← Общие книги

Общие книги · id 12202

أصول الدعوة - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (394 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

-[أصول الدعوة]- كود المادة: GDWH٥٠٧٣ المرحلة: ماجستير المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية الناشر: جامعة المدينة العالمية عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

الدرس: ١ بعض الآفات التي تصيب بعض الدعاة . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الأول (بعض الآفات التي تُصيب بعض الدعاة) العجلة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد إلا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أما بعد: إن حديثنا عن بعض الآفات التي تُصيب بعض الدعاة، فيرجعون عن الطريق ويقعدون عن الدعوة، ويتخلفون عن المسير، ومن هذه الآفات العجلة وضعف اليقين والتقصير في عمل اليوم والليلة. أما العجلة: فهي آفة خطيرة تُصيب الداعية؛ فتَحرمه الوصول إلى غايته وإصابة هدفه، رُوي: "أن نستور بعث صاحبَيْه إلى الملك يدعوانه إلى دين عيسى ﵇ وأمرهما أن يرفِقا به، وأن يدعواه بالحكمة والموعظة الحسنة؛ فخالف الصاحبان وصيّة مرسلهما؛ فدخلا على الملك فأغلظا له القول وعنّفاه، فأخذهما وحبساهما وآذاهما، فقال لهما نستور: ما مَثَلكما إلا كمثل امرأة لم تلد حتى كبرت سنها فولدت، فاستعجلت شباب ولدها؛ لتنتفع به، فأطعمته أكثر مما يطيق فقتلته، فلم تحقق هدفها". ومن هنا قيل: "من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه" وأصل هذا المثل في السنة النبوية المطهرة قول نبينا ﷺ : ((لا يرث القاتل)) فمن قتل مورثه استعجالًا للميراث؛ يُعاقب بنقيض قصده، فيحرم من الميراث؛ فالعجلة آفة مذمومة نهى الله تعالى عنها ورسوله ﷺ . عن أنس، عن النبي ﷺ قال: ((التأنّي من الله، والعجلة من الشيطان)).

стр. 3

قال ابن القيم: إنما كانت العجلة من الشيطان؛ لأنها خفَّة وطيش وحدّة في العبد تمنعه من التثبت والوقار، والحلم، وتوجب وضع الشيء في غير محله، وتجلب الشرور، وتمنع الخيور، وهي متوّلدة بين خلقين مذمومين هما: التفريط والاستعجال قبل الوقت. والذي يتتبع نصوص الوحيين يرى فيها الكثير والكثير من النهي عن العجلة فمنها النهي عن العجلة في طلب العلم قال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ١٦ - ١٩) قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآيات: هذا تعليم من الله لرسوله ﷺ في كيفية تلقي الوحي من الملك؛ فإنه كان يبادر إلى أخذه ويسابق الملك في قراءته؛ فأمره الله إذا جاء الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفّل الله تعالى له أن يجمعه -يعني: ما أوحيه ما في صدره- وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه. فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أي: بالقرآن كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤)، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ في صدرك ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي: أن تقرأه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي: إذا تلاه عليك الملك عن الله تعالى: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أي: فاستمع له ثم اقرأه كما أقرأك ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي: بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه، ونفهمك معناه كما أردنا وشرعنا. وقال السعدي ﵀: وفي هذه الآية أدب لأخذ العلم ألا يبادر المُتعلم للعلم قبل أن يفرغ المعلم من المسألة التي شرع فيها؛ فإذا فرغ منها سأله عما

стр. 4

أشكل عليه، وكذلك إذا كان في أول الكلام ما يوجب الرّدّ أو الاستحسان ألا يبادر برده أو قبوله قبل الفراغ من ذلك الكلام؛ ليتبيّن ما فيه من حق أو باطل، وليفهمه فهمًا يتمكّن فيه من الكلام فيه على وجه الصواب. ومن الاستعجال في العلم التصدّر للتعليم قبل التأهُّل له، والتصدّر للفتيا قبل التأهّل لها، والتسرع بالجواب قبل إدراك السؤال. ومنها: النهي عن العجلة في نقل الأخبار قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: ٦) أي: فاستظهروا صدقه من كذبه بطريق آخر؛ كراهة أن تصيبوا قومًا بجهالة -أي: قومًا بُرآء مما قذفوا به- بغية أذيّتهم بجهالة لاستحقاقهم إياه، ثم يظهر لكم عدم استحقاقهم؛ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين، أي: فتندموا على إصابتكم إياهم بالخيانة التي تصيبونهم بها، وحق المؤمن أن يحترز مما يخافه الندم في العواقب. ولقد كان للعجلة في نقل الأخبار بلا تثبت أثرها السيئ في انتشار حديث الإفك الذي روّجه المنافقون ضدّ الطاهرة المبرأة النزيهة العفيفة أمنا عائشة ﵂ حتى قال الله في هذه العجلة: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (النور: ١٥) وهي سورة فيها الخفّة والاستهتار، وقلة التحرج، وتناول أعظم الأمور وأخطرها بلا مبالاة، ولا اهتمام؛ ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ لسان يتلقى عن لسان، بلا تدبّر ولا تروٍّ، ولا فحص ولا إمعان نظر؛ حتى لكأن القول لا يمرّ على الآذان، ولا تتملاه الرءوس، ولا تتدبره القلوب ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ﴾ بأفواهكم لا بوعيكم ولا بعقلكم ولا بقلبكم؛ إنما هي كلمات تقذف بها الأفواه، قبل أن تستقر في المدارك، وقبل أن تتلقّاها العقول، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.

стр. 5

وبعد إنكار العجلة عليهم في نقل الأخبار يجيء التحذير من العودة إلى مثل هذا الاستعجال؛ فيقول تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (النور: ١٧) فلا بد من التروّي ولا بد التأني، ولا بد من التثبت والتبين، ومنها النهي عن العجلة في الحكم على الناس قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ (النساء: ٩٤) أي: إذا سافرتم في الغزو فتبينوا؛ أي: فاطلبوا بيان الأمر في كل ما تأتون وما تذرون ولا تعجلوا فيه بغير تدبر ورويّة، ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (النساء: ٩٤) أي: لا تقولوا بغير تدبر لمن حياكم بتحية الإسلام أو من ألقى إليكم مقاليد الاستسلام والانقياد لست مؤمنًا، وإنما أظهر ما أظهر متعوذًا؛ بل اقبلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه. عن ابن عباس ﵄ قال: "كان رجل في غُنيمة له؛ فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا بتلك الغنيمة؛ فأنزل الله في ذلك قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (النساء: ٩٤) "، فلا يجوز التعجّل في الحكم على الناس بالكفر قبل البيان، بل لا يجوز للعامة أن يشغلوا أنفسهم بمسألة التكفير، فإن باب التكفير باب خطير، أقدم عليه كثير من الناس فسقطوا، وتوقف فيه الفحول فسلموا، ولا نعدل بالسلامة شيئًا. ومنها النهي عن العجلة في القضاء: عن علي ﵁ قال: "بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيًا فقلت: يا رسول الله، تُرسلني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء، فقال ﷺ : ((إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضينّ حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبيّن لك القضاء)) قال علي: فما زلت قاضيًا، أو ما شككت في قضاء بعد".

стр. 6

ومنها النهي عن العجلة في الدعاء: قال الله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ (الإسراء: ١١) قال ابن كثير ﵀: يخبر الله تعالى عن عجلة الإنسان في دعائه في بعض الأحيان على نفسه، أو ولده، أو ماله بالشر، أي: بالموت أو الهلاك، أو الدمار، واللعنة، ونحو ذلك، فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ (يونس: ١١)، وقال النبي ﷺ : ((لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خَدَمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ﵎ ساعة نيل فيها عطاء فيستجيب لكم)). ومن العجلة في الدعاء: أن يستعجل الإنسان عقوبة ذنبه في الدنيا قبل الآخرة. عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ عاد رجلًا من المسلمين قد خَفَت فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ : ((هل كنت تدعوا بشيء أو تسأله إيَّاه؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة؛ فعجّله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله لا تطيقه، أو لا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)). قال: فدعا الله له فشفاه. ومن العجلة في الدعاء: أن يدعو الداعي قبل أن يحمد الله ويثني عليه، ويصلي على رسوله ﷺ . عن فضالة بن عُبيد قال: "سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته لم يُمجّد الله ولم يصلّ على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ((عجلت أيها المصلي)) ثم علَّمهم رسول الله ﷺ . وسمع رسول الله ﷺ رجلًا يُصلي؛ فمجد الله وحمده وصلى على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ((ادعُ تُجب، وسَلْ تُعْطَ)) ".

стр. 7

ومن العجلة في الدعاء: استعجال الإجابة: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل. قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت، فلم أرَ يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء)). ومن الاستعجال المذموم: الحرص على تجميع الناس، وتكثير عددهم حول الداعية دون تمحيص ولا تربية، وإنما فقط لمجرَّد تكثير العدد، وهذا الاستعجال فيه من المضارّ والمخاطر ما فيه، ففي الاستعجال خطورة كبيرة تتمثَّل في عدة نقاط؛ منها: أن الاستعجال يجمع أعضاء بُسطاء الفكرة، ضعفاء التربية، تجربة قليلة، وطريق هذه الدعوة شاقّ يُشترط على السير فيه التزام التقوى، ولذلك يحصل التساقط في الطريق، وهذا خطر كبير. ومنها: أن الدعوة في نشأتها وبدايتها تقوم على أكتاف الأقوياء؛ لتكوين القاعدة الصلبة، والاستعجال يُخالف ذلك. ومنها: أن كثرة الضعفاء في هذه المرحلة داخلَ الصف الإسلامي تُؤدّي إلى تأخير ساعات النصر وإشغال المربِّين، وإضاعة طاقتهم في نوعية ساذجة تأخذ منهم أوقاتهم وجهودهم التي ينبغي عليهم أن يصرفوها في أعمال أخرى يرفعون فيها من مستوى الشباب في المجالات المختلفة، وينتج عن ذلك خطورة واضحة لا شكّ فيها. ومنها: أن عملية الاستعجال سيكون من نتاجها بعد فترة تجميع فئة من الضعفاء تشغل المربّين في تصريفها في مجال يتناسوا معها، وبالتالي تنشأ قضية جديدة تأخذ منهم جهدًا فكريًّا وتنظيمًا هي في غنًى عنه الآن، وفي هذه المرحلة من العمل؛ لذلك ينبغي على الداعية المربي أن يتريَّث على إخوانه في المحاضر التربوية وغيرهم من الدعاة الجُدد في انتهاز الفرص في تربيتهم جميعًا، تربية مركزة قائمة على

стр. 8

المُكث لا على الاستعجال، وبذلك يكون قد وافق الأسلوب القرآني في التربية، فإن مما ذكره الله تعالى في القرآن قوله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ (الفرقان: ٣٢) قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: نزلناه مفرقًا ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (الفرقان: ٣٢)، وقال: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (الإسراء: ١٠٦)، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للمتكلم في العلم من محدّث ومعلم وواعظ أن يتأمّل في توجيه ربه سبحانه، في تدبيره أمر الخلق وبعث الرسل إليهم، فكلما حدث موجب أو حصل موسم أتى بما يُناسب ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والمواعظ الموافقة لذلك. فعلى الدُّعاة إلى الله أن يبذلوا جهدهم في الدعوة إلى الله ، وعليهم ألا يستعجلوا جني ثمار ما بذلوه من الجهد في الدعوة إلى الله ، فإن الله ﵎ أكثر على نبيه ﷺ من الأمر بالصبر، والنهي عن الاستعجال قال الله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ (الأحقاف: ٣٥)، فعليك أيها الداعية أن تغرس وتحرث، وأن تترك الإنبات لله : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص: ٥٦). ضعف اليقين ومن الآفات التي تُصيب الداعية فتُقعده عن دعوته: ضعف اليقين واليأس من الناس، واليأس من النصر إذا تأخّر النصر؛ لذلك كثر في القرآن الكريم أمر النبي ﷺ بالصبر، وبيان أن العاقبة له كما كانت لإخوانه المرسلين من قبله قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود: ٤٩)، وقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: ٣٥)، وقال: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا

стр. 9

وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ (الأنعام: ٣٤)، ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (يوسف: ١١٠) وقال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (هود: ١٢٠) وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥، ١٠٦) وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات: ١٧١ - ١٧٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر: ٥١) وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣). ولقد كان النبي ﷺ يحثّ أصحابه على الصبر ويبشّرهم بالنصر في أحلك الظروف وأصعبها حتى يستمروا في الثبات على الدين والانتشار به هاهنا وهاهنا، دون يأس يُقعدهم، ودون تشاؤم يصدهم عن تبليغ دعوة ربهم، عن خباب بن الأرت ﵁ قال: ((شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسّد بردة له في ظلّ الكعبة، فقلنا: ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا، فقال ﷺ : قد كان من كان قبلكم يُؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض، فيوضع فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيُفرق فرقتين ما يصده ذلك عن دينه، والله)) قسم يدل على الثقة المتناهية الثقة الكاملة في وعد الله الذي أشارت إليه تلك الآيات التي صدّرنا بها الحديث: ((والله ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يصير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)). ويوم الخندق: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (الأحزاب: ١٠، ١١) في هذا اليوم، وفي هذه الظروف، وفي هذه

стр. 10

الأثناء وهم يحفرون الخندق عرضت لهم صخرة عجزوا عن كسرها، فشكوا إلى رسول الله ﷺ فقال: ((إني نازلٌ، أنا قادم لأكسر هذه الصخرة التي عجزت عنها معاولكم؛ فجاء ﵊ وقد ربط على بطنه، ونزل فأتى هذه الصخرة ورفع المعول قائلًا: بسم الله فطار ثلثها، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأرى قصورها من مكاني هذا، ثم ضرب الضربة الثانية فطار الثلث الثاني من تلك الصخرة فقال: الله أكبر أعطيك مفاتيح فارس، والله إني لأرى قصورها من مكاني هذا، ثم ضرب الضربة الثالثة فصارت هباء منثورًا فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله لأني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا)). هكذا كان ﷺ يبَشِّرُ أصحابه بأن النصر قريب، وبأن المستقبل لهذا الدين مهما اشتدّت الأزمات، وعظمت الخطوب، ومهما حاول أعداء الدين أن يُطفئوا نور الله فإنهم لن يصلوا إلى تلك الغاية كما أخبر الله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (التوبة: ٣٢)، ولقد ظلّ ﷺ يُبشر أصحابه بالنصر والتمكين، وفتح بلاد المشركين، وأكثر عليهم في ذلك؛ تضمينًا لقلوبهم، ومن ذلك قوله ﷺ : ((بَشّر هذه الأمة بالثناء والدين، والرفعة والنصر، والتمكين في الأرض)). وقوله ﷺ : ((إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زُوي لي منها))، وقوله ﷺ : ((إن الله استقبل بي الشام وولّى ظهري اليمن، وقال لي: يا محمد، إني جعلت لك ما تجاهك غنيمة ورزقًا، وما خلف ظهرك مددًا، ولا يزال الإسلام يزيد وينقص الشرك وأهله؛ حتى تسير المرأتان لا تخشيان إلا جورًا، والذي نفسي بيده لا تذهب الأيام والليالي حتى يبلغ هذا الدين مبلغ هذا النجم)). وقوله ﷺ : ((ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل

стр. 11

والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعزّ عزيز، أو بذل ذليل، عزًّا يُعز الله به الإسلام، وذلًّا يزل الله به الكفر)). وهذه كلها بشارات عامة. وقد بَشّر ﷺ بفتح بعض البلاد وسماها، ففتحت كما بشر ﷺ من هذه البلاد: أرض الكنانة، مصرنا الحبيبة؛ فقد قال ﷺ : ((إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يُسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإنّ لهم ذمة ورحمًا))، ومنها: اليمن والشام والعراق، كما قال ﷺ : ((تُفتح اليمن فيأتي قومٌ يبثّون فيحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون، وتفتح الشام فيأتي قومٌ يبثون فيحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون. وتفتح العراق فيأتي قوم يبثون فيحلمون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون)). فبشر ﷺ أصحابه بفتح مصر واليمن والشام والعراق، وقد فُتحت تلك البلاد كما أخبر ﷺ . وهناك بلاد بشر ﷺ بفتحها ولمَّا تفتح، من هذه البلاد: روما عاصمة إيطاليا، عند عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((بينما نحن حول رسول الله ﷺ ونحن نكتب؛ إذ سُئل ﷺ أي: المدينتين تُفتح أولًا القسطنطينية أو رومية؟ فقال: مدينة هرقل تُفتح أولًا)) يعني: قسطنطينية، وقد فتحت قسطنطينية، ونحن في انتظار فتح رومية كما أخبر النبي ﷺ وهو الذي لا ينطق عن الهوى كما أخبر عن ربه . وقال ﷺ : ((عُصيِّبة من المسلمين يفتحون البيت الأبيض بيت كسرى)). بل إنه ﷺ أخبر عن رفع الخلافة، ثم أخبر عن عودتها، رفع الخلافة التي سقطت كما هو معلوم في العام الرابع والعشرين من الميلاد بعد التسعمائة والألف، سقطت الخلافة كما أخبر ﵊ وإخباره هذا ليس من عنده إنما هو من الله -

стр. 12

القائل: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن: ٢٦، ٢٧) أخبر ﷺ عن سقوط الخلافة، ثم أخبر عن عودتها وارتفاع رايتها؛ حتى لا ييأس الدعاة بعد سقوط الخلافة من عودتها، قال ﷺ : ((تكون النبوّة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة؛ فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًّا، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًّا فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت ﷺ ). فأخبر ﵊ أنه بعد النبوّة خلافة، وبعد الخلافة ملك عاضّ وملك جبري، وبعد الملك العاض والملك الجبري خلافة على منهاج النبوة تنتهي بها الدنيا كما بدأت بعد وفاة رسول الله ﷺ . فيا أيّها الداعية هذه النصوص التي ذكّرتك بها تبعث في نفسك الأمل، وتجعلك لا تيأس ولا تفتر، بل امضِ قُدمًا في طريق دعوتك، وأنت متفائل، وأنت على يقين من أن المستقبل لهذا الدين، وتأمّل التاريخ على مداره بعد وفاة النبي ﷺ والأزمنة المتتابعة إلى اليوم، تأمّل وخُذ من التاريخ العبر والدروس حتى لا تيأس أبدًا، ولا يضعف يقينك أن المستقبل لهذا الدين مهما كانت العقبات، ومهما عظمت الخطوب، ومهما ازدادت الكروب، ومهما تقوَّى وتحصّن أعداء الدين ضد أهل الدين إلا أن الله لا بد أن يُظهر دينه كما وعد، والتاريخ أكبر شاهد. وإليك هذه الوقائع الثلاث: من كان يظن أن تقوم للإسلام قائمة بعد أن استلم أبو بكر ﵁ مقاليد الخلافة؛ ففي هذا الوقت من خلافة أبي بكر عظم الخطب، واشتدّ الحال، ونجم النفاق، وارتدّ من ارتد من أحياء العرب، وظهر مدعو النبوة، وامتنع قوم عن أداء الزكاة، ولم يبقَ للجمعة مقام في بلد سوى مكة

стр. 13

والمدينة، وأصبح المسلمون كما يقول عروة بن الزبير ﵄: كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية لفقد نبيهم، وقلة عددهم، وكثرة عدوهم؛ حتى وجد من المسلمين من قال لأبي بكر ﵁: يا خليفة رسول الله، أغلقك بابك، والزم بيتك، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين -يعني: الموت- ولكن أبا بكر ﵁ لم يعترِه اليأس، ولم يستحوذ عليه القنوط، وإنما واجه هذه الأحداث الجسام كلها بإيمان راسخ، وعزيمة ثابتة، وتفاؤل عظيم. هو الذي قال للدنيا قولته الخالدة: "أينقص الدين وأنا حي". وهو الذي قال لعمر ﵁ حين جاء يعاتبه على قتال مانعي الزكاة: "مه يا عمر، رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك، أجبّار في الجاهلية وخوَّار في الإسلام، ماذا عسيت أن أتألَّفهم بسحر مفتعل، أم بشعر يُفترى هيات هيات، مضى رسول الله ﷺ وانقطع الوحي؛ فوالله لأجاهدنّهم ما استمسك السيف في يدي، فوالله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فوالله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال؛ فعلمت أنه الحق". وأبو بكر هو الذي أنفذ جيش أسامة ﵁ وقال لمعارضيه: والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني؛ لأنفذت بعث أسامة، كما أمر به رسول الله ﷺ ، ولو لم يبقَ في القرى غيري لأنفذته ما كنت أحلّ عقدًا عقده رسول الله ﷺ بيديه. ولم يزل أبو بكر ﵁ يُخطّط ويجاهد ويرسل البعوث، ويسهر على مصالح الرعية؛ حتى استطاع أن يتغلَّب على الصعاب، وأن يقضي على الثورات والفتن، وأن ينتصر على المرتدّين ومدّعي النبوة، ومانعي الزكاة، ومبطلي

стр. 14

الصلاة، وأن يعيد للمسلمين عزتهم، ولليائسين تفاؤلهم، وللإسلام دولته، وللخلافة هيبتها. من كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة لمّا استولى الصليبيون على كثير من البلاد الإسلامية، والمسجد الأقصى ما يُقارب قرنًا من الزمان؛ حتى ظن الكثير من المسلمين وغير المسلمين ألَّا أمل في انتصار المسلمين على الصليبيين، وألَّا رجاء في ردّ أرض فلسطين مع المسجد الأقصى إلى حوزة المسلمين، ومن كان يظن أن هذه البلاد ستتحرّر في يوم ما على يد البطل المغوار صلاح الدين في معركة حطين الحاسمة، ويُصبح للمسلمين من الكيان والقوة والعزة والسيادة، من كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة لما خرَّب المغول والتتار العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، ونهبوا الأموال وداسوا القيم، وفتكوا في الأنفس والأعراض فتكًا ذريعًا. من كان يظن أن بلاد الإسلام بعد هذا الذي حدث ستتحرر في يوم ما على يد البطل المقدام قطز في معركة عين جالوت الحاسمة، ويصبح للمسلمين من المجد والعظمة والرفعة. أيها الداعية؛ إن هذه الكوارث الثلاث التي وقعت في عصور مختلفة، وانتفاضة الأمة الإسلامية بعدها، ونهوض العرب يلتقي على نقطة واحدة، وهي وجود قيادة مؤمنة راسخة العقيدة، قوية الإيمان بوعد الله ونصره، وبصلاح الإسلام، وبالقوة الكامنة فيه، شديدة التمسك بتعاليم الإسلام وآدابه وأخلاقه، مجردة عن كل أنانية وعصبية جاهلية، ويلتقي هؤلاء القادة على أنهم كلهم كانوا يدعون إلى الإسلام، ويقاتلون بسيف محمد ﵊ واستحقوا بذلك نصر الله، وتأييده الخارق للعادة، وظهرت المعجزة وكان حزب الله هم المفلحون كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات: ١٧٣).

стр. 15

إن الثقة بوعد الله، والتفاؤل بانتصار دين الله هو مقدمة الفوز والنصر، وإن القوة المعنوية في كل أمة هي التي تدفع شبابها ورجالها إلى تحقيق المزيد من الانتصارات الخالدة في كل زمان ومكان، والله مع المتقين المخلصين المجاهدين، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والحافظين لحدود الله ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: ٥)، ووعد الله حق لن يتخلف ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٩)، فلا يضعف يقينك، ولا تيأس أخي الداعية مهما أحاطت بك الخطوب، وعظمت بك وبالمسلمين الكروب، واعلم أن الله تعالى منجز وعده. التقصير في عمل اليوم والليلة ومن الآفات التي تصيب الداعية فتوهن قوته وتضعفه: تقصيره في عمل اليوم والليلة: أعني: تقصير الداعية في القيام بوظيفة اليوم والليلة من العبادات النوافل المستحبة كالصلاة، والصيام، والأذكار، ونحوها مما هو مندوب من العبادات؛ فلا يعقل أن يقصر الداعية في الواجبات، ولكن التقصير قد يكون في نوافل العبادات، ومن الصلاة النوافل وقراءة القرآن والأذكار، مع أن ذكر الله من أعظم أسباب قوة الداعية المعنوية والحسية، قال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ٢٨). ولما ذهب علي ﵁ مع زوجه فاطمة ﵂ إلى النبي ﷺ يشكوان إليه ما لاقته فاطمة من التعب والنصب والعناء، من حملها ما تحتاج على رأسها، وطحنها

стр. 16

بيدها، وغير ذلك من وظيفة المرأة في بيتها جاءت إلى رسول الله تشكو ما أصابها من التعب والنصب، وتسأله خادمًا يعينها على واجباتها المنزلية، فما كان من النبي ﷺ إلا أن قال لعلي وفاطمة: ((ألا أدلّكما على خير لكما من خادم، إذا أويتما إلى فراشكما عند النوم تسبحان الله ثلاثًا وثلاثين، وتحمدان ثلاثًا وثلاثين، وتكبران أربع وثلاثين؛ فذلكما خير لكما من خادم)). قال العلماء: في إرشاد النبي ﷺ عليًّا وفاطمة إلى ذكر الله بدلًا من الخادم إشارة إلى أن ذكر الله يُعين البدن كما يعين القلب، ولقد كان ﷺ إذا حزبه أمر يقول: ((أرحنا بالصلاة يا بلال، أرحنا بالصلاة يا بلال))، والله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه: ١٤)، ولقد أمر الله الدعاة بكثرة ذكره عند المواجهة، فقال لموسى ﵇ وقد كلفه بالذهاب إلى فرعون: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ (طه: ٤٢)، وقال الله تعالى للمؤمنين عند القتال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأنفال: ٤٥). وإذا كان الداعية يدعو الناس إلى التقرب إلى الله بما يُحب من نوافل العبادات؛ فإن الداعية أولى وأحق بذلك أن يكون هو أكثر الناس لله ذكرًا؛ فعلى الداعية أن يُحافظ على الصلوات الخمس في الجماعة، وإن لم يرَ الجماعة واجبة؛ فليحافظ عليها لفضلها، وما يترتب عليها من الأجر والثواب، فصلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في سوقه وبيته سبعًا وعشرين ضعفًا، ثم إن تواجد الداعية في المسجد خمس مرات في اليوم والليلة فرصة عظيمة للالتقاء بالناس ودعوتهم وتذكيرهم، واقتراب الداعية من الناس سببٌ لقربهم منه

стр. 17

ومحبتهم له، ولا سيما إن أجاب دعوتهم وقضى حاجتهم وأعطاهم من جاهه ووقته وماله. وعلى الداعية أن يكون أحرص الناس على التبكير بالرواح إلى المسجد، والمحافظة على السنن الرواتب القبلية والبعدية، ولا سيما التي قال فيها النبي ﷺ : ((من صلى لله تعالى ثنتي عشرة ركعة كل يوم بنى الله له بيتًا في الجنة))، وهي ركعتان قبل الصبح، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وعلى الداعية أن يحافظ على الأذكار المشروعة دُبر كل صلاة، وعليه أن يحافظ على أذكار الصباح، وأذكار المساء، وأذكار النوم، وأن يحافظ على الأذكار المطلقة والمقيدة، وأن يكون كما تعلّم من رسول الله ﷺ وقد قال له رجل: ((يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فمرني بشيء أتشبّث به، فقال: لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله)). وعلى الداعية أن يأخذ حظه من صلاة الضحى، تلك الصلاة التي سماها النبي ﷺ "صلاة الأوَّابين" فقد خرج على أهل قباء وهم يصلون الضحى فقال ﵊: ((صلاة الأوَّابين حين ترمض الفصال من الضحى)). وعلى الداعية أن يأخذ حظه من قيام الليل، تلك الصلاة التي جعلها الله تعالى دليل الإيمان، وعنوان الإحسان فقال : ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (السجدة: ١٥ - ١٧) وقال

стр. 18

تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الذاريات: ١٥ - ١٨)، ولقد فرّق الله ﵎ بين القائمين والنائمين فقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (الزمر: ٩). وعلى الداعية أن يكون شديد الصلة بمصدر دعوته الأول وهو القرآن الكريم فيُعنى به تلاوة وتدبرًا وفهمًا، وعلى الداعية أن يكون له ورد من القرآن كل يوم بحيث يختم كل ثلاثة أو كل أسبوع، ولا يزيد على ذلك ولا يتأخر عن ختم القرآن أكثر من أسبوع؛ فلأن جاز ذلك لعامة المسلمين فلا يجوز للدعاة خاصة، فإن القرآن الكريم هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، والصراط المستقيم، عصمة لمن تمسّك به، ونجاة لمن اتبعه، ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود: ١)، ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: ٤١، ٤٢)، تلاوته قربة يُتقرَّب بها إلى الله وتجارة رابحة وصفها الله ﵎ بعدم البوار والكساد، فقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر: ٢٩، ٣٠). والنبي ﷺ يقول: ((من قرأ حرف من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا "الم" حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف))، وقال ﵊: ((اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي القرآن شفيعًا لصاحبه)).

стр. 19

وقال ﷺ : ((الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشراب بالنهار فشفّعني فيه، ويقول القرآن: أي رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيُشّفَعَان))، وقد قال ﵊: ((إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين)). فهذه بعض وظائف اليوم والليلة التي قد يقع فيها تقصير من بعض الدعاة، والتقصير في هذه الوظائف يؤثّر على الداعية معنويًّا، وروحانيًّا، وإنما الداعية بقلبه وروحه لا ببدنه ولسانه، ولذلك كانت هذه الوظائف من أهم الوظائف التي أمر الله ﵎ بها رسوله ﷺ في أول ما كلّفه بالدعوة، اقرءوا إن شئتم سورة المزمل بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ (المزمل: ١ - ٩). نسأل الله ﵎ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعلنا من الدعاة إليه بسلوكنا وعملنا قبل أن نكون دعاة بأقوالنا، فإن عمل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل، وحسبنا قول شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: ٨٨). فهذه أيها الداعية بعض الآفات التي قد تعترضك في طريقك، فتقعدك عن دعوتك، وتجعلك تترك السير في ركاب الدعوة إلى الله فكن منها على حذر، والله يحفظك ويعصمك من الزلل هو ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 20

الدرس: ٢ أصول العقيدة (١) .

стр. 21

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني (أصول العقيدة (١)) علاقة الدعوة بأصول الإسلام إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد إلا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: إن الإسلام هو دين الله الذي ارتضاه لعباده كما قال سبحانه: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) وهو الدين الذي لا يقبل الله دين سواه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَام﴾ (آل عمران: ١٩) وقال : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ٨٥) والإسلام الذي هو دين الله عقيدة وعبادة ومعاملة؛ عقيدة تصل الإنسان بالله ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنْ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الشورى: ١١، ١٢). وعبادة يؤديها الإنسان وفاءً بحق الله الذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره يرجو بها رضوان الله والجنة؛ ويخاف إن تركها عقاب الله والنّار؛ فهو دائمًا كما وصف الله أولياءه: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ (الزمر: ٩) وهو مع ذلك محسنٌ في معاملة الناس، كما أمره الله شعاره دائمًا: ﴿لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُون﴾ (البقرة: ٢٧٩) فالعدل عنده أساس المعاملة، وهو مع ذلك قد يعفو عن من ظلمه، ويصل من قطعه، ويحلم على من يجهل عليه؛ لأن الإسلام أمره بالإحسان فيما بينه وبين الله، وأمره بالإحسان فيما بينه وبين الناس، وأخبر الله أنه يحب المحسنين، وأنه يجزي المحسنين بالإحسان إحسانًا كما قال سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (يونس: ٢٦).

стр. 22

والمسلم مطالب بأن يُحَكّم الإسلام كله في حياته كلها كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (البقرة: ٢٠٨). ومعنى الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يا من رضيتم بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا، يا من صدقتم بالله ورسوله، والكتاب الذي نزله على رسوله، والكتاب الذي أنزل من قبل ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ أي: استسلموا لله ﵎ استسلامًا مطلقًا، وأطيعوا الله في كل ما أمركم به بأن تمتثلوه وتفعلوه. وفي كل ما نهاكم عنه بأن تتركوه وتجتنبوه، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ فيما يدعوكم إليه من العصيان والفسوق عن أمر الله بترك ما به أمر، أو فعل ما عنه نهى وزجر. ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ استسلموا لله وأطيعوه طاعة مطلقة واقبلوا منه كل ما شرع لكم من العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة، والجهاد والاقتصاد والسياسة والاجتماع، ونحو ذلك من كل ما شرع الله ﵎ لا تأخذوا العقيدة وتتركوا العبادة، لا تأخذوا العقيدة وتتركوا العمل؛ فإن العمل الصالح هو عنوان سلامة العقيدة إن العقيدة إن سلمت وصحت أنتجت ولا بد وأثمرت العمل الصالح، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (إبراهيم: ٢٤، ٢٥) فإذا صحت العقيدة في القلب صلح العمل على الجوارح ولذلك اقترن العمل الصالح بالإيمان في كثير من آي القرآن الكريم.

стр. 23

وشهد الله للموفقين الذين جمعوا بين العقيدة الصحيحة والعمل الصالح ببلوغ حقيقة الإيمان؛ فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الأنفال: ٢ - ٤) وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الأنفال: ٧٤). يقول الدكتور عبد الكريم زيدان في (أصول الدعوة): وأحكام الإسلام بالنسبة لما تتعلق به: تنقسم إلى الأقسام الآتية: أولًا أحكام العقيدة الإسلامية، وهي تتعلق بأمور العقيدة كالإيمان بالله واليوم الآخر وهذه هي الأمور الاعتقادية. ثانيًا: أحكام الأخلاق وهي المتعلقة بما يجب أن يتحلى به المسلم، وما يجب أن يتخلى عنه. كوجوب الصدق وحرمة الكذب. ثالثًا: أحكامٌ تتعلق بتنظيم علاقة الإنسان بخالقه كالصلاة والصيام وغيرها من العبادات، رابعًا: أحكام تتعلق بتنظيم علاقات الأفراد فيما بينهم وهذه على أنواع: أ- أحكام الأسرة: من نكاح وطلاق وإرث ونفقة إلى غير ذلك، وتُسمى هذه الأحكام في الاصطلاح الحديث بأحكام الأسرة، أو قانون الأحوال الشخصية. ب- أحكام تتعلق بعلاقات الأفراد ومعاملاتهم كالبيع والإجارة والرهن والكفالة، وهي التي تُسمى في الاصطلاح الحديث بأحكام المعاملات المالية أو بالقانون المدني. جـ- أحكام تتعلق بالقضاء والدعوة، وأصول الحكم والشهادة واليمين والبينات، وهي تتدخل فيما يسمى اليوم بقانون المرافعات.

стр. 24

د- أحكام تتعلق بمعاملات الأجانب غير المسلمين، عند دخولهم إلى إقليم الدولة الإسلامية، والحقوق التي يتمتعون بها، والتكاليف التي يلتزمون بها، وهذه الأحكام تتدخل فيما يسمى اليوم بالقانون الدولي الخاص. هـ- أحكام تتعلق بتنظيم علاقات الدولة الإسلامية بالدول الأخرى في السلم والحرب، وتدخل فيما يُسمى اليوم بالقانون الدولي العام. وأحكام تتعلق بنظام الحكم وقواعده، وكيفية اختيار رئيس الدولة وشكل الحكومة، وعلاقات الأفراد بها، وحقوقهم إزاءها وهي تدخل فيما يسمى اليوم بالقانون الدستوري. ز- أحكام تتعلق بموارد الدولة الإسلامية ومصارفها وتنظيم العلاقات المالية بين الأفراد والدولة، وبين الأغنياء والفقراء، وهي تدخل في القانون المالي بمختلف فروعه. حـ- أحكام تتعلق بتحديد علاقة الفرد بالدولة، من جهة الأفعال المنهي عنها؛ أعني: الجرائم ومقدار عقوبة كل جريمة، وهذه تدخل فيما يسمى اليوم بالقانون الجنائي ويلحق بهذه الأحكام الإجراءات التي تتبع في تحقيق الجرائم وإنزال العقوبات بالمجرمين، وكيفية تنفيذها، وهي تدخل فيما يسمى اليوم بقانون تحقيق الجنائيات أو بقانون المرافعات الجزائية. تعريف العقيدة وأصولها الستة العقيدة: هي مجموعة من قضايا الحق البدهية المسلمة بالعقل والسمع والفطرة؛ يعقد عليها الإنسان قلبه، ويثني عليها صدره جازمًا بصحتها، قاطعًا بوجودها وثبوتها، لا يرى خلافها أنه يصح أو يكون أبدًا؛ وذلك كاعتقاد الإنسان بوجود خالقه وعلمه به، وقدرته عليه ولقائه به بعد موته، ونهاية حياته ومجازاته إياه على كسبه الاختياري، وعلمه غير الاضطراري، وكاعتقاده بغنى ربه تبارك

стр. 25

وتعالى عنه، وافتقاره هو إليه وفي كل شأنه حتى في أنفاسه التي يرددها؛ فبالله تعالى حياته، وعليه وحده توكله واعتماده، إذ هو محض رجائه إذا طمع، ومأمن خوفه إذا خاف بحبه يحب، وببغضه يبغض، هو مولاه الذي لا مولى له غيره، ومعبوده الذي لا معبود له سواه، لا يرى ربوبية غيره ولا يعتقد ألوهية سواه. وعقيدة المؤمن تقوم على أركان ستة، معلومة من الدين بالضرورة؛ وهي: الإيمان بالله، وملائكة، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر كله خيره وشره حلوه ومره، من الله تعالى يقول الله : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (البقرة: ١٧٧) ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (النساء: ١٣٦) وفي حديث عمر ﵁ المشهور في سؤال جبريل ﵇ للنبي ﷺ عن الإيمان قال ﷺ : ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى)). الركن الأول: الإيمان بالله فالركن الأول من أركان الإيمان هو: الإيمان بالله : والإيمان بالله على أربع مراتب؛ هي: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته. أما الإيمان بوجود الله تعالى؛ فإن العلماء استدلوا عليه بأربعة أنواع من الأدلة هي: العقل والشرع والفطرة والحس. أما الاستدلال بالعقل والشرع؛ فإن الناظر في ملكوت السموات والأرض يرى فيهما الكثير والكثير من الآيات الدالة على

стр. 26

وجود الله تعالى؛ فهذه السموات بارتفاعها وشدة بنائها، وما فيها من كواكب ونجوم تسير بانتظام، بلا خلل ولا صدام، كل في فلك يسبحون. هذه السموات بارتفاعها وإمساكها عن الوقوع على الأرض تدل على أن لهذا الكون مدبرًا؛ لأن العقل السليم يحيل أن توجد هذه السموات وما فيها بنفسها، كما تحيل أن توجد من غير موجد؛ وهذا هو ما قرره ربنا بقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ (الطور: ٣٥، ٣٦) هذه الأرض وما فيها وما عليها، هذه الأرض باتساعها وطولها وما عليها من جبال، وما يجري فيها من بحار وأنهار، وما يخرج منها من زروع وثمار؛ كل ذلك من صنع من؟ صنع ربي ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء﴾ (النمل: ٨٨). والمتأمل في كتاب ربنا سبحانه يجد الرب كثير ما يشير إلى هذه الآيات ويأمر بالنظر المتأمل فيها يقول سبحانه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٨، ٢٩) ويقول سبحانه: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (النازعات: ٢٧ - ٣٣) ويقول سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (الملك: ١ - ٤). ويقول سبحانه: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (الغاشية: ١٧ - ٢٠) أفلا ينظرون

стр. 27

ويتأملون ويتدبرون، فيعلمون أن لهذا الكون إله؛ فبهذا كان العرب قديمًا يستدلون على الله حتى قيل لبعضهم: بم عرفت ربك؟ فقال: إن البعر يدل على البعير، وإن الأثر يدل على المسير؛ فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج؛ أفلا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير. وأما الاستدلال بالفطرة والحس على جود الله : فإن كل إنسان إذا نزلت به نازلة وعجز عن دفعها، وجد نفسه مندفعًا إلى النداء والاستغاثة بالله وحده دون سواه؛ فيقول مضطرًا: يا الله يا الله؛ فإذا به يجاب إلى ما سأل، فيكشف عنه ما سأل كشفه، أو يعطى ما طلبه. وهذا شيء محسوس ومجرب دعت إليه الفطرة التي فطر الناس عليها، وهو دليل على وجود الله السميع البصير، اللطيف الخبير وفي ذلك يقول ربنا سبحانه: ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (النمل: ٦٢). أما المرتبة الثانية من مراتب الإيمان بالله فهي: الإيمان بربوبيته : ومعنى الإيمان بالربوبية: الإيمان بأن الله وحده هو الخالق الرازق المحي المميت مالك الملك ومدبر الأمر كما قال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (الملك: ١) وقال : ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (يس: ٨٣) وقال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران: ٢٦، ٢٧). فالله سبحانه وحده هو خالق الخلق، ومالك الملك لا خالق غيره، ولا مالك سواه، وهو هو الذي يُدبر أمر كل شيء فما شاء كان، وإن لم يشأ العباد،

стр. 28

وما لم يشأ لم يكن وإن شاء العباد، وبهذا استدل عقلاء العرب على ربوبية الله سبحانه، قيل لأعرابي: بم عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم وصرف الهمم. المرتبة الثالثة: الإيمان بألوهية الله : ومعناه: الاعتقاد والإقرار بأن الله وحده هو المستحق للعبادة دون غيره؛ فكما خلق وحده يجب أن يُعبد وحده ولذلك قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢١، ٢٢) وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الروم: ٤٠). وبالدعوة إلى ألوهية الله وإفراده وحده بالعبادة أرسل الله الرسل وأنزل الكتب قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥) وقال سبحانه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (النحل: ٢) ولذلك اتفقت كلمة الأنبياء على: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾ (الأعراف: ٥٩). وهذا التوحيد هو سبب النجاة من النار، والفوز بالجنة وتركه هو سبب الهلاك والعذاب، قال الله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (النساء: ١٧٢، ١٧٣). وعن جابر قال: "أتى

стр. 29

النبي ﷺ رجلٌ فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ فقال: ((من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار)). أما المرتبة الرابعة من مراتب الإيمان بالله فهي: الإيمان بأسماء الله تعالى الحسنى، وصفاته العلا: فالله ذات وكل ذات لا بد لها من أسماء وصفات، وأسماء الله وصفاته توقيفية لا يجوز لأحد أن يُسمي الله تعالى أو يصفه إلا بما سمى الله به نفسه أو سماه به رسله، وكل ما سمى الله به نفسه، وجب الإيمان به من غير تمثيل ولا تعطيل ولا تكييف، ولا تحريف وقوفًا عند قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: ١١). هذه العقيدة: عقيدة الإيمان بالله وتوحيده سبحانه لها آثارها العظيمة في حياة الإنسان؛ فالله بَيّن أن المؤمن الموحد إنسان مطمئن البال، مُستقرٌ في حياته، لا يصيبه القلق ولا الضجر؛ لأنه أسلم وجهه لله وحده، ودان له بالسمع والطاعة؛ فهو لا يتلقى الأمر إلا منه، ولا يتلقى النهي إلا منه وقد فرق الله بين المؤمن الموحد الذي يدين لله -تعالى- وحده بالسمع والطاعة، وبين المشركين الذين يعبدون آلهة كثيرة فقال : ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: ٢٩) فشبه الله تعالى النفس الموحدة لربها، بالعبد الذي يملكه رجل واحد؛ فجميع تصرفات هذا العبد تأتي حسب رغبة سيده، وبهذا تهدئ نفسه وتستقيم حياته، وتنسجم تصرفاته، وفق نظام معين وعلى نسق واحد. أما العبد الذي يملكه عدة شركاء متشاكسين، لا يؤمن أن يتصرف اليوم على نمط يعاكس تصرفاته بالأمس، وتبقى نفسه نهبًا للمخاوف والهواجس، كذلك العبد

стр. 30

المشرك الذي يعلم بفطرته عظمة الله، ويشرك مع الله آلهة أخرى؛ فتراه تارة ينافق الناس، وتارة يتخذ إلهه هواه، وتارة يستعبده المال، وتارة يتعلق بالحياة؛ فينخلع قلبه من الموت أو المرض، وهو في كل ذلك قلق لا يطمئن على نفسه ولا على ماله وعلى شيء من ملذاته؛ لأنه لا يؤمن بمصير معين، ولا يخضع لإلهٍ واحد، بيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير. كما أن عقيدة التوحيد والإيمان بالله تُربي عقل الإنسان على سعة النظر، وحب الاطلاع على أسرار الكون، والطموح إلى معرفة ما وراء الحس؛ فكل ما في الكون مما نرى وما لا نرى من السموات والكرسي والعرش والملائكة، كل ذلك من ملك الله، وكل كائن صغير أو كبير يسبح بحمد الله ويشهد بعظمته، وقد أمرنا القرآن الكريم أن نتأمل ذلك كله، نتأمل خلق السموات والأرض والبحار والأنهار والإبل والدواب والنحل، وبين لنا أن ما من شيء إلا والله يعلمه صغيرًا كان أو كبيرًا، قال سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام: ٥٩). وبالتوحيد وإفراد الله تعالى بكل صفات الألوهية يبتعد الإنسان عن التعلل بالآمال الكاذبة؛ فلا تنفع عند الله شفاعة الشافعين، إلا لم يأذن له الله ويرضى، وما من أحد يفيده قربه من الله إلا عن طريق العمل الصالح؛ فليس إليه قرابة رحم ولا صلة أبوة، ولا صحبة سابقة لأحد من العالمين؛ الكل عباده والكل محاسبون مجزيون بأعمالهم خيرها وشرها، ويتسلح الإنسان إذا آمن بالله حق الإيمان بالطمأنينة والرجاء، مع السعي والتوكل على الله، وعدم التواكل. فالمؤمن الموحد مطمئن بعد أن عرف أن الله قريب، يجب دعوة الداعين، ويتوب على التائبين وينصف المظلومين، وقد وسعت رحمته كل شيء؛ فضلًا من الله ونعمة.

стр. 31

الركن الثاني: الإيمان بالملائكة أما الركن الثاني من أركان الإيمان فهو: الإيمان بالملائكة: وقد جاء ذكر الملائكة في القرآن الكريم في مواضع كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠) ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ (البقرة: ٣١) ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (البقرة: ١٦١) إلى غير ذلك والإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان كما أخبر رب العالمين حيث قال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (البقرة: ١٧٧). وقال النبي ﷺ : ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر)) فمن أنكر وجود الملائكة فقد كفر بالله كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (النساء: ١٣٦) ومن عداهم أو أحدهم فقد كفر أيضا قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٩٨) عن ابن عباس: "أن اليهود سألوا رسول الله ﷺ : من صاحبك من الملائكة؟ قال: ((جبريل)) قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو كان ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر؛ لكان. فأنزل الله الآية: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٩٨) ". وعالم الملائكة من عوالم الغيب التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي، ومن تكلم عن الملائكة بغير ما قال الوحي فيهم، فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا، وقد

стр. 32

عرفنا من الوحي أصل خلقتهم وبعض صفاتهم الخلقية والخلقية، وعلاقتهم بالله تعالى وبالكون وعلاقتهم بالإنسان عمومًا وبالمؤمنين خصوصًا. أما عن أصل خلقتهم؛ فإنهم خلقوا من نور، كما قال النبي ﷺ : ((خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق من آدم مما وصف لكم)) أما صفاتهم الخلقية فهم خلق عظيم، ذوو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وأكثر من ذلك كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فاطر: ١). عن الشيباني قال: سألت ذر عن قول الله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ (النجم: ٩، ١٠) قال: "أخبرنا عبد الله أن محمد ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح"، وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: ((أوذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش؛ إنما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)) أما صفاتهم الخلقية فإن الله وصفهم بأنهم كرامٌ بررة ومن أخص صفاتهم الحياء كما قال النبي ﷺ وقد دخل عليه عثمان: ((ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة)). والملائكة لا يصفون بذكورة ولا أنوثة وقد ضلت العرب إذ جعلت الملائكة إناثًا؛ فكذبهم الله تعالى، وأخبر أنهم سيسألون عن قولهم هذا؛ فقال : ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (الزخرف: ١٩) أما علاقة الملائكة بالله فالملائكة خلق من خلق الله، وعباد من عباده مخلقون مملكون مربون، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا. قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ (الأنبياء: ٢٦ - ٢٩).

стр. 33

وهم مشغلون بعبادة الله بالليل وبالنهار؛ لا يكلون ولا يملون ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٠) كما وصفهم من خلقهم وأما علاقتهم بالكون؛ فهم يدبرون حركته ويرعون شئونه بتكليف من الله لهم، كما قال سبحانه: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ (النازعات: ٥) وقال: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ (الذاريات: ٤) والمراد الملائكة تدبر أمر المخلوقات بإذن الله طاعة لله، لا ابتداء من أنفسهم؛ فإنهم كما وصفهم الله ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون﴾ (الأنبياء: ٢٧). وقد وَكّل الله تعالى بالسموات ملائكة وبالجبال ملائكة وبالسحاب ملائكة وبالمطر ملائكة، ووكل بالوحي ملائكة وبالموت ملائكة وبالجنة ملائكة، وبالنار ملائكة وعلاقة الملائكة بالإنسان تبدأ من حين تقع النطفة في الرحم، حتى يخرج بشرًا سويًّا، ثم لا يفارقونه حتى يستقر في القرار الأبدي في الجنة أو النار. عن أنس، عن النبي ﷺ قال: ((إن الله وكل بالرحم ملكًا يقول: يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة؛ فإذا أراد أن يقضي خلقه، قال: أذكر أم أنثى، شقي أم سعيد؛ فما الرزق والأجل؟ فيكتب في بطن أمه)). أما علاقة الملائكة بالمؤمنين؛ فإنها علاقة مودة ومحبة ورحمة، يدل عليها استغفارهم للمؤمنين وسؤالهم الله أن يدخلهم الجنة كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (غافر: ٧ - ٩). وللإيمان بالملائكة أثره في حياة المؤمن؛ فإن من لوازم الإيمان بالملائكة تربية النفس على النظام والطاعة، وترتيب الأمور وإخلاص الله وإفراد الله بالعبادة

стр. 34

كما تفعل الملائكة في تسبيحهم لله، وتعظيمهم له، يمكن للمؤمنين أن يقتدوا بهم ويهتدوا بهديهم، كما خرج النبي ﵊ يومًا على أصحابه وقد تفرقوا في صفوفهم قال: ((ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها)). قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها يا رسول الله قال: ((يتمون الصف الأول فالأول ويتراصون في الصف)). كما أن إيمان المؤمن بأن الملائكة تستغفر الله له، وتدعوا له، يزيد من عزته وكرامته ومعرفته عند الله حيث سخر له الملائكة الكرام البررة يحفظونه ويستغفرون له، ويطلبون من ربه أن يحفظه من عذاب النار. الركن الثالث: الإيمان بالنبيين والكتب المنزلة على المرسلين أما الركن الثالث من أركان الإيمان؛ فهو: الإيمان بالنبيين والكتب المنزلة على المرسلين: قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (البقرة: ١٧٧) وقال النبي ﷺ : ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره)). وحاجة الناس إلى الرسل والكتب فوق كل حاجة، وضرورتهم إليهم فوق كل ضرورة، وهم الذين يعرفون الناس بفاطرهم، وبارئهم، وأسمائه وصفاته، والطريق الموصلة إليه، وما يجب له عليهم، وما أوجبه لهم عليه. فمن اتبعهم فقد هدي إلى صراط مستقيم، وفاز بسعادة الدنيا. وكان في الآخرة من ورثة جنة النعيم، ومن كذبهم وخالفهم فقد ضل سواء السبيل وهو في

стр. 35

الآخرة من الخاسرين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (المائدة: ١٢) وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ (غافر: ٦٩ - ٧٢). والإيمان بجميع المرسلين واجب والكفر ببعضهم كفر بجميعهم، ولذلك قال الله تعالى على لسان رسوله والمؤمنين: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (البقرة: ٢٨٥) وجعل الله تعالى التفريق بينهم كفرًا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (النساء: ١٥٠، ١٥١). وقد بعث الله تعالى مائة وأربع وعشرين ألف نبي وأرسل منهم ثلاثمائة وخمس عشرة رسول عن أبي أمامة قال: قلت: يا نبي الله، أي: الأنبياء أول؟ قال: ((آدم ﵇) قلت: يا نبي الله، أو نبي كان آدم؟ قال: ((نعم، نبي مكلم خلقه الله بيده ثم نفخ فيه من روحه ثم قال له يا آدم قبل)). قال: قلت: يا رسول الله، كما وفى عدد الأنبياء قال: ((مائة ألف وأربع وعشرين ألف الرسل من ذلك ثلاث مائة وخمس عشرة جما غفيرًا)). فالإيمان بهذه الجملة على العموم واجب، والإيمان بمن سمي منهم في القرآن الكريم على وجه الخصوص

стр. 36

واجب فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (غافر: ٧٨). وقد سمى الله ﵎ في القرآن الكريم خمسة وعشرين رسولًا؛ فوجب الإيمان بهم على وجه التعيين، ووجب الإيمان بإخوانهم على وجه العموم والإجمال؛ ومن الإيمان بالرسل الإيمان بأنهم أفضل الخلق على الإطلاق، وأكثرهم علمًا، وأحسنهم عملًا، وأصدقهم حديثًا، وأكملهم أخلاقًا، وبأن الله خصهم بفضائل لا يحصلها غيرهم، وأن الله لم يخصهم بطبائع غير طبائع البشر، إنما اختارهم رجالًا يأكلون ويشربون، يبولون ويتغوطون، ويتزوجون ويتناسلون، ويمشون في الأسواق يبيعون ويشترون؛ فالواجب احترامهم وتوقيرهم من غير إفراط ولا تفريط، وإنزالهم منازلهم التي أنزلهموها الله عباد مكرمون لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورًا. وهم من جملة البشر تعتريهم الأسقام والأوجاع، وينالهم الأذى من الأعداء، ويموتون كما يموت سائر الناس وربما يقتلون. ومن الإيمان بالرسل الإيمان بأن محمد ﷺ خاتم النبيين كما قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: ٤٠) وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا؛ فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية؛ فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين)). فمن ادعى النبي بعد محمد ﷺ فقد افترى على الله الكذب كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (الأنعام: ٩٣). عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 37

((إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي)). ودلائل نبوة محمد ﷺ كثيرة؛ أفردها بعض أهل العلم بمصنفات عظيمة مطولة، وأعظم دلائل نبوته ﷺ وأبقاها على مدار الزمان القرآن الكريم الذي تحدى به العرب أجمعين، أن يأتوا بشيء من مثله؛ فعجزوا بل إنهم لم يحاولوا لعلمهم اليقيني بعجزهم قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (يونس: ٣٧) وقال سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: ٨٨) وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٣ - ٢٤). يعني: اتقوها بالإيمان بالقرآن الكريم وبمن أنزل عليه، وهو محمد رسول الله ﷺ ، وقد شهد الله لمحمد ﷺ بأنه رسوله حقًّا؛ فمن كفر بمحمد ﷺ فهو كافر حتى بجميع المرسلين الذين يزعم أنه قد آمن بهم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (النساء: ١٥٠، ١٥١). هذا وإن الإيمان بمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا؛ يقتضي التسليم المطلق والتام لما جاء به، أو أخبر عنه، ويقتضي تصديقه وطاعته فيما أمر به أو نهى عنه، دون حرج

стр. 38

أو ضيق أو مناقشة أو جدال، أو تعقيب أو أخذ البعض وترك البعض الآخر؛ فإن كل هذه الأشياء تناقض مقتضى الإيمان به ﷺ نبيًّا ورسولًا؛ ولهذا جاءت النصوص القرآنية كلها تؤكد وتبين هذه الأمور وغيرها، التي هي مقتضيات الإيمان بنبوته ﷺ فمن هذه النصوص الواردة في القرآن العظيم قول رب العالمين سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (آل عمران: ١٣٢). ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: ٣١، ٣٢) ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: ٨٠) ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: ٥١) ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦). فهذه النصوص وأمثالها في القرآن كثير تذكر المؤمنين بمقتضى إيمانهم بمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا؛ وبلوازم هذا الإيمان، فمرة تأمرهم بطاعته؛ لأن طاعته هي طاعة الله أو هي طاعة لله . وإن جزاء المطيعين جنات النعيم، وإن جزاء المخالفين عذاب النار وطورًا تبين لهم أن الإيمان بمحمد ﷺ يستلزم أخذ ما أمر به الرسول ﷺ والانتهاء عما نهى عنه، وإنما يقضي به ﷺ واجب الطاعة لا خيار فيه للمسلم؛ وإن الرجوع عند الاختلاف يجب أن يكون إلى الله والرسول ﷺ وأن الإيمان الحقيقي بمحمد ﷺ يستلزم الرضا بما يحكم ويقضي به ويخبر عنه. وإن حق الرسول ﷺ على أتباعه عظيم

стр. 39

فمن حقه علينا فداه أبي وأمي ونفسي ومالي وأهلي محبته أكثر من النفس والولد، والأهل والمال والناس أجمعين؛ لأنه ﷺ قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وماله والناس أجمعين)). ثانيًا: توقيره ﷺ وتبجيله واحترامه حيًّا وميتًا قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (النور: ٦٣) لأن الرسول الكريم ﷺ ليس كواحد من الناس إنه رسول الله، وعلى الناس أن يوقروه ويجلوه ويشرفوه، حتى في ندائهم له؛ فعليهم أن يقولوا له: "يا أيها النبي" و"يا أيها الرسول"؛ فإن الله الذي خلقه وسواه وبعثه لم يناديه باسمه المجرد أبدًا؛ فأولى بذلك وأحق أتباع النبي ﷺ ﴿آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٧). وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 40

الدرس: ٣ أصول العقيدة (٢) .
следующие страницы →