والتَّسْمياتُ هي الأقوالُ المؤلَّفةُ من الحُروفِ، مثل: (الرَّحمن، الرَّحيم، السَّميع، العَليم) (١) وهذه مخلوقةٌ عندَهم؛ لأنَّها ألفاظٌ، والألفاظُ مخلوقةٌ.
وهذا مِنْهم خَرْقٌ لِما دَلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّةُ وكلامُ العَرَب، فإنَّ العربَ لا تَعْرِفُ التَّسميةَ إلاَّ النُّطْق بالاسم والتكلُّم به، وليسَتْ هي الاسمَ نفسَه، وأسماءُ الأشياءِ هي الألفاظُ المُعَرِّفةُ بها الدَّالَّةُ عليها، ليستْ هي أعيانَ الأشياءِ (٢).
فـ (زيد) اسمُ عَلَمٍ بلا نِزاعٍ، فإذا سُمّيَ أحدٌ به لم يكنْ هو عَيْنَ المسمّى، وإنَّما هو اللَّفْظُ الدَّالُّ عليه، وإطلاقُ هذا اللَّفظ على زيد هو تسميتهُ به، وهذا بَيَّنٌ لا يَخْفى إنْ شاء الله.
وقد نَطَقَ الكتابُ والسُّنَّةُ بأنَّ لله تعالى الأسماءَ الحُسْنى، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقالَ النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ لله تِسعةً وتسعينَ اسْماً، مئةً غير واحدٍ، مَن حفِظَها دخَلَ الجنَّةَ" (٣).
فقالت الجَهميةُ والمُعْتزلةُ: الاسمُ غيْرُ المسمَّى، فأسماءُ الله غيرُهُ، وكلُّ شَيْءٍ غيرُ الله مخْلوقٌ، فـ (الرَّحمن، الرَّحيم، الحَيّ، القيّوم ...) هذه الأسماءُ المؤلَّفةُ من الحُروفِ، وغيرُها من الأسماءِ الحُسنى مخلوقةٌ
стр. 387
عندَهم.
فأرادَ الأشعرية ومَنْ على شاكِلَتِهم إبطالَ قولِهم، فقالوا: الاسْمُ هو المسمَّى، أي: عينُهُ، فاسْمُ الله هو الله، والله غيرُ مَخلوق، فاسمهُ غيرُ مَخْلوق، وهذا في الحَقيقة لا تُخالِفُ فيه الجَهْميةُ، فإنَّهم يعتقدونَ أنَّ الله تعالى غيرُ مخلوق وهم إنَّما قالوا بخَلْق الأسماءِ التي هي الأقوالُ الدَّالَّة على المُسمَّى كـ (الرَّحمن، الرَّحيم) وهذه عندَ الأشعريَّةِ تَسْمياتٌ، وهي ألفاظٌ مَخْلوقةٌ، فأيّ فَرْقٍ بين اعتقادِ الطائفتين من جِهَةِ الحَقيقة والمَعنى؟
قالَ شيخُ الإِسلام: "وافَقوا الجَهْميةَ والمعتزلةَ في المعنى، ووافقوا أهلَ السُّنَّة في اللَّفْظ" (٤).
والسَّلفُ لم يكونوا يَعْرِفونَ الكلامَ في الاسم والمسمَّى، وإنَّما يعلَمون أنَّ لله تعالى الأسماءَ الحُسنى، ولما ظهَرَت مقالةُ الجَهمية في ذلك أنكَرَها الأئمَّةُ، وكانَ في علماءِ السُّنَّةِ مَنْ أطلقَ القولَ في الرَّدّ علَيْهم، فقال: الاسمُ هو المُسمَّى، وهذا الِإطلاقُ مُوافقٌ لإِطلاقِ الأشعريةِ، لكن يُخالِفه في المَعنى، فإنَّ مَن أطْلق ذلكَ من أئمَّةِ السُّنَّة لم يُريدوا أنَّ الاسمَ هو عَيْنُ المسمَّى.
وأكثرُ أئمةِ السُّنَّة على إنكار هذه المقالةِ نَفْياً وإثباتاً, لأنَّ كُلاًّ من الإِطلاقين بدْعَة تجرُّ إلى محاذيرَ، كما جرَّت الجَهمية والأشعرية إلى القولِ بخَلْق الأسماءِ الحُسنى (٥).
стр. 388
ويُبْطلُ قولَ هؤلاء المُبتدعةِ أنَّ أسماءَ الله تعالى مِن كلامِهِ، وقَدْ بَيَّنا الاعتقادَ فيه، وأنَّه غيرُ مَخلوقٍ، فأسماؤُهُ تعالى غيرُ مخلوقةٍ.
وعلى ذلك نَصَّ الأئمةُ ﵏، واستدلّوا بذكْرِ الأسماءِ في كلام الله على بُطْلانِ قَوْل مَن يقولُ بخَلْق القُرآنِ العَربيّ المُبينِ.
فمِنْ ذلك:
١ - قولُ الإِمام الشافعيّ ﵀: "مَن حلَف باسْم مِن أسماءِ الله فحنثَ فعليْهِ الكفَّارةُ, لأنَّ اسمَ الله غيُر مَخْلوقٍ، ومَن حَلَفَ بالكعبةِ أو بالصَّفا والمَرْوَة فليس عليه الكفَّارةُ, لأنَّه مخلوقٌ، وذاكَ غيرُ مخلوقٍ" (٦).
قلتُ: والحَلف إنَّما يقَعُ بالألفاظِ، كـ (والله، والرَّحمن، والخالق، والعزيز) ونحو ذلك، فلو قيلَ: هذه ألفاظٌ مخلوقةٌ، وغيرُ المَخلوقِ إنَّما هو مسمَّاها -كما يقولُه مُحَقِّقو الأشعرية- وهذه موضوعةٌ للدَّلالةِ عليه، فلا فَرْقَ حينئذ بين الحَلِفِ بها، والحَلِفِ بالكعبةِ والصَّفا والمَرْوَة, لأنَّ الجميعَ مخلوقٌ، وذلكَ لأنَّ الحالفَ إنَّما يحلِفُ بالاسْم الذي هو القَوْلُ واللَّفْظُ المؤلَّفُ من الحُروفِ، الذي يُرادُ به المُسمَّى، وهذه عندَ الأشعرية تَسْمِياتٌ مَخْلوقةٌ.
٢ - وقَوْلُ أبي داودَ: سمعتُ أحمَدَ -يعني ابن حنبل- ذكَرَ له رَجُلٌ
стр. 389
أنَّ رَجُلًا قالَ: إنَّ أسماءَ الله مخلوقةٌ، والقُرْآنُ مَخْلوقٌ، قال أحمدُ: "كُفْرٌ بَيِّنٌ" (٧).
وقال عبد الله بن أحمدَ: سمعت أبي ﵀ يَقُولُ: "مَن قالَ: القرآنُ مخلوقٌ، فهو عندَنا كافرٌ, لأنَّ القرآنَ من عِلْمِ الله ، وفيه أسماءُ الله " (٨).
٣ - وقَوْل إسحاقَ بن راهُوَيْه: "أفْضَوا -يعني الجَهمية- إلى أنْ قالوا: أسماءُ الله مخلوقةٌ, لأنَّهُ كانَ ولا اسْمَ، وهذا الكفْرُ المَحْضُ, لأنَّ لله الأسماءَ الحُسْنى، فَمن فرَّقَ بين الله وبين أسْمائِهِ وبين علْمهِ ومشيئتهِ، فجعَل ذلك مخلوقاً كلَّه، والله خالِقُها، فقَدْ كَفَرَ، ولله تسعةٌ وتسعونَ اسماً، صحَّ ذلكَ عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قالَهُ، ولقَدْ تكلَّمَ بعضُ مَنْ ينْسَب إلى جَهْمٍ بالأمْرِ العَظيمِ، فقال: لو قُلْتُ: إنَّ للرَّبِّ تسعةً وتسعينَ اسْماَّ لَعَبَدْتُ تسعةً وتسعينَ إلهاً، حتى إنَّه قالَ: إنِّي لا أعبُدُ الله الواحدَ الصَّمَدَ، إنَّما أعْبُدُ المُرادَ به، فأيّ كلامٍ أشَدُّ فِريَةً وأعظمُ من هذا، أنْ يَنْطِقَ الرَّجلُ أنْ يقولَ: لا أعبُدُ الله؟ " (٩).
قلتُ: والجَهْميَّةُ أرادوا إنكارَ أسماء الله بدَعْوى أنَّ تعدْدَها تعدّدٌ للآلهة، فقالوا: هي غيرُ الله، وهي مَخْلوقةٌ، ليُبْطِلوا تعلُّقَها بالله تعالى، والأشعريَّةُ قالوا: التعدُّدُ دليلُ الحدَثِ والخَلْق، والقَديمُ لا يتعدَّدُ والأسماءُ
стр. 390
مَعدودةٌ، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : "مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ" وَلا يقعُ الحَصْرُ والإِحصاءُ إلاَّ لما هو مَخلوقٌ، فهذِهِ الأسماءُ مخلوقةٌ، وهي دالَّةٌ على المُسمَّى، كَما أنَّ الألفاظَ في الكلام دالَّةٌ على الكَلام الحَقيقيّ، ولَيْسَتْ هي الكلامَ، لكنَّهم عَسُرَ عليهم القولُ: إنَّ الأسماءَ مخلوقةٌ، فقالوا: هي غيرُ مخلوقةٍ, لأنَّ الاسْمَ هو المُسمَّى، والمتعدِّدَ هو التَّسْمياتُ لا الاسْمُ، فأبْطَلوا المعلومَ من اللُّغَة والشَّرْع بفاسدِ الرأي.
ولقد أورَدَ البخاريّ ﵀ إلزاماً على الجَهْمية، هو واردٌ على الأشعريَّةِ أيضاً، قال:
"وقالوا: إنَّ اسمَ الله مخلوقٌ، ويلْزَمُهم أن يَقولوا إذا أذَّنَ المؤذِّنُ، لا إِشله إلاَّ الذي اسْمه الله، وأشْهَد أنَّ محمَّداً رسولُ الذي اسمه الله, لأنَّهم قالوا: إنَّ اسمَ الله مَخْلوق" (١٠).
فتأمَّلْ -رحمك الله- مذهبَ الأشعرية في أسماءِ الله، واعْلَم أنَّهم يُنزّهونَ اسْمَ الله القَديم عن أنْ يكونَ مُؤلّفاً من حُروفٍ مَنْظومَةٍ.
يقولُ ابنُ عَساكر -وهو منهم معَ ما لَه من العِلْم والجَلالة -وهو يَصِفُ المُشبّهةَ: "وَغَلَوا في إثبات كلامِهِ -أي الله تعالى- حتى حَسِبوهُ يَحْتمِلُ بجَهْلهم تجزّؤاً وانقساماً، وظنّوا اسمَ الله القَديم ألِفاً وهاءً تتلو لاماً ولاماً" (١١).
قلتُ: وهذه الجُمْلَة ليْسَت مِن مُعْتقَد المُشبّهةِ الضُّلاّل، وإنَّما هو
стр. 391
معتقَدُ أهل السُّنَّة الأبرياءِ من اعتقادِ أصْحابِ البِدَع، وقد شَرَحْناه عنهم فيما سبَقَ في الباب الأوَّل، وبيَّنا أنَّ كلامَه تعالىَ يتجزَّأ ويتبعَّضُ، وهذا القرآنُ أبْيَنُ حُجَّةٍ عليه، ونبيّن هُنا أنَّ أسماءَ الله تعالى هي ألفاظٌ دالَّةٌ على المَعاني، عَرَّفَ الله بها نفسَه، كما عَرَّفَ نفْسَه بسائرِ صفاتهِ، فإنَّ أسماءَه صفاتٌ له تعالى، واسمُ (الله) هو المؤلَّف من ألف وهاء تتلو لاماً ولاماً، لأنَّ اسْمَ الله عندَنا ما دَلَّ على ذاتهِ تعالى، ألا ترى أنَّ الله أمرَ عبادَه بتسبيحهِ كما أمرهم بتسبيح اسْمهِ، فقال: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢] وقالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وقالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤, ٩٦ الحاقة: ٥٢]؟ والعِبادُ يُجيبونَ: سُبْحان الله، سُبحانَ رَبّي الأعلى، سبحانَ ربي العظيم، فبيَّن تعالى أنَّ تسبيحَ اسمهِ تسبيحٌ له, لأنَّ الاسمَ إنَّما يُراد به المُسَمَّى، ومثل ذلك في دعائه تعالى بأسمائِهِ وذِكْره بها.
وكذا بيَّنَ أنَّ اسمَه تعالى مُبارَكٌ، فقال: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] وقال: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] فأسماؤهُ تعالى مباركَة لبَرَكةِ المُسمَّى بها، وهو الرَّبُّ تعالى.
والمقصودُ هنا بيانُ أنَّ الأشعريَّة جانَبوا الصَّوابَ باعتقادِهم أنَّ الأسماءَ الحُسنى المتعدِّدَة لله تعالى إنَّما هي التَّسْميات، وهي ألفاظٌ مُحْدَثةٌ مَخلوقةٌ، واسْمُ الله القَديم هو ذاتُه تعالى.
وبيان أنَّ هذا ليسَ بينَه وبين قَوْلِ الجَهْمية فرْقٌ في المعنى والحَقيقة، إذْ الجميعُ قالوا بخَلْق الأسْماءِ، التي هي الألفاظُ التي يُرادُ بها
стр. 392
المُسمَّى، ومَنعوا من ذلكَ للتَّعَدُّدِ، إلاَّ أنَّ الجهميةَ صَرَّحوا أنَّ التعدُّدَ في الأسماءِ تعدّدٌ في الذَّواتِ، وهذا عندَهم تعدّدٌ للآلهةِ، والأشعرية لم يُصَرِّحوا بذلك، فالخِلافُ بينَهم وبين الجَهميةِ في هذه القضيَّة خِلافٌ لَفْظيٌّ.
стр. 393
المبحث الخامس: وجه التوافق بين قولي المعتزلة والأشعرية في القرآن
بَعْدَ هذا العَرْضِ لاعْتقادِ الأشعريَّةِ في كلام الله تعالى، وَمُقارنتهِ باعتقادِ السَّلَف، واعتقادِ الجَهمية المعتزلةِ، يتبيَّنُ لكَ مُجانَبتُهم في ذلك لاعتقادِ السَّلَف والأئمَّة ومُبايَنَتُهم فيه، ومُوافَقَةُ المُعتزلةِ الجَهميةِ في حقيقة الأمْرِ، وأنَّ الخلافَ بينهم وبين المعتزلةِ يشبهُ أن يكونَ خِلافاً لفظيّاً، بل هو فيما أرى كذلكَ، وقد صَرَّحَ بهذه الحَقيقةِ مُحقِّقُهم إمامُ الحَرَمينِ، فقال: "وقولُهم: إنَّه كلامُ الله تعالى، إذا رُدَّ إلى التَّحصيل آل الكلامُ إلى اللُّغاتِ والتَّسْمياتِ، فإنَّ معنى قولهم: هذه العباراتُ كَلامُ الله: أنَّها خَلْقُه، ونحنُ لا نُنْكِرُ أنَّها خَلْقُ الله، ولكنْ نمتنعُ من تسميةِ خالق الكلام مُتكلِّماً به، فقد أطْبَقْنا على المَعنى، وتَنازَعْنا بعد الاتفاق في تسميتهِ" (١٢).
قلتُ: وبيانُ هذه المُوافقة لاعتقادِ المعتزلة من وَجْهين:
الأوَّل: المُعتزلة لا يُجوّزونَ قيامَ الصِّفاتِ والأفعالِ بذاتهِ تعالى، فوافَقَهم الأشعريةُ في نَفْي قيام الأفْعال بذاتهِ تعالى، فَنَفَوْا لهذا أنْ يقومَ به تعالى ما يتعلَّقُ بمشيئتهِ واختيارهِ، فنتَجَ قولُهم: الكلامُ معنى واحدٌ أزليُّ
стр. 394
-وقد أبَنْتُ لكَ عن بُطْلانِ هذا المَذْهب- وقالوا: كلُّ ما تعلَّقَ بالمشيئةِ والقدرةِ فهو مخلوقٌ، فوافق الأشعريةُ المعتزلةَ في شَطْرِ قولِهم، فنفَوْا قيامَ الأفعالِ، وقالوا: هي مخلوقةٌ، وأثْبَتوا قيامَ الصِّفاتِ على تَفصيلٍ ليسَ هذا مَحَلُّه.
والثاني: إنَّ ما تألَّفَ من الحُروفِ والألْفاظ فهو مخلوقٌ عندَ الأشعرية والمعتزلةِ، لكنَّ الأشعريةَ يقولونَ: هو عبارةٌ عن الكَلامِ القَديم، والمعتزلةَ يقولونَ: بل هو كلامُ الله على الحَقيقةِ، إذْ لَمْ يُقرّوا للأشعريَّةِ بقولِهم الذي شرَحْناهُ عنهم في إثباتِ الكَلام النَّفْسي لفَسادهِ.
فرَجَعَ قولُهم إلى الاتّفاقِ على كوْنِ القُرآن العَربيّ مَخلوقاً، وفي قَوْلِ المعتزلةِ من المُوافَقَةِ اللَّفظية للسَّلَف في هذه القضيَّةِ أكثرُ من قَوْلِ الأشعريَّةِ، ذلكَ لأنَّهم سمَّوْهُ كلامَ الله حقيقةً، أمَّا الأشعريَّةُ فتحقيقُ قَوْلِهم أنْ ليسَ لله في الأرضِ كَلامٌ على الحَقيقةِ، ويُطْلِقونَ على القرآنِ كلامَ الله مَجازاً على أرْجَح أقْوالِهم.
قالَ شيخ الإِسلام: "وهذا شرٌّ من قَوْلِ المُعْتزلةِ، وهذا حقيقةُ قَوْلِ الجَهْميَّة" (١٣).
وقد تقرَّرَ أنَّ كلامَ الله تعالى، مَعاني وألفاظٌ يتكلَّمُ بها ربُّنا متى شاءَ، وكما شاءَ، والقرآن العربيُّ كَلامُه، والتَّوراة العِبْريَّةُ كلامه، وكلُّ ذلك على الحَقيقةِ لا على المَجاز، وهو غيرُ مَخلوقٍ كيفَ تصرَّفَ، ولا يَعْرِفُ المُسلمونَ منذُ عَهْد النُّبُوَّةِ قرآناً غيرَ هذا العربيّ، ولا يَعْرِفونَ ما بَيْنَ الدَّفَّتين
стр. 395
إلاَّ كلام الله على الحَقيقةِ، فنازَعَتْهم المعتزلةُ الجهميةُ في هذا القرآن لا في غيرهِ، فقالَتْ: مخلوقٌ، وقال أهلُ السُّنَّة: كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، ولم يَخْطُرْ ببالِ أحَدٍ قبْلَ ابن كُلاّب -أصْلِ الأشعريَّةِ- أنَّ كلامِ الله هو الكلامُ النَّفْسيُّ وهو غيرُ مَخْلوقٍ، فالأئمةُ ابْتُلوا وحصَلَ البلاءُ للأمَّةِ جميعاً بسبَب هذا القرآنِ العربيّ لا الكلام النَّفسي الذي لم يَدْرِه الناسُ ولم يَعْرِفوهُ، ولقد كانَ أهْوَن عليهم أنْ يقول للناس بقَوْل الجَهْمية في هذا القرآنِ ويُوافِقوهم فيه, لأنَّ عوامَّ المُسْلمينَ لا يعلَمونَ الخِلافَ الواقعَ إلاَّ في هذا القرآن، إذ لا يَعْلَمون قرآناً سِواهُ، ولهذا أيْسَرُ عليهم في المحنةِ من القَتْلِ والتَّعْذيبِ، إذ لا مَحْظورَ فيه عندَ الأشعريَّةِ إلاَّ سدّ بابِ الذريعة، كما قالَه غيرُ واحد من أئمَّتهم.
يقولُ الباجوريُّ الأشعريُّ: "ومعَ كَوْن اللَّفظ الذي نقرؤهُ حادثاً لا يَجوز أنْ يقال: القرآنُ حادثٌ إلاَّ في مَقام التَّعليم, لأنَّه يُطْلَقُ على الصِّفَةِ القائمةِ بذاتهِ أيضاً، لكن مَجازاً على الأرْجَح، فربَّما يُتَوهَّمُ من إطلاقِ أنَّ القرآنَ حادثٌ أنَّ الصِّفةَ القائمةَ بذاته تعالى حادثةٌ، ولذلك ضُرِبَ الإِمامُ أحمدُ بن حنبل وحُبِسَ على أن يقولَ بخَلْقِ القرآن، فلم يَرْضَ" (١٤).
وقالَ أيضاً: "لكن لا يجوزُ أن يُقالَ: القرآنُ حادثٌ، أو كلامُ الله حادثٌ, لأنَّه وإن كانَ المرادُ به هذه الألفاظ، لكن يوهِمُ الصِّفَةَ القديمةَ، ولذلكَ لا يجوزُ أنْ يقالَ: القرآنُ مخلوقٌ، أو كلامُ الله مخلوقٌ، وقد امتُحنَ كثيرٌ من العُلماء على القَوْل بخَلْقِ القرآن" (١٥).
стр. 396
قلتُ: وهذه مقالَةٌ جائرةٌ، تضمَّنَت الكَذِبَ على الأئمَّةِ، والإِمام أحمدَ بالخُصوص، فإنَّه ﵀ لم يأتِ عنهُ مجرَّد إطلاقِ: القرآنُ غيرُ مَخلوق، وإنَّما نصَّ على إبطالِ كلام أسْلافِ الأشعريَّةِ الذين ظَهَروا في أواخر حياتهِ كالكَرابيسيّ وابن كُلاّبٍ، وهم الَلَّفْظيَّةُ النافيةُ الذين شرحتُ اعتقادَهم في الباب الثاني، بَل نصَّ على أنَّهم جَهْمية، ونصوصُهُ أبْيَنُ مِنْ أنْ تُفسَّرَ وتُفصَّل في ذلك، بل هو وسائرُ إخوانهِ من الأئمَّة أبْعَدُ الناسِ عن اعتقادِ اللفظيَّةِ الذينَ يَعْتَقدونَ أنَّ الألفاظَ القرآنيةَ مخلوقةٌ.
ولو كانَ الأمْرُ كما زَعَمْتُم أنَّ قولَ الأئمَّة: القرآنُ غيرُ مَخْلوق، سدّاً للذَّرِيعة، لئلاّ يُفهَم أنَّ الكلامَ النَّفسيَّ مَخلوقٌ، لكان هذا جَهْلاً منهم وعدَمَ فَهْم لأدنى مقاصدِ الشَّريعةِ -وحاشاهم من ذلك- لأنَّ الأمرَ على قولِكم يكونُ عندَ التَّحْقيق فَتْحاً لباب الذَّريعةِ لا سَدّاً له, لأنَّ اللَّبْسَ والتَّمْويهَ على الأمَّةِ بمقالةِ الأئمَّةِ: القرآنُ غيرُ مَخْلوق، أشدُّ وأعظمُ، وذلك لأنَّ الأمَّةَ أجْمَع تَتْبعُهم على هذه المقالةِ، والأمَّةُ لا تَعْرِفُ قَوْلَهم متوجّهاَّ إلاَّ إلى هذا القرآنِ الَّذي بين الدَّفتين، فيُضيفونَ الكلامَ المخلوقَ -عندَكم- لله، ويجعلونَه صفةٌ له، ويُكفِّرون مَن خالَفهم في ذلك تبَعاً لأئمَّتِهم، فهذا البابُ إذاً أحْوَجُ إلى السَّدِّ من باب الكَلام النَّفسي لِعِظَم البَلوى به، ولكنَّكم حُرِمْتُم التوفيق فلَمْ تَعُوا ما تَقولونَ، وهذا بعضُ ما تَسْتحقّونَه جزاءَ إعْراضِكم عن الوَحْي المَعْصوم، وإقبالِكم على الكَلام المَذموم.
وإضافةً لهذا فإنَّنا -معشر أهل السُّنَّة- نُمْهِلُكم أعمارَكم جَميعاً- وقد أمْهَلْناكم قُروناً- على أنَّ تَأتوا بنَقْلٍ صَحيحٍ أو ضعيفٍ عن أحَدٍ من الأئمَّة زمَنَ المعتزلةِ وقَبْلَه إلى عَهْدِ النبُوة، يُصَرِّحُ لكم أنَّ كلامَ الله معنى واحدٌ
стр. 397
مجرَّدٌ عن الألفاظ، والألفاظ ليسَتْ كلامَ الله على الحقيقةِ، إن كُنتم صادقينَ.
هذا ما نَقْطَعُ بعَجْزِكم عنه، بل إنَّكُم لا تُحبُّونَ الكلامَ فيه خَشْيَةَ الافتضاحِ وبُدُوْ العَوْراتِ، فهذا صاحبكُم الباجوريُّ يقول بمَنْع ذكرِ عقيدتكم لأحدٍ إلاَّ على وجْهِ الشَّرْح والتَّفصيل، ولو قيلَ: على وجهِ التَّلْبيس والتَّضليل لكان ألْيقَ، وإلاَّ فأيّ توحيدٍ هذا الذي يقومُ على الكِتْمان والتَّستُّرِ؟
فأيُّ معنى إذاً خالَفْتُم فيه المعتزلةَ وتتظاهرونَ بالرَّدِّ عليْهم فيه؟
ليسَ لكُم إلاَّ أنَّ المعتزلةَ لا يُثْبتونَ صفةَ الكَلام لله إلاَّ المَخْلوقِ، ولم يَفْصِلوا بين المَخلوقِ والكَلام النَّفَسي القَديم.
وهذا تلبيسٌ قد انكشفَ بفضْلِ الله ومَنَّهِ، والمعتزلةُ خيْرٌ منكم حينَ أبْطَلوا هذا الكلامَ النَّفْسيَّ الذي ابتَدَعْتُموه، على ما هُمْ فيه من البِدْعَة والشَّرِّ، وأنتُمْ حَسِبْتم أنَّكُم وافَقْتُم السَّلَفَ والأئمَّةَ في إثباتِ صفة الكَلامِ، والسَّلَفُ لا يَعرفونَ كلامَ الله تعالى على تفسيركم، بل لا يَعرفونَ كلامَ الله إلاَّ الذي ادَّعَت المعتزلةُ الجَهميَّةُ أنَّه مخلوقٌ، وقوْلُ الجَهمية هذا هو قولُكم.
فالسَّلَف وأهلُ السُّنَّة بَراءٌ من اعتقادِكم.
وبهذا فإنِّي أحْسَبُكَ قَدْ فَهِمْتَ وجْهَ التَّوافُق بين قولَي المعتزلةِ والأشعريَّهِ، وأنَّه في الحقيقةِ قوْلٌ واحدٌ، لكن المعتزلةَ أتَوْا به صَريحاً لا لَبْسَ فيه، وهؤلاء قالوا به بطريقةٍ مُلْتويةٍ مُشَكِّكَة.
стр. 398
ولقد ذكرِتُ في الباب الثاني في مسألةِ اللَّفْظ أنَّ القَوْلَ بخَلْقِ الألفاظ المُنْزَلةِ قولٌ تستَّرت به الجَهْميَّة لِيَلْبِسوا على الناس دينَهم.
قال شيخ الإِسلام: "جمهورُ الناس يقولونَ: إنَّ أصحابَ هذا القول عند التَّحقيق لم يُثْبِتوا له كلامًا حقيقةً غَيْرَ المخلوقِ" (١٦).
• • • • •
стр. 399
المبحث السادس: الأشعرية وأهل السنة في مسألة القرآن
لَقَدْ كانَ المعتزلةُ في الزَّمَن الغابرِ يصِفونَ أنْفُسَهم بـ (أهل السُّنَّة) وكثيرٌ من أهلِ البِدَع كانوا على هذا النَّحْو، والأشعريَّةُ ومثلُهم الماتُريديَّةُ مِمَّن تلقَّبوا بهَذا، فهُم يصِفونَ أنْفُسهم بـ (أهل السُّنَّة) ويقولونَ في اعتقادِهم: إنَّه (اعتقادُ أهل السُّنَّة) وربَّما عَزَّزوا ذلك بأنَّ فيهم كَثْرةً من أهْلِ الفِقْهِ والحَديث، ورُواة السُّنَنِ والآثار.
يقولُ الزَّبِيديُّ: "إذا أطْلِقَ: أهلُ السُّنَّة والجَماعَةِ، فالمرادُ بهم الأشاعرةُ والماتُريديةُ" (١٧).
قلتُ: وَيَنْصُرونَ ذلك بكَثْرَة الأتْباعِ، وهذا مِمَّا اغترَّ به كثيرٌ من أهْلِ زمانِنا ونَسوا غُرْبَة أهْلِ الحَقّ.
ولَقَدْ كانَ الإِمامُ أحمدُ وأتباعُهُ قلَّةً بالنسبةِ إلى المُعتزلةِ لِما كانَ معهم من قوَّةِ السُّلْطان، ولم يكن هذا حجّةً في ميزانِ أهْل الحقِّ على صِحَّة اعتقادِهم، وكان فيهم مَن يُنْسَب إلى الفقهِ والحَديثِ والعِلْم.
стр. 400
وإنَّما الميزانُ عَرْضُ الآراءِ والأقوالِ والمَذاهبِ على الكتابِ والسُّنَّة وما كان عليه سَلَفُ الأمَّةِ، وهذا لا يَحتاج إلى إيضاحٍ، فإنَّه لا يخفى مثلُه على أهل الإِنْصافِ والإِخلاصِ والاتّباعِ، فما وافَقَ الشَّرْعَ منها قُبِلَ، وما لَم يوافِقْ طُرِحَ ونُبِذَ.
والدَّعوى المجردَّةُ رَخيصةٌ لقائلها، ولم يكن لصاحب بدْعَةٍ في يوم من الدَّهْرِ أن يقولَ: إنِّي مُبْتَدعٌ، أو صاحبُ هَوى، خُصوصًا إذا أرادَ لدائهِ أن يَسْرِي في الناس، فإنَّه يتلقَّبُ بأحسن الألقابِ، ويتسمَّى بأحسَنِ الأسْماءِ.
وكما بَطَلَتْ دَعْوى المعتزلةِ الجهميَّةِ في سالِفِ الزَّمان، بطَلَتْ دَعوى الأشعريةِ والماتُريديةِ عندَ أهل الحَقِّ والسُّنَّة، ولقد شَرَحْنا من ذلك ما فيه الدَّلالةُ القاطعةُ على مخالفةِ الأشعريَّةِ والماتُريديَّةِ لاعتقادِ أهْل السُّنَّة ولمَنْهَج السَّلَف، مع أنِّي تناوَلْتُ اعتقادَهم في مسألة القرآنِ وبعضِ ما يرتبطُ بها لا جَميع المَسائل التي خَرَجوا فيها عن الصِّراطِ المستقيم، فإنَّ لهُم من الاعتقاداتِ الباطلةِ سِوى ما بيَّنتُه شيئاً كثيراً.
وأنتَ أيها الناظرُ في قَوْلي أحَدُ رجُلَين: إمَّا أن تكونَ مُنْصِفاً طالباً للحقّ ابتغاءَ وجهِ الله، وإمَّا أن لا تكونَ كذلكَ، فإنْ كنتَ الأوَّل أدركتَ الحقَّ إن شاء الله وبانَ لك، وإنْ كُنْتَ الثانيَ فلَسْتُ أرجوكَ فلا تُتْعِبْ نفسَك.
ولو عُدْتَ للباب الثاني من كِتابي هذا ونظرْتَ بأدْنى تأمُّل ما أوردتُهُ في اللَّفظيةِ الذينَ جَهَّمَهم الإِمامُ أحمد وغيرُه من الأئمةِ، علمتَ أنَّ ذلك
стр. 401
مُنْصَبٌّ تماماً على الأشعريةِ والماتُريديةِ، بَلْ إنَّ اللَّفظيةَ الأوائلَ الذين أنكَرَ الإِمامُ أحمدُ وغيرُه من أئمَّة السُّنَّةِ مقالَتهم أفْضَلُ من هؤلاء وأقرَبُ إلى الحَقِّ منهم، فإنَّ أولئكَ لم يُحْفَظ عنهم تصريحٌ بأنَّ الله لا يتكلَّمُ بحَرْفٍ ولا صَوْتٍ (١٨)، ولا نَفْيُ تعلُّقِ الكلام بالمَشيئة والقُدْرَةِ، فجاءَ أصْلُ هؤلاء المُبتدعةِ ابنُ كُلاّب، فأدخَلَ على النَّاسِ هذه الأباطيلَ.
وإنِّي ذاكرٌ لكَ بعضَ كلام الأئمَّةِ في إنكارِ قولِ الكُلْابية ومَن وافَقَهم كالأشعرية والماتُريديةِ في كلام الله تعالى، سوى ما سقتُه في الباب الثاني:
١ - الإِمام أحمد بن حنبل:
كانت مقالَةُ ابن كُلاّب غيرَ ظاهرةٍ في عَصْر الإِمام أحمد، سوى القَوْل بخَلْق ألفاظِ القرآن، وقد سبَقَ بيانُ إنكارِ الإِمام أحمدَ ذلكَ أشدَّ الإنكار وتبديعِ مَن قال هذه المقالةَ، بل تكفيرِهِ وتجهيمهِ.
ومع ذلك فَقَدْ عَلِمَ الِإمامُ أحمدُ بابن كُلاّب، وأنَّه من اللَّفْظيةِ القائلينَ: ألفاظُنا بالقرآنِ مَخلوقةٌ، فأنكَر بدعته، وشدَّدَ على أصحابهِ، مثل الحارثِ المُحاسبيّ، بسَبب ذلك.
وقَدْ سأل بعضُ مَن كانَ يَميلُ إلى قَوْلِ ابن كُلّاب الامامَ أبا بكر بن خُزَيمة، فقال: ما الذي أنْكَرْتَ من مذاهِبنا أيُّها الإِمام حتى نرْجِعَ عنه؟ قال: "ميلَكم إلى مذْهَب الكُلّابية، فقد كانَ أحمدُ بن حنبل مِن أشدِّ النَّاس على عبد الله بن سَعيد (يعني ابنَ كُلّاب) وعلى أصحابهِ، مثل الحارث،
стр. 402
وغيره" (١٩).
وقد نقَلَ الأشعريُّ نفسُه عن الإِمام أحمدَ قولَه: "نحنُ لا نَحْتاجُ أنْ نَشُكَّ في هذا القرآن عندَنا، فيه أسماءُ الله، وهو من عِلْمِ الله، فمَنْ قالَ لنا: إنَّه مخلوق، فهو عندَنا كافرٌ" (٢٠).
قُلْتُ: وهذا النَّصُّ متنزّلٌ على الأشعرية من وجُوهٍ:
الأوَّل: أنَّ الكلامَ عندهم مُغايِرٌ للعِلْم، وليسَ به مطلقاً.
قال الباجوريُّ الأشعريُّ: "والكلام: القوْلُ، وما كانَ مكتفياً بنفسهِ، والعلمُ هو المعرفةُ، كما يؤخَذُ من القاموس في مَواضع متعدّدةٍ، وإذا ثَبَتَ أنَّها متغايرةٌ لُغَةً كانت متغايرةً شَرْعاً، وبالجُمْلةِ فكُنْه كلِّ واحدةٍ غيرُ كُنْهِ الأخرى، ونفوّضُ علمَ ذلك لله تعالى" (٢١).
قلتُ: نحنُ لا نرتابُ في أنَّ كلام الله تعالى مِن علْمهِ، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١ - ٢] وكما قال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ...﴾ [البقرة: ١٤٥] وكما قال: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١] وكان هذا من حُجَّةِ الإِمام أحمد على الجَهْميَّة فيما ذكَرْناهُ عنه في الباب الأوَّل (٢٢).
стр. 403
والثاني: كلامُ الله عندَهم لا يتبعَّضُ، وكذا علْمُه، والإِمام أحمد جعَل القرآن بَعْضاً من علْمهِ تعالى.
والثالث: قوله: "هذا القرآن" إشارةٌ إلى حاضِرٍ، وأكَّدَه بقولهِ: "عندَنا" وليس عندَنا إلاَّ هذا القرآنُ العربيُّ.
والرابع: أثْبَتَ أنَّ أسماءَ الله تعالى في هذا القرآن المُشار إليهِ، ولا يفْهَم أحَدٌ من ذلك إلاَّ الأسماءَ الحُسنى، كـ (الله، الرَّحمن، الرَّحيم) وغير ذلك، وهذه عنْدَ الأشعريَّةِ تَسْمياتٌ مخلوقةٌ، لكَوْنِها مؤلَّفةً من الحُروف، والقرآنُ العربيُّ نفسُه عندَهم مَخْلوق, لأنَّه مؤلَّفٌ من الحُروفِ، إلى غير ذلك من أباطيلِهم.
فالأشعربَّةُ خالَفوا نصَّ الإِمام أحمدَ من أوَّله إلى آخرهِ، فَتُرى على ماذا يَرِدُ قولُ أحمد ﵀: "فمن قالَ لنا: إنَّه مخلوق فهو عندنا كافر"؟ وعلى مَن؟!
وقد ذكَرْت آنفاً قولَ أحمد بن سعيد الدَّارميّ: قلتُ لأحمدَ بن حنبل: أقولُ لك قَوْلي، وإن أنكرتَ منه شيئاً فقُلْ: إني أنكِرُه، قلتُ له: نحن نقول: القرآنُ كلامُ الله من أوَّلهِ إلى آخرهِ، ليسَ منه شيءٌ مخلوقٌ، ومَن زغمَ أنَّ شيئاً منه مخلوقٌ فهوكافرٌ، فما أنكرَ منه شيئاً، ورَضِيَه (٢٣).
قلتُ: والأشعريةُ يقولونَ: الكلامُ الذي له أوَّلٌ وآخِرٌ ويَتَبَعَّض فهو مخلوقٌ.
فمَن المقصودُ إذاً بقولهِ: "ومَن زعَمَ أنَّ شيئاً منهُ مَخلوق فهوكافر"؟
стр. 404
٢ - الإِمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة:
كان رحمه الله تعالى شديداً على الكُلَّابية (٢٤) -أصلِ الأشعريَّةِ والماتُريدية-.
وقد ذكرَ شيخُ الإِسلام أبو إسماعيلَ الأنْصاري في "مناقب الِإمام أحمد" فتنة الكُلَّابية، وقال:
"فطارَ لتلك الفتنةِ ذاكَ الإِمام أبو بكْر -يعني ابنَ خُزَيمة- فلمْ يزَل يَصيحُ بتشويهها، ويُصَنِّفُ في ردِّها، كأنَّه مُنْذِر جيشٍ، حتى دَوَّنَ في الدَّفاتر، وتمكَّن في السَّرائر، ولقَّنَ في الكَتاتيب، ونقَشَ في المَحاريب: إنَّ الله متكلّمٌ، إن شاءَ تكلَّمَ، وإنْ شاءَ سكَتَ، فجَزى الله ذاك الِإمام، وأولئك النَّفرَ الغرَّ عن نُصْرة دينهِ وتوقير نبيِّه خَيراً" (٢٥).
وله قصَصٌ حصلَت له معَ الكُلّابية تُنْبىءُ عن شِدَّتهِ عليهم، وإنكارِه لاعتقادِهم في القُرآن.
٣ - الحافظ الثقة أحمد بن سنان الواسطي:
قالَ ﵀: "مَن زعَمَ أنَّ القرآنَ شَيئين، أو أنَّ القرآنَ حكايةٌ، فهو والله الذي لا إله إلاَّ هو زِنديقٌ، كافِرٌ بالله، هذا القرآنُ هو القرآنُ الذي أنزلَه الله على لسانِ جِبريلَ على محمَّد ﷺ ، لا يُغَيَّرُ ولا يُبَدَّل، لا يأتيهِ الباطلُ من بين يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفهِ ... " (٢٦).
стр. 405
قلتُ: والذي كان يقولُ: شيئين، أوَّل الأمْر، داودُ الأصْبهاني، والذي كانَ يقول: حِكاية ابنُ كُلّاب -أصلُ الأشعرية والماتُريدية- لكنَّ الأشعريَّ خالفَه في إطلاق لفظ (حكاية) على القرآن العربيّ، ويقولُ: هو عبارةٌ, لأنَّه رأى أنَّ لفْظَ (حكاية) لا يُناسِبُ اعتقادَهم.
قالَ الإِمام الفَقيهُ أبو حامدٍ الإسفرايينيُّ: "وكان ابنُ كُلّاب عبد الله ابن سَعيد القطَّانُ يقولُ: هي -أي الألفاظ- حكايةٌ عن الأمْرِ، وخالَفه أبو الحَسَنُ الأشعريُّ في ذلك، فقالَ: لا يَجوز أن يُقال: إنَّها حِكايةٌ, لأنَّ الحِكايةَ تَحْتاجُ إلى أن تكونَ مثْلَ المَحْكيّ، ولكنْ هو عِبارةٌ عن الأمْرِ القائم بالنَّفس، وتقرَّرَ مذهَبُهم على هذا" (٢٧).
٤ - الإِمام الفقيه الجبل أبو العباس بن سريج: أحمد بن عمر، إمام الشافعية في وقته:
قال ﵀: "وقَدْ صَحَّ وتقرَّرَ واتَّضَحَ عند جَميع أهل الدِّيانةِ والسُّنَّة والجَماعةِ من السَّلَف الماضِينَ، والصَّحابة، والتَّابعينَ، من الأئمَّة المُهْتَدين الراشدينَ المشهورينَ إلى زمانِنا هذا: أنَّ جميعَ الآي الواردةِ عن الله تعالى في ذاتهِ وصفاتهِ، والأخبارِ الصادقةِ الصَّادرةِ عن رسولِ الله ﷺ في الله وفي صفاتهِ التي صَحَّحها أهلُ النَّقْل، وقَبِلَها النقّادُ الأثباتُ، يَجِبُ علَى المَرءِ المُسْلِمِ المؤمنِ الموفَّقِ الِإيمانُ بكلٌ وَاحدٍ منه كما وردَ، وتسليمُ أمْرهِ إلى اللهِ كما أمَر" فذكرَ جملةً من الصِّفاتِ، ثمَّ قال: "وإثباتُ الكلام بالحَرْفِ والصَّوْتِ، وباللُّغاتِ، وبالكَلِماتِ وبالسُّوَر،
стр. 406
وكلامُهُ تعالى لجبريلَ والملائكةِ، ولمَلَكِ الأرْحام، وللرَّحِم، ولملَكِ الموتِ، ولرضْوان، ولمالكٍ، ولآدَم، ولموسى، ولمحمَّدٍ ﷺ ، وللشُّهداء، وللمُؤمنينَ عنْدَ الحِساب، وفي الجنَّةِ، ونُزولُ القرآن إلى سَماءِ الدنيا، وكونُ القرآنِ في المَصاحف ... " فذكر أشياءَ حتى قال: "نَقْبَلُها، ولا نَرُدُّها، ولا نتأوَّلها بتأويل المُخالفينَ، ولا نَحْملُها على تشبيهِ المشبّهينَ، ولا نَزيدُ عليها، ولا نُنْقِصُ منها، ولا نفسِّرها، ولا نكيّفها، ولا نُتَرْجِمُ عن صفاتهِ بلغةٍ غير العربيَّةِ، ولا نشيرُ إليها بخَواطر القُلوب، ولا بحَرَكاتِ الجَوارح، بل نُطْلِق ما أطلقَهُ اللهُ ، ونفسّرُ ما فسَّرهُ النَّبيُّ ﷺ ، وأصحابُه، والتابعونَ، والأئمَّةُ المَرضيّونَ من السَّلَف المَعروفينَ بالدّينِ والأمانةِ، ونُجْمِعُ على ما أجْمَعوا عليه، ونُمْسِكُ عَمَّا أمْسَكوا عنه، ونُسَلِّمُ الخبرَ الظاهرَ، والآيةَ الظاهرَ تَنزيلُها، لا نقول بتأويلِ المُعتزلةِ والأشعريَّة والجَهميَّة والمُلْحِدَة والمُجسِّمَة والمُشبّهةِ والكَرّاميَّةِ والمُكيّفةِ، بل نقْبَلُها بلا تأويلٍ، ونؤمنُ بها بلا تمثيلٍ، ونقولُ: الِإيمانُ بها واجبٌ، والقولُ بها سُنَّةٌ، وابتغاءُ تأويلِها بدعَةٌ" (٢٨).
قلتُ: ابنُ سُرَيْج ذاك الِإمامُ الذي لا يُجْهَل قدرُهُ، ولا يُنْكَرُ فضلُهُ، به انتشَرَ فقهُ الشافعي ﵀، وربَّما فضّله بعضُ الأئمةِ على سائر أصحابِ الشافعي، حتى على المُزَنيّ تلميذِهِ، وقَدْ عُدَّ المُجدّدَ على رأس ثلاثِ مئةٍ، وأنْشَدَ فيه المنشِدُ:
اثنانِ قَدْ ذَهَبا فَبُورِكَ فِيْهِما ... عُمَرُ الخَلِيفَةُ ثُمَّ حِلْفُ السُّؤْدَدِ
الشَّافِعِيُّ الألْمَعِيُّ مُحَمَّدٌ ... إِرْثُ النُّبُوَّةِ وابنُ عَمِّ مُحَمَّدِ
стр. 407
أبْشِرْ أَبَا العبَّاسِ إنَّكَ ثالِثٌ ... مِنْ بَعْدِهِمْ سُقْيا لِتُرْبَةِ أحمَدِ
فهل تعدّونَه -معشرَ الأشعريَّة- مجسِّماً حين أثْبَتَ الكلامَ بالحُروفِ واللُّغاتِ، وشهِدَ عليكم بالتأويلِ المَذموم؟ أمْ ماذا أنتم قائلون؟
٥ - الإِمام الفقيه الحُجَّة أبو حامد أحمد بن محمد الإسفرايينيّ، رأس الشافعية والمقدَّم فيهم:
كان من أشدِّ الناس على الأشعريَّة، وبالخُصوص على مُحَقِّقهم الأكبر أبي بكر الباقلانيّ.
قال الحافظُ أبو الحَسَن الكَرَجيُّ الشافعيُّ: "ولم يَزَل الأئمَّة الشافعيةُ يأنفونَ ويسْتَنكفونَ أنْ يُنْسَبوا إلى الأشعريّ، ويتبرَّؤونَ ممَّا بنى الأشعريُّ مذهَبَه عليْه، وينْهَوْنَ أصحابَهم وأحبابَهم عن الحَوْم حوالَيه، على ما سَمِعتُ عِدَّةً من المشايخ والأئمَّةِ -منهم الحافظ المؤتَمَن بن أحمد بن علي السَّاجيّ- يقولونَ: سَمِعْنَا جماعةً من المَشايخ الثّقاتِ قالوا: كانَ الشيخُ أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإِسفراييني إمام الأئمَّة الذي طبقَ الأرضَ عِلْماً وأصْحاباً، إذا سعى إلى الجُمُعةِ من قطعيَّة الكَرَج إلى جامع المَنْصور، يدخُلُ الرّباطَ المَعروف بالزوزي، المُحاذِي للجامع، ويُقْبِل على مَنْ حضَرَ، ويقولُ: اشْهَدوا عليَّ بأنَّ القرآنَ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، كما قالَه الإِمامُ ابنُ حنبل، لا كما يقولُه الباقلانيّ، وتكرَّرَ ذلك منه جُمُعات، فقيلَ له في ذلك، فقال: حتى ينتشرَ في الناس، وفي أهْلِ الصَّلاحِ، ويشيعَ الخبرُ في أهل البلاد: أنِّي بَريءٌ ممَّا هم عليه -يعني الأشعريَّة- وبريءٌ من مَذْهَب أبي بكرَ بن الباقلّاني، فإنَّ جماعةً من المُتفقّهةِ الغُرَباءِ يدخلونَ على الباقلّاني خُفْيَةً، ويقرؤونَ عليه، فيُفْتَنونَ بمَذْهَبهِ، فإذا رجَعوا إلى
стр. 408
بلادهم أظهَروا بدْعَتَهم لا مَحالةَ، فيظنّ ظانٌّ أنَّهم مِنّي تعلَّموهُ قَبْلَه، وأنا ما قُلتُهُ، وأنا بَريءٌ من مَذْهَبِ الباقلّانيّ وعقيدتهِ" (٢٩).
قلتُ: فبالله عليكم معشرَ الأشعرية! أتُرَوْنَ الإِمامَ أبا حامد بَرِيء من التَّوحيدِ الصَّحيح حين بَرِىءَ من اعتقادِكم؟ أم هو مجسّمٌ يَدعو الناسَ إلى التشبيهِ وعدَم التنزيهِ؟
ولماذا فرق بين اعتقادِ الإِمام أحمد بن حنبل والباقلّاني، معَ أنَّه أفْضَلُ أئمَّتِكُم وأعظمُهم قَدراً؟
ولماذا يُشَهِّر به على رؤوسِ الناس؟
بل إنَّه قد شَهدَ عليه بأشدَّ من ذلك.
قالَ الإِمام أبو بكر عُبَيد الله بن أحمدَ الزاذقانيُّ (وكانَ ثِقَةٌ فاضِلاً):
"كنتُ في دَرْس الشَّيخ أبي حامدٍ الإِسفرايينيّ، وكانَ ينهى أصحابَه عن الكَلامٍ وعن الدُّخول على الباقلّاني، فبلَغَه أنَّ نَفراً من أصحابهِ يدخُلونَ عليه خُفْيَةً لقراءة الكَلام، فظنَّ أنّي معَهم ومنهم" -وذكر قصَّة قالَ في آخرها: "إنَّ الشيخ أبا حامد قالَ لي: يا بُنَيّ، قد بلغَني أنَّكَ تدخلُ على هذا الرَّجل -يعني الباقلّاني- فإيَّاك وإيَّاهُ، فإنَّه مُبْتَدعٌ يدعو الناس إلى الضَّلالة، وإلاَّ فلا تحضُرْ مَجْلِسي، فقلتُ: أنا عائذ بالله مما قيلَ وتائبٌ إليه، واشْهَدوا عليَّ أنِّي لا أدخُل إليه" (٣٠).
стр. 409
رَحِمَ الله الشَّيخَ أبا حامد، ما أشبهه بالأئمَّة الأوائلِ في التَّحذيرِ من أهْل البِدَع، والنَّهْي عن مُجالَسَتِهم.
وقال ﵀: "مَذْهَبي ومَذْهَبُ الشَّافعيّ وفُقَهاء الأمْصارِ: أنَّ القرآنَ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، ومن قال: مخلوقٌ، فهو كافرٌ، والقرآنُ حملَهُ جبريلُ مَسْموعًا من الله تعالى، والنَّبيُّ ﷺ سَمِعهُ من جبريل، والصَّحابةُ سَمِعوهُ من رَسولِ الله ﷺ ، وهو الذي نتلوهُ نحنُ بألسنَتِنا، وفيما بينَ الدَّفَّتين، وما في صُدورنا، مَسْموعًا ومَكْتوبًا، ومَحْفوظًا ومَنْقوشًا، وكلّ حَرْفٍ منه كالباءِ، والتَّاءِ، كلّهُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، ومَن قالَ: مَخلوقٌ، فهو كافرٌ، عليهِ لَعائنُ الله والملائكةِ والنَّاسِ أجمعينَ" (٣١).
قلتُ: فانْهارَ بنيانُكم معشَر الأشعرية.
وأمَّا أنْتُمْ أيُّها الأصحابُ السَّلفيونَ، فإنْ كانتْ تغرُّكم الكثرةُ من المُنْتسبينَ إلى الأشعري، فاعْلموا أنَّ الكثرةَ في أوَّلِ حالِ الأشعرية كانت على تبدِيعها وذمّ اعتقادِها، وهؤلاء الذين ذكَرْناهُم من الأئمَّةِ ومن يأتي ذكرُهم وما قالوه في حقّ الأشعريةِ، من أئمَّة الشافعيةِ والحنابلةِ وغيرهم، مِمَّن كانَ أصحابُهم إنَّما يصدرونَ عن أقوالِهم وكلامهم، لَهُوَ أكبرُ شاهدٍ على ما أقولُ، ولكن حين تباعَدَ الزَّمانُ ازدادَ الإعراضُ عن القرآنِ والسُّنَن وهَدْي السَّلَف والأئمَّةِ، فكَثُرَ أهلُ البِدَع.
стр. 410
٦ - الإِمام أبو الحُسَين يحيى بن أبي الخَيْر العمرانيّ، فقيه الشَّافعية وإمامهم ببلاد اليمن:
قالَ الإِمام ابن القيّم: "له كتابٌ لطيفٌ في السُّنَّة على مَذْهَب أهل الحديث، صرَّحَ فيه بمَسْألةِ الفَوْقيَّةِ والعُلُوّ، والاستواءِ حقيقةً، وتَكَلُّمِ الله بهذا القرآن العربيّ المَسموع بالآذان حَقيقةً، وأنَّ جبرائيلَ ﵊ سَمِعَه من الله سُبحانه حقيقةً، وصرَّحَ فيه بإثباتِ الصِّفاتِ الخبرية، واحتجَّ بذلك ونصَرَه، وصرَّحَ بمخالفةِ الجَهمية النُّفاة" (٣٢).
٧ - الإِمام أبو عبد الله الحسن بن حامد، شيخ الحنابلة:
كان مِمَّن أنكرَ اعتقادَ الأشعرية (٣٣).
٨ - الإِمام الحافظ أبو نَصْر السِّجْزي، شيخ السنة:
له في ذلك كتاب "الإِبانة الكبرى في أنَّ القرآنَ غيرُ مخلوق" (٣٤) وقد حكَيْتُ عنه بعضَ كلامه فيما سَبق في هذا الكتاب، وهو من أشدِّ الناس على الأشعريَّةِ، بل إنَّه قد بالغَ في ذلك حتى قال: "لم يكن خلافٌ بين الخَلْق على اخْتِلاف نِحَلِهم، من أوَّل الزَّمانِ إلى الوَقْتِ الذي ظهَر فيه ابن كُلّاب، والقَلانسيُّ، والأشعريُّ، وأقرانُهم، الذين يتظاهرونَ بالرَّدِّ على المُعتزلة وهم معَهم، بل أخسّ حالًا منهم في الباطن، من أنَّ الكلامَ لا يكونُ إلَّا حَرْفًا وصَوْتًا، ذا تأليفٍ واتّساقٍ، وإن اختلفتْ به اللُّغاتُ" (٣٥).
стр. 411
٩ - الإِمام الحُجَّة الحافظ أبو القاسم سعد بن علي الزَّنجاني: كان من مُنكري اعتقاد الأشعرية (٣٦).
١٠ - الإِمام قِوَام السُّنَّة إسماعيل بن محمد بن الفَضْل الأصبَهاني:
قال: "قال أصحابُ الحَديث وأهلُ السُّنَّة: إنَّ القرآنَ المكتوب الموجودَ في المَصاحفِ، والمحفوظَ الموجودَ في القلوبِ، هو حقيقةً كلامُ الله ، بخلافِ ما زعَمَ قوْمٌ: أنَّه عبارةٌ عن حقيقةِ الكلام القائم بذاتِ الله ودَلالةٌ عليه، والَّذي هو في المُصْحَف مُحْدَثٌ وحُروفٌ مَخلوقةٌ، ومَذْهَبُ علماءِ السُّنَّةِ وفُقَهائهم: أنَّه الذي تكلَّمَ الله به، وسَمِعَه جبريلُ من الله، وأدَّى جبريلُ إلى النَّبيّ ﷺ ، وتحدَّى به النَّبيُّ ﷺ ، وجعلَه الله دلالةً على صِدْقِ نبوَّتِهِ ومُعجزةً، وأدَّى النَّبيُّ ﷺ إلى الصَّحابَةِ رضوانُ الله عليهم حسبَ ما سَمِعَه من جبريلَ ﵇، ونقَلَه السَّلَفُ إلى الخَلَفِ قَرْنًا بعدَ قَرْنٍ" (٣٧).
١١ - الحافظ الفقيه العَلَم موفّق الدين ابن قدامة المَقْدسيّ:
ولا يخفى قدرُهُ وفضلُهُ، قد كانَ ﵀ شديدًا جدًّا على الأشعريَّة، وله في ذلك تصانيف في الرَّدّ عليهم، وإظهار باطلهم، وقَدْ كانَ مشهورًا ما بين آل قُدامَة وآل عَساكِر من النَّفْرَةِ بسَبَبِ الاعتقادِ.
وخلائق سِوى مَن ذَكَرْنا لا يُحصِيهم إلَّا الله من الأوائلِ والأواخِرِ، كانوا جَميعًا على إنكارِ اعتقادِ الأشعريَّةِ وأشباهِهم في مسألةِ القرآنِ، واعتقادِ
стр. 412
خلافِ ما يعتقدونَ، وهم في ميزانِ الأشعريَّةِ مُشَبّهةٌ مُجَسّمةٌ، معَ أنَّهم عالَةٌ على أكثرِهم في الفِقْهِ والعِلْمِ.
وفي الجُمْلة فإنَّ قولَ الأشعريَّة والماتُريديَّة في كلام الله تعالى، ليسَ هو قولَ السَّلَف، بل ولا يعْرفُه السَّلَفُ، وإنَّما هو اعتقادٌ مبتَدَعٌ زائغٌ، موافِقٌ في حقيقةِ الحالِ لاعتقادِ الجَهْميَّة الذين كفَّرهم السَّلَفُ وهَجَروهم، وأمَروا بهَجْرِهم، وإظهارِ باطِلِهم والتَّحْذيرِ منهم.
قال شيخُ الإِسلام: "وإنكارُ تَكَلُّمِ الله بالصَّوْتِ وجَعْلُ كلامهِ معنًى واحدًا قائمًا بالنفس بدْعَةٌ باطلةٌ لم يذهَبْ إليها أحدٌ من السَّلَف والأئمَّةِ" (٣٨).
وقال: "وهؤلاء يردُّونَ على الخلْقيَّةِ -يريدُ المعتزلةَ- الذينَ يقولونَ: القُرآن مخلوقٌ، ويقولونَ عن أنْفُسِهم: إنَّهم أهْلُ السُّنَّة المُوافقونَ للسَّلَف الذين قالوا: إنَّ القرآنَ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، وليسَ قولُهم قَوْلَ السَّلَف، لكنْ قَوْلُهم أقْرَبُ إلى قَولِ السَّلَفِ من وجهٍ، وقَوْلُ الخَلْقيةِ أقْرَبُ إلى قَوْلِ السَّلَفِ من وجْهٍ" (٣٩).
قُلْتُ: وهذا القرْبُ لا يَجْعَلُهم من أهْلِ السُّنَّة، كما أنَّ قُرْبَ المعتزلةِ لم يَجْعَلْهم من أهْل السُّنَّة.
وقالَ شيخ الإِسلام أيضًا: "فكُلُّ من المُعتزلةِ والأشعريَّةِ في مسائل كلامِ الله وأفعالِ الله، بل وسائِر صفاتهِ، وافَقوا السَّلَفَ والأئمَّةَ من وجْهٍ،
стр. 413
وخالَفوهم من وجْهٍ، وليسَ قَوْلُ أحدِهما هو قولَ السَّلَف دونَ الآخَر، لكن الأشعريَّةَ في جِنْسِ مسائل الصِّفاتِ، بل وسائِرِ الصِّفاتِ والقَدَر أقْرَب إلى قَوْلِ السَّلَف والأئمَّةِ من المُعتزلة" (٤٠).
وكلامُ شيخ الإِسلام فيهم لا يُحصى كثرةً، وهذا من أسْبابِ نقمتِهم عليه، وقد ضمَّنتُ الكثيرَ من ذلك كتابي هذا.
قلتُ: فالأشعريَّةُ والماتُريديَّةُ إذًا لا يصِحُّ أنْ يكونوا هم أهْلَ السُّنَّة، لِما جانبوا فيه السُّنَّة، وترَكوا فيه طريقَ السَّلَف والأئمَّة، إذْ بدعَتُهم من شرِّ أنواعِ البدَعِ، إنْ لم تكنْ شرَّها وأسوأها، ولولا التأويلُ الذي وقَعوا بسببهِ في مُخالفةِ اعتقادِ السَّلَف لكانَ للكلامِ معهُم صورةٌ أخرى!!.
فتأمَّل أخي ذلك واحْذَرْ مخالفةَ ما جاءَ به الرَّسولُ ﷺ ، وتَرْك سبيلِ المؤمنينَ من أهلِ خير القرون، ولا تَسْتَهوينَّكَ الأراءُ والظُّنون فتقول على الله غير الحقّ، وتُجادل في آياتهِ بالباطل.
ومَن للذَّبّ عنِ السُّنَن والعَقيدةِ السَّلَفية إن نحنُ واطَأنا المُبتدِعَةَ واعْتذَرْنا لهم وجَادَلْنا عنهم؟
فالله المُستعانُ على ما آل إليه الحالُ من غُرْبَةِ السُّنَّة وظُهورِ البِدَع، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
• • • • •
стр. 414
خاتمة
بعد هذا البَسْط للعَقيدة السَّلفية واعتقادِ أهل البدَع، وبه تمَّ المُراد، أذكرُ في الختام -بإيجاز- أهمَّ الأسباب التي وقعَ بسَببِها الاغترارُ بأهل البدَع -وخاصَّة الأشعرية والماتُريدية- مع الذَّبِّ المُوافقِ للشَّرْع عمَّن عُرِفَ بالإِمامةِ في الحَديثِ والفقْهِ وغير ذلكَ من علومِ الشَّريعةِ معَ انتسابهِ إلى هذه الطوائف.
فمن أسبابِ الاغترار بأهل البدَع -كالأشعرية ونحوهم-:
١ - دَعْواهم الانتساب إلى أهْل السُّنَّة والحَدِيث، وتأكيدُهم ذلك باشتغالِهم بعلوم السُّنَّةِ، وإسنادِ الرِّوايات، مِمَّا هو شِعارُ السَّلَف والأئمَّة.
٢ - انتصارُهم للسُّنن في المَسائل الفَرْعيَّة، والدِّفاع عنها، وتَصنيف المصنفات في ذلك.
٣ - اشتهارُ الكثير منهم بالدِّيانةِ والصَّلاح، والأمْرِ بالمَعروفِ والنَّهي عن المُنْكَر، والجِهادِ في سبيل الله.
٤ - اشتغالُهم بالرَّدِّ على الطَّوائفِ المُخالفةِ لشريعة الإِسلام،
стр. 415
كرُدودِ الأشعرية على المعتزلةِ، والرُّدودِ على الفَلاسِفة.
٥ - كثرةُ الموافقينَ لهم على مَرّ الزَّمان.
هذه أهمُّ الأسباب التي اغترَّ بها كثيرٌ من الناس، فهوّنوا من بدَع هؤلاء، بل إنَّهم جعَلوها ستْرًا يسترونَ به فضائحَ أهْلِ البدَع، وغفلَ هؤلاء عن كَوْنِ الضَّلالِ في الاعتقادِ أعْظَمَ الضَّلالِ، وقد كشَفْنا لكَ في قضيةٍ واحدةٍ، وهي قضية (الكلام) عن أباطيلَ مُذْهلةٍ، وضلالاتٍ مُهوّلةٍ.
وهذه الأسبابُ التي ذكَرْنا يُعَدُّ أكثرُها حسَنات لهؤلاء المبتدعةِ، لا نَبْخَسُهم أشياءَهم، وربُّنا تعالى أمَرَ بالعَدْل في الحُكْم والقَوْل، فصاحبُ البِدْعَة قد يكونُ فاضلًا لمَعانٍ من الفَضْل فيه، ولكنْ لكَوْنِ ما زلَّ به عَظيمًا -بغَضّ النَّظَر عن قَصْدِهِ ومُرَادِهِ- لتعلُّقهِ بأصولِ الدِّين، وجبَ التنبيهُ على خَطَرِهِ نُصْحًا للأمَّةِ، لئلَّا يتضرَّرَ الناسُ ببدْعَتهِ، خاصَّةً إذا كانَ من ذَوي الفَضائل المَشهورةِ والخِصال المَحمودة، لأنَّ تأثُّرَ النَّاس بِمَن هذا وصفُه أشَدُّ من غيرهِ، ويبقى قصْدُهُ ومُرادُه فيما بينه وبينَ الله تعالى.
وهذه طريقةُ السَّلَف، قال البَغَويُّ ﵀: "وقد مضَت الصَّحابةُ، والتابعونَ، وأتباعُهم، وعلماءُ السُّنَّة، على هذا مُجْمِعينَ، متَّفقينَ على مُعاداةِ أهْلِ البِدْعَةِ ومُهاجَرَتِهم" (١).
ومَن طالَعَ كتبَ تراجم الرُّواة ثَبَتَ له صحِّةُ ذلك.
فلا يَجوزُ للمُسلِم أنْ يُهَوِّنَ من شَأنِ البدَع، وإنْ وقعَتْ من فاضلٍ، فإنَّ ذلكَ مُنافٍ لِما أوجَبَ الله تعالى من النَّصيحةِ، ومُخالِفٌ لمَنْهج السَّلَف
стр. 416
ومواقِفهم من أهل البِدَع.
وفي الأشعريَّة -مثلًا- علماءُ لهم قَدَمٌ في خِدْمَة الشَّريعةِ، أمثال: الحافِظَيْن أبي بكر البَيْهقي، وأبي القاسم بن عساكر، والإِمام العزّ بن عبد السَّلام، وغيرِهم من فُضَلاءِ الأشعرية، نذكُرُهم بما لَهم من المَحاسن، غير أنَّنا ننبّه على ما وَقعوا فيه من البِدْعَة، فإنَّ الحَقّ لا مُحاباةَ فيه، ولا تَمْنَعُنا بدعَتُهم من الانتفاعِ بعُلومهم في السُّنَنِ والفقهِ والتَّفْسيرِ والتَّاريخِ وغير ذلك، معَ الحَذَر.
ولَنا أسْوةٌ بالسَّلَف والأئمَّة فإنَّهم رَوَوُا السُّنَنَ عن الكَثير من المبتَدعةِ لعِلْمهم بصِدْقِهم، مع نَعْتِهم لهم بالبدْعةِ.
ونَجْتَنبُ التكفيرَ والتَّضليلَ والتَّفسيقَ للمُعَيَّن من هذا الصِّنْفِ من العُلماءِ، فإنَّ هذا ليسَ من مَنْهجِ السَّلَف، وإنَّما نكتفي ببيَانِ بِدْعَته وردِّها إذا تعرّضنا لها، أو خَشينا أن يتضرَّر بها الناس، مع اجتناب ذكْرهِ بالسُّوءِ في ذاتهِ بما يزيدُ على ذكر ما في بدعتهِ من مخالفة الدين لما قد يتعدَّى بنا إلى الغيبة المحرَّمة.
وهذا كلُّهُ في حقّ العالِم إذا لَمْ تغْلِب عليه البِدَع والأهْواءُ، وعَلِمْنا منه حرصَهُ على متابعةِ الرَّسول ﷺ ، وتحرّي الحقّ من الكتاب والسُّنَّة إلَّا أنَّه لم يُصِبْه لشُبْهة ما أو غير ذلك -شأن الكثير من متقدمي الأشَعريَّة خِلافًا لأكثرِ متأخّريهم، فإنَّ لكثيرٍ من مُتقدميهم اجتهادًا في طلَبِ الحقّ-.
أمَّا إذا غلبَت عليه الأهواءُ ومُخالَفةُ صَريحِ الشَّريعةِ، ولم يكن متحرّيًا للحقّ من كتابِ الله وسُنَّة نبيّهِ ﷺ فليسَ له توقيرٌ ولا حُرْمَةٌ ولا كرامةٌ.
стр. 417
نَسْألُ الله أن يهدينا الصِّراطَ المستقيمَ، وأن يُجنّبنا سُبُلَ الضَّلالَةِ، ونستغفرُهُ من زلَّةِ الفِكْر أو القلَم، هو حسْبُنا ونعْمَ الوكيل ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا به.
وبهذا يَنْتهي ما أرَدْناه، والحَمْدُ لله ربِّ العالَمينَ.