٧ - وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩].
٨ - وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَهُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥].
٩ - وقال جلَّ وعلا: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ﴾ [الفتح: ١٥].
١٠ - وقال تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥].
١١ - وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦].
والأيات في ذلك كثيرةٌ جدًا.
• من أدلة السنة:
١ - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
"احتجّ آدمُ وموسى، فقالَ له موسى: يا آدم، أنتَ أبونا، خَيَّبْتَنا وأخرَجْتَنا من الجنَّة، قال له آدم: يا موسى، اصطفاكَ الله بكلامِهِ، وخَطَّ لكَ [التوراةَ] بيدهِ، أتلومُني على أمْرٍ قدَّرهُ الله عليَّ قبلَ أن يخلقَني بأربعينَ سنةً؟ فحَجَّ آدمُ موسى، فحَجَّ آدمُ موسى -ثلاثًا-" (١).
стр. 75
٢ - حديث جابر بن عبد الله قال:
كانَ النبيُّ ﷺ يَعْرضُ نفسَه على الناس بالموقفِ فيقول:
"هلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُني إلى قومِهِ؟ فإنَّ قريشًا قدْ مَنعوني أن أبلِّغَ كلامَ رَبِّي " الحديث (٢).
٣ - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
"فضلُ كلامِ الله على سائرِ الكلامِ كفَضْلِ الله على سائرِ خلقِه" (٣).
стр. 76
٤ - حديث أبي أمامةَ أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ﷺ قال:
يا نبيَّ الله، أنبيَّاً كانَ آدمُ؟ قالَ: "نَعَمْ، مُكَلَّمًا".
قَالَ: كم بينَه وبينَ نُوحٍ؟ قالَ:
"عَشرةُ قُرون" (٤).
стр. 77
٥ - حديث النعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال:
"إنَّ الله كَتَبَ كتابًا قبلَ أن يخلقَ السماواتِ والأرضَ بألفَي عام، فأنزلَ منه آيتين ختمَ بِهما سورةَ البقرةِ، فلا تقْرآنِ في "دارٍ ثلاثَ ليالٍ فيقرَبُها شَيْطانٌ" (٥).
стр. 78
٦ - حديث معاذ بن جبل ﵁ قال:
احتُبسَ علينا رسولُ الله ﷺ ذاتَ غداةٍ عن صَلاةِ الصُّبْحِ، حتَّى كِدْنا نَتراءى قَرْنَ الشَّمسِ، فخَرَجَ رسولُ اللهِ ﷺ سَريعًا، فَثوَّبَ بالصَّلَاةِ، وصلَّى وتجوَّز في صَلاتِهِ، فلمّا سلَّمَ قال:
"كَما أنتمْ على مَصافِّكمْ".
ثمَّ أقبلَ إلينا فقال:
стр. 79
"إنِّي سأحدِّثكُم ما حَبَسَني عنكم الغَداةَ:
إنِّي قمتُ من اللَّيلِ، فصلَّيتُ ما قُدِّرَ لي، فنَعَسْتُ في صَلاتي حتى [استثقَلتُ] (٦) فإذا بربّي في أحسنِ صورةٍ، فقال: يا مُحَمَّد، أتدري فيمَ يختصمُ المَلأ الأعلى؟ قلتُ: لا أدري يا ربِّ، قال: يا محمَّدُ، فيمَ يَختصِمُ الملأ الأعلى، قلت: لا أدري يا ربِّ، فرأيتُهُ وضعَ كَفَّه بين كَتِفَيّ، حتى وَجَدْتُ بَرْدَ أنامِلِهِ بينَ صَدْري، فتجلَّى لي كلُّ شَيءٍ، وعَرَفْتُ، فقال: يا محمَّدُ، فيمَ يختصِمُ الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفّاراتِ، قال: وما الكفّاراتُ؟ قلتُ: نَقْلُ الأقْدامِ إلى الجُمُعاتِ، وجُلوسٌ في المساجِدِ بعد الصلاةِ، وإسباغُ الوضوءِ عِنْدَ الكريهاتِ، قال: وما الدَّرَجاتُ؟ قلت: إطعامُ الطعام، ولِينُ الكلام، والصلاةُ والناسُ نيام، قال: سَلْ، قلتُ: اللَّهُمَّ إني أسألُكَ فِعلَ الخَيْراتِ، وتَرْكَ المُنْكَرَاتِ، وحُبَّ المَساكينِ، وأنْ تَغْفِرَ لي، وتَرْحَمَني، وإذا أردتَ فتنةً في قومٍ فتوَفَّني غيرَ مفتونٍ، وأَسألُكَ حُبَّكَ، وحُبَّ من يُحِبُّكَ، وحُبَّ عَمَلٍ يقرّبُني إلى حُبِّكَ".
وقالَ رسول الله ﷺ :
"إنَّها حقٌّ فادْرسُوها وتَعَلَّمُوها" (٧).
стр. 80
• من الأثر:
١ - عن نِيار بن مُكْرَم -وكانَتْ له صحبةٌ- أنَّ أبا بكرٍ ﵁ خاطَرَ قَوْمًا مِنْ أهْلِ مكَّةَ على أنَّ الرُّومَ تغلِبُ فارسَ، فغلَبَت الرُّومُ، فنزلَتْ ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١ - ٢] فأتى قُريْشًا، فقرأها علَيهم، فقالوا: كلامُكَ هذا؟ أم كَلامُ صاحِبك؟ قال: "ليسَ بِكَلامي، ولا كَلامِ صاحِبي، ولكنَّه كَلامُ الله ".
وفي لفظٍ: "الله أنزلَ هذا" (٨).
стр. 81
٢ - وعن عائشةَ ﵂ قالَتْ -في قصَّةِ الإِفكِ-:
"والله ما كنتُ أظنُّ أنَّ الله يُنْزِلُ بَراءتي وَحْيًا يُتْلى، ولَشأني في نفسِي كانَ أحْقَرَ منْ أنْ يتكلَّمَ الله فِيَّ بأمْرٍ يُتلى ... " (٩).
٣ - وعن فَرْوَةَ بن نَوْفَل الأشْجَعيّ قالَ:
كُنْتُ جارًا لخبّابٍ، فخرجْنا يومًا من المسجدِ، وهو آخِذٌ بيَدي، فقال:
"يا هَناهُ، تقَرَّبْ إلى الله ما استطعتَ، فإنَّكَ لن تقرَّبَ إلَيهِ بشَيءٍ أحَبَّ إليه من كَلامِهِ -يعني القرآن-" (١٠).
стр. 82
٤ - عن نافع (هو مولى ابن عمر) قال:
خطَبَ الحَجَّاجُ (هو الثَّقفيُّ) فقال: إنَّ ابن الزُّبَيْر (هو عبد الله) يُبدِّلَ كَلامَ الله تعالى، قال: فقال ابنُ عُمَرَ ﵄:
"كَذَبَ الحَجَّاجُ، إنَّ ابنَ الزُّبَيْر لا يُبَدِّلُ كلامَ الله تعالى، ولا يَسْتطيعُ ذلكَ" (١١).
٥ - عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ (تابعيٌّ ثِقَةٌ إمامٌ) قال:
"فَضْلُ القرآنِ على سائِرِ الكَلَامِ كَفَضْلِ الرَّبِّ على خَلْقِهِ، وذلكَ أنَّهُ مِنْهُ" (١٢).
٦ - وعن قَتادةَ (بن دِعامَة السَّدُوسيّ، ثِقَةٌ عالمٌ من خِيَار أصْحاب أنَس) قال:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ...﴾ [البقرة: ٢٦]
стр. 83
قالَ: "أي: يعلَمونَ أنَّهُ كلامُ الرَّحمن" (١٣).
والخبَرُ عن رَسولِ الله ﷺ وعن أصحابهِ المَرْضِيِّينَ ﵃، وأتباعِهم ﵏ في ذلك لا يَدْخلُ تَحْتَ الحَصْرِ، وفيما أوْرَدْناهُ من ذلك كافٍ لمَنْ طلبَ الحقَّ وأرادَهُ.
• من المعقول:
وأما دَلالةُ المَعقول على إثباتِ صفةِ الكلام لله تعالى فمنْ وَجْهَيْنِ:
الوجه الأول:
إنَّ الكلامَ صفةُ كمالٍ، وضِدَّها صفةُ نَقْصٍ، وهي: البكَم والخَرَس، وهذه الصِّفةُ إنْ وُجِدَتْ في المخلوقِ العاجزِ الضَّعيفِ كانتْ نقْصًا بيّنًا، فكيفَ يصلحُ إثباتُها لِمَن لَه الكمالُ المطلقُ سبحانه؟ وكيفَ يصحُّ ذلكَ وهو واهبُ الكمالِ للكاملينَ؟ أفيصحُّ أن يهبَ عبدَه ما هو عاجزٌ عن الاتّصافِ به من صِفاتِ الكَمال؟
إنَّ لله تعالى المثلَ الأعلى، والكمالَ من جَميعِ وجوههِ، وهو السَّلامُ المَلِكُ القُدُّوسُ المُتعالي عن المَعايب والنّقائص، فحيثُ نَفَيْنا عنه كلَّ عَيْبٍ ونَقْص فهو إذًا المتّصف بكَمال ضِدِّ ذلك، فلمَّا كانَ ضِدُّ الكلام نقْصًا نزَّهْناه عنه وأثبتنا لَه كَمالَ ضدِّهِ، ألا وهو الكلامُ الذي لا نظيرَ له، كسائرِ صفاتهِ.
стр. 84
ولقَدْ جاءَ القرآنُ العظيمُ بتقرير هذا المعقولِ أحسن تقرير، فقال تعالى في العِجْل الَّذي اتَّخَذه قومُ موسى إلهًا يعبدونَهُ من دون الله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨] وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] فعابَ العِجْلَ بكونهِ قَدْ سُلِبَ صِفَةَ الكلام، فدلَّ على أنَّ سَلبَها صفةُ نَقْصٍ لا تَليقُ بالإِله المعبودِ، وما كانَ ليَعِيبَ إلهَهُم الباطلَ، بما هو عَيْب فيه، تعالى وتقدّس.
وقال سُبحانَهُ في حكايةِ قَوْلِ إبراهيمَ ﵇ لقَومِهِ حين حَطَّمَ أصنامَهم: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] فكانَ جوابُهُمُ الإِقرارَ بسَلْبِ لهذه الصِّفَةِ عن آلهتهم، والاعتراف بأنَّ ذلكَ نقصٌ فيها ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٤ - ٦٥] فكانَتْ هذه حُجَّةَ إبراهيمَ عليهم لإِظهار فَسادِ دينِهم ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٦، ٦٧].
فَدَلَّت الآياتُ على أنَّ سَلْبَ صِفَةِ الكَلَامِ صِفَةُ نَقْصٍ فيمَنْ سُلِبَتْ عنه، فكانَ من حُجَّةِ إبراهيمَ عَلَيهم: أنَّ آلهتَهم لَا تتكَلَّم، فلو لم يَكن ضدُّ هذه الصِّفةِ لازِمًا لربّه تعالى، لم يكُنْ له في إلزامهِ إيّاهم حجْةٌ عليهم، لمُساواةِ إلهِهِ لآلِهَتِهِم في سَلْبِ لهذه الصِّفَةِ، ولصَحَّ لقومِهِ أنْ يقولوا لَه: ما وصفتَ به آلهتنَا منَ النَّقْصِ هو صفةٌ لإلهكَ أيضًا، فتبطلُ بذلك حُجَّتُهُ، ولكن لمَّا كانَ الله تعالى مَوْصوفًا بصفةِ الكلامِ لمْ يكن لهم أنْ يعْتَرضوا
стр. 85
عليه بمِثْلِ ما اعترضَ عليهم.
والوجه الثاني:
إنَّ العبادَ لا غِنى لهم عن إرسال الرُّسُلِ، وإنزالِ الكُتُب، لأنَّ أحوالَ الدُّنيا والآخرةِ لا تَستقيمُ لهم إلّا بذلكَ، بَلْ إنَّ الحكمةَ من خَلقِهم تنتفي بدونِ ذلكَ، ويَعيشُ الناسُ في الدُّنيا عيشَ البَهائِم بغيرِ تَكليفٍ، فلا أمرٌ ولا نَهْيٌ.
فلمَّا كانوا لا غنى لهم عن ذلك أرسَلَ الله تعالى الرُّسُلَ وأنزَلَ عليهم الكتبَ، إذ لو تركَهُمْ لعقولهم لضلّوا، وليس للرَّسول معنى إلَّا تبليغ الرِّسالة، والرِّسالةُ إنَّما هي وحيُ الله الذي يوحيهِ إلى رسلِهِ، ووَحْيُهُ إنَّما هو كلامه تعالى، ومنه كتبه المُنْزَلَةُ الهاديةُ.
فبانَ بما شَرَحْنَاه ثبوتُ صفةِ الكلامِ لله تعالى، على رَغْمِ أنوفِ الجَهْمِيَّةِ الكُفَّار، ولله الحمدُ والمنَّة.
стр. 86
المبحث الثالث: التكليم في الدنيا
قالَ الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
فأخبرَ تعالى في هذه الآيةِ أنَّ تكليمَه للبَشَر يقعُ على ثلاثِ مَراتب:
• المرتبة الأولى: الوحي المجرد:
ودليلُهُ قولُهُ: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾.
وهذا غير الوَحْي العامّ الذي يشمَل جميعَ أنواع التكليم، وإنَّما هو نوعٌ منه، وقد فُسِّرَ بالإِعلام السَّريع الخَفيّ، ويقعُ للأنبياءِ ﵈ مَنامًا.
ومن الدَّليل عليه:
١ - رؤيا إبراهيبم ﵇:
قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا
стр. 87
تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ الله مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠١ - ١٠٥].
قَالَ عُبيد بن عُمير: "رُؤيا الأنبياءِ وحيٌ"، ثمَّ قرأ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (١٤).
٢ - وعَن عائشة ﵂ قالت:
"أوَّلُ ما بُدِىءَ به رسولُ الله ﷺ من الوَحي الرُّؤيا الصَّالحةُ (وفي لفظ: الصّادقةُ) في النَّوْم، فكانَ لا يَرى رؤيا إلاَّ جاءت مِثْل فَلَقِ الصُّبْحِ" (١٥).
٣ - وعن معاذ بن جبل ﵁ عن النبيّ ﷺ قال:
"إنّي قُمْتُ من اللَّيل، فصَلَّيْتُ ما قُدِّرَ لي، فنَعَسْتُ في صَلاتِي حتى استثقلْتُ، فإذا أنا بربّي في أحسَن صُورة، فقال: يا محمَّدُ، أتَدْري فيمَ يختصمُ المَلأ الأعلى؟ ... " الحديث وقد سبق بطوله في المبحث السابق (١٦).
وليسَ الإِلهام الذي يحصَلُ لآحاد النَّاس من هذا النوع، لأنَّه لا يَصِحُّ تسميتُه تكليماً خِلافًا لما ذهبَ إليهِ بعضُ أهْلِ العلم من المتأخْرينَ.
стр. 88
• والمرتبة الثانية: التكليم الخاص من وراء حجاب بلا واسطة:
والدَّليلُ عليه قوله: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.
وهذا تكليمٌ مباشرٌ منَ الرَّبِّ تعالى، بكَلامٍ يُسْمِعُهُ مَنْ شاءَ من رسُلِهِ، من وراءِ حجابٍ.
وهذه المَرتبة أعلى مَراتب التَّكليم وأشْرَفُها وأفضَلُها، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ...﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وقد وقعَ هذا النوعُ لثلاثةٍ من الأنبياءِ فيما جاءَ به السَّمعُ، هم:
١ - آدم ﵇:
والدليلُ عليه قولُه تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ...﴾ [البقرة: ٣٧].
ومن السُّنَّةِ: حديثُ أبي أمامَة ﵁ أنَّ رجُلًا أتى النبيَّ ﷺ ، قال: يا نبيَّ الله، أنبيًّا كانَ آدم؟ قال: "نعَمْ، مكلَّمًا" (١٧).
٢ - موسى ﵇:
والأدلَّة عليه من الكتاب كثيرةٌ منها:
قَولُهُ تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقَولُهُ تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقَوْلُهُ تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾
стр. 89
[الأعراف: ١٤٤].
ومن السُّنَّةِ: حديثُ عمر بن الخطَّاب ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ :
"إنَّ مُوسى قال: يا ربِّ أرِنا آدمَ الَّذي أخرجَنا ونفسَهُ من الجَنَّةِ، فأراه الله آدم، فقال: أنتَ أبونَا آدمُ، فقال له آدمُ: نَعَمْ، قال: أنتَ الذي نَفَخَ الله فيكَ من رُوحِهِ وعلَّمَكَ الأسماءَ كلَّها، وأمَرَ الملائكةَ فَسَجَدوا لكَ؟ قال: نَعَمْ، قالَ: فما حملَكَ على أنْ أخرَجْتَنَا ونفسَكَ من الجنَّةِ؟ فقال له آدمُ: وَمَنْ أنْتَ؟ قال: أنَا مُوسى، قال: أنتَ نبيُّ بني إسرائيل الَّذي كَلَّمكَ الله من وَراءِ الحِجابِ، لم يَجْعَلْ بينَكَ وبينه رَسولاً من خَلْقِهِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أفما وَجَدْتَ أنَّ ذلك كانَ في كتابِ الله قبلَ أنْ أخْلَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فِيمَ تلومُني؟ في شَيْءٍ سَبَقَ من الَله تعالى فيه القضاءُ قَبْلي؟ "قالَ رسولُ الله ﷺ عند ذلك: "فحَجَّ آدمُ مُوسى، فحَجَّ آدمُ مُوسى" (١٨).
وقد سَمّى الله تعالى هذا التَّكليم نِداءً، كما قال: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ
стр. 90
لِذِكْرِي﴾ [طه: ١١ - ١٤]، وكَما قالَ سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: ٨ - ٩] وكَما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠].
٣ - نبيّنا محمد ﷺ :
ووقعَ لَه ذلك في قِصة المِعراج عندَ سِدْرةِ المُنْتَهى.
قال ﷺ : "فأوْحى الله إلىَّ ما أوْحى، ففرَضَ على خَمْسينَ صلاةً في كلّ يومٍ وليلةٍ، فنزلتُ إلى موسى ﷺ فَقَالَ: ما فَرَضَ ربُّكَ على أمَّتِك؟ قلتُ: خَمْسينَ صَلاةً، قالَ: ارْجِعْ إلى ربِّكَ فاسْألهُ التَّخفيفَ، فإنَّ أمَّتَكَ لا يُطيقونَ ذلكَ، فإنيِّ قدْ بلَوْتُ بني إسْرائيلَ وخبَرْتُهم، قال: فرَجَعْتُ إلى رَبِّي، فقلتُ: يا ربّ، خَفِّفْ على أمَّتي، فحَطَّ عنِّي خمْساً، فرَجَعْتُ إلى مُوسى فقلتُ. حَطَّ عنّي خَمْساً، قال: إنَّ أمَّتَكَ لا يُطيقونَ ذلكَ، فارْجِعْ إلى ربِّكَ فاسألْهُ التَّخفيفَ، قالَ: فَلَمْ أزَلْ أرجِعُ بينَ رَبِّي ﵎ وبينَ موسى ﵇، حتى قال: يا محمَّدُ، إنَّهُنَّ خمسُ صَلَواتٍ كُلَّ يومٍ وليلةٍ، لكُلِّ صلاةٍ عشرٌ، فذلك خَمْسونَ صَلاةً، ومَنْ همَّ بحَسَنةٍ فلمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ له حسنةً، فإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ له عَشْراً، ومَنْ هَمَّ بسيِّئةٍ فلمْ يعمَلْها لمْ تُكْتَبْ شيئاً، فإن عَمِلَها كُتِبَتْ سيَّئةً واحدةً، قال: فنَزَلتُ حتى انتهَيْتُ إلى موسى ﷺ فأخبَرْتُهُ، فقالَ: ارجعْ إلى ربِّكَ فاسألْهُ التَّخفيف"، فقال رسول الله ﷺ : "فقلتُ: قَدْ رَجَعْتُ إلى رَبِّي حتَّى استحيَيْتُ منه" (١٩).
стр. 91
قلتُ: ولهذا التكليمُ هو المرادُ بقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠].
وقَدْ ذَهبَ بعضُ أهل العلم إلى أنَّ هذا التكليمُ كانَ بواسطةِ جبريلَ، فقالوا: فأوحى إلى عبدِهِ بواسطةِ جبريلَ ما أوحى، أي: جبريلُ.
وهذا مَرْدودٌ، إذ الأصل عدَمُ الحَذْفِ في الكَلام، وظاهرُ الحديثِ أنَّ الخطابَ منَ الله تعالى لنبيِّه ﷺ كانَ بغير واسطةٍ، ومِنْ قَرائِنِهِ مُراجعةُ النَّبِيِّ ﷺ رَبَّهُ، وكذا يؤكِّدُهُ أنَّ النبيَّ ﷺ رُفِعَ إلى موضعٍ لَمْ يُرْفَع إليه موسى ﵇ الَّذي فُضِّلَ بكَلام الله، ولا إبراهيمُ ﵇ الَّذي فُضِّلَ بالخُلَّةِ، فذلكَ مُسْتَوْجبٌ أنْ يكونَ فَضْلُه أعظمَ من فَضْلِ مَنْ دونَه، فجَديرٌ به أنْ يَنالَ دَرَجاتِ الفَضْلِ التي حصَّلها مَنْ دونَهُ.
والَّذي ألْجَأ القائلينَ بهذا إلى هذهِ المَقالَةِ أنَّهم التَزموا أنَّه ﷺ إنْ أثْبتَ له تكليمُ الله تعالى إيَّاه بغير واسطةٍ، فإنَّ ذلك يستجبُ رُؤْيَتَه ﷺ لِرَبِّه، والتَّحقيقُ الَّذي عليه جُمهورُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّه ﷺ لَمْ يَرَ ربَّه تعالى ليلةَ الإِسراءِ.
والصَّواب أنَّ هذا الَّذي التزموه ليسَ بلازمٍ, لأنَّ التَّكليمَ غيرُ الرُّؤْيَةِ، وهو مُمْكِنُ الوقوع بخِلافِ الرُّؤْية، وذلك من وَراء حِجابٍ، كَما وقَعَ لمُوسى ﵇، فإنَّ موسى لمْ يَرَ ربَّه، معَ أنَّهُ كَلَّمَهُ وناداه.
وقد عَلِمْنا أنَّ هذه المرتبةَ من التَّكليمِ أكْمَلُ المَراتبِ وأعلاها, فهي فضلٌ عظيمٌ، ودرَجةٌ رَفيعةٌ، فحَرِيُّ أن تكونَ لسيّدِ ولدِ آدمَ ﵊.
стр. 92
• والمرتبة الثالثة: التكليم بواسطة الرسول:
والدَّليلُ عليه قولهُ: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾.
والرَّسولُ جبريلُ ﵇، وربَّما كانَ غيرَهُ، إلاَّ أنَّ ذلك قليلٌ، وهذا في الرُّسُلِ من المَلائكةِ، أمَّا الرُّسُلُ من البَشَر فإنَّ الله تعالى يكلّم أمَمَهم بواسِطَتِهم، كَما يكَلِّمُهم بواسطةِ الرَّسولِ المَلَكيّ.
وبيانُهُ:
أنَّ الرَّسولَ المَلكىَّ يسمَعُ كَلامَ الله من الله بغير واسطةٍ، فَيُبَلِّغُهُ إلى الرَّسولِ البَشَريّ، فهذا تكليمٌ بالواسطةِ، والرَّسُولُ البَشَرِيُّ يُبلِّغُهُ أمَّته، وهذا أيضاً تكليمٌ بالواسطةِ، وكُلُّ مَنْ كلَّمَهُ الله بالواسطةِ فهو سامعٌ لكَلامهِ من الواسطةِ لا مِنَ الله تعالى.
وجبريلُ ﵇ هو الذي كانَ يأتي نبيَّنا ﷺ بالوَحْي من ربَّهِ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]، وقالَ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ....﴾ [النحل: ١٠٢]، وقالَ تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ١ - ٦] وهو جبريلُ ﵇.
ولقدْ كانَ يأتي النبيَّ ﷺ بصورةِ بشَر، تأنيساً لَه، فإنَّه عليه السَّلام
стр. 93
خَلْقٌ عَظيمٌ من خَلْقِ الله تعالى، ولم يره النبُّيُّ ﷺ على صُورتهِ إلاَّ مَرَّتين، كَما قالَتْ عائشةُ ﵂ لمَسْروقٍ حين سألَها عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣]، وقولِه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]: أنا أَوَّل هذه الأمَّةِ سألَ عَنْ ذلك رَسولَ الله ﷺ ؟ فقالَ: "إنَّما هو جبريلُ، لَمْ أرَه على صُورتِهِ الَّتي خُلِقَ عَليها غيرَ هاتَيْن المَرَّتَيْنِ، رأيْتُهُ مُنْهَبِطاً من السَّماءِ، سادّاً عِظَمُ خَلْقِهِ ما بَيْنَ السماء إلى الأرْضِ" (٢٠)
وقالَ ابنُ مسعودٍ ﵁ في هذه الأية ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾: قال رسول الله ﷺ : "رأيْتُ جبريلَ عند سِدْرةِ المُنتْهى، عليه سِتُّ مِئَةِ جَناح، يُنْثَر من ريشِهِ التَّهاويلُ: الدّرُّ والياقوتُ" (٢١).
ولقَدْ أنبأنا رسولُ الله ﷺ نفسُه عن صِفَةِ إتيانِ الوَحْيِ إلَيْهِ، حينَ سألَه الحارثُ بن هِشام ﵁، فقال: يا رسولَ الله، كيفَ يأتيكَ
стр. 94
الوَحْيُ؟ فقال رسول الله ﷺ : "أحْياناً يأتيني مِثْلَ صَلْصَلةِ الجَرَسِ وهو أشدُّهُ عَلَيَّ، فيفْصِمُ عَنِّي وقَدْ وَعَيْتُ عنهُ ما قالَ، وأحْياناً يتمثَّلُ ليَ المَلَكُ رَجُلاً فَيكلِّمُني، فأعِي ما يَقولُ" (٢٢).
ولَقَدْ أتى مَرْيَمَ ﵍ بصُورةِ بَشَر، كمَا قالَ تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٧ - ١٩].
وجاءتْ الملائكةُ رسلُ الله إلى إبراهيمَ ولوطٍ ﵉ بصورةٍ بشريّة، كما حكى الله في سُورةِ هودٍ وغيرِها.
وإنَّما كانَ ذلك يَقَعُ كذلكَ لأنَّ البشَر يأْنَس جِنسَه، ولا يَرتاعُ لرؤيته، ففيه من تهدئةِ القلبِ ما لا يكونُ لو أتى بصورة المَلَكِ، ومنْ طبيعةِ بني آدمَ النفرةُ من الأمورِ غيرَ المألوفة، ولذا كانت هذه من حكمةِ الله تعالى في إرسال الرُّسلِ إلى البشر من أنفسِهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا
стр. 95
لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٨ - ٩] وقالَ تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤ - ٩٥].
قال الحافظُ ابنُ كَثير: "فمِنْ رحمتهِ تعالى بخلقِه أنَّه يرسلُ إلى كُلِّ صنفٍ من الخَلائق رسُلاً منهم، ليدعوَ بعضُهم بعضاً، ولِيُمْكِنَ بعضُهم أنْ ينتفعَ ببعضٍ في المُخاطبةِ والسُّؤالِ" (٢٣).
قلتُ: ولذا امتنَّ الله تعالى على المؤمنينَ بذلكَ، فقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ....﴾ الآية [آل عمران: ١٦٤].
فهذا بيانُ أنواعِ ومراتب التكليمِ العامَّ الَّذي جاءَت به آيةُ الشورى، وهو متضمَّنٌ إبطالَ أقوَالِ كثيرٍ من المبتدعةِ الَّذين لم يفرِّقوا بين تكليم الله لموسى وتكليمِهِ لغيرهِ بواسطةِ الملَك، ولا بينَ الِإيحاءِ المجرَّد والتكليم الخاصِّ، فوقَعوا بسَببِ ذلك في ضَلالاتٍ، أوْقَعَتْهم في الِإلحادِ في صفاتِ الله تعالى، وتعطيلِ صَريح النُّصوصِ، وإبطالِ حقائِقها.
ومما ينبغي التنبيهُ عليه دَفْعاً لِمَا قد يُشْكِل في إطلاقِ لفظ (الوحي) ولفظ (التكليم) في مواضِعَ من كتاب الله تعالى، فالقاعدة في ذلك كما يقول شيخُ الإِسلام ﵀: "فيهما عُمومٌ وخُصوصٌ، فإذا كانَ أحدُهما
стр. 96
عامّاً اندرجَ فيه الآخر، كما اندرجَ الوحيُّ في التكليم في هذه الآية، واندرجَ التكليمُ في الوحيِ العامِّ، حيث قال تعالى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: ١٣] " (٢٤).
• • • • •
(٢٤) "مجموع الفتاوى" ١٢/ ٤٠٢.
стр. 97
المبحث الرابع: التكليم في الآخرة
تكليمُ الله تعالى لعبادِه في الآخرةِ يَقَعُ منه إليهم من غير وسائطَ بينَه وبينَهم، والمقصودُ به غيرُ المقصود بالتكليم في الدُّنيا، فإنَّ التكليمَ في الدُّنيا، إنَّما كانَ المرادُ بهِ تقويمَ السُّلوكِ إلى الدَّارِ الآخرةِ، وأمَّا وقوعهُ في الآخرةِ، فعلى أوجهٍ ثلاثةٍ:
• الوجه الأول: للحساب والقضاء بين العباد في المحشر:
وتستوي الخلائقُ في هذا التكليم إلاَّ أقواماً شاءَ الله أن يَحْرِمَهم ذلك، تَنكيلاً وزيادةً في العذابِ.
ومن الدليل على ما ذكرنا:
١ - قولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥].
٢ - وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧].
٣ - وحديث أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول:
стр. 98
"يَقبِضُ الله الأرضَ، ويَطْوي السَّماواتِ بيمينه، ثمَّ يقول: أنا المَلِكُ؛ أَينَ مُلوكُ الأرضِ؟ " وفي لفظ: "يَقبِضُّ الله الأرضَ يوم القيامة ... " (٢٥).
٤ - وحديث عَدِىّ بنِ حاتِم ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ :
"ما مِنْكمْ من أحَدٍ إلا سيكلِّمُهُ الله، ليسَ بينَه وبينَه تُرْجُمانٌ، فينظُرُ أيْمَنَ منه فلا يَرى إلاَّ ما قدَّم، وينظُرُ بينَ يدَيْهِ فَلَا يَرى إلاَّ النَّارَ تِلقاءَ وَجْهِهِ، فاتَّقوا النَّارَ ولو بشِقِّ تَمْرةٍ".
وفي لَفْظٍ:"ما مِنْكُمْ من أحْدٍ إلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، ليسَ بينَه وبينَه تُرْجُمانٌ ولا حِجَابٌ يَحْجُبُه" (٢٦).
٥ - وحديث عبد الله بن أنَيْس ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ:
стр. 99
"يَحْشُرُ الله العِبادَ -أو النَّاسَ- عُراةً غُرْلاً بُهْماً".
قلنا: [ما] بُهْماً؟ قال:
"ليسَ مَعَهم شيءٌ، فيناديهم بصَوْتٍ يَسْمَعُه مَنْ بَعُدَ -أحسَبهُ قال: كَمَا يَسْمَعُه مَنْ قَرُبَ-: أنا المَلِكُ، [أنا الدَّيَّانُ]، لا يَنبغي لأحَدٍ مِنْ أهلِ الجَنَّةِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ وأحَدٌ مِنْ أهْلِ النَّارِ يَطْلُبُهُ بمظلمةٍ، ولا يَنبغي لأحَدٍ منْ أهل النارِ يدخُلُ النَّارَ وأحَدٌ مِنْ أهَلِ الجَنَّةِ يطلُبُه بمَظلمةٍ".
قلتُ: وكيفَ؟ وإنَّما نأتي الله عُراةً بُهْماً؟ قالَ:
"بالحسناتِ والسيئاتِ" (٢٧).
٦ - وحديث صَفْوانَ بن مُحْرِز قال: قالَ رجُلٌ لابن عُمَر: كيفَ سمعتَ رسولَ الله ﷺ يقولُ في النَّجْوى؟ قال: سمعتُهُ يقولُ:
"يُدْنى المُؤمِنُ يومَ القيامة من ربِّه ، حتَّى يضَعَ عليهِ كنَفَه (٢٨)، فيقرِّرُهُ بذُنوبهِ، فيقولُ: هَلْ تعرِف؟ فيقولُ: أيْ رَبّ أعرِفُ، قال: فإنِّي قد سَتَرْتُها عليكَ في الدنيا، وإنِّي أغفِرُها لكَ اليومَ: فيُعْطى صَحيفةَ حَسَناتِهِ، وأمَّا الكفّارُ والمنافقونَ فَيُنادَى بهم على رُؤوس الخلائقِ: هؤلاءِ
стр. 100
الذين كذَبُوا على الله" (٢٩).
وأمَّا الأدلَّةُ على حِرْمانِ أقوامٍ من تكليمِ الله لهم، فمنها:
١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٤ - ١٧٥].
٢ - وقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧].
٣ - حديثُ أبي هُرَيْرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ :
"ثلاَثَةٌ لا يكلِّمُهمُ الله [يَوْمَ القيامَةِ]، ولا يَنْظُرُ إليهم، ولا يُزَكّيهم، ولهم عَذابٌ أليمٌ: رَجُلٌ على ماءٍ بالفَلاةِ يمنَعُه مِن ابنِ السَّبيلِ، ورجُلٌ بايَعَ الإِمامَ لا يُبايعُهُ إلاَّ لِدُنيا، فإنْ أعطاهُ منها وَفَى لَهُ، وإنْ لمِ يُعْطِهِ لم يَفِ لَه، ورجُلٌ بايَعَ رَجُلاً سِلعةً بعدَ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ لَه بالله لأخَذَها بكذا وكذا، فَصَدَّقهُ وهو على ذلك" (٣٠).
стр. 101
وفي لفظ:
"ثلاثَةٌ لا يكلِّمهمُ الله يومَ القيامةِ ولا ينظُرُ إليهم: رَجُلٌ حَلَفَ على سِلْعةٍ: لقد أعطى بها أكثَرَ مِمَّا أعطي، وهو كاذبٌ، ورَجُلٌ حَلَفَ عَلى يَمينٍ كاذبةٍ بعدَ العَصْرِ ليقتطعَ بها مالَ رَجُلٍ مسلمٍ، ورَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مائِهِ، فيقولُ الله [يومَ القيامةِ]: اليومَ أمنَعُكَ فَضْلي كما مَنَعْتَ فَضْلَ ما لَمْ تَعْمَلْ يَداكَ" (٣١).
٤ - حديثُ أبي ذرٍّ الغِفاريّ ﵁ عن النبِيِّ ﷺ قال:
"ثَلَاثَةٌ لا يُكلِّمُهمُ الله يومَ القِيامَةِ، ولا يَنْظُرُ إليهم، ولا يُزكِّيهم، ولَهُم عَذابٌ أليمٌ".
قال: فَقرَأها رَسُولُ الله ﷺ ثلاثَ مِرارٍ.
قالَ أبو ذَرّ: خابُوا وخَسِروا، مَنْ هُمْ يا رَسُولَ الله؟ قال:
"المُسْبِلُ [إزارَه]، والمَنَّانُ [عَطاءَهُ]، والمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بالحَلِفِ الكاذِبِ" (٣٢).
стр. 102
٥ - وحَديثُ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رسول الله ﷺ :
"ثَلاثةٌ لا يُكلِّمهم الله يومَ القيامةِ، ولا يُزكّيهم، ولاينظُرُ إليهم، ولهم عذابٌ أليمٌ: شيخٌ زانٍ، ومَلِكٌ كذَّابٌ، وعائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ" (٣٣).
وقَدْ نقَلَ الخَلاَّلُ في "كتاب السُّنَّة" من طريق حنبلِ بن إسحاقَ قالَ: قلتُ لأبي عبدِ الله -يعني أحمدَ بن حنبلٍ-: الله يُكلِّمُ عبدَه يومَ القِيامة؟ قالَ:
"نعم، فمَنْ يقضي بينَ الخلائق إلاَّ الله ، يُكلِّمُ عبدَه ويَسْألُه، الله متكلِّمٌ، لم يَزَلِ الله يأمرُ بما يَشاءُ ويحكُمُ، وليسَ له عَدْلٌ
стр. 103
ولا مِثْلٌ، كيفَ شاءَ، وأنَّى شاءَ" (٣٤).
قلتُ: وفيما سُقْتُهُ من الأدلَّة نَصٌّ قاطعٌ على صحّةِ هذه العقيدة، وفي حِرْمانِ الله تعالى أقواماً من تكليمهِ زيادةً في العَذاب دليلٌ على إثباته لسِواهم، وإلاَّ فلا فائدةَ بتخصيص هذه الأصنافِ دونَ سائر مَن يُحاسَبُ بِعَدَمِ التَّكليمِ.
• والثاني: تكليمه تعالى لأهل الجنة نعمة منه وفضلا:
ومن الدَّليلِ عليهِ:
حديثُ أبي سعيدٍ الخُدْري ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ :
"إنَّ الله ﵎ يقولُ لأهلِ الجَنَّةِ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، فيقولونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيكَ، فيقولُ: هل رَضِيتم؟ فيقولون: وما لَنا لا نَرضى وقدْ أعْطَيْتَنا ما لم تُعْطِ أحَداً من خَلْقِكَ؟ فيقولُ: ألاَ أعْطِيكم أفْضَلَ من ذلكَ؟ قالوا: يارَبّ، وأيُّ شيءٍ أفضَلُ من ذلكَ؟ فيقولُ: أحِلُّ عليكُم رِضْواني، فلا أسْخَطُ عليكم بعدَه أبداً" (٣٥).
стр. 104
قلتُ: قال البخاريُّ ﵀: "بابُ كلام الرَّبِّ معَ أهْلِ الجنة" وساقَ هذا الحديث.
• الثالث: تكليمه تعالى لأهل النار توبيخا وتقريعا:
ومِن الدَّليلِ عليه:
١ - قولهُ تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٨ - ١١١].
٢ - حديثُ أنَس بن مالكٍ ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ قالَ:
"يَقولُ الله ﵎ لأهْوَنِ أهْلِ النَّارِ عَذاباً: لَوْ كانتْ لكَ الدُّنيا وما فيها أكنتَ مُفتدياً بها؟ فيقولُ: نَعَمْ، فيقولُ: قَدْ أرَدْتُ منكَ أهونَ مِنْ هذا وأنتَ في صُلْبِ آدَمَ: أن لا تُشْرِكَ -أحسَبُه قالَ: ولا أدْخِلَكَ النَّارَ- فأبَيْتَ إلاَّ الشِّركَ" (٣٦).
قلتُ: وهذه الأوجهُ الثَّلاثةُ من التكليم لم يَقع شَيْءٌ منها بعدُ، وإنَّما دلَّتِ النصوصُ الَّتي سُقنا على الإِخبار عن وقوعِها، وإِنَّما تَقع بعدَ نهايةِ الدُّنيا يومَ تقومُ الساعةُ، وبَعْدَئِذٍ، خلافاً للمبتدعة القائلينَ: إنَّ الله قَدْ تكلَّمَ
стр. 105
بذلكَ منذُ الأزّلِ، ولهذا الأصلُ سيأتي توضيحُه في المبحث الثامن من هذا الفصل.
فرعٌ:
وقدْ صَحَّ الخبَرُ عن المَعصوم ﷺ أنَّ الله تعالى كلَّمَ الشَّهيدَ عبدَ الله ابن عَمْرو بن حَرام، أحدَ شهداءِ أحُد، كلَّمَهُ كِفاحاً من غيرِ حِجابٍ.
فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال:
لَمَّا قُتِلَ عبدُ الله بن عَمْرو بن حَرام يومَ أحُدٍ، لَقِيَني رسولُ الله ﷺ ، فقال: "يا جابر، ألاَ أخْبِرُك ما قالَ الله لأبيكَ؟ ".
وفي لفظ: "يا جابِر، مالي أراكَ مُنكَسِراً؟ ".
قالَ: قلت: يا رسولَ الله، استُشْهِدَ أبِي، وتَرَكَ عِيالاً ودَيْناً، قالَ: "أفَلا أبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ الله بِهِ أبَاكَ؟ ".
قالَ: بلى يا رسولَ الله، قالَ:
"ما كَلَّمَ الله أحَداً قطُّ إلاَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، وكلَّمَ أبَاكَ كِفاحاً، فقال: يا عَبْدي، تَمَنَّ عَلَيَّ أعْطِكَ، قال: يا رَبِّ، تُحييني فَأقتَلَ فيكَ ثانيةً، فقالَ الرَّبُّ سُبحانَه: إنَّه سَبَقَ مِنِّي أنَّهم إليها لا يَرْجِعون، قالَ: يا رَبُّ فَأبْلغْ من ورائي".
قَال: فَأنْزَلَ الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] (٣٧).
стр. 106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 107
قلت: وهذا تَكليمٌ على الحَقيقةِ، بلا واسطةٍ، ومُواجَهَةٌ بلا حِجابٍ، ولهذا خُصوصيَّة لعبد الله ﵁ فَضْلاً منه تعالى ومنَّةً لِما نالَه في سَبيل الله، وإنَّما وقَعَ في الحَياة بعدَ الموتِ.
• • • • •
стр. 108
المبحث الخامس: كلام الله تعالى غير مخلوق
كلامُ الله تعالى صفةٌ من صفاتهِ غيرُ مَخلوقٍ كسائر صِفاتِه، سَواء كان القرآن العربيَّ، أوِ التَّوراةَ العِبربَّةَ، أو غيرَ ذلك من كلامِهِ تعالى، ممَّا وقَعَ من كلامِهِ، وممَّا لَم يقع بَعْدُ.
ولَقَدْ كانَ السَّلفُ في صَدْرِ الإِسلام في غِنًى عن إطلاقِ لفظِ (غير مخلوق) لأنَّه كانَ من المُسَلَّمِ عندهم أنَّ كلامَ الله صفةٌ مِن صفاتِهِ، وصفاتُهُ غيرُ مَخلوقةٍ، حتى ظَهَرت الجَهميةُ، فنفَتْ صفةَ الكلامِ عن الله تعالى، لكنْ لمَّا كانَ فذا القولُ منكَراً شَنيعاً، تَنفرُ منه قلوبُ الناسِ، وتقشَعِرُّ منه جلودُهم، ويرفُضُهُ إيمانُهُمْ، أبدَلوهُ بقَوْلِهم: كلامُ الله مَخْلوقٌ، فتظاهَروا بإثباتِ الكلامِ، وأبطلُوهُ بقولهم: مخلوقٌ.
فلمَّا كانَ حقيقةُ قَوْلِهم إبطالَ صفةِ الكلامِ وتَعطيلَها قابَلهم السَّلَفُ برفْضِ هذهِ البدعةِ وإنكارِها، والتَّشديدِ عليهم في ذلكَ، بل وتكفيرهم، لأنَّ حقيقةَ قولهم الكفرُ، لِما تضمَّنَ من تكذيبِ القرآنِ، وإثبات النَّقْصِ للرَّحمنِ، فقالَ السَّلَفُ حينئذٍ: (كلامُ الله -كالقرآن وغيره- غيرُ مخلوقٍ).
ولقَدْ كانَتْ لهذه العقيدةُ مبنيَّةً على أسُسٍ متينةٍ وقَواعدَ عظيمةٍ من
стр. 109
الكتابِ والسُّنَّةِ، والمَعقولِ الصَّريحِ، ونُصوصِ السَّلَفِ وكَلامِهم، خِلافًا لما يحسَبُه الجاهلونَ.
وإنِّي ذاكرٌ لكَ من ذلكَ ما فَتَحَ الله تعالى به لئلاَّ تضِلَّ السَّبيلَ، ولتَتَّقيَ ما أحدثَهُ الناسُ من القالِ والقيلِ:
• من أدلة الكتاب:
١ - قالَ الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
والاحتجاجُ بهذه الآيةِ من وَجْهَيْنِ:
الأول: أنَّه تعالى فرَّقَ بين الخَلْقِ والأمْرِ، وهما صِفَتان من صِفاتِهِ، أضافَهما إلى نفسهِ، أمَّا الخَلْقُ فَفِعْلُهُ، وأمَّا الأَمرُ فقولُهُ، والأصْلُ في المُتعاطفين التَّغايُرُ إلاَّ إذا قامَتِ القرينةُ على عَدم إرادَة ذَلكَ، وهنا قد قامتِ القرائنُ على توكيدِ الفَرْقِ بَيْنَهُما، ومنها الوجهُ الآتي.
والثاني: أنَّ الخَلْقَ إنَّما يكونُ بالأمْرِ، كَما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
فقوله تعالى: ﴿كُنْ﴾ هو أمْرُهُ، فلو كانَ مَخْلوقاً لاحتاجَ خلقُهُ إلى أمْرٍ، والأمْرُ إلى أمرٍ، إلى ما لا نِهاية، وهذا باطلٌ.
وقد احَتجَّ الإمامُ أحمدُ ﵀ على الجَهْمِيَّة المُعْتزلةِ بهذه الآية.
قال ﵀: "قلتُ: قال الله: ﴿ألَا لَهُ الْخَلْقُ والأمْرُ﴾ ففرَّقَ بين
стр. 110
الخَلْقِ والأمْرِ" (٣٨).
وقال لهم: "قال الله: ﴿أتَى أَمْرُ اللهِ ...﴾ [النحل: ١] فأمْرُهُ كلامُه واستطاعَتُهُ ليسَ بمخلوقٍ، فلا تَضْرِبوا كِتابَ الله بعضَهُ بِبعضٍ" (٣٩).
وقالَ فيما كتَبَهُ للمتوكِّل حينَ سألَهُ عن مَسألةِ القرآنِ: "وقَدْ قالَ الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ...﴾ [التوبة: ٦]، وقَالَ: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾، فَأخبَرَ بالخَلْقِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالأمْرُ﴾، فأخبرَ أنَّ الأمرَ غَيْرُ مَخلوقٍ (٤٠).
وقد سبَقَ الإِمامَ أحمد إلى هذا الاحتجاج شيخُه الإمامُ سفيانُ بن عُيَيْنَةَ الهِلاليُّ الحافظُ الثِّقَةُ الحُجَّةُ، فقالَ ﵀:
"ما يَقولُ هذا الدُّوَيْبَّةُ؟ " -يعني بشرًا المَريسِيّ-.
قالوا: يا أبا محمَّدٍ، يزعُمُ أنَّ القُرآنَ مَخلوقٌ، فقالَ:
"كَذَبَ، قال الله : ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ﴾ فالخَلْقُ خَلْقُ الله ﵎، والأمْرُ القرآنُ" (٤١).
قال الحافظُ هبةُ الله ابنُ الطَّبَريّ عقبَ هذا: "وكذلكَ قالَ أحمدُ بن حنبل ونُعَيْمُ بن حمَّادٍ، ومحمَّدُ بن يحيى الذُّهْليُّ، وعَبْدُ السَّلام بن عاصمٍ