← Акыда

Акыда · id 122091

العقيدة السلفية فى كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية

عبد الله الجديع

Полный текст (417 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

العقيدة السلفية فى كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية تأليف عبد الله بن يوسف الجديع دار الإمام مالك دار الصميعي للنشر والتوزيع

стр. 2

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الثانية ١٤١٦هـ - ١٩٩٥مـ دار الإمام مالك الرياض - هاتف: ٤٢٤٠٢٣٥ ص ب: ٣٢٥٠٣ - الرمز البريدي: ١١٤٣٨ المملكة العربية السعودية دار الصميعى للنشر والتوزيع هاتف وفاكس: ٤٢٦٢٩٤٥ الرياض - السويدى - شارع السويدي العام ص. ب: ٤٩٦٧ - الرمز البريدى ١١٤١٢ المملكة العربية السعودية

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4

مدخل وفيه أربعة أمور: = مقدمة الطبعة الثانية. = مقدمة الكتاب. = التنبيه على مسائل يحتاج إليها قبل الشروع فى المقصود. = مجمل خطة تأليف الكتاب.

стр. 5

مقدمة الطبعة الثانية إنَّ الحمدَ لله , نحمَدُهُ ونستعينُه ونستهديه، ونعوذ بالله من شُرور أنفُسِنا وسيَّئاتِ أعمالِنا، مَن يَهْدِه اللهُ، فَلَا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِل؛ فلا هاديَ له. وَأشْهَدُ أن لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وحدَه لا شَريكَ لهُ، وأشْهَدُ أن محمَّداً عبْدُهُ ورَسُولُهُ، ﷺ تَسليماً كثيراً. أما بعدُ: فلقد كان في حُسباني قبلَ صُدور الطبعة الأولى من هذا الكتاب أنَّهُ سَيُسَرُّ به أناسٌ، ويستاءُ منه آخرون، وذلكَ ما حَصل. أمَّا السُّرور, فكان لأهلِ السُّنَّةِ , لِمَا وجَدوا فيه من نَصْرِ اعتقادِ السَّلَفِ والأئمَّةِ من أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، وإبْطالِ البدَعِ في مسألةِ كلامِ الله التي هي أخطرُ مسائل الخِلافِ في الاعتقادِ بينَ أهَلِ القبلةِ، ولِما رأوْا فيه من الاجتهاد في جمع الأدلَّة وتحريرِها وشرحِها وبيانِها، ودَحْضِ الشُّبَةِ وأباطيلِ المبتدِعَةِ، مِمَّا توالَت بسبَبهِ من بعدُ إشاراتُ عديدٍ من أهلِ العلمِ والفَضْلِ عليَّ بالكتابةِ على لهذا النَّحو في سائر مسائل الاعتقادِ، خاصَّةً

стр. 6

المسائل الكبار, كمسألة إثبات العلوَّ، والرُّؤْيةِ، والقَدَر، وشِبهِها, ولَقِيَ الكتابُ في أنفُسِهم قَبولاً، فعوَّلوا عليه، وأشاروا به. وهذا كُلُّه من فضلِ الله تعالى ومَنَّهِ، فله الحمدُ وحدَه، وهو المسؤولُ أن يُوفِّقَ للسَّدادِ والصَّواب في الاعتقاد والقولِ والعمل. وأمَّا الاستياءُ؛ فكان من أهلِ البِدْعةِ، فضاقَت صُدورُهم به ذَرْعاً، وليسَ بضارَّني أن ينقِمَ عَلَىَّ مُبْتَدعٌ، فَذلكً سَبيلُهم، ولكن حَسبي من ذلكَ نَصرُ الشَّريعةِ والسُّنَّة. أمَّا هؤلاءِ, فأذَكِّرُهم بالله تعالى، وأقولُ: اتَّقوا اللهَ، وراجِعوا اعتقاداتِكُم، وصَوَّبوها بالأدلَّةِ والبَرَاهين لا بالتَّقليد، وتابعوا السَّلَفَ تَسْلَموا وتَغنَموا، ولا تغَرَّنَّكم جَلالةُ مُتَّبَعٍ فَتتَّبِعوهُ في الخطإِ، فَإنَّكم بذلكَ تُزْرونَ بالسَّلَفِ الذينَ هم أولي بالاتِّباعِ منهُ، وتُزْرونَ بأعيانِ الأئمَّةِ، كالأربعةِ السّادَةِ الفقهاءِ وغيرِهم، وإنِ ارتضَيْتُم مذاهبَهم في الفروعِ, فحريٌّ بكم ارتضاؤها في الأصولِ، وان كُنتم رأيتُم من صَنيعي هَدْمَ ما تربيتُم عليهِ سنين, فلأن تعودوا للصَّواب خيرٌ من تَماديكُم في الباطل وإقامَتِكم عليه، وتَدارُكُ أنفُسِكم بتقويمِ اعتقَاداتِكم وسلوكِ جادَّة السَّلَفِ خيرٌ لكم من أن تَلْقَوا رَبَّكم تعالى بانحرافِ العَقيدةِ. ثُمَّ بَعدُ, فإنْ كانَ لكم علمٌ, فقولوهُ، وإلا, فالصَّمتُ خيرٌ لكم، واعلَموا أنَّ صَدْري يتَّسعُ لخلافِكم، فاكتبوا لي وناقِشوا وناظِروا، والله يهدي من يشاءُ إلى صراطٍ مُستقيم. وهناك طَرَفٌ ثالثٌ أشرتُ إليه في مقدِّمة الكتاب الأولى، تُهمُّهم مَصائبُ المسلمينَ في المَعاش وأسباب الحياة، ويَغْفُلَونَ عن مصائبهم

стр. 7

بسَبَب جهلِهم بدينهم، وأنا مع هؤلاءِ في ضَرورةِ الاهتمام لأمرِ المسلمينَ، والاشَتغالُ في ذلك من أعظَم القُرَبِ، واسمُ الإِسلامِ وحدَهُ كافٍ في وجوب نُصرةِ من تَسمَّى بهِ، وبه يثبُتُ له الوَلاءُ العامُّ، فإنَّ الإِنسانَ اليومَ يُحارَبُ لمجرَّدِ انتمائِهِ إلَى هذا الدِّينِ، وعدوُّهُ لا يُبالِي من أيِّ الطَّوائِفِ كانَ، لكنَا حينَ نعتقدُ ذلِكَ لا نُجوِّزُ الاشتغالَ من أجلِ تخليصِهِ من الموتِ بيَدِ عَدوَّهِ الظَّاهر ثُمَّ نَدعُهُ لهواهُ وعدوَّه الباطنِ. وكُلُّ من يُهمُّهُ أمرُ المسلمينَ يُدرِكُ هَلْهَلَةَ وخلخلةَ الصَّفَّ الإِسلامي، ولكنْ ألا نَتساءلُ: لِمَ ذاكَ؟ لنُدْرِكَ أنَّها الأمراضُ في الاعتقاداتِ والسُّلوكِ والعملِ، وإلا, فلأيِّ شيءٍ يقتُلُ المسلمُ أخاهُ؟ إنَّنا نعتقدُ فَرْضاً على أهل الإِسلام الاشتغال بمُداواةِ النُّفوسِ بإصلاحِ العقيدةِ والعملِ والسُّلوكِ، ولا يشغلُهَم واجبٌ عن واجبٍ، فعدوُّ الباطنِ أفتَكُ من عدوَّ الظَّاهر. وكما يَجِبُ أن يجدَ المسلمُ أنصاراً من إخوانه يذبُّونَ عنه ويحمونَهُ يجب أن يجدَ منهم الأخذَ بيدِهِ إلى الصَّراطِ المستقيم، وحمايتِهِ من مُضلاتِ الهَوى وشَهواتِ الغيِّ. ولا يخفى أحداً ما دخلَ جانبَ العقيدةِ من الأهواءِ، وافترقت الأمَّةُ بسبَبِهِ شِيَعاً وتنازعت، ممَّا سَبَّبَ الفَشَلَ وذَهَابَ الرِّيح والهَزيمةَ، فلا بُدَّ أن يَنفرَ من أهلِ الاسلامِ طائفةٌ تقومُ بالإِصلاحِ لما فَسَدَ وتصحيحِ الانحرافِ، لا بالدَّعاوى الفارغةِ الكاذبةِ، وإنَّما بالعملِ الذي يُرى في النَّاسَ أثرُةُ. ولا أحسَبُ أنَّنا نختلفُ في هذا المبدإ.

стр. 8

وعليهِ , فتناولي لقضيَّةٍ تُعَدُ من أبرزِ مسائل الاعتقادِ وأشدَّها خُطورةً من بابِ الاشتغالِ بأداءِ الواجبِ في تصحيح عقائد المسلمينَ. ومن الناسِ من يقولُ: لا يلزمني معرفةُ العقائدِ المُبْتَدعةِ والاشتغالُ بتعلُّمِها، ويكفيني أن يكونَ اعتقادي هو اعتقادَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ المأثورَ عن السَّلَفِ. فأقولُ: نعم؛ الأمرُ كذلكَ إذا تيقَّنتَ الصَّوابَ من عقيدةِ السَّلَفِ، وأخذتَها عن أهلِها لا عمَّن ينسبونَ إليهم الاعتقاداتِ المُبتَدَعة يلبِسونَ بها على النَّاس، فإن حصَّلْتَ ذلكَ لم يلزمْكَ معرفةُ اعتقادات الطوائف، واللهُ ﵎ إنما كلَّفَكَ باتِّباع ما بعثَ به نبيَّهُ ﷺ من الهُدى ودينِ الحقِّ قبلَ البدَعِ والأهواِءِ، واتِّباعِ سبيلِ المؤمنينَ، وإلا كانَ الأمرُ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. وكتابي لهذا ليسَ في الردِّ على الطَّوائِف المُبْتَدِعَةِ فَحَسْب، بل الأصلُ في وضعِهِ شَرْحُ اعتقادِ السَّلَف، وقد صدَّرْتُهُ بذكر العقيدة السَّلفيَّة مُبيَّنةً بأيسر عبارةٍ، ببُرهانِها من الكتابِ والسُّنَّةِ وتفسيرِ السَّلفِ، ممَّا يلزمُ أهلَ الإِسلامِ اعتقادُه، ثُمَّ بعدَ ذلِكَ عَرَّجتُ على ذكرِ ما يُضادُّها ويُخالفُها، ممَّا يجدُرُ بكَ أن تَعْلَمَهُ، فإن لم تحرِص عليهِ. فهو لمن يهمُّه من الدُّعاةِ أهل السُّنَّة المشتغلينَ بتصحيح عقائد المسلمينَ، أو لمن جانَبَ الصَّوابَ من أَهلِ البدْعَةِ إقامةً للحجَّة ودَحضاً للباطلِ. ومن هؤلاءِ الناسِ من حدَّثني قائلاً: لقد شَدَّدتَ في كتابِكَ على الأشعريَّةِ خاصَّةً أكثر من غيرِهم!

стр. 9

فقُلتُ: نعم , لعموم البَلوى باعتقادِهم. وربَّما عَدَّى البعضُ ذلكَ التَّشديد إلى الأعيانِ، لكني نبَّهتُ في خاتمة كتابي هذا على أنَّ الحُكمَ على العقائد والطَّوائف لا يلزَمُ منه الحكمُ للمعَّينِ من الناسِ ممَّن ينتسبُ إليها. وأنا إنَّما ناقشْتُ العقائدَ لا الأفرادَ، ولذا تجدُ في كتابي هذا إطلاقَ ما أطْلَقَهُ أئمَّةُ السُّنَّة: (من قالَ كذا, فهوكافر) ,ولكنَّكَ لن تجدَ حُكمي على قائلٍ مُعيَّنٍ بالكُفر. نعم؛ قد نقلتُ أنَّ من السَّلَفِ مَن كَفَّرَ بعضَ أعيانِ الأفراد، غير أنَّ ذلكَ فيما عَلِموهُ وقامَت لهم به الحُجَّةُ على مَن كفَّروهُ، وإلا, فالأصلُ: أنَّ مَا اختلف فيهِ أهلُ القِبلةِ من العقائد، قد تكونُ العقيدةُ منه لا تُخرِجُ عن أهلِ السُّنَّةِ فحسْب، بل تُخرِجُ من الإِسلامِ كُلِّهِ، غير أنَّ هذا الحكمَ على العقيدةِ لا على عَيْنِ معتقِدِها, لجوازِ أن يكونَ معذوراً. ومِن أبطلِ الباطلِ وأظلمِ الظلمِ تنزيلُ النُّصوصِ العامَّةِ في التَّكفير وشِبهِهِ على الأعيانِ من المسلمينَ لمُواقَعَتِهم لذلكَ، خاصَّةً في هذا الزَّمَانِ لغَلَبَةِ الجَهْلِ، قبلَ أن تقومَ عليهِ الحُجَّةُ الشُّرْعِيَّةُ ممَّن هو أهلٌ لإقامَتِها, لا من الصبيانِ في العِلمِ وأتباعِ الخوارج، وتكون الحُجَّةُ قد بلغَت وفَهِمَها المُبَلَّغُ، في تفصيلٍ ليسَ لهذا موضعُهُ. والمرادُ أنَّ ما تناولتُ به أهلَ البدَعِ إنَّما هو الاعتقاداتُ والأقوالُ، معَ أنِّي أرى الوَصْفَ بالبدعةِ لمُواقِعِها ليسَ من بابِ (الحكمِ للمعَّين بالكُفر) لتعدّي الحُكم بالكُفر إلى الباطِن، بخِلافِ البِدْعَةِ؛ فإنَّها حكمٌ على

стр. 10

الظاهرِ من الأقوالِ والأفعالِ، والكلامُ في ذُلكَ كالكلامِ في تعديلِ الشُّهود وتفسِيقِهم، فإنَّهُ حكمٌ على الظاهر، والله أعلم. وثَمَّةَ نقدٌ خاصٌّ ورَدني عن بعض العُلَماء والفُضلاءِ، أذكرهُ مُجيباً عنه في نقاطٍ ثَلَاثٍ: * الأولى: ما ذكَرتُهُ هامشاً (ص٢٦٨ الطبعة الأولى) من إنكارِ قولِ من قالَ: "لأبي الحَسن الأشعري تحولان"، وتقريرِ أنَّهُ تحوَّلَ عن الاعتزالِ إلى اعتقادِ ابنِ كُلاّبٍ، وثَبَتَ على اعتقادِ ابنِ كُلاّبٍ، يحسَبُهُ اعتقادَ الإِمام أحمد بن حنبل، فأشارَ بعضُ الفُضلاءِ ممَّن يُصحِّحونَ ذلكَ عنه بمُراجعة ذلكَ أكثر. فأقولُ لكم أيُّها الأحبَّة: لقد بَحَثْتُ وَفتَّشْتُ فلم أجدْ في الحقيقة إلا ما يؤكِّدُ ما ذكرتُهُ، وما زادَني البحثُ إلا يقيناً بصحَّةِ ذلكَ، بل جعلَ عندي مَيلًا لإِفرادِهِ وعقائِدِهِ من كُتُبِهِ وكلام العارفين به بالتصنيفِ لإِطلاعكم على حقيقةِ أمرهِ في عموم مسائل الاعتقادِ. * الثانية: ما ذكَرْتُهُ (ص: ١٥٧، ١٥٨ الطبعة الأولى) في إثباتِ صفةِ السُّكوتِ، على معنى أنَّ الله تعالى يتكلَّم إذا شاءَ، والكلامُ متعلِّقٌ بمشيئتِهِ واختيارِهِ، ويسكتُ إذا شاءَ، وأوردتُ لذلكَ ما وردت بهِ السُّنَّةُ والأثرُ، وختمتُهُ بالنَّصِّ التالي: قال شيخ الإِسلام: "فثبتَ بالسُّنَّة والإِجماع أنَّ الله يوصَفُ بالسُّكوتِ" (مجموع الفتاوى ٦/ ١٧٩). والمأخذُ في هذا من جهاتٍ ثلاثٍ: ١) إثبات صفة السُّكوت، وأنَّ النصوصَ عليها غيرُ كافية.

стр. 11

هذا أورَده بعضُ الفُضلاء. وجوابه: إنْ كَانَ هذا الفاضلُ يعني أنَّهُ خبرُ آحاد، فهذا واسعٌ في هذه القضيَّة، وخبرُ الواحد المحتفّ بالقرائن يُفيدُ العلمَ، وأرى أنَّ القرائنَ قد أكًدتْهُ فيما ذكرتُ وأشرتُ إليه في موضعه. وإن وقع في نَفْسِهِ من جهة المعنى في إثباتِها؛ فهو من نفسِهِ أُتيَ، وإلا؛ فإنَّا نفهمُ أنَّ من تكلَّم باختياره ومشيئتهِ سكتَ باختيارِهِ ومشيئتهِ، وما دامَ اعتقادُنا هو تعلُّقُ الكلامِ بمشيئتِهِ ؛ فقد زالَ المَحذورُ. وقد ثبتَ عندنا الحديثُ به، فنُثْبتُهُ له تعالى كما نُثبِتُ له سائرَ صفاتِهِ، وأنَّهُ لا مِثْلَ له فيها، وقد ذكرتُ سلَفَي في إثباتِها، وما ائتمَمْتُ فيهِ بإمامٍ فليسَ عليَّ فيه من حَرَجٍ، ما دامت الحُجَّهُ من النَّصِّ قد قامَتْ عليه. ٢) حول النَّصِّ الذي أوردته عن شيخ الإِسلام قال أحدُ الفُضلاءِ عنِّي: "دلَّس فيه، وهذه خِيانةٌ علميةٌ، فإِنَّهُ أفهمَ أنَّ شيخ الإِسلام هو ابن تيمية، وهذه العبارة ليست من كلام ابن تيمية، إنما نَقَلَها ابنُ تيمية عن شيخ الإِسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهَرَوي). فأقولُ: ليسَ الأمرُ على ما توهَّمهُ الشَّيخُ الفاضلُ، فإنِّي أعني ابنَ تيميَّة حقيقةً، لم أدلِّس اللَّقبَ، وقد ذكرتُ في مقدِّمة كتابي أنِّي إذا ذكرتُ (شيخ الإِسلام). فإنِّما أعني ابنَ تيمية، وهذا النصُّ الذي ذكرتُ هو له لا لشيخِ الإِسلامِ الأنصاري، نعم؛ قد وردَ كلامُ ابن تيميةَ عقبَ كلام الأنصاري، إلا أنَّهُ مفصولٌ عنه، وبيانُ ذلك كما يأتي:

стр. 12

وردَ هذا النَّصُّ عقبَ النقلِ عن أبي إسماعيل الهَرَوي بعضَ النُّصوصِ في مسألةِ القرآن، وما وقع من الإِمام أبي بكر بن خُزيمةَ فيها مع بعض الأعيانِ، فأوردَ (مجموع الفتاوى ٦/ ١٧٧) قال: "وقال شيخ الإِسلام أبو إسماعيل ... "، ونقل من كتابه في اعتقاد أهل السُّنَّة، ثمَّ قال: "وقال شيخ الإِسلام أيضاً في كتاب مناقب الإِمام أحمد ... "، ثم قال: "إلى أن قال: ثم جاءت طائفة ... "، إلى أن قال: "قال شيخ الإِسلام: فطارَ لتلكَ الفتنة ذاكَ الإِمامُ أبو بكرٍ، فلم يزل يصيحُ بتشويهِها، ويُصنِّفُ في رَدِّها، كأنَّهُ مُنذِرُ جيشٍ، حتى دَوَّنَ في الدَّفاتر، وتمكَّنَ في السَّرائر، ولقَّنَ في الكَتاتيب، ونقَشَ في المحاريب: إنَّ اللهَ مُتكلِّمٌ، إن شاءَ تكلَّمَ، وإن شاءَ سَكَتَ، فجزى اللهُ ذاكَ الإِمامَ وأولئكَ النَّفَرَ الغرَّ عن نُصرةِ دينِهِ وتوقير نبيِّهِ خيراً. قُلتُ: في حديث سلمان عن النَّبي ﷺ : "الحلال ما أحلَّ اللهُ في كتابِهِ ... "". ثمَّ أخذَ في ذكر الأدلَّة المُثبِتة للسّكوت، ثمَّ ذكر عقب ذلك النَّصَّ الذي ذكرتُ، ثمَّ أخذَ في تفسيرِ السُّكوتِ، حتى قال (ص: ١٨٠): "ثم من تفلسف منهم كالغزالي في مشكاة الأنوار ... " الخ. فهذا فيه: ١ - تمييزُ ابن تيمية كلامَ الهَرَويّ في كلِّ فقرةٍ ينقلها بإضافتِها إليه صراحةً. ٢ - الفَصْلُ بينَ كلامهِ وكلامِ الهَرَويّ بقوله: (قلتُ)، وهذه اللفظة

стр. 13

ظاهرة من غير تكلُّف أنَّها له لا للهروي، ومن زعم أنَّها للهروي؛ فهي دعوى بخلاف الظاهر. ٣ - مَجيءُ ما بعد (قلتُ) على أسلوب ابن تيمية الذي يعرفُهُ كُلُّ مَن خبرَ كلامَه، مع بُعدٍ شديدٍ عن مُشابهة سياقة ما أورد ابنُ تيمية من كلام الهَرَويّ. ٤ - ذِكْرُ أبي حامد الغَزالي وكتابه، وهذا لا يتهيَّأ عادةً أن يكونَ للهَرَويّ، لمن تأمَّلَ ترجمةَ كُلٍّ منهما، ومتى مات الهرويُّ، ومتى ابتدأ اشتهار الغَزالي وشُروعه في التَّصنيف. وفي هذا كفايةٌ، وليحذر الشَّيخ الفاضلُ من العجَلة في الحكم. ٣) زعم فاضلٌ آخر أنِّي لم أتمَّ نقلَ كلام شيخ الإِسلام في هذه القضيَّة. وفي هذا إيهام من هذا الفاضل أنِّي كتمتُ من قولِهِ شيئاً له ضَرورةٌ في السِّياق، وليسَت الحقيقةُ كذلكَ، فإنَّ ابن تيميةَ أوردَ حَديثَي سلمان وأبي ثعلبةَ في إثباتِ صفةِ السّكوت، وأشارَ إلى كلام الفُقَهاء في دَلالة المنطوق والمسكوت، ثم قالَ العبارةَ التي ذكرتُها عنه، ثُمَّ قال: "لكن السكوتَ يكونُ تارةً عن التَّكلُّم، وتارةً عن إظهار الكلام"، ثمَّ وجَّه ذلكَ مستدلًا لمعنى السُّكوتِ لا في صفة الله تعالى، بل في عموم الكلام، ثمَّ ذكرَ أنَّ كِلا المعنيين للسكوتِ لا يصحّان على قولِ من لا يعتقد بتعلُّق كلامِهِ تعالى بمشيئته واختياره. وجميع هذا لا يَعنينا؛ لأنَّه ليس في صَدَدِ إثباتِ السُّكوتِ كصفةٍ،

стр. 14

فقد فرغَ من ذلكَ بما ذكرتُهُ عنه، وإنَّما كانَ في صَدَدِ مناقَشَةِ قولِ من لا يرى تعلُّقَ كلامِهِ تعالى بمشيئتهِ واختيارِهِ، و"الفتاوى" في متناول الجميع، فليُراجعها من شاءَ. * الثالثة: بلغني عن شيخٍ فاضلٍ آخر دعواه أنِّي أنقلُ من كلام الإِمام ابنِ القيِّم ﵀ في كتابي هذا ولا أسمِّيه موهِماً أنَّ ذلك من كلامي. وأقول: هذه دعوى جائرةٌ، فأنا في هذا الكتاب لم يكن من مَراجعي كتُب ابن القيم إلا قليلاً، مُعْتَمِداً على نقلِهِ عن بعضِ العُلماء، وقد عزوتُ ذلكَ في هامشِ كتابي، وسمَّيتُ مَصدرِي. وأنا يعلمُ اللهُ لم أعمدْ في شيءٍ من كُتبي أوتحقيقاتي إلى نقلِ كلامِ أحدٍ من أهلِ العلمِ ولا أسمِّيهِ، ولكن لكثرةِ ما أقرأ لبعضِ الأئمَّةِ كشيخ الإِسلام ابن تيميَّة مَثلًا فإنَّ بعضَ عباراتِهِم رُبَّما علقت في ذهني، ولا أستحضرُ حالَ الكتابةِ أنَّها لفُلانٍ، سواء كان معيّناً أو مُبهَماً، فتدخل ضمنَ سِياقَتي، وهذا أمرٌ واسعٌ في كِتابَةِ العِلْمِ، وما من إمامٍ من أئمَّتِنا ممَّن نأتَسي ونَقتَدي بهم إلا وله مثلُ ذلكَ كثيرٌ، وهذا لا يَعودُ بالتُّهمةِ عليهم، وما هو بعَيْبٍ، ويكذبُ في العلمِ من ادَّعى أنَّ مِثلَ ذلكَ لا يقعُ له إذا اشتغلَ بالتَّصنيفِ. هذا في الألفاظ. أمَّا المَعاني؛ فنحنُ لا نكادُ نتكلَّمُ بِشَيْءٍ لم نُسْبَق إليهِ، ولكنَّا نجتهدُ في إنشائِهِ.

стр. 15

وإنَّما الخيانةُ في العلمِ أن يُنْقَلَ الكلامُ البيِّنُ الفَصْل والذي لم يدخُلْهُ إنشاءُ الكاتِبِ من غيرِ عزْوٍ إلى قائلهِ. وإنِّي ليَحزُنُني كثيراً أن أجدَ شُيوعَ ذلكَ عندَ كثيرٍ من الكُتَّابِ والمؤلِّفينَ سابقاً ولاحقاً. وقابَلَ هؤلاءِ -وللأسفِ- طائفةٌ حملتْهم في الغالبِ خُصوماتٌ خاصَّةٌ على تتبُّعِ عَوراتِ خُصومِهم من الكُتَّاب، فأفحَشوا حتَّى عَدُّوا النَّقْلَ المَعْزُوَّ إذا كَثُرَ سَرِقَةً، وهذا ظُلْمٌ وإجحافٌ؛ فإنَّ عزْوَ الكلامِ إلى قائله يُبَرِّىءُ النِّيَّةَ ولا يلبسُ على القارىءِ. هذا جملةُ ما بلغني من صوَرِ النَّقدِ لكتابي، وقد عَلمتَ ما فيها، ولله الحمدُ والمِنَّةُ. وهذه هي الطبعةُ الجَديدةُ له، وهي الثانية، بعد أن نَفِدَت نُسَخُ طبعته الأولي، وكَثُرَ الإِلحاحُ على طلبِهِ، وقد أصلحتُ فيها بعض خلَل الإِنشاءِ في مواضعَ يسيرةٍ وقعتْ في نشرِتهِ السابقة، سِوى المقدِّمة؛ فقد أصلحتُ فيها بعضَ السِّياقةِ، وزِدتُ يَسيراً بما يُحقِّقُ المقصودَ ويُسدِّدُ القَوْلَ. وحريٌّ بالتَّنبيه أنِّي لا آذنُ بشر كتابي هذا لصالح أيِّ جهةٍ؛ إلا بإذنٍ مكتوبٍ صريح مِنِّي، ولم يصدُر من قبلُ بإذني إلا طبعةٌ واحدةً، على ظهر غلافِها عبارة (طبع في مطابع دار السياسة - الكويت). وقد طلبَ منِّي الإِذنَ بتصويرهِ بعضُ الإِخوة السَّلفيينَ بمصر والإِسكندرية بواسطة أحد الأصحاب، فذكرتُ أنَّنا بصَدَدِ إعادةِ نشرِهِ نشرةً

стр. 16

جديدةً، فلا يعجل الإِخوةُ بذلكَ، ففوجئتُ من بعدُ من قِبَلِ هذا الصاحبِ أنَّهم قد صوَّروا الكتابَ وباعوه بسعرِ التَّكلفةِ لحاجتهم الماسَّة إليه، فساءَني ما فعلوا، وما كنتُ أحبُّ منهم ذلكَ، ولكن قَدَّرَ الله وما شاءَ فعلَ، وإنِّي أحرِّجُ عليهم وعلى غيرهم مثل هذا الصَّنيع بغير الشَّرط الذي تقدَّم. وهذه الطبعة الثانية، أسألُ اللهَ تعالى أن يُبارِكَ فيها أكثرَ من سابقَتِها، وأن يكتُبَ لي بذلكَ القَبولَ عندَهُ ووالديَّ وأهلِ بيتِي، هو المُستعان وعليه التُّكلان. بريطانيا - ليدز في ١ محرم الحرام ١٤١٥ هـ الموافق ١١/ ٦/ ١٩٩٤ م وكتب أبو محمد عبد الله بن يوسُف بن عيسى اليعقوب الجُدَيع

стр. 17

مقدمة الكتاب الحمد لله؛ نحمدُهُ ونَسْتَعينُه ونَسْتغْفِرُهُ، ونعوذُ بالله من شرورِ أنْفُسِنا وسيّئاتِ أعمالِنا، من يهدِهِ الله؛ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل؛ فلا هادِيَ له. وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحدَه لا شريك لَه، وأشهدُ أنَّ محمّداً عبدُه ورسولُه ﷺ تسليماً كثيراً. أمَّا بعد ... فإنَّ الله امتنَّ على عبادِهِ أعظمَ المنَّةِ، فأرسلَ إليهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتِهِ، ويبصِّرُهم بسُبُلِ مَرْضاتِهِ، ويَهديهم بهِ إلى صِراطٍ مُستقيم، ولم يكنْ للعبادِ غُنْيَةٌ عن هذه النِّعمةِ؛ لأنَّهم لولاها لَوُكِلوا إلى عُقولهم وأهوائهم، ولو كانَ ذلكَ كذلكَ؛ لضَلّوا السَّبيلَ، وما أمكنَ أحَداً من الخَلْقِ أن يَعْلَمَ التَّحريمَ من التَّحليلِ، ولا الغيبَ من الشَّهادَةِ، ولا عُرِفَ ثَوابٌ ولا عِقابٌ، ولا بَعْثٌ ولا حِسابٌ، ولا تَمَيَّز حقٌ من باطل، ولا كُفْرٌ من إيمانٍ، ولا مَن يَعْبُدُ إبليسَ مِمّن يعبُدُ الرَّحمن، فيكونُ خلقُ الخَلْق عَبثاً لا حكمةَ وراءَه، وهذا المعنى يتنزهُ عنهُ الحَكيمُ الخَبيرُ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ. فَتَعَالَى الله الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا

стр. 18

هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]، ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧]. فكان الرسُلُ هم الحكّام على أقْوامِهم بما يُوحى إليهم من الشَّرائع؛ إذْ كانوا هم الوَسائطَ بين الرَّبِّ تعالى وبينَ سائرِ خَلْقهِ، يُبَلِّغون رِسالات ربّهم، ويقوّمون سلوكَ أقوامِهم. فلَمْ يَدَع العليمُ الخَبيرُ تقويمَ السُّلوك لعَقْل الإِنسانِ المجرَّد، وإنَّما جعَلَهُ أداةً يَعْقِلُ بها مُرادَ ربِّه تعالى؛ فهو تَبَعٌ لوَحْي الله وتشريعهِ، ليس له حَقُّ الابتداءِ والإِنشاءِ للأحكام والتَّشريع. وهذا المعنى أدركَه الرُّسلُ وأتباعُهم، فكانوا على الصِّراطِ المُسْتقيم، ورفَضَتْهُ طوائفُ من الخَلْق، فخرَجوا عن طريقةِ الرّسل، وحادُوا عن الحَقّ المُبين. ولقَدْ علَّق ربُّنا تعالى النجاةَ والفلاحَ والفوزَ بطاعةِ الرَّسولِ ﷺ واتّباعِهِ: كما قال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥١ - ٥٢] وكما قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].

стр. 19

وكما قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]. وكما قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١]. وقال النَّبِيُّ ﷺ : "كُلُّ أمَّتي يدخلون الجنَّةَ إلَّا مَنْ أبى". قالوا: يا رسولَ الله! ومَن يأبى؟ قال: "مَن أطاعَني دخلَ الجنَّةَ، وَمَن عَصاني فقَدْ أبى" (١). وقال ﷺ : "إنَّ مَثَلي وَمَثَلَ ما بعَثَنَي الله بهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أتى قَوْمَهُ، فقالَ: يا قَوْم! إنّي رأيتُ الجيشَ بِعَيْنَىَّ، وَإنّي أنا النَّذيرُ العُرْيانُ؛ فالنَّجاءَ! فأطاعَهُ طائفةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فأدْلَجوا، فانطَلَقوا على مُهْلَتِهِمْ، وكذّبَتْ طائفةٌ منهم، فأصبحوا مكانَهم، فصبَّحَهم الجَيْشُ، فأهلكَهم واجْتاحَهم؛ فذلك مَثَلُ مَنْ أطَاعَني واتَّبَعَ ما جئتُ بهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصاني وَكَذَّبَ ما جِئْتُ بهِ مِنَ الحقّ" (٢). فهما طريقانِ: اتِّباعُ الرَّسولِ ﷺ وطاعَتُهُ، أو اتِّباعُ الهَوى، وليسَ من

стр. 20

سَبيلٍ إلى ثالثٍ، فمَن لم يتَّبعِ الرَّسولَ ﷺ ؛ فلا بُدَّ أنْ يَتَّبعَ الهَوى، وقدْ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. فاتِّباعُ مَحْضِ العُقولِ دونَ ما جاءَ به الرَّسولُ اتِّباعٌ للهَوى، وعُدُولٌ عنِ الصِّراط المُستقيم. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. فالصِّراطُ المستقيمُ واحدٌ، والحَيْدُ عنه يكونُ إلى سُبُلٍ متشعِّبةٍ، ولقَدْ صوَّر ذلكَ النَّبيُّ ﷺ أحسَنَ تصويرٍ بأحْسَنِ عِبَارةٍ؛ فعن عبد الله بن مَسعودٍ ﵁ قال: خَطَّ لَنا رَسولُ اللهِ ﷺ خطّاً، ثُمَّ قالَ: "هذا سبيلُ الله". ثمَّ خَطَّ خُطوطاً عن يَمينهِ وعن شِمالِه، ثمَّ قال: "هذه سُبُلٌ مُتفرِّقةً، على كلِّ سَبيلٍ منها شيطانٌ يَدْعو إليه". ثُمَّ قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٣).

стр. 21

ولقد كانتْ هذِهِ الأمَّةُ مرحومةً في أوَّلِ عَهدِها، جَمَعَها الله على الهُدى، وألَّفَ بين قُلوبِ أفرادِها، وحَماها من الهَوى، حيثُ استقامَت على طاعةِ الله ورسولِهِ ﷺ ، أولئكَ أصحابُ النَّبِيِّ ﷺ ، لمْ يكونوا يَعْرِفُونَ غيرَ اتِّباعهِ وتَوْقيرهِ واتِّباع النُّور الَّذي أنْزلَ معَهُ، مُستسلمينَ لِما جاءَ به من الحقّ، لم يكنْ لهم قوْلٌ معَ قولِهِ، ولا اعتراضٌ على حكْمهِ. وصَدَق عبد الله بن مسعود ﵁ حين قالَ: "إنَّ الله نَظَرَ في قلوبِ العِبادِ، فوجَدَ قلبَ محمّدٍ ﷺ خيرَ قلوبِ العبادِ، فاصْطَفاه لِنَفْسِهِ، فابتعثَهُ برسالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ في قُلوبِ العبادِ بَعد قَلْبِ محمّدٍ، فوَجَدَ قلوبَ أصحابِهِ خيرَ قلوبِ العبادِ، فجعَلهمَ وُزراءَ نبيِّهِ، يقاتِلَونَ على دينِهِ، فما رَأى

стр. 22

المسلمون حَسَنًا؛ فهو عندَ الله حَسَنٌ، وما رَأوْا سيئًا؛ فهو عند الله سيّئٌ" (٤). فَخَلَفَ من بَعْدِهم خَلْفٌ لم يَقْنَعوا بوَحْي الله وتشريعِه، ورَأوْا هناكَ حاجةً إلى التَّصحيحِ والزِّياةِ والحَذْفِ، فأعْمَلوا العقولَ في الوَحي المَعصوم، واستدْرَكوا على أحكام الحيِّ القيّوم، ففرَّقوا دينَهم وكانوا شِيَعًا، فتشعَّبَتِ السُّبُلُ بالناس، ووقع ما كانَ يخشاهُ النَّبيُّ ﷺ على أمتهِ من أئمَّةِ الضَّلالةِ: كما قالَ: "إنَّما أخافُ على أمَّتي الأئمةَ المُضِلِّين" (٥).

стр. 23

وكَما قال: "إنَّ مِمَّا أخشى عليكم شهَواتِ الغَيِّ في بُطونِكم وفُروجِكم ومُضلَّاتِ الهوى" (٦). فوقَعَ الاختلافُ، وعظُمَ في الأمَّةِ، فأعْرَضَ أكثرُها عن الكتابِ، وضَرَبَ آخرونَ آياتِهِ ببعْضِها، وجادَلوا بالباطِل ليُدْحِضوا به الحقَّ، وزيَّنَ ذلكَ إبليسُ في أعيُنِهم فرَأوْه حَسَنًا، وحسِبوُه عَيْنَ العَقْلِ والاستقامةِ. ولقَدْ أخبرَ المعصومُ ﷺ عمَّا تؤولُ إليه حالُ الأمَّةِ من بعدِه، ودلَّ على ما فيهِ النَّجاةُ والسَّلامةُ: فعَن العرباض بن ساريةَ ﵁؛ قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ الصُّبحَ ذاتَ يوم، ثمَّ أقبلَ علينا، فوعَظَنا مَوْعظةً بليغة؛ ذَرَفَتْ منها العُيونُ، وَوَجِلَتْ منها القُلوبُ، فقال قائلٌ: يا رَسولَ الله! كأنَّ هذه مَوْعظةُ مُوَدِّعٍ؛ فماذا تعهَد إلينا؟ فقال: "أوصيكُمْ بِتَقْوى الله، والسَّمْعِ والطَّاعةِ،

стр. 24

وإن كانَ عبدًا حَبَشيًّا؛ فإنَّهُ مَن يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي؛ فسَيرَى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكمْ بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشدينَ المَهْديِّين؛ فتمسَّكوا بها، وعضّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكُمْ ومُحْدَثاتِ الأمورِ؛ فإنَّ كلَّ مُحْدَثةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلةٌ" (٧). فأنبأ أنَّ أمَّتَهُ ستختلفُ من بعدهِ اختلافًا عَظيمًا، وما ذلك الاختلافُ إلاَّ بسَبَبِ ما يَدْخل علَيْها من البِدَع والأهواءِ. وأنْبأ أنَّ المَخْرَجَ من ذلكَ الاعتصامُ بِسُنَّتهِ وسُنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ من بعدِه، ذلك لأنَّهم على الهُدى المُستقيم. وحذَّرَ من سَبيلِ المُتفرِّقين المختلِفين أهْلِ الأهواءِ والبِدَع. ولو كان هناكَ سبيلُ سَلامةٍ يُصارُ إليه غيرُ هذا الذي ذكَرَ؛ لدَلَّ عليه أمَّته، ولأرشَدَهم إليه؛ لِما وصفه الله تعالى به حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، فكان في هذا حُجَّةٌ على أنَّ السَّلامةَ لا تكونُ إلاَّ باتِّباعِ السُّنَّة وسَبيلِ السَّلَف، وتَرْكِ البدَع وسُبُلِ الخَلَف. وَلَقَدْ أنْبأنَا عن تَفَرُّق هذه الأمَّةِ من بعْدهِ، ودلَّ على طائفةِ أهْلِ الحَقِّ ليُحْتذى مِثالُها، فقالَ: "ألاَ إنَّ مَنْ قبلَكُمْ من أهْلِ الكتابِ افْتَرقوا على ثنتين وسَبعين مِلَّة، وإنَّ هذهِ المِلَّةَ ستفترقُ على ثَلاثٍ وسَبعين، ثنتانِ وسبعونَ في النَّارِ، وواحدةٌ في الجَنًةِ، وهي الجَماعةُ، وإنّه سَيخرجُ مِنْ

стр. 25

أمَّتي أقْوامٌ تَجارى بهمْ تِلكَ الأهواءُ كما يَتجارى الكَلَبُ لصاحبهِ (أو: بصاحبهِ) لا يَبْقى منه عِرْقٌ ولا مَفْصِلٌ إلاَّ دَخَلَه" (٨). وإنَّمَا عَظُمَ شَرُّ هذه الطوائفِ بِسَبَبِ ما خرَجوا به عن الشَّريعةِ، من الخَوْضِ في آياتِ الله بغيْرِ الحقّ، والقَوْلِ على الله بِغيْرِ علْمٍ، وتحريفِ الكَلِم عن مَواضِعِه، ففارَقوا بذلكَ الكتابَ والسُّنَّة، وارْتَضَوا لأنفُسِهم مناهِجَ مِن وضْع عُقولِهم وإمْلاءِ أهْوائِهم، وعصَمَ الله طائفةَ أهلِ الحقِّ باتِّباع الرَّسولِ ﷺ وما جاءَ به وما كانَ عليه الجَماعَةُ أصحابُ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لأنَّهُمْ رَأوا ضَلاَلَ سائِر الطَّوائفِ وخُروجَها عن مَنْهَجِ الصَّحابَةِ الكِرام الذين كانوا أعْلَمَ الأمَّةِ بما جاءَ به الرَّسولُ ﷺ ، وأبعدَها عن مُحْدَثاتِ الأمورِ، فرفَعَ الله بهذِهِ الطائفة لِواءَ أهْل السُّنَّةِ والجَماعةِ، وَقَمَعَ بهم أهْلَ البِدَع، فأظْهروا دلائلَ الوَحْي الشَّريفِ، وأبانوا عنها بالفَهْمِ السَّديدِ، وصَوَّبوها سِهامًا على المُبْتَدِعَةِ في الأصولِ والفُروعِ، ولم يكن لهم أسوةٌ يأتَسون به إلَّا رسول الله ﷺ ، ولا طائفةٌ ينْتَمونَ إليها إلاَّ أهْل السُّنَّة والجَماعةِ، ولا خُطَّةٌ يَنْتَهِجونها إلاَّ خُطَّة سَلَفِهم أصحاب النَّبِيِّ ﷺ ، والتابعينَ لهم بإحسانٍ، فكانوا بهذا أقْوَمَ النَّاسِ سبيلًا، وأحْسَنَهم طَريقًا. ولقدْ كانَ من أعْظَم ما حصَلَ فيه الاختلافُ ما أحْدثَتْهُ المُبْتَدعةُ من

стр. 26

الخَوْضِ في ذاتِ الله تعالى وأسْمائِهِ وَصِفاتِهِ، بل كانَ هذا أعْظَمَ ما وقَعَ من الفِتَنِ التي ابتُليت بها هذهِ الأمَّةُ، فحصَلَ إلحادُ طوائفَ في أسماءِ الله وصفاتهِ، وتكذيبٌ لِما جاءَ به الرَّسولُ ﷺ ، ورَدٌّ للمَقطوع به من شَرائعِ المُرْسَلينَ، مما وقَعَ به شرٌّ عَظيمٌ، وفَسادٌ كبيرٌ. وكانَ من أخَصّ تلكَ القضايا التي طارَ في الأمَّة شَرَرُها، وعَظُمَ في النَّاس خَطَرُها، ما أحْدَثَتْهُ الجَهميةُ -أضلّ الطوائفِ الخارجةِ عن أهْلِ الحق- من وصْفِ الباري تعالى بالنقائِص، وتعْطيلِ صفاتِ الكَمال التي أثْبَتَها لنفسهِ، وأثبَتَها له رسولُه ﷺ ، أشدّ ممَّا وقَعَ من اليهودِ والنَّصارى. ومِن أبْرَزِ ذلكَ اعتقادُهم أن لا كلامَ لله على الحَقيقة، فسَوَّوْهُ بالأصنام التي لا تَرْجِعُ لعابِديها قَوْلًا، ولا تَمْلِكُ لهم ضَرًّا ولا نَفْعًا. وأرادوا بذلك إبطالَ الرِّسالةِ؛ فإنَّ الرُّسُلَ إنَّما بُعثوا ليبلّغوا رسالاتِ الله؛ فحين ينتفي أن يكونَ لله كلامٌ؛ فقد انتفى أنْ يكونَ لَه وَحْيٌ؛ لأنَّ الذي يُوحى إنَّما هو كلامُه وتشريعُه، وإذا انتفى أنْ يكونَ لَه وَحْيٌ؛ فالرَّسول رسولُ مَن؟ وما يوحى إليه وحْيُ مَن؟ فلِعِظَم الخُطورةِ بسبَب هذه القضيَّة، خاصَّةً وأنَّ البدعَ فيها تشعَّبت وكَثُرت، ودينُ الإِسلام يقومُ على صِحَّة الاعتقادِ فيها، رأيتُ لذلكَ تناوُلَها بالخُصوصِ من بين سائر مَسائل الاعتقاد في هذا الكتاب. وأكَّدَ ذلك عندِي ما دَخَلَ الأمَّة -بسبَب تلبيس أهل البِدَع- من تَهوين شأْن لهذه القضيَّةِ الخطيرة، بل وإهمالِها، مَعَ أنَّ للبدْعَة رؤوسًا لا زِلْنا نَراهم يُشيعون ما يُضادُّ الاعتقادَ الصَّحيحَ وينشرونَه، ويَدْعونَ إليه في أكثرِ بلادِ المُسلمينَ، ونَرى أكثرَ إخوانِنا الدُّعاةِ في العالَم الإِسلامِيّ لم

стр. 27

يستوعِبوا خُطورةَ هذا الأمْرِ، فَهُمْ يُهوِّنونَ من شأْنِ أهل البدَع، وربَّما اعتذَروا عنهم، وربَّما حَسِبَ بعضُهم هذه القَضايا ثانويةً، بل ربَّما حَسِبَ آخرونَ أنَّها ليستْ من أساسياتِ الدِّين، وآخرون ظنُّوا أنَّ هذه القضيَّة، بل عُموم ما يتعلَّق بأسماءِ الله وصفاتِهِ لم تَعُدْ من المَسائل ذاتِ الخُطورة، وفي الواقع هناك مسائل أولى بالاعتناء بها منها، ورُبَّما قالَ البعضُ: لقد ذهبَ عهدُ المعتزلةِ والفتنةِ التي لَقِيَها الإِمامُ أحمد، والمُسلمونَ الآن يتعرَّضونَ لأنْواع أخْرى من الفِتَن ... إلى غير ذلك مما يُشْبِهُ هذا من التلبيسات التي يُلْقِيها الشَّيْطانُ على ألْسنةِ هؤلاء. وغفلوا عن كونِ مَعْرِفَةِ ما يتعلَّقُ بأسْماءِ الله تعالى وصفاتهِ من الأصولِ التي بعثَ الله بها رسُلَه، وأنْزَلَ بها كُتُبَه، والفِتَنُ التي حَصَلَتْ بسَبب أهْل البِدَع لم تُحْدِثْ هذا النَّوْعَ من الاعتقادِ، وإنَّما نبَّهتْ أهْلَ الحَقِّ واستنْفَرَتْهُمْ لمُواجَهةِ الباطل، فقابَلوهم بحُجَج الكتاب والسُّنَّةِ، لا بالآراء المُحْدَثَةِ، والمَعقولاتِ الفاسدةِ؛ فإنَّ الأدلَّةَ على اعتقادِهم من كتابِ الله وسُنَّةِ نَبِيّه ﷺ كانت موجودةً قبلَ وجودهم لإِثباتِ اعتقادِهم، ولَمْ يكن لأهلِ السُّنَّةِ أَتْباعِ السَّلَفِ أنْ يَبْتدعوا أصولًا لم يَرِدْ بها كتابٌ ولا سُنَّةٌ، ولو كانوا كذلك، فبأيِّ شَيْءٍ إذاً فارقوا مَنْ سِواهم من الطوائِف؟ وإني قائلٌ لهؤلاء: أيّ شَيْءٍ يكون هذا الَّذي رأيتُم تقديمَ الاشتغالِ به على اشتغالِكم بمَعْرِفةِ أصْل الأصول، وهو معرفةُ الربّ تعالى، الأساسُ الَّذي يرتبط به قبولُ كل عمَل، وعليه تنبني سَلامةُ الدّين؟ صَحَّحوا الأصولَ ثم انتقلوا إلى الفروع. واعلَمْ أنَّ السَّبَبَ الأعظمَ في وقوعِ مثلِ ذلك هو الجهلُ باعتقاد

стр. 28

السَّلَف، وأن لهؤلاء -أو كثيرًا منهم- لَمَّا رأوا كتب الأشعريةِ والماتُريدية ومِن قبلهم المعتزلة، وما طَفَحَت به من الطرقِ الكلاميةِ والمناهجِ الفلسفيةِ لِإثبات اعتقاداتهم؛ ظنُّوا هذا اعتقادَ أهل السُّنَّة، وأكَّدَ ذلك أنَّهم يرَوْنَ هذه الطَّوائفَ ينتسبُ أصحابُها إلى السُّنَّة، خاصَّةً الأشعرية والماتُريدية، ويذكرونَ اعتقاداتِهم على أنَّها إعتقاداتُ أهل السُّنَّة، وكذا حينَ رأوا وقوعَ طائفةٍ من الفُضلاءِ في مُوافقةِ تلكَ الاعتقاداتِ؛ قالوا: كيفَ يُمكنُ أنْ تكونَ هذه العقائدُ مُبتَدَعةً وهي عقائدُ هؤلاءِ الجِلَّةِ؟! غافلينَ عن الأصْلِ في ذلك: (الحقُّ لا يُعرَفُ بالرِّجالِ، اعْرِف الحقَّ تعرِفْ أهلَه). فلهؤلاء نقولُ: ليسَ اعتقادُ السَّلَفِ والأئمَّةِ على ما ظننتُم، وليس لهؤلاء الذين ظننتُم هم أهلَ السُّنَّة أتباع السَّلف، وما في كُتبهم من الكَلام والجَدَلِ؛ فليس هو من طريقة السَّلف؛ فاحْذَروا أن تنقلبَ عليكم الحقائقُ فتظنُّوا الباطلَ حقًّا، والعلمُ اللازمُ للخلقِ مبسوطٌ في الكتابِ والسُّنَّة وكلام السَّلَفِ أحسنَ بَسْطٍ وأيْسَرَهُ، ولو أنَّكم تبيَّنتُم ذلكَ؛ وجدتموهُ؛ فليسَ من يقولُ: "نعتقدُ كذا ونُثبتُ كذا وننفي كذا لقولِ اللهِ ولقولِ نبيِّه ﷺ "؛ كمَن يقول: "نعتقدُ كذا على اعتقادِ أبي الحَسَنِ الأشعري وأبي منصورٍ الماتُريدي"، أو فُلانٍ وفُلانٍ، فيفهَمُ الناسُ أنَّ اعتقادَهم هو الحقُّ، ومن ثَمَّ يُسمَّى أتباعُهم (أهل الحق) و (أهل السُّنَّة) وغير ذلك من الألقابِ والأوصافِ، فيكونُ الحقُّ عند العامَّةِ ما صَدَرَ عن طريقهم، وما عَداه فهو الباطلُ. ولسنا نُطالبُكم إلّا بعَرْضِ عقائِدِ الطوائفِ على الكتاب والسُّنَّة والآثار الصَّحيحةِ عن السَّلَفِ، ومثلما تبيَّنتُم اعتقاداتِ الرافضةِ والخوارج

стр. 29

ونحوهم، فتبيَّنوا جميعَ الاعتقاداتِ التي تُنْسَبُ إلى أشْخاص أو طوائف، حتى يحكمَ فيها الكتابُ والسُّنَّة على طريقةِ السَّلفِ من الصحابة وأتباعهم. واعلَموا أنَّ كُلَّ لَقَبٍ أو وَصْفٍ لطائفةٍ أو جَماعةٍ لا يصحُّ أن يُقضى به على غيرِها حتى تَرِدَ به الشريعة، وإن كانَ التقليدُ مذمومًا في فروعِ المسائِل؛ فأحْرَى أنْ يُذَمَّ في أصولِها. ولعلَّكَ بهذا تُدركُ ضَرورةَ الاجتهاد لمعرفةِ حقيقةِ المُعْتقد السَّلَفي، للتفريق بينه وبين اعتقاداتِ أصحابِ البِدَع. ولعلَّه يحدو بكَ أكثر إلى طلب معرفة الاعتقادِ الصَّحيح ما يَشيعُ ويَنْتشرُ في بلادِ المسلمينَ مِنْ عَقائِد أهلِ الزّيغِ، الذين يتظاهَرون زورًا أو غفلةً بالانتسابِ إلى أهل السُّنَّةِ، وتُقَرِّرُ كتبهم لتُدَرَّسَ في مَعاهِد المُسلمين وجامعاتِهم على أنَّ ما فيها هو اعتقاد أهل السُّنَّة، كَما قد رأيْناه وجرَّبناهُ، فقَدْ كان مُقرَّرًا علينا في أوَّل أيام الطلب ونحنُ في مقتَبل العُمُر أنْ نَدْرُسَ "شرح العقائد النسفية" للسَّعْد التفتازاني، ولم نكن حينَها قد عرَفْنا عقيدةَ السَّلَف، ولكن الله تعالى مَنَّ علينا بشيخ فاضل هو شيخُنا أبو عُمَر عادل ابن كايد البصري ﵀ (٩)، فشرحَ لنا اعتقادَ السَّلَف، ونَبَّهَنا لِما كُنَّا

стр. 30

نواجههُ من عقائدِ الماتُريديَّة المُخالفة لاعتقادِ أهل السُّنَّةِ؛ فكيفَ يظنُّ أنْ يَنْشَأ الطَّلبةُ في جامعةٍ أو معهدٍ يَتَلقَّوْنَ الاعتقادَ فيه عن مبتدعٍ؟! فالله المستعانُ ولا حولَ ولا قوَّة إلاَّ بالله. وكتابي هذا الذي بين يَدَيْكَ للتَّنبيه على خُطورَةِ البِدَع وأهلِها، والتَّبْصِير بالاعتقادِ السَّلفيّ الصَّحيح، على ما سَتراه مبسوطًا، إن شاء الله. ومن أعْظَم ما حَدا بي لتأْليفهِ ما رأيتُه من كثيرٍ من إخْوانِنا من الحَيْرَة في شَأْنِ أهل البدع، خاصَّةً الأشعريةَ الذين ابتُلينا بهم في لهذا الزَّمان، يأْتي الواحدُ منهم في الجامعاتِ الإِسلاميةِ أو غيرِها متستِّرًا ببدعتهِ وضَلالَتهِ، فيُمَوِّهُ على الطلَبَة المتعلِّمينَ، بَلْ وعلى عامَّةِ المسلمينَ، ورُبَّما صَنَّفوا المصنَّفات، ونشروا الكتُبَ، وفي ثَناياها سُمومُهم التي تَفْتِك بالعقيدة السَّلَفيَّة فَتْكًا، وإخوانُنا في حَيْرَة: الأشعريةُ من أهْلِ السُّنَّة؟ أمْ من أهْلِ البِدْعَة؟ مغترِّينَ بما يُشوّشُ عليهم به كثيرٌ من الناسِ بأن في الأشعريةِ أئمَّةً؛ كفُلانٍ وفلانٍ، فكيفَ يصحُّ وصْفُهم بالبدعةِ؟! سُبْحان الله! لقد كانَ الحارثُ المُحاسبيُّ مذكورًا بالعلْم والزُّهْدِ والعِبادة، ومعَ ذلك فقد تكلّمَ فيه إمامُ أهل السُّنَّة أحمد بن حنبل، ونفّرَ عنه، وحذَّرَ منه لبدعتهِ، وقد كشَفنا في كتابنا هذا عن عدّة أعيان كأبي بكر الباقلاني وغيره، صرَّحوا بما يُخْرِجُهم عن جُمْلَة أهل السُّنَّة، معَ ما عُرفوا به من العلْم والدّيانة، ولم يَزَلْ هَدْيُ سَلَفِنا في ذلك مشهورًا، وكلامُهم فيه مذكورًا، في التحذير من البِدَع وأهلها؛ صيانةً للعقيدة والشريعة. ولقَدْ فرضَ الله تعالى العَدْلَ والإِنْصافَ، ومِنْ أعْظَم ذلك التفريقُ

стр. 31

بين أهْلِ البدْعةِ وأهْلِ السُّنَّة، لتُعْلَمَ طائفةُ أهْلِ الحقِّ فتتّبعَ، وتُحْذَرَ طوئفُ أهل اَلبدع فَتُجْتَنَب، والحقُّ لا مُحاباةَ فيه ولا مُجاراةَ لأحَدٍ أيًّا كانَ، وجَنابُ العَقيدة أغلى من كل جَناب؛ إذْ هو الذي بصَلاحهِ صَلاحُ الدُّنيا والآخِرَة.

стр. 32

التنبيه على مسائل يحتاج إليها قبل الشروع في المقصود • المسألة الأولى: من أصُولِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ: أنَّ العقلَ المجرَّدَ ليسَ له إثباتُ شَيْء من العقائِدِ والأحكام، وإنَّما مَرْجِعُ ذلك إلى السَّمعِ الذي هو المنقولُ عن الله تعالى ورسولِهِ ﷺ ، والعقلُ آلة الفهْم. قال الإِمام أبو المظفّر السَّمْعانيُّ: "اعلَمْ أنَّ مَذْهَبَ أهْل السُّنَّةِ أنَّ العقلَ لا يوجِبٌ شيئاً على أحدٍ، ولا يرفعُ شيئاً عنه، ولا حَظَّ له في تحليلٍ أو تَحريمٍ، ولا تَحسينٍ ولا تَقبيحٍ، ولَوْ لم يَرِد السَّمْعُ ما وجبَ على أحَدٍ شَيْءٌ، ولا دخَلوا في ثَوابٍ ولا عِقابٍ" (١٠). وقالَ: "أهلُ السُّنَّةِ قالوا: الأصْلُ في الدِّينِ الاتِّباعُ، والمَعْقولُ تَبَعٌ، ولو كانَ أسَاسُ الدِّينِ على المَعْقُولِ؛ لاسْتَغْنَى الخَلقُ عن الوَحْي وعن الأنبياءِ ولبَطَلَ معنى الأمرِ والنَّهيِ، ولقالَ مَنْ شاءَ ما شاءَ" (١١).

стр. 33

واعْلَمْ أنَّ مِنَ السَّمْع ما هو معقولٌ يمكنُ للعباد أن يُحيطوا به عِلماً، ومنه ما ليس بمَعقول لا يمكنُهم أن يُحيطوا به عِلماً، والاتِّباع والتسليمُ في جميعهِ واجبٌ؛ لأنَّهُ العلْمُ الذي لا يَرِدُ عليه الباطلٌ، وليسَ للشيطانِ عليه من سَبيل. عن عَبْد الله بن عَمْرو ﵄؛ قال: لقد جلَسْتُ أنا وأخي مجلساً ما أحِبُّ أنَّ لي به حُمْرَ النَّعمِ، أقبلتُ أنا وأخي، وإذا مشيخَةٌ من صَحابةِ رَسولِ اللهِ ﷺ جلوسٌ عند بابٍ من أبوابه، فكَرِهْنا أنْ نُفَرِّقَ بينَهم، فجلَسْنا حَجْرَةً؛ إذْ ذكَروا آيةً من القرآنِ، فتمارَوْا فيها، حتى ارتفعَتْ أصواتُهم، فخرجَ رسولُ الله ﷺ مُغْضَباً، قدِ احمرَّ وَجْهُهُ، يَرْميهم بالتُّرابِ، ويقولُ: "مَهْلاً يا قوم! بهذا أهْلِكَتِ الأمَمُ من قَبْلِكم، باختِلافهم على أنْبيائِهم، وضَرْبِهم الكتُبَ بعضَها بِبَعْضٍ، إنَّ القرآنَ لَمْ يَنْزِلْ يُكَذِّب بعضُه بَعْضاً، بَلْ يُصَدِّقُ بعضُه بَعْضاً، فَما عَرَفْتُم منه؛ فاعمَلوا به، وَما جَهِلْتم منه؛ فرُدُّوهُ إلى عالِمِهِ" (١٢). قال الإِمام أحمدُ: "ونردُّ القرآنَ إلى عالِمِه ﵎، إلى الله، فهو أعلَمُ به" (١٣).

стр. 34

وهذه العقيدةُ السَّلَفيَّةُ خِلافُ طَريقةِ أهْل البِدَع؛ فإنَّ عقولَهم عندَهم هي التي تُثْبتُ وَتَنْفي، والسَّمْعُ مَعروضٌ عليها، فإنْ وافقَها قُبِلَ، وإنْ عارضَها رُدَّ وَطُرِحَ، وهذا أعْظَمُ أسْبَابِ الضَّلالِ التي دخَلَتْ على هذهِ الأمَّة. وصَدقَ السَّمْعانيُّ حينَ قالَ: "فقد جَعلوا عُقولَهم دُعاةً إلى الله، ووَضعوها مَوْضِعَ الرُّسُل فيما بَيْنهم، ولو قالَ قائلٌ: لا الهَ إلاَّ الله، عَقْلي رَسولُ الله، لم يكن مُسْتَنْكراً عنْدَ المتكلِّمينَ من جهَةِ المَعنى" (١٤). قُلْتُ: وما كَثُرَت البدَعُ في هذه الأمَّةِ وفَشَتْ إلاَّ بتقديم العُقول على ما جاءَ به الرَّسولُ ﷺ ، وريُّنا ﵎ أتَمَّ دينه وأكمَله، ولم يَدَع نَقْصاً لِيُتمَّمَه أصحابُ المعقولات (!) كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]؛ فمَنِ استدركَ بعقلِهِ على الشَّرع؛ فإنَّما يَسْتَدْرِكُ على ربِّهِ، والله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١]، ويقول: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]. فإذا استقرَّ العلمُ بهذا في قُلوبِ أهْل الإِيمان؛ عَقَلوا أنَّهم قَدْ كُفُوا، فَلَمْ يَدَع لهم الشَّرْعُ ما يتكلَّفونَ لإِثباته، وما هو إلاَّ الاتِّباعُ وتركُ البِدَع؛ كَما يقول عبدُ الله بن مسعود: "اتَّبعوا وَلا تَبْتَدِعوا فقد كُفيتم، وَكل بدعةٍ ضَلالة" (١٥).

стр. 35

فهذا أصلٌ من الأصول التي فارقَ بها أهلُ السُّنِّةِ أصحابَ البدع. • المسألة الثانية: تسميةُ المُبتدعةِ علمَ التَّوْحيد الذي هو أشْرَف العلم وأزْكاها بعِلْم الكلام من أظْلَم الظُّلْم وأبْطَل الباطل. ذلك لأنَّ علم التَّوحيدِ مَصْدَرُه الوَحْيُ المَعْصوم، وعِلْمَ الكَلَام مصدَرُه الجدَل المَذموم فأيْنَ هذا مِنْ هذا؟ إنَّ ما أحْدَثَتْهُ المبتدعة من الجَدَل والخُصومات، مِمَّا ادَّعوا أنَّهُ أحْسن الطُّرُق لمَعْرفَةِ الله تعالى ودين الإِسلام، مِمَّا هو مَحْض العُقول التي لَمْ تُقَوَّم بمَنْهَج الرَّسول ﷺ ، وإنَّما قوِّمت برأي جَهْم وطريقة بشْر بن غِياث، المستمدَّةِ من طريقةِ أهْل الكِتاب ومن رَأْي عُبّاد الكَواكب، الذي فَتَنوا به المُؤمنين والمُؤمنات، هو الذي سَمَّؤْه بـ "علم الكلام"، تلقَّفَه عنهم ابنُ كُلاّبٍ والأشعريُّ وأبو مَنْصُور الماتُريدي وأمثالُهم من أهْل البِدَع، فَحَلَّوْه ببعض السَّمعيات، فأخرَجو للناس على أنَّه علْمُ التَّوحيد، وصاروا يقولون: علمُ الكلام: هو علْمُ التَّوحيد، وهو أشْرَف العلوم؛ لتعلّقه بذاتِ الله وأسمائِهِ وصفاته، وهو على هذا المَعنى يُدَرَّس اليَوْم في مَدارِس المُسلمينَ ومعاهدِهم وجامعاتِهم إلاَّ من عافى الله. ولكن ولله الحَمْدُ ألقى الله تعالى على ألْسِنَتهم بَراءَتهم من تَوْحيد

стр. 36

الرَّسول ﷺ ، فتَراهم يقولونَ في واضع هذا العِلْم: واضعُه أبو الحَسن الأشْعَريّ وأبو مَنْصور الماتُريدي، وهذا إنْصافٌ من أنْفُسِهم؛ فإنَّهُمْ إنَّمَا يُوَحِّدُونَ الله بِجَدَل الأشعريّ والماتُريدي، لا باتباع الرَّسول ﷺ وسَلَف الأمَّة. واعلَمْ - وفَّقكَ الله - أنَّ السَّلَفَ كانوا من أشدّ الناس نَفْرةً وتنفيراً من الكلام وأهلهِ. قال البَغويُّ ﵀: "واتَّفقَ علماءُ السَّلفِ من أهل السُّنَّةِ على النهي عن الجدال والخُصوماتِ في الصِّفاتِ، وعلى الزَّجْر عن الخَوْض في علم الكلام وتعلّمهِ" (١٦). وقال الشافعي ﵀: "لأن يُبْتَلى العبدُ بكلِّ ما نَهى الله عنه سوى الشِّرك، خيرٌ له من الكَلام، ولقد اطَّلعتُ من أصحابِ الكلام على شَيْءٍ ما ظَننتُ أنَّ مُسْلِماً يقولُ ذلك" (١٧). وقال: "مَن أظهرَ العصبيّةَ والكلامَ، ودَعا إليها؛ فهو مردودُ الشَّهادة، ولأن يَلقى العبدُ ربَّه بكلِّ ذَنْبٍ ما خَلا الشركَ خيرٌ له من أنْ يلقاه بشيءٍ من الأهواء" (١٨). وقال الإِمام أحمد ﵀ للمعتصم أيَّامَ المحْنَة: "ولستُ صاحبَ مِراءٍ ولا كلامٍ، وإنَّما أنا صاحبُ آثارٍ وأخبارٍ" (١٩).

стр. 37

وألفاظُ الأئمَّةِ في ذلك لا ندخل تحتَ الحصر، ولكنَّ أهلَ البدع -خاصَّة من المنتسبين إلى الأئمة الفقهاء في الفروع- يتأوّلونَ كلامَ الأئمة في ذمّ الكلام على أنَّهم يُريدونَ الكلامَ الذي يناقض الكتابَ والسُّنَّة!! سبحان الله! وهل في علم الجَدل والكلام إلَّا ما يناقضٍ الكتابَ والسُّنَّة؟! ولو لم يكن هناك دليلٌ إلاَّ الإحداث؛ لكفى به مناقضةً للكتاب والسنة. وأيضاً؛ فلو كان موافقاً للكتاب والسنة، وقد دلَّ عليه الدليلُ السَّمْعيُّ؛ فلَسْنا نُدْخِلُه في عِلْم الكلام. وهذه الطريقة كانت طريقةَ السَّلَف، فإنَّهم وقَعَت مِن كثير منهم مناظرات لأهل البدع واحتجاجاتٌ عليهم، لكنْ بدَلائِل الكتاب والسُّنَّة، لم يخرجوا إلى شيْءٍ من البِدَع شأْنَ المُرادينَ بالذَّمِّ من أهل الكلام، ولم يكن السَّلَف يَعْرفونَ الكلامَ إلَّا محدَثات الأمور التي لم يَرِدْ في شيء منها نصُّ كتابٍ ولا سُنَّةٍ، خلافاً لكم أيُّها المبتدعة من أتباع الأشعري والماتُريدي، ممَّن تتظاهرون بالانتساب للأئمة؛ فإنَّ كلامَكُمْ ليس من قَبيل مناظرات السَّلَف، وإنَّما هو من قبيل جَدَل المعتزلةِ وأصحاب البدع، وكتبكُم شاهدةٌ على ذلك، وخروجُكم عن طريقة السَّلَف في غالب مسائل الاعتقاد وأصوله من أكبر الأدلَّة على وقوعِكم في الكلام المذموم، ولكنْ هذه حَيْدَةٌ أردتم التلبيسَ بها على الناس، لئلًا يُقال: إنكم خالفتم السَّلَفَ حيث نَهوا عن علم الكلامِ وذمَّوه. • المسألة الثالثة: طريقة السَّلَف في العقائد والأحكام أحسَنُ الطُّرق، وهي الوسَط،

стр. 38

وهي الأعلَمُ والأحكَمُ والأسلَمُ، وليسَ فيها شيءٌ من البدع. ووجهه تَوضيح هذا المعنى كثيرةٌ؛ فمن ذلك: - أنهم عاصَروا التشريع وعايَشوه، فعلِموا مواقعَ التنزيل، وورودَ الأدلّة على الوقائع والأحوال. - وأنَّ خِطابَ الشارع متوجّهٌ إليهم في الأصْلِ وهم المُرادونَ به قبلَ غيرهم. - وهم أهل الفَصاحة والبَيان، والوَحْيُ جاء بلسانِهم، ورسولُ الله ﷺ يوضّح لهم ما يُشْكِلُ عليهم بلغتهم. - والنُّصوص في الكتاب والسُّنَّة الدَّالَّةُ على فضْلِهم وعُلوّ قَدْرِهم قد تواتَرت، وهذه المنزلةُ لم يَنالوها إلَّا بما لهم مِنَ السَّبق في سُبل الخير. - وقد جَعَلَ الله تعالى لهم الإِمامةَ في الدْين لمَنْ بَعْدَهم، وأثنى على مَن تَبِعهم وسلَكَ سَبيلَهم، وإنَّما نالَ التَّابعُ الفَضلَ لِفَضْلِ المَتْبوع؛ كما قالَ تَعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. - يؤكّده خُلوُّ زمانِهم من البدَع والأهواءِ والجَدَلِ والمِراء، وإقبالُهم على العِلْم، ولا يَرتاب المسلمُ العارفُ في أنَّ التوفيقَ للمُقبل على ما فيه رضي ربّه وطاعتُه والإعراضُ عَمَّا يُفْسِدُ القلب من البدَع والأهواء مضمونٌ. إلى غير ذلك من الوجهه الدَّالَّة على استقامةِ طريقتهم، وكونهم أسلمَ الأمَّة اعتقاداً، وأعلَمَها بالله ودينه، وأحكَمَها منهجاً.

стр. 39

وهذا يُفسِدُ قول بَعْض متنقّصي السَّلَف والجاهلينَ بأقدارِهم: "طريقةُ السَّلَف أسْلَمُ، وطريقةُ الخَلَف أعْلَمُ وأحكمُ". ولا يَخفى ما تَضَمَّنَت هذه المَقالةُ من الباطل عندَ العارفِ بعَقيدتِهِ ودينِهِ من أهل الإِسلامِ؛ إذ هي مبنيَةٌ على تفضيل الخَلَف -والمُرادُ بهم عندَ صاحب المَقالة: الَّذين امتازوا بمَعْرِفَتهم بالجَدَل وعلْم الكلام وكانَ لهم فيه قَدَمُ السَّبْق- على أخيار هذه الأمَّةِ، على السَّلف الكِرام: أصحاب النَّبيِّ ﷺ والتَّابعين لهم بإحسانٍ، الَّذين لم يشتغلوا بالجَدلِ الباطلِ، ولا بالكلام المَذموم، وآمَنوا بما جاءَ عن الله على مُراد الله، وما جاءَ عن رَسول الله ﷺ على مُراد رسولِهِ ﷺ ، الذين وقَفوا عن عِلم حين وقَفوا، وتكلَّموا بعِلْمٍ حين تكلَّموا، والَّذين لم يَعْرِف اللهَ تعالى أحدٌ معرِفَتَهم بعدَ رُسُلِهِ وأنبيائِهِ. ولستُ أدري كيف يخفى فَسادُ المَقالَةِ على أحَدٍ تذوَّقَ طعمَ العِلْم، أو كانَ عنده ذرّةٌ من وَرَعٍ، وإني لستُ أرى لهذا القائلِ شَبَهاً إلاَّ بالرافضةِ؛ إلاَّ أنَّهُ لمَّا كَانَ أشعريّاً -اعتادَ على طريقةِ أصْحابهِ التقيّة في كِثير من المَسائل- زَيَّنَ مقالَتَه بوَصْفِ طريقة السَّلَف بالسَّلاَمةِ، وغفلَ المسكينُ حبث وصفَ الخَلَفَ بالعلم والحكمة أنَّه شبّه السلفَ بالصُّمِّ البُكْمِ الذين لا يَعقلون؛ لأنَّهم على تفسير هذا المُبطل كانوا عاجزين عن نيل العلم والحكمةِ التي حصَّلَها هو وأشباهُهُ، فكانوا يحمِلون القرآنَ والسُّنَنَ ولا يدرون ما فيها؛ لأنَّهم لم يقدروا على التأويل، ولم يتورَّطوا في التعطيل، وهذا المُبْطل وأشباهُهُ خاضوا البحر الذي وقفَ عنده السَّلَفُ، فعَلِمُوا من الأسرارِ والحكمةِ ما لم يَدْرِهِ السَّلَفُ؛ فبهذا كانوا الأعلمَ والأحكمَ!

стр. 40

سبحان الله! أيُّ عِلم وأيُّ حكمةٍ يُحَصِّلُها من كانت بضاعتُهُ اللّغوَ والجَدَلَ والكلامَ الذي لا يورث إلاَّ قسوةَ القلوب بل والحيرةَ والشَّكَّ؟! فإنَّ رؤوسَ هؤلاء والأعلامَ فيهم، من ذوي الأقدام الراسخة، أمثال: إمام الحَرَمين، والشّهرستانيّ، والرّازِيّ، والآمِدِيّ، عاشها غالبَ الأعمار في الحَيْرة والشَّكِّ، معَ ما حَصَّلوا من المعرفةِ بالكلام والجَدَلِ، ومُناظَرَةِ مُخالفيهم من أهل الأهواءِ، حتى تكونَ خاتمةُ الواحدَ منهم أنَّ يسأل ربَّه الموتَ على دين العجائزِ. فأقْبِلْ - رَحِمَك الله - على طريقة سلفِكَ الكرامِ، واعتصم بسَبيلهم. قال الأوزاعي ﵀: "عليكَ بآثار مَن سلفَ وإنْ رفَضَكَ الناسُ، وإيَّاك ورأي الرِّجالِ وإنْ زخرفوه بالقول؛ فإنَّ الأمرَ ينجلي وأنتَ منه على طريقٍ مستقيمٍ" (٢٠). وقالَ: "فاصبر نفسَك على السُّنَّة، وقِفْ حيثُ وقَفَ القوم، وقُلْ فيما قالوا، وكُفَّ عَمَّا كَفّوا عنه، واسْلُكْ سَبيلَ سَلَفِكَ الصالح؛ فإنَّهُ يَسَعُكَ ما وَسِعَهم" (٢١). • المسألة الرابعة: أهل البدع والكلام لا يميّزونَ اعتقادَ السلف من غيره، وربّما لم
следующие страницы →