← Акыда

Акыда · id 122091

العقيدة السلفية فى كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية

عبد الله الجديع

Полный текст (417 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فجَعلوا الحُروفَ من صفةِ القراءة لا من صفةِ المَقروء, لأنَّ المقروءَ عندَهم قائمٌ بذاتِ الله، وهو الكلامُ النفسيُّ، والقراءةُ عبارةٌ عنه، وهي هذه الحُروفُ العربيَّةُ التي تَنْطِقُ بها الألسنةُ، وتحفَظُها القلوبُ، وتخطّها الأيدي في المَصاحف. وهذا من أبعَد شيءٍ عن الحسّ السَّليم، فإنَّ العربَ وكلَّ أحدٍ لا يعرفُ الحروفَ إلاَّ من صفةِ الكلام، لا من صفَةِ المتكلِّم، وفِعْلُ المُتكلِّم إنَّما هو النُّطْقُ بها ورَفْعُ صوتهِ أو خفْضُه، وكتابَتُها، وحفظُها، ونحو ذلك مِمَّا هو فِعْلُ نفسهِ، وهذهِ المَعاني هي التي توصَف بالحُسْنِ والقُبْح، ويترتَّبُ عليها الثَّوابُ أو العقابُ. أمَّا الحُروفُ التي قرأ بها النَّبيُّ ﷺ وبلَّغَها أمَّتَه فهي وحيُ الله وتنزيلُهُ وكلامُهُ الذي نزَلَ به جبريلُ من عندِه تعالى، ولقد نَزَلَ بها جبريلُ من عندِ الله تعالى على سَبْعَةِ أحْرُف تَخفيفاً على الأمة وتيسيراً، وكلّ ذلك كلامُهُ على الحقيقةِ. ولقد حاول بعضُ مَن يوصَفُ بالتَّحقيق من رؤوس الأشعريَّة الإِكثارَ من الاستدلالِ من الكتاب والسُّنَّة على الفَرْق بين التَّلاوةِ والمَتْلوّ، ولكنَّها جَميعاً على مذهَبِ البُخاري ﵀ الذي ذكَرْناه عنه، أمَّا على تفسير الأشعريةِ أنْفُسِهم في عَدِّ الحُروفِ العربيَّةِ من صفةِ القراءة لا من صفةِ المَقروء، فلَم يَقْدروا على الإِتيانِ بحُجَّةٍ واحدةٍ عليه يُعَوَّلُ عليها، سوى أصلِهم الفاسدِ الذي أبْطَلْناه فيما سمَّوْهُ بـ (الكلام النفسيّ). وحديثُ أمّ سلمَةَ الذي ذكَروهُ حجْةٌ عليهم، فإنَّ النُّطْقَ بالحروفِ هنا غيرُ الحُروفِ، فقِراءةُ النَّبيِّ ﷺ التي تَحْكِيها أمُّ سلَمة هنا هي نطقُهُ

стр. 352

بالحُروف وأداؤُه لَها، وهو فِعْلُهُ ﵇، وهو مخلوقٌ، أمَّا الحروفُ التي نَطَقَ بها وأدّاها، والتي لو شاءَ العَادُّ أن يَعُدَّها أحصاها, لوُضوح أدائهِ لها وبَيانهِ، فهي حُروفُ كلام الله العربيّ المُنْزَلِ من عندهِ، وهي غيرُ مخلوقةٍ، وهذا الفَصْلُ بين الحُروفِ والنُّطقِ بها بيّنٌ لا يَخفى. ولكنَّ القومَ ضاقوا ذَرْعاً بقَوْلِ أمِّ سَلَمَة: "ولَو شاءَ العادُّ أنْ يَعُدَّها أحصاها" فصاروا بين أمْرَين: إمَّا أنْ يُثْبِتوا أنَّ الذي تَلاهُ النَّبيُّ ﷺ مِن كلام الله الذي هو صفتُهُ، فيُبْطلوا أصلَهم, لأنَّ كلامَ الله عندَهم لا يُحَدُّ ولا يُعَدُّ وليس هو آياتٍ وسوراً. وإمَّا أنْ يقولوا: الحروفُ صفةُ قراءةِ القارىءِ، ورَأوْا هذه أوفقَ لمذهبِهم، فكابَروا وقالوا: هي صفةٌ لقراءةِ القارىءِ، لا صِفَةٌ لكلام البارىء. وأمَّا وَصْفُ كلام الله بالصَّوْتِ، فلقد عَمُوا عن فِقْههِ، وضلَّوا عن معرفتهِ، فحَسِبوا أنَّ قولَ أهل السُّنَّة بإثباتِ كلام الله تعالى بصَوْتٍ إثباتُ أنَّ أصواتَ التالينَ هي صفةُ كلام الله -كما طَعَنوا فيه على أهْلِ السُّنَّة، ونبزوهم بالألقاب لأجلِهِ- وحاوَلوا لأجْلِ هذا الفَهْم السَّقيم أنْ يستدلّوا بأدلَّةِ إضافةِ الصَّوْتِ إلى القارىءِ، وجَعْلِهِ مِن فِعْلِهِ، وأهلُ السُّنَّةِ والأثمَّةُ لا يُخالفونَ في هذا المعنى، فإنَّ أصواتَ القرّاءِ بالقرآنِ مِنْ أفعالِهم، وهي مضافةٌ إليهم، وأفعالُهم مخلوقةٌ وقدْ شَرَحْتُ اعتقادَ أهل السُّنًّة في ذلك في أواخر الباب الثاني بما هذا حاصلُه.

стр. 353

والسَّلَفُ والأئمَّةُ لا يقولونَ: إنَّ أصواتَ القرَّاءِ صفةٌ لكلامِ الله، ومَن قالَ ذلك ونقلَهُ عنهم فقد أبطَلَ في المَقال. ولكنَّ الصَّوْتَ الذي هو صفةٌ لكَلام الله تعالى هو الذي سَمِعَه موسى حين ناداه ربُّه وكلَّمَه، وسَمِعَهُ جبريلُ ﵇ حينَ يُوحى إليه بالوَحْي، ويَسْمَعُه العبادُ يومَ القيامةِ، وهو الذي أثْبَتْناهُ في اعتقادِ السَّلَفِ في الباب الأوَّل من هذا الكتاب. وقَدْ فَهِمَ بعضُ الأشعرية هذا المعنى الأخيرَ -الذي هو اعتقادُ السَّلف والأئمَّةِ- فرَأوْا أنَّه ليسَ على أصْلِهم في كَوْن كلام الله معنًى مُجَرداً، فنفَوْهُ، وقالوا: كلام الله لا يكون بصَوْتٍ، وأبْطَلوا بذلكَ دلائلَ الكتابِ والسُّنَّةِ والمَعقول الصَّريح على صِحَّةِ هذا المعنى، على ما ذَكَرْناه آنفاً في تفسيرهم لسَماع موسى ﵇ كلامَ الله. ولا داعيَ هنا لسَرْدِ دلائل الكتاب والسُّنَّة والعَقْل الصَّريح على إثباتِ كَوْن كلام الله تعالى حُروفاً، وأنَّه يتكلَّمُ بصَوْتٍ، اكتفاءً بما سقناه لذلك في الباب الأوَّل. وأما الرابع: فكَوْنُ الحُروف متناهيةٌ محدودةٌ لها بدايةٌ ونِهايةٌ وأوَّلٌ وآخِرٌ يُوردونَه على مَعْنَيين: الأوَّل: على عَدَد الحُروفِ العربية التي هي حروف المُعْجَم. والثاني: على الكَلام العربيّ الذي بين دَفَّتَي المُصْحَف المبدوءِ بالفاتِحةِ والمَخْتومِ بالناس.

стр. 354

قالوا: وجميعُ هذا مَحْصورٌ مَحدودٌ، وهذه علامَةُ الحَدَث. قُلْنا: كَلاَّ، بَلْ كِلاَ الإِيرادَيْن باطلان. أمَّا الأوَّل فإنَّه لم يقُلْ أحد: إنَّ كلامَ الله تعالى حُروفٌ مُجَرَّدةٌ: أ، بَ، تَ ... وإنَّما هو كلامٌ مؤلَّفٌ منها، وهو أكثر من أن يُحْصَرَ أو يُحَدّ، كما لا يَخفى. فإنِ اعترضَ معترضٌ بالحُروف التي في أوائل بعض السُّوَر، مثل ﴿الم﴾ فجَوابه: أنَّ هذه لا تُنْطَقُ حروفاً، وإنَّما تُنْطقُ أسَماءً، فتقول: (ألف، لام، ميم) وهذا كلامٌ مُؤلَّفٌ، وقد نَبَّهْتُ على هذا في الباب الأوَّل، وأزلْتُ عنه اللَّبْسَ بفضْلِ الله. وأمَّا الثاني فهو مبنيٌّ على بدعَةِ الأشعريةِ الثانية الناتجةِ عن أصلِهم الفاسدِ في الكَلام، وهي عَدَمُ تعلّق كلامهِ تعالى بمَشيئتهِ واختيارهِ, لأنَّه عندَهم لا يَنْقَسِمُ ولا يَتَجَزَّأ ولا يتبعَّضُ، وهو خِلافُ اعتقادِ أهْل السُّنَّة من السَّلَف والأئمَّةِ، فإنَّه عندَهم متعلِّقٌ بمشيئتهِ واختيارهِ، يتكلَّمُ إذا شاءَ بما شاءَ، والقرآنُ -مَثلًا- المُفْتَتَحُ بالفاتحةِ والمختَتَمُ بالناس بعضُ كلامهِ الذي لا يتَناهى، لا كُلُّ كلامهِ. وسيأتي قريباً ذكرُ بدعتهم هذه ونقْضُها. وأما الخامس: فمِثْلُ ما سَبَقَ في الفَساد والبُطلان أو أشدّ، وذلكَ أنَّ القومَ يُطلقونَ القولَ بخَلْق حُروف المُعْجَم، فلمَّا رأوْا كلامَ الله العربيَّ مؤلَّفاً منها قالوا: لا يكونُ إلاَّ مخلوقاً, لأنَّ الحُروفَ مخلوقةٌ.

стр. 355

وهذا الإِطلاقُ ليسَ لدَيْهم عليه حُجَّةٌ، ومثلُهُ يَحْتاج إلى توقيفٍ، والدَّعْوى المجرَّدةٌ لا يُعَوَّلُ عليها في مَواطِن النّزاع، فكيفَ يقومُ على أساسِها الاعتقاد؟ والفَيْصَلُ في هذه القضيةِ هوَ: أنَّ الكلامَ إنَّما يُضافُ لمَنْ قالَهُ مُنْشِئاً مُبْتَدِئاً، فكلامُ الله تعالى مُضافٌ إليه، وهو صِفَتُهُ، فهو غيرُ مخلوقٍ, لأنَّ صفاتهِ تعالى غيرُ مخلوقةٍ، وكلامُ المخلوق الذي يُنْشئُه من نفسهِ ويبتَديهِ مُضاف إليه، وهو مَخلوقٌ, لأنَّ الصفةَ تابعةٌ للمَوصوفِ، فحينَ كانت للخالق كانَتْ غيرَ مخلوقةٍ، وحين كانَت للمخلوق كانَتْ مخلوقةً، فإذا قالَ قائل: (محمَّدٌ رسولُ الله) فهذا كلامٌ، تكلَّمَ به الله تعالى، ويتكلَّمُ به المخلوق من نفسهِ لا يُريدُ به القرآنَ، ففي الحالة الأولي غيرُ مخلوق, لأنَّه أرادَ به كلامَ الله، وفي الحالة الثانية مخلوقٌ, لأنَّه أرادَ كلامَ نفسهِ. يوضِّحُه صفةُ العِلْم، فعِلْم المخلوق الذي يكتسبُهُ -سِوى وَحْي الله وتَنزيلهِ- مخلوقٌ، وهو معلومٌ لله تعالى، حَواهُ علمُ الله تعالى وأحاطَ به، فباعتبارِ إضافتهِ للمخلوق فهو مخلوقٌ، وباعتبار إضافتهِ للخالق فغيرُ مخلوق، والله تعالى ليسَ كمثلهِ شئٌ في ذاتهِ، وصفاتهِ، وأسمائِهِ، فليس ككلامِهِ كلامٌ، ولا كصَوتهِ صوتٌ، ولا كفِعْلِهِ فعْلٌ. قال شيخ الإِسلام: "وأصلُ هذا أنَّ ما يوصَفُ الله به ويوصَفُ به العبادُ, يوصَفُ الله به على ما يليقُ به، ويوصَفُ به العبادُ بما يَليقُ بهم من ذلك، مثلُ الحَياةِ والعِلْمِ والقُدْرةِ والسَّمعِ والبَصرِ والكلامِ، فإنَّ الله له حَياةٌ وعلمٌ وقدرةٌ وسَمْعٌ وبصَرٌ وكلامٌ، فكلامُهُ يشتَملُ على حروفٍ، وهو يتكلَّمُ بصَوْتِ نفسهِ، والعَبْدَ لَهُ حياةٌ وعلمٌ وقدرةٌ وسمعٌ وبصرٌ وكلامٌ، وكلامُ

стр. 356

العبد يشتَمِلُ على حروفٍ، وهو يتكلَّمُ بصَوْتِ نفسهِ. فهذه الصفاتُ لها ثلاثُ اعتبارات: تارةً تُعْتَبر مضافةً إلى الربّ. وتارةً تُعْتَبر مضافةً إلى العبد. وتارةً تُعْتَبر مطلقةً لا تخْتَصُّ بالربّ ولا بالعَبْدِ. فإذا قال العبدُ: حياةُ الله، وعلمُ الله، وقدرةُ الله، وكلامُ الله، ونحو ذلك، فهذا كلُّه غيرُ مخلوقٍ، ولا يُماثِلُ صفاتِ المَخلوقين. وإذا قال: علمُ العبدِ، وقدرةُ العبدِ، وكلامُ العبدِ، فهذا كلُّه مخلوقٌ، ولا يُماثِلُ صفاتِ الرَّبِّ. وإذا قال: العلمُ، والقدرةُ، والكلامُ، فهذا مُجْمَلٌ مطلَقٌ لا يقالُ عليه كلهِ: إنَّه مخلوقٌ، ولا إنَّه غيرُ مخلوق، بل ما اتَّصفَ به الربُّ من ذلك فهو غيرُ مخلوقٍ، وما اتَّصفَ به العبدُ من ذلك فهو مخلوقٌ، فالصفة تتبَعُ الموصوفَ، فإنْ كانَ الموصوفُ هو الخالق فصفاتُهُ غيرُ مَخلوقةٍ، وإن كان الموصوفُ، هو العبدَ المخلوقَ فصفاتُهُ مخلوقةٌ" (٥٠). وقد سبقَ إيرادُنا لقول الإِمام أحمد في ذلك، حين سألَه الحافظُ أحمد بن الحسَن التّرمذيُّ، قال: قلتُ لأحمد بن حنبل: إنَّ الناسَ قد وَقَعوا في أمْرِ القرآن، فكيف أقولُ؟ قال: "ألَيسَ أنْتَ مخلوقاً؟ " قلتُ: نعَمْ، قال: "فكلامُكَ منكَ مخلوقٌ؟ " قلتُ: نعَمْ، قال: "أوَ لَيسَ القرآنُ من كلام

стр. 357

الله؟ " قلتُ: نَعَمْ. قالَ: "وكلامُ الله؟ " قلتُ: نَعَمْ، قالَ: "فيكونُ من الله شَيْءٌ مخلوق؟! " (٥١). قلتُ: وهذا الفَرْق بَيِّنٌ لا يَخفى. وأما السادس: فهو قياسٌ ظاهرٌ لصفَةِ الخالق على صفةِ المَخلوق، وتكييفٌ لها، وهو مُنْتقِضٌ بالقاعدةِ السُّنّيةِ السَّلَفية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فهذه الأجوبةُ المُدْحِضَةُ لجُمْلَة هذه التَّشكيكاتِ والتَّلبيساتِ التي أوردَها الأشعريةُ وموافقوهُم، وهي تُنْبِيكَ عن شدَّةِ تَناقُض القَوْم. ولهم في تفصيل ذلكَ من التَّناقض شَيْءٌ كثيرٌ، ولكن مَرْجِعُ ذلك أجمَع إلى ما بَيَّنْتُهُ. • البدعة الثانية: أن الله تعالي لا يتكلم بمشيئته واختياره: شَرَحْتُ في اعتقادِ السَّلَف الأئمَّة من أهْل السُّنَّة اعتقادَهم في أنَّ الله تعالى يتكلَّمُ بمشيئتهِ واختيارهِ، أي متى شاءَ تكلَّم، ومتى شاءَ لم يتكلَّم، يتكلَّمُ بكلامٍ بعدَ كلام، فهو متكلِّمٌ أزَلاً وأبَداً، تكلَّمَ قبلَ خَلْقِ الخَلْق، وبعدَ خَلقِهم، وكلَّمَ من شاءَ مِن ملائكتهِ ورُسُلهِ في الدنيا، ويُكلِّمُ من شاءَ من عبادهِ في الآخرةِ، وصفةُ الكلامِ ثابتةٌ له أزلاً وأبَداً، وكلُّ ذلك واقعٌ على الحَقيقة لا على المَجاز.

стр. 358

وذلكَ أنَّ الله تعالى له صفاتُ الكَمالِ، وكلُّ صفةِ كَمال لا نقْصَ فيه فالله يتَّصفُ بها، والكلامُ صفةُ كَمال، فإنَّ مَن يتكلَّم أكْمَلُ مِمَّنْ لا يتكلَّم، والذي يتكلَّمُ بمَشيئتهِ وقُدْرَتهِ أكمَلُ مِمَّنْ لا يتكلَّم بمشيئتهِ وقدرتهِ، وهو إمَّا أنْ يكونَ قادِراً على الكلام أو غير قادرٍ، فإنْ لم يكن قادراً فهو الأخرَسُ، وإنْ كان قادراً ولم يتكلَّم مُطْلقاً إلاَّ إذا مُكِّنَ أو استُنْطِقَ فهو لا يتكلَّم بمشيئتهِ واختياره، وليست هذه ولا تلكَ صِفةً لله (٥٢). وهذا الاعتقادُ لا تُقِرُّ به الأشعريةُ، لأنَّ ما تعلَّقَ عندَهم بالمشيئةِ والاختيارِ مخلوقٌ، والله تعالى لا يَقومُ به شَيْءٌ يتعلَّقُ بمشيئتهِ وقدرتهِ. وهذا مِمَّا نتَجَ عن أصلِهم الفاسدِ في كونِ كلام الله تعالى معنًى أزليّاً واحداً، ومِمَّا وافقوا فيه الجَهْميَّةَ. قال شيخ الإِسلام: "وهؤلاء وافَقوا الجهميةَ والمعتزلةَ في أصْلِ قَوْلِهم: إنَّه متكلّمٌ بكلام لا يَقومُ بنفسهِ ومشيئتهِ وقدرتهِ، وإنَّه لا تقومُ به الأمورُ الاختياريةُ، وإنَّه لم يَسْتَوِ على عرشهِ بعدَ أنْ خلَقَ السَّماواتِ والأرضَ، ولا يأتي يومَ القِيامَةِ، ولمْ يُنادِ موسى حينَ ناداهُ، ولا تُغْضِبُهُ المَعاصي، ولا تُرْضيه الطاعاتُ، ولا تُفْرِحهُ توبةُ التائبين" (٥٣). قلتُ: لأنَّ الله عندَهم لا يوصَف بالرِّضا والغضَب والفَرَح، ولا بالإِتيانِ والمَجيءِ، ولا بالاستواءِ على العَرْش بعدَ خَلْق السَّماواتِ والأرْضِ، وهو خِلافُ ما نطَقَ به الكتابُ العزيزُ من أنَّه كان بعدَ خَلْقِ

стр. 359

السَّماواتِ والأرض. وهذا المعنى الذي ذكرناهُ عن الأشعرية من عَدَم تعلُّقِ كلامهِ تعالى بمشيئتهِ وقُدْرتهِ، لم يتصوّروهُ هم أنفُسُهم، ولم يَقْدروا على تفسيرهِ بتفسير مَعقولٍ واضحٍ، إلاَّ على معنى إبطال حقيقةِ الكلام. وهذا كلامُ بَعْضِ مُحَقِّقيهم يُفْصِحُ لك عن حقيقةِ اعتقادِهم: قال ابن فَوْرَك: "كلامُ الله تعالى أزليٌّ قديمٌ، سابقٌ لجُمْلة الحوادثِ، وإنَّما أسمَعَ وأفهَمَ لمنْ أرادَ من خلْقه على ما أرادَ في الأوقاتِ والأزمنةِ، لا أنَّ [عينَ] كلامهِ يتعلَّق وجودُه بمُدَّةٍ وزَمانٍ" (٥٤). وقال: "نقولُ: إنَّ الله لم يَزَلْ مُتكلِّماً، ولا يَزالُ متكلِّماً، وأنَّه قدْ أحاطَ كلامُه بجَميع مَعاني الأمْرِ والنَّهْي والخَبَر والاستخبارِ، وأنَّ العباراتِ عنه والدَّلالاتِ كثيرةٌ تتجدَّدُ وتتزايَدُ، ولا يَزيدُ بتزايدِ العِباراتِ كما أنَّ الدَّلالاتِ على الله عزَّ ذكرُهُ تتجدَّدُ وتتزايَدُ، ولا يقتَضي تجدُّدَ المَدلولِ وتَزايدَهُ، فإذا حصَّلتَ هذا الأصْلَ عَلِمْتَ حقيقةَ ما نقول" (٥٥). وقال: "إنَّ كلامَ الله لم يَزَلْ ولا يزالُ موجوداً، فإنَّه يُفْهِمُ خلقَه معانيَ كلامِهِ أوَّلاً فأوَّلاً، وشَيْئاً فشَيْئاً، وأنَّ الذي يتجدَّدُ الإِسماعُ والإِفهامُ دونَ المسموعِ المَفهومِ" (٥٦). وقال حَوْلَ ماَ وَرَدَ من تكليم الله لعباده يوم القيامةِ: "والصَّحيحُ أنْ

стр. 360

يقال: إنَّ كلام الله لم يَزلْ ولا يَزالُ، وإنَّهُ مُسْمِعٌ مَنْ يشاءُ من خَلْقهِ، ومُفْهِمٌ مَنْ أرادَ منهم إفهامَه في الوقتِ الذي يُريدُ أنْ يُسْمِعَهُ ويُفْهِمَهُ ما يُريدُ من ذلك، مِنْ غير تَجديدِ قولٍ ولا كَلامٍ، وإذا قيلَ في ألفاظِ هذه الأخبارِ: يقولُ الله، ويتكلَّمُ الله، فليس المُرادُ به تجديدَ القولِ والكلام، وإنَّما المرادُ تجديد الإِسماعِ والإِفْهامِ للقَوْلِ الذي لم يَزَلْ" (٥٧). وصرَّح بإنكار قوْلِ من يقولُ: إنَّ الله يتكلَّم مرَّةً بعدَ أخرى، وعلَّل ذلك بقوله: "لأنَّ ذلكَ يوجبُ حَدَثَ الكَلام" (٥٨). وقال الباجوريُّ في تكليم الله لموسى: "وليسَ المُرادُ أنَّه تعالى يبتديءُ كلاماً ثُمَّ يَسْكُتُ، لأنَّه لم يَزَلْ مُتَكلِّماً أزلاً وأبداً" (٥٩). قلتُ: وفي هذا الكلام عِدَّة أمور: الأوَّل: أنَّ صفةَ الكلام الثابتةَ لله تعالى هي المعنى القَديم، لا أوَّلَ لها ولا آخر. والثاني: أنَّ الذي يُوحى للرُّسُل، وغيرِهم مِمَّا يتعلَّقُ بالأزْمِنةِ والأمكنةِ هو العِباراتُ عن هذا الكَلام، والدَّلالاتُ عليه، وهيَ مخلوقةٌ، كالذي سَمِعَ موسى حين أتى الشجرَةَ. والثالث: أنَّ قولَ الله لِما يُريدُ تكوينَه (كُنْ) وما يُوحِي إلى رُسُلِهِ من الكلام المُعَبَّر عنه بعباراتٍ كالقُرآن والتَّوراة والإِنجيل، كُلُّ ذلك معنى ثابتٌ

стр. 361

في الأزَل، ولا يزالُ، وإنَّما تكونُ الأشياءُ في الأوقات التي شاءَ الله فيها كَوْنَها، لا أنَّهُ يتجدَّدُ قولُه لما يُريدُ تكوينَه (كُنْ) ويُنْزِلُ على رسُلهِ العباراتِ عن كلامهِ، وهي المتجدِّدةُ الموصوفةُ بالابتداءِ والانتهاءِ والتَّقدُّم والتأخّرِ كالتَّوراة والإِنجيلِ والقُرآن، أمَّا الكلامُ القديمُ فثابتٌ لا يتَجَدَّدُ. وجُمْلةُ هذه الأمورِ هي ما يُعَبَّر عنه بأنَّ كلامَ الله غيرُ متعلِّقٍ بمَشيئتهِ واختياره. ولَمْ يَعْقِل القومُ أنَّ هذه صفةُ نَقْصٍ وعَجْز، لا تَليقُ بالمَخلوق الضَّعيف فكيف جَعَلوها لائقةً بربّهم تعالى وهو القدّوسُ السَّلامُ؟ وإنَّ مِمَّا اضْطَربوا فيه بسَبَب هذه البدعةِ الأمْرُ والنَّهيُ، فقال: الأمرُ والنَّهيُ وصْفان للكلام، والله لم يَزَلْ آمِراً ناهياً، ولا يَزالُ آمِراً ناهياً، كما أنَّه لا يَزالُ متكلِّماً، وهذا يَقْتضي القولَ بجواز خِطاب المَعْدومِ، بمعنى أنَّ الله خاطبَ العبادَ بالأمْرِ والنَّهي أزَلاً قبلَ خَلْقِ الخَلْق، أمْراً ونَهْياً لا أوَّلَ له، فافترقوا إزاءَ هذا فريقين: الأوَّل: قالوا بجَوازِ خطابِ المَعْدومِ، فكلامُ الله لم يَزَلْ أمْراً ونَهْياً للمكلَّفينَ الذينَ خُلِقوا بعدَ ذلكَ، بشَرْط أنْ يَفْعَلوا ما أمِروا به بعدَ الوُجودِ والبلوغ ووفورِ العقلِ (٦٠). والثاني: قالوا بعدَمِ جَوازِ خِطابِ المَعدوم قبْل خَلْق الخَلْق، فهؤلاء منهم لا يَصِفون الله بكونهِ آمِراً ناهياً، وإنَّما يقولونَ: صارَ كلامُهُ أمْراً ونَهْياً

стр. 362

عند توجّهِ اللُّزومِ على المكلَّف (٦١). وكلا المَذْهَبَيْن فاسدانِ. أمَّا الأوَّل فبما نَقَضْناه عليهم في قولهم: كلامُ الله معنى مجردٌ، وإقامةِ الأدلَّةِ على أنَّ كلامَه تعالى متعلقٌ بمَشيئتهِ واختيارهِ، يتكلَّمُ بأمْرِه ونَهْيهِ وخَبرهِ تعالى إذا شاءَ، ومتى شاءَ. وأمَّا الثاني فمُقْتضاه القوْلُ بأنَّ كلام الله مخلوقٌ جميعاً، لأنَّه لا يُعْرَفُ الكلام إلاَّ ما كان خبَراً أو إنشاءً، وعندَ هؤلاء ما لا يسْبقُ الحَوادث فهو حادثٌ، والخبَرُ والإِنشاءُ لم يكونا إلاَّ بعْدَ وجودِ المُكلَّف، فالمكلَّفُ سابقُ الوجودِ للأمْرِ والنَّهْي والخَبَر، فهي مخلوقةٌ على أصلِهِم، وهَل كلام الله إلاَّ الأمْرُ والنَّهْيُ والخَبَر؟ وهذا القولُ مُقْتضٍ أن يكونَ معنى كلام الله مخلوقاً أيضاً لا ألفاظُهُ فحَسْب، وبهذا يبطلُ دينُ الأشعريةِ في إثباتِ صفةِ الكلام، فليسَ ثمَّ معنى قديمٌ، وهم أنفُسُهم لم يكونوا يتصوَّرون معنًى قَديماً هو الأمْرُ والنَّهْيُ والخَبَرُ، فكيفَ يُمْكِنُهم تَصَوَّرُ كلامٍ هو معنى لَيسَ بأمْرٍ ولا نَهْيٍ ولا خَبَرٍ؟ فمُحَصَّلُ ما ذكرنا أنَّ الأشعرية مُضْطربونَ كلَّ الاضطراب في إثباتِ مَذْهَبهم، وسبَبُ فلكَ عَجْزُهم عن تصوَّرهِ وإدراكهِ، وإلَّا فكيفَ يُمْكِنُ وقوعُ الكلام من مَوصوف به من غير أن يكون بقُدْرَتهِ ومشيئتهِ؟ وهم يُنَزّهونَ الله تعالى عن الخَرَس والسُّكوتِ، ومعنى هذا على

стр. 363

التَّحقيق أنَّه متكلمٌ بالحُروف والأصْواتِ، لأنَّ الخَرَسَ عَدَمُ القدرةِ على الكلام، والسُّكوتَ عَدَمُ النُّطْق بالكَلام، لكنَّ القومَ فَرُّوا مِن هذه الحقيقةِ التي لا يَعْقِلُ العاقِلُ سواها إلى خُرافةٍ لا يَسْتسيغُها الصِّبيان، فضْلاً عن العُقَلاء العارفينَ، فقالوا: الخرَسُ والسُّكوتُ نفْسيان، فالذي يُنزَّهُ الله عنهُ عندَهم هو الخَرَسُ النَّفْسيُّ والسُّكوتُ النَّفسيُّ، أرأيتَ كلاماً أشبَه بالسَّفْسَطَةِ من هذا؟! فتأمَّلْ رحِمَك الله اعتقادَ السَّلَفِ والأئمَّةِ، وانظر بيانَه وظهورَه وقوَّةَ حُجَّتهِ ودليلهِ، وقارِنْه بهذه السَّفاهات الأشعريةِ وغيرها يَجْلُ لك الحقُّ وينْقطِعُ عنكَ الشَّكُّ والرَّيْبُ، فإنَّ اعتقادَ السَّلَف لا يَرِدُ عليه بفضْلِ الله شيءٌ من أقوال أهل البدع، وقد كفيناكه في الباب الأول ولله الحمد. وأمَّا ما حاوَل أهلُ البِدَع أن يموّهو به فهو دليلُ حَيْرَتِهم، وهو حُجَّةٌ عليهم لو عَقَلوهُ -كما قَدْ رأيتَ- ولو أنَّهم تَرَكوا الكلامَ المذمومَ وأقْبَلوا على الوَحْي المَعصوم لسَلِمَ لهم دينُهم.

стр. 364

المبحث الثالث: القرآن العربي عند الأشعرية بينتُ في شَرْح اعتقادِ السَّلَفِ أنَّ هذا القرآنَ العربيَّ المؤلَّفَ من الحروف العربيَّةِ، المشتمل على المَعاني من الأوامرِ والنَّواهي، والأخبار، وغير ذلك مِمَّا خاطبَ الله تعالى به العبادَ، وأنزلَه على رسولِهِ محمَّدٍ ﷺ بواسطةِ الأمين جبريلَ ﵇، على الأحْرُف السَّبْعَة تيسيراً على الأمَّةِ، وهذا القرآن هو كلامُ الله على الحقيقةِ بألفاظِهِ ومعانيهِ، وبحروفهِ وكلماتهِ وآياتهِ وسورهِ، غيرُ مخلوق، مِنْ أوَّل الفاتحةِ إلى آخر الناس، لا قرآنَ سواهُ، وبسَطْتُ ذلك بالأدلَّةِ، وبيَّنْتُ في الباب الثاني في إقامةِ الحُجَّة على بُطلان اعتقادِ اللفظيَّة، الذين يعتقدونَ خَلْقَ الألفاظِ العربيةِ، بالحُجَج القَواطِع من كتاب الله تعالى واعتقادِ السَّلَف، وسُقْتُ هناكَ من نُصوصِ الأئمَّة ما فيه الكفَايةُ والمَقْنَع لِمَنْ طلبَ الهدى وقصَدَه، ورامَ اتِّباعَ السَّلَف وتَرْكَ البِدَع. ولكن الأشعريةَ -رأسَ القائلينَ بخَلْق الألْفاظ- أبَوُا التسليمَ لهذا المُعْتَقد السَّلَفي، وقالوا فيه بقَوْل الجَهميةِ الضُّلال: بأنَّه مخلوقٌ، وليسَ هو كلامَ الله على الحقيقةِ، وإنَّما هو عبارةٌ عنه، لأنَّ كلامَ الله عندهم هو

стр. 365

المعنى القائمُ بنفسهِ -كما شرَحْناه عنهم-. وهذا القولُ فاقوا فيه المعتزلةَ، لأنَّ المعتزلةَ كانوا يُسَمُّونَ هذا القرآنَ العربيَّ كلامَ الله، ويصفونَه بالخَلْق، أمَّا هؤلاء فوافَقوهم في وصْفهِ بالخَلق، لكنهم زادوا عليهم نَفْي كونهِ كلامَ الله، وهذا وإنْ كانَ حقيقةَ قولِ المعتزلةِ، إلاَّ أنَّهم لم يُصَرِّحوا به تصريحَ الأشعريةِ. ويتلخَّصُ اعتقادُهم في القرآن العربيّ في الأمور الآتية: ١ - هو عِبارةٌ ودَلالةٌ على الكلام القَديمِ، وليسَ هو الكلامَ القديمَ. ٢ - لا يُسَمَّى كلامَ الله على الحَقيقة، إلاَّ على معنى أنَّه خلَقَه في اللَّوْح المَحفوظ أو غيره. ٣ - يُسَمَّى كلامَ الله مَجَازاً من تَسْمية الدَّالّ باسْم المَدلول. ٤ - الأكثرون منهم على أنَّهُ مَخلوقٌ في اللَّوْح المَحْفوظ، ومنهم من قال: في غيره، ومنهم من قال: هو قوْلُ جبريلَ ﵇، ومنهم من قال: هو قولُ محمَّد ﷺ . ٥ - لَمْ يَنزِلْ إلى الأرض إلاَّ ما هو مَخلوق. وهذه بعض نُصوصِهم الصَّريحةِ تُثْبِتُ صحَّة ما ذكرتهُ عنهم: قالَ أبو بكرٍ الباقلّاني: "إنَّ الكلامَ الحقيقيَّ هو المعنى الموجودُ في النَّفسِ، لكن جُعِلَ عليه أماراتٌ تدلُّ عليه، فتارةً تكونُ قولاً بلسانٍ على حكم أهل ذلك اللسانِ وما اصْطَلحوا عليه وجَرى عُرْفُهم به وجُعِلَ لغةٌ لهم، وقد بيَّنَ تعالي ذلك بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] فأخْبَرَ تعالي أنَّه أرْسَل موسى ﵇ إلى بَنِي

стр. 366

إسرائيلَ بلسانٍ عِبْراني، فأفهَمَ كلامَ الله القديمَ القائِمَ بالنفسِ بالعِبْرانية، وبَعَثَ عيسى ﵇ بلسانٍ سريانيّ، فأفهَمَ قومَهُ كلامَ الله القديمَ بلسانهم، وبعَثَ نبيَّنا ﷺ بلسانِ العربِ، فأفهَمَ قومَه كلامَ الله القديمَ القائِمَ بالنفسِ بكلامِهم، فلغةُ العرَب غيرُ لغة العِبْرانية، ولغة السّريانية غيرهما، لكنَّ الكلامَ القديمَ القائمَ بالنفسِ شيءٌ واحدٌ لا يَخْتَلِفٌ ولا يتغيَّر ... " (٦٢). حتى قالَ: "فصحَّ أنَّ الكلام الحقيقيَّ هو المعنى القائمُ بالنَّفْس دونَ غيرهِ، وإنَّما الغيرُ دليلٌ عليه بحُكْم التَّواضُعِ والاصطلاح، ويجوزُ أنْ يُسَمَّى كلامًا إذْ هو دليلٌ على الكَلام، لا أنَّه نفسُ الكَلام الحقيقيّ" (٦٣). ويُفْصِحُ عن مُنْشِىءِ هذا الكلام العربيّ فيقولُ: "والمَنزولُ به هو اللُّغَة العربية التي تَلا بها جبريلُ، ونحنُ نتلو بها إلى يوم القيامةِ، لقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] والنَّازِلُ على الحَقيقةِ، المنتقِلُ مِنْ قُطْرٍ إلى قُطْرٍ قَوْلُ جبريلَ ﵇، يدلُّ على هذا قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ...﴾ وذكَرَ الآياتِ، ثمَّ ذكَرَ آيةَ التكوير، ثم قالَ: "وهذا إخبار مِن الله تعالى بأنَّ النظمَ العربيَّ الذي هو قِراءةُ كلام الله تعالى هو قولُ جبريلَ، لا قول شاعرٍ، ولا قول كاهنٍ ... " (٦٤). قلْتُ: وقد بيَّنا الحقَّ في تفسير آيتَي الرَّسولَيْن في الباب الثاني في

стр. 367

شَرْح مسألة اللفظِ، بما يُبْطِلُ مذهبَ الباقلّاني ومَن تابَعَه، فارْجِع إليه. وقال صاحبُ "كفاية العوام" -منهم-: "وليسَ المُرادُ بكَلامِهِ تعالى الواجب لَهُ تعالى الألفاظ الشَّريفةَ المُنْزَلَةَ على النَّبِيّ ﷺ ، لأنَّ هذه حادثةٌ، والصِّفةُ القائمةُ بذاتهِ تعالى قديمةٌ، وهذه مشتملةٌ على تقدُّمٍ وَتأخُّرٍ وإعرابٍ وسُوَرٍ وآياتٍ، والصِّفَةُ القديمةُ خاليةٌ عن جَميع ذلك، فليسَ فيها آيَاتٌ، ولا سُوَرٌ، ولا إعرابٌ، لأنَّ هذه تكونُ للكلام المُشْتَمل على حروفٍ وأصواتٍ، والصِّفَةُ القَديمةُ مُنزَّهةٌ عن الحروفِ والأصوات" (٦٥). حتى قال: "ويُسَمَّى كلُّ من الصِّفةِ القديمةِ والألفاظِ الشَّريفةِ: قرآنًا، وكلامَ الله، إلَّا أنَّ الألفاظَ الشَّريفة مخلوقةٌ، مكتوبةٌ في اللَّوْح المَحفوظ، نزلَ بها جبريلُ ﵇ على النَّبِيِّ ﷺ ، بعدَ أنْ نزَلت في ليلة القَدْرِ في بيت العزَّة: مَحَلٌّ في سَماءِ الدُّنيا" (٦٦). وقال الباجوريُّ: "مَذْهَبُ أهْل السُّنة -يريدُ الأشعريَّةَ- أنَّ القرآن بمعنى الكلامِ النَّفْسي ليسَ بمَخلوقٍ، وأمَّا القرآنُ بمعنى اللَّفْظ الذي نَقرؤه فهو مَخلوقٌ" (٦٧) وقالَ: "مَنْ أضيفَ لَهُ كلامٌ لفظيٌّ دلَّ عُرْفًا أنَّ له كلامًا نفسيًّا، وقد أضيفَ له تعالي كلامٌ لفظيٌّ، كالقرآن، فإنَّه كلامُ الله قطعًا، بمعنى أنَّه خلقَهُ في اللَّوْح المَحْفوظ، فدلَّ التزامًا على أنَّ له تعالى كلامًا نفسيًّا، وهذا

стр. 368

هو المُراد بقولِهم: القرآنُ حادثٌ، ومَدلولُهُ قديمٌ، فأرادوا بمَدْلولهِ الكلامَ النَّفسيَّ، وتكفي الإِضافةُ الإِجماليةُ وإنْ لم يكن اللفظيُّ قائمًا بالذَّاتِ" (٦٨). وقال صاحب "الجوهرة": فكلُّ لَفْظٍ للحَدوثِ دَلَّا ... احْمِلْ على اللَّفْظِ الذي قَدْ دَلَّا فقال الباجوري في "شرحهِ": " (على اللفظ) أي على القرآنِ، بمعنى: اللفظ المُنْزَل على نبيّنا ﷺ ، المُتَعَبَّد بتلاوتهِ المُتحدّى بأقصَرِ سورةٍ منه، والرَّاجحُ أنَّ المنزَلَ اللفظُ والمعنى، وقيل: المُنْزَل المعنى، وعبَّر عنه جبريلُ بألفاظٍ من عنده، وقيل: المنزَل المعنى، وعبَّر عنه النبيُّ ﷺ بألفاظٍ من عندِه، لكن التحقيق الأوَّلُ، لأنَّ الله خلقَهُ أوَّلًا في اللَّوْح المَحْفوظِ، ثمَّ أنزلَه في صحائفَ إلى سَماءِ الدنيا، في مَحَلٍّ يقالُ له: بيتُ العزَّة، في ليلةِ القَدْر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ثمَّ أنزَلَهُ على النَّبِيّ ﷺ مُفَرَّقًا بحسب الوقائع". حتى قال: "والحاصِلُ أنَّ كلَّ ظاهرٍ من الكتابِ والسُّنَّة دلَّ على حدوثِ القرآن فهو مَحْمولٌ على اللفظِ المَقروء، لا على الكلام النَّفْسي" (٦٩). قلت: يَعْنونَ بهذا قولَه تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ وما في مَعناه مما ذكَرْناهُ عن أسْلافهم الجَهمية في الفصل

стр. 369

السابق، وأظهَرْنا زيفَهم فيه. فهذه نصوصُ بعض مُحَقِّقي الأشعريَّة، وهي أبْيَنُ مِنْ أنْ تُشْرَحَ، وأصرَحُ مِنْ أنْ تُوَضَّحَ، مُصَرِّحَةً بخَلْق هذا القرآنِ العربيّ الذي يقول الله تعالى فيه: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٣٧] والذي تحدَّى الخلقَ أنْ يأتوا بسورة مثله، فوافَقوا الجهميةَ في قولِهم، ونَبذوا مذهبَ السَّلفِ وأهْلِ السُّنَّةِ واعتقادَهم وَراء ظُهورهم، وكابَروا، فتظاهَروا بالرَّدِّ على الجَهمية، والانتسابِ لأهْل السُّنَّةِ، وسأذكرُ لك قريبًا مقالةَ أحَدِ فُحولهم في أنهم موافقونَ للمعتزلةِ في هذه القضية، تُنْبِيكَ عن بَراءتهم من اعتقادِ أهلِ السُّنَّةِ من السَّلَف والأئمَّة في مسألة كلام الله تعالى. ولقد أبطلتُ قولَ هؤلاء اللَّفظية في الباب السابق، بما فيه غُنْيَةٌ إنْ شاءَ الله. وأقولُ هُنا إلزامًا وإفحامًا: لقد صرَّحْتُم -معشرَ الأشعرية- في غير موضعٍ من كُتُبِكم في صَدَدِ الرَّدِّ على المُعتزلة، بأنَّ كلامَ الله لوكانَ مخلوقًا لكانَ مخلوقًا في مَحَلٍّ، ولَكانَ صفةً لذلك المَحَلِّ الذي خُلِقَ فيه، لا صفةً لله تعالى. وقولُكُم هذا صَوابٌ ومعقولٌ موافقٌ للمنقولِ، فإنَّه إذا خَلَقَ الله تعالى حركةً أو وَصْفًا في مَحَلٍّ كانَ ذلك المَحَلُّ هو المتحرّكَ الموصوفَ بذلك الوَصْفِ، لا الخالقُ تعالى، فإنَّه لا يوصَفُ بخَلْقهِ، فكلامُه تعالى المضاف إليه صفتهُ، فإن قيلَ: مخلوقةٌ، وجَبَ أن تكونَ قائمةً بمخلوقٍ لا بالله تعالى، وأنتم تُقرّون بهذا، فإذا كانت قائمةً بمخلوقٍ لم تَجُز إضافتُها لله

стр. 370

تعالى على أنَّها صفةً له، وهذا موافقٌ لإِلزامكم للمعتزلة. وهذا القرآنُ العربيُّ معلومُ الإِضافةِ إلى الله تعالى بالضَّرورة، فإنَّ الأمَّةَ مُتَّفقةٌ على ذلك، وقد تلَقَّتْ ذلك عن رسولِ الله ﷺ على أنَّهُ كلامُ الله لا كلامُ غيره، ففي نَفْي إضافتهِ إلى الله تكذيبٌ للرَّسولِ ﷺ بما جاءَ به، وتجهيلٌ للصَّحابة ﵃، وهم أجَلُّ مِنْ أنْ يَجْهَلوا أنَّه لو كانَ مخلوقًا لكان مخلوقًا في مَحَلٍّ، فيكون بهذا صفةً لذلك المَحَلِّ لا لله تعالى. وأنتم -معشرَ الأشعرية- قُلْتُم: إنَّ الله خَلَقه، قال أكثرُكم: في اللَّوْح المَحْفوظ، وقال آخرون: في غيره. وهذا يُلْزِمُكم على أصلِكم الذي ألزَمْتُم به المعتزلةَ أنْ يكونَ كلامَ اللّوحِ، لا كلامَ الله، فلا يَحْسُنُ منكم إضافَتُه إلى الله بحالٍ من الأحوالِ، ولكنَّكُم أرَدْتم التَّشبيهَ على الأمَّةِ والتَّلبيسَ عليها، وسَتْر مقالتِكم الشَّنيعة التي هي في الحَقيقة مقالَة الجَهمية، فكَسَوْتُموها زورًا بِكساء أهْلِ السُّنَّةِ، لِتُخْفوا حقيقةَ أمْرِكم. فكذَّبتُمُ الرسولَ ﷺ في أنَّه كلامُ الله، وجَهَّلْتم أصحابَه والتَّابعينَ لهم بإحسان، الذين لَمْ يكونوا يعرفونَ هذا القرآنَ العربيّ إلَّا أنَّه كلامُ الله ووحيُه وتنزيلُه. بل تَبَجَّحَ بعضُكُم فافترى، وزادَ إفْكاً أنَّه قَوْلُ جبريلَ، ولَبَّسَ على النَّاس بما لَمْ يَفْهَمْهُ هو من القرآنِ، وأضَلُّ منهُ وأكْفَرُ مَنْ قالَ منكُم: إنَّه مِنْ إنشاءِ النَّبيّ ﷺ ، وأنتُم أيُّها المساكينُ تُورِدونَ خِلافَ أصحابِكم في كونِهِ

стр. 371

مَخلوقًا في اللَّوح، أو في الهَواءِ، أو في جِبريلَ، أو محمَّدٍ ﷺ ، مَوْرِدَ مسائل الفُروع الخِلافية. وأمَّا قولُ إمامكُم الجُوَيْني ومَن تَبِعَه: إنَّ إطلاقَ كَلام الله على الكَلام النَّفسي، والنَّظم العربيّ، حقيقةٌ فيَهما جميعًا (٧٠)، فهو أبْعَدُ شَيْءٍ عن المَعقول الذي تدَّعونه، فإنَّه إنْ كانَ كلامَ الله على الحقيقةِ على هذه المقالةِ، بطلَ أن يكونَ مخلوقًا، سَواء كان ما سَمَّيْتُموه بالكلام النفسيّ، أو النّظمِ العربيّ، وهذا يُبْطِلُ أصلَكم، ولكنَّ الأمرَ ينطوي على سِرٍّ لا تُظْهِرونَه على كل حالٍ خشيةَ أن تبدوَ سوآتُكم، وتنكشفَ عَوْراتُكم، وهو الذي صرَّحَ به شارحُ الجَوْهرة حينَ قال: "إنَّه كلام الله قَطْعًا، بمعنى أنَّه خَلَقَهُ في اللَّوْح المَحْفوظ" فهذه الحقيقةُ المُرادَةُ عندَكم. قال شيخُ الإِسلام ابن تيمية: "فإن قيلَ: إنَّه كلّه كلام الله تكلّمَ به، وبلّغَه عنه جبريلُ إلى محمَّد -كما هو المَعلوم من دين المُرْسَلين- كانَ هذا صَريحًا بأنَّه لا فَرْقَ بين الحُروف والمَعاني، وأنَّ هذا من كلام الله، كما أنَّ هذا من كلامِ الله، وإنْ قيلَ؛ إنَّه خَلَقَ في غيرهِ حروفًا منظّمةً دَلَّتْ على معنى قائمٍ بذاتهِ، فقَدْ صرَّحَ بأنَّ تلكَ الحروفَ المؤلَّفةَ ليست كَلامَه، وأنَّهُ لم يتكلَّمْ بها بحالٍ، وإذا قيلَ: إنَّ تلكَ تُسَمَّى كلامًا حقيقةً، وقد خُلِقَتْ في غيره، لَزِمَ أنْ تكونَ كلامًا لذلك الغَيْر، فلا يكونُ كلامَ الله، وهو خِلافُ المَعلوم من دين الإِسلام، وإنْ قيلَ: لا يُسَمَّى كَلامًا حقيقةً كانَ خلافَ المعلومِ من اللُّغَةِ والشَّريعةِ ضَرورةً" (٧١).

стр. 372

فالتَّحقيقُ الذي لا مِرْيَةَ فيه أنَّ الأشعريةَ يعتقدونَ أنَّ القرآنَ العربيَّ مخلوقٌ، وهذا عَيْنُ قَوْلِ المُعْتزلةِ الجَهميةِ. شبهة: ومَعَ التَّحقيقِ الذي ذكَرْنا في اعتقادِهم، فإنِّهم نَصُّوا على أنَّ القرآنَ الذي نتلوهُ كلامُ الله، متلوٌّ بألْسِنَتِنا على الحَقيقةِ، مَكتوبٌ في مصاحِفنا على الحَقيقةِ، محفوظٌ في صدورِنا على الحقيقةِ، مسموعٌ بأسماعِنا على الحقيقةِ. وهذه شُبْهَةٌ التبسَت حقيقتُها على كثيرٍ من النَّاس، وخاصَّةً من بعض إخوانِنا السَّلَفيينَ، فإنَّهم لمَّا رَأوْا ذلك في "الإِبانة" للأَشْعَريّ، وغيره من أتباعهِ، حَسِبوها موافقةً منهم لاعتقادِ أهْلِ السُّنَّة. وليسَ الأمْرُ كذلك، فإنَّ القومَ حين فصَّلوا اعتقادهم بانَ حقيقةُ المعنى الذي أرادوا وراءَ هذه الألفاظِ المُجْمَلةِ، بل إنَّهم فسَّروها في غَيْرِ مَوْضع. قالَ أبو القاسم القشيريُّ -وهو من كِبار مُحقِّقيهم- في "شكاية أهل السُّنَّة" وهو يذبُّ عن الأشْعَريّ: "بل القرآنُ مكتوبٌ في المُصْحَفِ على الحَقيقةِ، والقرآنُ كلامُ الله، وهو قَديمٌ غيرُ مَخْلوقٍ، لم يَزَلْ الله به متكلِّمًا، ولا يزالُ به قائلًا، ولا يجوزُ انفصالُ القرآنِ عن ذاتِ القَديمِ سُبْحانه، ولا الحُلولُ في المَحالِّ، وكَوْنُ الكَلامِ مكتوبًا على الحَقيقة في أبْوابٍ لا يَقْتَضي حُلولَه فيه، ولا انفصالَه عنَ ذاتِ المُتكلِّم، قال الله تعالى: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الأعراف:

стр. 373

١٥٧] فالنَّبِيُّ ﷺ على الحَقيقةِ مكتوبٌ في التَّوْراةِ، فكذلك القرآنُ على الحَقيقةِ مكتوبٌ في المصاحفِ، مَحْفوظٌ في قلوبِ المؤمنين، مَقروءٌ متلوٌّ على الحَقيقةِ بألسنةِ القارئينَ من المُسْلمينَ، كما أنَّ الله على الحقيقةِ لا على المَجاز مَعْبودٌ في مساجِدنا، معلومٌ في قلوبِنا، مذكورٌ بألْسِنَتِنا" (٧٢). قلتُ: فأفصَح بالمثَل الذي ضَرَبه عن حقيقةِ هذه المَقالةِ، فإنَّ الذي في التَّوْراةِ هو ذكْرُ النَّبِيّ ﷺ ، لا عَيْنُه، وهذا مِمَّا لا يَشُكُّ فيه أحَدٌ، فالمكتوبُ على الحقيقةِ في التَّوراةِ هو ذكْرُهُ ﷺ ، كما أنَّ المذكورَ بالألسنةِ على الحَقيقةِ هو اسْمُه تعالى، فليسَ مُرادُ القَوْمِ أنَّ القرآنَ الذي هو كلامُ الله عندَهم لا النَّظم العَربيّ مكتوبٌ في المصاحِف على الحَقيقةِ، بمَعنى أنَّ عَيْنَ كلامِ الله تعالى مكتوبٌ في المَصاحِفِ، أو عَيْنَ كلامهِ مَحْفوظٌ في الصُّدورِ، أو عَيْنَ كلامهِ مسموعٌ بالآذانِ، وإنَّما كتابةُ ذلك وقراءتُهُ وتلاوتُهُ، وهذه جَميعًا مَعاني مخلوقةٌ عندهم، إذ هي العِباراتُ عن الكلامِ القَديم. وأفْصَحَ عن ذلك ابنُ فَوْرَك، فقال: "كلامُ الله تعالى مَحْفوظٌ في القلوب، متلوٌّ بالألسنةِ، مكتوبٌ في المصاحِفِ، كما أنَّ الله جلَّ ذكرُه مذكورٌ بالألسنةِ، معبودٌ بالجَوارح، ولا يَجوزُ أنْ يكونَ في شَيْءٍ من ذلك حالًّا، ومثلُ هذا قولُهُ تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] والمُرادُ حُبُّ العِجْل، لأنَّ العِجْل لم يَحُلّ في قلوبهم، واعلم أنَّا لا نأبى أنَّ كلام الله تعالى مَحْفوظٌ على الحَقيقةِ بحِفْظٍ في القلوب، مَكتوبٌ على الحَقيقةِ في المَصاحف كتابةً حالّةً فيها، متلوٌّ بالألسنةِ بتِلاوةٍ فيها، مسموعٌ

стр. 374

في الأسماعِ، غيرُ حالٍّ في شَيْءٍ مِنْ هذه المخلوقات، ولا نُجاوِز" (٧٣). وقالَ عبدُ القاهر: "ونقولُ: كلامُ الله في المُصْحَفِ مكتوبٌ، وفي القَلْبِ مَحْفوظٌ، وباللِّسانِ مَتلوٌّ، ولا يقال: إنه في المَصاحفِ مُطْلقًا، ولا نقولُ على الإِطلاق: إنَّ كلامَ الله سُبْحانَه في مَحَلٍّ، ولكن نقولُ على التَّقييدِ: إنَّه مكتوبٌ في المَصاحفِ" (٧٤). فهذا صَريحٌ منهم أنَّ ما بين الدَّفَّتَيْن كتابةُ كلام الله التي هيَ الألفاظُ العربيةُ، لا كلامُ الله، وما قد شرَحناه عنهم فيما مضى كافٍ في توضيح هذا المُرادِ، ورَفْع الإِشكال الوارد بسَبَبهِ. وقد ذكرَ شيخُ الإِسلام أنَّهم غَلَطوا في التَّمْثيلِ الذي ذكَروهُ غَلَطَيْنِ: غَلَطًا في تَصْويرِ مَذْهَبِهم، وغَلَطًا في الشَّريعةِ. قالَ ﵀: "أمَّا الغَلَطُ في تَصْوير مذْهَبِهم، فكانَ الواجبُ أنْ يقولوا: إنَّ القرآنَ في المُصْحَفِ مثْل ما إنَّ العلمَ والمَعانيَ في الوَرَق، فكما يُقال: العِلْمُ في هذا الكتابِ، يقال: الكلامُ في هذا الكتابِ، لأنَّ الكلامَ عندَهم هو المعنى القائمُ بالذَّاتِ، فيصوَّر له المَثَلُ بالعِلْم الَقائم بالذَّاتِ، لا بالذاتِ نفسِها. وأمَّا الغَلَطُ في الشَّريعة، فيقال لهم: إنَّ القرآنَ في المصاحفِ مِثْلما أنَّ اسمَ الله في المَصاحف، فإنَّ القُرآنَ كلامٌ، فهو محفوظٌ بالقُلوبِ، كما يُحْفظ الكلامُ بالقلوبِ، وهو مذكورٌ بالألسنةِ كما يُذْكَرُ الكلامُ بالألسنَةِ، وهو

стр. 375

مكتوبٌ في المَصَاحفِ والأَوْراقِ، كما أنَّ الكلامَ يُكْتَبُ في المَصاحفِ والأوْراقِ، والكلامُ الذي هو اللفظُ يُطابِقُ المَعنى ويدلُّ عليه، والمَعنى يُطابِقُ الحَقائقَ المَوْجودةَ. فمَنْ قالَ: إنَّ القرآنَ مَحْفوظٌ كما أنَّ الله معلومٌ، وهو متلوٌّ كما أنَّ الله مذكورٌ، ومكتوبٌ كما أنَّ الرسولَ مكتوبٌ، فقد أخْطأ القياسَ والتَّمْثيلَ بِدَرَجَتَيْن، فإنَّه جعَلَ وجودَ المَوجوداتِ القائمةِ بأنْفُسِها بمنزلةِ وجودِ العبارةِ الدالَّة على المعنى المُطابقِ لها، والمُسلمونَ يعلَمونَ الفرقَ بين قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨] وبينَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] فإنَّ القرآنَ لم يَنْزِلْ على أحَدٍ قَبْلَ مُحمَّدٍ لا لفظُه ولا جَميعُ مَعانيهِ، ولكنْ أنْزَلَ الله ذِكْرَه، والخبرَ عنهُ، كما أنزَلَ ذِكرَ محمَّدٍ والخبرَ عنه. فذكْرُ القرآنِ في زُبُر الأوَّلينَ كما أنَّ ذكرَ محمَّدٍ في زُبُر الأوَّلين، وهو مكتوبٌ عندَهم في التَّوْراة والإِنْجيل، فالله ورسولُهُ معلومٌ بالقُلوبِ، مَذكورٌ بالألسُنِ، مكتوبٌ في المُصْحَف، كما أنَّ القرآنَ معلومٌ لمَنْ قبلَنَا، مذكورٌ لهم، مكتوبٌ عندَهم، وإنَّما ذاكَ ذكرُهُ والخبرُ عنه، وأمَّا نحنُ فنفسُ القرآن أنْزِلَ إلَيْنا، ونفسُ القرآنِ مكتوبٌ في مَصاحِفنا، كمَا أنَّ نفس القرآنِ في الكتابِ المَكْنونِ، وهو في الصُّحُفِ المُطهَّرةِ. ولهذا يجِبُ الفَرْقُ بين قولِهِ تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢] وبين قولهِ تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور: ٢ - ٣] فإنَّ الأعمالَ في الزُّبُر كالرَّسولِ وكالقُرآنِ في زُبُرِ الأوَّلينَ، وأمَّا الكتابُ المَسطورُ في الرَّقِّ المَنْشور، فهو كما يُكْتَبُ الكَلام نفسُه [في]

стр. 376

الصَّحيفة، فأيْنَ هذا مِن هذا؟ " (٧٥). قلتُ: فتأمَّل -أرشَدَك الله- مَدى تناقُض القَوْم المتَبجّحينَ بمعرفةِ المَعقولِ، المُجانبين لِما جاءَ به الرَّسولُ ﷺ . تنبيه: تَرى في بعضِ نُصوصِ الأشعريةِ المَذكورة قَريبًا وغَيرِها، تَنْزيههم القرآنَ الذي هو كلامُ الله عن الحُلولِ في المُصْحَف، ولو طلبْتَ تفسيرَ الحُلولِ في كَلامهم وجَدْتهم يريدونَ تنزيهَ كلامِ الله تعالى الذي هو صفتهُ عن الكَوْنِ في الورَق، لأنَّ هذا بزَعْمِهم بَيْنونَةٌ للصِّفَة عن المَوْصوفِ ومُفارَقةٌ له، فيَرَوْن أنَّهم إنْ أقرّوا بأنَّ كلامَ الله على الحقيقةِ في المُصْحَف أبَطلوا أنْ تكونَ لله تعالى صفةُ الكَلام، لأنَّ كلامَهُ حينئذٍ يَنْتَقِلُ ويَحُلُّ في الوَرَق. وهذا منهم جَهْلٌ بحقيقةِ الأمْرِ، فإنَّ نقلَ الكلام ليسَ كنَقْل الحَجَر والصَّخْر، فنقلُ الحَجَر والصَّخْر يزيلُهُ عن مَوْضعهِ إلى المَوْضِع الذي نُقِلَ إليه، بخلافِ الكَلام، فهذا رسولُ الله ﷺ كان يُحَدِّثُ أصحابَه بالسُّنَن والشَّرائع، وأصحابُهُ يَحْفَظونَ ذلك وينقلونه عنه، فهَل ما علَّمهم من قوله ﷺ وَحَفِظُوُهُ زالَ عنه وفارقَه؟ لا يَعْقِلُ هذا عاقلٌ، وإلَّا كانَ ما يتكلَّمُ به المتكلِّم لا يَقْدِرُ أن يتكلَّمَ به أكثر مِن مَرَّة، وإن قُلْنا: فارَقَتْه صفةُ الكَلام وانتقلَتْ إلى غيرهِ بسمَاع ذلك الغَيْر هذا الكلامِ وحِفْظِهِ له، لَما صَحَّ أن يبقى وصفُ الكلام لازمًا له، ولعادَ أبْكَمَ بعدَ تكلُّمِهِ مرَّةً، وهذا غيرُ مَعقولٍ ولا مُتَصَوَّر.

стр. 377

ولو صَحَّ ما قالوهُ -أيضاً- لَما صحَّت إضافةُ الكَلام إلى مَن قاله إبتداءً، فالحَديث -مثلاً- سَمِعَه أبو هُرَيْرَةَ ﵁ من النَّبيَّ ﷺ ، يُضافُ على قَوْلِ هؤلاء إلى أبي هُرَيْرَةَ لا إلى النَّبِيَّ ﷺ , لأنه فارقَ النَّبِيَّ ﷺ بتكلّمهِ به وحَلَّ في أبي هُرَيْرَةَ فصار قَوْلاً لأبي هُرَيْرةَ، وهذا المعنى زَيْغٌ وضَلالٌ ومُجانَبةٌ للفَهم السَّليم، وبُعْدٌ عن الصَّراطِ المُستقيم. قال شيخ الإِسلام: "ولهذا يقالُ: فلانٌ يَنْقل علمَ فلان، ويَنقلُ كلامَه، ويُقالُ: العلمُ الذي كان عندَ فُلان صارَ إلى فلانٍ، وأمثالُ ذلك، كما يُقالُ: نقلتُ ما في الكتاب، ونسَخْتُ ما في الكتابِ، أو نقلتُ الكتابَ أو نسَختُه، وهم لا يُريدون أَنَّ نفسَ الحروف التي في الكتاب الأوَّلِ عُدِمَت منه، وحلَّتْ في الثاني، بل لَمَّا كانَ المقصودُ من نسخ الكتابِ من الكتُب ونَقْلِها من جنْس نقْل العِلْم والكلام، وذلك يَحْصُلُ بأن يُجعَلَ في الثاني مِثْلُ ما في الأوَّل، فيبقى المقصودُ بالأوَّلِ مَنْقولاً مَنسوخاً، وإنْ كانَ لم يتغيَّر الأوَّلُ؛ بخلافِ نَقْلِ الأجْسام وتَوابِعها، فإنَّ ذلكَ إذا نُقِلَ من مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ زالَ عن الأوَّل" (٧٦). فهذا النَّظْمُ العَربيُّ مكتوبٌ فيما لا يُحصى من المَصاحفِ، ويحفظُه مَن لا يُحصيهم إلاَّ الله من الخَلائق، وهو نفسهُ الذي سَمِعَه الصَّحابةُ من رسولِ الله ﷺ ، قرآنٌ واحدٌ كما أنْزِلَ بسُوَرهِ وآياتهِ وحروفهِ وكلماتهِ، وهو نفسُهُ الَّذي في اللَّوْحِ المَحفوظِ، وهو نفسُهُ الذي تكلَّمَ الله تعالى به. قالَ شيخ الإِسلام: "بَلْ إذا قَرَأهُ الناسُ، أو كَتَبوهُ في المَصاحفِ،

стр. 378

لم يخرُجْ بذلكَ عن أنْ يكونَ كلامَ الله تعالى حقيقةً، فإنَّ الكلام إنَّما يُضافُ إلى مَن قالَه مبتدئاً، لا إلى مَن قالَهُ مُبَلَّغاً مُؤدَّياً، وهو كلامُ الله: حروفهُ ومعانيه، ليسَ كلامُ الله الحُروفَ دونَ المَعاني، ولا المَعانيَ دونَ الحُروفِ" (٧٧). وقال الإِمام ابنُ قُتَيْبة: "والقرآنُ لا يقومُ بنفسهِ وحدَه، وإنَّما يقومُ بواحدةٍ من أرْبَع: كتابةٍ، أو قراءةٍ، أو حفظٍ، أو استماعٍ، فهو بالعَمَل في الكتابةِ قائمً، والعَملُ خَطٌّ وهو مَخلوقٌ، والمَكتوبُ قرآنٌ وهو غيرُ مَخلوقٍ، وهو بالعَمَل في القراءةِ قائمٌ، والعَمَلُ تَحريكٌ للًّسانِ واللَّهواتِ بالقرآنِ وهو مخلوقٌ، والمَقروءُ قُرآنً وهو غيرُ مخلوقٍ، وهو بحِفْظِ القَلْب قائمٌ، والحِفْظُ عَمَلٌ وهو مخلوقٌ، والمَحفوظُ قرآنٌ وهو غيرُ مَخلوقٍ، وهو بالاستماعِ قائِمٌ في السَّمْعِ، والاستماعُ عَمَلٌ وهو مَخلوقٌ، والمَسموعُ قرآنٌ وهو غيرُ مخلوقٍ" (٧٨). وقال الحافظُ الذَّهَبيُّ: "إنَّك تَنْقلُ من المصْحَفِ مئةَ مصحَفٍ، وذاك الأوَّلُ لا يتحوَّلُ في نفسهِ ولا يتغيَّرُ، وتُلَقِّنُ القرآنَ ألفَ نفْسٍ، وما في صَدْرِكَ باقٍ بهَيئتِهِ لا يقصلُ عنكَ ولا يغيّرُ، وذاك لأنَّ المَكتوبَ واحدٌ، والكِتابةَ تعدَّدتْ، والذي في صَدْرِكَ واحدٌ وما في صُدورِ المقرئينَ هو عيْنُ ما في صَدْرِك سواءٌ، والمتلوُّ وإنْ تعدَّدَ التالونَ به واحدٌ، مَعَ كونهِ سوراً وآياتٍ وأجزاءً متعدَّدةٌ، وهو كلامُ الله ووحيُه وتنزيلُه وإنشاؤُهُ، ليسَ هُوَ بكلامِنا أصْلاً، نَعَمْ، وتكلُّمنا بهِ وتلاوتُنا له وَنُطْقُنا به مِن أفعالِنا، وكذلكَ كتابَتُنا لَهُ

стр. 379

وأصواتُنا بهِ من أفْعالِنا، قالَ الله : ﴿واللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] ... " (٧٩). وقال: "فالمُقرىءُ يُلَقِّنُ الختمةَ مئةَ نَفْسٍ ومِئَتَيْن فَيَحْفَظُونَه، وهو لا يَنْفصِلُ عنه منه شَيْءٌ، كسِراجٍ أوقدتَ منه سُرُجاً ولم يتغيَّر" (٨٠). وذكَرَ شيخُ الإِسلام ﵀ اعتقادهم هذا الذي ذكَرْنا، وقال: "بَل كلامُ المخلوقينَ يُكْتَبُ في الأَّوراقِ وهو لم يُفارِقْ ذواتهم، فكيفَ لا يُعْقَل مثلُ هذا في كلام الله تعالى" (٨١). فتفسيرُ القوْم للحُلولِ في المصْحَف على ما ذكَرْنا وإنكارُهم له باطلٌ، مَبْنيٌّ على أصلهم في نَفْي أنْ يكونَ ما بَيْنَ دَفَّتَي المصْحَف كلامَ الله على الحقيقةِ, لأنَّ هذا محصورٌ محدودٌ، وكلامَ الله لا نهايةَ له، وهو معنى واحدٌ، وهذا تلبيسٌ قد كشَفناه بفَضْل الله تعالى ومنّته. وأمَّا إطلاقُ اللَّفْظ: إنَّ كلام الله حالٌّ في المُصْحف، فليسَ مِمَّا جَرَتْ به ألسنةُ السَّلَفِ والأئمَّةِ، وإنْ كانَ قد ذكره بعضُ المُتأخِّرينَ من أهل السُّنَّةِ، إلاَّ أنَّ مذهب السَّلَف أولي بالاتّباعِ، وإنَّه يُخْشَى مِن الإِطلاقِ ورودُ معاني باطلةٍ، وإنَّما يُكْتفى بالقَوْلِ: إنَّ ما بينَ دَفَّتَي المُصْحفِ كلامُ الله بحُروفهِ ومَعانيهِ، منه بدأ وإليه يعودُ، وهو صِفَتُه، غيرُ بائنٍ منه. قالَ ابنُ قُتَيْبَة ﵀: "ولَسْنا نشُكُّ في أنَّ القرآنَ في

стр. 380

المَصاحفِ على الحَقيقةِ، لا على المَجاز، كما يقولُ أصحابُ الكَلام: إنَّ الذي في المُصْحف دليلٌ على القُرآن وليسَ به، والله ﵎ يقول: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩] والنَّبى ﷺ يقولُ: "لا تُسافِروا بالقُرآن إلى أرضِ العدوّ" (٨٢) يريدُ المُصْحَفَ" (٨٣). وقد شَرَحْتُ معنى هذا في الباب الأوَّل بما يُزيلُ تلبيسَ الأشعرية ومَن قالَ بقَوْلِهم. • تعظيم المصحف عند الأشعرية: اعتقادُ الأشعرية في كَلامِ الله تعالى أنَّه المعنى القائمُ بنفسهِ، وأنَّ هذا لم يَنْزِلْ، وإنَّما نزلَت العبَارةُ عنه، وهذه العبارةُ مخلوقةٌ تَحُلُّ في المَصاحفِ أدَّى بمتأخَّريهم إلى تَهْوين شأنِ المُصْحَف، بل أدَّى بجُهّالِهم إلى الاستهانةِ به، وهذا مِمَّا فاقوا به المعتزلةَ، وشَبهوا به غُلاةَ الجَهميةِ. وبيانُ ذلكَ: أنَّ تعظيمَه عندَ عُقَلائِهم والقُدَماءِ منهم على وَجْهِ الخُصوصِ، لأجْلِ كونهِ عبارَةً عن الكَلامِ النَّفْسى ودَلالةً عليهِ، فتعظيمُهُ لدَلالتهِ على العظيم. وبهذا يُفَسِّرونَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : "لا تُسافروا بالقرآنِ إلى أرضِ العدوّ، فإنّي أخافُ أنْ ينالَه العَدُوُّ" (٨٤).

стр. 381

والَّذي يُحْمَل إنَّما هو المَصاحفُ الَّتي فيها القرآنُ، وتَعْليلُ النَّهْي عن السَّفَر بها بَيِّنٌ في الخَبَر، وهو الخَوْفُ مِنْ أنْ تنالَهُ أيدِي الكفَّار، فلا تُؤمَنُ منهم إهانَتُه، وهذا المعنى حقٌّ وصَوابٌ، لكنَّه عندَ أهلِ السُّنَّة والأئمَّة لأنَّ فيه كلامَ الله على الحَقيقةِ بألفاظهِ ومَعانيهِ، وهذا وجْهُ النَّهي عندَهم، أمَّا الأشعرية فَلأنَّ فيه العبارةَ عن كلامِ الله. فجاءَ متأخِّروهُم وزادوا أنَّهُ مَخلوقٌ في اللَّوْحِ المَحْفوظِ، أو غيرِه، أو قَوْلُ جبريلَ، أو محمَّد ﷺ ، فهوَّنَ هذا مِنْ شأنِ المُصْحَفِ عندَهم، حتى فاضَلوا بينَه وبين رسولِ الله ﷺ ، قالَ الباجوريُّ: "وهل القرآن بمعنى اللَّفظ المَقروء أفْضَل أو سيّدنا محمَّد ﷺ ؟ " فأشارَ إلى خِلافٍ عندَهم في ذلك، ثمَّ قالَ: "والحَقُّ أنَّه ﷺ أفْضَلُ لأنَّه أفضلُ من كلّ مخلوقٍ" (٨٥). قلتُ: سُبْحانكَ هذا بُهْتانٌ عَظيمٌ، أيُّ جُرْأةٍ هذه الَّتي تُؤدّي بأصْحابِها إلى جَعْلِ صِفَةِ الرَّبِّ تعالى أدْنى من المَخلوقِ -مع شَرَف المَخلوقِ-؟!! بَلْ إنَّ بعضَهم لمَّا رأوا أنَّ لهذا القرآنَ الذي في المُصْحَف ليسَ كلامَ الله حقيقةً وإنَّما هو دَلالةٌ علَيهِ، رَأوْا أنَّ كلَّ المَخلوقاتِ سِواه أدلَّةٌ على الخالق وصفاتهِ، ومع ذلكَ فلا يَجِبُ احترامُها، وما دلَّ على الخالق أوْلى بالاحترام مِمَّا دلَّ على صِفَتهِ، وصَلَ بهم الحالُ حينئذٍ إلى أنْ قالوا في هذا القرآنِ العربيّ: ما هذا إلاَّ وَرَقٌ ومِدادٌ، فحَصَلَ بذلكَ شرٌّ أّعظمُ. قالَ شيخُ الإِسلام: "ثمَّ تَبِعَ أقوامٌ مِن أتباعِهم أحدَ أهْلِ المذهَب،

стр. 382

وأنَّ القرآنَ معنى قائمٌ بذاتِ الله فَقَط، وأنَّ الحروفَ ليسَتْ من كلام الله، بَلْ خَلَقَها الله في الهَواء، أو صنَّفها جبريلُ أو محمَّدٌ، فضمّوا إلى ذلك أنَّ المُصْحَفَ ليسَ فيه إلاَّ مِدادٌ ووَرَقٌ، وأعْرَضوا عمَّا قالَه سلَفُهم مِنْ أنَّ ذلك دليلٌ على كلام الله فيجبُ احترامُهُ، لَمَّا رَأوا أنَّ مُجَرد كونهِ دَليلاً لا يوجِبُ الاحترامَ، كالدَّليل على الخالِق المتكلِّمِ بالكلام، فإنَّ المَوْجوداتِ كُلَّها أدلَّةٌ عليه، ولا يجبُ احترامُها (٨٦)، فصار هؤلاء يَمْتَهنونَ المُصْحَفَ حتى يَدوسوهُ بأرْجُلِهم، ومنهم من يكْتُبُ أسماءَ الله بالعَذْرة إسقاطاً لحُرْمَة ما كُتِبَ في المَصاحفِ والوَرَقِ مِنْ أسماءِ الله وآياتِهِ" (٨٧). قلتُ: ومِمَّا يُصَدِّقُ ما حَكاهُ عنهم شيخُ الإِسلام، ما رَواه ابنُ حَزم في "الفصل" (٨٨) قال: أخْبَرني عليُّ بن حَمْزَةَ المُرادي الصَّقَلِّيُّ الصَّوفيُّ أنَّه رأى بعضَ الأشعرية يَبْطحُ المُصْحَفَ برجلهِ، قالَ: فأكْبَرتُ ذلك، وقلتُ له: ويحَك! هكذا تصنَعُ بالمُصْحَف، وفيه كلامُ الله تعالى؟ فقالَ لي: ويلك! والله ما فيهِ إلاَّ السُّخامُ والسَّوادُ، وأمَّا كلامُ الله فلا، ونحو هذا من القَوْلِ الذي هذا مَعْناه (٨٩).

стр. 383

وأنتَ -وفَّقك الله- قَدْ تَعْجَبُ من هذه الحالِ الَّتي وصَل إليها بعضُ الأشعريةِ، وقد لا تُصَدِّقُ ذلكَ ابتداءٌ وتَسْتَنْكِرُه، مِن أجْل ما تراهُ مِنْ تظاهُرهم بتكريمِ المَصاحفِ، وتَعْظيمِها، وتَقْبيلها، والقيامِ لها حين الإِتيان بها، ولكنَّكَ حينَ تُدْرِكُ ما شَرَحْناهُ من اعتقادِهم، فليسَ يبعُدُ وقوعُ ذلك من سَفلَتِهم الذين لم يَقْدروا الله تعالى قَدْرَه. ولهؤلاء السُّفَهاءِ سَلَفٌ في الاستهانةِ بالمُصْحفِ وعَدَمِ تَعْظيمهِ، ذلك هو الجَهْمُ بن صَفْوانَ -رأس الجَهميَّة- فقدْ قالَ أبو نُعَيْمٍ البَلْخِيُّ -وكانَ صدوقاً-: كانَ رَجُلٌ من أهْلِ مَرْوٍ صديقاً لِجَهْم، ثمَّ قَطَعَه وجَفاهُ، فقيلَ له: لِمَ جَفَوْتَه؟ فقال: جاءَ منه ما لا يُحْتَملُ، قرأتُ يوماً آيةَ كذا وكذا، فقالَ: ما كانَ أظرف محمَّداً، فاحتملْتُها، ثمَّ قرأ سورة طه، فلمَّا قالَ: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: أمَا والله لو وَجَدْتُ سَبيلاً إلى حَكِّها لَحَكَكْتُها من المُصْحَف، فاحْتَمَلْتُها، ثمَّ قرَأ سورةَ القَصَص، فلمَّا انتهى إلى ذِكْرِ موسى قال: ما هذا، ذكَرَ قصَّةً في مَوْضِع فلمْ يُتِمَّها، ثمَّ ذكَرَ ههُنا فلمْ يُتِمَّها، ثمَّ رَمى بالمُصْحَفِ منْ حجرِهِ برِجْلَيْهِ، فوثبتُ علَيه (٩٠). وهذا المَعنى الذي تَقْشَعِر منه الجلودُ، وتنفرُ منه القُلوب، ويأباه دينُ المُسلمينَ، لم يكن عِنْدَ قُدَماء الأشعريَّة، والله تعالى أمرَ بالعَدْلِ، فإنَّ أولئكَ -على ما ذَكَرْنا عنهم من الاعتقادِ في القرآن العَظيم- إلاَّ أنَّهم كانوا

стр. 384

يعظّمونَ المصْحَفَ، ويبجّلوله لدَلالته عندَهم على القديمِ النَّفسي، بل إنَّك تجدُ فيهم مَن يُصرِّح بتكفيرِ مَن استهانَ بالمصْحَف. ولكنَّ بدعةَ هؤلاء الأوائل ضرَّتْ بهؤلاء السُّفَهاء، فإنَّهم توسَّعوا فيها حتى أخْرَجَتْهم من الإِسلام، وهذا شأنُ البِدَع وتأثيرِها على أصحابِها. قال شيخُ الإِسلام: "فالبدَعُ تكونُ في أوَّلها شِبْراً، ثم تكثرُ في الأتباع حتى تصيرَ أذْرُعاً وأميالًا وفراسخَ" (٩١). وحين ذكرَ شيخُ الإِسْلام بدْعَة الأشعريّة واعتقادَهم الباطلَ الذي شَرَحْناه، قال: "وهذا القَوْلُ فيه نوعٌ من الضَّلالِ والنّفاقِ، والجَهْلِ بحُدودِ ما أنْزَل الله على رسُولهِ، وهو الذي أوقَعَ الجُهال في الاستخفافِ بحُرْمةِ آياتِ الله وأسْمائِهِ، حتى ألْحدوا في أسْمائِهِ وآياتِهِ" (٩٢). وقال: "وقد اتَّفقَ المسلمونَ على أنَّ مَن استخفَّ بالمصْحَف، مثل أنْ بُلْقِيَه في الحُشّ، أو يركضهُ برجْلهِ، إهانةً له، أنَّه كافرٌ مباحُ الدَّم" (٩٣). • • • • •

стр. 385

المبحث الرابع: أسماء الله تعالى عند الأشعرية إنَّ عقيدةَ الأشعريَّةِ في كلام الله تعالى جَرَّتْهم إلى إدخالِ أسمائِهِ الحُسْنى ضِمْنَ ما اعتقْدوهُ، ولكن في ألفاظِهم في ذلك لَبْسٌ لا يَفْطن له مَن لم يفهَمْ مرادَهم، فإنَّهم يُطلقونَ القولَ: أسماءُ الله غيرُ مخلوقةٍ، وهذا الإِطلاقُ لأهل السُّنَّة أيضاً، ولكنَّه عندَ الأشعريةِ خِلافُ ما هُوَ عليه عند أهل السُّنَّة. وبيانُ ذلك: أنَّ الأشعريةَ كانوا يقولونَ: الاسمُ هو المُسمَّى، ويُطْلقونَ القولَ بذلكَ، ومُرادُهم: أنَّ الاسمَ هو عَيْنُ المُسمَّى، فاسمُ الله عندَهم هو الله، فالاسمُ عندَهم هو الذَّات، وليس هو الدالَّ عليها، وهذا المعنى لمْ يَسْبِقهم أحدٌ إليه، ولا يَعْرِفُ النَّاسُ الاسمَ إلاَّ القَوْلَ الدالَّ على المُسمَّى. فلمَّا حُجّوا بتعدُّدِ أسماءِ الله تعالى، والذَّاتُ واحدةُ غيرُ متعدَّدةٍ، قالوا: المُرادُ بالأسماءِ حالَ التعدّدِ التَّسْميات لا الذَّوات، فحديثُ النَّبيّ ﷺ : "إنَّ لله تسعةً وتسعينَ اسماً" معناه: تسعةً وتسعينَ تسميةً، وقوله تعالى: ﴿ولِلهِ الأسْماءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] معناه: التَّسْميات،

стр. 386

والتَّسْمياتُ هي الأقوالُ المؤلَّفةُ من الحُروفِ، مثل: (الرَّحمن، الرَّحيم، السَّميع، العَليم) (١) وهذه مخلوقةٌ عندَهم؛ لأنَّها ألفاظٌ، والألفاظُ مخلوقةٌ. وهذا مِنْهم خَرْقٌ لِما دَلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّةُ وكلامُ العَرَب، فإنَّ العربَ لا تَعْرِفُ التَّسميةَ إلاَّ النُّطْق بالاسم والتكلُّم به، وليسَتْ هي الاسمَ نفسَه، وأسماءُ الأشياءِ هي الألفاظُ المُعَرِّفةُ بها الدَّالَّةُ عليها، ليستْ هي أعيانَ الأشياءِ (٢). فـ (زيد) اسمُ عَلَمٍ بلا نِزاعٍ، فإذا سُمّيَ أحدٌ به لم يكنْ هو عَيْنَ المسمّى، وإنَّما هو اللَّفْظُ الدَّالُّ عليه، وإطلاقُ هذا اللَّفظ على زيد هو تسميتهُ به، وهذا بَيَّنٌ لا يَخْفى إنْ شاء الله. وقد نَطَقَ الكتابُ والسُّنَّةُ بأنَّ لله تعالى الأسماءَ الحُسْنى، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقالَ النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ لله تِسعةً وتسعينَ اسْماً، مئةً غير واحدٍ، مَن حفِظَها دخَلَ الجنَّةَ" (٣). فقالت الجَهميةُ والمُعْتزلةُ: الاسمُ غيْرُ المسمَّى، فأسماءُ الله غيرُهُ، وكلُّ شَيْءٍ غيرُ الله مخْلوقٌ، فـ (الرَّحمن، الرَّحيم، الحَيّ، القيّوم ...) هذه الأسماءُ المؤلَّفةُ من الحُروفِ، وغيرُها من الأسماءِ الحُسنى مخلوقةٌ

стр. 387

عندَهم. فأرادَ الأشعرية ومَنْ على شاكِلَتِهم إبطالَ قولِهم، فقالوا: الاسْمُ هو المسمَّى، أي: عينُهُ، فاسْمُ الله هو الله، والله غيرُ مَخلوق، فاسمهُ غيرُ مَخْلوق، وهذا في الحَقيقة لا تُخالِفُ فيه الجَهْميةُ، فإنَّهم يعتقدونَ أنَّ الله تعالى غيرُ مخلوق وهم إنَّما قالوا بخَلْق الأسماءِ التي هي الأقوالُ الدَّالَّة على المُسمَّى كـ (الرَّحمن، الرَّحيم) وهذه عندَ الأشعريَّةِ تَسْمياتٌ، وهي ألفاظٌ مَخْلوقةٌ، فأيّ فَرْقٍ بين اعتقادِ الطائفتين من جِهَةِ الحَقيقة والمَعنى؟ قالَ شيخُ الإِسلام: "وافَقوا الجَهْميةَ والمعتزلةَ في المعنى، ووافقوا أهلَ السُّنَّة في اللَّفْظ" (٤). والسَّلفُ لم يكونوا يَعْرِفونَ الكلامَ في الاسم والمسمَّى، وإنَّما يعلَمون أنَّ لله تعالى الأسماءَ الحُسنى، ولما ظهَرَت مقالةُ الجَهمية في ذلك أنكَرَها الأئمَّةُ، وكانَ في علماءِ السُّنَّةِ مَنْ أطلقَ القولَ في الرَّدّ علَيْهم، فقال: الاسمُ هو المُسمَّى، وهذا الِإطلاقُ مُوافقٌ لإِطلاقِ الأشعريةِ، لكن يُخالِفه في المَعنى، فإنَّ مَن أطْلق ذلكَ من أئمَّةِ السُّنَّة لم يُريدوا أنَّ الاسمَ هو عَيْنُ المسمَّى. وأكثرُ أئمةِ السُّنَّة على إنكار هذه المقالةِ نَفْياً وإثباتاً, لأنَّ كُلاًّ من الإِطلاقين بدْعَة تجرُّ إلى محاذيرَ، كما جرَّت الجَهمية والأشعرية إلى القولِ بخَلْق الأسماءِ الحُسنى (٥).

стр. 388

ويُبْطلُ قولَ هؤلاء المُبتدعةِ أنَّ أسماءَ الله تعالى مِن كلامِهِ، وقَدْ بَيَّنا الاعتقادَ فيه، وأنَّه غيرُ مَخلوقٍ، فأسماؤُهُ تعالى غيرُ مخلوقةٍ. وعلى ذلك نَصَّ الأئمةُ ﵏، واستدلّوا بذكْرِ الأسماءِ في كلام الله على بُطْلانِ قَوْل مَن يقولُ بخَلْق القُرآنِ العَربيّ المُبينِ. فمِنْ ذلك: ١ - قولُ الإِمام الشافعيّ ﵀: "مَن حلَف باسْم مِن أسماءِ الله فحنثَ فعليْهِ الكفَّارةُ, لأنَّ اسمَ الله غيُر مَخْلوقٍ، ومَن حَلَفَ بالكعبةِ أو بالصَّفا والمَرْوَة فليس عليه الكفَّارةُ, لأنَّه مخلوقٌ، وذاكَ غيرُ مخلوقٍ" (٦). قلتُ: والحَلف إنَّما يقَعُ بالألفاظِ، كـ (والله، والرَّحمن، والخالق، والعزيز) ونحو ذلك، فلو قيلَ: هذه ألفاظٌ مخلوقةٌ، وغيرُ المَخلوقِ إنَّما هو مسمَّاها -كما يقولُه مُحَقِّقو الأشعرية- وهذه موضوعةٌ للدَّلالةِ عليه، فلا فَرْقَ حينئذ بين الحَلِفِ بها، والحَلِفِ بالكعبةِ والصَّفا والمَرْوَة, لأنَّ الجميعَ مخلوقٌ، وذلكَ لأنَّ الحالفَ إنَّما يحلِفُ بالاسْم الذي هو القَوْلُ واللَّفْظُ المؤلَّفُ من الحُروفِ، الذي يُرادُ به المُسمَّى، وهذه عندَ الأشعرية تَسْمِياتٌ مَخْلوقةٌ. ٢ - وقَوْلُ أبي داودَ: سمعتُ أحمَدَ -يعني ابن حنبل- ذكَرَ له رَجُلٌ

стр. 389

أنَّ رَجُلًا قالَ: إنَّ أسماءَ الله مخلوقةٌ، والقُرْآنُ مَخْلوقٌ، قال أحمدُ: "كُفْرٌ بَيِّنٌ" (٧). وقال عبد الله بن أحمدَ: سمعت أبي ﵀ يَقُولُ: "مَن قالَ: القرآنُ مخلوقٌ، فهو عندَنا كافرٌ, لأنَّ القرآنَ من عِلْمِ الله ، وفيه أسماءُ الله " (٨). ٣ - وقَوْل إسحاقَ بن راهُوَيْه: "أفْضَوا -يعني الجَهمية- إلى أنْ قالوا: أسماءُ الله مخلوقةٌ, لأنَّهُ كانَ ولا اسْمَ، وهذا الكفْرُ المَحْضُ, لأنَّ لله الأسماءَ الحُسْنى، فَمن فرَّقَ بين الله وبين أسْمائِهِ وبين علْمهِ ومشيئتهِ، فجعَل ذلك مخلوقاً كلَّه، والله خالِقُها، فقَدْ كَفَرَ، ولله تسعةٌ وتسعونَ اسماً، صحَّ ذلكَ عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قالَهُ، ولقَدْ تكلَّمَ بعضُ مَنْ ينْسَب إلى جَهْمٍ بالأمْرِ العَظيمِ، فقال: لو قُلْتُ: إنَّ للرَّبِّ تسعةً وتسعينَ اسْماَّ لَعَبَدْتُ تسعةً وتسعينَ إلهاً، حتى إنَّه قالَ: إنِّي لا أعبُدُ الله الواحدَ الصَّمَدَ، إنَّما أعْبُدُ المُرادَ به، فأيّ كلامٍ أشَدُّ فِريَةً وأعظمُ من هذا، أنْ يَنْطِقَ الرَّجلُ أنْ يقولَ: لا أعبُدُ الله؟ " (٩). قلتُ: والجَهْميَّةُ أرادوا إنكارَ أسماء الله بدَعْوى أنَّ تعدْدَها تعدّدٌ للآلهة، فقالوا: هي غيرُ الله، وهي مَخْلوقةٌ، ليُبْطِلوا تعلُّقَها بالله تعالى، والأشعريَّةُ قالوا: التعدُّدُ دليلُ الحدَثِ والخَلْق، والقَديمُ لا يتعدَّدُ والأسماءُ

стр. 390

مَعدودةٌ، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : "مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ" وَلا يقعُ الحَصْرُ والإِحصاءُ إلاَّ لما هو مَخلوقٌ، فهذِهِ الأسماءُ مخلوقةٌ، وهي دالَّةٌ على المُسمَّى، كَما أنَّ الألفاظَ في الكلام دالَّةٌ على الكَلام الحَقيقيّ، ولَيْسَتْ هي الكلامَ، لكنَّهم عَسُرَ عليهم القولُ: إنَّ الأسماءَ مخلوقةٌ، فقالوا: هي غيرُ مخلوقةٍ, لأنَّ الاسْمَ هو المُسمَّى، والمتعدِّدَ هو التَّسْمياتُ لا الاسْمُ، فأبْطَلوا المعلومَ من اللُّغَة والشَّرْع بفاسدِ الرأي. ولقد أورَدَ البخاريّ ﵀ إلزاماً على الجَهْمية، هو واردٌ على الأشعريَّةِ أيضاً، قال: "وقالوا: إنَّ اسمَ الله مخلوقٌ، ويلْزَمُهم أن يَقولوا إذا أذَّنَ المؤذِّنُ، لا إِشله إلاَّ الذي اسْمه الله، وأشْهَد أنَّ محمَّداً رسولُ الذي اسمه الله, لأنَّهم قالوا: إنَّ اسمَ الله مَخْلوق" (١٠). فتأمَّلْ -رحمك الله- مذهبَ الأشعرية في أسماءِ الله، واعْلَم أنَّهم يُنزّهونَ اسْمَ الله القَديم عن أنْ يكونَ مُؤلّفاً من حُروفٍ مَنْظومَةٍ. يقولُ ابنُ عَساكر -وهو منهم معَ ما لَه من العِلْم والجَلالة -وهو يَصِفُ المُشبّهةَ: "وَغَلَوا في إثبات كلامِهِ -أي الله تعالى- حتى حَسِبوهُ يَحْتمِلُ بجَهْلهم تجزّؤاً وانقساماً، وظنّوا اسمَ الله القَديم ألِفاً وهاءً تتلو لاماً ولاماً" (١١). قلتُ: وهذه الجُمْلَة ليْسَت مِن مُعْتقَد المُشبّهةِ الضُّلاّل، وإنَّما هو
следующие страницы →