← История

История · id 12212

المنمق في أخبار قريش

محمد بن حبيب

Полный текст (430 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة المصحح بسم الله الرّحمن الرّحيم منذ خمسين سنة أو أكثر كان عند رجل من مجتهدي الإمامية بمدينة لكناؤ في شمال الهند كتاب المنمق المنسوب إلى محمد بن حبيب البغدادي المتوفى سنة ٢٤٥ هـ/ ٨٥٩ م، وكان اسم الرجل ناصر حسين، وكان يضن بالمنمق لندرته فإنه لا يوجد في المكاتب المعروفة في العالم نسخة أخرى له كما يشهد على ذلك بروكلمان في تاريخ أدب العرب [١] ، وفي سنة ١٩٢٥ م سمع بعض رجال العلم في الهند عن المنمق، من بينهم الأستاذ الميمني السيد سليمان الندوي المغفور له مدير مجلة المعارف، فزاروا مكتبة المجتهد المذكور وقرأوا المنمق وعرفوا ما احتواه من المعارف القيمة، فنعتوه في المجالس ونوّهوا بذكره في المجلات العلمية، ثم طلبت دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد (الهند) من المجتهد ناصر حسين أن يسمح بنقله للنشر، فأبى، فتحركت سلطات حكومة النظام بحيدرآباد، فأتاه ما لا قبل له بدفعه، فأذن لدائرة المعارف في نقله، فنسخه رجل عالم فيما أخبروني من خريجي مدرسة فرنغي محل بلكناؤ تحت إشراف الدائرة في سنة ١٩٣٢ م، فسارت الأيام سيرها ولم يطبع الكتاب ولم يزل محفوظا في خزانة الدائرة لأكثر من ثلاثين سنة، حتى طلب مني الدكتور محمد عبد المعيد خان مدير دائرة المعارف وأستاذ العربية بجامعة حيدرآباد في يوليو سنة ١٩٦٣ م وأنا في حيدرآباد أبحث عن بعض الكتب المهمة لي أن أقوم بتصحيحه، فاعتذرت إليه واعتللت بأشغالي العلمية التي استغرقت كل

стр. 2

أوقاتي، فلم يستمع إلي ولم يزل يحثني حث صديق كريم حتى لم أجد غير التسليم سبيلا، وإني شاكر له ثقته لي. وفي مستهل أغسطس سنة ١٩٦٣ م بدأت في مهمتي، وكان المدير ألزمني ختم التصحيح والتعليق في ثلاثة أشهر لأنه كان مأخوذا من قبل الحكومة بأن يتم الطبع قبل مضي السنة المالية وهي تنتهي في مارس، فلما تصفحت الكتاب شعرت بأنه لا يمكنني إتمامه في الموعد المحدد إلا أن أبذل أقصى مجهودي، فتركت سائر أشغالي ما عدا واجباتي التدريسية بالجامعة، وقصرت همتي على المنمق، ومع ذلك كان سيري بطيئا والسبب أن الكتب عندي لم تكن كافية لأداء حق التصحيح، والدائرة لا تعير كتبها، ومكتبة جامعة دهلي ليست غنية في الكتب، فضاع كثير من وقتي في طلب حل مشاكل الكتاب هنا وهناك بغير جدوى وفي انتظار بعض الكتب المهمة من مكاتب خارج العاصمة، كان هذا شأن المطبوعات، فأما المخطوطات فلم يكن عندي واحدة منها، فكم مضت عليّ ساعات القلق والحيرة في تصحيح كلمة محرفة أو اسم ممسوخ، وكم وددت أن أنساب قريش للزبير بن بكار وأنساب الأشراف للبلاذري وتاريخ دمشق لابن عساكر كانت في متناولي، فإني كنت واثقا ولا أزال أن فيها مفتاح كثير من مشاكل المنمق. وبعد أن قرأت الكتاب مستوعبا وفرغت من نسخ معظم حواشيه سافرت إلى لكناؤ في منتصف أكتوبر سنة ١٩٦٣ م لمراجعة الأصل ولمقارنة نسختي به، وهذا الأصل وهو أصل فريد لا يوجد له ثان في أية مظنة من مظان الكتب كما قلت آنفا بالمكتبة الناصرية بلكناؤ، التي يتولاها ابن لناصر حسين المغفور له الذي أشرت إليه من قبل، وإن هذه المكتبة لمكتبة عامة منحتها حكومة أتربرديش مبلغا خطيرا لبناء عمارتها [١] بصفة كونها مكتبة مخطوطات ثمينة لإفادة الخاص والعام، أما الأمر فليس كذلك فإن الابن المتولي لا يزال يعتبرها [١] ملكا فرديا وورثة ورثها [٢] من أبيه فلا يسمح لأحد بأن ينقل شيئا من كتب المكتبة أو يقابل بها نصا أو عبارة أو شعرا. فلما قابلته وطلبت

стр. 3

منه الإذن رفض طلبي وألقى بمعاذير تأباها المروءة والعقل، وقال إنه لا يستطيع أن يتفضل بأكثر من أن يأذن لي في مطالعة الكتاب، فجاء الكتاب وبدأت أقلب أوراقه وابن المجتهد بجانبي وبعض أعوانه على يميني ويساري لئلا أكتب منه شيئا، وكانت طائفة من الكلمات المحرفة في نسختي وأبياتها مستحضرة لي، فقابلتها بالأصل ووجدتها محرفة كما في نسختي، وتبين لي من هذا ومن تصفح عدد كبير من صفحاته أن نسختي نسخت موافقة للأصل وأن الناسخ ربما لم يخطئ في النسخ إلا قليلا. والأصل مكتوب بخط [١] النسخ كتابة غير رديئة واضحة في الجملة غير أن ناسخ الأصل أحيانا كتب الميم بحيث التبست بالحاء، والميم بحيث التبست باللام، والتاء بالنون وبالعكس، وتبين لي أيضا أن ناسخ نسختي نسخها بالاحتياط والاجتهاد وأن أكثر الأخطاء والتحريفات التي وجدت فيها جاءت من ناسخ الأصل. وفي منتصف نوفمبر سنة ١٩٦٣ م بعثت إلى أستاذي المحقق الفاضل عبد العزيز الميمني، عضو المجمع [٢] العلمي السوري، ورئيس قسم العربية بجامعة عليكره سابقا بعدة أبيات المنمق لم أستطع تمييزها، فتفضل ببعض التصحيحات، ومتعني بتوجيهات نافعة عن المنمق، وأعتذر في ختام خطابه قائلا: «وقل ما أعرف هؤلاء الشعراء وأبياتهم التي نقلتها في ورقتين ولا أقدر على التصفح والبحث، ولو تقدمت بكتابك في وسط أغسطس وجدت أنا في الوقت مراغما كثيرا وسعة» . وإني أنتهز هذه الفرصة لتقديم امتناني إليه وإلى صديقي: أبي المحفوظ معصوم الكريم أستاذ تاريخ الإسلام بالمدرسة العالية بكلكتا الذي ساعدني باجتهاداته في بعض [٣] الكلمات المصحفة [٣] أما محمد بن حبيب صاحب المنمق، فإنه من الموالي، والموالي حملة العلم في العصر العباسي كما كانوا في العصر الأموي، أمه حبيب [٤] مولاة بني هاشم، من

стр. 4

أسرة العباس بن محمد وهي الأسرة الحاكمة، وكان محمد مؤدبا لولد العباس بن محمد والعباس هذا أخو خليفتين- أبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور- وقرأ ابن حبيب على ابن الأعرابي العالم الشهير الذي درس لأربعين سنة في بغداد عن حفظه، ولم ير قط في يده كتاب، وحضر حلقات عدة لأفاضل بغداد منهم هشام بن محمد الكلبي (م ٦. ٢/ ٨٢١) الباحث الكبير والجامع البارز في عصر الرشيد والمأمون الذي اشتهر بتأليف نحو مائة وخمسين مؤلفا في تاريخ العرب وأنسابهم وأيامهم وأشعارهم وأدبهم وما إلى ذلك، وهو أغزر مأخذ ابن حبيب في المنمق، ومنهم أبو عبيدة (م ٩. ٢/ ٨٢٤) المحقق الكبير الذي غلب عليه التاريخ واللغة والغريب والذي ألف أكثر من مائة كتاب معظمها في نواح [١] مختلفة لتاريخ العرب في الجاهلية والإسلام، وهو الذي أول من صنف في غريب القرآن فأصبح لذلك هدف الطعن من منافسيه وحاسديه من أهل الحديث وغيرهم، ومنهم قطرب (م ٦. ٢/ ٨٢١) مؤلف أكثر من سبعة عشر كتابا والذي كان مثل ابن حبيب مؤدبا لولد كبير من كبراء الدولة، ومنهم أبو اليقظان (م ١٩٠/ ٨٠٥) الذي تخصص بالنسب والتاريخ والمآثر والمثالب وخلف مؤلفات عديدة مفيدة، ولكن الذي غلب على ابن حبيب من بين شيوخه فهو هشام بن محمد الكلبي، ولا شك أنه كان عالما. كثير البحث، واسع الخبرة حتى جعله غزارة علمه، وتبحره في شتى نواحي المعارف عرضة طعن منافسيه من علماء الدولة، فأصبح ابن الكلبي أسوة ابن حبيب، فروى كتبه واقتبس منها على نطاق واسع في الكتب التي ألفها ومن بينها المنمق، وكما أن ابن الكلبي، ألف كمية ضخمة من الكتب في سائر أنواع العلوم السائدة غير الطبيعية ولا سيما في الأصناف التي كانت مختارة عند الجمهور، وعند الطبقات الحاكمة كالنسب والتاريخ والجغرافيا والشعر واللغة والقرآن والحديث- فكذلك ابن حبيب وهو من معجبي ابن الكلبي، ألف كتبا كثيرة في هذه المواضيع حاشا القرآن فإنه قلما تعرض أحد لتفسيره في ذلك العصر وهو عصر المأمون والمتوكل الذي كان فيه صراع عنيف بين المعتزلة وهم قادة الخواص وبين المحدّثين وهم قادة العوّام، أو تصدى لغريب القرآن إلا

стр. 5

طعن فيه المحدثون والمنافسون ونسبوه إلى البدعة وحاولوا إرغامه، لكن ابن حبيب لم يبلغ ذروة ابن الكلبي لا في تنوع المؤلفات ولا في كثرتها، فإن إزاء مائة وخمسين مؤلفا اشتهر بتأليفها ابن الكلبي، لم يزد كتب ابن حبيب بضعة وأربعين في النسب والتاريخ واللغة والشعر، ولو كان بعض مؤلفاته أغزر مادة وأجمع نادرة من مؤلفات ابن الكلبي، ومع أن عامة المحدثين وكثيرا من علماء الدولة طعنوا في ابن الكلبي وقدحوا في رواياته وضعّفوه وكذبوه لبروزه في سائر أنواع العلوم النقلية، ولتدخله في حقل القرآن والحديث ولاتصاله بالخلفاء، لم يتهم أحد ابن حبيب ولا شكّ [١] في صدقه لأنه لم يتعرض للقرآن ولأنه لم يكن محسودا ولم يكن له شهرة علمية كشهرة ابن الكلبي ولم يكن له جاه ولا منزلة في الدوائر الحاكمة ولدى طلاب العلم ولأنه كان يعيش معتزلا عن الناس ليست له حلقة التلامذة في الجامع ولأنه اشتغل بكسب رزقه كمؤدب وبكتبه في منزله. قال الخطيب في تاريخ بغداد ٢/ ٢٧٧ و ٢٧٨: كان ابن حبيب عالما بالنسب وأخبار العرب موثقا في روايته. وفي إرشاد الأريب ٦/ ٤٧٣: ذكره المرزباني (٢٩٧- ٣٧٨/ ٩٠٩- ٩٨٨) فقال: وقال عبد الله بن جعفر: من علماء بغداد باللغة والشعر والأخبار والأنساب الثقات محمد بن حبيب ويكنى أبا جعفر وكان مؤدبا ولا يعرف أبوه وإنما نسب إلى أمه وهي حبيب وهو ممن يروي كتب ابن الأعرابي وابن الكلبي وقطرب وكتبه صحيحة، وله مصنفات في الأخبار منها المحبر والموشى وغيرهما. وفي الفهرست ص ١٥٠: كان من علماء بغداد بالأنساب والأخبار واللغة والشعر والقبائل وعمل قطعة من أشعار العرب، روى عن ابن الأعرابي وقطرب وأبي عبيدة وأبي اليقظان وغير هم وكان مؤدبا وكتبه صحيحة. وليلاحظ هنا أن هذه الآراء عن صحة كتب ابن حبيب ليست صحيحة صحة مطلقة، [٢] فإنا نجد في المنمق أحيانا روايات ضعيفة يختارها بغير تحقيق، لأنها توافق هواه والهدف الذي يرمي إليه وهو إرضاء الأسرة الحاكمة، ففيه مثلا أحاديث عديدة واهية في مناقب قريش والعباس بن

стр. 6

عبد المطلب لم يوثقها نقدة الحديث وكذلك فيه تصريحات تناقض التي أوردها نفسه في المحبر وقد أشرت إليه في الحواشي. وإن كان ابن حبيب لم يشك فيما أعلم في صحة رواياته فإنه قدح في أمانته العلمية وذلك أنه كان يدخل مواد كتب المؤلفين الآخرين في كتبه دون أن يقر بذلك، قال المرزباني: وكان محمد بن حبيب يغير على كتب الناس فيدّعيها ويسقط أسماء هم، فمن ذلك الكتاب الذي ألفه إسماعيل بن [أبي] عبيد الله واسم أبي عبيد الله معاوية وكنيته هي الغالبة على اسمه، فلم يذكرها لئلا يعرف، وابتدأ، فساق كتاب الرجل من أوله إلى آخره فلم يخلطه بغيره ولم يغير منه حرفا ولا زاد فيه شيئا، فلما ختمه اتبع ذلك بذكر من لقب من الشعراء ببيت قاله ... وأحسب أن الذي حمله على ذلك أن كتاب إسماعيل هذا لم يكثر روايته ولا اتسع في أيدي الأدباء، فقدّر ابن حبيب أن أمره ينستر وأن إغارته عليه تميت ذكر صاحبه. وفي إسناد آخر للمرزباني: كان علي بن العباس الرومي يختلف إلى محمد بن حبيب لأن محمدا كان صديقا لأبيه العباس بن جورجس وكان يخص عليّا لما يرى من ذكائه، فحدث علّي عنه أنه كان إذا مر به شيء يستغرب ويستجيده يقول لي: يا أبا الحسن ضع هذا في تأمورك [١] . وكان كثير من أهل العلم الذين عاشوا في ظل الدولة أو تمنوا الاتصال بها والتمتع بجوائز الخلفاء والأمراء وبعز الجاه يؤلفون في المواضيع التي يقترحها الخلفاء وأمراؤهم أو التي تعجبهم أو توافق أهواءهم وآراءهم ونزعاتهم ثم يهدونها إليهم وينسبونها لهم، وكان من بين هذه المواضيع في أوائل العصر العباسي لتاريخ قريش وهم قبيلة الخلفاء ثم تاريخ الأسرة الحاكمة وهم بنو هاشم أهمية بالغة، فنرى المؤلفين منذ الربع الآخر للقرن الثاني إلى النصف الأول من القرن الثالث أنهم ألفوا عشرات من الكتب في تاريخ قريش في نواحيه المختلفة وحول شخصياتهم البارزة من سلالة عبد مناف وفي فضائل عبد المطلب والعباس وما إلى ذلك، وكان في طليعة هؤلاء المؤلفين عبد العزيز بن عمران القرشي المعروف بابن أبي ثابت الأعرج المدني (م ١٩٧/ ٨١٢) الذي انتقل من المدينة إلى بغداد واتصل بالوزير الكبير

стр. 7

للدولة يحيى بن خالد البرمكي وتخصص بالأنساب وتاريخ قريش. وأبو البختري وهب بن وهب المدني القرشي (م ٢٠٠/ ٨١٥) المتخصص بالفقه والأنساب والأخبار والذي اتصل بالدولة وتولى القضاء من قبل الرشيد ثم إمارة المدينة، وهشام ابن الكلبي (م ٢٠٦/ ٨٢١) وأبو عبيدة معمر (م ٢٠٩/ ٨٢٤) وقد عرفنا هذين من قبل، وإني ذاكر هنا الكتب التي ألفها هؤلاء الأربعة [١] في تاريخ قريش وأجداد الأسرة الحاكمة والتي اقتبس منها ابن حبيب في المنمق على نطاق واسع: ١- عبد العزيز بن عمران المعروف بابن أبي ثابت- كتاب الأحلاف- أي الأحلاف التي عقدتها قريش. ٢- أبو البختري وهب بن وهب (١) كتاب صفة النبي (٢) كتاب الفضائل الكبير وفيه فضائل قريش (٣) كتاب نسب ولد إسماعيل وفيه تاريخ قريش وبني عبد المطلب. ٣- هشام بن محمد الكلبي (١) كتاب حلف عبد المطلب وخزاعة. (٢) كتاب حلف الفضول وقصة الغزال (٣) كتاب المنافرات (٤) كتاب بيوتات قريش (٥) كتاب أخبار العباس بن عبد المطلب (٦) كتاب شرف قصي بن كلاب وولده في الجاهلية والإسلام (٧) كتاب ألقاب قريش. (٨) كتاب نوافل قريش (٩) كتاب صنائع قريش (١٠) جمهرة الأنساب. ٤- أبو عبيدة معمر بن المثنى (١) كتاب المنافرات (٢) كتاب الحمس من قريش (٣) كتاب خبر البراض (٤) كتاب القبائل (٥) كتاب الأيام. إن أقدم مؤلف عربي ذكر مؤلفات ابن حبيب فيما أعلم هو ابن النديم (م ٣٨٥/ ٩٩٥) الذي يقول في الفهرست ص ١٥٥: وله (يعني ابن حبيب) من الكتب: كتاب الأمثال على أفعل (٢) كتاب النسب (٣) كتاب السعود والعمود (٤) كتاب العمائر والربائع في النسب (٥) كتاب الموشح (٦) كتاب المؤتلف والمختلف في النسب (٧) كتاب المحبّر (٨) كتاب المقتنى (٩) كتاب غريب الحديث (١٠) كتاب الأنواء (١١) كتاب المشجر (١٢) كتاب الموشا

стр. 8

(الموشى) (١٣) كتاب من استجيبت دعوته (١٤) كتاب أخبار الشعراء وطبقاتهم (١٥) كتاب نقائض جرير وعمر بن لجأ [١] (١٦) كتاب نقائض جرير والفرزدق (١٧) كتاب المفوف [٢] (١٨) كتاب تاريخ الخلفاء (١٩) كتاب من سمي ببيت قاله (٢٠) كتاب مقاتل الفرسان (٢١) كتاب الشعراء وأنسابهم (٢٢) كتاب العقل (٢٣) كتاب كني [٣] الشعراء. (٢٤) كتاب السمات [٤] (٢٥) كتاب أمهات النبي ﷺ (٢٦) كتاب أيام جرير [٥] التي ذكرها في شعره (٢٧) كتاب أمهات أعيان بني عبد المطلب (٢٨) كتاب المقتبس (٢٩) كتاب أمهات السبعة [٦] من قريش (٣٠) كتاب الخيل (٣١) كتاب النبات (٣٢) كتاب الأرحام التي بين رسول الله وبين أصحابه سوى العصبة (٣٣) كتاب ألقاب اليمن [٧] ومضر وربيعة (٣٤) كتاب الألقاب (٣٥) كتاب القبائل الكبير والأيام. لا نجد في هذه القائمة ذكر المنمق، ويأتي ياقوت (م ٦٢٦/ ١٢٢٨) على نحو قرن بعد ابن النديم فيذكر ابن حبيب في إرشاد الأريب ويذكر مؤلفاته نقلا عن الفهرست ويضيف إلى قائمة ابن النديم خمسة كتب أخرى في الشعر والشعراء فيصير عدد مؤلفاته أربعين مؤلفا، ويقول ياقوت إن لابن النديم كتاب الأمثال على أفعل ويسمى المنمق، وهذه الزيادة ليست في الفهرست كما تعلم وهو مأخذ ياقوت غير أنه يموت على ربع قرن بعد ياقوت في ٦٥٠/ ١٢٥٢ وهو مؤلف شهير في اللغة صنف قاموسا عظيما سماه التكملة وجمع فيه ما فات الجوهري صاحب الصحاح وذيل عليها

стр. 9

واعتمد في جمعه على زهاء ألف كتاب ذكر قسما منها في آخر التكملة ومن بينها الكتب الآتية لابن حبيب: المنمق، والمنمنم، والمحبر، والموشى، والمفوف، والمؤتلف والمختلف، وما جاء اسمان أحدهما أشهر من صاحبه، وكتاب الطير، وكتاب النخلة، [١]- هذه تسعة كتب منها أربعة في قائمة الفهرست، وياقوت، والخمسة الباقية جديدة فتبلغ بها عدة مؤلفات ابن حبيب خمسة وأربعين [٢] مؤلفا والمطبوع منها فيما أعلم ستة وهي: المحبر، وكتاب المغتالين [٣] ، ومن لقب ببيت شعر قاله، وكنى الشعراء، وألقابهم، وأمهات النبي. ويظهر لي أن المنمق الذي ذكره الصغاني هو ليس كتاب الأمثال على أفعل كما قيل في إرشاد الأريب، بل هو كتاب تاريخ قريش الذي نحن في صدده، والدليل على ذلك أن طائفة من الكلمات الغريبة التي جاءت في المنمق لم أجدها في قاموس آخر مع بحثي عنها، ولعل سبب غرابة الكتاب وندرته أن فيه روايات حول الصحابة وأكابر الإسلام الأولين لا يرضاها المسلمون فإنها تلقى ضوءا منكرا على بعض شئون حياتهم، فلم ينل الكتاب حظا عند الناس ولم يروه الرواة ولم ينسخه النساخ فكسدت سوقه ولم يشتهر. والعجب الآخر أننا لا نعرف اسم الراوي الذي يقدم لنا المنمق فإن الكتاب يبتدئ بهذه العبارة: أخبرنا أبو الحسن محمد بن العباس الحنبلي قال: أخبرنا محمد بن حبيب، فمن هذا الذي يخبرنا عن أبي الحسن؟ ويزعم هذا المخبر المجهول أن أبا الحسن محمد بن العباس سمع عن ابن حبيب وهذا مستحيل لأن أبا الحسن محمد بن العباس لم يكن موجودا في حياة ابن حبيب البتة فإنه ولد حوالي سنة ٣١٠ هـ/ ٩٢٢ م ومات سنة ٣٨٤ هـ/ ٩٩٤ م وكان ابن حبيب قد توفي سنة ٢٤٥ هـ/ ٨٥٩ م نحو قرن ونصف قبل أبي الحسن، ويحتمل أن يكون هذا الإسناد منقوصا نقصه بعض النساخ ونستطيع أن نصلحه كما يلي: أخبرنا أبو الحسن محمد بن العباس عن أبيه عن أبي سعيد

стр. 10

السكري قال أخبرنا محمد بن حبيب، فإننا نستفيد من تاريخ بغداد للخطيب ٣/ ١٢٢ أن أبا الحسن محمدا وهو جامع عظيم للتاريخ والحديث والتفسير كان يروي عن أبيه العباس والعباس هذا كان يحدث عن أبي سعيد السكري تلميذ ابن حبيب وروايته. وتحتوى نسختنا وهي نقل التي بالمكتبة الناصرية بلكناؤ على ثلاثمائة وخمسين صفحة الخمسة الأخيرة منها لأبي سعيد السكرى تلميذ ابن حبيب الذي أكثر النقل عن شيخه وهو يذكر فيها وفادة عبد المطلب لسيف ابن ذي يزن مع شخصيات بارزة أخرى من قريش حين تملك سيف على اليمن بنصرة الفرس وأشار فيها إلى تكهن سيف عن بعثة محمد النبي في قريش، أدخل السكري هذه القصة لأن شيخه كطائفة من المؤرخين العظام مثل الطبري أغفل عنها وهي تتعلق بقريش. أما مسطر النسخة فهو ٤/ ٣ ٩ ضرب در ٨ وفي كل صفحة خمسة عشر سطرا بخط النسخ ويكثر فيها كما قلت من قبل الأخطاء والمحرفات. ولا يوجد فيها مقدمة ولا انتساب ولا فهرست وكذلك لا يوجد فيها تاريخ كتابتها، وإن أقدم تاريخ ختم الكتاب المكتوب في الصفحة الأخيرة منه لقارئه عبد الرحمن ابن يحيى الإدريسي هو ١١٩٩ هـ/ ١٧٨٤ م، ونقدر أن نستدل من هذا التاريخ ومن كثرة الأخطاء فيه على أن أصله بالناصرية بلكناؤ ليس قديما جدا، ربما لا يكون أقدم من ثلاثمائة سنة، ويوجد في النسخة بياض بقدر أربعة أسطر (ص ٥٠٢) تحت عنوان من حد من قريش، وإني بحثت عن هذا البياض في النسخة [١]

стр. 11

المنقولة عنها فإذا هو موجود فيها، يظهر أن ناسخا من نساخ الكتاب محا أسماء بعض الصحابة استنكارا لذكرهم فيمن ضرب في الخمر، وتشتمل النسخة على أخبار قريش كما صرح في أول صفحتها تحت اسم الكتاب- أي أخبارهم في الجاهلية وصدر الإسلام ولكن معظمها تتعلق بالجاهلية ولم يرد فيها ذكر القبائل الأخرى إلا ضمنا، وهذه الأخبار لا تتعدى خمسين سنة قبل ميلاد النبي ونحوها بعد الإسلام وهي تتضمن نواحي مختلفة من حياة قريش ولكنها ليست مرتبة حسب السنين أو الحوادث بل هي مجموعة روايات عن غير واحد من الرواة حول حوادث متفرقة في حياة قريش أو شخصياتهم البارزة، والنواحي التي استغرقت قسما كبيرا من الكتاب هي حروب الفجار وأحلاف قريش ودور لعبه فيهما أعيان قريش من بني عبد مناف، ومنافرات بني هاشم وبني عبد شمس وذكر ولاية الكعبة والصراع الذي جرى من أجلها بين الأسرتين، وذكر عمائدهما ثم حروب بني عدي بن كعب بن لؤي في الإسلام وهي الحروب التي جرت بين بني عمر بن الخطاب وبين بني جهم بن حذيفة وبني مطيع وجدهم واحد في منتصف القرن الأول، ويتخلل الكتاب أبيات لم أعثر على كثير منها في مراجعي. ومن مزايا المنمق أنه كتاب منفرد في بابه جامع لما لم يصلنا مجموعا حتى الآن في أخبار قريش وأنه يلقى ضوءا جديدا على بعض نواحيها الغامضة ويزيل عن أفقها بعض الغيوم. ومن مزاياه أنه لا يقتصر على روايات ابن الكلبي فحسب حول حادثة أو شخص بل أحيانا يورد عنهما روايات من رواة آخرين فنتمكن من المقارنة بينهما ومن إصلاح نقص وإزالة التباس أو إبهام يوجد في إحداهما. ومن مزاياه أن مؤلفه اجترأ على إيراد عدة أخبار تكشف القناع عن مساوي أكابر قريش المسلمين وزلاتهم كما نراها في فصول عقدها عن حروب بني عدي وعمن حد من الصحابة وأبنائهم في الخمر والسرق. ومن مزاياه أنه يحتوي على قسط وافر من مواد جديدة لم أطلع عليها في أمهات مراجعي المطبوعة كسيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد والجزء الأول

стр. 12

المطبوع من أنساب الأشراف، ونسب قريش لمصعب الزبيري، وأخبار مكة للأزرقي، والمحبر، وشرح نهج البلاغة، ويظهر من إحصائي أن مواد أكثر من نصف الكتاب لا يشترك فيها مشترك من الكتب المطبوعة التي بأيدينا، أما المحبر وهو في خمسمائة صفحة فلا يزيد ما يشركه مع المنمق من المضمون أكثر من نحو خمسين صفحة. ومن عيوب الكتاب أنه مسودة لم تبيض ولم تنقح ولم تهذب وأحسب أن ابن حبيب جمعه كدفتر للمراجعة والاقتباس والاستفادة عند تأليف كتبه وأنه لم يجمعه كما هو للنشر والرواية. ويبدو أن الكتاب وقع بعد موته إلى أحد تلامذته فرواه كما وجده. ومنها أن أمارات العجلة وضعف التأليف وسوء صياغة العبارة ظاهرة في كل صفحة منه، فقلما تجد في نصوصه النثرية كلاما محكم السبك، متراصف النظم، منسوجا على منوال البلاغة وإني ذاكر فيما يلي ثلاثة أمثلة على ذلك: ١- وخرج بشر بن أبي خازم حتى تقدم سوق عكاظ فيجد الناس بعكاظ- ص ١٦٨. ٢- ثم إن الناس تداعوا إلى السلم على أن يدي الفضل من القتلى الذين فيهم- أي الفريقين الفضل على الآخر، ص ١٨٣- يريد أن يقول: ثم إن الناس تداعوا إلى السلم على أن يدي من عليه الفضل في القتل الفضل إلى أهله. ٣- وأجار لهم أموالهم بعدهم من الخروج عبد الله ابن معرور- ص ٢٦٩. ومنها أنه يذكر أحيانا في الإسناد ونص الكتاب اسم رجل دون نسبه أو يأتي بكنية راو دون ذكر اسمه ونسبه أو يقتصر على ذكر نسبته مع أن عدة رواة يشتركون معه في الكنية فيسبب الالتباس والإبهام وأنا أسوق لك أمثلة: ١- قال أرطاة ص (١٠٣) لم يصرح من هو. ٢- الشفاء بنت عبد الله ص (٣٠٢) لم يسق نسب عبد الله.

стр. 13

٣- قالت أم أبان ص (٣١٩) يعني بنت عثمان بن عفان ولم يذكر نسبهما. ٤- بنو أبي عمرو ص (٣٢٤) لم يصرح من هو. ٥- قالت الجرهمية ص (٢٨٢) لم يبين اسمها. ٦- حدث الوقاصي ص (٣٤١) لم يذكر اسمه ولا نسبه. ٧- قال أبو بكر ص (٨٩، ١٠٩، ١٧٢، ٤٢٤) لم يذكر اسمه وهنالك عدة رواة بهذه الكنية. أما قولي: إن المنمق مسودة لم تبيض ولم تنقح فتؤيده شهادة خارجية أيضا وذلك أننا إذا قارنا بينه وبين المحبر وموضوعه أيضا التاريخ، وبعض معارف هذا وذاك مشترك فإنا لا نجد في الآخر العيوب التي نسبنا إلى الأول من أمارات العجلة وضعف التأليف وابتذال العبارة والتلبيس في إيراد الرواة ولو أن المؤلف خلط بعض التخليط هنا أيضا [١] وإنا نجد في المنمق بعض التصريحات غير صحيحة إذا عارضناها بالمراجع الأخرى ولكن هذه التصريحات وردت صحيحة في المحبر- أي أن المؤلف انتبه لها وأصلحها حين ألّف المحبر، وهذه شهادة أخرى على صحة قولي. وأستدل من هذا أيضا على أن المحبر ألّف بعد المنمق، والمحتمل عندي أنه وضعه حوالي سنة ٢٣٢ هـ/ ٨٤٦ م في أواخر أيام الواثق العباسي أو بعيد وفاته وأنه جمع المنمق في أواخر أيام المعتصم الذي حكم من سنة ٢١٨ هـ/ ٨٣٣ م إلى سنة ٢٢٧ هـ ٨٤١ م أو بعد قليل من وفاته. وكان محمد بن حبيب مؤلفا مغمورا لا يعرفه إلا قليلون. ومع أن مؤلفاته كثيرة وفي مختلف نواحي العلم كالتاريخ والأنساب واللغة والشعر لم يرد ذكره وذكر ما حواه كتبه في أمهات المؤلفات المطبوعة إلا قليلا، وقد أهملها المؤلفون إهمالا وعني بمروياته قليل منهم ومن الأولين الطبري فإنه لم يقتبس من ابن حبيب شيئا في تاريخه والبلاذري الذي لم يذكره مرة واحدة في فتوح البلدان وذكره

стр. 14

مرتين فحسب في الجزء الأول المطبوع من أنساب الأشراف، ولهذا الإهمال أسباب، منها أن ابن حبيب في الغالب جامع يلتقط من الكتب المدونة ما يعجبه وما يستغربه وليس باحثا واسع النطاق كهشام بن محمد الكلبي، وأبي عبيدة معمر، وعوانة، والواقدي، وكان كتب هؤلاء موجودة وفي متناول المؤلفين الكبار في القرن الثالث والرابع فراجعوها واجتنوا منها وأغفلوا عما التقطه ابن حبيب من تلك، ومنها أن ابن حبيب لم ينل من الجاه والصيت في المجتمع وعند أرباب الدولة ما ناله مثلا هشام وأبو عبيدة والواقدي، وعاش عيش العزلة فلم تكن له حلقات الدرس في الجوامع ولم يكن له تلامذة كثيرون من العوام، والتلامذة كما تعرف من أكبر أسباب ذيوع شهرة عالم وإشاعة كتبه ولم يرزق ذلك ابن حبيب، فلم تزل كتبه مغمورة لا يعرفها إلا قليلون ولا يرويها إلا بعض تلامذته من بينهم تلميذه الأكبر أبو سعيد السكري، ومنها أنه أحيانا لا يستوفي الإسناد ولا يبين أسماء رواته كأنه يحاول التلبيس، ومنها أنه اتهم بإدخال كتب المؤلفين المستورين في كتبه فأعرض عنه المحتاط واتقاه الوقور. أما الذين عنوا به بعض العناية فهم غير المؤرخين البحت الذين وقفوا همتهم على سرد الحوادث المشهورة من تاريخ الجاهلية والإسلام حسب السنين والأسر الحاكمة وإنما هم غالبا أصحاب النسب والغريب والنوادر والأيام واللغة والشعر، فمنهم مثلا أبو الفرج الأصفهاني الذي يقتبس أحيانا النوادر والأشعار من كتب ابن حبيب وأئمة اللغة كالصغاني والزبيدي البلغرامي الهندي اللذين يقتبسان منه النسب والغريب واللغة والشعر في التكملة وتاج العروس. وفي الختام أود أن أبين الأهداف التي جعلتها نصب عيني عند كتابة الحواشي: ١- ضبط الأسماء الغير المألوفة وهي كثيرة في الكتاب، والألفاظ التي من شأنها أن تقرأ خطأ، وإني ضبطتها مستندا إلى تاج العروس ولم أصرح اسمه مراعاة للإيجاز واتقاء عن تكرار اسمه مرارا في الصفحة وإذا كان مأخذ الضبط غير تاج العروس أشرت إليه. ٢- ضبط أسماء الأمكنة وصفتها.

стр. 15

٣- تصحيح الأغلاط الهجائية والكلمات المحرفة بقدر المستطاع، وإذا لم يتضح لي كلمة اعترفت بعجزي. ٤- مقارنة مواد المنمق بمثلها في الكتب الأخرى وتصحيح أغلاطها وإصلاح نقص مضمون المواد بها والإشارة إلى اختلاف نص الروايات المماثلة نثرا ونظما في المراجع الأخرى وإلى أخطائها إذا وجدت. ٥- شرح غوامض النص واستعنت في هذا بأمهات القواميس لا سيما تاج العروس. خورشيد أحمد فاروق جامعة دهلي ٤ سبتمبر سنة ١٩٦٤ م

стр. 16

[مقدمة المؤلف فى نسب قريش وآبائهم] بسم الله الرحمن الرحيم كتاب المنمّق في أخبار قريش لمحمد بن حبيب البغدادي أخبرنا أبو الحسن محمد بن العباس الحنبلي قال: أخبرنا محمد بن حبيب قال: أول ما ذكر من أحاديث قريش ما خصها الله به من الفضل والمن به على سائر الخلق وأنه بعث منها نبي الرحمة وأنزل عليه القرآن بلسانها، قال الله تعالى: وَما أَرْسَلْنا من رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ ١٤: ٤ [١] ، فلغة قريش أفصح اللغات ونسبها أصح الأنساب، ومن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه قال: «ما افترقت فرقتان إلا كنت في خيرهما» وقوله الحق، وذلك أن الناس من لدن آدم إلى نوح عليهما الصلاة والسلام انقرضوا فكان النسل بعد لنوح، وافترقت بنو نوح فرقا شتى، وفضّل الله سام بن نوح على إخوته وجعل العرب من ولده والأنبياء أجمعين إلا إدريس، ثم افترقت بنو سام فرقا، ففضل الله أرفخشذ [٢] بن سام على إخوته لما جعل في نسله من الأنبياء، فمنهم خليل الله [٣] والذبيح [٤] ونجي الله [٥] وروح الله [٦] وكلمته، وحبيب الله [٧] صلى الله

стр. 17

عليهم أجمعين، ثم افترق ولد أرفخشذ فرقا فمنهم قحطان وجرهم [١] وحضرموت والسلف [٢] والموذ [٣] وعدنان، ففضل الله عدنان على قحطان وإخوته، ثم افترق بنو عدنان فرقا ففضل الله نزار بن معدّ بن عدنان عليهم، ثم افترق بنو نزار فرقا ففضل الله مضر [٤] على سائرهم، ثم افترق بنو مضر فرقتين: إلياس والناس، وهو عيلان [٥] ، ففضل الله إلياس على الناس، ثم افترق بنو إلياس فرقتين: مدركة وطابخة، ففضل الله مدركة على طابخة، ثم افترق بنو مدركة فرقتين: خزيمة [٦] وهذيلا [٧] ، ففضل الله خزيمة على هذيل، ثم افترق بنو خزيمة فرقا: أسدا [٨] وكنانة والهون [٩] ، ففضل الله كنانة على أخويه، ثم افترق بنو كنانة فرقا، فضل الله النضر على سائرهم، ثم افترق بنو النضر فرقتين: مالكا [١٠] ويخلد [١١] ، ففضل الله مالكا [١٠] على يخلد، ثم افترق بنو مالك فرقتين: فهرا [١٢] والحرب، ففضل الله فهرا على الحرب، ثم افترق بنو فهر فرقا، ففضل الله غالبا على سائرهم، ثم افترق ولد غالب فرقا ثلاثا، ففضل الله لؤيًّا [١٣] على سائرهم، ثم افترق بنو لؤي فرقا، ففضل الله كعبا على إخوتهم، ثم افترق بنو كعب ثلاث فرق: عديّ وهصيص [١٤] ومرّة،

стр. 18

ففضل الله مرة على أخويه، ثم افترق بنو مرة ثلاث فرق: كلاب وو يقظة [١] ، ففضل الله كلابا على أخويه، ثم افترق بنو كلاب فرقتين: قصيا [٢] وزهرة، ففضل الله قصيا على زهرة، ثم افترق بنو قصي أربع فرق عبد مناف وعبد الدار وعبد العزّى وعبد بني قصي، ففضل الله عبد مناف على سائرهم ثم افترق بنو عبد مناف أربع فرق: هاشم وعبد شمس والمطّلب ونوفل، ففضل الله هاشما على إخوته، ثم افترق بنو هاشم، فرقا فدرجوا كلهم وانقرضوا والبقية منهم لعبد المطلب بن هاشم فبعث الله نبيه ﷺ وله أربعة أعمام: حمزة والعباس وأبو طالب وأبو لهب فاتبعه اثنان وخالفه اثنان، ففضل الله فرقة- التي تبعته على التي خالفته-. وقال الكلبي [٣] في أسانيده: فضّل الله العرب على العجم لأنهم كانوا لا ينكحون البنات ولا الأخوات، وفضل الله مضر بن نزار على سائر العرب لأنهم [٤] كانوا أعلمهم بسنة إبراهيم صلى الله عليه وعلى محمد وآله وألزمهم لمناسكه، وفضل الله قريشا على سائر مضر لأنهم [٤] كانوا لا يظلمون الجار ولا يغير بعضهم على بعض، وفضل الله بني هاشم على قريش لأنهم [٤] كانوا أوصلهم للأرحام وأكفهم [٥] عن الآثام، وفضل الله بني عبد المطلب على سائر بني هاشم بولادة محمد صلى الله عليه وعلى آله، وفضل الله محمدا صلى الله عليه على سائر بني عبد المطلب لأنه [٦] كان خيرهم وأبرهم وأصدقهم وأوصلهم ﵌. وقال محمد بن سلّام الجمحي في أسانيده: إن النبي صلى الله عليه قال: «إن الله اختار من الناس العرب، ثم اختار من العرب مضر، ثم اختار من مضر كنانة، ثم اختار من

стр. 19

كنانة قريشا، ثم اختار من قريش بني هاشم، ثم اختارني ممن أنا منه» [١] . وقال محمد بن سلام الجمحي في حديث آخر: إن رسول الله ﷺ قال: «أتاني جبريل [٢] ﵇ فقال: لقد بلغت الأرض شرقها وغربها و [٣] شمالها ويمينها [٣] فما وجدت خيرا من قريش ولا وجدت في قريش خيرا من هاشم» . وأخبرني هشام [٤] بن محمد الكلبي قال: حدثني أبو زفر الكلبي عن عمه عمارة بن جرير عن أثال [٥] بن حضرمي الأسدي قال: سمعت أشياخنا يذكرون أن برّة بنت مر لما أهديت [٦] إلى خزيمة بن مدركة رأت في المنام كأنها ولدت غلامين [٧] من خلاف [٧] بينهما سابياء [٨] قالت: فبينا أنا أنظر إليهما إذ [٩] أحدهما قمر يزهر والآخر أسد يزئر! فأخبرت بذلك خزيمة، فأتى كاهنة

стр. 20

كانت بمكة يقال لها سرحة [١] ، فقص عليها الرؤيا فقالت: إن صدقت رؤياها فتلدنّ منك غلاما يكون منه قوم لهم أنفس باسلة وألسنة سائلة، ثم تخلف عليها بعض ولدك فتلد منه غلاما يكون لولده [٢] عدد وعدد [٣] وقروم [٤] مجد [٥] وعز [٥] إلى آخر الأبد، فولدت له أسد بن خزيمة ثم خلف عليها كنانة، فولدت له النضر. قال: وأتي كنانة وهو نائم [٦] في الحجر [٧] فقيل له: اختر يا أبا النضر بين الصهيل والهدر [٨] أو عمارة الجدر و [٩] عزّ الدهر! فقال: كلّا يا رب! فجعل الله ذلك كله في قريش. وروى جماعة من غير طريق أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله اصطفى من العرب كنانة فكنانة عزة العرب» وقال ﷺ : «أريت [١٠] جوّ بني كنانة فرأيت سرجا فيها سراج أعشاها، فأولت أن قريشا ذلك السراج» وأخبرني هشام بن محمد عن عبد الحميد المجد بن عبس الأنصاري عن بعض قومه عن الشعبي قال قال رسول الله ﷺ : «أريت الجدود فرأيت جد قريش روضة خضراء [١١] منها الماء، فأولت ذلك كثرة الأموال والتدفق بالنوال. ولما قدم صعصعة بن ناجية على رسول الله ﷺ وافدا مسلما سأله

стр. 21

رسول [الله] [١] ﷺ عن علمه بمضر، فقال: كنانة وجهها الذي فيه سمعها وبصرها، وتميم كاهلها، وقيس أظفارها. قالوا: وسأل معاوية بن أبي سفيان ليلى الأخيلية عن مضر فقالت: فاخر بكنانة وحارب بقيس وكاثر بتميم. وروي أن النبي ﷺ قال: قريش ملح هذه الأمة كالملح في الطعام! فهل يصلح الطعام إلا بالملح [٢] . وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «اللهم! إنك جعلت هذا الإسلام الذي جئت به رحمة للعالمين وذكرا لقريش فتوكل لي بقريش» . وقال رسول الله ﷺ : «الناس تبع لقريش، مؤمنهم لمؤمنهم وفاجرهم لفاجرهم. وروي عنه أيضا أنه قال ﵇: «قريش صلب الناس! فلا يبقى أحد بغير صلب» . وقال أيضا: «قريش أئمة العرب في الخير والشر إلى يوم القيامة» . وقال ﷺ : «لا تقدموا قريشا فتضلوا! ولا تخلّفوا عنها فتهلكوا! ولا تعلّموها فهي أعلم منكم» . وقال/ ﷺ : «ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى- بآبائنا أنت وأمهاتنا! قال: فإني كائن لكم يوم القيامة على الحوض فرطا [٣] وإني سائلكم عن القرآن وعن قومي! فلا تقدموا قريشا فتضلوا! ولا تخلفوا عنها فتهلكوا! ولا تعلموا قريشا فهم أعلم منكم! ولولا أن تبطر قريش لأعلمتها ما لها عند الله» . قال: وقدمت [٤] أمامة [٥] بنت يزيد بن عمرو بن الصعق [٦] على معاوية فقال لها: خبّريني عن هذا الحي من مضر! فقالت: أما ناصية مضر فهذان [٧] الحيان من ابن [٨] خزيمة، وأما

стр. 22

أظفارها التي بها تحارش [١] فهذا الحي من قيس، فقال معاوية: فأين بنو تميم؟ قالت: تلك الكاهل المحمول عليها والكرش [٢] المأكول فيها. قال: فحدثيني عن قيس مضر [٣] ! قالت: أما جمجمة قيس فغطفان، وأما أضراسها [٤] التي تأكل بها فبنو سليم، وأما خيشومها الذي تنفس فيه فبنو عامر. وقالت ليلى الأخيلية [٥] لمعاوية وسألها [٦] عن مضر فقالت: قريش قادتها وسادتها، وتميم كاهلها وكرشها، وقيس فرسانها وخطاطيفها [٧] . وقال صعصعة بن ناجية لرسول الله ﷺ : «يا رسول الله! أنا أبصر الناس بمضر! تميم هامتها [٨] وكاهلها الشديد الذي تنوء [٩] به وتحمل عليه، وكنانة وجهها الذي/ فيه سمعها وبصرها، وقيس فرسانها، ولجومها وأسد لسانها، فقال النبي ﷺ : صدقت» وقال رسول الله ﷺ : «تركت فيكم كتاب الله وعترتي [١٠] ! لن تضلوا ما تمسكتم بهما» . وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن يغلب الله لي قريشا أغلب سائر العرب» . قالوا [١١] : ولما رجع رسول الله ﷺ من غزاة بدر منصرفا إلى المدينة تلقاه الأوس والخزرج يهنئونه بفتح الله عليه فقال سلمة [١٢] بن سلامة بن

стр. 23

وقش [١] الأنصارى: بماذا تهنئونا؟ فو الله! إن قتلنا [٢] إلا عجائز صلعا كالإبل [٣] المعلقة [٣] ، فقال رسول الله ﷺ وسمعه «أولئك الملأ من قريش: أما! لو قد أسلموا ثم رأيتهم لهبتهم ولو أمروك لأطعتهم ثم لحقّرت أفعالك مع فعالهم» . قال: فلقد رأيتني في المدينة وإني لألقي الرجل منهم في الطريق فأتنحى [٤] عن طريقه هيبة له حتى يمر ثم أقول: صدق الله ورسوله، فبقريش فضل الله العرب على سائر الأمم وخوّلهم إياهم وأورثهم ديارهم وأموالهم ومكّن لهم في الأرض، وقريش أوسط العرب بيتا وأطولها [٥] عمادا وأثبتها [٦] أوتادا وأوشجها [٧] أصلا وأنضرها [٨] عودا وأبسقها [٩] فرعا [١٠] وكانوا في الجاهلية قبل أن يصل الله لهم ذلك بفضيلة النبوة يسمون أهل الله ويسمون سكان الله وأهل الحرمة وقطّان بيت الله، وقد قال عبد المطلب لأبرهة الأشرم صاحب الفيل حين سأله أن يرد عليه إبله فقال له الأشرم: هلا [١١] سألتني الانصراف عن الذي قصدت له من هدم شرفك وهتك حرمتك؟ فجرى بينهما خطاب قد أثبتناه في حديث الفيل في آخر هذا الجزء، وقال عبد المطلب: (الرمل) نحن أهل الله في حرمته [١٢] ... لم تزل فينا على عهد قدم [١٣]

стр. 24

إن للبيت [١] لرباًّ مانعا ... من يرده [٢] بأثام [٣] يخترم [٤] وقال الله : أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً من لَدُنَّا ٢٨: ٥٧ [٥] . فمن مكارمهم في الجاهلية أنهم كانوا على حالة شركهم يترافدون على سقاية الحاجّ وإطعام أهل الموسم وحمل المنقطع به من الحاج ومعونته على بلاغ منزله، فكان القيّم بذلك في زمانه هاشم بن عبد مناف، فكانت قريش تجمع إليه الفضول من أموالها أيام الحج، ويقال: إنه كان عليه الربع من ذلك في ماله لما ذكرنا، وله يقول مطرود بن كعب الخزاعي: (الكامل) عمرو [٦] العلى [٧] هشم الثريد لقومه ... ورجال [٨] مكة مسنتون [٩] عجاف كانت [١٠] إليه الرحلتان كلاهما ... سفر الشتاء و [١١] رحلة الأصياف

стр. 25

يا أيها الرجل المحوّل رحله ... هلا [١] نزلت بآل [١] عبد مناف هبلتك أمك لو نزلت [٢] عليهم [٣] ... ضمنوك [٤] من جوع [٥] ومن إقراف [٦] ثم قام به بعده ابنه عبد المطلب فزاد في سنة أبيه وأضعف في مكارم قريش، فكان إذا كان أيام الحج أعدّ للحجاج الطعام ووضع [٧] الأعلاف للوحوش وكان يسمى «مطعم الناس في السهل، والوحوش والسباع في الجبل» . ومن مكارم قريش أن بيت الله كان في أيديهم ومفاتيحه كانت إليهم، لا يفتحه أحد من أهل الشرق والغرب غيرهم، فهذه مكارم فضلوا بها العرب والعجم، وقال الله تعالى يذكر عن قول إبراهيم: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ من ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً من النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ ١٤: ٣٧ [٨] فمكثوا في الجاهلية كذلك مع مكارم كثيرة هذه من مشهوراتها حتى وصل الله ﵎ لهم ذلك بالإسلام والنبوة والخلافة، وكانت قريش في الجاهلية أصراما [٩] متفرقين في كنانة فجمعهم قصى بن كلاب من كل أوب [١٠] بمكة فسموا قريشا، والتقرش التجمع، وفي ذلك يقول الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب: (الخفيف) ولنا نشرها وطيب ثراها ... وبنا سميت قريش قريشا

стр. 26

وفيهم يقول حذافة [١] العدوي: (الطويل) أبوكم [٢] قصي [٢] كان [٣] يدعى مجمّعا به جمّع الله القبائل من فهر/ وذكر هشام بن محمد عن بشر الكلبي عن أبيه قال: كان يقال لقريش قبل قصي بن كلاب: بنو النضر، وكانوا متفرقين في ظهر مكة [٤] ، لم يكن بالأبطح [٥] أحد منهم، فلما أدرك قصي بن كلاب واجتمعت عليه خزاعة وبنو بكر بن عبد مناة بن كنانة وصوفة [٦] فمنهم الغوث بن مرّ [٧] بعث إلى أخيه من أمه رزاح [٨] بن ربيعة بن حرام [٩] بن ضنّة [١٠] بن [١١] عبد بن كبير [١١] بن عذرة [١٢] وأم قصي فاطمة بنت سعد بن سيل [١٣] وهو خير [١٤] بن حمالة [١٥] بن عوف (بن

стр. 27

غنم-[١] بن عامر- وهو الجادر، أول من بنى جدار الكعبة- ابن عمرو بن جعثمة [٢] بن يشكر [٣] بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن معد بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، ولسعد بن سيل [٤] يقول هون [٥] بن أبي عمرو العذري: (الرمل) ما أرى في الناس [٦] شخصا واحدا [٦] ... [٧] كلهم مثلك سعد [٧] بن سيل [٤] فارس أضبط [٨] فيه هوج [٩] ... فإذا ما لقي [١٠] البأس نزل فارس يستدرج الخيل كما ... استدرج [١١] الحر القطامي الحجل [١٢] وكان جعثمة خرج أيام خرجت الأزد من مأرب فنزل في بني الديل [١٣] بن بكر بن عبد مناة بن كنانة فحالفهم وزوّجهم [١٤] وزوجوه،

стр. 28

وكانت [١] فاطمة أم قصي عند كلاب بن مرة فولدت له زهرة، ثم مكث دهرا حتى شيّخ وذهب بصره./ ثم ولدت له قصيا [٢] ، قال هشام [٣] سمّي قصيا لأن أمه تقصّت به إلى الشام، وقدم ربيعة بن حرام [٤] العذري حاجا فتزوجها، فحملت قصيا غلاما معها إلى الشام فولدت لربيعة رزاحا [٥] وحنّا [٦] ، فجرى بين قصي وبين غلام من عذرة كلام فنفاه العذري وقال: والله ما أنت منا! فأتى أمه فقال لها: من أبي؟ فقالت: ربيعة أبوك، فقال: لو كنت ابنه ما نفيت، قالت: فأبوك والله خير منه وأكرم، أبوك كلاب بن مرة من أهل الحرم، قال فو الله لا أقيم ههنا أبدا! قالت: فأقم حتى يأتي [٧] ابّان [٨] الحج! فلما حضر ذلك بعثته مع قوم من قضاعة وزهرة حي، فأتاه وكان زهرة أشعر وقصي أشعر فقال له قصي: أنا أخوك، فقال زهرة: ادن مني! فلمسه وقال: أعرف والله الصوت والشبه! ثم إن زهرة مات وأدرك قصي فأراد أن يجمع قومه بني النضر ببطن مكة فاجتمعت عليه خزاعة وبكر وصوفة [٩] فكثروه، فبعث إلى أخيه رزاح، فأقبل في جمع من الشام وأفناء [١٠] قضاعة حتى أتى مكة، وكانت صوفة هم يدفعون بالناس [١١] ، فقام رزاح على الثنية [١٢] ثم قال: أجز قصي! فأجاز بالناس، فلم تزل الإفاضة في بني قصي إلى اليوم، ثم أدخل بطون قريش كلها الأبطح [١٣] إلا محارب بن فهر والحارث بن فهر

стр. 29

وتيم الأدرم [١] بن غالب [٢] ومعيص بن عامر بن لؤي،/ فهؤلاء يدعون الظواهر فأقاموا بظهر مكة. إلا أن رهطا من بني الحارث بن فهر وهم رهط أبي عبيدة بن الجراح نزلوا الأبطح، فهم مع المطيّبين، وكان أول مال أصابه قصي [٣] بن كلاب أنه كان رجل من عظماء الحبشة أقبل إلى مكة بتجارة فباعها ثم انصرف يريد أهله فتبعه قصي وقتله وأخذ ماله فتزوج حبّى [٤] بنت حليل [٥] بن حبشيّة [٦] فولدت له أربعة نفر: عبد الدار، وعبد العزى، وعبد مناف، وعبد بني قصي، وكان قصي يقول: ولد لي أربعة نفر فسميت اثنين بإلهي وواحدا بداري وواحدا بنفسي، وكان قصي شريف أهل مكة لا ينازعه احد في الشرف، فابتنى دار الندوة [٧] ، ففيها كانت تكون أمور قريش فيما ينوبهم وفيما أرادوا من نكاح أو حرب أو مشورة [٨] وما عساه [٨] ينوبهم حتى إن كانت الجارية لتبلغ [٩] أن تدرع فلا يشق درعها إلا فيها [١٠] تيمنا بها وتعظيما لها وتشريفا لأمرها وشأنها قال: فلما كبر قصي ورقّ [١١] جعل الحجابة والندوة والسقاية والرفادة واللواء لعبد الدار وكان أكبر ولده وكان ضعيفا مسنا، فخصه بذلك ليلحقه باخوته، وكانت الرفادة خراجا [١٢] تخرجه قريش من أموالها

стр. 30

لضيافة [١] الحاج، فلما هلك قصي أقام عبد مناف على أمر قصي وقام بأمر قريش فأسندت إليه قريش بعد موت أبيه أمورها واختطّ بمكة رباعا واتخذ أموالا بعد الذي كان قصي قطع لقومه، فهلك عبد مناف يوم هلك فكان ما سميّنا لعبد الدار، ثم إن بني عبد مناف أرادوا أخذ ذلك منهم وقالوا: نحن أحق به، فأبت عليهم بنو عبد الدار فتفرقت قريش وتباينت عند ذلك وتشتّت أمرها وتفرقت كلمتها، وكان مع بني عبد مناف بنو أسد بن عبد العزى وبنو زهرة بن كلاب وبنو تيم [٢] بن مرة وبنو الحارث بن فهر، وكان مع بني عبد الدار بنو سهم بن عمرو وبنو جمح [٣] بن عمرو وبنو مخزوم بن يقظة [٤] وبنو عدي بن كعب، وخرجت بنو عامر بن لؤي من الفريقين جميعا، فبنو عبد مناف وخلفاؤهم يقال لهم: المطيّبون، [٥] وبنو [٥] عبد الدار وحلفاؤهم يقال لهم: الأحلاف، فأخرجت عاتكة بنت عبد المطلب جفنة فيها طيب، فغمسوا أيديهم فيه فسموا المطيبين، ونحر الآخرون جزرا [٦] فغمسوا أيديهم في دمها فسموا الأحلاف ولعقة الدم،/ لأن الأسود بن حارثة العدوي لعق من الدم ولعقت معه بنو عدي، فلما كادوا يفشلون [٧] وعبّيت [٨] كل قبيلة لقبيلة فعبّيت [٩] بنو عبد مناف لبني سهم وبنو عبد الدار لبني أسد وبنو مخزوم لبني تيم [١٠] وبنو جمح لبني زهرة وبنو عدي لبني الحارث بن فهر، ثم إنهم مشوا في

стр. 31

الصلح على أن تعطى بنو عبد مناف السقاية وبنو أسد الرفادة وتركت الحجابة والندوة واللواء لبني عبد الدار، وقد كان المطيبون انطلقوا إلى كاهنة بمكة فقصوا عليها قصتهم وقصة أصحابهم، فقالت: صنعتم صنع النساء بغمسكم أيديكم في الطيب وصنعوا صنع الرجال بغمسهم أيديهم في الدم، قال أبو المنذر [١] : فجرى بين القوم الشر حتى كادوا يقتتلون، فصارت الحجابة واللواء لبني عثمان بن عبد الدار وليها يومئذ منهم أبو طلحة بن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار وصارت الندوة إلى عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، فلما كان زمن معاوية باع [٢] دار الندوة [٢] عكرمة بن عامر بن هاشم من معاوية بمائة ألف درهم فهي اليوم للامارة [٣] ، وإنما سميت الندوة لأن قريشا كانوا ينتدون فيها/ الخير والشر ويتيمنون [٤] بها لأنها دار قصي، وقال ابن قيس [٥] الرقيات: (الخفيف) [٦] إنها بين عامر بن لؤي ... حين تدعى وبين عبد مناف ولها في المطيبين جدود [٧] ... ثم نالت ذوائب [٨] الأحلاف وذكروا أن أكثم [٩] بن صيفي قال: دخلت البطحاء بطحاء مكة، فإذا أنا ببني عبد المطلب يخترقونها كأنهم أبرجة الفضة، وكأن عمائمهم نوق الرجال ألوية، يلحفون الأرض بالحبرات [١٠] ، فقال أكثم: يا بني تميم! إذا

стр. 32

أراد الله أن ينشئ دولة أنبت لها مثل هؤلاء [١] ، هذا غرس الله لا غرس الرجال. قال هشام [٢] : لم يكن في العرب عدة بني عبد المطلب أشرف [٣] منهم ولا أجسم [٤] ، ليس منهم رجل إلا أشم العرنين يشرب أنفه قبل شفتيه [٥] ويأكل الجذع [٦] ويشرب الفرق [٧] وقال قرّة بن حجل [٨] بن عبد المطلب يوم أجنادين [٩] : (الكامل) اعدد ضرارا [١٠] إن عددت فتى الندى ... والليث حمزة واعدد العباسا واعدد زبيرا والمقوم [١١] بعده ... والصتم [١٢] حجلا والفتى الدرفاسا [١٣]

стр. 33

وأبا عتيبة [١] فاعددنه ثامنا ... والقرم [٢] عبد منافنا الجسّاسا [٣] والقرم [٤] غيداقا [٥] تعد [٦] جحاجحا [٧] ... سادوا على رغم العدو الناسا والحارث الفياض ولي ماجدا ... أيام نازعه الهمام الكاسا ما في الأنام عمومة كعمومتي ... حقا [٨] ولا كأناسنا آناسا قال: الفرق [٩] محركة الراء ستة عشر رطلا، والفرق مسكنة الراء مائة وعشرون رطلا، ومنه قالت عائشة رحمها الله: «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من الجنابة بذلك الإناء» وأشارت إلى ظرف يسع فرقا. ولم يسلم من أعيان بني عبد المطلب إلا حمزة والعباس رحمهما الله، قال والعقب من بني عبد المطلب للعباس وأبي طالب والحارث وأبي لهب، وقد كان للزبير والمقوم وحجل أولاد لأصلابهم [١٠] فهلكوا وكان ضرار بن عبد المطلب من فتيان قريش جمالا وعقلا وهيبة وسخاء وإن أمه نتيلة [١١] أضلته، فكاد

стр. 34

عقلها يذهب جزعا عليه وكانت كثيرة المال، فجعلت تنشد في المواسم وتقول: (الرجز) أضللته أبيض لوذعيا [١] ... لم [٢] يك مجلودا [٣] ولا دعيّا وقالت: (الرجز) أضللته أبيض كالخصاف [٤] ... للفتية الغر بني مناف ثم لعمري منتهى الأضياف ... هذي [٥] لفهر [٥] سنة الإيلاف [٦] / فجعلت لمن جاء به هنيدة [٧] ونذرت أن تكسو البيت إن رده الله عليها، فمر بها حسان بن ثابت حاجا في نفر من قومه فرأى [٨] جزعها عليه، فقال [٩] : (الطويل) وأم ضرار تنشد [١٠] الناس والها ... فيا لبني النجار ماذا أضلّت ولو أن ما تلقى [١١] نتيلة غدوة [١٢] ... بجانب [١٣] رضوى [١٤] مثله ما استقلت

стр. 35

فأتاها به رجل من جذام، فوفت له بجعلها وكست البيت ثيابا بيضا وجعلت تقول: (الرجز) الحمد لله ولي الحمد ... والذي هوّن من وجدي إذ رد ذو العرش على ولدي ... من بعد [١] ان جوّلت في [٢] معد [٣] اشكره ثم أفي بعهدي فضائل العباس بن عبد المطلب ﵁ قال هشام الكلبي أخبرني أبو السائب المخزومي عن أبيه قال: كان للعباس بن عبد المطلب ثوب لعاري بني هاشم وجفنة لجائعهم [٤] ومقطرة [٥] لسفيههم- أو ربما قال: لجاهلهم- وكان يمنع جاره ويبذل ماله ويعطي النابية [٦] في قومه، وكان نديما لأبي سفيان بن حرب في الجاهلية، فجاور رجل من بني سليم رجلا من أفناء [٧] العرب فلم يحمد جواره فقال في ذلك العباس بن مرداس السلمي: (البسيط) إن كان جارك لم تنفعك ذمته ... حتى [٨] سقيت بكأس الموت [٩] أنفاسا فبالفناء [١٠] فناء [١١] الله اعتصم [١٢] ... لم يغش ناديه فحشا ولا بأسا

стр. 36

وآت [١] القباب [٢] فكن من أهلها صددا [٣] ... تلق [٤] ابن حرب وتلق المرء عباسا قرما [٥] قريش [٦] وحلّا [٦] في ذؤابتها [٧] ... [٨] بالمجد والحزم ما حازا وما ساسا [٨] وقال هشام عن أبيه عن أسامة بن زيد عن أبيه عن دحية [٩] بن خليفة الكلبي قال: «أهديت إلى النبي ﷺ رطبا خلسا [١٠] وزبيبا وتينا من الشام، فوضعت بين يديه على نطع [١١] فقال: اللهم أدخل عليّ أحبّ أهل بيتي إليك! فدخل العباس، فقال رسول الله صلى الله عليه: ههنا يا عم! وأقعده معه، ثم قال: قد جاء الله بأحب أهلي اليه، دونك فاطعم من هذا الطعام» . قال هشام وحدثني أبي عن أبي صالح عن ابن الكعب بن مالك عن أبيه قال: «بينا أنا ذات يوم جالس عند النبي صلى الله عليه إذ بالعباس فقال: يا رسول الله! عجبا لقريش انتهى إلى الشبهة منهم يتحدثون فإذا نظروا إليّ أرموا [١٢] فلم ينطقوا وعرفت الكراهة في وجوههم، فقال النبي ﷺ : والذي بعثني بالحق نبيا! لا يستكمل رجل منهم الإيمان حتى يعرف

стр. 37

فضلك يا عمي» . قال هشام: حدثني أبي عن أبي صالح عن جعدة [١] بن هبيرة عن سعد بن أبي وقاص قال: «اجتمع نفر من المهاجرين أنا أحدهم حين ثقل النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله اعهد إلينا عهدا نأخذ به بعدك! قال: أنا مخلّف فيكم عمي وصنو أبي فما أنتم صانعون؟ قال سعد: فو الله ما ألقى في روعنا الذي كان» . ومن فضل العباس أنه لم يحل لأحد من الحاج المبيت بمكة ليالي منى [٢] إلا العباس وحده. قال هشام [٣] وحدثني أبي [٤] . عن الصلت بن [٥] عبد الله عن المغيرة [٥] بن نوفل بن الحارث قال: «مررت بجابر بن عبد الله الأنصاري وعنده جماعة من الناس فسلمت عليه، فقال: من الرجل؟ فقلت: المغيرة بن نوفل الهاشمي، فقال: بأبي أنتم وأمي يا بني هاشم! كيف تفلح هذه الأمة أو ترجو شفاعة نبيها وقد ترك فيهم رسول الله ﷺ عمه فضيعوه واستأثروا [٦] عليه» . قال هشام عن أبيه: لما ثقل رسول الله ﷺ اجتمع إليه نساؤه وأهل بيته وعمه العباس فقال النساء: به ذات الجنب فهلم فلنلدّه! فلما أفاق قال: أترون أن بي ذات الجنب، أنا أكرم على الله من أن يعذبني بها، لا جرم لا يبقى في البيت أحد إلا لدّ إلا عمي العباس! فجعل يلد [٧] بعضهم بعضا» . هشام قال أخبرني أبي عن عكرمة مولى عباس قال: «قال العباس لرسول الله صلى الله عليه: بأبي أنت وأمي! ما لنا إذا رآنا رجال قريش وهم في حديث قطعوه وأخذوا في غيره؟ فقال النبي ﷺ : من حفظني فيكم حفظه الله» . هشام قال حدثني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: «مررت بأبي أجول [٨] على

стр. 38

قوم من بني أمية فقالوا: انه ليتبختر في مشيه [١] تبختر رجل ما يشك أنه مغفور له ولعل ما ينفعه قرابته عن رسول الله ﷺ ، فأتى [٢] النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ما يزال الرجل من قريش يسمعني ما أكره- وأخبره بالكلام، فقال رسول الله ﷺ : أيرجو شفاعتي من أسلم من الترك والديلم ولا يرجوها عمي، أما علموا أنه من آذاك فقد آذاني ومن آذاني عذّبه الله عذابا شديدا، ثم قال: إنا لم نزل يا عم نحن وهذا الحي من عبد شمس يجمعنا نسب واحد حتى فرق بيننا وبينهم عبد المطلب فكنا أمحضهم أنسابا وأعظمهم أخطارا» . وذكر الكلبي أنه لما دفن عبد الله بن العباس سمعوا قائلا يقرأ: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٨٩: ٢٧ [٣] الآية إلى آخر السورة. الكلبي [٤] قال حدثني عوانة عمن أخبره أن علي بن أبي طالب ﵇ سئل عن بني هاشم وبني أمية فقال: بنو هاشم أصبح وأفصح وأسمح، وبنو أمية أمكر وأفجر. أبو العباس الحميري عن أسباط بن محمد عن هشام بن سعد المديني عن عبد الله بن العباس فيه ماء [٥] كان للعباس ميزاب على طريق عمر بن الخطاب فلبس عمر ثيابه يوم جمعة وقد كان ذبح للعباس فرخان فلما وافى عمر الميزاب [٥] صب فيه ماء فأصاب ثوب عمر [٥] ، فأمر بقلع الميزاب فأتاه العباس فقال له: أقلعت ميزابي ولم يكن جديرا بذلك؟ فو الله إنه للموضع الذي وضعه رسول الله فيه! فقال عمر للعباس: عزمت عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه موضعه! ففعل ذلك العباس. حديث الإيلاف حدثنا أبو بكر الحلواني قال حدثنا أبو سعيد [٦] السكّري قال أخبرنا أبو جعفر محمد بن حبيب عن ابن الكلبي قال: كان من حديث الإيلاف أن قريشا

стр. 39

كانت تجارا وكانت تجاراتهم لا تعدو [١] مكة، إنما يتقدم عليهم الأعاجم بالسلع فيشترون منهم ثم يتبايعونه بينهم ويبيعون من حولهم من العرب، فكانت تجارتهم كذلك حتى ركب هاشم بن عبد مناف إلى الشام فنزل بقيصر واسم هاشم يومئذ عمرو، فكان يذبح كل يوم شاة فيصنع جفنة ثريد ويدعو من حوله فيأكلون، وكان هاشم (فيما-[٢] ) زعموا أحسن الناس عصبا وأجمله فذكر لقيصر وقيل: ها هنا رجل من قريش يهشم الخبز ثم يصب عليه المرق ويفرغ عليه اللحم، وإنما كانت الأعاجم تضع [٣] المرق في الصحاف ثم تأتدم [٤] بالخبز فلذلك سمي عمرو هاشما، وبلغ ذلك قيصر فدعا به، فلما رآه وكلمه أعجب به [وكان] [٥] يرسل إليه فيدخل عليه، فلما رأى مكانه منه قال له هاشم: أيها الملك! إن لي قوما [٦] وهم تجار العرب فان رأيت أن تكتب لهم كتابا تؤمّنهم وتؤمّن تجارتهم فيقدموا عليك بما يستطرف من أدم الحجاز وثيابه [٧] فيكونوا يبيعونه عندكم فهو أرخص عليكم. فكتب له كتابا بأمان من أتى منهم [فأقبل هاشم بذلك الكتاب فجعل كلما مر بحي من العرب بطريق الشام أخذ] [٨] من أشرافهم إيلافا والإيلاف [٩] أن

стр. 40

يأمنوا عندهم في أرضهم بغير حلف [١] وإنما هو أمان الناس [٢] وعلى أن قريشا تحمل لهم [٣] بضائع فيكفونهم حملانها ويردون [٤] إليهم رأس مالهم وربحهم، فأخذ [٥] هاشم الإيلاف ممن بينه وبين الشام حتى قدم مكة، فأتاهم بأعظم شيء أتوا به [٦] فخرجوا بتجارة عظيمة وخرج هاشم يجوّزهم ويوفيهم إيلافهم الذي أخذ لهم من العرب، فلم يبرح يوفيهم ذلك ويجمع بينهم وبين أشراف العرب حتى ورد بهم الشام وأحلهم قراها [٧] ، فمات في ذلك السفر بغزّة [٨] من الشام فقال الحارث بن حنش [٩] من بني سليم وهو أخو هاشم وعبد شمس والمطلب بني عبد مناف من أمهم، أمهم جميعا عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان [١٠] بن ثعلبة بن بهثة [١١] بن سليم: (البسيط) إن أخي هاشما ليس أخا واحد ... والله ما هاشم بناقص كاسد [١٢] والخير في ثوبه وحفرة اللاحد [١٣] ... الآخذ [١٤] الإلف [١٤] والوافد [١٥] للقاعد
следующие страницы →