لا أذوق نومًا أسفاً وقلقًا على غضبك على. (حتى ترضى) عني. (قط) في الإفراد (طب) (١) عن كعب بن عجرة)، قال الهيثمي: فيه السري بن إسماعيل متروك، انتهى، وفيه سعيد بن خُثيْم، قال الذهبي: قال الأزدي: منكر الحديث (٢).
٢٨٥٣ - "ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبريل وأفضل النبيين آدم وأفضل الأيام يوم الجمعة وأفضل المشهور شهر رمضان وأفضل الليالي ليلة القدر وأفضل النساء مريم بنت عمران". (طب) عن ابن عباس.
(ألا أخبركم بأفضل الملائكة) أي أعظمهم عند الله جاهًا وأكثرهم لديه قدرًا وأوسعهم أجرًا. (جبريل) وهذا نص صريح أنه أفضل من الكل إلا أن المصنف تردد بينه وبين إسرافيل، وقال: لم أقف على نقل إيهما أفضل؟ والآثار متعارضة، انتهى. وقال الإِمام الرازي وغيره في المطالب العالية: إنه تعالى قدمه في الذكر فدل على أفضليته، وذكر له صفات في القرآن كثيرة، وهو صاحب الوحي، والعلم، وإسرافيل صاحب الأرزاق والخيرات النفسانية أفضل من الخيرات الجسمانية؛ ولأنه جعله ثاني نفسه؛ فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين، وسماه روح القدس: ولأنه ينصر أولياؤه، ويقهر أعداؤه؛ ولأنه مدحه بست صفات: إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين، وذكر أيضاً في تفسيره الكبير: أن أشرف الملائكة جبريل وميكائيل لتخصيصهما بالذكر في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلاِئكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وأن جبريل أفضل من ميكائيل واحتج بما تقدم، وظاهر كلام الزمخشري: أفضلية
стр. 2207
جبريل مطلقًا. (وأفضل النبيين آدم) قيل: هذا قبل إعلام الله له بأنه أفضل الرسل. (وأفضل الأيام يوم الجمعة) لما تقدم ويأتي من وجوه فضله، وأنه أفضل من يوم عرفة كما سلف. (وأفضل الشهور شهر رمضان) فإنه أفضل الأشهر ومن الأشهر الحرم. (وأفضل الليالي ليلة القدر) التي هي خير من ألف شهر. (وأفضل النساء مريم بنت عمران) قيل: ثم فاطمة الزهراء، فهي أفضل النساء بعدها، قيل: أنها أفضل الخلق بعده ﷺ ، ومن الخلفاء الأربعة، وقال التفتازاني في المقاصد: أفضل الأمة بعد المصطفى ﷺ الخلفاء الأربعة، ورتبهم على ترتيب الخلافة، وأما بعدهم فقد ثبت: أن فاطمة سيدة نساء العالمين (طب) (١) عن ابن عباس)، قال الشافعي: فيه نافع بن هرمز، وأبو هرمز وهو ضعيف.
٢٨٥٤ - "ألا أدلك على جهاد لا شوكة فيه حج البيت". (طب) عن الشفاء.
(ألا أدلك) بكسر الكاف بضبط المصنف خطابا للمؤنث، وهي: الشفاء لكن ما يأتي في سبب الحديث لا يلائمه، وهي أنها قالت: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أريد الجهاد، فذكره. (على جهاد لا شوكة فيه) أي لا يحتاج فيه إلى سلاح تعده. (حج البيت) أي حجك البيت فإنه في الثواب يقوم مقام ثواب الحج وهذا حيث لم يحج فرضه أو حيث لا يتعين عليه جهاد ويأتي في الحاء المهملة زيادة تحقيقه. (طب) (٢) عن الشفاء) بفتح الشين وتشديد الفاء تحتانية، قال الهيثمي: فيه الوليد بن أبي ثور ضعفه أبو زرعة وجماعة، وزكاه شريك.
٢٨٥٥ - "ألا أدلك على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة؟ تقول لا حول
стр. 2208
ولا قوة إلا بالله فيقول الله أسلم عبدي واستسلم". (ك) عن أبي هريرة).
(ألا أدلك على كلمة من تحت العرش) قال الطيبي: إن الظرف صفة كلمة ويجوز كون من ابتدائية أي: ناشئة من تحت العرش، أو بيانية أي: كائنة من تحت العرش ومستقرة فيه، ومن الثانية في قوله: (من كنز الجنة) بيانية وإذا قيل بأن الجنة تحت العرش والعرش سقفها جاز كونه من كنز الجنة بدلاً من تحت العرش. (تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله) أي هذه الكلمة التي لها ذلك الشأن.
(فيقول الله: أسلم عبدي واستسلم) أي فوض أمر الكائنات إلى الله، واستسلم: انقاد بنفسه له مخلصًا، فإن لا حول نفي التدبير للكائنات وإثباته لله تعالى، ونفي القوة عن كل كائن انقياد له تعالى. (ك) (١) عن أبي هريرة)، وقال: صحيح: ولا أحفظ له علة، وأقره الذهبي، وقال ابن حجر (٢): سنده قوي، لكن قال الحافظ العراقي في أماليه: قد أعل بالاختلاف فيه على عمرو بن ميمون، ولا مؤاخذة على الحاكم فيه، إنما نفى حفظه.
٢٨٥٦ - "ألا أدلك على غراس هو خير من هذا؟ قال: تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تغرس لك بكل كلمة منها شجرة في الجنة". (هـ ك) عن أبي هريرة (صح).
(ألا أدلك على غراس) الخطاب لأبي هريرة ﵁؛ لأنه قال مر بي رسول الله ﷺ وأنا أغرس، فذكره. (هو خير من هذا) وكأنه قال: دلني. قال: (تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تغرس لك بكل كلمة) تحتمل كل حرف ويحتمل كل جملة. (منها شجرة في الجنة) قد أفاد هذا
стр. 2209
الحديث فضل هذه الكلمات، وأنها خير من الدنيا، وغراسها، وأشجارها، وتقدم الكلام فيه غير مرة. (هـ ك) (١) عن أبي هريرة) رمز المصنف لصحته على الحاكم، وقال الحاكم: صحيح وأقره الذهبي.
٢٨٥٧ - "ألا أدلك على باب من أبواب الجنة لا حول ولا قوة إلا بالله". (حم ت ك) عن قيس بن عبادة (صح).
(ألا أدلك) يا قيس بن سعد. (على باب من أبواب الجنة) تدخل منه. (لا حول ولا قوة إلا بالله) فإنها لما تضمنته توصل قائلها إلى الجنة، والباب ما يتوصل منه إلى المقصود، قال أبو البقاء: يحتمل أن موضع لا حول: الجر بدلاً من باب، والنصب بتقدير: أعني، والرفع بتقدير هو. (حم ت ك) (٢) عن قيس بن عبادة)، قال: دفعني أبي إلى النبي ﷺ أخدمه، فمر بي وقد صليت فضربني برجله، وقال: ألا أدلك، وذكره قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: على شرطهما، وأقره الذهبي، ورمز المصنف لصحته.
٥٨٥٨ - "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط". مالك (حم م ت ن) عن أبي هريرة (صح).
(ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا) أي يمحوها من صحائف أعمال العباد أو يمحو ما قدره عليها من العقاب. (ويرفع به الدرجات) في الجنان أو في الدنيا بالذكر الجميل وفي الآخرة بالأجر الجزيل. (إسباغ الوضوء) أي إتمامه
стр. 2210
واستكمال أعضائه. (على المكاره) أي متجلدًا على المكاره مستعلياً عليها، جمع مكرهة، بمعنى: الكره والمشقة، أي: إسباغه حال كراهة فعله لمشقته لشدة برده، أو علة يتأذى معها بمس الماء، أو لأعوازه وتحمل المشقة في طلبه وابتياعه بثمن غال، ونحو ذلك، وفيه أن الأجور على المشقات. (وكثرة الخطى إلى المساجد) لبعدها فالأبعد أفضل أو تكرر الذهاب والمجيء إليها وإن كانت قريبة. (وانتظار الصلاة) الجماعة أو الفرادى. (بعد الصلاة) أي ارتقابها ولو في منزله. (فذلكم) أي ما ذكر (الرباط) أي: المرابطة لمنعه إتباع النفس الشهوات، فيكون جهاد أكبر، أو الرباط الميسر الذي يأتي لكل أحد، وأصل الرباط ملازمة العدو مأخوذ من الربط، وهو الشد، والمعنى: أن هذه الأشياء هي التي يسد بها طرق الشيطان إلى النفس، ويقهر الهوى، ويمنعها من كيد عدوها في الدين، قال فيما ذكر إلمام بمعنى الحديث: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" لإتيانه باسم الإشارة الدال على بعد منزله المشار إليه في مقام التعظيم وارتفاع الرباط المحلى بلام الجنس خبرًا لاسم الإشارة، كما في قوله تعالى: ﴿الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١، ٢] ولذلك كرره في قوله: (فذلكم الرباط فذلكم الرباط) اهتمامًا به وتعظيمًا لشأنه وتخصيصًا بالثلاثة؛ لأن الأعمال المذكورة في الحديث ثلاثة. (حم م ت ن) (١) عن أبي هريرة)، ورواه عنه الشافعي أيضًا.
٢٨٥٩ - "ألا أدلك على أشدكم أملككم لنفسه عند الغضب". (طب) في مكارم الأخلاق عن أنس.
(ألا أدلكم على أشدكم) أي أكثركم شدة في نفسه وملكًا لها. (أملككم
стр. 2211
لنفسه عند الغضب) فيحكم لجامها، ويزم لسانه، ويكف جوارحه؛ لأن من لم يملك نفسه عند الغضب، كان في قهر الشيطان وأسره ذليل ضعيف يطير به الشيطان كل مطار. (طب) (١) في مكارم الأخلاق عن أنس) قال: أمر النبي ﷺ بقوم يرفعون حجرًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قالوا: يريدون الشدة، فذكره، قال الهيثمي: فيه شعيب بن سنان، وعمران القطان، وثقهما ابن حبان، وضعفهما غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح.
٢٨٦٠ - "ألا أدلكم على الخلفاء مني، ومن أصحابي، ومن الأنبياء قبلي: هم حملة القرآن، والأحاديث عني وعنهم في الله ولله". السجزي في الإبانة، (خط) في: شرف أصحاب الحديث، عن علي.
(ألا أدلكم على الخلفاء مني ومن أصحابي ومن الأنبياء قبلي هم حملة القرآن) أي حافظوه العاملون به (و) حملة: (الأحاديث عني وعنهم) أي عن الأنبياء والأصحاب. (في الله) في ابتغاء ثوابه. (ولله) أي: لأجل رضاه، وذلك أن الخليفة من يخلف غيره من قبله في إبلاغ ما تحمل، والأنبياء يحملون عن الله الشرائع، ويحملها عنهم أصحابهم فهم خلفهم، وخلف الأصحاب والأنبياء من سلك مسلكهم، ولزم طريقهم في إبلاغ أمانة الله، كما يحمل لأجل الله، لا لجاه يكسبه، ولا لمال سائله. (السجزي في الإبانة (خط) (٢) في: شرف أصحاب الحديث، عن علي ﵁، ورواه أبو نعيم والديلمي باللفظ المذكور.
٢٨٦١ - "ألا أرقيك برقية رقاني بها جبريل، تقول: بسم الله أرقيك، والله
стр. 2212
يشفيك من داء يأتيك، من شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد". (هـ ك) عن أبي هريرة (صح).
(ألا أرقيك) بفتح الهمزة، وسكون الراء: من رقاه، والخطاب لأبي هريرة ﵁. (برقية) أي أعوذك بتعويذه، يقال: رقيته أرقيه، رقيًا: عوذته. (رقاني بها جبريل) والمراد: ألا أعلمك، بدليل قوله: (تقول: بسم الله أرقيك، والله يشفيك من داء يأتيك، من شر النفاثات في العقد) النفوس أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقدًا في خيوط وينفثن عليها، والنفث: النفخ مع ريق. (ومن شر حاسد إذا حسد) أي: إذا عمل بمقتضاه من نفي الحواسد للمحسود؛ لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمره فلا ضرر يعود منه على المحسود، بل هو الضار لنفسه، لاغتمامه بشرور غيره، (ترقي بها) من تريد من نفسك، أو غيرك، وظاهره: أنه يقول لنفسه هكذا بلفظ الخطاب، كما يقوله لغيره وفيه شرعية الرقية. (ثلاث مرات) فإن بهذا العدد سر لا يعلمه إلا الله تعالى. (هـ ك) (١) عن أبي هريرة) رمز المصنف على الحاكم بالصحة، وسببه قال أبو هريرة: جاء النبي ﷺ يعودني فذكره.
٢٨٦٢ - "ألا أعلمك كلمات تقوليهن عند الكرب الله الشر ربي لا أشرك به شيئًا". (حم د هـ) عن أسماء بنت عميس.
(ألا أعلمك) بكسر الكاف خطابًا لمؤنث بخط المصنف. (كلمات تقوليهن عند الكرب) هو ما يدهم الإنسان ويأخذ بنفسه فيحزنه ويغمه. (الله الله ربي لا أشرك به شيئًا) وتقدم أنها تقال ثلاث مرات، وذلك أن الكروب ترد على النفوس من آثار الذنوب، وأدران الشهوات، فإذا جليت بكلمة التوحيد مع الإخلاص، والإقرار بالإلهية، ونفي الشريك غسلت تلك الأوساخ وأذهبت
стр. 2213
تلك الكروب وأنارت القلب. (حم د هـ) (١) عن أسماء بنت عميس) بمهملتين مصغر، وهي امرأة أبي بكر ﵁، وتزوجها أمير المؤمنين علي السلام عليه بعده.
٢٨٦٣ - "ألا أعلمك كلمات لو كان عليك مثل جبل صبير دينًا أداه الله عنك قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك واغنني بفضلك عمن سواك ". (حم ت ك) عن علي (صح).
(ألا أعلمك كلمات لو كان عليك) من الدين. (مثل جبل صبير) بباء موحدة فمثناة تحتية بعد المهملة، قيل: إنه جبل باليمن، وقيل: الذي باليمن بغير موحدة، وأما بالموحدة، فهو جبل بطي، وقيل: الحديث ورد في رواية على: "صير" بدون موحدة، وفي رواية معاذ: "صبير"، كذا قيل، ووجد بخط المصنف: صير، بمثناة تحتية، وفتح الصاد، وقوله: (دينًا) قال الطيبي: يحتمل أنه تمييز عن اسم كان لما فيه من الإيهام، وعليك خبره مقدم عليه، وأن يكون دينًا خبر كان، وعليك حال من المستتر في الخبر، والعامل معنى الفعل المقدر. (أداه الله عنك) أي أنقذك من مذلته، وأخرجه من ذمتك. (قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك) أي: قنعني بالحلال عن طلب الحرام أو سق إلى منه ما لا أحتاج معه إلى الحرام. (واغنني بفضلك عمن سواك) حتى لا أحتاج إلي مخلوق ولا أنزل ضري بعبد، وفيه أنه ينبغي للعالم أنه يذكر قبل إلقائه للمتعلم ما ينبهه على إصغاء سمعه لما يلقيه فيكون أوقع في نفسه، وأحفظ، ويقبل عليه أتم إقبال وفيه أن الاستغناء عن العباد مراد لله تعالى. (حم ت ك) (٢) عن علي) رمز المصنف على الحاكم بالصحة، وقال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم:
стр. 2214
صحيح، وأقره الذهبي.
٢٨٦٤ - "ألا أعلمك كلامًا إذا قلته أذهب الله تعالى همك، وقضى عنك دينك؟ قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم، والحزن، وأعوذ بك من العجز، والكسل، وأعوذ بك من الجبن، والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين، وقهر الرجال". (د) عن أبي سعيد (صح).
(ألا أعلمك كلامًا إذا قلته أذهب الله تعالى) ببركاته وبركات التوسل إليه به. (همك وقضى عنك دينك) بتيسير أسباب القضاء وإطابة نفس الغريم وإطابة نفسك بقضائه. (قل إذا أصبحت وإذا أمسيت) أي: إذا دخلت في الصباح والمساء. (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن) الهم: هو في المتوقع والحزن في الماضي. (وأعوذ بك من العجز والكسل) العجز: عدم التفات النفس في الخير، وقلة الرغبة فيه مع القدرة، والعجز: قيد القدرة، قيل والعجز: هو التأخر عن الشيء من العجز، وهو مؤخر الشيء، وللزومه الضعف والقصور عن الإتيان بالشيء استعمل في مقابلة القدرة واشتهر فيها، والكسل: التثاقل عن الشيء مع وجود القدرة. (وأعوذ بك من الجبن) أي ضعف القلب. (والبخل) الشح عن الواجب وعما يلام تاركه. (وأعوذ بك من غلبة الدين) استيلاؤه وكثرته. (وقهر الرجال) أي غلبتهم أي يغلبون بأذاهم إياي في غير حق، قال الطيبي: من مستهل الدعاء إلى قوله: "والجبن" يتعلق بإزالة الهم، والآخر بقضاء الدين، فقوله: "قهر الرجال" إما أن يكون مضافاً إلى الفاعل أي: قهر الدين إياي وغلبته علي بالتقاضي وليس معه ما يقضي دينه، أو إلى المفعول بأن لا يكون معه أحد يعاونه على قضاء دينه من رجاله وأصحابه انتهى. (د) (١) عن أبي سعيد) قال
стр. 2215
دخل رسول الله ﷺ المسجد فإذا برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال ﷺ : ما لي أراك جالسًا هنا في غير وقت الصلاة؟ قال: هموم لزمتني وديون، فذكره، قال الرجل: ففعلت ذلك، فأذهب الله همي وغمي وقضى ديني، ورمز المصنف لصحته، قال المناوي: فيه عتبان بن عوف بصري ضعيف.
٢٨٦٥ - "ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن غفر الله لك، وإن كنت مغفورًا لك؟ قل: لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله، سبحان الله رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين". (ت) عن علي ورواه (خط) بلفظ: "إذا أنت قلتهن وعليك مثل عدد الذر خطايا غفر الله لك".
(ألا أعلمك) يا علي. (كلمات إذا قلتهن غفر الله لك) ذنوبك. (وإن كنت) من دون أن تقولهن. (مغفورًا لك) فإن قيل: فأي فائدة فيهن؟ قلت: المراد أنه لو كان غير مغفور له لبلغ من أجرها أن يغفر له وهو حيث هو مغفورًا له يكون أجرها موفرًا له فهو إعلام بعظم أجرها. (قل: لا إله إلا الله العلي العظيم) الذي لا يعاجل عبده بالعقوبة. (لا إله إلا الله الحليم الكريم) المفضل على جميع عباده إفضالاً يقصر عنه بيان كل إنسان. (لا إله إلا الله سبحان الله رب السماوات السبع ورب العرش العظيم) فقد جمع فيه أنواع الكلمات من التوحيد، وإثبات صفة العلو والعظمة له بالنظر إلى ذاته وصفاته، وإثبات صفة الحلم والكرم بالنظر إلى عباده، وتنزيهه عن كل قبيح، وإثبات ربوبيته للسماوات والعرش المتصف بالعظمة قد اشتمل على إثبات صفاته الحسنى وكمالاته العلى. (الحمد لله رب العالمين). (ت) عن علي) ﵁ ورواه عنه الحاكم وقال: على شرطهما، وأقره الذهبي، وقال ابن حجر في فتاويه: أخرجه النسائي بمعناه وسنده صحيح،
стр. 2216
وأصله في البخاري من طريق أخرى، ورواه الخطيب - (خط) (١) - بلفظ: "إذا أنت قلتهن وعليك مثل عدد الذر" النمل، "خطايا غفر الله لك") ورواه بهذا الطبراني، قال الهيثمي: وفيه حبيب بن حمزة الزيات وهو ضعيف.
٢٨٦٦ - "ألا أعلمك خصلات ينفعك الله تعالى بهن إذا عملت بهن؟ عليك بالعلم؛ فإن العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل دليله, والعمل قيمه، والرفق أبوه، واللين أخوه، والصبر أمير جنوده". الحكيم عن ابن عباس.
(ألا أعلمك خصلات ينفعك الله تعالى بهن إذا عملت بهن؟ عليك بالعلم) أي: الزمه طلبًا وتحصلاً وإفادة واستفادة. (فإن العلم خليل المؤمن) أي: جليسه الذي يغنيه عن كل جليس؛ ولأنه الذي يدله على كل خير ويصرفه عن كل شر كالجليس الصالح الدال على الخير الناهي عن الشر (والحلم وزيره) كأنه قال: وعليك بالحلم، أي: بالتخلق به، والتدرب في اكتسابه، والحلم: سعة الصدر وطيب النفس، فإذا اتسع الصدر وانشرح بالنور أبصرت النفس رشدها من غيها وعواقب الخير والشر وطابت، ويحتمل: أن المراد وزيره العلم الذي يدبر صاحبه في حسن العمل به. (والعقل دليله) أي دليل المؤمن إلى كل ما فيه صلاحه يهدي لمحاسن الصفات. (والعمل) الصالح. (قيمة) أي الذي يقوم بأمره فيه تطييب محياه ومماته ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]. (والرفق) في الأمور كلها فإنه ما دخل في شيء إلا زانه. (أبوه) مربيه كما يربيه أبوه ويرجع إليه كما يرجع الإنسان إلى أبيه.
стр. 2217
(واللين) هو ضد الشدة في الأمور كلها حبيب يحمد. (أخوه) يتقوى به ويشد به ظهره، وهو خلاف الطيش والحدة والغضب، فإنها أعدى عدو للمرء توقعه فيما يكره. (والصبر أمير جنوده)؛ فإنه الذي يصرفه في الأمور كلها ويحتاج إليه في كل فعل وترك ويصرف جوارحه فيما ينفعها ويقعدها عما يضرها، فإذا لم يكن ثم صير بقي القلب أسير النفس لم يعقل، والعلم والحلم والرفق واللين هي وجميع جنوده وتصرفت النفس في العبد تصرف الصبي بالكرة، وهذا حديث جليل يشتمل على صفات الخير التي ينبغي للمؤمن التحلي بها. (الحكيم (١) عن ابن عباس).
٢٨٦٧ - "ألا أعلمك كلمات من يرد الله به خيراً يلهمن إياه ثم لا ينسيه أبدًا؟ قل: اللهم إني ضعيف فقدِّ في رضاك ضعفي، وخذ إلى الخير بناصيتي، واجعل الإِسلام منتهى رضاي، اللهم إني ضعيف فقوني، وإني ذليل فأعزني، وإني فقير فارزقني". (طب) عن ابن عمرو (ع ك) عن بريدة (صح).
(ألا أعلمك كلمات من يرد الله به خيراً يلهمن إياه) فيه قلب أي يعلمه إياهن لأن المعلم اسم المفعول لا يكون إلا عن تدرك ولكنه انقلب أيهن بسرفهن قد صرن يعقلن ويردن الإنسان لعلمهن. (ثم لا ينسيه) إياهن (أبدًا) ليداوم على الدعاء بهن. (قل: اللهم إني ضعيف) خلق الإنسان من ضعف ثم يعود إلى الضعف ولا يدفع ضعفه إلا بتقوية الله له بإعانته، فالإخبار الإعلام بإنزال الحاجات بالرب القوي؛ فإن من أقر بضعفه فقد أنزل حاجاته بمولاه. (هو في رضاك ضعفي) أي: اجعل ضعفي قوة، وهو بفتح الضاد وضمها خلاف القوة والصحة حسيًا، كان ذلك كضعف الجسد أو معنويًا كضعف الرأي أو قلة
стр. 2218
الاحتمال. (وخذ إلى الخير) إلى فعله والإتيان به. (بناصيتي) أي جرني إليه ودلني عليه. (واجعل الإِسلام منتهى رضاي) عامة وأقصاه. (اللهم إني ضعيف) كرره لأنه لا يتم عمل إلا بإزالة الضعف. (فقوني) أي في رضاك. (وإني ذليل) مستهان عند العباد. (فأعزني) بطاعتك ومما تلقيه إلى القلوب من إعزازي. (وإني فقير فارزقني) أي ابسط لي في رزقي أو بالقنوع بما خولتني، فقد اشتمل على طلب قوة الأبدان في رضاه بأشرف الأديان، وسؤال الدلالة على الخير دلالة قوية حتى كأنه مجرورًا إليها جرًا والإقرار بالذلة وسؤال العز وبالفقر وسؤال الغنى فقد أحاط بأشرف صفات الدين والدنيا. (طب) عن ابن عمرو (ع ك) (١) عن بريدة)، رمز المصنف لصحته على الحاكم، ولكن قال الهيثمي: فيه أبو داود الأعمى وهو متروك، وفي محل آخر: واه ضعيف، انتهى، وقال غيره: كذاب.
٢٨٦٨ - "ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن وينفع من علمته: صلي ليلة الجمعة أربع ركعات تقرأ في الركعة الأولى: بفاتحة الكتاب، ويس وفي الثانية: بفاتحة الكتاب، و (حم) الدخان، وفي الثالثة: بفاتحة الكتاب، وبـ (الم تنزيل) السجدة، وفي الرابعة: بفاتحة الكتاب، وتبارك المفصل، فإذا فرغت من التشهد فاحمد الله تعالى، وأثن عليه, وصل على النبيين، واستغفر للمؤمنين، ثم قل: "اللهم ارحمني بترك المعاصي أبدًا ما أبقيتني وارحمني من أن أتكلف ما لا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني، اللهم بديع السماوات والأرض ذا الجلال والإكرام، والعزة التي لا ترام، أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن: تلزم قلبي حفظ كتابك كما علمتني، وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني، وأسألك أن تنور بالكتاب بصري، وتطلق به لساني، وتفرج
стр. 2219
به عن قلبي، وتشرح به صدري، وتستعمل به بدني، وتقويني على ذلك، وتعينني عليه؛ فإنه لا يعينني على الخير غيرك ولا يوفق له إلا أنت فافعل ذلك ثلاث جمع أو خمسًا أو سبعًا تحفظه بإذن الله تعالى، وما أخطأ مؤمنًا قط". (ت طب (صح) ك) عن ابن عباس وأورده ابن الجوزي في الموضوعات فلم يصب.
(ألا أعلمك كلمات) وسببه أن عليًا ﵇ شكى إليه ﷺ تفلت القرآن من قلبه فقال له: "ألا أعلمك كلمات" والمراد بها: أي أفعال وأقوال، إلا أنه لما كان يعبر عن الأفعال بالأقوال قال: "كلمات" أو تغليب لها. (ينفعك الله بهن) أي بسببهن. (وينفع) أي الله أو الكلمات. (من علمته صلي ليلة الجمعة) في أي ليلة وفي أي حين، إلا أنه في الترغيب والترهيب: أنه قال ﷺ : "إذا كان ليلة الجمعة، فإن استطعت أن تقوم ثلث الليل الأخير؛ فإنها ساعة مشهودة، والدعاء فيها مستجاب، وقد قال أخي يعقوب ﵇: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] يقول: حين تأتي ليلة الجمعة؛ فإن لم تستطع فقم في وسطها؛ فإن لم تستطع فقم في أولها. (أربع ركعات) ظاهره متصلات لا فصل بينها بقعود ولا تسليم. (تقرأ في الركعة الأولى: بفاتحة الكتاب) أي متوسلاً، ولذا عداه بالحرف. (ويس) بعد الفاتحة كما هو الأصل وإن كان الواو لا تفيد ترتيبًا. (وفي الثانية: بفاتحة الكتاب، (حم) الدخان) كما قرأت في الأولى (وفي الثالثة: بفاتحة الكتاب وبـ: (الم تنزيل) السجدة) أي سورة السجدة: وهي سورة الجرر، وفيه دلالة على أنه يجوز تقديم المؤخر من السور وتأخير المقدم في الركعات وأنه ليس ببدعة. (وفي الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصل) أي التي من المفصل لإخراج تبارك الفرقان. (فإذا فرغت من التشهد) لم يأمره به؛ لأنه قد علم أن من تمام الصلاة به. (فاحمد الله، وأثن عليه) بما يستحق من المحامد، والثناء ظاهره أنه يأتي قبل السلام. (وصل على النبيين) أجمعين وفيه شرعية الصلاة عليهم في الصلاة. (واستغفر
стр. 2220
للمؤمنين) والمؤمنات. (ثم قل: اللهم ارحمني بترك المعاصي) الباء سببية أي: ارحمني بسبب ترك المعاصي، والإضافة إلى الفاعل أو بتركك عقابي بالمعاصي التي أتيت بها أو للمصاحبة أي: رحمة تصاحب تركي بعصمتك لي عنها، أو تركك عقابي بعفوك. (أبدًا ما أبقيتني) أي مدة بقائي في دار الدنيا وهذا التقييد يناسب الأول من المصاحبة ويحتمل ما أبقيتني في دار الدنيا والآخرة. (وارحمني من أن أتكلف ما لا يعنيني) من عناه بالمهملة أي أهمه، وتقدم فيه الكلام (وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني) أي: إحساني النظر في الإتيان بما يرضيك (اللهم بديع السماوات والأرض) أي: مبدعها. (ذا الجلال والإكرام) أي: العظمة والإكرام لعباده بإحسانه، أو المستحق؛ لأن يكرم لا بعلمه وكمالاته. (والعزة التي لا ترام) أي لا يرومها أحد إذ هي عزة ذاتية، ورفعة تقاصرت عنها الهمم إدراكًا كيف منالاً. (أسألك يا الله يا رحمن) بعد ثنائه عليه، وإظهار افتقاره وسؤاله مطلوبه متوسلاً إليه بصفات جلاله. (بجلالك) أي متوسلاً به إليك. (ونور وجهك أن تلزم) من ألزمه. (قلبي حفظ كتابك كما علمتني) إياه، قال الشارح: الظاهر تعقل معانيه ومعرفة أسراره، وأن قوله: "كما علمتني" يشير إلى: أنه يدعو بذلك وهو حافظ له.
قلت: وهو خلاف ما دل عليه سببه، فالأولى أن المراد بما "علمتني": ما أهلتني له من التعلم وما علمتني من أنه من كلامك الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، أو "ما علمتني": من تلاوته نظرًا، أو"ما علمتني": منه؛ لأنه يريد حفظه عن ظهر قلبه جميعًا، ففي الترغيب والترهيب: أنه قال ابن عباس ﵁: "فوالله ما لبث علي ﵁ خمسًا أو سبعًا حتى جاء إلى رسول الله ﷺ في مثل ذلك المجلس، فقال يا رسول الله: إني كنت فيما خلا آخذ الأربع آيات، أو نحوهن، فإذا قرأته على نفسي تفلتن، وأنا اليوم أتعلم أربعين آية أو نحوها فإذا قرأتها
стр. 2221
فكأنما كتاب الله بين يدي ... " الحديث. (وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني) من تدبر معانيه، وتحسين الصوت بتلاوته والتباكي عند قراءته. (وأسألك أن تنور بالكتاب بصري) أي تزيدني فيه نورًا بسبب كتابك. (وتطلق به لساني) عند تلاوته فلا أتلعثم عندها. (وتفرج به كربي) كل همومه وغمومه بسبب كتابك (وتشرح به صدري) توسعه بسبب تلاوته. (وتستعمل به بدني وتقويني على ذلك) أي ما ذكر من السبع الخلال المطلوبة. (وتعينني عليه) بما يرزقني من النشاط والرغبة والهمة في ذلك. (فإنه لا يعينني على الخير) أي على كسبه. (غيرك ولا يوفق له إلا أنت) فلذا أفردتك بالسؤال واستجديتك هذه الخلال. (فافعل ذلك ثلاث جمع أو خمسًا) إن لم تنفع في الثلاث. (أو سبعًا) فإنه يحصل النفع مطلقًا. (تحفظه بإذن الله تعالى، وما أخطأ) أي: ما ذكر. (مؤمنًا قط). (ت طب ك) (١) رمز المصنف على الطبراني بالصحة عن ابن عباس، وأورده ابن الجوزي في: "الموضوعات" فلم يصب في إيراده فيها؛ لأن غايته أنه ضعيف، قال الحافظ المنذري: طرق هذا الحديث جيدة، ومتنه غريب جدًا، والله أعلم.
٢٨٦٩ - "ألا أنبئك بشر الناس: من أكل وحده, ومنع رفده، وسافر وحده، وضرب عبده, ألا أنبئك بشر من هذا: من يبغضر الناس ويبغضونه ألا أنبئك بشر من هذا: من يخشى شره، ولا يرجى خيره، ألا أنبئك بشر من هذا: من باع آخرته بدنيا غيره, ألا أنبئك بشر من هذا: من أكل الدنيا بالدين". ابن عساكر عن معاذ.
стр. 2222
(ألا أنبئك بشر الناس من أكل وحده) بخلاً وشحًا، أو تكبرًا أن يأكل معه أولاده وأهله. (ومنع رفده) بالكسر عطاءه وصلته. (وسافر وحده) لأنه شيطان كما ثبت عنه ﷺ أنه من صفات الشياطين.
(وضرب عبده) لغير جرم أو لجرم؛ فإنه وإن جاز له ضربه لكن العفو أفضل. (ألا أنبئك بشر من هذا) والمراد بشر الناس في الأول ليس على إطلاقه بل شرهم في تلك الأمور. (من يبغض الناس) فإن الله قد أمر بالتحاب والمؤاخاة. (ويبغضونه) لأنه يدل على أنه لا يحب في الملأ الأعلى. (ألا أنبئك بشر من هذا) وممن قبله بالأولى. (من يخشى شره ولا يرجى خيره) لأنه لا خير حينئذ أصلاً. (ألا أنبئك بشر من هذا) ومن الأوليين أيضًا كذلك. (من باع آخرته بدنيا غيره) أي بتحصيل الدنيا للغير فإنه شر من الكل؛ لأنه فوت الدين في شيء لا يعود عليه نفعه فهو أخسر الناس صفقة؛ فإنه خسر الدارين. (ألا أنبئك بشر من هذا) ومن الذي قبله. (من أكل الدنيا بالدين) أي الذي جعل الدين آلة لتحصيل الدنيا فبائع آخرته بدنيا غيره ما جعل الدين وصلة إلى الدنيا بل ترك الأمرين وأما هذا فعكس ما أمر الله به وما جعله سببًا لنيل الآخرة يجعله له سببًا لنيل الدنيا فكان كالمضاد لله المستهزئ بشرعه الغالب لنهيه ولأمره فلا غرو كان شرًا من بائع آخرته بدنيا غيره.
واعلم: أن لفظ الناس في صدر الحديث مخصص بما بعده، فكأنه قيل: شر الناس ما عدا من يذكر، أو المراد بهم: بعضهم من العام المراد به الخصوص. (ابن عساكر (١) عن معاذ)، ورواه الطبراني من حديث: ابن عباس، وضعفه المنذري.
стр. 2223
٢٨٧٠ - "ألا أنبئكم بخياركم خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله ". (حم هـ) عن أسماء بنت يزيد.
(ألا أنبئكم بخياركم) أيها المؤمنون. (الذين إذا رؤوا ذكر الله) لما فيهم من سيما التقوى وظهور الخشية لله من حسن الهيئة والسكينة، ولكونه مذكرًا بالله بنطقه، وهيئته، وحركته، وسكونه، وتقدم معناه مرارًا. (حم هـ) (١) عن أسماء بنت يزيد): أنصارية صحابية جليلة، قال الهيثمي: فيه شهر بن حوشب وثقة غير واحد، وضعف، وبقية رجال أحد أسانيده رجال الصحيح.
٢٨٧١ - "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم: ذكر الله". (ت هـ (صح) ك) عن أبي الدرداء.
(ألا أنبئكم بخير أعمالكم) أفضلها. (وأزكاها عند مليككم) أنماها فالأول أفضل في نفسها، والثاني أنها تنمو عنده تعالى وتزكوا. (وأرفعها) أي: أكثرها رفعة. (في درجاتكم) منازلكم في الجنة. (وخير لكم من إنفاق الذهب) قال الطيبي: مجرور عطف على خير أعمالكم من حيث المعنى؛ لأن المعنى: ألا أنبئكم بما هو خير لكم من بذل أموالكم وأنفسكم. (والورق) الفضة. (وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم) تقتلوهم ويقتلوكم ثم عينه بعد التشويق إليه وحث الأنفس على الإقبال عليه بقوله. (ذكر الله) أي هو ذكر الله، وهي استئنافية بيانية، كأنه قيل: ما هو؟ ففيه بيان أن ذكر الله تعالى أفضل العبادات وأشرفها ورأس الذكر كلمة: "لا إله إلا الله" فهي الكلمة
стр. 2224
العليا والذكر الأسنى، قال ابن حجر: المراد هنا الذكر الكامل وهو ما اجتمع فيه: ذكر اللسان والقلب بالفكر واستحضار عظمة الرب تعالى، وهذا لا يعدله شيء من فضيلة الجهاد، وغيره وليس هذا بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد، وقيل: بل هذا محمول على أن الذكر كان أفضل للمخاطبين به، ولو خوطب به شجاع باسل حصل به نفع في الإِسلام في القتال، قيل له: الجهاد أو الغنى الذي ينتفع به، قيل له: الصدقة أو القادر على الحج، قيل: الحج أو من له أصلان، قيل له: برهما وبه يحصل التوفيق بينَ الأخبار. (ت هـ ك) (١) عن أبي الدرداء عويمر)، رمز المصنف على ابن ماجه بالصحة، وقال الحاكم: صحيح، وأقره الذهبي ورواه أحمد أيضًا قال الهيثمي: وإسناده حسن.
٢٨٧٢ - "ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة والدنيا جائعة عارية يوم القيامة، ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة, ألا يا رب مكرم لنفسه في الدنيا وهو لها مهين، ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم، ألا يا رب متخوض ومتنعم فيما أفاء الله على رسوله ما له عند الله من خلاق ألا وإن عمل الجنة حزن بربوة، ألا وإن عمل النار سهل بسهوة، ألا يا رب شهوة ساعة أورثت حزنًا طويلاً". ابن سعد (هب) عن أبي البجير.
(ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا) أي: يا قوم قليل من الأنفس أو كثير مشغولة بلذاتها من المطاعم والملابس. (جائعة عارية يوم القيامة) لإذهابها طيباتها في الحياة الدنيا، وهو إعلام على أنه من توسع في لذات الدنيا يضيق عليه الحال في الآخرة. (ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا) زهدًا فيها ورغبة عن زينتها وزخرفها. (طاعمة ناعمة يوم القيامة) جزاء لها بما قدمت، وفيه أنه قد
стр. 2225
يكون بعض العباد منعمًا في الدارين إذا كان ممن ينفق من حلال، وأعطى النعمة حقها من شكرها، ومواساة عباد الله منها. (ألا يا رب مكرم لنفسه في الدنيا) بإبلاغها هواها وترفعه عن الشرائع ومقتضاها. (وهو لها) بذلك. (مهين) فإنه يبعده عن الله ويوجب له حرمانه. (ألا يا رب مهين لنفسه) بكسرها من الترفع وهضمها عن طلب العلو. (وهو لها مكرم) عند خالقها وبارئها في دار الدنيا والآخرة فمن أهانها في الدنيا عزت في الآخرة، وإياه أراد من قال:
صبرت على بعض الأذى خوف كله ... ودافعت عن نفسي بنفسي فعزّت
وجرعها المكروه حتى تجرعت ... ولو حملته حمله لاشمأزت
فياربّ عزٍّ ساق للنفس ذلةً ... ويارب نفسٍ بالتذلل عزّتِ
(ألا يا رب متخوض ومتنعم فيما أفاد الله على رسوله) أي: في مال الله الذي عينه لأعيان مصارفه. (ما له عند الله من خلاق) أي: من نصيب في الآخرة لاستيفائه حظ نفسه في الدنيا، فعلى المتصرف في الأموال العامة إذا أراد سلوك منهج السلامة الاقتصار على الكفاف وكف يده عن التبسط والأخذ بالعفاف كما كان من الخلفاء لمن عرف سيرهم (ألا وإن عمل الجنة) أي العمل الموصل إليها. (حزن) هو بالحاء المهملة مفتوحة وسكون الزاي: ضد السهل من الأرض. (بربوة) بضم الراء وتفتح المكان المرتفع، سميت ربوة لأنها ربت فعلت أي أنه عمل عسير في محل عال ففيه مشقة العمل ومشقة محله. (ألا وإن عمل النار) الموصل إليها. (سهل بسهوة) بالسين المهملة مفتوحة: الأرض اللينة البرية، شبه المعصية على مرتكبيها بأرض سهل الأخروية فيها؛ وذلك لأن النفس والشهوة تسهل ذلك، وعمل الجنة تعسره النفس، وما يعاضدها من الشيطان. (ألا يا رب شهوة ساعة) كنظرة إلى محرم توقع في فعل كثير. (أورثنا
стр. 2226
حزنًا طويلًا) هو الخلود في العذاب، ويحتمل: أن المراد شهوات الدنيا كلها، فإنها ساعة في جنب الآخرة، فالحازم العامل يأخذ لنفسه من الدنيا لقصد الحاجة لا لقصد اللذة، ويأخذ لأهله ولغيره بالحاجة واللذة لا بالتطاول، وفي الحديث أعظم زاجر عن متابعة الشهوات، وأبلغ حث في حفظ الجوارح واللسان وهو من جوامع الكلم. (ابن سعد (هب) (١) عن أبي البجير) بموحدة فجيم، فمثناة تحتية فراء: صحابي له حديث قاله الذهبي (٢)، وأخرجه الديلمي في مسند الفردوس، وعزاه المنذري إلى ابن أبي الدنيا وضعفه.
٢٨٧٣ - "إياك وكل أمر يعتذر منه". الضياء عن أنس.
(إياك) منصوب بمضمر لا يجوز إظهاره, وكذا ينصب كل اسم بعده بعد حرف العطف؛ لأنه محذر منه. (وكل أمر يعتذر منه) أي احذر إتيان كل أمر من قول أو فعل يوجب الاعتذار، إما معصية توجب الاعتذار بالتوبة عنها، أو فعل يوجب الاعتذار من الناس، أو قول، فالحديث جامع للمنع عن كل ما يقتضي الاعتذار وإطلاق ما لا عذر فيه، وأخرج أحمد عن سعد بن عبادة أنه قال لابنه: "إياك وما يعتذر منه من القول والعمل وافعل ما بدا لك". (الضياء (٣) عن أنس) قال: قال رجل: يا رسول الله، أوصني وأوجز، فذكره، ورواه الديلمي في مسند الفردوس بهذا اللفظ، قال الحافظ بن حجر في زهر الفردوس للحافظين: وسنده حسن، وأخرج البخاري في تاريخه، وأحمد، والطبراني بسند حسن عن سعد بن عبادة
стр. 2227
الأنصاري، وله صحبة موقوفاً: انظر إلى ما يعتذر منه من القول أو الفعل فاجتنبه (١).
٢٨٧٤ - "إياك وما يسوء الأذن". (حم) عن أبي الغادية وأبو نعيم في المعرفة عن حبيب بن الحارث (طب) عن عمه العاص بن عمرو الطُّفاوي".
(إياك) بكسر الكاف خطاب لمؤنثة. (وما يسوء الأذن) قال ﷺ ذلك ثلاثاً، والمراد: احذر النطق بكلام يسوء غيرك إذا سمع عنك ذلك، فإنه يوجب التنافر، والتقاطع، والعداوة، وربما أوقع في الشرور. (حم) (٢) عن أبي الغادية) بغين معجمة بخط المصنف قال: خرجت أنا وحبيب بن الحارث، وأم العلاء مهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالت المرأة: أوصني، فذكره، (أبو نعيم في المعرفة عن حبيب بن الحارث) قلت: يا رسول الله: أوصني، فذكره، وفيه العاص بن عمر الطفاوي قال في الإصابة: العاص مجهول (طب) عن عمه العاص بن عمر الطفاوي) بضم الطاء نسبة إلى طفاوة بطن من قيس غيلان، قال حدثتني عمتي قالت: دخلت مع ناس على رسول الله ﷺ فقلت: حدثني حديثًا ينفعني الله به، فذكره قال الهيثمي: العاص بن عمر الطفاوي مستور، انتهى، وقال السخاوي (٣): هذا مرسل والعاص لا صحبة له, وقال شيخي يعني ابن حجر: مجهول، لكنه ذكره ابن حبان في الثقات.
٢٨٧٥ - "إياك وقرين السوء فإنك به تعرف". ابن عساكر عن أنس.
(إياك وقرين السوء فإنك به تعرف) أي تشتهر بما اشتهر به قال:
وقارن إذا قارنت حرًا فإنما ... يزين ويزرى بالفتى قرناؤه
стр. 2228
(ابن عساكر (١) عن أنس).
٢٨٧٦ - "إياك والسمر بعد هدأة الرجل فإنكم لا تدرون ما يأتي الله في خلقه" (ك) عن جابر (صح).
(إياك والسمر) السمر بفتح الميم من المسامرة: وهي الحديث بالليل، ورواه بعضهم بسكون الميم. (بعد هدأة) بفتح الهاء. (الرجل) أي سكون الأقدام عن الاختلاف وفي نسخة: "الليل " بدل: "الرجل". (فإنكم لا تدرون ما يأتي الله في خلقه) أي ما يحدثه من آياته التي قد تفزع المستيقظ. (ك) (٢) عن جابر) رمز المصنف لصحته، وقال الحاكم: على شرط مسلم، وأقره الذهبي.
٢٨٧٧ - "إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين". (حم (صح) هب) عن معاذ.
(إياك والتنعم) في المأكل والملبس (فإن عباد الله) الذين هم عباده المستحقون الإضافة لذاته. (ليسوا بالمتنعمين) أن التنعم بالمباح، وإن كان جائزًا لكنه يدعو إلى الإنس بالدنيا والاسترسال فيها، وقد يجر إلى الحرام؛ لأن الحلال في الأغلب لا يتسع للتنعم. (حم هب) (٣) عن معاذ) رمز المصنف على أحمد بالصحة، وقال الهيثمي: رجال أحمد ثقات، ومثله قال المنذري.
٢٨٧٨ - "إياك والحلوب". (م هـ) عن أبي هريرة (صح).
стр. 2229
(إياك) أيها المضيف لنا. (والحلوب) أي احذر أن تذبح لنا شاة ذات در قاله ﷺ لأبي التيهان الأنصاري لما أضافه فأخذ الشفرة وذهب ليذبح له وفيه قصة طويلة ونهاه عن ذات الحلب رفقًا به وإبقاء لنفعه بها وفيه أنه ينبغي للمضاف التخفيف عمن أضافه والإشارة بما يخف عليه وأنه ليس من الفضول والتعرض لما لا يعني كما قيل. (م هـ) (١) عن أبي هريرة) ولم يخرجه البخاري وأخرجه الترمذي في الشمائل مطولاً.
٢٨٧٩ - "إياك والخمر فإن خطيئتها تفرع الخطايا كما أن شجرتها تفرغ الشجر". (هـ) عن خباب (صح).
(إياك والخمر) أي شربها. (فإن خطيئتها) أي إثمها. (تفرع) بضم المثناة الفوقية وتشديد الراء وعين مهملة. (الخطايا) أي يطول وتكثر الذنوب أي يزيد عليها ويعلوها أو يكثر فروعها؛ لأنه من شرب زنا، كما يأتي أنه يقع على أمه وخالته إلا أن قوله: (كما أن شجرتها) أي الكرمة. (تفرغ الشجر) أي يطول عليها يناسب الأول وضبط بفتح المثناة وتخفيف الراء. (هـ) (٢) عن خباب) وهو ابن الأرت، رمز المصنف لصحته إلا أن فيه الوليد بن مسلم وسبق أنه ثقة مدلس.
٢٨٨٠ - "إياك ونار المؤمن لا تحرقك وإن عثر كل يوم سبع مرات فإن يمينه بيد الله إذا شاء أن ينعشه أنعشه". الحكيم عن الغار بن ربيعة.
(إياك ونار المؤمن) أي النار التي يكون سببها المؤمن بأذيته في دم أو عرض أو مال. (لا تحرقك) فإنها سريعة إلى من آذاه كأنها مختطفة وهي نهي عن المسبب والمراد النهي عن السبب لكنه أبرز في قالب الإخبار لأنه أبلغ في التحذير فإنه: (وإن عثر كل يوم سبع مرات) أريد التكثير لا التحديد بإتيانه بما
стр. 2230
لا يحل. (فإن يمينه بيد الله) أي أنه تعالى لا يكله إلى نفسه بل يأخذ بيده ويلهمه تدارك هفواته (إذا شاء أن ينعشه) من أنعشه أي ينهضه ويقوي جانبه. (أنعشه) والمراد لا تهاون بالمؤمن وإن عثر، ووقع منه ما لا يليق بإيمانه فإنه يوفقه الله أن يخرجه عن سيئاته التي هبط بها ولذا سمي تداركه إياه إنعاشًا له. (الحكيم (١) عن الغار) بالغين المعجمة والراء ابن ربيعة، قال الشارح: لم أر في الصحابة فيما وقفت عليه من اسمه ذلك فلينظر (٢).
٢٨٨١ - "إياكم والطعام الحار فإنه يذهب بالبركة وعليكم بالبارد فإنه أهنأ وأعظم بركة". عبدان في الصحابة عن بولا (ض).
(إياكم والطعام الحار) احذروا أكله حارًا حتى يبرد. (فإنه) أي أكله حارًا. (يذهب بالبركة) أي ببركة الطعام لأنه لا يمري صاحبه فإنه يأكله وهو مشغول بأذية حره فلا يدري ما أكل. (وعليكم بالبارد فإنه أهنأ) لآكله. (وأعظم بركة) من الحار إن قلت: قوله يذهب بالبركة يقضي أنه لا بركة فيه واسم التفضيل هنا يقضي بأنه فيه بركة.
قلت: أراد بقوله يذهب بالبركة بمعظمها. (عبدان) (٣) تثنية عبد (في الصحابة عن بولا) بموحدة غير منسوب (٤) وفي حاشيته من المقابل على خط المصنف بالمثناة الفوقية قال ابن حجر: في إسناد هذا الحديث مجهول، كذا أورده أبو موسى في الموحدة لكن ذكره عبد الغني في المؤتلف بمثناة فوقية وهو الصواب (٥).
стр. 2231
٢٨٨٢ - "إياكم والحمرة فإنها أحب الزينة إلى الشيطان". (طب) عن عمران بن حصين.
(إياكم والحمرة) أي الثياب ونحوها المصبوغة بالأحمر القاني. (فإنها أحب الزينة إلى الشيطان) يعني أنه يحب هذا اللون ويرضاه والعباد مأمورون بتجنب ما يحبه.
واعلم: أن الأكثر على حرمة لباس الثياب الحمر وهذا من أدلة ذلك. (طب) (١) عن عمران بن حصين)، قال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما يعقوب بن خالد بن نجيح البكري العبدي لم أعرفه وفي الآخر بكر بن محمَّد يروي عن سعيد بن شعبة وبقية رجالهما ثقات.
٢٨٨٣ - "إياكم وأبواب السلطان فإنه قد أصبح صعبًا هبوطًا". (طب) عن رجل من سليم.
(إياكم وأبواب السلطان) اجتنبوها ولا تقربوها. (فإنه قد أصبح صعبًا) شديدًا. (هبوطًا) بفتح الهاء فموحدة، أي: منزلاً مهبطًا لدرجة من لازمه عند الله مذلة له في الدنيا والآخرة، قال الشارح: هبوطًا بالهاء هو ما ثبت في نسخ الجامع، والذي وقفت عليه في البيهقي والطبراني: "حبوطًا" بحاء مهملة، أي: يحبط العمل والبركة عند الله تعالى، قال الديلمي وروي: "خبوطًا" بخاء معجمة، والخبط أصله: الضرب والخبوط البعير الذي يخبط بيديه على الأرض، والحديث تحذير عن القرب من السلطان وقد تواتر معناه. (طب) (٢)
стр. 2232
عن رجل من سليم) يعني به أبا الأعور السلمي، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
٢٨٨٤ - "إياكم ومشارة الناس فإنها تدفن الغُرَّةَ, وتظهر العُرَّة". (هب) عن أبي هريرة.
(إياكم ومشارة الناس) في رواية: "مشاررة" بفك الإدغام مفاعلة من الشر أي لا يفعل بهم شرًا تحوجهم إلى أن يفعلوا لك مثله. (فإنها تدفن الغُرَّةَ) بغين معجمة مضمومة، والغُرّة: السدرة الحسن والعمل الصالح تشبيه بغرة الفرس أي: تدفن الأمر الذي هو في غاية الوضوح. (وتظهر العرة) بعين مهملة مكسورة وراء مشددة أي: المعايب والمساوئ وفي اللسان (١) للحافظ بخطه: العورة بدل الغرة، والمراد أن مشاررة الناس تبعث إلى أن يرفعوا محاسنك الظاهرة ويظهروا مساوئك ومعايبك فلا تشاورهم. (هب) (٢) عن أبي هريرة) وتعقبه البيهقي بما نصه: بأنه تفرد به الوليد بن سلمة الأردني وله من أمثال هذا أفرادًا لم يتابع عليها انتهى، وقال الذهبي في الضعفاء (٣): الوليد تركه الدارقطني، ورواه الطبراني أنفاً، قال الهيثمي: ورجاله ثقات إلا أن شيخ الطبراني محمَّد بن الحسن بن هديم لم أعرفه.
٢٨٨٥ - "إياكم والجلوس على الطرقات، فإن أبيتم إلا المجالس فاعطوا الطريق حقها: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر". (حم ق د) عن أبي سعيد (صح).
стр. 2233
(إياكم والجلوس في الطرقات) يعني السبل المسلوكة؛ لأن الجالس فيها متعرض لرؤية ما يكره أو سماع ما لا يحل أو الاطلاع على العورات ومعاينة المنكرات وغير ذلك مما قد يضعف القاعد فيها عن إزالته. (فقالوا: ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، فقال: فإن أبيتم إلا المجالس) أي إن أبيتم إلا الجلوس فيها (فاعطوا الطريق حقها) الواجب الذي على القاعد وهو. (غض البصر) مما يحل. (وكف الأذى) بقول وفعل ونحوها. (ورد السلام) الإجابة على من سلم عليكم من المارة. (والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وغير ذلك من: إغاثة الملهوف، وتشميت العاطس، وإرشاد السبيل، وتقدم كل ذلك. (حم ق د) (١) عن أبي سعيد)، قال الديلمي: وفي الباب عن أبي هريرة وغيره.
٢٨٨٦ - "إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا, ولا تحسسوا, ولا تنافسوا, ولا تحاسدوا, ولا تباغضوا, ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا, ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك". مالك (حم ق د ت) عن أبي هريرة (صح).
(إياكم والظن) احذروا اتباع الظن أو سوء الظن بمن ليس أهلاً لإساءة الظن به، والظن تهمة تقع في القلب بلا دليل، قال الغزالي (٢): وهو حرام كسوء القول لكن لست أعني به إلا عقد القلب وحكمه على غيره بالسوء فالخواطر وحديث النفس فعفو بل الشك عفو أيضًا، والنهي عنه أن يظن، والظن عبارة عما تركن إليه النفس ويميل إليه القلب، وسبب تحريمه أن أحكام القلوب لا يعلمها إلا علّام الغيوب فليس لك أن تعتقد في غيرك سوء إلا إذا انكشف لك بعيان لا يحتمل التأويل فعند ذلك لا تعتقد إلا ما علمته وشاهدته، فإذا لم تشاهده ولم
стр. 2234
تسمعه ثم وقع في قلبك؛ فإن الشيطان يلقيه إليك فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق. (فإن الظن) من غير دليل. (أكذب الحديث) أي حديث النفس؛ لأنه إنما يلقيه الشيطان وكلما كان من عنده فهو أكذب شيء في الكون أو أكذب ما تحدثون إن حدثتم به (ولا تجسسوا) بالجيم أي لا تعرفوا أخبار الناس بلطف كالجاسوس، قال الزمخشري (١): التجسس التعرف لأحوالهم وهتك الستر حتى ينكشف لك ما كان مستورًا عنك ويستثنى منه ما لو تعين طريقًا لإنقاذ محترم من هلاك أو نحوه كان بخبر ثقة؛ فإن فلانًا خلا برجل ليقتله أو بامرأة ليزني بها فيشرع التجسس كما نقله النووي عن الأحكام السلطانية وأقره. (ولا تحسسوا) بحاء مهملة أي لا تطلبوا الشيء بالحاسة كاستراق السمع وإبصار الشيء خفية، وقيل: الأول التخفض عن عورات الناس وبواطن أمورهم بنفسه أو بغيره، والثاني: أن يتولاه بنفسه، وقيل الأول: تختص بالشر، والثاني: أعم. (ولا تنافسوا) بفاء وسين مهملة من المنافسة، وهي: الرغبة في الشيء والانفراد به، قال القاضي: التنافس أن تريد هذا على هذا وذاك على ذاك في البيع، وقيل: المراد من الحديث النهي عن إغراء بعضهم بعضًا على الشر والخصومة. (ولا تحاسدوا) أي لا يحسد بعضكم بعضًا، قال ابن القيم (٢): الفرق بينه وبين المنافسة أنه يرغب في الأمر المتنافس فيه ليلحق صاحبه أو يجاوزه فهي من شرف النفس وعلو الهمة وكبر القدر، والحسد خلق نفس ذميمة وصفة ساقطة ليس فيها حرص على الخير. (ولا تباغضوا) تعاطوا أسباب البغضاء. (ولا تدابروا) أي لا يولي كل إنسان الآخر دبره، قال في المعارضة: التدابر أن يولي كل منهما الآخر دبره محسوسًا بالأبدان ومعقولاً بالعقائد والأذى والأحوال.
стр. 2235
(وكونوا عباد الله إخوانًا) أي اكتسبوا من الخلال ما تصيرون به إخوانًا. (ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه) بكسر الخاء؛ لأنه من أعظم ما يورث التباغض (حتى ينكح) فيترك ضرره أو يترك فيحل له أن يخطبها والنهي للتحريم. مالك (حم ق د ت) (١) عن أبي هريرة).
٢٨٨٧ - "إياكم والتعريس على جواد الطرق، والصلاة عليها؛ فإنها مأوى الحيات، والسباع، وقضاء الحاجات عليها فإنها الملاعن" (هـ) عن جابر.
(إياكم والتعريس) أي: النزول لآخر الليل لنوم ونحوه. (على جواد الطرق) بتشديد الدال المهملة جمع جادة وهي معظم الطريق والمراد نفسها (والصلاة عليها) أي الطرق؛ فإنه منهي عنها. (فإنها مأوى الحيات والسباع) فلا تتعرضوا لها فتؤذيكم بل تجنبوها وجوبًا أو ندبًا سدًا لذريعة ما يضركم. (وقضاء الحاجات عليها فإنها الملاعن) أي المحلات التي تحمل على لعنكم وشتمكم مع كونها أيضًا مأوى الحيات والسباع إلا أن هو علل بما هو أشد ضررًا وهو الدعاء عليه بالإبعاد من الرحمة ويحتمل أنه ما علل بالأولى؛ لأنه لا يخاف شر الحيات والسباع إلا مع إطالة الإقامة كالتعريس والصلاة لا قضاء الحاجة فهي ساعة حقيقة. (هـ) (٢) عن جابر، قال المنذري: رواته ثقات، لكن قال مغلطاي في شرح ابن ماجه: هذا حديث معلل بأمرين: الأول: ضعف عمرو بن سلمة أحد رجاله؛ فإن يحيى ضعفه، وابن معين قال: لا يحتج به، الثاني: أن فيه انقطاعًا، لكن رواه البزار مختصرًا بسند على شرط مسلم ورواه الطبراني أيضًا
стр. 2236
[٢/ ٢٢٨] قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
٢٨٨٨ - "إياكم والوصال، إنكم لستم في ذلك مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقين، فاكفلوا من العمل ما تطيقون". (ق) عن أبي هريرة (صح).
(إياكم والوصال) أي مواصلة الصوم وهو نوعان: من سحر إلى سحر، قال ابن القيم (١): وهو جائز، قيل: والأفضل عدمه ووصال الأيام ذات العدد، وقيل وهو محرم لهذا النهي ونحوه، وقد بسط ابن القيم ذلك في زاد المعاد، قالوا: فإنك تواصل قال: (إنكم لستم في ذلك مثلي) أي على صفتي ومنزلتي من ربي. (إني أبيت) وفي رواية: "أظل" والمراد منهما الزمن كله؛ لأنه يعبر بهما عنه ويخبرهما على الدوام. (يطعمني ربي ويسقين) اختلف في هذا الإطعام هل هو حقيقي؟ أو لا؟ فقيل: حقيقي؛ لأنه حقيقة اللفظ، ورد بأنه لو كان حقيقة إطعامًا لما كان مواصلاً ﷺ ولما كان جوابًا لمن قال له ذلك إنك تواصل، ولقال لم أواصل إني أطعم وأسقى، فالأصح أن المراد به التلذذ بالمناجاة والاغتذاء بما يعرض على قلبه من المعارف فإنه أنفع من غذاء الأبدان، قال ابن القيم (٢): إنه الصحيح وبه يعرف التجربة لمن له أدنى تجربة وذوق يعلم استغناء الجسم بغذاء الروح والقلب عن كثير من الغذاء الحيواني ولا سيما المسرور الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرت به عينه بمحبوبه وتنعم بقربه والرضا عنه وإلطاف محبوبه وهداياه وتحفة تصل إليه كل وقت ومحبوبه حفي به معتن بقربه ومكرم له غاية الإكرام مع المحبة التامة أفليس في هذا أعظم غذاء لهذا المحب؟ إلى آخر كلامه. (فاكفلوا من العمل ما تطيقون) هو بيان لوجه حكمة النهي وهو حذف العمل في العبادة والتقصير فيما هو أهم وأرجح من وظائف الدين من
стр. 2237
القوة في أمر الله والخضوع في فرائضه والإتيان بحقوقها الظاهرة والباطنة وشدة الجوع ينافيه ويحول بين المكلف وبينه. (ق) (١) عن أبي هريرة).
٢٨٨٩ - "إياكم وكثرة الحلف في البيع؛ فإنه ينفق السلعة، ثم يمحق". (حم م ن هـ) عن أبي قتادة (صح).
(إياكم وكثرة الحلف في البيع) أي احذروا الحلف في البيع عند تنفيق السلعة أو شرائها والنهي عن الكثرة لا مفهوم له فإن القليل أيضًا محرم لكنه خرج على الغالب وقيل بل النهي عن الكثرة يؤذن بأن المراد النهي عن إكثار الأيمان ولو صادقة؛ لأن الكثرة مظنة الوقوع في الكذب. (فإنه) أي الحلف. (ينفق السلعة) لأنه يدعو إلى الرغبة فيها. (ثم يمحق) بفتح حرف المضارعة أي يذهب بركة البيع وفي هذا التعليل الاتصاف بما ترى بذكر المصلحة والمفسدة، قال الطيبي: وثم للتراخي في الزمن يعني وإن نفقت اليمين السلعة؛ فإنها تذهب بالبركة مآلاً ويحتمل أنها للتراخي في الرتبة، أي أن محق البركة أبلغ من الإنفاق والمراد من محق البركة عدم النفع به دينًا ودنيا حالاً أو مآلاً أو أعم. (حم م ن هـ) (٢) عن أبى قتادة) الأنصاري ولم يخرجه بهذا اللفظ البخاري.
٢٨٩٠ - "إياكم والدخول على النساء". (حم ق ت) عن عقبة بن عامر (صح).
(إياكم والدخول على النساء) أي على الأجانب؛ لأنه مظنة وذريعة إلى المعصية ويدخل الخلو بالأجنبية بالأولى، وهذا من باب سد الذرائع إلى الحرام، وتمام الحديث قالوا يا رسول الله: أرأيت الحمو؟ وهو أخو الزوج أو قريبه، قال ﷺ : (الحمو الموت) أي دخوله على زوجة أخيه نسبة الموت في
стр. 2238
الاستقباح والمفسدة, فهو محرم شديد التحريم وهذا نحو قولهم: الأسد الموت، أي أنه يقضي لقاؤه إلى الموت، والمراد موت الدين، وإنما بالغ بهذا التشبيه لتساهل الناس في ذلك حتى كأنه ليس بأجنبي، وقد بالغ مالك في هذا الباب حتى منع خلوة المرأة بابن زوجها وإن كانت جائزة؛ لأن موقع ذلك من الرجل ليس كموقعه من أمه؛ لأن ذلك قد استحكمت فيه النفرة العادية. (حم ق ت) (١) عن عقبة بن عامر) وأخرجه غير من ذكر.
٢٨٩١ - "إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وأمرهم بالفجور ففجروا". (د ك) عن ابن عمرو (صح).
(إياكم والشح) أي عدم الإفضال بالمال أو هو عام رديف البخل أو أشد منه ويجر إلى كل شر فلذا علله بقوله: (فإنما هلك) أي في دينه أو في ماله أو فيهما. (من كان قبلكم بالشح) أي بسببه لأنه. (أمرهم بالبخل فبخلوا) فيه أن الشح صفة نفسية يصدر عنها البخل وهو الإمساك عن الإنفاق بسببه وبأمره. (وأمرهم بالقطيعة للرحم فقطعوا) وبه ينقطعوا عن رحمة الله. (وأمرهم بالفجور) أي الانبعاث في المعاصي بجمع المال وإمساكه. (ففجروا) أو بالزنا فزنوا فقد أخبر ﷺ أنه تفرع عن الشح البخل بالحقوق ومنعها وقطيعة الرحم وخصه مع دخوله في الأول لما علم من زيادة الأهمية به، والفجور يحصل عنه شر الترك وشر الفعل جميعًا، وبه هلاك الدين والدنيا، قال الماوردي: ينشأ عن الشح من الأخلاق المذمومة أربعة أخلاق وإن كان ذريعة إلى كل خلق مذموم: الحرص، والشره، وسوء الظن، ومنع الحقوق، فالحرص: شدة الكدح والجهد في
стр. 2239
الطلب، والشره: استقلال الكفاية والاستكثار لغير حاجة وهذا فرق ما بين الحرص والشره، وسوء الظن: عدم الثقة بمن هو أهل لها، والخاتمة منع الحقوق؛ لأن نفس البخيل لا تسمح بفراق محبوبها ولا تنقاد إلى ترك مطلوبها ولا يذعن الحق ولا يجيب إلى إنصاف، وإذا أتى الشح إلى ما ذكر من هذه الصفات المذمومة والشيم اللئيمة ولم يبق معه خير موجود ولا صلاح مأمول. (د ك) (١) عن ابن عمر) رمز المصنف لصحته على الحاكم، وقال الحاكم: صحيح وأقره الذهبي.
٢٨٩٢ - "إياكم والفتن؛ فإن وقع اللسان فيها مثل وقع السيف". (هـ) عن ابن عمر.
(إياكم والفتن) أي بالخوض فيها فاحذروه. (فإن وقع اللسان فيها) بالخوض والتهيج لشرها وفتح بابها. (مثل وقع السيف) في الإثم وإياكم وإحداث الفتن؛ فإنه يعم شرها من خاض بلسانه فيها ويصير كمن خاض بسيفه فادفعوا شرها قبل الوقوع فيها. (هـ) (٢) عن ابن عمر) فيه محمَّد بن الحارث ضعفوه.
٢٨٩٣ - "إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب". (د) عن أبي هريرة (صح).
(إياكم والحسد) هو كما قيل قلق النفس من رؤية النعمة على الغير وهو اعتراض على الحق ومعاندة له ومجاذبة لنقض ما فعله وإزالة فضله عمن هو أهله له ومن ثمة قال (فإن الحسد) ووضع الظاهر موضع المضمر زيادة في
стр. 2240
تهجينه وإبانة لقبحه والتحذير منه (يأكل الحسنات) أي يذهبها ويمحو أثرها. (كما تأكل النار الحطب) لأنه يفضي بصاحبه إلى اغتياب المحسود وشتمه وقد يتلف ماله أو يسعى في سفك دمه وقبحه من حيث ما ينشأ عنه لا من حيث حدوثه في النفس فإنه لا يمكن دفعه أن لا يحدث إنما الواجب عند حدوثه دفع النفس وكف الجوارح عن الإتيان بما يحرم ويجر إليه ولا يخفى ما في تشبيهه بالنار من الإشارة إلى أنه إلتهاب في القلب من نار الغيظ ولذا قيل:
اصبر على كيد الحسود ... فإن صبرك قاتله
النار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله
(د) (١) عن أبي هريرة) رمز المصنف لصحته، إلا أنه رواه إبراهيم بن أسيد عن جده وجده لم يسم وذكر البخاري إبراهيم في تاريخه الكبير (٢) وذكر له هذا الحديث، وقال: لا يصح.
٢٨٩٤ - "إياكم والغلو في الدين؛ فإنما هلك من كان قبلكم من الأمم بالغلو في الدين". (حم ن هـ ك) عن ابن عباس (صح).
(إياكم والغلو في الدين) وهو التشديد فيه ومجاوزة الحد في العمل والبحث عن غوامض الأشياء والكشف عن عيبها وغوامض متعبداتها في العلم. (فإنما هلك من كان قبلكم من الأمم بالغلو في الدين) قال هذا الحديث غداة العقبة عندما أمرهم بالرمي بمثل حصى الخذف، قال ابن تيمية (٣): هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقاد والأعمال، والغلو مجاوزة الحد بأن يزاد في مدح الشيء
стр. 2241
أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك، والنصارى أكثر غلواً في الاعتقاد والعمل من سائر الطوائف، وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن بقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا في دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧] وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار وهو داخل فيه مثل الرمي بالحجارة الكبيرة على أنه أبلغ من الصغار ثم علله بما يقتضي أن مجانبة هديهم مطلقًا أبعد عن الوقوع فيما به هلكوا، فإن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه الهلاك انتهى، ولا يعارض ما تقدم من أنهم هلكوا بالشح؛ لأنه أريد بالهالكين بالشح غير الهالكين بالغلو أو لأن الغلو مما يدخل تحت الشح من حيث أنه مبالغة في الحرص على العمل أو الاعتقاد أخرجه عن هدي أشرف العباد ﷺ . (حم ن هـ ك) (١) عن ابن عباس) رمز المصنف لصحته على النسائي، قال ابن تيمية (٢): إنه إسناد صحيح على شرط مسلم.
٢٨٩٥ - "إياكم والنعي؛ فإن النعي من عمل الجاهلية". (ت) عن ابن مسعود (صح).
(إياكم والنعي) بفتح النون فسكون المهملة وهو الإخبار بالموت وندب الميت. (فإن النعي من عمل الجاهلية) كانوا إذا مات منهم ذو قدر ركب إنسان فرسًا، ويقول: نعاي بزنة نَزال اسم فعل فلانًا أي أنعيه وأظهر خبر موته فنهي عن هذا، فإن قلت: فدعاء الناس بحضور تجهيزه ودفنه؟
قلت: أما هذا فليس من المنهي عنه ضرورة وأنه من باب التعاون على البر
стр. 2242
والتقوى والإتيان بما يجب إنما النهي متوجه إلى الصورة التي كانت تفعلها الجاهلية ويعم صعود المنارات والإعلام بموت من مات هو بعينه نعي الجاهلية كما يفعل في صنعاء اليمن إذا مات عظيم من العظماء. (ت) (١) عن ابن مسعود) رمز المصنف لصحته، وقال عبد الحق (٢): روي مرفوعًا وموقوفاً والموقوف أصح، وتعقبه ابن القطان (٣) بأنه ضعيف كيف ما كان، وأبان وجهه إلا أن رواية الرفع أضعف وممن بين ضعفه مطلقًا الترمذي نفسه، قلت: فالعجب من المصنف، نعم قد روى الترمذي بسند صحيح نهى النبي ﷺ عن النعي.
٢٨٩٦ - "إياكم والتعري، فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله فاستحيوهم وأكرموهم". (ت) عن ابن عمر.
(إياكم والتعري) أي التجرد عن الثياب وكشف العورة. (فإن معكم من لا يفارقكم) أي من الملائكة كأنه تعليل لمطوي وهو إذا كان الرجل خاليًا، قال ﷺ : "فإن معكم" ويحتمل أن المراد النهي عن التعري عند الناس ومع الانفراد وعلل أحد الأمرين؛ لأنه الخفي، وترك الآخر؛ لأنه معلوم وجهه وقوله: (إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله) فإنه قد أبيح لكم التعري وقد أمر الله الملائكة بمفارقتكم عند ذلك. (فاستحيوهم) كما تقدم إتيان ما يقبح ويستحيى منه. (وأكرموهم) بحسن الصحبة. (ت) (٤) عن ابن عمر) وقال: حسن غريب،
стр. 2243
قال ابن القطان (١): ولم يبين لم لا يصح؛ وذلك لأن فيه ليث بن أبي سليم، والترمذي يضعفه ويضعف به.
٢٨٩٧ - "إياكم وسوء ذات البين، فإنها الحالقة". (ت) عن أبي هريرة (صح).
(إياكم وسوء ذات البين) أي إفساد ذات بينكم بالتخاصم والتشاحن الموجبة للتدابر. (فإنها) أي سوء ذات البين أنث باعتبار ما أضيف إليه. (الحالقة) للدين كما سلف أو الحالقة لكم؛ لأنه يؤثر منها الفتن وسفك الدماء الموجبة لذهابكم نفسًا ومالاً ودينًا. (ت) (٢) عن أبي هريرة)، وقال: صحيح انتهى، ورمز المصنف لصحته, وفيه عبد الله بن جعفر المخزومي، قال في الضعفاء (٣): ثقة، وقال ابن حبان: يستحق الترك.
٢٨٩٨ - "إياكم والهوى؛ فإن الهوى يصم ويعمي". السجزي في الإبانة عن ابن عباس.
(إياكم والهوى) قال القاضي: الهوى: ميل النفس إلى ما تشتهيه والمراد هنا الاسترسال في الشهوات ومطاوعة النفس في كل ما ترومه وسمي بذلك؛ لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى الداهية وفي الآخرة إلى الهاوية. (فإن الهوى يصم) صاحبه فلا يسمع عذل عاذل، ولا فضح فاضح. (ويعمي) فلا يرى قبح مساوئ ما استرسلت نفسه وهواه، والمراد أنه يكون كالسالب لحاستي السمع والبصر؛ لأن من لم يزجره سمعه وبصره عن قبيح ما يأتيه فكأنه لا سمع له ولا بصر وما
стр. 2244
عبدت الأوثان وسفكت الدماء إلا باتباع الأهوية. (السجزي (١) في الإبانة عن ابن عباس).
٢٨٩٩ - "إياكم وكثرة الحديث عني: فمن قال علي فليقل حقًا، أو صدقًا ومن تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار". (حم هـ ك) عن أبي قتادة.
(إياكم وكثرة الحديث عني) أي الاسترسال فيه فإن الإكثار من الشيء قد يجر إلى خلاف الصواب، ولذا كان يقول علي ﵇: لأن أخِرّ من السماء أحب إلى من أن أحدث عن رسول الله ﷺ بما لم أسمعه, وكان عبد الله بن مسعود قد يقضي السنة ولا يقول: قال رسول ﷺ ، فإذا قال: قال رسول الله ﷺ قال: مثل هذا أو نحو هذا أو كذا. (فمن قال علي فليقل حقًا) لا كذب فيه. (أو صدقًا) كأنه شك من الراوي، وقيل: بل الحق غير مرادف الصدق؛ فإن الحق يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار مطابقتها للواقع ويقابله الباطل، وأما الصدق فشائع في الأقوال فقط ويقابله الكذب. (ومن تقوّل علي) بالتشديد وهو لا يطلق أن على من قال على الغير ما لم يقله فقوله: (ما لم أقله) زيادة في المبالغة لا أنه جُرد عن تمام معناه. (فليتبوأ مقعده من النار) أي فلينزل مقعده الذي أعده الله له. (حم هـ ك) (٢) عن أبي قتادة)، قال الحاكم: على شرط مسلم، وله شاهد بإسناد آخر، وأقره الذهبي.
٢٩٠٠ - "إياكم ودعوة المظلوم وإن كان من كافر؛ فإنه ليس لها حجاب دون الله ". سمويه عن أنس.
стр. 2245
(إياكم ودعوة المظلوم) هو تحذير من الظلم إلا أنه عبر بالمسبب عن السبب. (وإن كان من كافر فإنه) أي الشأن أو الدعاء يجعل الدعوة في معناه. (ليس لها حجاب دون الله وهو عبارة عن سرعة إجابتها وقد علله في غيره بقوله أن كفره على نفسه (سمويه (١) عن أنس) وتقدم معناه ويأتي.
٢٩٠١ - "إياكم ومحقرات الذنوب؛ فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا ببطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه". (حم طب (صح) هب) والضياء عن سهل بن سعد.
(إياكم ومحقرات الذنوب) أي صغائرها لأنها تدعوا إلى كبارها كما أن صغار الطاعات تجر إلى كبارها، قال الغزالي: صغار الذنوب تجر بعضها بعضًا حتى تزول أصل السعادة بهدم الإيمان عند الخاتمة ثم ضرب لها مثلاً زيادة في التحذير وإيضاح شرها. (فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم) أي: كمثل فعل قوم أو قوم على أنه تمثيل غير ملاحظ فيه الأفراد (نزلوا ببطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم) يحتمل أنه تمثيل للجملة من المخاطبين بالجملة من القوم وأنه تحذير لكل فرد من الأفراد عن فرد من محقرات الذنوب؛ لأنها تجتمع من الجملة ذنوب يهلكون بسببها ويمنعون الرحمة من الإعانة والنصر ونحوهما ويحتمل أن المراد تمثل الحال من تأتي المحقرات من الأفراد بحال القوم المذكورين وإنه لا يزال يجمع لنفسه من الذنوب كل حين ما يحصل به إنضاج بدنه بالعذاب قيل ولم يذكر الكبائر لندرة وقوعها من الصدر الأول وشدة تحرزهم عنها فأنذرهم مما قد يتلوثون به.