاء شرًّا من بطنه بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه))، وعن جابر بن سمرة قال: ((كنت أصلي مع رسول الله ﷺ فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا))، وعن أبي هريرة أراه رفعه قال: ((أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما)).
وعن حُميد الحميري، وهو ابن عبد الرحمن قال: لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله"، وعن ابن مسعود قال: "الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة"، وعن أبي بن كعب قال: "عليكم بالسبيل، والسنة فإنه ليس من عبد على سبيل، وسنة ذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله فتمسه النار، وإن اقتصادًا في سبيل، وسنة خير من اجتهاد في إضلال".
стр. 387
والذي يمعن النظر في هذه النصوص يرى أنها تدل على أن وسطية الإسلام عامة جامعة شاملة للعقيدة والأحكام، والعبادات والمعاملات، والأخلاق، والعادات، والعواطف، وفي ذلك يقول الإمام الطحاوي ﵀: ودين الله في الأرض، والسماء واحد، وهو دين الإسلام كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩)، وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣)، وهو بين الغلو، والتقصير، وبين التشبيه، والتعطيل، وبين الجبر، والقدر، وبين الأمن، والإياس.
ويقول ابن تيمية ﵀: "المسلمون وسط في أنبياء الله، ورسله، وعباده الصالحين لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى، ولم يجفوا كما جفت اليهود، وهم وسط في شرائع دين الله فلم يحرموا على الله أن ينسخ ما شاء، ويمحو ما شاء، ويثبت ما شاء كما قالته اليهود، ولا جوزوا لأكابر علمائهم، وعبادهم أن يغيروا دين الله فيأمروا بما شاءوا، وينهوا عما شاءوا كما يفعله النصارى، وهم كذلك، وسط في باب صفات الله تعالى فإن اليهود، وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة، والنصارى، وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به.
وأما أهل السنة والجماعة فوسط في باب الأسماء، والصفات بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسماء الله تعالى وآياته، ويعطلون صفاته، وبين أهل التمثيل، والتشبيه الذين يضربون له الأمثال، ويشبهونه بالمخلوقات، وأما أهل السنة والجماعة؛ فيؤمنون بما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وهم وسط في سائر أبواب السنة، ووسطيتهم فيها راجعة لتمسكهم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين، والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ﵃ أجمعين".
стр. 388
إن الوسطية من خصائص هذه الأمة، وهي سبب خيريتها، ولا تزال الأمة بخير ما حافظت على هذه الخاصية التي تتميز بها خاصية الوسطية التي تمثل الاعتدال، والاستقامة على صراط الله ، فإذا خرجت عن الوسط إلى أحد جانبيه ففرطت أو أفرطت فقد هلكت فإن التطرف مهلكة، التطرف لا يختص بالغلو والإفراط، وإنما الغلو، والإفراط تطرف، والتقصير، والتفريط تطرف أيضًا، وكلاهما مهلكة للفرد، وللمجتمع. يقول وهب بن منبه: "إن لكل شيء طرفين، ووسطًا فإذا أمسك بأحد الطرفين مال الآخر، فإذا أمسك بالوسط اعتدل الطرفان فعليكم بالوسط من الأشياء".
وقال ابن القيم: "من كيد الشيطان العجيب أنه يشام النفس حتى يعلم أي القوتين تغلب عليها أقوة الإقدام أم قوة الانكفاف، والإحجام، والمهانة، وقد اقتطع أكثر الناس إلا أقل القليل في هذين الواديين وادي التقصير، ووادي المجاوزة، والتعدي، والقليل منهم جدًّا الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله ﷺ وهو الوسط". نسأل الله تعالى أن يثبتنا على صراط مستقيم، وأن يعصمنا من التطرف عنه إلى الإفراط أو التفريط، وبهذا نكتفي في الكلام عن هذه الخاصية من خصائص الإسلام، وهي خاصية الوسطية.
من خصائص الإسلام: الوضوح
الوضوح هو إحدى الخصائص العامة للإسلام سواء فيما يتعلق بالأصول، والقواعد أم بالمصادر، والمنابع أم بالأهداف، والغايات أم بالمناهج، والوسائل، وسنحاول إن شاء الله تعالى بيان ذلك بإيجاز في هذه الكلمات. أما وضوح الأصول، والقواعد الإسلامية:
стр. 389
فأول مظاهر الوضوح في الإسلام أن أصوله، ودعائمه الكبرى واضحة بينة لا لزعمائه، وقادة الفكر، والدعوة إليه فقط، ولا لخاصة المثقفين من أتباعه، وأنصاره فحسب بل لجمهرة المؤمنين به أيًّا كانوا يستوي في ذلك الأصول الاعتقادية، والشعائر التعبدية، وأمهات الفضائل الخلقية، والأحكام التشريعية.
أما وضوح الأصول الاعتقادية؛ فأول ما يبدو هذا الوضوح في الأصول الاعتقادية في الإسلام يبدو في الإيمان بالله ورسالاته، وبالدار الآخرة فتوحيد الله هو أصل الأصول لا يجهله مسلم أيًّا كان جنسه أو لونه أو طبقته أو حظه من التعلم فقد عرف من كلمة التوحيد وأولى الشهادتين لا إله إلا الله ألا مكان في الإسلام لتأليه بشر أو حجر أو شيء في الأرض أو في السماء بل لله من في السموات، ومن في الأرض، وما فيهما، ولهذا كانت رسالة النبي ﷺ إلى ملوك العالم، وزعمائه متضمنة: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: ٦٤).
فالتوحيد في حد ذاته قضية واضحة في ضمير كل مسلم، ودليلها أيضًا واضح في فكره، كما أن أثرها كذلك واضح في حياته كيف لا، وهو يلقن منذ صغره لا إله إلا الله، ويلقن أيضًا إذا حضره الموت لا إله إلا الله كما وصى بذلك رسول الله ﷺ .
أما عقيدة الجزاء في الآخرة بالجنة، والنار فهي عقيدة ظاهرة واضحة مستقرة في نفوس المؤمنين بالله فإن الله قد قرر قانون الجزاء في سورة من قصار سور القرآن في آيتين اثنتين قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٧، ٨). وعامة المسلمين يعلمون أن جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة التي فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأن جزاء الكافرين الذين كفروا بالله
стр. 390
وملائكته، وكتبه، ورسله، والدار الآخرة هي النار التي وقودها الناس، والحجارة كما أن الإيمان بالرسالات التي أرسل الله بها رسله قبل محمد ﷺ أمر واضح جلي لكل مسلم.
فكل مسلم من العامة فضلًا عن الخاصة يعلم أنه لا يتم إيمانه حتى يؤمن بالله، وملائكته، وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله، وكل مسلم يعلم أن هؤلاء الرسل بشر من البشر يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويتزوجون النساء، ويرزقون الأولاد بنين، وبنات إلا أن الله ﵎ فضل هؤلاء الصفوة على جميع الناس حين اصطفاهم لرسالته، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
ومن مظاهر الوضوح في الإسلام: أن أركانه العملية، وشعائره التعبدية واضحة أيضًا للخاص والعام حتى الصبيان يحفظون أركان الإسلام الخمسة فقول النبي ﷺ : ((بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا)). هذا حديث مشهور بفضل الله يحفظه الصبيان في الكتاب، وعامة المسلمين يعرفون هذه الأركان للإسلام التي تتمثل في العبادات التي فرضها الله تعالى على المسلمين؛ فالصلاة كل مسلم يعرف أنها خمس في اليوم، والليلة، وكل مسلم يعرف مواقيتها كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: ١٠٣).
كل مسلم يعرف أن الصبح ركعتان، والظهر أربعة، والعصر أربعة، والمغرب ثلاث، والعشاء أربع حتى السنن التي ندبنا إليها النبي ﷺ قبل الصلاة المفروضة، وبعدها كل مسلم يعرفها لا تخفى على أحد من المسلمين بفضل الله ، والزكاة معروفة إجماليًّا لكافة المسلمين، وأنها تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم،
стр. 391
وأنها لا تجب إلا على من ملك من المال ما بلغ النصاب، ولا تجب إلا بعد مرور الحول ما دام المال فوق النصاب، والقدر الواجب إخراج معروف في الأموال النقدية ربع العشر، وفي الزروع العشر أو نصف العشر حسب السقيا.
وصيام رمضان كذلك معروف عند عامة المسلمين أنه فريضة كتبها الله ﵎ على عباده، وأنها تكون في رمضان من كل عام، وأن وقت الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وأن الصيام معناه الإمساك عن شهوتي البطن، والفرج، وآداب الصيام معروفة أن الصائم لا يرفث، ولا يفسق، وإن امرؤ قاتله أو سبه يقول: إني صائم، والحج الحمد لله كذلك كل المسلمين يعرفون أنه لا يجب على المستطيع إلا مرة واحدة في العمر، وأركانه معروفة الإحرام، والوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا، والمروة، ثم التحلل، ورمي الجمار، وغير ذلك من واجبات الحج كل ذلك بفضل الله ظاهر، وواضح لجميع المسلمين.
كذلك الأصول الأخلاقية التي دعا إليها الإسلام ظاهرة، وواضحة، ومشهورة بفضل الله عند العامة فضلًا عن الخاصة فكل مسلم يحفظ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والْإِحْسَانِ وإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ويَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ والْمُنْكَرِ والْبَغْيِ﴾ (النحل: ٩٠) فكل مسلم يعرف أن الله ﵎ يأمر بالعدل، والإحسان، ويأمر ببر الوالدين، وصلة الأرحام، ويأمر بالإحسان إلى اليتامى، والمساكين، والجار ذي القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل كما أن كل مسلم يعرف أن الله ﵎ نهى عن مساوئ الأخلاق، وتوعد عليها، وكل مسلم يحفظ قول النبي ﷺ : ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)).
стр. 392
كذلك الآداب التي ندبنا إليها النبي ﷺ الحمد لله آداب ظاهرة واضحة جلية سواء ما كان منها يتعلق بالأكل، والشرب أو النوم، واليقظة أو اللباس والزينة أو الجلوس، والمشي آداب الزيارة آداب الاستئذان آداب التحية عند اللقاء أدب الحديث كل ذلك، والحمد لله ظاهر جلي، واضح لعموم المسلمين.
ومن مظاهر الوضوح في الإسلام، وضوح شرائعه، وقوانينه أعني الأساسية القطعية منها سواء في المجال الفردي أو الأسري أم الاجتماعي؛ فكل مسلم يعلم بوضوح ما يحل، ويحرم من الأطعمة، والأشربة، والملابس، والمناكح، وغير ذلك بفضل الله ، ومن مظاهر الوضوح في الإسلام: وضوح مصادره فمصادر الإسلام كما سبقت الإشارة إليها القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، ومن مظاهر الوضوح في نظام الإسلام: وضوح الأهداف، والغايات فكل مسلم يعلم أن الله ﵎ بعث محمدًا ﷺ بالقرآن الكريم ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، ومن ظلمات الضلالة إلى نور الهدى، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم.
ومن مظاهر الوضوح في الإسلام: وضوح الدعوة، ومعرفة أبعادها فغاية الدعوة واضحة، ويقول الله ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥)، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ ومَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات: ٥٦ - ٥٨).
فالدعوة إذًا واضحة المعالم محددة الأبعاد خالية من تعقيد المثلثين، وشبه الثنويين، وشطحات العقلانيين ألا تراها تدعو إلى إخلاص العبادة لإله واحد إليه
стр. 393
يرجع الأمر كله بيده الخير، وهو بكل شيء عليم، والقرآن الكريم يوضح لنا هذا المعنى الذي عجزت العقول المجردة عن تصوره حيث يقول ﵎: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: ٢٩).
ولقد كانت الدعوة إلى الله بهذا الوضوح، وبهذا التحديد ماثلة في تصور كل رسول بعثه الله لم يلابسها شك، ولم يخالطها شبهة، وكان الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- يدعون الناس جميعًا إلى هذه العقيدة، وإن اختلفت الأساليب فنوح ﵇ يقول لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الأحقاف: ٢١)، وهود ﵇ يقول: ﴿يَا قَوْم اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ (هود: ٥٠)، وصالح ﵇ يقول: ﴿يَا قَوْم اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ واسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: ٦١).
وإبراهيم ﵇ قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: ١٦)، ويوسف ﵇ قال لصاحبيه في السجن: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (يوسف: ٣٩)، وموسى ﵇ ينعى الشرك على قومه فيقول: وقد قالوا له: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: ١٤٠)، ثم يكون خاتم أنبياء بني إسرائيل عيسى ﵇ ويعلنها وحدانية صريحة حيث يقول: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ (المائدة: ١١٧).
ويأتي خاتم الأنبياء، والمرسلين محمد -صلى الله عليهم وسلم أجمعين- فيختم هذه الرسالات، ويؤكد على ما دعا إليه إخوانه جميعًا من إفراد الله بالعبادة، ويعلن أنه لن يقبل من أحد سواها مهما كانت منزلته ومكانته، ومهما كانت عشيرته، وقبيلته يقول الله
стр. 394
تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِمَاتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٨)، ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ٨٥)، ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ١١٥).
هكذا كانت الدعوة بهذا الوضوح في أذهان الدعاة، وبذلك التحديد أمام أعينهم حتى لم يغب عنهم منها شيء، وكان هذا الوضوح من أعظم الوسائل لقوتها، وذلك التحديد من أقوى الأساليب في نشرها، وذيوعها.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.