Полный текст (394 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
واجب فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (غافر: ٧٨).
وقد سمى الله ﵎ في القرآن الكريم خمسة وعشرين رسولًا؛ فوجب الإيمان بهم على وجه التعيين، ووجب الإيمان بإخوانهم على وجه العموم والإجمال؛ ومن الإيمان بالرسل الإيمان بأنهم أفضل الخلق على الإطلاق، وأكثرهم علمًا، وأحسنهم عملًا، وأصدقهم حديثًا، وأكملهم أخلاقًا، وبأن الله خصهم بفضائل لا يحصلها غيرهم، وأن الله لم يخصهم بطبائع غير طبائع البشر، إنما اختارهم رجالًا يأكلون ويشربون، يبولون ويتغوطون، ويتزوجون ويتناسلون، ويمشون في الأسواق يبيعون ويشترون؛ فالواجب احترامهم وتوقيرهم من غير إفراط ولا تفريط، وإنزالهم منازلهم التي أنزلهموها الله عباد مكرمون لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورًا. وهم من جملة البشر تعتريهم الأسقام والأوجاع، وينالهم الأذى من الأعداء، ويموتون كما يموت سائر الناس وربما يقتلون.
ومن الإيمان بالرسل الإيمان بأن محمد ﷺ خاتم النبيين كما قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: ٤٠) وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا؛ فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية؛ فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين)). فمن ادعى النبي بعد محمد ﷺ فقد افترى على الله الكذب كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (الأنعام: ٩٣). عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 37
((إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي)).
ودلائل نبوة محمد ﷺ كثيرة؛ أفردها بعض أهل العلم بمصنفات عظيمة مطولة، وأعظم دلائل نبوته ﷺ وأبقاها على مدار الزمان القرآن الكريم الذي تحدى به العرب أجمعين، أن يأتوا بشيء من مثله؛ فعجزوا بل إنهم لم يحاولوا لعلمهم اليقيني بعجزهم قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (يونس: ٣٧) وقال سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: ٨٨) وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٣ - ٢٤).
يعني: اتقوها بالإيمان بالقرآن الكريم وبمن أنزل عليه، وهو محمد رسول الله ﷺ ، وقد شهد الله لمحمد ﷺ بأنه رسوله حقًّا؛ فمن كفر بمحمد ﷺ فهو كافر حتى بجميع المرسلين الذين يزعم أنه قد آمن بهم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (النساء: ١٥٠، ١٥١).
هذا وإن الإيمان بمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا؛ يقتضي التسليم المطلق والتام لما جاء به، أو أخبر عنه، ويقتضي تصديقه وطاعته فيما أمر به أو نهى عنه، دون حرج
стр. 38
أو ضيق أو مناقشة أو جدال، أو تعقيب أو أخذ البعض وترك البعض الآخر؛ فإن كل هذه الأشياء تناقض مقتضى الإيمان به ﷺ نبيًّا ورسولًا؛ ولهذا جاءت النصوص القرآنية كلها تؤكد وتبين هذه الأمور وغيرها، التي هي مقتضيات الإيمان بنبوته ﷺ فمن هذه النصوص الواردة في القرآن العظيم قول رب العالمين سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (آل عمران: ١٣٢).
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: ٣١، ٣٢) ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: ٨٠) ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: ٥١) ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦). فهذه النصوص وأمثالها في القرآن كثير تذكر المؤمنين بمقتضى إيمانهم بمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا؛ وبلوازم هذا الإيمان، فمرة تأمرهم بطاعته؛ لأن طاعته هي طاعة الله أو هي طاعة لله .
وإن جزاء المطيعين جنات النعيم، وإن جزاء المخالفين عذاب النار وطورًا تبين لهم أن الإيمان بمحمد ﷺ يستلزم أخذ ما أمر به الرسول ﷺ والانتهاء عما نهى عنه، وإنما يقضي به ﷺ واجب الطاعة لا خيار فيه للمسلم؛ وإن الرجوع عند الاختلاف يجب أن يكون إلى الله والرسول ﷺ وأن الإيمان الحقيقي بمحمد ﷺ يستلزم الرضا بما يحكم ويقضي به ويخبر عنه.
وإن حق الرسول ﷺ على أتباعه عظيم
стр. 39
فمن حقه علينا فداه أبي وأمي ونفسي ومالي وأهلي محبته أكثر من النفس والولد، والأهل والمال والناس أجمعين؛ لأنه ﷺ قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وماله والناس أجمعين)).
ثانيًا: توقيره ﷺ وتبجيله واحترامه حيًّا وميتًا قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (النور: ٦٣) لأن الرسول الكريم ﷺ ليس كواحد من الناس إنه رسول الله، وعلى الناس أن يوقروه ويجلوه ويشرفوه، حتى في ندائهم له؛ فعليهم أن يقولوا له: "يا أيها النبي" و"يا أيها الرسول"؛ فإن الله الذي خلقه وسواه وبعثه لم يناديه باسمه المجرد أبدًا؛ فأولى بذلك وأحق أتباع النبي ﷺ ﴿آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٧).
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 40
الدرس: ٣ أصول العقيدة (٢) .
стр. 41
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث
(أصول العقيدة (٢))
الركن الرابع: الإيمان بالكتب
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد إلا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أما بعد:
الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين ركن من أركان الدين كما قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (البقرة: ١٧٧) وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: ٢٨٥)، وفي حديث جبريل المشهور حين سأل النبي ﷺ عن الإيمان قال: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)).
وقد أمرنا الله تعالى -نحن المسلمين- بالإيمان بالكتب التي أنزلها على المرسلين السابقين فقال سبحانه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: ١٣٦)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٦)، وكذلك أمر الله تعالى أهل الكتاب بالإيمان بما أنزل إلينا فقال : ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (البقرة: ٤٠، ٤١).
وعلّق الله هداية أهل الكتاب على إيمانهم بمثل ما آمنا فقال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: ١٣٧)، والإيمان بالكتب
стр. 42
معناه: الإيمان بكل ما أنزل الله من كتاب على وجه العموم والإجمال كما قال الله تعالى: لرسوله ﷺ : ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ (الشورى: ١٥).
ثم من الإيمان بالكتب الإيمان بما سمى الله تعالى منها في القرآن الكريم على وجه الخصوص؛ فإن الله لم يسمِّ كل كتاب أنزله على المرسلين في القرآن الكريم، وإنما سمى بعضها وسكت عن أكثرها؛ فمن الإيمان بالكتب الإيمان بكلها على وجه العموم والإجمال، والإيمان بالبعض المسمى في القرآن على وجه الخصوص والتعيين. ومن الكتب التي سماها الله تعالى في القرآن: التوراة، والإنجيل، وزبور داود، وصحف إبراهيم وموسى قال تعالى: ﴿الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ (آل عمران: ١ - ٤)، وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ (النساء: ١٦٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (الأعلى: ١٨، ١٩).
ومن الجدير بالذكر أن أهل الكتاب قد غيروا كتبهم وحرفوها، وزادوا فيها ونقصوا منها، أخبرنا ذلك رب العالمين الذي أنزل تلك الكتب، وهو بكل شيء عليم قال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٧٥)، وقال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة: ٧٩)، وإذا ثبت أن أهل الكتاب حرفوا كتبهم فلا يجوز الجزم بأن شيئًا فيها بعينه هو كلام الله .
стр. 43
وإن كُنّا نؤمن بعموم الكتاب وأنه من عند الله؛ فنحن نؤمن بأن الله -تعالى- أنزل على موسى التوراة، وأنزل على عيسى الإنجيل، لكن لا نستطيع أن نجزم بشيء في التوراة، ولا في الإنجيل بأنه بنفسه كلام الله ؛ لأن الله أخبرنا أنهم حرفوا وغيروا وبدلوا وزادوا ونقصوا.
أما القرآن الكريم فهو محفوظ بحفظ الله من التغيير والتبديل، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. (فصلت: ٤١، ٤٢)، ومن يكفر بالقرآن فهو كافر بالله سبحانه، قال تعالى مخاطبًا نبيه محمد ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ (البقرة: ٩٩) أي: الخارجون عن الإيمان إلى الكفر وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (البقرة: ٨٩، ٩٠).
ومن الإيمان بالقرآن الكريم اتباعه والعمل به، والتّحاكم إليه قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (البقرة: ١٢١)، وللمفسرين في تأويل حق التلاوة أقوال:
أولها: أنهم تدبروه؛ فعملوا بموجبه حتى تمسكوا بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما.
وثانيها: أنهم خضعوا عند تلاوته وخشعوا عند قراءته في صلاتهم وخلواتهم.
وثالثها: أنهم عملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابه، وتوقفوا فيما أشكل عليهم منه، وفوضوه إلى الله تعالى.
ورابعها: أنهم يقرءونه كما أنزل الله، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يتأولونه على غير حق.
стр. 44
وخامسها: أن تُحمل الآية على كل هذه الوجوه؛ لأنها مشتركة في مفهوم واحد وهو تعظيمها والانقياد لها لفظًا ومعنًى، فوجب حمل هذا القدر المشترك تكثيرًا لفوائد كلام الله تعالى.
وعن ابن عباس ﵄ قال ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ يتبعونه حق اتباعه، ثم قرأ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ (الشمس: ٢)، ففسر ابن عباس التلاوة بالاتباع، واستمد هذا المعنى من قول ربنا : ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ (الشمس: ١، ٢) أي: تبعها، وعن ابن مسعود ﵁ قال: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ أن يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزل، ولا يُحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئًا غير تأويله.
وللقرآن الكريم أثره الكبير في حياة المؤمن، فالله تعالى سمى القرآن الكريم نورًا وهدى ورحمة وشفاء، قال الله : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: ١٨٥)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة: ١٥، ١٦)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ٥٧).
وقد جعل الله ﵎ روحًا تحيى بها أرواح بني آدم فقال : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ (الشورى: ٥٢)، فإذا كانت الروح هي سر حياة الأبدان؛ فإن روح الأرواح هو القرآن الكريم، فمن آمن بالقرآن الكريم واتبعه فهو حي، ومن كفر بالقرآن الكريم وكذبه فهو ميت، وإن كان يدبّ على وجه
стр. 45
الأرض؛ قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: ١٢٢).
وقد ضمن الله ﵎ القرآن الكريم كل ما يحتاجه الناس إليه في دينهم ودنياهم وآخرتهم، قال الله سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ٣٨)، وقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: ٨٩)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: ٩). يهدي للتي هي أقوم على وجه العموم والشمول، لا على وجه الخصوص؛ فالقرآن لا يهدي للتي هي أقوم في مسألة دون مسألة، ولا يهدي للتي هي أقوم في أمر دون أمر، ولا يهدي للتي هي أقوم في مشكلة دون مشكلة ولا في قضية دون قضية، ولكن القرآن يهدي للتي هي أقوم في كل القضايا، وفي كل المشاكل، وفي كل الوقائع والأحداث والأمور.
فعزّة المؤمن في اتباع القرآن، وسعادته في التمسك به، وطمأنينة قلبه في قراءته وتلاوته: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ٢٨).
الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر
أما الركن الخامس من أركان الإيمان فهو: الإيمان باليوم الآخر:
والمراد باليوم الآخر: يوم القيامة؛ فإن الله ﵎ جعلهما يومين اثنين اليوم وغدًا، اليوم الدنيا وغدًا الآخرة، والإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، قال الله تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ
стр. 46
مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة: ١ - ٤)، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (البقرة: ١٧٧).
وفي حديث جبريل المشهور لما سأل النبي ﷺ ما الإيمان؟ كان جوابه ﷺ : ((الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر)) والإيمان باليوم الآخر من أهم أركان الإيمان، ولذلك كثيرًا ما يُقرن الله ﵎ بين الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر في مواضع من القرآن الكريم منها هذه الآية التي ذكر الله فيها أركان الإيمان: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ فقدم الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (المائدة: ٦٩)، وقال سبحانه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (البقرة: ٢٢٨).
فالإيمان باليوم الآخر من أهم أركان الإيمان، وإنكاره والكفر به، والتكذيب به كفرٌ بالله يوجب الخلود في النيران، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (الرعد: ٥)، ولقد بعث الله تعالى الرسل إليه داعين وبلقائه منذرين قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (الزمر: ٧١).
стр. 47
وهذا اعتراف من أصناف الكافرين الداخلين جهنم أن الرسل -عليهم الصلاة والسلام- أنذرتهم لقاء يومهم هذا، ولما كان نبينا محمد ﷺ خاتم النبيين، وكان هو الحاشر الذي يحشر الناس على عقبه حتى قال ﷺ : ((بعثتُ أنا والساعة كهاتين؛ وضم السبابة والوسطى)) لما كان كذلك فقد بيَّن ﷺ أحوال الآخرة وأهوالها بيانًا لم يسبق له نظير في الكتب السابقة، حتى إن الله تعالى أخبر أن الحِكْمة من الإيحاء إلى محمد ﷺ هي إنذار الناس لقاء الله؛ فقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (الشورى: ٧) وقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (غافر: ١٥ - ١٧).
ولما جادل المشركين النبي ﷺ فيما أنذرهموه من البعث بعد الموت ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ (الإسراء: ٤٩) أمره ربه أن يُقسم لهم على وقوع ما كذبوه فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (يونس: ٥٣)، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (سبأ: ٣)، وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (التغابن: ٧).
ولم يكتفِ رَبّنا بقسم نبيه ﷺ حتى أقسم هو -سبحانه- على وقوع البعث فقال : ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ
стр. 48
أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ (مريم: ٦٦ - ٧٠)، فمن كذب الله ورسوله بعد ذلك فالنار أولى به كما قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا * إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ (الفرقان: ١١ - ١٤).
ومع ذلك فإن الله سبحانه قد أزاح كل إشكال وأبطل كل شبهة عرضت للذين أنكروا البعث، وكذبوا بلقاء الله؛ ليهلك من هلك على بينة ويحي من حي عن بينة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ﴾ (الحج: ٥) إنا خلقناكم أول مرة؛ فكيف نعجز عن إعادتكم مرة ثانية وأنتم تعلمون دائمًا أن المرة الثانية أهون وأيسر من المرة الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الروم: ٢٧)، فإن كنتم في ريب من البعث فاعلموا أنا خلقناكم، فلن نعجز عن إعادتكم مرة ثانية كما قال : ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الواقعة: ٦٢) يعني: فلولا تذكرون فتعلمون أن الذي أنشأكم أول مرة قادر على النشأة الأخرى.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (الحج: ٥ - ٧)،
стр. 49
وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ (الإسراء: ٩٨، ٩٩)، وقال سبحانه: ﴿ق * وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ (ق: ١ - ٤)، فلما استبعدوا البعث بعد موتهم وتمزق أجسامهم، واختلاطها بالتراب اختلاطًا يصعب تمييزها في نظرهم، قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي: من لحومهم وعظائمهم وأشعارهم، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير، ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ (القيامة: ٣، ٤).
ولما أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت، كذبهم الله تعالى وبيَّن لهم الحكمة في البعث بعد الموت فقال : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ (النحل: ٣٨، ٣٩)، وذلك لكمال حكمته حيث جعل الدنيا دار عمل لا دار جزاء؛ ولقد كان من الناس الصالحون، ومنهم دون ذلك، ومنهم الظالمون ومنهم مظلومون، ومنهم المسلمون ومنهم القاسطون، ومنهم المؤمنون ومنهم الكافرون، والموت يعمّ الجميع ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ فلو أهملوا بعد الموت ولم يبعثوا لاستووا، وقد نفى الله تعالى التسوية بينهم فقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ (السجدة: ١٨)، وقال سبحانه: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (القلم: ٣٥، ٣٦)، وقال سبحانه: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (ص: ٢٨).
стр. 50
فحكمة الله إذًا تقتضي أن يرجع الناس إليه ليجزيهم بما كانوا يعملون، ويقضي بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (الزمر: ٣٠، ٣١)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (الجاثية: ١٧).
هذا وإن للإيمان باليوم الآخر تأثيرًا كبيرًا في سلوك الإنسان وانضباطه، وشتان بين رجلين يؤمن أحدهما بالبعث والحساب الجزاء، ويكفر الآخر بذلك؛ فالثاني ضابطه هواه؛ وقائده شهوته ومركبه لذاته، يفعل ما يشاء من غير خوف من حساب أو جزاء، والأول ضابطه الإيمان وقائده الخوف ومركبه الطاعة، إذا همَّ بسوء تذكر أنه مجزيٌّ به فأقلع عنه، وإذا أقدم على ظلم إنسان تذكر أنه سيقتصّ منه يوم القيامة فرجع عن ظلمه، وقد فرق القرآن الكريم بين الرجلين قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (التوبة: ١٧، ١٨)، وقال سبحانه: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (التوبة: ٤٤، ٤٥)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً
стр. 51
وَسُرُورًا﴾ (الإنسان: ٥ - ١١)، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (المدثر: ٣٨ - ٤٧)، وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (الماعون: ١ - ٣).
فهنيئًا لمن أيقن بلقاء الله واستعد له، والويل كل الويل لمن كذب بلقاء الله ولم يستعد له، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (يونس: ٧ - ١٠).
الركن السادس: الإيمان بالقدر
أما الركن السادس من أركان الإيمان فهو: الإيمان بالقدر:
والقدر: اسم لما صدر مقدرًا عن فعل القادر، يُقال: قَدَرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل بمعنى واحد، والقضاء في هذا معناه الخلق كقول ربنا سبحانه: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (فصلت: ١٢) أي: خلقهن، فلا فرق بين القضاء والقدر بل كل منهما بمعنى الآخر، وإذا أُطلق أحدهما شمل الآخر، والإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان، وقد تظاهرت عليه الأدلة القطعية من الكتاب والسنة وإجماع صحابة، وأهل الحل والعقد من السلف
стр. 52
والخلف قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: ٤٩)، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان: ٢)، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (الأحزاب: ٣٨)، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (الأعلى: ١ - ٣)، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ (طه: ٤٠)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِيٍنٍ* فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ (المرسلات: ٢٠ - ٢٣).
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن جبريل ﵇ سأل النبي ﷺ فقال: ((أخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت)). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كُلّ شيء بقدر حتى العجز والكيس))، وقد نفى النبي ﷺ الإيمان عمَّن لم يؤمن بالقدر؛ ففي الحديث عن جابر بن عبد لله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يؤمن عبد حتى حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه)).
وعن أبي أمامة ﵁ أنّ رَسول الله ﷺ قال: ((ثلاثةٌ لا يقبلُ الله منهم صرفًا، ولا عدلًا، عاقّ، ومنان، ومكذب بالقدر)).
والإيمانُ بالقدر على أربع مراتب:
المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله الشامل المحيط بكل شيء، ومعناه أن يؤمن العبد أن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علمًا، وأن الله تعالى قد علم الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، وعلم ما كان وما يكون وما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (الطلاق: ١٢)،
стр. 53
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ * وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (الرعد: ٨، ٩)، وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (هود: ٦)، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام: ٥٩).
وأخبر أنه يعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون فقال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (الأنعام: ٢٧، ٢٨) فأخبر عن الكافرين أهل النار أنهم حين سيقوا إليها وُقفوا عليها، فلما رأوا تتلظّى؛ تمنَّوا أن يردهم الله تعالى إلى الدنيا، ويكونوا من المؤمنين، فكذبهم الله تعالى فيما قالوا فقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، فعلم أنه لو ردهم لعادوا لما نهوا من الكفر والتكذيب، وقال : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (الأنفال: ٢٢، ٢٣).
وعن عمران بن حصين ﵁ قال: ((قيل: يا رسول الله، أعُلم أهل الجنة من أهل النار؟ فقال: نعم. قيل: ففيما يعمل العاملون؟ قال: كلٌّ ميسر لما خلق له)) وعن علي ﵁ بينما نحن مع رسول الله ﷺ وهو ينكت في الأرض؛ إذ رفع رأسه إلى السماء ثم قال: ((ما منكم من أحد إلا قد عُلم مقعده من النار ومقعده من الجنة، قالوا: أفلا نتكل يا رسول؟ قال: لا، اعملوا فكلٌّ ميسر لما خُلق له)). وعن ابن عباس ﵄ قال: ((سُئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين)).
стр. 54
فالمرتبة الأولى من مراتب الإيمان بالقدر: الإيمان بعلم الله الشامل المحيط بكل شيء.
والمرتبة الثانية: الإيمان بأن الله قد كتب ما علمه من أحوال عباده في كتاب محفوظ عنده في سمائه كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحج: ٧٠)، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحديد: ٢٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (يونس: ٦١).
عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله تعالى كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة))، وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. قال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة)). وعن ابن عباس ﵄ قال: ((كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا فقال: يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف)).
أما المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر، فهي: الإيمان بإرادة الله تعالى ومشيئته: أن يؤمن العبد أن كل شيء يجري بتقدير الله تعالى ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة العباد إلا
стр. 55
ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويقدر ويبتلي عدلًا، وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، وهو متعالٍ على الأضداد والأنداد، لا رادّ لقضائه، ولا معقّب لحكمه، ولا غالب لأمره، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (السجدة: ١٣)، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ (المائدة: ٤٨)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (الحج: ١٤)، وقال : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ (الأنعام: ١٢٥)؛ لذلك أدَّب الله نبيه ﷺ بألا يجزم بفعل شيء غدًا، إلا أن يردَّه إلى مشيئة الله فقال : ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (الكهف: ٢٣، ٢٤).
وعن أبي موسى ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا جاءه السائل أو طُلبت إليه حاجة، قال اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء))، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يُصرّفه حيث يشاء))، وعن ابن عباس ﵄ أن رجلًا قال للنبي ﷺ : ((ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله ندًّا، قل: ما شاء الله وحده)).
المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله سبحانه هو خالق كل شيء لا خالق غيره، ولا شريك له في الخلق، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء﴾ (الزمر: ٦٢)، وقال سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (غافر: ٦٢)، وقال سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ (الأنعام: ١٠٢)، ومن الأشياء أعمال الناس، فأعمال الناس من خلق الله تعالى كما قال : ﴿واللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.
стр. 56
وليس معنى القدر الإكراه والإجبار، ونفي قدرة الإنسان وقدرته ومشيئته، فللإنسان قدرته واختياره ومشيئته، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان: ٢، ٣)، وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: ٢٩)، وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: ٢٩) وقال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (التكوير: ٢٧، ٢٨)، ولكن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الرب سبحانه، غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم لهم أبدًا، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون﴾ (الأنبياء: ٢٣).
قال الإمام الخطابي ﵀: قد يحسبك كثير من الناس أنّ معنى القضاء والقدر إجبار الله العبد، وقهره على ما قدّره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمون وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من اكتساب العبد وصدورها عن تقدير منه وخلق خيرها وشرها.
هذا؛ وإن للإيمان بالقدر فوائد: من فوائد الإيمان بالقدر العزم والقضاء على ما يختاره الإنسان ويريده، فالمسلم إذا استشار إخوانه واستخار ربه في أمر ما أراده، مضى في طريق ما يريد غير متردّد أبدًا؛ لأنه توكل على الله وقد علم أن كل شيء بقضاء الله تعالى وقدره، فهو المقدر للأشياء كلها.
ومن فوائد الإيمان بالقدر عدم الندم أو الحسرة على ما فات؛ فالمؤمن لا ينوح على الماضي بالتندم والتحسر؛ لأن ذلك لن يردّ عنه شيئًا مما فات، ولأنه إنما حصل على ما كتب الله له، ولا اعتراض على قدر الله ما دام قد وقع، ولكن له أن يعتبر حياته من الخطأ أو الذم في حديث: ((لا يُلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين)).
стр. 57
ومن فوائد الإيمان بالقدر: الجرأة أمام الموت، فالموت حق لن يتخلف عن نفس بشرية، ولكن الموت لا يكون إلا بعد استيفاء كل نفس أجلها التي كتب الله لها كما قال سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران: ١٨٥)، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلً ا﴾ (آل عمران: ١٤٥)، وذلك يجعل المؤمن شجاعًا لا يتأخر عن اللقاء إذا دُعي إليه؛ فإن الله بيَّن أن الشجاعة لا تنقص من العمر، وأن الجبن لا يزيد فيه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (آل عمران: ١٥٦).
ومن فوائد الإيمان بالقدر: الرضا والطمأنينة والتسليم لأمر الله فإن الله ﵎ قال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (التغابن: ١١)، وقد قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٥٥ - ١٥٧) عن صهيب قال: قال رسول الله ﷺ : ((عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كل خيره، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له)). فيجب على كل مؤمن أن يوطّن نفسه على الرضا بالقضاء حتى يكون شعاره في هذه الحياة:
يا رب ما مسني قدر بكره أو رضا ... إلا اهتديت به إليك طريقًا
أمضي القضاء على الرضا مني به ... إني علمتك في القضاء رفيقًا
стр. 58
ونختم بشبهة قد تثار حول القدر: إن كان القدر بهذه الأهمية، فلماذا لم يُذكر في القرآن الكريم؟ إن الله تعالى ذكر أركان الإيمان خمسة في الآية التي تردّدت كثيرًا في هذا الدرس وسابقه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (البقرة: ١٧٧) ولم يذكر الركن السادس وهو الإيمان بالقدر. والجواب: لم يصرح ربنا بالإيمان بالقدر؛ لأنه بعد الشرح والبيان لمعنى الإيمان بالقدر يتبين لنا أن الإيمان بالقدر متعلق بالله ، وبأسمائه وصفاته؛ فهو إذًا داخل في عموم الإيمان بالله.
ثم إن النبي ﷺ بيَّن ذلك وفصّله، وعدّ الإيمان بالقدر الركن الثالث من أركان الإيمان، وصدقه على ذلك جبريل ﵇، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) وقال سبحانه في حق نبيه ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ١ - ٤).
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 59
الدرس: ٤ العبادة .
стр. 60
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع
(العبادة)
الركن الأعظم بعد الشهادتين: الصلاة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد إلا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أما بعد:
عبادة الله وحده لا شريك له هي الغاية من خلق الخلق كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات: ٥٦ - ٥٨) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢١، ٢٢).
وعبادة الله هي حق الله سبحانه على العباد كما في الحديث، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: ((كنت ردف النبي ﷺ يومًا على حمار فقال لي: يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ فقلت: الله ورسوله أعلم. فقال ﷺ : حق الله على العباد أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا)).
والعبادة التي خلق الله تعالى الخلق من أجلها، وجعلها حقًّا لازمهم له يقول فيها شيخ الإسلام: العبادة اسم جامع لكل ما يُحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، كالإيمان والإحسان، والخشية والرغبة، والرهبة، واليقين، والتوكل، وكالصلاة، والصيام، والجهاد، والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك مما يحبه الله تعالى ويرضاه.
ونبدأ بالركن الأعظم بعد الشهادتين وهو: الصلاة، فنقول -وبالله تعالى التوفيق-:
стр. 61
للصلاة في الإسلام منزلة لا تعدلها منزلة أية عبادة أخرى، فهي عمود الدين، كما في الحديث عن النبي ﷺ قال: ((رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد)) وهي أول ما فرض الله تعالى من العبادات، فرضها بمخاطبة رسوله ﷺ من غير واسطة ليلة المعراج، وكانت في الحديث المشهور خمسين، فما زال رسول الله ﷺ يسأل ربه التخفيف حتى قال تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (ق: ٢٩) ((هي خمس في العمل وخمسون في الأجر والثواب)).
وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة؛ فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، كما جاء الحديث عن رسول الله ﷺ ، وهي آخر وصية وصى به رسول الله ﷺ وهو في مرض موته جعل يقول: ((الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم)). وقد أمر الله تعالى بالمحافظة على الصلاة فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (البقرة: ٢٣٨)، ومدح الذين هم على صلواتهم يحافظون، ووعدهم الفردوس أعلى درجات الجنة فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (المؤمنون: ٩ - ١١).
وكما مدح الله الذين هم على صلواتهم يحافظون؛ فقد ذم الذين عن صلاتهم ساهون فقال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (مريم: ٥٩)، وليس المراد بإضاعة الصلاة هنا تركها بالكلية، ولكن المراد بإضاعتها السهو عنها حتى يخرج وقتها أحيانًا كما في الآية الثانية قال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (الماعون: ٥)، فسماهم مصلين ولو كانوا لا يصلون ما استحقوا هذا الاسم، فهم
стр. 62
يصلون ولكن عن صلاتهم ساهون، يُخرجون الوقت عن وقته، يصلون الفجر بعد طلوع الشمس، والظهر بعد العصر، والمغرب بعد العشاء، وهكذا، فتوعّد الله ﵎ هؤلاء بالويل والغي، وقد قيل: إن الويل والغي واديان في جهنم تستغيث جهنم بالله من شدة حرهما.
وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (المدثر: ٣٨ - ٤٨). ولقد أمر الله تعالى بالمحافظة على الصلاة في الحضر والسفر والخوف والأمن فقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩).
وبلغ من عناية الإسلام بالصلاة أن رخَّص فيها ما لم يرخص في غيرها حتى لا يبقى عذر لمعتذر يعتذر به عن عدم إقامتها، فرخص لمن فقد الماء أو عجز عن استعماله أن يتمم، كما رخص لمن عجز عن القيام في الصلاة أن يصلي قاعدًا؛ فإن عجز فعلى جنبه، فعلى المسلمين أن يتقوا الله ﵎ وأن يحافظوا على الصلوات كما أمرهم ربهم، ويعلموا أن الله ﵎ ما فرض عليهم الصلاة إلا لما لهم فيها من الفوائد التربوية؛ فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما صرح ربنا سبحانه في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (العنكبوت: ٤٥).
стр. 63
والصلاة تُطهر المصلي من الأخلاق الدنيئة، والصفات القبيحة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (المعارج: ١٩ - ٢٣).
والصلاة تعين على أمور الدين والدنيا كما قال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (البقرة: ١٥٣) يقول العلامة السعدي ﵀ في بيان فوائد الصلاة: من فضائلها أنها أعظم عبادة يحصل فيها الخضوع والذل لله، وامتلاء القلب من الإيمان به وتعظيمه، وذلك مادة سعادة القلب الأبدية ونعيمه، ولا يمكن تغذيته بمثل الصلاة، والصلاة أعظم غذاء وسقي لشجرة الإيمان؛ فالصلاة تثبت الإيمان وتنميه، وتنمي ما يثمره الإيمان من فعل الخير والرغبة فيه، وكذلك تنهى عن الشر قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أكبر﴾ (العنكبوت: ٤٥)، فأخبر أن فيها الغذاء بذكر الله والشفاء بنهيها عن الفحشاء والمنكر، وأي شيء أعظم من هذا وأجلّ وأكمل.
وللصلاة خمس فوائد كل واحدة خير من الدنيا وما عليها: تكميل الإسلام التي هي أكبر أركانه، وتكفير السيئات، وزيادة الحسنات، ورفعة الدرجات، وزيادة القرب من رب السموات، وزيادة الإيمان في القلب ونوره، وقد شرع الشارع الاجتماع للصلوات الخمس والجمعة، والعيد لما في الاجتماع من حصول التنافس في الخيرات والتنشيط عليها، والتعلم والتعليم لأحكامها.
ومن فوائدها الطبية البدنية وهي مصلحة تابعة لغيرها ما فيها من الرياضة المتنوعة النافعة للبدن، المقوية للأعضاء، والحركة المذيبة للأخلاط الغليظة، فنسأل الله أن يعيننا على المحافظة على الصلاة.
стр. 64
الركن الثاني بعد الصلاة: الزكاة
أما العبادة الثانية فهي الزكاة، والزكاة: اسم لهذا القدر من المال الذي يدفعه الأغنياء للفقراء، وسُمية زكاة؛ لأنها تزكّي المال وتنميه كما تزكي صاحبها وتطهّره من دنس البخل والشح، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: ١٠٣)، والزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة، وفريضة من فرائض الدين، وقد دلّ على فرضيتها الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: ١٠٣)، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (البقرة: ٤٣)، وقال تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ (الحج: ٧٨).
وقد قُرنت الزكاة بالصلاة في اثنتين وثمانين آية، وفي الحديث المشهور قال ﷺ : ((بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت))، ولما بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن قال له: ((إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب؛ فادعهم إلى شهادة إلا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تُؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم؛ فإن هم أطاعوك لذلك، فإيَّاك وكرائم أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)).
وأجمعت الأمة على وجوب الزكاة وأنها أحد فرائض الدين، وقد كثر في القرآن الكريم وأحاديث النبي ﷺ الحث على إخراج الزكاة والترغيب في أدائه،
стр. 65
والترهيب من منعها، قال الله تعالى: ﴿الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (لقمان: ١ - ٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ (الذاريات: ١٥، ١٦) ثم فسر إحسانهم فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الذاريات: ١٧، ١٨)، وهذا إحسانهم بينهم وبين الله سبحانه، ثم قال: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (الذاريات: ١٩)، وهذا إحسانهم فيما بينهم وبين الناس.
وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ (التوبة: ٧١)، وقال تعالى في التحذير من البخل بالزكاة: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران: ١٨٠)، قال رسول الله ﷺ في تفسير هذه الآية: ((من آتاه الله مالًا؛ فلم يؤدِّ زكاته؛ مُثِّل له ماله شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوّقه يوم القيامة، ثم يأخذه بلهزمتيه -يعني: شدقيه- ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك))، ثم تلا رسول الله ﷺ الآية السابقة.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (التوبة: ٣٤، ٣٥)، وفي تفسير هذه
стр. 66
الآية أيضًا قال رسول الله ﷺ : ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صُفّحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم؛ فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار)).
فإذا وجبت الزكاة على مسلم أو مسلمة، وشروط وجوبها معروفة من كتب الفقه؛ وجب على المسلم أن يُبادر بإخراج زكاته طيبة بها نفسه، محتسبًا أجرها عند الله فإن فعل فقد وقع أجره على الله، وإذا امتنع أخذ الحاكم منه الزكاة قهرًا، وأخذ شطر ماله عقوبة؛ ففي الحديث عن النبي ﷺ قال: ((من منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا، ليس لآل محمد منها شيء))، وإذا اجتمع أهل بلد على منع الزكاة، وكانت لهم شوكة وغلبة قاتلهم الحاكم حتى يأخذها منهم قهرًا، كما فعل خليفة رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق ﵁.
ففي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: "لما توفي النبي ﷺ واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب قال عمر بن الخطاب لأبي بكر ﵄: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله))، فقال أبو بكر ﵁: والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، قال عمر ﵁: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق".
стр. 67
هذا؛ وإن لإيتاء الزكاة فوائد طيبة تعود على المزكي بالخير في الدنيا وفي الآخرة: يقول العلامة السعدي ﵀ في ذكر فوائد الزكاة: إنها أعظم شعائر الدين وأكبر براهين الإيمان، فإن النبي ﷺ قال: ((والصدقة برهان)) أي: برهان على إيمان صاحبه ودينه، ومحبته لله حيث جاد لله بماله المحبوب للنفوس، ومنها أنها تُزكي وتنمي المعطي والمعطى، وتنمي المال الذي أخرجت منه، فليست فائدة الزكاة قاصرة على المزكي المعطي، بل إن فائدتها تشمل المزكي المعطي والفقر المُعطَى، أما تزكيتها للمعطي فإنها تزكي أخلاقه وتطهره من الشح والبخل والأخلاق الرذيلة، وتنمي أخلاقه فيتصف بأوصاف الكرماء المحسنين الشاكرين، فإن إيتاء الزكاة من أعظم الشكر لله.
والشكر دائمًا معه المزيد كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: ٧)، والزكاة تنمي الأجر والثواب، فإن الزكاة والنفقة تضاعف أضعافًا كثيرة بحسب إيمان صاحبها وإخلاصه ونفعها ووقوعها موقعها، وهي تشرح الصدر وتفرح النفس، وتدفع عن العبد من البلايا والأسقام شيئًا كثيرًا، فكم جلبت من نعمة دينية ودنيوية، وكم دفعت من نقم ومكاره وأسقام، وكم خففت الآلام، وكم أزالت من عداوات وجلبت مودة وصدقات، وكم تسببت لأدعية مستجابة من قلوب صادقات، وهي أيضًا تنمي المال المخرج منه، فإنها تقيه الآفات وتحلّ فيه البركة الإلهية؛ ففي الحديث عن النبي ﷺ قال: ((ما نقصت صدقة من مال)). لا، والله ما نقصت صدقة من مال، بل الصدقة تزيد المال، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ: ٣٩).
стр. 68
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: ((ما من صباح يوم إلا وينزل ملكان يقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا)) فهذا بعض فوائد الزكاة للمعطي الذي يجود بها.
أما نفعها للمعطى؛ فإن الله قد أمر بدفعها للمحتاجين من الفقراء والمساكين، والغارمين، وفي الرقاب، وللمصالح التي يحتاج المسلمون إليها، فمتى وضعت في محلها اندفعت الحاجات والضرورات، واستغنى الفقراء أو خف فقرهم، وقامت المصالح النافعة العمومية، فأي فائدة أعظم من ذلك وأجل. فلو أن الأغنياء أخرجوا زكاة أموالهم، ووضعت في محالّها لقامت المصالح الدينية والدنيوية، وزالت الضرورات، واندفعت شرور الفقراء، وكان ذلك أعظم حاجزٍ، وسدٍّ يمنع عبث المفسدين، ولهذا كانت الزكاة من أعظم محاسن الإسلام لما اشتملت عليه من جلب المصالح والمنافع ودفع المضار.
الركن الثالث بعد الصلاة: الصيام
أما العبادة الرابعة فهي الصيام: صيام رمضان، وصيام رمضان واجب بالكتاب والسنة وإجماع الأمة قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣ - ١٨٥).
стр. 69
وقد عدّه النبي ﷺ ركنًا من أركان الإسلام كما في الحديث المشهور: ((بني الإسلام على خمس: شهادة إلا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)).
وقد أجمعت الأمة على أن صوم رمضان أحد أركان الإسلام، وفضل الصيام عظيم؛ فلقد كان النبي ﷺ يحثّ أصحابه على الصيام ويبين لهم فضله وثوابه، ومما أُثر عنه ﷺ في ذلك قوله: ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه))، وقال ﷺ : ((كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله : إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي)). ((للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك))، وقال ﷺ : ((إن في الجنة باب يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد)). وقال ﷺ : ((الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي ربي منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: أي ربي منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان)).
فعلى المسلمين والمسلمات أن يحافظوا على صيام شهر رمضان، وأن يصوموه إيمانًا واحتسابًا ((فمن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه))، وعليهما أن يعودا صبيانهما الصيام من صغرهم ليعتادوا على الصيام، فلا يشقّ عليهم إذا صار واجبًا عليهم بعد البلوغ، كما كانت تفعل نساء أصحاب رسول الله ﷺ .
стр. 70
عن الربُيّع بنت معوذ قالت: أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار ((من أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائمًا فليصم، قالت: فكنا نصومه بعدُ، ونصوّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهما على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار)).
هذا؛ وإن للصيام أحكامًا فقهية مردّها إلى علم الفقه، لكننا نقول: إن للصيام آدابًا يستحب للصائم أن يأخذ نفسه منها، ومن أهمها الكفّ عن اللغو والرفث ونحوهما مما يتنافى مع الصوم، وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: ((إذا كان يومُ صومِ أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله؛ فليقل إني صائم))، وعنه ﵁ قال رسول الله ﷺ : ((من لم يدع قول الزور والعمل، فليس الله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه))، وقد أثر عن بعض السلف أنه قال: "إذا صمت، فليصم سمعك وبصرك ولسانك، وليكن عليك يوم صومك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".
هذا؛ وإن للصيام فوائد تعود على الصائمين أعظمها ما صرّح به ربنا في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣)، فذكر تعالى للصوم هذه الفائدة العظمى، المحتوية على فوائد كثيرة، وهي قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي: ليكون صيام وسيلة لكم إلى حصول التقوى، ولتكونوا بالصيام من المتقين، وذلك أن التقوى اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من فعل المحبوبات لله ورسوله، وترك ما يكرهه الله ورسوله.
стр. 71
فالصيام هو الطريق الأعظم لحصول هذا الغاية الجليلة التي توصل العبد إلى السعادة والفلاح؛ فإن الصائم يتقرب إلى الله بترك ما تشتهي نفسه من طعام وشراب، وتوابع ذلك؛ تقديمًا لمحبة الله على محبة النفس، ولذلك اختص الله تعالى لنفسه الصيام من بين سائر الأعمال، فقال: ((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزِي به)).
وبالصيام يزداد الإيمان ويتمرّن العبد على الصبر النفسي الدافع لاندفاع النفس البهيمية في شهواتها الضارة، وبالصيام يستعين العبد على كثير من العبادات من صلاة وقراءة وذكر وصدقة، ويرجع النفس عن الوقوع في الأمور المحرمة من أقوال وأفعال، وذلك من أصول التقوى، وبالصيام يعرف العبد نعمة الله عليه في أقداره على ما يتمتع به من مأكل ومشرب ومنكح وتوابع ذلك، فالامتناع منها في وقت وحصول المشقة بذلك، وإباحته في بقية أوقاته يذوق طعم الجوع والظمأ، ويعرفه مقدار النعمة ويحنو على إخوانه المعدمين الذين لا يكادون يجدون القوت دائمًا.
وبالصيام يكون العبد صابرًا على الطاعات، وعن المخالفات، وعلى أقدار الله المؤلمة بصبره عن المفطرات التي يؤلم النفس تركها، ويكون من الشاكرين لله بمعرفة مقدار نعمة الله عليه بالسعة والغنى، وبنعمته الكبرى بتوفيقه للصيام.
وقد أخبر النبي ﷺ أن الصيام يُكفّر الذنوب المتقدمة كلها، وأن الله يحبه ويرضى عن صاحبه، ويعطيه أجرًا عظيمًا، وأن من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنّما صام الدهر، ومن صام من كل دهر ثلاثة أيام، فكذلك، فإن الحسنة بعشرة أمثالها، وذلك يعدل صيام الدهر، فضلًا من الله ومنة، ومن تيسير الله للصيام وتسهيله: أن الله تعالى شرعه في وقت واحد وشهر واحد؛ ليتفق
стр. 72
المسلمون كلهم على صيامه وتهون المشقة باشتراكهم في الصيام، فإن الاشتراك في العبادة له نفع عظيم، ومساعدة جسيمة، ولله في العبادات حكم وأسرار ولطف كبير، ولله الفضل وله الحمد والشكر والثناء الحسن الجميل.
الركن الرابع بعد الصلاة: الحج
الرابع من العبادات: الحج:
قال الله ﵎: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٩٦، ٩٧)، فالحج ركن من أركان الإسلام وفريضة من فرائضه كما هو مشهور في حديث ابن عمر: ((بُني الإسلام على خمس: شهادة إلا إله الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا)).
ومن رحمة الله ﵎ بعباده المؤمنين أنه لم يوجب عليهم الحج إلا مرة واحدة في العمر واشترط لوجوب الحد الاستطاعة؛ فقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فالحج واجب على كل مسلم بالغ عاقل حرٍّ مستطيع، وتتحقق الاستطاعة بأمن الطريق والصحة، وملك النفقة التي تكفيه لذهابه وإيابه؛ شريطة أن تكون فاضلة عن حاجته وحاجة من تلزمه نفقتهم، من امرأة، وولد، وخادم، ونحو ذلك.
ويُشترط في حق المرأة أن تكون مستطيعة أن يصحبها زوج أو محرم، فعن ابن عباس ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((لا يخلونّ رجل بامرأة إلا
стр. 73
ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إني امرأتي خرجت حاجّة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال ﷺ : انطلق فحج مع امرأتك)). فالاستطاعة في حق المرأة مشروطة بالشروط المذكورة في حق الرجل، وتزيد عليه أن يصحبها زوج أو محرم؛ لنهي النبي ﷺ المرأة أن تسافر وحدها.
والمحرم هو: من يحرم على المرأة أبدًا كالأب والابن، والأخ وابن الأخ وابن الأخت، ونحوهم مما حرم الله علي النساء، كما ذكر ذلك في كتابه، ومتى تحقَّقت الاستطاعة في حق المسلم أو المسلمة؛ وجب المبادرة بالحج من العام نفسه؛ فإن الحج في أرجح أقوال العلماء واجب على الفور لا على التراخي؛ لقول النبي ﷺ : ((من أراد الحج فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة وتعرض الحاجة))، والله سبحانه يقول: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (لقمان: ٣٤)، والزمان أكبر شاهد على ضرورة التعجل بالحج؛ ففي كل عام تتغير القوانين وتزيد التكاليف، فالسعيد الموفق من عجل بتبرئة ذمته بأداء فريضة ربه ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
هذا؛ وإن للحج فقهًا يُعرف من كتب الفقه إن شاء الله تعالى، لكننا نقول: إن الحج كعبادة الله فرضها الله على المسلمين المستطيعين كما بينا في هذه العبادة فوائد عظيمة، بيّنها العلامة السعدي ﵀ فقال: قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، وأخبر النبي ﷺ أنّ الحجّ أحدُ أركان الإسلام ومبانيه العظام، وأن من حج البيت فلم يرفث، ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وكل هذا في الصحيحين.
стр. 74
وأخبر ﷺ أن الحج والعمرة ينفيان الذنوب والفقر كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وورد في فرضه وفضله وثوابه أحاديث كثيرة، وذلك لما فيه من المنافع العامة والخاصة، وقد بيَّن ربنا مجمل حكمه ومنافعه حيث قال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (الحج: ٢٧، ٢٨) أي: منافع دينية واجتماعية ودنيوية، وقال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ (المائدة: ٩٧)، فإن به تقوم أحوال المسلمين، ويقوم دينهم ودنياهم، فلولا وجود البيت الحرام في الأرض وعمارته بالحج والعمرة والتعبدات الأخرى؛ لآذن هذا العالم بالخراب.
ولهذا كان من أمارات الساعة واقترابها هدم البيت الحرام بعد عمارته وتركه بعد زيارته؛ فإن الحج مبني على المحبة والتوحيد الذي هو أصل الأصول كلها، فإن حقيقته استزارت المحبوب لأحبابه، وإيفادهم إليه؛ ليحظوا بالوصول إلى بيته، ويتمتعوا بالتذلل له والانكسار له في مواضع النسك، ويسألوه جميع ما يحتاجونه من أمور دينهم ودنياهم؛ فيجزل لهم من قراه ما لا يصفه الواصفون، وبذلك تتحقق محبتهم لله، ويظهر صدقهم بإنفاق نفائس أموالهم، وبذل مُهَجهم في الوصول إليه.
فإن أفضل ما بذلت في الأموال، وأتعبت فيه الأبدان، وأعظمه فائدة وعائدة ما كان في هذا السبيل، وما تُوسّل به إلى هذا العمل الجليل، ومع ذلك فقد وعدهم بإخلاف النفقات، والحصول على الثواب الجزيل والعواقب الحميدة.
ومن فوائد الحج: أن فيه تذكرة لحال الأنبياء والمرسلين، ومقامات الأصفياء المخلصين، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة: ١٢٥)،
стр. 75
والصحيح في تفسيرها أن هذا عام في جميع مقاماته في الحج من الطواف وركعتيه، والسعي والوقوف بالمشاعر، ورمي الجمار، والهدي، وتوابع ذلك. ولهذا كان ﷺ يقول في كل مشعر من مشعر الحج: ((خذوا عني مناسككم)).
فهو تذكير بحال إبراهيم الخليل والمصطفين من أهل بيته، وتذكير بحال سيد المرسلين وإمامهم ومقاماته في الحج التي هي أجل المقامات، وهذا التذكير أعلى أنواع التذكيرات؛ فإنه تذكير بأحوال عظماء الرسل إبراهيم، ومحمد ﷺ ومآثرهم الجليلة، وتعبداتهم الجميلة. والمتذكر بذلك مؤمن بالرسل معظم لهم، متأثر بمقاماتهم السامية، مقتضيًا بآثارهم الحميدة، ذاكرٌ لمناقبهم وفضائلهم فيزداد به العبد إيمانًا ويقينًا.
كما أن الحج شُرع لما فيه من ذكر الله الذي به تطمئن القلوب، ويصل به العبد إلى أكمل مطلوب.
ومن فوائد الحج: أن المسلمين يجتمعون في وقت واحد، وموضع واحد على عمل واحد، ويتصل بعضهم ببعض، ويتم التعاون والتعارف، ويكون وسيلة للسعي في التعرف المصالح المشتركة بين المسلمين والسعي في تحصيلها بحسب القدرة والإمكان، وبذلك تتحقق الوحدة الدينية، والأخوة الإيمانية، ويرتبط أقصى المسلمين بأدناهم، فيتفاهمون، ويتعارفون، ويتشاورون في كل ما يعود بنفعهم، وبذلك يكتسب العبد من الأصدقاء والأحباب ما هو أعظم المكاسب، ويستفيد بعضهم من بعض.
وأما توابع ذلك من المصالح الدنيوية بالتجارات والمكاسب الحاصلة في مواسم الحج، ومواضع النسك، فإنها تفوق العدّ، وكل هذا داخل في قول ربنا: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (الحج: ٢٨). إنه لموسم عظيم لا يشبه شيء من مواسم
следующие страницы →