← Общие книги

Общие книги · id 12202

أصول الدعوة - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (394 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

زاد الله له في البلاء، وفي الحديث: عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: ((قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل)). فهذه الأسباب تعين المبتلى على الصبر، ثم عليه الدعاء بالصبر، فقد قال ﵊: ((ومن يتصبر يصبره الله))، ومن يتصبر يعني يسأل الله تعالى الصبر، ولذلك مدح الله ﵎ السحرة سحرة فرعون بعد إيمانهم، وتهديد فرعون لهم بالعذاب مدحهم الله على تصبرهم، وسؤالهم الصبر بقوله: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (الأعراف: ١٢٦)، ومدح أتباع الأنبياء أنهم كانوا إذا لقوا أعداءهم سألوا الله تعالى الصبر: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٥٠) ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٤٧). فالصبر شيء عظيم جدًّا، وأهم الناس يلزمهم الصبر هم الدعاة إلى الله يلزمهم أن يصبروا على تكاليف الدعوة، وأعباء الدعوة، ومشاق الدعوة، ويلزمهم أن يصبروا على المدعوين، وأذاهم، ويلزمهم أن يصبروا على كل ما يلقونه في سبيل تبليغ دعوة الله ولذلك أكثر الله على نبيه ﷺ من الصبر في القرآن الكريم: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ (القلم: ٤٨) ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: ٣٥) ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (المدثر: ٧) فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعيننا على القيام بما حملنا من واجب الدعوة إليه على بصيرة، وأن يرزقنا الصبر حتى نبلغ دعوة ربنا إيمانًا، واحتسابًا، ولعل الله أن يقر أعيننا برؤية ثمار دعوتنا؛ فإن لم نرها فستتحقق، ولو بعد وفاتنا كما قال الله لنبينا: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أونَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ (غافر: ٧٧).

стр. 352

من الأخلاق التي يجب أن يتخلق بها الداعية: الرفق الرفق لغة مأخوذ من مادة رفق التي تدل على موافقة، ومقارنة بلا عنف هذا هو أصل الرفق، ثم يشتق منه كل شيء يدعو إلى راحة، وموافقة يقال: رفق بالأمر وله، وعليه يرفق رفقًا. والرفق اصطلاحًا: هو لين الجانب بالقول، والفعل، والأخذ بالأسهل، وهو ضد العنف، والرفيق: اسم من أسماء الله ﵎ ففي الحديث: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه)). ولقد أمر الله ﵎ موسى، وهارون ﵉ بالرفق حين قال لهما: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى﴾ (طه: ٤٣، ٤٤). وامتن الله على نبيه محمد ﷺ بما حباه من الرأفة، والرفق فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٩). ولقد كان ﷺ المثل الأعلى في الرفق بالعامة: عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إني لأدخل في الصلاة فأريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز -أي: أخفف في الصلاة- مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه))، وعن عائشة ﵂ قالت: ((إن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل، وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم)). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع الوضوء))، وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)).

стр. 353

وعن عائشة ﵂ قالت: ((اعتم النبي ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى فقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي))، وعنها ﵂: ((أن رسول الله ﷺ صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم))، وذلك في رمضان في صلاة قيام الليل. وعنها ﵂ أنها قالت: ((ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا))، وكان ﷺ يحثُّ أصحابه على الرفق، ويرغبهم فيه، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه))، وعنها ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)). وعنها ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لها: ((يا عائشة ارفقي؛ فإن الله إذا أراد بأهل بيت خيرًا دلهم على باب الرفق))، وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو بمن تحرم عليه النار على كل قريب هين سهل))، وعن جرير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يحرم الرفق يحرم الخير كله))، وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق)). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن هذا الدين يسر، ولا يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، ويسروا، واستعينوا بالغدوة، والروحة، وشيء من الدلجة))، وكان ﷺ ينكر على من يشدد على نفسه عن

стр. 354

عائشة ﵂: ((أن النبي ﷺ دخل عليها، وعندها امرأة فقال: من هذه؟ قالت: فلانة تذكر من صلاتها قال: مه عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه)). وعن أنس بن مالك ﵁: ((أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فرأى حبلًا ممدودا بين ساريتين فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: لزينب تصلي فيه فإذا فترت تعلقت به فقال: حلوه حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد))، وعن أنس بن مالك ﵁ قال: ((جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها -أي: عدوها قليلة- فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ -كأنهم يلتمسون العذر لرسول الله ﷺ في قلة عبادته، هكذا ظنوا فقالوا- قد غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر -ونحن لسنا كذلك فنحن بحاجة إلى اجتهاد في العبادة- فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر، ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له لكني أصوم، وأفطر، وأصلي، وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني)). وهكذا كان ﷺ رفيقًا بأصحابه، وأمرهم بالرفق، ونهاهم عن الشدة، والعنف، والتشدد، والتنطع، ويتأكد الرفق في حق العالم بالمتعلم، وفي حق العالم بالجاهل؛ فيجب على كل عالم أن يكون رفيقًا بكل متعلم، وأن يكون رفيقًا بكل جاهل؛ فلا يعنفه، ولا يوبخه، ولا يسبه، ولا يشتمه، ولا يضربه لقلة فهمه، ولا لسوء حفظه، ولا لخطأ صدر منه عفوًا عن أبي هريرة ﵁: ((أن أعرابيًّا بال في ناحية المسجد فأسرع الناس إليه أي: لينهوه أو ليقعوا به فنهاهم

стр. 355

النبي ﷺ وقال: إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين صبوا عليه -أي: على بول الأعرابي- سجلًا من ماء أو قال: ذنوبًا من ماء)). وعن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: ((بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله)) وكان الكلام في أول الأمر مباحًا في الصلاة، كان الكلام المباح مباحًا؛ يعطس العاطس فيشمت، يسلم المسلم فيرد ﵇، ثم نهوا عن ذلك، ولم يعلم معاوية بأنهم قد نهوا عن الكلام فبينما هو يصلي إذ عطس رجل فقال: يرحمك الله ((قال: فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم)) -يعني يقولون: اسكت اسكت- لا يستطيعون أن يتكلموا قال: فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت -لم يفهم لماذا يسكتونه لكنه سكت- فلما صلى رسول الله ﷺ يقول معاوية: فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله، ولا بعده أحسن تعليمًا منه فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن))، أو كما قال رسول الله ﷺ . وعن أبي أمامة ﵁ قال: ((إن فتى شابًّا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، -ما هذا الذي تقول لرسول ال له - قالوا: مه مه، فقال: ادنه -ادنه يا بني اقترب مني- فدنا منه قريبًا، قال: فجلس -فخاطب فيه العقل- قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم -وأخذ يعدد عليه محارمه، كل ذلك يقول: لا والله يا رسول الله، فيقول: وكذلك الناس لا يحبونه لمحارمهم- قال: ثم وضع يده على صدي، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء)).

стр. 356

وهكذا علم النبي -صلى الله عليه، وسلم- أهل العلم كيف يرفقون بأهل الجهل حتى يعلموهم، وينتفعوا بعلمهم؟ فيتأكد على العالم أن يرفق بالجاهل، كما يتأكد على الداعية أن يرفق بالمدعوين؛ فيجب على الداعية أن يكون رفيقًا بالمدعوين؛ لأن الرفق هو أقرب الطرق إلى القلوب، وأهم أسباب القبول، ولذلك قال الله تعالى لموسى، وهارون ﵉: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى﴾ (طه: ٤٣، ٤٤) ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ أي: هينًا لا عنف فيه، ولا صلابة، ولا غلظة، ولا فظاظة لعله يتذكر ما ينفعه فيأتيه أو يخشى ما يضره فيتركه، وقد فسر هذا القول اللين بقول الله تعالى في سورة "النازعات": ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ (النازعات: ١٧ - ١٩). فالقول اللين المجمل في سورة "طه" ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ بينته آيات "النازعات": ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾. وأحسن الطرق تفسير القرآن أن يفسر القرآن بالقرآن، والمتأمل في هذه الكلمات يرى الرفق، واللين ينسابان من كل حرف فيها فإنه أتى بحرف هل الذي يدل على العرض، والمشاورة ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ كأنه يعرض عليه، ويشاوره مما يفيد أنه يجب على الدعاة أن يعلموا أن الدعوة عرض لا فرض؛ عليك أيها الداعية أن تحسن عرض دعوتك، ولا يجوز أن تفرضها: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ٩٩)، والقاعدة العظيمة في الإسلام: "لا إكراه في الدين" قاعدة يجب على الدعاة أن يفقهوها، ويعوها لا إكراه في الدين فإنما الدعوة عرض لا فرض فاعرض دعوتك، ولا تفرضها فإن الله تعالى قال للنبي ﷺ : ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: ٢٩) فقل الحق من ربكم، واترك الناس بعدها أحرارًا يختارون لأنفسهم ما شاءوا من الإيمان، والكفر فجزاء الجميع عند الله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (النحل: ١١١). ولذلك لما

стр. 357

قال: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ بين جزاء من كفر، ومن آمن فقال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وسَاءَتْ مُرْتَفَقًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (الكهف: ٢٩، ٣٠). فالدعوة عرض لا فرض؛ فإذا أحسن الداعية عرض دعوته، واستخدم الأسلوب الهادئ، والكلمة الطيبة اللينة الرقيقة، وصل إلى قلوب الناس من أقصر الطرق وأقربها، واستجاب الناس لدعوته، ثم تأمل قوله تعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾، فهو يدعوه إلى التزكية، والتطهر، ولكنه لم يقل له: تعال أزكيك أو أطهرك، وإنما تزكي أنت نفسك أنا أدلك على طريقة التزكية، وأنت تزكي نفسك، ثم وأهديك إلى ربك فتخشى إلى ربك الذي رباك بنعمه الظاهرة والباطنة، وآتاك مما سألته، ومما لم تسأله مما يوجب عليك أن تذكر نعم الله، وتقابلها بالشكر، وهكذا يجب أن يكون الداعية رفيقًا، ولا يجوز أن يكون عنيفًا غليظا فإن الداعية إذا كان عنيفًا غليظًا فقد خالف أمر الذي يدعو إليه. فالدعوة إلى الله، والله أمر الدعاة أن يكونوا هينين لينين أمرهم بالرفق، ونهاهم عن العنف؛ فإذا خالف الداعية فقد خالف أمر الله، وخالف أيضًا هدي رسول الله ﷺ فلقد كان ﷺ هينًا لينًا سهلًا رفيقًا أحسن عرض دعوته فنجح في تبليغ رسالته حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا، وامتن الله تعالى على نبيه ﷺ بما وفقه له من الرفق، واللين فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾. فإذا أعطي الداعية الرفق فقد أعطي مفاتيح النجاح في دعوته، وتبليغ رسالته، وإذا تخلى الداعية عن الرفق، وتحلى بالعنف؛ ففشل في دعوته فلا يلومن إلا نفسه، ولذلك لما بعث نستور صاحبيه إلى الملك يدعوان إلى دين عيسى ﵇-

стр. 358

أمرهما أن يرفقا بالملك، وأن يدعواه بالحكمة، والموعظة الحسنة فخالف الصاحبان النصيحة، فدخلا على الملك فأغلظا له القول، وعنفاه فأخذهما الملك، وحبسهما، وآذاهما فقال لهما نستور: "ما مثلكما إلا كمثل امرأة لم تلد حتى كبرت سنها فولدت فاستعجلت شباب ولدها لتنتفع به فأطعمته أكثر مما يطيق فقتلته فلم تحقق هدفها". ومن هنا قيل: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. فيتأكد على الداعية أن يرفق بالمدعوين حتى يقبلوا عليه، ويلتفوا حوله، وينتفعوا في دعوته، وأن يدخلوا في دين الله . كما يتأكد الرفق في حق أفراد الأسرة بعضهم ببعض فيرفق الرجل بامرأته فلا يكلفها ما لا تطيق، وإذ كلفها أعانها كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ والتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٢) عن إبراهيم عن الأسود قال: سألت عائشة ﵂ ما كان النبي ﷺ يصنع في أهله؟ قالت: "كان في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة". وعلى المرأة أن ترفق بزوجها فلا تطلب منه ما لا يملك، ولا تكلفه ما لا يجد، وعلى كل من الرجل، والمرأة أن يرفق بالأولاد فلا يعنفهم، ولا يوبخهم، ولا يسبهم، ولا يشتمهم، ولا يضربهم، ولا يكلفهم ما لا يطيقون، وتمتد دائرة الرفق لتشمل كل ذي سلطان في سلطانه فيجب على كل ذي سلطان أن يرفق بمن في سلطانه، وألا يكلفهم ما لا يطيقون، وأن يعفو عن ذلاتهم، ويقيل عثراتهم؛ فإن النبي ﷺ دعا لكل سلطان رفيق فقال: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به)). فينبغي على كل ذي سلطان أن يرفق بمن في ولايته، وتحت سلطانه حتى تشمله هذه الدعوة المباركة: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به)). ولا تقتصر دعوة الإسلام إلى الرفق على البشر فقط بل تمتد لتشمل الرفق بالحيوان، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((بينما رجل يمشي بطريق

стр. 359

اشتد عليه العطش فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث -يأكل الثرى من العطش- فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في هذه البهائم لأجرًا فقال: في كل كبد رطبة أجر)). وعن عبد الله ﵁ قال: ((كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها؛ فجاءت الحمرة فجعلت تفرش، فجاء النبي ﷺ فقال: من فجع هذه بولدها؟ ردوا، ولدها إليها)). وعن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: ((دخل رسول الله ﷺ حائطًا لرجل من الأنصار؛ فإذا جمل فلما رأى النبي ﷺ حن وزرفت عينا الجمل، فأتاه النبي ﷺ فمسح بفراه فسكت، فقال: من رب هذا الجمل لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه، وتدئبه)). بل إن النبي ﷺ أخبر أن الله يعذب الذين يعذبون الحيوان، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت))، فلنتحلى جميعًا بالرفق، ولنتخلى عن العنف فما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، وما رأينا الذين اتخذوا العنف طريقًا لهم في الدعوة جنوا ثمرة من ثمار دعوتهم بل جلبوا لأنفسهم الشر، والبلاء، ولم يقتصر الشر، والبلاء الذي تسببوا فيه عليهم بل امتد ليشمل غيرهم من الأبرياء. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 360

الدرس: ٢٠ أهم الأخلاق التي يجب على الداعية أن يتخلق بها (٤) .

стр. 361

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العشرون (أهم الأخلاق التي يجب على الداعية أن يتخلق بها (٤)) من الأخلاق التي يجب أن يتخلق بها الداعية: العدل إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أما بعد: العدل لغة: ضد الجور، ومعناه الاعتدال، والاستقامة، والميل إلى الحق. والعدل شرعًا: هو الاستقامة على طريق الحق بالاجتناب هو عما هو محظور دينًا، وقد أمر الله سبحانه، وتعالى عباده المؤمنين بالعدل فقال بحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والْإِحْسَانِ وإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ (النحل: ٩٠)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: ٥٨)، وأمر بالعدل في القول، فقال: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ولَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (الأنعام: ١٥٢)، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (المائدة: ٨). ففي الآية الأولى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ولَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (الأنعام: ١٥٢) أي: قولوا الحق، وقولوا قول العدل، ولو كان القول في حق ذي قربى، وقولوا الحق، والعدل، ولو كان القول يترتب عليه إنصاف العدو: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (المائدة: ٨) أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل؛ فإن العدل واجب على كل أحد، وفي كل أحد، وفي كل حال. وقد قال بعض السلف: "ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه"، وبالعدل قامت السموات، والأرض، وقد روى ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: "كان رسول الله ﷺ بالحديبية، وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي ﷺ : نصد هؤلاء كما صدنا أصحابه فأنزل

стр. 362

الله هذه الآية: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ (المائدة: ٢) قال ابن عباس، وقتادة: " ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يحملنكم"، وقال أهل اللغة: "يقال: جرمني زيد على بغضك أي: حملني عليه"، والشنآن: البغض عن ابن عباس، وقتادة قالا: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ عداوة قوم، والمعنى: لا يجرمنكم بغض قوم، وعداوتهم واعتداؤهم عليكم حيث صدوكم عن المسجد الحرام على الاعتداء عليهم طلبًا للتشفي منهم؛ فإن العبد عليه أن يلتزم أمر الله، ويسلك طريق العدل، ولو جني عليه أو ظلم، واعتدي عليه؛ فلا يحل له أن يكذب على من كذب عليه أو يخون من خانه". وقد أمر الله أن نحكم بالعدل بين الناس جميعًا فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: ٥٨)، ﴿وإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ هكذا على الإطلاق بين الناس على اختلاف مللهم، وألوانهم، وأجناسهم، وأديانهم ﴿أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ فلا تميلوا إلى غني لغناه، ولا على فقير لفقره كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أو الْوَالِدَيْنِ والْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أو فَقِيرًا فَاللَّهُ أولَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وإِنْ تَلْوُوا أو تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: ١٣٥). وقال سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ واسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ولَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ (الشورى: ١٥)، وأمرت لأعدل بينكم، وإن كذبتموني، وكفرتم بي فالعدل الذي يسعى الإسلام لإقامته ليس عدلًا بين المسلمين بعضهم، وبعض فحسب، ولا عدلًا مع أهل الكتاب دون سائر الناس، وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه إنسانًا هذه الصفة صفة الناس هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني، وهذه الصفة

стр. 363

يلتقي عليها البشر جميعًا مؤمنين، وكفارًا أصدقاء، وأعداء سودًا، وبيضًا عربًا وعجمًا. وهذا دليل، واضح على كمال دين الإسلام، وحسن ما يدعو إليه من مكارم الأخلاق، يبين أنه دين سماوي لا شك فيه. وهكذا ربى الإسلام أتباعه على العدل، ونهاهم عن الجور، والظلم قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أولَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ (إبراهيم: ٤٢ - ٤٥)، وقال سبحانه: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: ٢٢٧)، وفي الحديث القدسي: ((يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا)). وقد حذر النبي ﷺ من دعوة المظلوم على الظالم ((فلما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال: واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها، وبين الله حجاب)). وقد ورد أن الله يستجيب للمظلوم ولو كان كافرًا فإجابة المظلوم، ونصرته حق تفضل الله ﵎ به على عباده، وأما الكُفر فهذا أمر يجزي الله به الكافرين يوم لقائه؛ فأمر الله المؤمنين بالعدل، ونهاهم عن الجور، والظلم، وبين أنه يحب المقسطين فقال : ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات: ٩)، وقال للنبي ﷺ : ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (المائدة: ٤٢) فأمر بالعدل في الحكم، ونبه على أن الحاكم المقسط ينال خيرًا عظيمًا، وهو محبة الله، وما بعد محبة الله إلا الحياة الطيبة في الدنيا، والعيشة الراضية في الآخرة.

стр. 364

وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن -وكلتا يديه يمين- الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم وما ولوا))، وفي هذا دليل على العناية بهم؛ لكونهم عن يمينه -جل وعلا- ودليل على شدة قربهم منه، وفوزهم برضوانه، ومن العدل عدل كل والٍ في ولايته عدل الراعي مع رعيته بتوفير حاجاتهم، وقضاء مصالحهم، والتسوية بينهم في الحقوق، وحفظ الضروريات الخمس التي تقوم عليها الحياة، وهي الدين، والعقل، والعرض، والمال، والحياة، ومن العدل عدل الرجل مع نسائه، وعدله مع أولاده؛ فلا يجوز أن يميل ذو النساء إلى امرأة دون الأخرى كما لا يجوز أن يميل الوالد إلى ولد دون الآخر فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (النساء: ١٢٩). وقال النبي ﷺ : ((من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما دون الأخرى جاء يوم القيامة، وشقه ساقط))، وقال ﷺ : ((اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم، وقد جاءه بشير أبو النعمان فقال: يا رسول الله، اشهد علي أني أعطيت النعمان كذا، وكذا، فقال: ألك ولد غيره؟ قال: نعم، قال: أكل أولادك أعطيت مثل النعمان؟ قال: لا، قال: اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم)). ومن العدل: أن يعدل الإنسان مع غيره في المعاملات بإيفاء جميع ما عليه، وألا يبخس الناس أشياءهم، ولا يغشهم، ولا يخدعهم، ولا يظلمهم قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ والْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ (الأنعام: ١٥٢) وتوعد المخالفين فقال: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وإِذَا كَالُوهُمْ أو وزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (المطففين: ١ - ٣)، وهكذا أمر الله بالعدل، ونهى عن الجور، والظلم، ولقد قام المؤمنون بما أمرهم الله تعالى به من الحق، والعدل، وأعطوا كل ذي حق حقه، ولم يفرقوا بين الناس في ذلك لجنس أو لون أو دين.

стр. 365

عن سعيد بن المسيب: "أن عمر بن الخطاب ﵁ اختصم إليه مسلم، ويهودي فرأى عمر أن الحق لليهودي فقضى له به". وعن ابن عباس ﵄: ((أن النبي ﷺ حين افتتح خيبر اشترط عليهم أن الأرض له، وكل صفراء، وبيضاء -يعني: الذهب، والفضة- وقال له أهل خيبر: نحن أعلم بالأرض فأعطيناها على أن نعملها ويكون لنا نصف الثمرة، ولكم نصفها)) أي: طلبوا منه المزارعة، والمزارعة أن يعطي المالك مالك الأرض الذي لا يحسن زراعتها، ولا يقوى عليها يعطيها لمن يحسن زراعتها، ويقوم عليها على أن ما يخرج منها يكون لهم على النصف أو غير ذلك مما يتفقون عليه. فعمر اتفق معهم على أن له الأرض، وكل صفراء، وبيضاء فقالوا: "نحن أعلم بالأرض" يعني: نحن أعلم بالأرض، وزراعتها فنحن نزرعها، ولكم نصفها، ولنا نصف الثمرة فأعطاهم على ذلك فلما كان حين وقت الحصاد بعث إليهم عبد الله بن رواحة فحزر النخل أي: قدر النخل كم يأتي من هذا النخل من بلح، وهو الذي يدعونه أهل المدينة الخرص، الحزر: الخرص، فقال: فيه كذا، وكذا فقالوا: أكثرت علينا يا ابن رواحة، قالت اليهود لابن رواحة: أنت قدرت التقدير غير صحيح، وظلمتنا اعتديت علينا قلت: يأتي بكذا طن، وهو لا يأتي بها فقال: أنا أحزر النخل، وأعطيكم نصف الذي قلت قال: فقالوا: هذا الحق، وبه تقوم السماء والأرض، يعني: لما اعترضوا على ابن رواحة لما قدر النخل، وما عليها قالوا: ظلمتنا، اعتديت علينا النخل لا تأتي بهذا الذي ذكرته فقال: إذا كنتم تظنون أنني اعتديت عليكم؛ فأنا على استعداد أن أعطيكم نصفها فقالوا: هذا الحق وبه تقوم السماء، والأرض فقالوا: رضينا أن نأخذ بالذي قلت. وجاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁ يأخذ رزقه، وكان جنديًّا من جنود المسلمين، ولكنه كان في الجاهلية قد قتل أخًا لعمر فلما رآه عمر اربد وجهه، وتغير حين رأى قاتل أخيه فقال: يا هذا، إني لا أحبك حتى تحب الأرض الدم،

стр. 366

فقال الرجل لعمر: أومانعي ذلك عندك حقًّا من حقوق الله؟ أنت لا تحبني فهل عدم حبك لي يمنعني أن آخذ حقي منك قال: لا، لا يمنعك أن تأخذ حقك فقال الرجل: ما يضيرني بغضك إياي إنما يأسى على الحب النساء. فقد عرف الرجل من ورع عمر، ودينه أن شدة غضبه، وغيظه عليه، وكراهيته له لا تخرج به عن العدل إلى الظلم فلما وثق من عدل عمر أمن من بطشه. وروي أن يهوديًّا شكا عليًّا إلى عمر في خلافته ﵁ فقال عمر لعلي: "قف بجوار خصمك يا أبا الحسن فوقف، وقد علا وجهه الغضب فبعد أن قضى الخليفة بينهم بالعدل قال: أغضبت يا علي أن قلت لك: قف بجوار خصمك؟ فقال: لا، والله يا أمير المؤمنين ولكن من كونك كنيتني بأبي الحسن فخشيت من تعظيمك إياي أمام اليهودي أن يقول: ضاع العدل بين المسلمين". هذه أمثلة من قيام المسلمين بالحق، والعدل مع غير المسلمين، والأمثلة التي وعاها التاريخ في هذا المجال كثيرة مستفيضة تشهد كلها بأن هذه الوصايا، والفرائض الربانية قد استحالت في حياة هذه الأمة منهجًا في عالم الواقع يؤدى ببساطة، ويتمثل في يوميات الأمة المألوفة إنها لم تكن مثلًا عليا خيالية، ولا نماذج فردية إنما كانت طابع الحياة الذي لا يرى الناس أن هناك طريقًا آخر سواه. وهكذا سبق الإسلام كل نظم العدالة الحديثة حين جعل العدل فوق كل شيء، وأمر بالوزن بالقسطاس المستقيم بين الكافر، والمسلم، والعدو، والصديق، والموالي، والمعاهد؛ فهو بذلك يستحق من جميع الناس آمنوا به أم لم يؤمنوا نظرة صادقة منصفة تجعلهم يعترفون بأن الإسلام دين السماحة، والعدل لا دين الإرهاب، والجور، وأنه لا يجوز الحكم على الإسلام بتصرف بعض الأفراد الذين خالفوا شريعته، وشوهوا صورته، فالإسلام حجة على الناس، وليست أعمال الأفراد حجة على الإسلام؛ فعلى المسلمين أن يحرصوا على نشر العدل،

стр. 367

وأن يقضوا به، وأن يحكموا به بين كل من يتحاكم إليهم، ولو كان غير مسلم. فإن النبي ﷺ أمره الله تعالى بالعدل بين اليهود لو تحاكموا إليه فقال عنهم: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أو أَعْرِضْ عَنْهُمْ وإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (المائدة: ٤٢). وعلى الدعاة إلى الله أن يتحلوا بالعدل بين الناس، وأن يحرصوا على إظهار هذا الخلق في تصرفاتهم، وأقوالهم، وأفعالهم، وحكمهم، وقضائهم، وأن يظهروه للناس حتى يعلم الجميع سماحة الدين، وإنصاف الإسلام، وعدالة الإسلام فيدخلوا فيه بإذن الله ، فالحذر كل الحذر من الجور، والظلم فإن الجور، والظلم سبب فناء الأمم بينما العدل من أعظم أسباب بقاء الأمم، وانتشار المحبة، والوئام فيها إن الدولة إنما تبقى بالعدل فإذا ظلمت أهلكها الله كما قال: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ (يونس: ١٣)، ولقد كان من دعاء النبي ﷺ إذا خرج من بيته قال: ((بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أذل أو أذل، أو أضل أو أضل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي)). من الأخلاق التي يجب أن يتخلق بها الداعية: العفو العفو لغة: مصدر من قولهم: عفا يعفو عفوًا، ومعناه: الترك، والطلب. واصطلاحًا: قال المناوي: العفو القصد لتناول الشيء، والتجاوز عن الذنب، وقال الكفوي: العفو كف الضرر مع القدرة عليه، وكل من استحق عقوبة فتركها فهذا الترك عفو، وقال أيضًا: العفو عن الذنب يصح رجوعه إلى ترك ما يستحقه المذنب من العقوبة، وإلى محو الذنب، وإلى الإعراض عن المؤاخذة كما يُعرض المرء عما يسهل على النفس بذله.

стр. 368

والله هو العفو أي: كثير العفو سمى نفسه عفوًّا في أكثر من آية منها قوله سبحانه: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ والْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (النساء: ٩٨، ٩٩)، وقال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أو تُخْفُوهُ أو تَعْفُو عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ (النساء: ١٤٩)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي ولَدْنَهُمْ وإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وزُورًا وإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (المجادلة: ٢). قال الغزالي ﵀: والعفو صفة من صفات الله تعالى، وهو الذي يمحو السيئات، ويتجاوز عن المعاصي، وهذا الاسم العفو قريب من اسم الغفور لكنه أبلغ منه؛ العفو أبلغ من الغفور؛ فإن الغفران ينبئ عن الستر غفر: ستر، والعفو: ينبئ عن المحو، والمحو أبلغ من الستر أن تستر الشيء غطيته، وهو باق أما محوته فقد أزلته فلم يبق فاسم العفو أبلغ من اسم الغفور، ولقد أمر الله تعالى نبيه ﷺ بالعفو عن زلات المؤمنين فقال سبحانه: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ (آل عمران: ١٥٩)، وأمر المؤمنين أن يعفو بعضهم عن زلات بعض فقال سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (الشورى: ٤٠)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وإِنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (التغابن: ١٤). فالعفو صفة من صفات الله وصفة من صفات الأنبياء والمرسلين، هو أيضًا صفة من صفات عباد الله المتقين قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ والْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاء والضَّرَّاءِ والْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٣، ١٣٤)، وبين أن العفو أقرب للتقوى فقال: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا

стр. 369

أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (البقرة: ٢٣٧)، وبين أن أجر وثواب العفو عليه سبحانه فقال: ﴿فَمَنْ عَفَا وأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (الشورى: ٤٠)، وبين هذا الأجر الذي وعد به العافين عن الناس فقال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ونِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٦). ولقد كان النبي ﷺ عفوًا غفورًا يعفو عن المسيئين، ويتجاوز عن الظالمين، عن عبد الله قال: "كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبيًّا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". وعن أنس بن مالك ﵁ قال: ((كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذة شديدة -قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته- ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه وضحك، ثم أمر له بعطاء)). وعن جابر بن عبد الله ﵄: ((أنه غزا مع رسول الله ﷺ قبل نجد؛ فلما قفل رسول الله ﷺ ، أي: لما رجع- من غزوته قفل معه فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه فنزل رسول الله ﷺ وتفرق الناس يستظلون بالشجر، قال جابر: ونمنا نومة فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال النبي ﷺ لأصحابه، وقد جاءوه، وعنده الأعرابي: إن هذا الأعرابي اخترط علي سيفي، وأنا نائم فاستيقظت، وهو في يده سلطًا فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله ثلاث مرات، ولم يعاقبه، وجلس)). فهذا أعرابي جاء للنبي ﷺ وهو نائم فأخذ السيف، وأيقظه، وقال: من يمنعك مني؟ يعني: من يمنعك مني يا محمد؟ أنا، وأنت، والسيف، ولا أحد عندنا،

стр. 370

فقال النبي ﷺ : ((الله))، الله يمنعني منك. كما وعده ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ٦٧) فقال: الله يمنعني ويعصمني؛ (فسقط السيف من يد الأعرابي فأخذه وقال للأعرابي: من يمنعك مني؟ فقال الأعرابي: يا محمد، كن خير آخذ، قال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله قال: لا، ولكن أعاهدك ألا أحاربك، وألا أكون مع قوم يحاربونك فعفا عنه ﷺ وأطلق سراحه)). وعن عائشة ﵂ قالت: ((قلت: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد)) نحن نعلم من سيرته ﷺ في غزوة أحد أنه وقع في حفرة فشج وجهه، وكسرت رباعيته، وسال الدم على وجهه ﵊ فكأن عائشة ترى أن هذا أمرًا عظيمًا، وأذًى كبيرًا، فتسأله ﷺ يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ هل أوذيت أكثر من ذلك؟ هل ابتليت أكثر من ذلك؟ فقال ﵊: ((لقد لقيت من قومك -يعني: لقد لقيت منهم كثيرًا، آذوني كثيرًا- وكان أشد ما لقيت يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب)) مكان بين الطائف ومكة لما ذهب إلى الطائف، ودعاهم إلى الإسلام فأبوا عليه، ثم لم يسكتوا عنه بل سلطوا صبيانهم، ونساءهم فرموه بالحجارة من الشوارع فوق الأسطح. قال: ((فرفعت رأسي فإذا ظلة من السحاب قد أظلتني، وإذا جبريل يقول: يا محمد، إن ربك يقرئك السلام، وقد سمع قول قومك لك، وما ردوا به عليك، وقد أرسل إليك ملك الجبال لتأمره بما تشاء فتكلم ملك الجبال فقال: يا محمد، إن ربك قد سمع قول قومك لك، وما ردوا به عليك، وأنا ملك الجبال أمرني أن أفعل ما تشاء فما شئت إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، وقال: لا إنما بعثت

стр. 371

رحمة، ولم أبعث عذابًا، إني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، أو قال: أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا)). وهكذا رأى الصحابة ﵃ العفو، واقعًا عمليًّا في شخص رسول الله ﷺ الداعية الأول إلى الله فأحبوا العفو، وتخلقوا به، ومع ذلك فإن النبي ﷺ رغبهم في العفو، وحثهم عليه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا)). كثيرًا ما يؤذى الإنسان، ويضطهد، وتحدثه نفسه بالعفو فيأتيه الشيطان، ويزين له أن هذا العفو ضعف، وأن الخصم لن يكف عن أذاك، ولن يكف عن الاعتداء عليك، والأولى لك أن تنتقم، والأولى لك أن تثأر، وهكذا، لا هذه ذلة، ومهانة أن تعفو لا ليست ذلة، ولا مهانة ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزا هكذا يقول ﷺ . وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: ((لقيت النبي ﷺ فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال فقال: يا عقبة، صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك)). وعن أبي كبشة الأنماري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((ثلاثة أقسم عليهن ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزًّا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر)). هكذا ربى النبي -صلى الله عليه، وسلم- أصحابه على العفو تربية عملية نظرية تربية نظرية بين لهم فضائل العفو، وحثهم عليه، ورغبهم فيه. تربية عملية أراهم العفو متمثلًا في شخصه ﷺ عن كل من آذاه، وأساء إليه كما سمعنا بعض هذه الأمثلة، والنماذج في عفوه ﷺ . ولقد

стр. 372

آتت هذه التربية العملية، والدعوة القولية من رسول الله ﷺ آتت ثمارها في نفوس أصحابه فكان العفو سجيتهم. ومن أمثلة عفو الصحابة -رضوان الله عليهم- عمن آذاهم ما جاء في الصحيح في حديث الإفك لما خاض أهل الإفك في عرض أمنا ﵂ عائشة- وزوج نبينا ﷺ الطيبة بنت الطيب، وزوج الطيب الصديقة بنت الصديق، وزوج أصدق الخلق أجمعين رسول الله ﷺ لما خاضوا في عرضها، ونزلت البراءة: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ (النور: ٢٦) كان من الذين خاضوا في هذا الإفك مسطح بن أثاثة، وكان مسطح قريبًا لأبي بكر ﵁ وكان فقيرًا، وكان أبو بكر ﵁ ينفق عليه لفقره، وقرابته فلما نزلت آية البراءة، وخاض مسطح في عرض عائشة غضب أبو بكر على مسطح؛ لأنه لم يراع حرمة القرابة، ولم يراع فضل الصدقة؛ أولًا: هو قريب أبو بكر فيؤذيه ما يؤذي أبا بكر، وثانيًا: لأبي بكر فضل عليه فهو ينفق عليه. فكان الواجب إن لم يراع حرمة القرابة أن يراعي الفضل، والإحسان فإن الله تعالى قال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (الرحمن: ٦٠) لكن مسطح خاض مع الخائضين في حديث الإفك، فلما نزلت البراءة غضب أبو بكر فقال: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله تعالى قوله في حق أبي بكر: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ (النور: ٢٢) فسمى أبا بكر أولي الفضل فجعله جماعة جعل أبا بكر وحده هو أولي الفضل ﴿وَلَا يَأْتَلِ ولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ والسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا ولِي الْقُرْبَى والْمَسَاكِينَ والْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النور: ٢٢) فقال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا.

стр. 373

وعن ابن عباس ﵄ قال: "قدم عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، ويقربهم، وكان القراء أصحاب مجلس عمر، ومشاورته كهولًا كانوا أو شبانًا فقال عيينة لابن أخيه الحر: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه؛ يا ابن أخي أنت من المقربين إلى أمير المؤمنين، وأنا أريد أن أدخل عليه فاستأذن لي حستى أدخل، فاستأذن الحر بن قيس لعمه عيينة بن حصن، فأذن عمر فما هو أن دخل عيينة على أمير المؤمنين عمر حتى قال: هيه يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فبادره الحر فقال: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وأْمُرْ بِالْعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩)، وإن هذا من الجاهلين قال: فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله . وعن عائشة ﵂ قالت: "لما كان يوم أحد هزم المشركون فصرخ إبليس -لعنة الله عليه-: أي عباد الله أخراكم، أي: جاءكم العدو من ورائكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم. المسلمون أنفسهم بعدما تولوا الأدبار هاربين من العدو نادى عدو الله إبليس عباد الله أخراكم ارجعوا العدو جاءكم من ورائكم، فرجع المدبرون فالتقوا مع الثابتين هؤلاء هكذا، وهؤلاء هكذا، فاجتلدت هي وأخراهم، يعني ضرب المسلمون بعضهم بعضًا، فبصر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان، نظر حذيفة بن اليمان فإذا هو بأبيه اليمان يكاد يقتل قال: أي عباد الله أبي أبي، قالت: فوالله ما احتجزوه حتى قتلوه، المسلمين قتلوا أخاهم اليمان والد حذيفة بن اليمان؛ فقال حذيفة: يغفر الله لكم، يغفر الله لكم قتلكم لأبي، قال عروة: فوالله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله .

стр. 374

وفي رواية ابن إسحاق فقال حذيفة: "قتلتم أبي" قالوا: والله ما عرفناه وصدقوا فقال حذيفة: يغفر الله لكم فأراد رسول الله ﷺ أن يدفع لحذيفة دية أبيه؛ لأن المسلمين قتلوه خطأ، فتصدق حذيفة بدية أبيه على المسلمين فزاده ذلك عند رسول الله ﷺ خيرًا زاد من شأنه، ورفع من قدره عند رسول الله ﷺ ، وكان ذلك منه ﵁ عملًا بقوله تعالى في الدية: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (النساء: ٩٢) فالله تعالى فرض في القتل الخطأ دية تسلم إلى أهل المقتول، وندبهم إلى العفو، والصدقة فقال: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾، وقد أخرج هذا الحديث الإمام البخاري ﵀ في صحيحه، وترجم عليه بقوله: باب العفو في الخطأ بعد الموت. والله ﵎ قد ندب إلى العفو في الدية حتى في دية القتل العمد فقال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (البقرة: ١٧٨) فعلى الدعاة إلى الله أن يتحلوا بخلق العفو عن المسيء كما أمر الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وأْمُرْ بِالْعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩)، وقال للنبي ﷺ : ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: ١٥٩)، وقال : ﴿وَلْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النور: ٢٢). إن الداعية لا يسلم من أذى المدعوين سواءً كان أذى قوليًّا أو فعليًّا؛ لأن الأصل في الداعية أنه يأمر الناس بما يكرهون، وينهاهم عما يحبون، حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، وهذه هي دعوتنا ندعو الناس إلى الجنة، ونحذرهم من النار فأنت تأمرهم بما يكرهون، وتنهاهم عما يحبون فلا تسلم أيها الداعية من أذى الناس، ولو بالقول فلابد أن تصبر على الأذى كما وصى لقمان ابنه حيث قال: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ الْمُنْكَرْ واصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ (لقمان: ١٧)، ولكن لا يكفي الصبر بل لا بد عليك أيها الداعية أن

стр. 375

تصبر، وأن تعفو، ولا تلجئ من أخطأ في حقك إلى أن يعتذر لك بل بادره أنت بإظهار العفو عنه، والصفح إيمانًا، واحتسابًا فإن العفو عن الناس من أسباب عفو رب الناس، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (النور: ٢٢). ولقد كان من الدعاء الذي علمه النبي ﷺ لأمنا عائشة تدعو به ليلة القدر: ((وقد قالت: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة هي ليلة القدر ماذا أقول؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)). فالعفو عن الناس من أسباب عفو رب الناس، ومن أسباب أيضًا الدعاء، والرجاء، وبذلك أمر الله تعالى ورسوله ﷺ أن ندعو الله ﵎ أن يعفو عنا قال الله تعالى معلمًا عباده المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أو أَخْطَأْنَا رَبَّنَا ولَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا ولَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ واعْفُ عَنَّا واغْفِرْ لَنَا وارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٨٦). وعن ابن عمر ﵄ قال: ((لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي، وحين يصبح يقول: اللهم إني أسألك العافية في الدنيا، والآخرة، اللهم إني أسألك العفو، والعافية في ديني، ودنياي، وأهلي، ومالي اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي اللهم احفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي)). وعن عائشة ﵂ قالت: ((فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدمه، وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)). وصلى الله وسلم، وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 376

الدرس: ٢١ من خصائص الإسلام: الربانية والوسطية والوضوح .

стр. 377

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الحادي والعشرون (من خصائص الإسلام: الربانية والوسطية والوضوح) من خصائص الإسلام: الربانية إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: والربانية كما يقول علماء العربية: "مصدر صناعي منسوب إلى الرب زيدت فيه الألف والنون على غير قياس، ومعناه: الانتساب إلى الرب أي: الله ويُطلق على الإنسان أنه رباني إذا كان وثيق الصلة بالله عالمًا بدينه، وكتابه معلمًا له قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: ٧٩) فمن تعلم، وعمل، وعلم فذلك العالم الرباني الذي يدعى في ملكوت السموات عظيمًا. والمراد بربانية الإسلام أن الإسلام عقيدة وعبادة، ومعاملة كله من عند الله رب العالمين الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، وهو العليم الحكيم فهو أعلم بما يصلح الإنسان، وبما يصلح له، وهو أعلم بما يسعده، وبما يشقيه؛ فلا سعادة للإنسان، ولا فلاح له، ولا نجاح في الدنيا والآخرة إلا بقبول هذا الدين الذي هو من عند الله رب العالمين. والدليل على أن الإسلام رباني أي: من عند الله رب العالمين أن مصدر الإسلام الأساس هو القرآن الكريم، والسنة النبوية أما القرآن الكريم فهو كلام الله رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين، وليس لمحمد ﷺ فيه أية دور سوى دور التبليغ، وقد بلغه كما سمعه من جبريل عن رب العالمين بلغه بكل أمانة بلا زيادة، ولا نقصان. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة مصرحة بأن القرآن الكريم تنزيل رب العالمين يقول الله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الزمر: ١) ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (غافر: ٢) ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الواقعة: ٨٠) ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر: ١)، ولما زعم

стр. 378

الكفار أن محمدًا ﷺ افترى هذا القرآن من عنده كذبهم الله ﵎ في قولهم، ووصفهم بالظلم، وقالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وزُورًا * وقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأَصِيلًا * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ﴾ (الفرقان: ٤ - ٦)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (يونس: ٣٧). فالدليل على أنه من عند الله لا يُمكن لإنسان مهما بلغ في العلم والفصاحة، والبلاغة مبلغًا لا يمكن أن يفتري هذا القرآن أبدًا، ولذلك طلب الله ﵎ من الكفار أن يأتوا بمثل هذا القرآن في أكثر من موضع فلم يستجيبوا لذلك، طلب منهم أن يأتوا بحديث مثله، فلم يفعلوا فطلب أن يأتوا بعشر سور مثله، فلم يفعلوا فطلب منهم أن يأتوا بسورة مثله، فلم يفعلوا فطلب منهم أن يأتوا بسورة من مثله فلم يفعلوا بل ولم يحاولوا فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ (البقرة: ٢٣، ٢٤). يعني الآن، ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ إلى يوم القيامة ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ اتقوها بالإيمان بأن القرآن كلام الله رب العالمين، وليس لمحمد ﷺ فيه أية دور سوى دور التبليغ: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثم لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (الحاقة: ٤٤ - ٤٧). فتوعد الله ﵎ نبيه محمدًا ﷺ لو تقول عليه أن يقطع منه الوتين، وهو شريان الحياة فيموت، ولم يفعل رب العالمين سبحانه بنبيه شيئًا من هذا الوعيد؛ فدل على أنه ﷺ لم يتقول على ربه شيئًا، ولم يزد في القرآن الذي أوحاه إليه، ولم ينقص منه.

стр. 379

كما أنّ مما يدل على أن القرآن كلام الله رب العالمين أن القرآن الكريم تضمن أخبارًا كثيرة عما كان، وعما سيكون مما لا سبيل لمحمد ﷺ إلى معرفته إلا أن يكون وحيًا أوحاه الله ﵎ إليه، الله أخبرنا في القرآن الكريم عن نبأ آدم ﵇، وما كان بينه، وبين إبليس في الجنة قبل أن ينزلا إلى الأرض، ثم أخبرنا بما كان من بني آدم بعد نزولهم في الأرض مما سبق حياة محمد ﷺ وكل هذا ما كان محمد ليعلمه إلا أن يكون وحيًا أوحاه الله إليه، ولذلك نرى الله كثيرًا ما يعقب على القصص القرآني بالإشارة إلى أنه وحي الله إلى رسوله محمد ﷺ لما قص الله تعالى في سورة "هود" قصة نوح ﵇ مع قومه قال لنبيه ﷺ : ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ ولَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود: ٤٩). ولما قص عليه قصة يوسف ﵇ وإخوته قال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ومَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ (يوسف: ١٠٢)، ولما قص عليه قصة مريم ﵍ وقصة زكريا ﵇ مع مريم قال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ومَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ومَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (آل عمران: ٤٤). فإخبار القرآن بهذا القصص الذي ما كان لمحمد ﷺ أن يعلمه دليل على أن القرآن كلام الله رب العالمين. كما أن في القرآن إخبارًا ببعض ما سيكون مما لم يكن كما أخبر الله عن انتصار الروم على الفرس بعد هزيمة الروم، وكان كما أخبر الله قال تعالى: ﴿الم * غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (الروم: ١ - ٤)، وما كان لمحمد ﷺ أن يجرؤ على الإخبار بأن الروم ستغلب فارس في بضع سنين لو لم يكن متأكدًا مائة في المائة أن هذا شيء من الله أوحاه الله إليه فلا يمكن أن يكذب، ولا يمكن أن يخلف أبدًا؛ لأنه كان

стр. 380

يعلم أن أعداءه يتربصون به الدوائر، فلو أخبر أن الروم ستنتصر، ثم لم تنتصر لكان هذا مدخلًا لهم إلى تكذيبه، ورد دعوته. فمثل هذه الأنباء، والأخبار عما كان، وعما سيكون مما يدل على ربانية هذه الرسالة. كما أن في القرآن الكريم إشارة إلى بعض العلوم الكونية، والإنسانية التي لم يكن لمحمد ﷺ بها علم، كل ذلك يفيد إفادة قطعية أن القرآن كلام الله رب العالمين كما أن المصدر الثاني للإسلام هو السنة والسنة أيضًا وحي من الله وإن لم تكن وحيًا صريحًا كالقرآن لكن الله تعالى قال عن رسوله ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣، ٤)، وصرح ربنا بأنه نزل على نبيه السنة كما نزل عليه القرآن فقال : ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ والْحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ (النساء: ١١٣)، والحكمة: هي السنة، وهكذا ثبتت لنا ربانية الإسلام، وأنه دين الله وشرعه. ويترتب على هذه الخاصية، وهي أن الإسلام رباني أي: من عند الله وحده يترتب على كون الإسلام من عند الله كماله، وخلوه من معاني النقص، والجهل، والهوى، والظلم لسبب بسيط واضح هو أن صفات الصانع تظهر فيما يصنعه، ولما كان الله تعالى له الكمال المطلق في ذاته، وصفاته، وأفعاله، ويستحيل في حقه خلاف ذلك فإن أثر هذا الكمال يظهر فيما يشرعه من أحكام، ومناهج، وقواعد، وبالتالي لا بد أن يكون كاملًا، وهذا بخلاف ما يصنعه الإنسان، ويشرعه فإنه لا ينفك عن معاني النقص، والهوى، والجهل، والجور؛ لأن هذه المعاني لاصقة بالبشر، ويستحيل تجردهم عنها كل التجرد، وبالتالي تظهر هذه النقائص في القوانين، والشرائع التي يصنعونها. ويكفينا هنا أن نذكر مثالًا واحدًا للتدليل على ما نقول: جاء الإسلام بمبدأ المساواة بين الناس في الحقوق، وأمام القانون بغض النظر عن اختلافهم في الجنس

стр. 381

أو اللغة أو اللون أو الحرفة أو الغنى أو الفقر، وأقام ميزان التفاضل على أساس التقوى، والعمل الصالح كما نطق به كتاب ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣)، ومن الأحاديث المشهورة قول النبي ﷺ حين شفع فيه أو عنده أسامة بن زيد ألا يقطع يد المرأة المخزومية التي سرقت قام في الناس خطيبًا، وقال: ((لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)). وبلغت دقة تطبيق هذا المبدأ إلى حد أن النبي ﷺ أنكر على مسلم عربي قوله لمسلم غير عربي: "يا ابن السوداء"، واعتبر هذا القول من بقايا الجاهلية الأولى. وواضح من ذلك أن التشريع الإسلامي ارتفع إلى أعلى مستوى من العدالة، والمساواة في نظرته إلى الأفراد، وإن اختلفوا في الجنس، واللون، واللغة، وغير ذلك، وطبق هذا المبدأ فعلًا في واقع الحياة بينما ونحن في القرن العشرين في عصرنا الحاضر، وبالرغم من الضجيج الهائل في العالم حول المساواة، وتسطير هذا المبدأ في دساتير الدولة، فإنه لا يزال مجرد كلام لا نصيب له في الواقع إلا الشيء القليل؛ لأنه من صنع البشر. ويترتب أيضًا على كون الإسلام رباني أي: من عند الله رب العالمين أن الإسلام يظفر بقدر كبير جدًّا من الهيبة، والاحترام من قبل المؤمنين به مهما كانت مراكزهم الاجتماعية، وسلطاتهم الدنيوية؛ لأن هذه السلطات، وتلك المراكز لا تخرجهم من دائرة الخضوع لله تعالى واحترام شرعه، وطاعة هذا الشرع طاعة اختيارية تنبعث من النفس، وتقوم على الإيمان، ولا يكره عليها المسلم كرهًا، وفي هذا ضمان عظيم لحسن تطبيق القانون الإسلامي، وعدم الخروج عليه، ولو مع القدرة على هذا الخروج.

стр. 382

أما القوانين، والمبادئ الوضعية التي شرعها الإنسان فإنها لا تظفر بهذا المقدار من الاحترام، والهيبة إذ ليس لها سلطان على النفوس، ولا تقوم على أساس من العقيدة والإيمان كما هو الحال بالنسبة للإسلام، ولهذا فإن النفوس تجرؤ على مخالفة القانون الوضعي كلما وجدت فرصة لذلك، وقدرة على الإفلات من ملاحقة القانون، وسلطان القضاء، ورأت في هذه المخالفة اتباعًا لأهوائها، وتحقيقًا لرغباتها. إن القانون لا يكفي أن يكون صالحًا بل لا بد له من ضمانات تكفل حسن تطبيقه، ومن أول هذه الضمانات إيجاد ما يصل هذا القانون بنفوس الناس، ويحملهم على الرضا به، والانقياد له عن طواعية، واختيار، ولا يحقق مثل هذه الضمانة مثل الإسلام؛ لأنه أقام تشريعاته على أساس الإيمان بالله، واليوم الآخر، والإيمان بمحمد رسولًا لله ، وإن الالتزام الاختياري بهذه التشريعات، واحترامها هو مقتضى هذا الإيمان، لهذا كله نجد المؤمن الواعي البصير المتفهم للحقيقة يندفع بكليته، وينطلق من ذاته إلى تطبيق المنهج الرباني على نفسه، وعلى من يكون تحت ولايته لاعتقاده الجازم أن كمال شخصيته، وبناء إنسانيته، وإصلاح بني قومه لا يتم على الوجه اللائق إلا أن يأخذ ممن اختص بالكمال، والجلال، وينقاد إلى من تنزه عن النقص، والقصور، ويستسلم إلى من عرف بالعظمة، والإبداع ألا وهو الله وحده. لذلك رأينا بعض المسلمين من صحابة النبي ﷺ يرتكب بعضهم مخالفة، ويقع فيما حرم الله عليه في السر دون أن يراه أحد، ولا يطلع عليه أحد فيأتي بنفسه النبي ﷺ ويعترف بين يديه بخطئه، ويطالب النبي ﷺ بأن يقيم عليه الحد الذي جعله الله تعالى عقوبة لهذه المخالفة كما فعل ماعز، والغامدية لما زنيا،

стр. 383

وأتيا النبي ﷺ فاعترفا عنده فرجمهما، وكما فعل سلمة بن صخر البياضي لما ظاهر من امرأته، ثم وقع عليها قبل أن تنتهي مدة الظهار، فجاء النبي ﷺ فسأله فأخبره النبي ﷺ بما يجب عليه مما ذكره الله تعالى في صدر سورة المجادلة كل ذلك إنما تم لشعور المسلم بقدسية الشريعة، وعظمة الدين؛ لأنه دين رباني من عند الله رب العالمين. من خصائص الإسلام: الوسطية الخاصية الرابعة من خصائص الإسلام الوسطية: قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: ١٤٣) الوسط: اسم لما بين طرفي الشيء، وقد يطلق على ما له طرفان مذمومان كالجود بين البخل والسرف، وقد يطلق على ما له طرف محمود، وآخر مذموم كالجودة، والرداءة تقول في الشيء: هذا وسط بين الحسن، والرديء فالوسط الخيار فوسط الوادي خير مكان فيه، ويقال: فلان وسط في قومه إذا كان أوسطهم نسبًا، وأرفعهم مجدًا. وقد جاء في صفة نبينا ﷺ أنه كان من أوسط قومه أي: خيارهم، وقد جعل الله تعالى أمته وسطًا أي خيارًا، والمقصود بالتوسط أن يتحرى المسلم الاعتدال، ويبتعد عن التطرف في الأقوال، والأفعال بحيث لا يغلو، ولا يقصر، ولا يفرط، ولا يفرط فإن الإفراط، والتفريط مذمومان، وقد نهى الله عنهما، وذم أهلهما قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ومَنْ تَابَ مَعَكَ ولَا تَطْغَوْا﴾ (هود: ١١٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ: ((هَاتِ الْقُطْ لِي فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ

стр. 384

فِي يَدِهِ قَالَ بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ -يعني: بأمثال هذه الحصى ارموا الجمرات- وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ))، وقال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وهُمْ يَحْمِلُونَ أوزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (الأنعام: ٣١)، وقد نهى الله تعالى عن طاعة هؤلاء، وأمر بمخالفتهم فقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف: ٢٨). فمتى ابتعد الإنسان عن الإفراط، والتفريط فقد اعتدل على أوسط الطريق، واستقام على الصراط المستقيم كما أمر الله حيث قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ولَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: ١٥٣)، وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يسألوه في صلواتهم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولَا الضَّالِّينَ﴾ (الفاتحة: ٦، ٧) "فالمغضوب عليهم": الذين فرطوا، وقصروا تعلموا، ولم يعملوا، و"الضالون": الذين غلوا وأفرطوا، وتشددوا حتى ابتدعوا، و"الصراط المستقيم": الذي هدى الله إليه النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين هو العمل بالعلم في غير إفراط، ولا تفريط. وقد أنعم الله تعالى على أمة محمد ﷺ بالهداية إلى هذا الصراط المستقيم؛ فكانوا بذلك أمة، وسطًا كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا ولَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ والْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطًا﴾ (البقرة: ١٤٢، ١٤٣) فالوسطية: تعني اتباع الصراط المستقيم، والثبات عليه، والحذر من الميل إلى أحد جانبيه. ولقد ضرب النبي ﷺ لذلك مثلًا محسوسًا، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: ((كنا عند النبي ﷺ فخط خطًّا، وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن

стр. 385

يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: هذا سبيل الله، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ولَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾)) (الأنعام: ١٥٣). قال ابن القيم: "وهذا الصراط المستقيم الذي وصانا الله تعالى باتباعه هو الصراط الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهو قصد السبيل، وما خرج عنه؛ فهو من السبل الجائرة لكن الجور قد يكون جورًا عظيمًا عن الصراط، وقد يكون يسيرًا، وبين ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله، وهذا كالطريق الحسي؛ فإن السالك قد يعدل عنه، ويجور جورًا فاحشًا، وقد يجور دون ذلك، فالميزان الذي تعرف به الاستقامة على الطريق، والجور عنه هو ما كان رسول الله ﷺ وأصحابه عليه، والجائر عنه إما مفرط ظالم أو مجتهد متأول أو مقلد جاهل، وكل ذلك قد نهى الله عنه فلم يبق إلا الاقتصاد، والاعتصام بالسنة، وعليهما مدار الدين. وقد كثرت الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية في الأمر بالوسطية، والحث عليها، ومدح أهلها قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ولَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (الإسراء: ٢٩)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: ٦٧)، وقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: ٣١)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ولَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (المائدة: ٨٧، ٨٨). وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (الأعراف: ٥٥)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ولَا تُخَافِتْ بِهَا وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: ١١٠)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ويَدْعُونَنَا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ (الأنبياء: ٩٠).

стр. 386

وعن بريدة الأسلمي قال: ((خرجتُ ذات يوم لحاجة؛ فإذا أنا بالنبي ﷺ يمشي بين يدي، فأخذ بيدي فانطلقنا نمشي جميعًا فإذا نحن بين أيدينا برجل يصلي يكثر الركوع، والسجود فقال النبي ﷺ : أتراه يرائي؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، فترك يدي من يده، ثم جمع بين يديه فجعل يصوبهما، ويرفعهما، ويقول: عليكم هديًا قاصدًا، عليكم هديًا قاصدًا، عليكم هديًا قاصدًا، فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه)). وعن عبد الله بن عمرو قال: ((ذكر لرسول الله ﷺ رجال يجتهدون في العبادة اجتهادًا شديدًا؛ فقال: تلك ضراوة الإسلام وشرته، ولكل ضراوة شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى اقتصاد وسنة فلام ما هو، ومن كانت فترته إلى المعاصي فذلك الهالك)). وعن مقدام بن معد يكرب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما ملأ آدمي، وعاء شرًّا من بطنه بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه))، وعن جابر بن سمرة قال: ((كنت أصلي مع رسول الله ﷺ فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا))، وعن أبي هريرة أراه رفعه قال: ((أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما)). وعن حُميد الحميري، وهو ابن عبد الرحمن قال: لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله"، وعن ابن مسعود قال: "الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة"، وعن أبي بن كعب قال: "عليكم بالسبيل، والسنة فإنه ليس من عبد على سبيل، وسنة ذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله فتمسه النار، وإن اقتصادًا في سبيل، وسنة خير من اجتهاد في إضلال".

стр. 387

والذي يمعن النظر في هذه النصوص يرى أنها تدل على أن وسطية الإسلام عامة جامعة شاملة للعقيدة والأحكام، والعبادات والمعاملات، والأخلاق، والعادات، والعواطف، وفي ذلك يقول الإمام الطحاوي ﵀: ودين الله في الأرض، والسماء واحد، وهو دين الإسلام كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩)، وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣)، وهو بين الغلو، والتقصير، وبين التشبيه، والتعطيل، وبين الجبر، والقدر، وبين الأمن، والإياس. ويقول ابن تيمية ﵀: "المسلمون وسط في أنبياء الله، ورسله، وعباده الصالحين لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى، ولم يجفوا كما جفت اليهود، وهم وسط في شرائع دين الله فلم يحرموا على الله أن ينسخ ما شاء، ويمحو ما شاء، ويثبت ما شاء كما قالته اليهود، ولا جوزوا لأكابر علمائهم، وعبادهم أن يغيروا دين الله فيأمروا بما شاءوا، وينهوا عما شاءوا كما يفعله النصارى، وهم كذلك، وسط في باب صفات الله تعالى فإن اليهود، وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة، والنصارى، وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به. وأما أهل السنة والجماعة فوسط في باب الأسماء، والصفات بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسماء الله تعالى وآياته، ويعطلون صفاته، وبين أهل التمثيل، والتشبيه الذين يضربون له الأمثال، ويشبهونه بالمخلوقات، وأما أهل السنة والجماعة؛ فيؤمنون بما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وهم وسط في سائر أبواب السنة، ووسطيتهم فيها راجعة لتمسكهم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين، والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ﵃ أجمعين".

стр. 388

إن الوسطية من خصائص هذه الأمة، وهي سبب خيريتها، ولا تزال الأمة بخير ما حافظت على هذه الخاصية التي تتميز بها خاصية الوسطية التي تمثل الاعتدال، والاستقامة على صراط الله ، فإذا خرجت عن الوسط إلى أحد جانبيه ففرطت أو أفرطت فقد هلكت فإن التطرف مهلكة، التطرف لا يختص بالغلو والإفراط، وإنما الغلو، والإفراط تطرف، والتقصير، والتفريط تطرف أيضًا، وكلاهما مهلكة للفرد، وللمجتمع. يقول وهب بن منبه: "إن لكل شيء طرفين، ووسطًا فإذا أمسك بأحد الطرفين مال الآخر، فإذا أمسك بالوسط اعتدل الطرفان فعليكم بالوسط من الأشياء". وقال ابن القيم: "من كيد الشيطان العجيب أنه يشام النفس حتى يعلم أي القوتين تغلب عليها أقوة الإقدام أم قوة الانكفاف، والإحجام، والمهانة، وقد اقتطع أكثر الناس إلا أقل القليل في هذين الواديين وادي التقصير، ووادي المجاوزة، والتعدي، والقليل منهم جدًّا الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله ﷺ وهو الوسط". نسأل الله تعالى أن يثبتنا على صراط مستقيم، وأن يعصمنا من التطرف عنه إلى الإفراط أو التفريط، وبهذا نكتفي في الكلام عن هذه الخاصية من خصائص الإسلام، وهي خاصية الوسطية. من خصائص الإسلام: الوضوح الوضوح هو إحدى الخصائص العامة للإسلام سواء فيما يتعلق بالأصول، والقواعد أم بالمصادر، والمنابع أم بالأهداف، والغايات أم بالمناهج، والوسائل، وسنحاول إن شاء الله تعالى بيان ذلك بإيجاز في هذه الكلمات. أما وضوح الأصول، والقواعد الإسلامية:

стр. 389

فأول مظاهر الوضوح في الإسلام أن أصوله، ودعائمه الكبرى واضحة بينة لا لزعمائه، وقادة الفكر، والدعوة إليه فقط، ولا لخاصة المثقفين من أتباعه، وأنصاره فحسب بل لجمهرة المؤمنين به أيًّا كانوا يستوي في ذلك الأصول الاعتقادية، والشعائر التعبدية، وأمهات الفضائل الخلقية، والأحكام التشريعية. أما وضوح الأصول الاعتقادية؛ فأول ما يبدو هذا الوضوح في الأصول الاعتقادية في الإسلام يبدو في الإيمان بالله ورسالاته، وبالدار الآخرة فتوحيد الله هو أصل الأصول لا يجهله مسلم أيًّا كان جنسه أو لونه أو طبقته أو حظه من التعلم فقد عرف من كلمة التوحيد وأولى الشهادتين لا إله إلا الله ألا مكان في الإسلام لتأليه بشر أو حجر أو شيء في الأرض أو في السماء بل لله من في السموات، ومن في الأرض، وما فيهما، ولهذا كانت رسالة النبي ﷺ إلى ملوك العالم، وزعمائه متضمنة: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: ٦٤). فالتوحيد في حد ذاته قضية واضحة في ضمير كل مسلم، ودليلها أيضًا واضح في فكره، كما أن أثرها كذلك واضح في حياته كيف لا، وهو يلقن منذ صغره لا إله إلا الله، ويلقن أيضًا إذا حضره الموت لا إله إلا الله كما وصى بذلك رسول الله ﷺ . أما عقيدة الجزاء في الآخرة بالجنة، والنار فهي عقيدة ظاهرة واضحة مستقرة في نفوس المؤمنين بالله فإن الله قد قرر قانون الجزاء في سورة من قصار سور القرآن في آيتين اثنتين قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٧، ٨). وعامة المسلمين يعلمون أن جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة التي فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأن جزاء الكافرين الذين كفروا بالله

стр. 390

وملائكته، وكتبه، ورسله، والدار الآخرة هي النار التي وقودها الناس، والحجارة كما أن الإيمان بالرسالات التي أرسل الله بها رسله قبل محمد ﷺ أمر واضح جلي لكل مسلم. فكل مسلم من العامة فضلًا عن الخاصة يعلم أنه لا يتم إيمانه حتى يؤمن بالله، وملائكته، وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله، وكل مسلم يعلم أن هؤلاء الرسل بشر من البشر يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويتزوجون النساء، ويرزقون الأولاد بنين، وبنات إلا أن الله ﵎ فضل هؤلاء الصفوة على جميع الناس حين اصطفاهم لرسالته، والله أعلم حيث يجعل رسالته. ومن مظاهر الوضوح في الإسلام: أن أركانه العملية، وشعائره التعبدية واضحة أيضًا للخاص والعام حتى الصبيان يحفظون أركان الإسلام الخمسة فقول النبي ﷺ : ((بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا)). هذا حديث مشهور بفضل الله يحفظه الصبيان في الكتاب، وعامة المسلمين يعرفون هذه الأركان للإسلام التي تتمثل في العبادات التي فرضها الله تعالى على المسلمين؛ فالصلاة كل مسلم يعرف أنها خمس في اليوم، والليلة، وكل مسلم يعرف مواقيتها كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: ١٠٣). كل مسلم يعرف أن الصبح ركعتان، والظهر أربعة، والعصر أربعة، والمغرب ثلاث، والعشاء أربع حتى السنن التي ندبنا إليها النبي ﷺ قبل الصلاة المفروضة، وبعدها كل مسلم يعرفها لا تخفى على أحد من المسلمين بفضل الله ، والزكاة معروفة إجماليًّا لكافة المسلمين، وأنها تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم،
следующие страницы →