← Акыда

Акыда · id 122091

العقيدة السلفية فى كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية

عبد الله الجديع

Полный текст (417 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الرَّسول ﷺ ، فتَراهم يقولونَ في واضع هذا العِلْم: واضعُه أبو الحَسن الأشْعَريّ وأبو مَنْصور الماتُريدي، وهذا إنْصافٌ من أنْفُسِهم؛ فإنَّهُمْ إنَّمَا يُوَحِّدُونَ الله بِجَدَل الأشعريّ والماتُريدي، لا باتباع الرَّسول ﷺ وسَلَف الأمَّة. واعلَمْ - وفَّقكَ الله - أنَّ السَّلَفَ كانوا من أشدّ الناس نَفْرةً وتنفيراً من الكلام وأهلهِ. قال البَغويُّ ﵀: "واتَّفقَ علماءُ السَّلفِ من أهل السُّنَّةِ على النهي عن الجدال والخُصوماتِ في الصِّفاتِ، وعلى الزَّجْر عن الخَوْض في علم الكلام وتعلّمهِ" (١٦). وقال الشافعي ﵀: "لأن يُبْتَلى العبدُ بكلِّ ما نَهى الله عنه سوى الشِّرك، خيرٌ له من الكَلام، ولقد اطَّلعتُ من أصحابِ الكلام على شَيْءٍ ما ظَننتُ أنَّ مُسْلِماً يقولُ ذلك" (١٧). وقال: "مَن أظهرَ العصبيّةَ والكلامَ، ودَعا إليها؛ فهو مردودُ الشَّهادة، ولأن يَلقى العبدُ ربَّه بكلِّ ذَنْبٍ ما خَلا الشركَ خيرٌ له من أنْ يلقاه بشيءٍ من الأهواء" (١٨). وقال الإِمام أحمد ﵀ للمعتصم أيَّامَ المحْنَة: "ولستُ صاحبَ مِراءٍ ولا كلامٍ، وإنَّما أنا صاحبُ آثارٍ وأخبارٍ" (١٩).

стр. 37

وألفاظُ الأئمَّةِ في ذلك لا ندخل تحتَ الحصر، ولكنَّ أهلَ البدع -خاصَّة من المنتسبين إلى الأئمة الفقهاء في الفروع- يتأوّلونَ كلامَ الأئمة في ذمّ الكلام على أنَّهم يُريدونَ الكلامَ الذي يناقض الكتابَ والسُّنَّة!! سبحان الله! وهل في علم الجَدل والكلام إلَّا ما يناقضٍ الكتابَ والسُّنَّة؟! ولو لم يكن هناك دليلٌ إلاَّ الإحداث؛ لكفى به مناقضةً للكتاب والسنة. وأيضاً؛ فلو كان موافقاً للكتاب والسنة، وقد دلَّ عليه الدليلُ السَّمْعيُّ؛ فلَسْنا نُدْخِلُه في عِلْم الكلام. وهذه الطريقة كانت طريقةَ السَّلَف، فإنَّهم وقَعَت مِن كثير منهم مناظرات لأهل البدع واحتجاجاتٌ عليهم، لكنْ بدَلائِل الكتاب والسُّنَّة، لم يخرجوا إلى شيْءٍ من البِدَع شأْنَ المُرادينَ بالذَّمِّ من أهل الكلام، ولم يكن السَّلَف يَعْرفونَ الكلامَ إلَّا محدَثات الأمور التي لم يَرِدْ في شيء منها نصُّ كتابٍ ولا سُنَّةٍ، خلافاً لكم أيُّها المبتدعة من أتباع الأشعري والماتُريدي، ممَّن تتظاهرون بالانتساب للأئمة؛ فإنَّ كلامَكُمْ ليس من قَبيل مناظرات السَّلَف، وإنَّما هو من قبيل جَدَل المعتزلةِ وأصحاب البدع، وكتبكُم شاهدةٌ على ذلك، وخروجُكم عن طريقة السَّلَف في غالب مسائل الاعتقاد وأصوله من أكبر الأدلَّة على وقوعِكم في الكلام المذموم، ولكنْ هذه حَيْدَةٌ أردتم التلبيسَ بها على الناس، لئلًا يُقال: إنكم خالفتم السَّلَفَ حيث نَهوا عن علم الكلامِ وذمَّوه. • المسألة الثالثة: طريقة السَّلَف في العقائد والأحكام أحسَنُ الطُّرق، وهي الوسَط،

стр. 38

وهي الأعلَمُ والأحكَمُ والأسلَمُ، وليسَ فيها شيءٌ من البدع. ووجهه تَوضيح هذا المعنى كثيرةٌ؛ فمن ذلك: - أنهم عاصَروا التشريع وعايَشوه، فعلِموا مواقعَ التنزيل، وورودَ الأدلّة على الوقائع والأحوال. - وأنَّ خِطابَ الشارع متوجّهٌ إليهم في الأصْلِ وهم المُرادونَ به قبلَ غيرهم. - وهم أهل الفَصاحة والبَيان، والوَحْيُ جاء بلسانِهم، ورسولُ الله ﷺ يوضّح لهم ما يُشْكِلُ عليهم بلغتهم. - والنُّصوص في الكتاب والسُّنَّة الدَّالَّةُ على فضْلِهم وعُلوّ قَدْرِهم قد تواتَرت، وهذه المنزلةُ لم يَنالوها إلَّا بما لهم مِنَ السَّبق في سُبل الخير. - وقد جَعَلَ الله تعالى لهم الإِمامةَ في الدْين لمَنْ بَعْدَهم، وأثنى على مَن تَبِعهم وسلَكَ سَبيلَهم، وإنَّما نالَ التَّابعُ الفَضلَ لِفَضْلِ المَتْبوع؛ كما قالَ تَعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. - يؤكّده خُلوُّ زمانِهم من البدَع والأهواءِ والجَدَلِ والمِراء، وإقبالُهم على العِلْم، ولا يَرتاب المسلمُ العارفُ في أنَّ التوفيقَ للمُقبل على ما فيه رضي ربّه وطاعتُه والإعراضُ عَمَّا يُفْسِدُ القلب من البدَع والأهواء مضمونٌ. إلى غير ذلك من الوجهه الدَّالَّة على استقامةِ طريقتهم، وكونهم أسلمَ الأمَّة اعتقاداً، وأعلَمَها بالله ودينه، وأحكَمَها منهجاً.

стр. 39

وهذا يُفسِدُ قول بَعْض متنقّصي السَّلَف والجاهلينَ بأقدارِهم: "طريقةُ السَّلَف أسْلَمُ، وطريقةُ الخَلَف أعْلَمُ وأحكمُ". ولا يَخفى ما تَضَمَّنَت هذه المَقالةُ من الباطل عندَ العارفِ بعَقيدتِهِ ودينِهِ من أهل الإِسلامِ؛ إذ هي مبنيَةٌ على تفضيل الخَلَف -والمُرادُ بهم عندَ صاحب المَقالة: الَّذين امتازوا بمَعْرِفَتهم بالجَدَل وعلْم الكلام وكانَ لهم فيه قَدَمُ السَّبْق- على أخيار هذه الأمَّةِ، على السَّلف الكِرام: أصحاب النَّبيِّ ﷺ والتَّابعين لهم بإحسانٍ، الَّذين لم يشتغلوا بالجَدلِ الباطلِ، ولا بالكلام المَذموم، وآمَنوا بما جاءَ عن الله على مُراد الله، وما جاءَ عن رَسول الله ﷺ على مُراد رسولِهِ ﷺ ، الذين وقَفوا عن عِلم حين وقَفوا، وتكلَّموا بعِلْمٍ حين تكلَّموا، والَّذين لم يَعْرِف اللهَ تعالى أحدٌ معرِفَتَهم بعدَ رُسُلِهِ وأنبيائِهِ. ولستُ أدري كيف يخفى فَسادُ المَقالَةِ على أحَدٍ تذوَّقَ طعمَ العِلْم، أو كانَ عنده ذرّةٌ من وَرَعٍ، وإني لستُ أرى لهذا القائلِ شَبَهاً إلاَّ بالرافضةِ؛ إلاَّ أنَّهُ لمَّا كَانَ أشعريّاً -اعتادَ على طريقةِ أصْحابهِ التقيّة في كِثير من المَسائل- زَيَّنَ مقالَتَه بوَصْفِ طريقة السَّلَف بالسَّلاَمةِ، وغفلَ المسكينُ حبث وصفَ الخَلَفَ بالعلم والحكمة أنَّه شبّه السلفَ بالصُّمِّ البُكْمِ الذين لا يَعقلون؛ لأنَّهم على تفسير هذا المُبطل كانوا عاجزين عن نيل العلم والحكمةِ التي حصَّلَها هو وأشباهُهُ، فكانوا يحمِلون القرآنَ والسُّنَنَ ولا يدرون ما فيها؛ لأنَّهم لم يقدروا على التأويل، ولم يتورَّطوا في التعطيل، وهذا المُبْطل وأشباهُهُ خاضوا البحر الذي وقفَ عنده السَّلَفُ، فعَلِمُوا من الأسرارِ والحكمةِ ما لم يَدْرِهِ السَّلَفُ؛ فبهذا كانوا الأعلمَ والأحكمَ!

стр. 40

سبحان الله! أيُّ عِلم وأيُّ حكمةٍ يُحَصِّلُها من كانت بضاعتُهُ اللّغوَ والجَدَلَ والكلامَ الذي لا يورث إلاَّ قسوةَ القلوب بل والحيرةَ والشَّكَّ؟! فإنَّ رؤوسَ هؤلاء والأعلامَ فيهم، من ذوي الأقدام الراسخة، أمثال: إمام الحَرَمين، والشّهرستانيّ، والرّازِيّ، والآمِدِيّ، عاشها غالبَ الأعمار في الحَيْرة والشَّكِّ، معَ ما حَصَّلوا من المعرفةِ بالكلام والجَدَلِ، ومُناظَرَةِ مُخالفيهم من أهل الأهواءِ، حتى تكونَ خاتمةُ الواحدَ منهم أنَّ يسأل ربَّه الموتَ على دين العجائزِ. فأقْبِلْ - رَحِمَك الله - على طريقة سلفِكَ الكرامِ، واعتصم بسَبيلهم. قال الأوزاعي ﵀: "عليكَ بآثار مَن سلفَ وإنْ رفَضَكَ الناسُ، وإيَّاك ورأي الرِّجالِ وإنْ زخرفوه بالقول؛ فإنَّ الأمرَ ينجلي وأنتَ منه على طريقٍ مستقيمٍ" (٢٠). وقالَ: "فاصبر نفسَك على السُّنَّة، وقِفْ حيثُ وقَفَ القوم، وقُلْ فيما قالوا، وكُفَّ عَمَّا كَفّوا عنه، واسْلُكْ سَبيلَ سَلَفِكَ الصالح؛ فإنَّهُ يَسَعُكَ ما وَسِعَهم" (٢١). • المسألة الرابعة: أهل البدع والكلام لا يميّزونَ اعتقادَ السلف من غيره، وربّما لم

стр. 41

يَعرِفوه؛ فلذا تجدُهم يذكرونَ في كتبهم في العقائدِ والفرقِ اعتقادَ جَميع الطوائف، وحين يذكرون اعتقادَ السَّلَفِ لا يذكرونه على ما هو عليه؛ فإنَّك ترى العارفَ فيهم يَصِفُ مذهبَ السلف في الصفات بأنَّهمٍ كانوا مفوّضة، لا يَدْرون ما معاني الصفات، وهذا جَهلٌ على السَّلَف؛ فإنَّهم كانوا أعظمَ الناس فَهْماً وتدبُّراً لايات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ ، خاصّةً ما يتعلقُ بمعرفة الله تعالى، فكانوا يَدْرون معاني ما يقرؤون ويَحْمِلونَ من العلم، ولكنَّهم لم يكونوا يتكلَّفون الفهمَ للغيب المحجوب، فلم يكونوا يخوضونَ في كيفيَّات الصفاتِ، شأنَ أهل الكلام والبِدَع؛ فإنَّ هؤلاء حين خاضوا في ذات الله وصفاته، وَوَقعوا في التأويل والتَّعطيل، إنَّما ألجأهم إلى ذلك الضِّيقُ الذي دخَلَ عليهم بسبَب التثبيهِ، فأرادوا الفِرارَ منه، فوقَعوا في التَّعطيل، ولم يَقَعْ تعطيلٌ إلاَّ بِتَشبيهٍ، ولو أنَّهم نزّهوا الله تعالى ابتداءً -كفعل السَّلَفِ- عن مشابهة الخلق، وأثبتوا الصفةَ مع نفي المُماثلة؛ لسَلِموا ونَجَوْا، ولوافَقوا اعتقادَ السَّلَفِ، ولَبانَ لهم أنَّ السَّلَفَ لم يكونوا حَمَلَةَ أسفارٍ لا يَدْرون ما فيها. قال شيخ الإِسلام ابنُ تيمية وهو يصف طريقةَ السَّلَفِ في باب الاعتقاد: "ومَنْ تدبَّرَ كلامَ أئمة السُّنَّة المشاهير في هذا الباب؛ عَلِمَ أنَّهم كانوا أدَقَّ الناس نَظَراً، وأعلمَ الناس في هذا الباب، بصحيحِ المنقولِ وصَريح المعقولِ، وأنَّ أقوالَهم هي المُوافقةُ للمنصوص والمعقول، ولهذا تأتلفُ ولا تختلفُ، وتتوافقُ ولا تتناقضُ، والذين خالَفوهم لم يفهموا حقيقةَ أقوالِ السَّلَفِ والأئمةِ، فلم يعرفوا حقيقةَ المنصوص والمعقول، فتشعَّبَتْ بهم الطرقُ، وصاروا مختلفينَ في الكتاب، مخالفينَ للكتاب، وقد قالَ

стр. 42

تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] (٢٢). وهؤلاء تراهم يذكرونَ المذهبَ، يَحْسَبونَهُ مذهب السَّلَفِ، وهو من كلام أهل البدعِ، وإنَّما ذلك لجَهْلِهم بالمنقولِ عن السَّلَفِ، بَلْ ربَّما وافَقَ ذكرُهُم بعضَ أقوالِ السَّلفِ، يَحْسَبُونها من أقْوال أهْل البدع، فيردّونَها ويَسْتنكرونَها، بل ربَّما كفَّروا القائلَ بها مِن غير أنْ يَعْلَموا أنَّها مذهبُ السَّلَفِ واعتقادُهُم. ولذلك فقد يَصِفون اعتقادَ السَّلَفِ بأنَّه اعتقادُ المجسِّمة، أو المشبّهة، أو الحَشْوية (٢٣). سبحان الله! إنَّ قلوبَ أصحاب البدع تتشابَهُ؛ فإنَّ الجهميةَ -أوَّلَ الأَمر- كانوا يَصِفون بذلك أئمَّةَ السُّنَّة ومَن يُتابِعُهم، ثمَّ لمَّا مضى العهدُ فظهَرَ الأَشعريَّةُ والماتُريديَّة وأشباهُهم؛ كانتَ هذه الأوصافُ لأهل السُّنَّة على ألسنتِهِم. وهذه الأوصاف إنَّما يُطلقها أهلُ البدع على أهل السُّنَّة لِيُنفِّروا الخلقَ عن اعتقاد السَّلَف، ويرغّبوهم في بدعهم، خاصّةً وأنَّهم يصفون أنفسَهم بمقابل ذلك بأنَّهم أهلُ السُّنَّة.

стр. 43

ولقد أدركَ ذلك أئمَّتنا الأوائلُ، فجَعَلوا من شعار الجَهْمية والزَّنادقة وصفَهم أهلَ السُّنَّة بهذه الأوصاف. قَال الإِمام أبو حاتِمٍ الرازيُّ: "وعلامَةُ أهل البدع: الوقيعةُ في أهلِ الأثَرِ، وعلامةُ الزَّنادقةِ: تسميتهُم أهلَ السُّنَّةِ حَشْويةً، يُريدون إبطالَ الآثار، وعلامةُ الجَهْمية: تسميتُهم أهلَ السُّنَّة مُشبّهةً، وعلامةُ القَدَرِيَّة: تسميتُهم أهلَ الأثَر مُجْبِرةً، وعلامةُ المُرْجئَةِ: تسميتهُم أهلَ السُّنَّةِ مُخالِفةً ونُقصانيَّةً، وعلامةُ الرَّافضةِ: تسميتهُم أهلَ السُّنَّةِ ناصبةً، ولا يلحَقُ أهلَ السُّنَّةِ إلاَّ اسمٌ واحدٌ، ويَستحيلُ أنْ تَجْمَعَهم هذه الأسماءُ" (٢٤). قلتُ: أرادَ يلحَقُهم اسمُ أهلِ السُّنَّة دونَ هذه الأسماء. وقال الإِمامُ الحافظُ أحمدُ بن سِنانٍ الواسطيُّ: "المشبّهةُ الذين غَلَوا فجاوزوا الحديثَ، فأمَّا الذين قالوا بالحديثِ؛ فلم يزيدوا على ما سَمِعوا؛ فهؤلاء أهل السُّنَّةِ، والمتمسِّكونَ بالصَّوابِ والحقِّ، وليس هم بالمشبهةِ، ما شبّهوا هؤلاء، إنَّما آمَنوا بما جاء به الحديثُ، هؤلاء مؤمنونَ مصدِّقون بما جاء به النبيُّ ﷺ والكتابُ والسُّنَّةُ" (٢٥). فالسَّلَف والأئمة لم يكونوا كما يصفهُم هؤلاء المبتدعةُ، وكيفَ يُظَنُّ ذلك بحَمَلَةِ القرآن والسُّنَن والآثار؟! ولكنَّ أهل البدعِ أعداءُ السُّننِ أرادوا أن يُعْرِض الناس عن السنن،

стр. 44

فكذبوا على أهلِها. • المسألة الخامسة: إطلاقُ الألفاظ المجمَلة التي لم تَرِدْ في الكتاب والسُّنَّة في أبواب الاعتقاد مِن طريقةِ أهل البدع وليس من طريقة السَّلَف. وقد ذكرتُ في هذا الكتاب بعض هذه الِإطلاقات، كإطلاقهم القولَ في مسألة اللفظ وغيرها، وأبَنْتُ عن كون هذه الطريقة ليست هي طريقة السَّلَف، وطريقةُ السلف إنَّما هي إطلاق ما أطلقه الكتابُ والسُّنَّةُ، أمَّا ابتداعُ ألفاظٍ لم تَرِد في الكتابِ والسُّنَّة؛ فليسَ مِنْ مذهب السَّلَفِ، وقد استنكرَ الأئمَّةُ كأحمد وغيره تلك الإِطلاقات المبْتَدَعَة التي ظهَرَ بها أهل البدع. قالَ شيخ الإِسلام: "إنَّ الأئمةَ الكبارَ كانوا يمنعون من إطلاقِ الألفاظ المبتَدَعة المجمَلَةِ المشتَبِهَةِ؛ لِما فيها مِنْ لَبْسِ الحَقِّ بالباطل، مَعَ ما توقِعُه من الاشتباهِ والاختلافِ والفتنةِ؛ بخلافِ الألفاظ المأثورة، والألفاظِ التي بُيّنتْ معانيها؛ فإنَّ ما كانَ مأثورًا حصلَت به الألفة، وما كانَ معروفًا حصَلَت به المعرفة، كَما يُروى عن مالك ﵀ أنَّه قالَ: إذا قلَّ العلمُ ظَهَر الجَفاء، وإذا قلَّت الآثار كثرت الأهواء، فإذا لم يكن اللفظ منقولًا، ولا معناه معقولًا، ظهرَ الجفاءُ والأهواءُ ... " (٢٦). هذه بعض التنبيهات التي يُحتاج إليها لتوضيح ما قد يُشكل، أو لدفع إيهام، وكذا لتوضيح منهجي العام في هذا الكتاب.

стр. 45

مجمل خطة تأليف الكتاب الخطَّة التي انتهجتُها في تأليف هذا الكتاب هي أنِّي فصَّلت الكلام والاستدلال لإِثبات العقيدة السلفية في كلام الباري تعالى، وعقدتُ لذلك بابًا مستقلًا، وهو الباب الأول. ثمَّ تناوَلتُ قضية اللَّفظ بالقرآن، فوضَّحْتُها بما يُزيلُ عنها الإِشكال إن شاء الله، مع الذبّ عن الإِمامين أحمدَ والبخاري، وتبرئتهما مما نُسِبَ إلَيهما من ذلك، وذلك في الباب الثاني. وفي الباب الثالث تناولتُ اعتقاداتِ الفِرَقِ المبتدعةِ المنتسبةِ إلى أهل القِبْلَةِ، فذكرتُها إجْمالًا، ثمَّ عُنِيتُ بتفصيل الردِّ على الجهمية المعتزلة؛ لأنَّهم أصلُ البليّة في هذه القضيَّة، ثم أفردتُ فصلًا مطوّلًا لبَسط اعتقاد الأشعريَّهٌ والردّ عليهم، وذلك لتوضيح الصورة أمامَ مَن خَفِيَهم حالهم، فهم بين منُتسب إليهم، أو مُدافع عنهم، أو مُتواطىء معهم، أو مُعتذر عنهم. وتخلَّلَتْ جميعَ ذلك مباحثُ عامَّةٌ لِرَفْع بعْضِ الإِشكالاتِ ودفْع بَعْض الإِيهاماتِ.

стр. 46

وشَرْطِي في كتابي أن لا أورد للاحتجاج والاستشهاد إلَّا ما ثبتَ إسنادُه إلى قائلهِ، ولسْتُ أقلّدُ في ذلكَ، وإنَّما أتابِعُ النُّصوصَ بنفسِي، وأحكمُ عليها باجتهادي. وعُنِيتُ بأقوال السلف والأئمة في عامّة المسائل إن وقفتُ عليها بالإِسناد الثابت، وخاصّةً كلام إمام السنة أحمد بن حنبل؛ فإنَّه الإِمام القُدوة في ذلك، وسائر أهل السنة بعده يعتزُّونَ بالانتساب إلى طريقتهِ؛ لأنَّها طريقةُ السلف الكرام، بسَطها ونَصَرها، فرحمه الله ورضي عنه وسائر إخوانه من الأئمة. ولقد انتفعتُ كثيرًا بكتب شيخ الإِسلام ابن تيمية وطريقته، بل إني ربَّما حَذوتُ حذوَه في كثير من المسائل، إلى جانب ما أورده عنه من النقل في ثنايا الكتاب، وحيث أطلقتُ (شيخ الإِسلام). فإنَّما أعنيهِ. وقد سمَّيْتُه: "العقيدة السلفية في كلام ربّ البريّة، وكشف أباطيل المبتدعة الرَّدِيَّة". وإني لأرجو الله تعالى أن يكونَ تذكرةً لأولي الألباب، يوقظهم من غَفْلة، ويُنَبِّهُهم لخطورة شأن أهل البدع، ويُقبلوا على فَهْم اعتقاد سَلَفِهم والدفاعِ عنه، فإنَّ الاشتغالَ بعلُومِ الاعتقاد أشرَفُ الأعْمال وأزكاها. والله أسألُ أن يغفرَ لي زلَّتي، ويقبلَ مني ما خَطَّتْ يَدي، إنَّه نِعمَ مسؤول، وهو حَسْبي ونعم الوكيل. الكويت الثلاثاء ٢٧ جمادى الأولى ١٤٠٧ هـ وكتب أبو محمد عبد الله بن يوسف الجديع

стр. 47

الباب الأول: العقيدة السلفية في كلام رب البرية وفيه ثلاثة فصول: = الفصل الأول: بيان حقيقة الكلام. = الفصل الثاني: عقيدة السلف في إثبات الصفات. = الفصل الثالث: شرح اعتقاد السلف في كلام الله تعالى.

стр. 48

الفصل الأول: بيان حقيقة الكلام وفيه ثلاثة مباحث: = المبحث الأول: حقيقة الكلام. = المبحث الثاني: حقيقة المتكلم. = المبحث الثالث: أنواع الكلام.

стр. 49

المبحث الأول: حقيقة الكلام الكلامُ في لغة العرب التي بها نزل القرآن كما يقول ابن فارس ﵀: "يدلّ على نُطْقٍ مُفهم، تقول: كلّمتهُ، أكلّمهُ تكليمًا، وهو كليمي، إذا كلّمَكَ أو كلَّمْتَه" (١). فقوله: "نطق" للدلالة على أنه لفظ اللسان. وقوله: "مُفْهِم" للدلالة على كونه معنى. فهو إذًا لفظ ومعنى. وكذلك القول. ولفظ "الكلام" و"القول" مما تُعْلَمُ حقيقتُهُ ضرورةً، ووَقر في نفس كل عاقل من خلق الله معرفةُ ماهيّة هذَين اللفظين, لأنَّهما صفتان لازمتان لكل من وصِفَ بأنه "متكلم، قائل" ومن المحال إطباق جميع العقلاء على الجهل بتصورهما. فكل عاقلٍ متصورٌ مدركٌ أن كلَّ ما نطقَ به اللسان من الألفاظ

стр. 50

المفيدة للمعاني فهو كلام، أو قول. وحين يخبر مخبرٌ فيقول: "تكلّمَ زيدٌ بكذا" أو "قالَ زيدٌ كذا وكذا" يتصوّر السامع أن لسانَ زيد تلفّظ بألفاظٍ دلّت على معنى كان قائماً في نفس زيد، لا يفهم السامع أن زيداً أضمرَ في نفسه معنى مجرَّداً، بل لو لم يكن زيد تلفّظ بلسانه بما أضمر في نفسه كان المُخبِر كاذباً في إخباره: أن زيداً تكلّم. وأيضاً، فإن السامع لا يفهم أن زيداً هذى هذياناً ليس له معنى فسمّاه المخبِرُ كلاماً، أو قولاً، وإنما يفهم أنه تكلمَ بكلام، وقال بقولٍ، مؤلَّف من الحروف التي هي الألفاظ المشتملة على المعاني. ولا يُعقل بحال كلامٌ مجردٌ عن المعنى، أو مجرّدٌ عن اللفظ، إلاَّ بقرينة تقيّده بأحد الحالين. فباتَ بهذا أن "الكلامَ" و"القول" إنما يُطلقان على ما كان لفظاً ومعنًى، لا لفظاً مجرداً، ولا معنًى مجرداً. وأنبّه على أن القولَ يفارق الكلامَ من حيث وقوع المجاز فيه بأوسع من وقوعه في الكلام (٢)، لكنَّ هذا غيرُ مراد فيما ذكرناه, لأن ما حقّقناه إنما هو حقيقة اللفظين لا مجازهما. قال شيخ الإِسلام ﵀: "وعامّة ما يوجد في الكتاب والسُّنَّةِ وكلام السَّلفِ والأئمة، بل وسائِرِ الأمم عربِهم وعجمِهم من لفظ: الكلام، والقول، وهذا كلام فلان، أو كلام فلان، فإنَّه عند إطلاقه يتناول اللفظ

стр. 51

والمعنى جميعاً، لشموله لهما، ليس حقيقة في اللفظ فقط -كما يقوله قومٌ- ولا في المعنى فقط -كما يقوله قومٌ- ولا مشترك بينهما -كما يقوله قومٌ- ولا مشترك في كلام الأدميين، وحقيقة في المعنى في كلام الله -كما يقوله قومٌ-" (٣). وقال الحافظ الأمام أبو نصر السِّجزي ﵀: "لم يكن خلافٌ بين الخلق على اختلاف نحلِهم من أوَّلِ الزمان إلى الوقت الذي ظهرَ فيه ابن كُلاّب (٤) والقلانسي (٥) والأشعري (٦)، وأقرانهم ... من أن الكلام لا يكون إلاَّ حرفًا وصوتًا، ذا تأليفٍ واتِّساقٍ، وإن اختلفت به اللغات ... " (٧). ومن الدلائل على صِحَّة ما ذكرنا ما يلي: ١ - إطباق سائر الأمم والطوائف - سوى بعض أهل البدع أمثال ابن

стр. 52

كُلاّب - على تناول "الكلام" و "القول" للّفظ والمعنى جميعاً، كما ذكرناه عن السِّجزي وشيخ الإِسلام. ٢ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨]. هذه الآية ظاهرة في كون المنفيّ عنهم الكلامَ الذي هو اللفظ والمعنى جميعاً، إذ الخطاب لهم لا يكون معنًى مجرداً يقوم في أنفسهم، ولا لفظاً مجرداً غير دالّ على معنى. ٣ - وقوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٤ - ٥]. فأطلق الكلمة على اللفظ الخارج من الأفواه. وكذلك سائر ما جاء في كتاب الله تعالى من إطلاق لفظ الكلام مراداً به الحقيقة. ومثله القول. قال تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧]. ٤ - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنَّ الله تجاوز لأمَّتي عما حدّثت به أنفسَها, ما لَمْ تكلَّم به، أو تعمل به" (٨).

стр. 53

فهذا الحديث ظاهر في إخراج حديث النفس عن مطلق الكلام، ألا تراه قد فرّق بينه وبين حقيقة الكلام بقوله: "ما لم تكلّم به أو تعمل به"؟ فجعل الكلامَ الذي هو القولُ قسيماً للعمل، غيرَ حديث النفس. ٥ - حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: يا رسول الله, وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "ثكلتك أمّك يا معاذ، وهل يكبُّ الناس على وجوههم في النار -أو قال: على مَناخرهم- إلاَّ حصائدُ ألسنتهِم؟ " (٩). قلتُ: فهذا بَيِّنٌ في أنَّ الكلام ما كان ألفاظاً منظومةً دالَّةً على معاني مفهومةٍ؛ لأنَّ المعنى المجرَّدَ الذي يقوم بنفس المتكلم لا يحاسَبُ عليه العبدُ -كما في الحديث السابق- وهذا بخلافِ ما نَطَقَ به اللسانُ فإنَّه

стр. 54

محاسَبٌ عليه، وهذا عينُهُ هو الذي أطلق عليه الشرعُ الكلامَ , لا المعنى المجرَّدُ. ٦ - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان, حبيتان إلى الرحمن: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمدِهِ" (١٠). قلت: وهذا ظاهر أيضاً في أنَّ الكلامَ هو المعنى الملفوظُ به بالحروف، إذ لا تُعقَل الخِفّة على اللسان في المعنى المجرَّدِ. ٧ - حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله، يُحْدِثُ لنبيّه ما شاء، وإنَّ مِمَّا أحْدَثَ لنبيّه: أن لا تَكَلَّموا في الصَّلاة" (١١). وحديث معاوية بن الحَكَم السُّلَمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 55

"إنَّ هذه الصلاةَ لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناسِ، إنما هو التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآن" (١٢). ولا خلافَ بين أهل العلم أن مَن تكلَّمَ في صَلاته عامداً لغير مصلحةِ الصلاةِ فصلاتُه باطلةٌ، ولا يرَون بما تُحَدِّثُ الإِنسانَ به نفسُه ممّا لا تعلُّقَ له بالصلاة من أمور الدنيا وغيرِها مُبطلاً للصلاةِ, لأنَّه بالاتفاق ليسَ بكلامٍ، ذكر نحوَ هذا شيخُ الإِسلام. ونظائر هذا في الكتاب والسنَّة كثيرةٌ جداً، وهي دلائلُ قاطعةٌ بأنَّ مطلقَ لفظ "الكلام" شاملٌ للألفاظ والمعاني جميعاً، خِلافاً لأهل البدع الذين أرادوا نُصْرَةَ أهوائِهم بإبطال الدلائل الصَّحيحةِ الصَّريحةِ من المعقولِ والمنقولِ. وقد ذكرنا أن "الكلامَ" و "القولَ" قد يراد بهما المعنى فقط، أو اللَّفظُ فقط، لكن بقرينةٍ تُبيِّنُ ذلك، لا عندَ الإطلاقِ والتجرُّدِ من القرائن. قال شيخُ الإِسلام: "الكلامُ إذا أطْلِقَ بتناوَلُ اللفظَ والمعنى جميعاً، وإذا سُمّيَ المعنى وحدَه كلاماً، أو اللَّفظُ وحدَه كلاماً، فإنَّما ذاك مع قيد يدلّ على ذلك" (١٣). قلتُ: وذلك كقول عنترةَ:

стр. 56

يا دارَ عَبْلةَ بالجِواء تكلّمي ... وعِمي صَباحاً دارَ عبلةَ واسْلَمي (١٤) وكقول الآخر: وامتلأ الحَوضُ وقالَ: قَطني ... قَطني رويداً قد ملأتُ بطني فمحصَّل ما ذكرنا: أن لفظَ "الكلام" و"القول" وما تصرّف منهما، من فعلٍ، ومصدرٍ، واسم فاعل، وغير ذلك, كلّ ذلك راجع إلى اللفظ والمعنى جميعاً. فإذا قالَ قائلٌ في كلامٍ ما: إنَّ المرادَ بالكلام ههُنا اللفظ وحدَه، أو المعنى وحدَه، طالبناه بالقرينة المقيّدة التي صَرَفَتِ الكلامَ عن حقيقته المعلومة، وإلاَّ كانَ كاذباً. ولنا بسط آخر لهذه المسألة في الباب الثالث عند إبطال قول بعضِ أهل البدع -الكلاّبية والأشعرية وأشباههم- إنَّ الكلامَ حقيقةٌ في المعنى، وهو ما سمّوه بـ "الكلام النفسي" وإنَّما هذا تقريرٌ موجزٌ لإزالةِ ما قد يَرِدُ من لَبْسٍ في هذا الموضوع. *****

стр. 57

المبحث الثاني: حقيقة المتكلم المتكلِّم: اسمُ فاعلٍ من "التكلّم". وهو مَنْ قامَتْ به صفةُ الكلام، فبها صارَ متكلِّماً. والعقلاءُ متفقونَ على أن الحركة إذا قامَتْ بمحلٍّ صحَّ وصفُ المحلّ بكونهِ متحركاً، وإذا قامَ العِلْمُ بمحلٍّ صحَّ وصفُه بكونه عالِماً، وكذلك كلُّ صفةٍ. فالكلامُ صفةٌ، إذا قامَتْ بموصوفٍ سمّي "متكلّماً". فحين يَردُ على سَمْعِكَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عَقِلتَ منه أنَّ لله تعالى صفةَ السَّمعِ، وصفةَ العلمِ. فكذلكَ حينَ يَرِد على سَمْعِكَ: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى﴾ فإنَّكَ تعقِل منه أن لله تعالى صفةَ الكلامِ. فدلَّ هذا على أنَّ الصِّفَةَ إنَّما تقوم بالموصوف. وفي هذا إبطالٌ لقولِ المُلحدين في أسماءِ الله وصفاتِهِ: إنَّ الصفةَ لا تقومُ بالموصوفِ، وعليهِ قالَ من قالَ منهم: إنَّ الله سميعٌ بلا سَمع،

стр. 58

بصيرٌ بلا بَصر، حيٌّ بلا حَياة، خالقٌ بلا خَلْقٍ. ويظهَرُ مما تقرر من قِيام الصفةِ بالموصوفِ أنَّ المتكلّمَ من قام به الكلامُ، ولا يصحّ وصفُه بذلك إلاَّ مع قدرتهِ عليه، إذ أنَّ قدرةَ المتكلم على الكلام لازمةٌ له ما دام موصوفاً بالكلام, لأنَّه لو لم يكن قادراً على الكلام لَوُصِفَ بضدّه، وهو: الخَرَسُ، فإن "الأخرس" هو الذي لا يَقْدِرُ على الكلامِ، ولذا صَحَّ عدمُ وصفهِ بالكلام. ويبطلُ بما قرَّرْناه مذهبان من مذاهب أهل البدع: الأوّل: مذهبُ المعتزلة القائلين: المتكلّم من فَعَلَ الكلامَ ولو في غيره، ومعناه عدَمُ قيامِ صفةِ الكلام بالمتكلّم. والثاني: مذهبُ الكُلاّبية والأشعرية القائلين: المتكلم من قام به الكلامُ ولو لم يَفْعَلْهُ، وليس له قدرةٌ عليه. وفسادُ هذين المذهبين ظاهرٌ لغةً وشرعاً وعقلاً، إذ أنَّ لازمَ المذهبِ الأوَّل أن يكون كلامُ المخلوق هو كلامَ الخالق -كما سيأتي تفصيله في الباب الثالث- ولازمَ المذهب الثاني وصفُ الأخرس بكونه متكلماً، وهذا ظاهر المناقضةِ للحسِّ والعقلِ - وسيأتي بسط ذلك عنهم في الباب الثالث. والسَّلَفُ والأئمَّةُ لا يَعْرِفونَ المتكلمَ إلاَّ على الصورة التي شرحناها.

стр. 59

المبحث الثالث: أنواع الكلام الكلام في لغة العرب يتنوع في الأصل إلى نَوْعينِ: • الأول: الخبر: والبَلاغيُّونَ والأصوليُّونَ على أنَّ الخبرَ كلامٌ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ لذاتِهِ. ويعنونَ بقولهم: "لذاته" أي بغَضِّ النَّظَر عن المُخبِر إنْ كانَ صادقاً أوكاذباً في نفسهِ، لأجلِ أنْ يعُمَّ التعريفُ كلَّ خَبر. وهو باعتبار المُخْبِر به ثلاثةُ أقْسام: القسم الأول: ما لا يَحْتَمِلُ إلاَّ الصدقَ وحدَه. وهو خَبَرُ الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿اللهُ لَا إلهَ إلاَّ هُوَ الْحَى الْقَيُّومُ﴾. وخَبَرُ رسولِ الله ﷺ الثابتُ عنه، كقوله ﷺ : "منْ كَذَبَ عَلَيَّ متعمّداً فليتبوأ مقعدَه من النار" (١٥).

стр. 60

والقسم الثاني: ما لا يحْتَمِلُ إلاَّ الكذبَ وحدَه. وهو كخبر مسيلمة أنه رسول الله. والقسم الثالث: ما يَحْتَمِلُ الصِّدقَ والكذبَ جميعاً. كأن يأتيَكَ إنسانٌ فيقول: (قرأت القرآنَ في ليلة) فإنَّه يُحْتَمَلُ صدقُه، ويُحْتَمَلُ كذبُه، بغضّ النظر أن يكون عن قَصْدٍ أو عن غير قَصْدٍ، وربّما ترجّح لك صدقهُ مع احتمال الخطإ لكونهِ معروفاً عندك بالصّدقِ، أو ترجَّحَ عندكَ كذبُه مع احتمالِ صدقِهِ لكونه معروفاً عندك بالكَذِبِ، وربّما تساوى عندك الاحتمالان. • والثاني: الإنشاء: والبلاغيُّون والأصوليُّونَ على أنَّه لا يُمكنُ وصفُه بالصِّدْقِ أو الكَذِبِ. وهو الطلبُ، سواءٌ كان طلبَ فِعْلٍ، أو طلبَ تَرْكٍ. وهو أنواعٌ منها: ١ - الأمر: وهو طلبُ الفِعْل، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥]. ٢ - النهي: وهو طلبُ الكَفِّ، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ...﴾ [الإسراء: ٣٦].

стр. 61

٣ - الاستفهام: وهو طلبٌ الفَهْم، كقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧]. ٤ - النداء: وهو طلبُ الإقبال، كقوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩]. وفي جميع هذا تفصيل ليسَ هذا موضِعَه، وإنَّما المقصودُ إبطال تلبيسِ المبتدعةِ، القائلين: إنَّ هذه الأقسامَ المذكورةَ، إنَّما هي صفاتٌ للكلام، وليستْ أنواعاً له، ليَنْصُروا مذهَبَهم: أنَّ الكلامَ في الحقيقةِ هو معنى واحدٌ قائِمٌ في النفس، هو الأمرُ والنَّهيُ والخبَرُ، وهو قولٌ في غاية السُّقوطِ، وقَدْ أثْبَتْنا لكَ أنَّها متغايرةٌ، وإنَّما تشتركُ في كونِها كَلاماً.

стр. 62

الفصل الثاني: عقيدة السلف في إثبات الصفات وفيه: = قاعدة جلية في الاعتقاد.

стр. 63

قاعدة جلية في الاعتقاد لقد وصَفَ الله تعالى نفسَه بأكملِ وأجملِ الأوصافِ، كما يليقُ بجَلاله وعظمتهِ، في كتابهِ وعلى لسانِ نبيه ﷺ ، ليُعرّفَ خلقَه بنفسهِ، كالعِلم، والحَياةِ، والقُدْرةِ، والإرادةِ، والسَّمْع، والبَصَرِ، والكِلاَمِ، والحُبِّ، والبُغْضِ، والرَّأفَةِ، والرَّحْمَةِ، والعُلوِّ، والاستواءِ على العَرْش، والإتيانِ، والمَجِيءِ، والنُّزولِ إلى سَمَاءِ الدُّنْيا، وأنَّ له وجْهًا، ويَداً، وقَدَماً، وساقاً، وعَيْناً، إلى غير ذلكَ من صفاتِهِ التي نطَقَ بها الكتابُ والسُّنَّةُ. ومِن صفاتهِ تعالى اشتقَّ أسماءَه الحُسنى، كالعَليم، والحَيّ، والقادرِ، والوَدود، والرَّحِيم، والرَّؤوفِ، إلى غير ذلك. وعقيدةُ السَّلَفِ الذين كانوا أعلمَ الأمَّةِ وأعرفَها بالله ربِّ العالَمين: الإيمانُ بجميع ذلك على وجْهِ الإِجمالِ فيما جاءَ مُجْملًا، وعلى وَجْهِ التّفصيل فيما جاءَ مُفصْلًا، من غيرِ تزَيُّدٍ ولا نَقْصٍ، وكانَ هذا الاعتقادُ يقومُ على أربعِ دعائمَ: الأولى: الإثبات المُفصّل المُجْمَل لكلِّ صفةٍ كما ورَدَ بها النصُّ.

стр. 64

فيتحقَّقُ بهذا قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وما في معنى هذا. والثانية: التَّنزيهُ، وعَدَمُ التكييفِ والتشبيهِ. فيتحقَّقُ بهذا قولُ الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ...﴾ [الإسراء: ٣٦]. والثالثة: عَلَمُ التأويلِ المُفْضِي إلى التَّعطيل. فيتحقَّقُ بِهذا قولُ الله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]. والتَّعطيلُ: إلحادٌ في أسماءِ الله وصفاتهِ. والرابعة: العِلمُ بالله تعالى والمَعْرِفَةُ به من خِلال صفاتِهِ. فيتحقق بهذا قول الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. فالدِّعامةُ الأولى تضمَّنَت الإِيمانَ بكل صفةٍ لله تعالى كما وردَتْ في الكتاب والسنَّة. والدِّعامةُ الثانية تضمَّنَت تنزيهَ صفاتِ الرب تعالى عن مُشابهة صفاتِ خلقهِ. والدِّعامةُ الثالثة تضمَّنَت إثباتَ كلّ صفةٍ على الحقيقةِ كما ورد بها

стр. 65

النَّصُّ، من غير صَرْف له إلى معنى آخر غير الظاهر. والدِّعامة الرابعة تضمَّنت أن السَّلَفَ كانوا يعلَمونَ معانيَ الصفاتِ، ويفرّقونَ بينها بحَسَبِ ما دلَّتْ عليه ممّا تعرفُهُ العربُ من لسانِهِا، فالعلمُ غيرُ الحياةِ، والإِتيانُ غيرُ الاستواءِ على العرش، واليَدُ غير الوجهِ، وهكذا سائر الصفات. وفي هذا إبطالُ قولِ المُلحدينَ في أسماءِ الله وصفاتِهِ في حكايتهم مذهبَ السَّلَف: أنَّهم كانوا مُفوّضةً، ويعنونَ بهذا أنَّهم لم يكونوا يعلَمونَ معانيَ الصِّفاتِ، ولا التَّمييزَ بينها، وأنَّها من المُتشابهِ الذي يَكِلونَ العِلْمَ به إلى الله تعالى، ولهذا معنى قولهم "أمِرُّوها كَما جاءَت". وهذا القولُ من أفْسَدِ ما يُنْسَبُ إلى السَّلَفِ، وهو من الكذب والبُهْتان والافتراءِ البَيِّن، ذلك لأنَّ الصفاتِ إنَّما تُعَرِّفُ بالمَوصوفِ، فإذا كانَ السَّلَفُ يَجْهَلُونَ مَعانِيَهَا فكيفَ كانوا أعلم من غيرِهم بالله تعالى؟ وبماذا عَرفُوه إذًا؟ إنَّ هذا لمِنْ أسوإ ما يُظَنُّ بهم، وهم خيرُ هذه الأمَّةِ، وفيهم أصحابُ رسول الله ﷺ الذين لم يَقْدِرِ الله تعالى أحدٌ قدرَهم. وإنَّما كان السَّلَفُ أبعَدَ الناس عن الخوضِ فيما لم يُحيطوا به عِلمًا ممّا أخبرَ الله تعالى عنه من الغيبِ، فكما أنَّهم لم يكونوا يحيطونَ بذات الله عِلمًا، لَم يكونوا يحيطونَ بصفاتِهِ علمًا، إذ الكلامُ في الصفات فرعٌ عن الكلام في الذاتِ، إلاَّ أنَّ صفاتِهِ كانتْ دليلَ المعرفةِ به، ولا تصلحُ أن تكونَ كذلك وهي من المتُشابهِ الذي ليسَ للعبادِ أن يعلَموا حقيقَتَه، وإنَّما كانَتْ معلومةَ المَعاني عندَهم، مجهولةَ الكَيْفِ، كما أنَّ ذاتَه تعالى معلومةٌ عندهم بصفاتِهِ، مجهولةُ الكَيْفِ، ولهذا معنى إمرار الصفات كما جاءت.

стр. 66

بل تضمَّن قولهُم: "نُمِرُّها كما جاءَت" إثباتَها على الحقيقة، فإنَّ الأصلَ في الإطلاق الحقيقةُ، فالعلمُ صفةٌ على الحقيقة، والقدرةُ صفةٌ على الحقيقةِ، واليَدُ صفةٌ على الحقيقة، مع أنَّ لكل صفةٍ معنى غير معنى الأخرى، تَعْرِفُ ذلك العربُ من لغاتِها. ومن تأمَّلَ جوابَ الِإمام مالك بن أنس ﵀ لِمَنْ سألَه عن كيفيَّةِ الاستواءِ على العَرْشِ، فقال: "الكَيْفُ غيرُ مَعلومٍ، والاستواءُ غيرُ مجهولٍ، والإيمانُ به واجبٌ، والسُّؤال عنه بدعةٌ" تبيّنت له عدّةُ أمورٍ: الأول: كيفيةُ الصفات مجهولةٌ للعباد. والثاني: معاني الصفاتِ معلومةٌ من لسان العرب ولُغتها. والثالث: الإِيمانُ بالصفة كما أخبر الله بها مع الجَهْلِ بكيفيَّتها والعلم بمَعناها واجبٌ, لأنَّه داخلٌ في عمومِ الإِيمان بالله تعالى. والرابع: أنَّ الزيادةَ والنقصَ بالسؤالِ والخَوْضَ فيها بدعةٌ مذمومةٌ لم تُعْرَف عند السَّلَفِ، لِما تتضمَّنُ من القول على الله تعالى بغير علم. ولم يزل الأئمةُ يذكرونَ كلمةَ الإِمام مالكٍ هذه قاعدةً لأهلِ السُّنَّة في سائر صفاتِ الباري تعالى. فبهذا يظهَرُ لكَ استقامةُ اعتقادِ السَّلَف، وأنَّه المذهبُ الأسلمُ الأعلمُ الأحكمُ. قال الإِمام أبو عثمانَ الصابونيُّ ﵀ فيما حكاه من اعتقادِ السَّلَفِ: "وَيَعْرِفونَ ربَّهم بصفاتِهِ التي نطقَ بها وحيُهُ وتنزيلُهُ، أو شَهِدَ له بها رسولُه ﷺ ، على ما ورَدَت الأخبارُ الصحاحُ بهِ، ونقَلَتْهُ العدولُ

стр. 67

الثِّقاتُ عنه، ويُثْبِتونَ له ﷻ منها ما أثبتَ لنفسهِ في كتابِهِ، وعلى لسانِ رسولِهِ ﷺ ، ولا يَعتقدونَ تشبيهًا لصفاتِهِ بصفاتِ خلقهِ، فيقولونَ: إنَّهُ خلقَ آدَمَ بيدهِ، كما نصّ سُبحانه عليه في قوله عزَّ من قائل: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ولا يُحَرِّفونَ الكلِمَ عن مواضعهِ بحَمْلِ اليَدَيْنِ على النّعمتين، أو القوّتين، تحريفَ المعتزلةِ والجَهميةِ -أهلكَهم الله- ولا يُكيْفونَهما بكَيْفٍ، أو يشبّهونَهما بأيْدي المَخلوقينَ، تشبيه المشبِّهة -خذَلَهم الله- وقَدْ أعاذَ الله تعالى أهلَ السُّنَّة من التحريفِ والتكييفِ والتشبيهِ، ومَنَّ عليهم بالتعريفِ والتفهيمِ، حتى سلَكوا سُبُلَ التوحيدِ والتنزيه، وتركوا القولَ بالتعليلِ والتشبيهِ، واتَّبعوا قولَ الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] " (١٦). وقال شيخُ الإِسلام ﵀: "إنَّ سلفَ الأمَّةِ وأئمَّتَها كانوا على الإِيمان الذي بعثَ الله به نبيَّه ﷺ ، يصِفون الله بما وصَف به نفسَه، وبما وصَفَه به رسولُهُ من غير تحريفٍ، ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ، ويقولون: إنَّ القرآنَ كلامُ الله تعالى، ويصفونَ الله بما وصفَ به نفسَهُ، من التكليمِ، والمُناجاة، والمُناداةِ، وما جاءت به السُّنَنُ والآثارُ موافقةً لكتاب الله تعالى" (١٧). وقال ﵀: "ويقولونَ ما جاءت به النصوصُ النبويَّةُ، ودلَّتْ عليه العقولُ الزَّكيَّةُ الصَّريحةُ، فلا يَنْفونَ عن الله تعالى صفاتِ الكَمالِ سبحانه

стр. 68

وتعالى، فيجعلونَه كالجَمادات التي لا تتكلَّم، ولا تُبْصِرُ، فلا تُكَلِّمُ عابديها، ولا تَهديهم سَبيلًا، ولا تَرجِع إليهم قولًا، ولا تَمْلِك لهم ضرًّا ولا نفعًا" (١٨). فهذا قولٌ مُخْتَصَر قبلَ الشروع فيما أردناه تحصل به الكفايةُ لمن استرشَدَ. *****

стр. 69

الفصل الثالث: شرح اعتقاد السلف فى كلام الله تعالى وفيه عشرة مباحث: = المبحث الأول: جملة اعتقاد أهل السنة فى كلام الله تعالى. = المبحث الثانى: الأدلة المثبتة لصفة الكلام. = المبحث الثالث: التكليم فى الدنيا. = المبحث الرابع: التكليم فى الآخرة. = المبحث الخامس: كلام الله تعالى غير مخلوق. = المبحث السادس: الوقف في القرآن. = المبحث السابع: كلام الله تعالى بحرف وصوت. = المبحث الثامن: كلام الله تعالى بمشيئته واختياره. = المبحث التاسع: تفاضل كلام الله تعالى. = المبحث العاشر: كلام الله تعالى منزل منه, منه بدأ وإليه يعود.

стр. 70

المبحث الأول: جملة اعتقاد أهل السنة في كلام الله تعالى يعتقدُ السَّلَفُ: أنَّ لله تعالى صفةَ الكلامِ، وهي صفةٌ قائمةٌ به غير بائنةٍ عنه، لا ابتداء لاتِّصافِهِ بها ولا انتهاء، يتكلّمُ بها بمَشيئتِهِ واختياره. وكلامُه تعالى أحسَنُ الكَلام. ولا يُشْبه كلامَ المَخلوقينَ، إذ الخالقُ لا يُقَاسُ بالمَخلوقِ. ويُكَلَّمُ به مَن شاءَ من خَلْقهِ: من مَلائكتهِ، ورُسُلهِ، وسائِرِ عبادِهِ، بواسطةٍ إن شاءَ، وبغيرها. ويُسْمِعُه على الحَقيقة مَن شاءَ من مَلائكتهِ، ورُسُلِهِ، ويُسْمِعُه عبادَه في الدّار الآخرةِ بصَوْتِ نفسِهِ، كما أنَّهُ كلَّمَ موسى وناداهُ حينَ أتى الشجرةَ بصَوْتِ نفسِهِ فسَمِعَهُ موسى. وكما أنَّ كَلَامَهُ تعالى لا يُشْبِهُ كلامَ المَخلوقينَ، فإنَّ صَوْتَهُ لا يُشْبِهُ أصواتَهم. وكَلِماتُهُ تعالى لا نِهايَةَ لها. ومِنْ كَلاَمِهِ:

стр. 71

القُرآنُ، والتَّوارةُ، والإِنْجيلُ. فالقرآنُ كلامُه: سُوَرُهُ، وآياتُهُ، وكَلِماتُهُ. تَكَلَّمَ به بحُروفِهِ ومَعانيهِ. ولم يُنْزِلْه على أحدٍ قبلَ محمَّد ﷺ . أسمعَهُ جِبريلَ ﵇، وأسْمَعَهُ جبريلُ مُحَمَّدًا ﷺ ، وأسْمعَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ أمَّتَهُ، وليسَ لجبريلَ ولا لمُحَمَّدٍ ﷺ إلاَّ التبليغُ والأداءُ. وهو المكتوبُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهو الَّذي في المَصاحِفِ، يَتْلوهُ التالونَ بألسنتِهم، ويقرؤُهُ المُقرئونَ بأصواتِهم، ويسمَعُهُ السَّامعونَ بآذانِهِم، ويَنْسَخُهُ النُّسَّاخُ، ويَطْبَعُهُ الطَّابعونَ بآلاتِهِم، وهو الَّذي في صُدورِ الحُفَّاظِ، بحُروفهِ ومَعانيهِ، تكلَّمَ اللهُ بهِ على الحَقيقةِ، فهو كلامُهُ على الحَقيقةِ لا كَلامُ غيرِهِ، منه بَدَأ، وإليه يَعودُ، وهو قُرآنٌ واحدٌ مُنْزَلٌ، غيرُ مَخلوق، كيفَما تصرَّفَ: بقراءةِ قارئ، أو بلفظِ لافظٍ، أو بحِفْظِ حافظٍ، أو بخَطِّ كاتبٍ، وحَيثُ تُلِيَ، وكُتِبَ، وقُرِىءَ. فمَنْ سَمِعهُ فزَعَم أنَّه مَخلوقٌ فَقَدْ كَفَرَ. وكَتَبَ تَعالى التَّوْراةَ لمُوسى بيدهِ، قبلَ خَلْقِ آدمَ بِأربعينَ سَنَةً -كما صحَّ به الخبرُ-. وكَلامُ الله تعالى ينقَسِمُ وَيَتَبعَّضُ ويتَجزَّأ. فالقرآنُ مِن كلامِهِ، والتَّوراةُ من كلامِهِ، والإِنجيلُ من كلامِهِ. والقرآنُ غيرُ التْوراةِ، والتَّوراةُ غيرُ الإِنجيلِ.

стр. 72

والفاتحةُ بعضُ القُرآنِ، وآيةُ الكُرْسيّ بعضُ البقرةِ، وسُورةُ البَقرةِ غيرُ سورةِ آلِ عِمْرانَ، وهكذَا سائرُ كلامِهِ. كَمَا أنَّهُ تعالى تكلَّمَ باللُّغاتِ، فالتَّوْراةُ بالعِبْرانِيَّةِ، والقرآنُ بالعَربِيَّةِ، والإِنجيلُ بالسريانيَّةِ. وفي القرآنِ من المَعاني ما لَيْسَ في التَّوراةِ، وفيها من المَعاني ما ليسَ في القرآنِ، وهكذا سائرُ كَلامِهِ. كَما أنَّ كلامَه تعالى يتفاضَلُ، فيكون بعضُهُ أفضَلَ مِنْ بَعْضٍ، فآيةُ الكُرْسي أفضَلُ من سِوها من الآي وسُورةُ الفاتحةِ لَمْ يَنْزلْ في التَّوراةِ ولا في الإِنجيلِ ولا في القُرآنِ مِثْلُها، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآنِ. كَمَا أنَّ كلامَهُ تعالى يتعاقَبُ -أي يَتْلو بعضُهُ بَعْضًا - كـ ﴿بسم الله﴾ فكلمةُ ﴿الله﴾ عَقبَ ﴿بسم﴾ والسّينُ عقبَ الباءِ، والمِيمُ عقبَ السّينِ، وكُلُّ ذلكَ كلامُ الله تعالى غَيرُ مَخْلوقٌ، بألفاظِهِ وحروفهِ، لا يُشْبِهُ كلامَ الخَلْقِ. وأصواتُ العبادِ وحَرَكاتُهم بالقرآنِ، ووَرَقُ المُصْحَفِ، وجِلْدُهُ ومِدادُ الكتابةِ، كُلّ ذلكَ مَخْلوقٌ مَصْنوعٌ، والمُؤلَّفُ من الحُروفِ المَنطوقةِ المَسْموعةِ المَسْطورةِ المَحْفوظةِ، كَلامُ الله تعالى غيرُ مَخْلوقٍ بحروفِهِ ومَعانيهِ. هذه جملةُ الاعتقادِ في كلام الله تعالى, وتفصيلُ هذه الجُمَلِ والاستدلالُ لها سيأتي في المباحث الآتية.

стр. 73

المبحث الثاني: الأدلة المثبتة لصفة الكلام • من أدلة الكتاب: ١ - قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ الله﴾ [البقرة: ٢٥٣]. ٢ - وقالَ : ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ٤ - وقال تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى. إِنَّنِي أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٣ - ١٤]. ٥ - وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الأيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠]. ٦ - وقالَ تعالى: ﴿إِنَّما قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].

стр. 74

٧ - وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]. ٨ - وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَهُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥]. ٩ - وقال جلَّ وعلا: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ﴾ [الفتح: ١٥]. ١٠ - وقال تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]. ١١ - وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]. والأيات في ذلك كثيرةٌ جدًا. • من أدلة السنة: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "احتجّ آدمُ وموسى، فقالَ له موسى: يا آدم، أنتَ أبونا، خَيَّبْتَنا وأخرَجْتَنا من الجنَّة، قال له آدم: يا موسى، اصطفاكَ الله بكلامِهِ، وخَطَّ لكَ [التوراةَ] بيدهِ، أتلومُني على أمْرٍ قدَّرهُ الله عليَّ قبلَ أن يخلقَني بأربعينَ سنةً؟ فحَجَّ آدمُ موسى، فحَجَّ آدمُ موسى -ثلاثًا-" (١).

стр. 75

٢ - حديث جابر بن عبد الله قال: كانَ النبيُّ ﷺ يَعْرضُ نفسَه على الناس بالموقفِ فيقول: "هلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُني إلى قومِهِ؟ فإنَّ قريشًا قدْ مَنعوني أن أبلِّغَ كلامَ رَبِّي " الحديث (٢). ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "فضلُ كلامِ الله على سائرِ الكلامِ كفَضْلِ الله على سائرِ خلقِه" (٣).
следующие страницы →