Полный текст (1 929 стр.). Показаны 1891–1929 · переход к 1896.
стр. 1891
الثانية: جريانه فيها وهو الخاطر وسمى الراغب الأول سانحا، وقال الشيخ وهو خاطر يعبر عنهما بالهاجس وإليه أشار النبي ﷺ بقوله: ((إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة؛ فأما لمة الملك فوعد بالخير وتصديق بالحق، وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق)).
الثالث: حديث نفسه وهو ما يقع من التردد، هل يفعل أو لا؟ وهذان مرفوعان بقوله صلى (١٣٨/ك) الله عليه وسلم: ((إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به)) فإذا ارتفع حديث النفس ارتفع ما قبله بطريق أولى، قال المحققون: وهذه المراتب الثلاث أيضا لو كانت في الحسنات لم يكتب له بها أجرا، أما الأول فظاهر، وأما الثاني والثالث فلعدم القصد.
стр. 1892
الرابعة: الهم وهو ترجيح قصد الفعل: يقال: هممت بالأمر أي قصدته بهمتي وهو مرفوع لقوله تعالى: ﴿إذ همت طائفتان﴾ الآية ولو كانت مؤاخذة لم يكن الله وليهما، ولقوله ﷺ : ((من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه)) وفي هذه الحالة تفترق الحسنة مع السيئة، فإنه إن هم بالحسنة ولم يعملها كتب له حسنة كاملة كما ثبت في الصحيحين، وحمل ابن حبان في صحيحه الهم على العزم، لأن العزم نهاية الهم، قال: ويحتمل أن الله تعالى يكتب لمن هم بالحسنة حسنة، وإن لم يعزم عليه، ولا عمله لفضل الإسلام.
الخامسة: العزم وهو قوة القصد والجزم به، فإن العزم لغة الجد وعقد القلب وهو مؤاخذ به عند المحققين، وذهب بعضهم إلى أنه مرفوع كالهم، والصحيح الأول لقوله ﷺ : ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)) قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: ((إنه كان حريصا على قتل صاحبه)) فعلل بالحرص والإجماع على المؤاخذة بأعمال القلوب كالحسد
стр. 1893
بخلاف الهم وقال العبادي في فتاويه: لا خلاف أن الآدمي مؤاخذ بعمل اللسان والسمع والبصر، أما الفؤاد فقال الله تعالى: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ فمن الناس من يقول: يؤاخذ بما يسعى به الباطن إلى أول خاطره وهو الهاجس والأصح أنه لا يؤاخذ بمساعي الباطن لقوله ﷺ : ((إن الله عفى لأمتي عما حدثت به أنفسها)) وقيل: إن اتصل بما تعمل تؤاخذ بالكل.
انتهى، وما أطلقه متعقب بما ذكرنا، وقال القاضي الحسين في كتابه الصوم من تعليقه: كما يحرم النظر إلى الحرام يحرم الفكر فيه لقوله تعالى: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ فمنع أعنى= التمني فيما لا يحل كما منع من النظر إلى ما لا يحل لقوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ وأشار المصنف بقوله: ما لم يتكلم إلى أن عدم المؤاخذة بالهم، وحديث النفس ليس مطلقا، بل بشرط عدم التكلم والعمل، حتى إذا عمل يؤاخذ بشيئين: همه وعمله، ولا يكون همه مغفورا وحديث نفسه إلا إذا لم يعقبه العمل، هذا هو ظاهر الحديث، وقوله: والهم أي: ما لم يتكلم أو يعمل أيضا، ولم يحتج
стр. 1894
إلى تقييده لأنه إذا قيد حديث النفس وهو دون الهم كان الهم مقيدا بطريق أولى، هل يؤخذ= بهما إذا عمل عملا غير المعصية التي هم أو حدث نفسه بها، أما إن كان ذلك العمل أجنبيا لا ارتباط له بهما بالكلية كمن هم بالزنا ثم أكل فلا ريب في عدم المؤاخذة وإن كان من مقدمات المعصية كمن هم بالزنا بامرأة تقابله فمشى إليها ثم رجع من الطريق، فهذا موضع نظر، قال الشيخ السبكي: يظهر المؤاخذة من إطلاق النبي ﷺ العمل، وكونه لم يقله أو يعمله، قال: فيؤخذ منه تحريم المشي إلى معصية، وإن كان المشي في نفسه مباحا لكن لانضمام قصد الحرام، وكل واحد من المشي والقصد لا يحرم عند انفراده أما إذا اجتمعا فإن مع الهم عملا لما هو من أسباب المهموم به فاقتضى إطلاق (أو يعمل) المؤاخذة به، قال: فاشدد بهذه الفائدة يديك واتخذها أصلا يعود نفعه عليك وهذا الذي قاله من المؤاخذة بالمقدمة إذا انضمت إلى حديث النفس لإطلاق (أو يعمل) حسن لو لم يقيد في حديث آخر، لكن جاء في رواية في الصحيحين (أو يعمل به) ويحتمل أنه لما رجع عن فعل السيئة بعد فعل مقدمتها لله لم يؤاخذ بالفعل، لقوله في الحديث: ((إن تركها فاكتبوها له حسنة وإنما تركها من جراي=)) أي: من أجلي، رواه مسلم، وفي لفظ لابن
حبان ((وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة)) وذكر في موضع آخر أن قوله: (أو يعمل) ليس له مفهوم حتى يقال: إذا تكلمت أو عملت يكتب عليها حديث النفس لأنه إذا كان الهم لا يكتب فحديث النفس أولى، وهذا خلاف ظاهر الحديث وخلاف ما قاله المصنف هنا، وقد نازعه ابنه وقال: يلزم منه
стр. 1895
أن لا يؤاخذ عند انضمام عمل من مقدمات المهموم به بطريق أولى قال فقوله: وإذا كان الهم لا يكتب فحديث النفس أولى ممنوع، فلا نسلم أن الهم لا يكتب مطلقا بل عند انضمام عدم العمل إليه.
(ص) فإن لم تطعك الأمارة فجاهدها.
(ش) أي كما تجاهد من يقصد اغتيالك بل أعظم، لأنها قصدت بك الهلاك الأبدي قال بعضهم: معالجة المعصية إذا خطرت حتى تذهب أهون من مرارة التوبة حتى تقبل لأن مجاهدتها في البداية بكف الخواطر وفي النهاية بالندم والتأسف والبكاء، ثم لا يدرى أقبلت أم لا؟ وإذا وقع العبد في المعصية لاهيا عن الوعيد لم يحضر ذكره فهو من الذين ﴿نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾ لأنه لا يحبب إليه أن يستحضر عظمة الرب في هذه الحالة، فإذا لم يخلق الله له الذكر فقد أراد هلكته، وعليه إثم الذاكر، لأن نسيانه لسبب انهماكه في المعصية وتعلق شهوته، وإذا حضرت المعصية واستحضر عظمة من يعصيه والتحريم، فإن كف عن الإقدام فذاك وإن أقدم تجريما فهالك أو تسويفا وقال: أتوب بعد ذلك فمعذور
стр. 1896
فإنه يجب عليه ملازمة الطاعة ومعالجة الشهوة، وإنما خص المصنف هذا بالأمارة لأن النفوس ثلاث: أمارة بالسوء وهي التي لا يلوح لها طمع إلا تعرضت له (١٣٩/ك) ولا تبدو لها شهوة إلا تبعتها، لم تحكمها الرياضة ولم تسلك سبيل الرشاد.
والثانية: اللوامة وهي التي تلوم صاحبها على التقصير في الطاعة ولهذا أقسم الله تعالى بها: ﴿ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾.
والثالثة: المطمئنة التي استقامت على الطاعة ولم تفترسها غوايل الشهوات، واعلم أن النفس بطبعها تحب الراحة، والشهوة فمتى أطلقت لجامها أهلكتك فتحتاج أن تكون ركابا فارسا بطلا وإلا اغتالتك قال بعضهم: وقفت يوما بالطاحون وإذا ببعير يدور على رحا فلما فقد صوت الطحان أبطأ في السير، فجاء الطحان وصاح به كالزاجر له على البطء فرأيت البعير هاج لصوته وتحرك كل عضو منه على حدته لانبعاثه ففهمت منه أن كل روحاني فنفسه تبطئ به لميلها إلى الراحة فيحتاج إلى مؤاثرة تزجره وتصوب به وتحثه على العمل، كذلك نفس ابن آدم محتاجة إلى الموعظة والزجر.
(ص) فإن فعلت فتب.
(ش) أي على الفور وهو مفهوم من إتيانه بالفاء حتى لا يبقى للمعصية في النفس أثر، لأن التوبة تجب ما قبلها وهي رحمة من الله للمذنبين، قال العلماء:
стр. 1897
والتوبة واجبة لا يجوز لمن عمل سيئة أن يؤخر التوبة بل يلزمه إذا وقعت منه الندم والاستغفار وقل أن يخلو المكلف من أمر يتوب منه حتى إن قوما من العلماء يوجبون التوبة من الغفلة قال ابن الصباغ في كتاب (الطريق السالم): وذلك ظاهر الحجة فإن من شأن المنعم عليه أن لا يغفل عن المنعم، لأنه لا يخليه عن نعمة.
واعلم أن الإسلام يجب ما قبله قطعا، وأما التوبة فهل تكفيرها الذنب قطعي أو ظني؟ فيه خلاف لأهل السنة واختار إمام الحرمين أنه مظنون قال النووي في (شرح مسلم) وهو الأصح وقال الأبياري في (شرح البرهان): الصحيح عندنا القطع بالمحو، وسندنا الإجماع عليه وإن اختلفوا في القطع والظن، فمن قال: إنها غير ماحية فقد خرق الإجماع، فإن قيل: فبعض الأمة جازم بالظن فكيف ينتج القطع؟ قلنا: يلزم من هذا أن الأمة إذا اجتمعت على قبول مظنون أن لا يكون حجة، ونحن نختار أن الإجماع حجة على كل حال، وظن بعضهم يزيد على ظن جميعهم قال الحليمي: ولا يجب على الله قبولها ولكنه لما أخبر عن نفسه أنه يقبل التوبة عن عباده ولم يجز أن يخلف وعده، علمنا أنه لا يرد التوبة الصحيحة على صاحبها
стр. 1898
فضلا منه وقال والد المصنف في تفسير قبول التوبة عن الكفر مقطوع به أعني أن الله يقبلها تفضلا قطعا وفي القطع بقبول توبة العاصي قولان لأهل السنة، وقد نجد في كلام الخلاف في وجوبها وليس مرادهم ما قالته المعتزلة وإنما مرادهم القطع بوقوعها تفضلا كما ذكرناه وأن ذلك ثابت بأدلة سمعية مقطوع بها بخلاف أحد القولين، ومظنونة وعلى الثاني والأصح أنها ظنية، وعبارة ابن عطية في وجوبها قولان لأهل السنة وهو محمول على ما قلناه. انتهى. وقد أورد الشيخ عز الدين تشكيكا على تحقيق التوبة وتصويرها مع ملاحظة توحيد الله بالأفعال خيرها وشرها مع أن التوبة ندم على فعل، والندم على فعل الخير لا يتصور وأجابني بأن من رأى للآدمي كسبا خص الندم بكسبه دون صنع ربه، ومن لا يرى بالكسب خص الندم بحال الغفلة عن التوحيد قال: وهذا مشكل جدا من جهة أنه يتوب عما يظنه فعلا له وليس بفعل له في نفس الأمر.
(ص) فإن لم تقلع لاستلذاذ أو كسل فتذكر هازم اللذات وفجاءة الفوات أو القنوط، فخف مقت ربك واذكر سعة رحمته وأعرض التوبة ومحاسنها.
(ش) ذكر أن لعدم إقلاع النفس عن الذنب شيئين:
أحدهما: استلذاذ المعصية أو الكسل عن الإنابة فعلاجها الإقماع بذكر هازم اللذات ومفرق الجماعات، إذ لا محيص عنه ولا مهلة، فإنه يكدر العيش ويقصر الأمل ويبعث على العمل كما قال ﷺ : ((أكثروا من ذكر هازم اللذات، فإنه ما ذكر في كثير إلا قلله ولا في قليل إلا كثره)) وكان بعضهم
стр. 1899
يقول: شغل الموت قلوب المتقين عن الدنيا، فوالله ما رجعوا فيها إلى سرور بعد معرفتهم بتكديره وغصته، وقال بعض المسلكين: إذا اشتبه عليك أمر فلم تعلم هو مما يجب أن يرغب فيه أو عنه فاحضر ببالك حضور باعث الموت فإن بقي معك الأمر فابق معه وإن فارقك ففارقه وقيل لمحتضر: كيف حالك؟ فقال: كيف حال من يريد سفرا بعيدا بلا زاد، وينزل منزلا موشحا بلا مؤنس ويقدم على ملك جبار وقد أذنب إليه بلا حجة.
الثاني: القنوط واليأس من رحمة الله لشدة الذنب أو استحضار عظمة الرب وشدة بأسه فهذا مقت من الله وذنب آخر مضاف إلى ذنب المعصية، وقد قال تعالى: ﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ وعلاج هذا الداء بما يضاده وهو استحضار سعة رحمة الله كما قال تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ وفي الصحيح: ((والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم)) ومنه ((لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل معه راحلته عليها طعامه وشرابه بأرض فلاة فقام ...)) الحديث.
стр. 1900
(ص) وهي الندم وتتحقق بالإقلاع وعزم أن لا يعود وتدارك ممكن التدارك.
(ش) تفسير التوبة بالندم لأنه روحها وركنها الأعظم كقوله: ((الحج عرفة)) وروى ابن ماجه بإسناده ((الندم توبة)) وكانت التوبة في بني إسرائيل بقتل النفس كما قال تعالى: ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ قال الواسطي توبتهم إفناء نفوسهم، وتوبة هذه الأمة أشد وهي إفناء نفوسهم عن مرادها مع بقاء رسوم (١٤٠/ك) الهياكل ومثل من أراد هذا الإفناء الذي أشار إليه الواسطي كمثل من أراد كسر لوزة في قارورة وذلك مع أنه صعب يسير على من يسره الله قال حملة الشريعة: والمراد الندم لأجل ما وجب عليه، فلو تضرر بشرب الخمر وندم فليس بتوبة لأنه ندم لأمر يعود إلى طبعه، ولهذا قال ابن القشيري في (المرشد): التوبة في اصطلاح المتكلمين الندم على الزلة لأجل باعث الندم له وهذا القيد لأنه ربما يندم على الزلة لإضرارها به فهو نادم غير تائب، قال: وهذا الحد ذكره القاضي
стр. 1901
والأستاذ: وأما الفقهاء فذكروا له ثلاثة أركان: الإقلاع في الحال، والعزم على أن لا يعود في الاستقبال والندم انتهى وكأن المصنف أراد أنه لا يخالف بين الطريقين فسالك طريق المتكلمين في تفسيرها بالندم، وجعل كلام الفقهاء لا يخرج عنه لأن ذلك يتضمن الندم، إذ يستحيل حصول الندم الحقيقي على شيء مع ملازمته في الحال والعزم على معاودته، فلهذا قال: يتحقق أي إنما يتحقق بالإقلاع في الحال والعزم في الاستقبال وإن تعلق بحق آدمي فلا بد من الخروج عنه وإليه أشار بقوله: وتدارك ممكن التدارك، وهذا قاله الفقهاء، وقال الإمام في (الشامل) إن لم يرد المظلمة وندم فقد صحت توبته فإنها: الندم على ما سلف، وما تعلق برد المظلمة حق آخر وجب عليه، فإذا لم يفعله لم يبطل ما أتي به من حقيقة التوبة، وحكى ابن القشيري في (المرشد) عن والده زيادة شرط آخر وهو تعين الذنب فلو أسلف ذنبا ونسيه فإن عين ذنوبه في الجملة وعزم أن لا يعود إلى ذنب، لم تصح توبته بما نسبه وما دام ناسيا لا يكون مطالبا بالتوبة، ولكن يلقى
الله وهو مطالب بتلك الزلة، وهذا كما لو كان عليه دين لآدمي ونسي المديون ولم يقدر على الأداء فهو في الحال غير مطالب مع النسيان ولكن يلقى الله وهو مطالب قال: وهذا مأخذ ظاهر، لأن التوبة ندم والندم إنما يتحقق مع الذكر بما فعله حتى يتصور الندم وقال القاضي: إن لم يتذكر التفصيل يقول: إن كان لي ذنب لم أعلمه فإني تائب إلى الله منه، ولعله قال هذا إذا علم أن له ذنوبا، ولكنه لا يتذكرها، فأما إذا لم يعلم لنفسه ذنبا فالندم على ما لم يكن محال، وذكر المحاسبي أنه يعين كل ذنب على انفراده ولا يخفى إشكاله وقال الشيخ عز الدين: يتذكر من الذنوب السالفة ما يمكن تذكره وما تعذر لا يجب عليه ما لم يقدر عليه.
ص: وتصح ولو بعد نقضها عن ذنب ولو صغيرا مع الإصرار على آخر ولو كبيرا عند الجمهور.
стр. 1902
ش: فيه مسائل أحدها: من تاب ثم نقض لم يقدح في صحة الماضية ما طرأ من المنافي، وعليه المبادرة إلى تجديد التوبة من المعاودة كقوله تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين﴾ والتواب بوزن فعال وهو للمبالغة ولا يطلق إلا على من أكثر التوبة، وقال ﷺ : ((ما أصر امرؤ ولو عاد في اليوم سبعين مرة)) هذا هو المشهور وحكى الإمام عن القاضي أن توبته الأولى انقضت حتى يلقى الله مؤاخذا بحكم الزلة الأولى التي تاب منها والصحيح الأول، فإنه كمن ترك الصلاة فقضاها ثم ترك أخرى فالأولى التي قضاها لا يطالب بحكمها ثانيا وأجرى الواحدي في تفسير سورة النساء هذا الخلاف في الكافر يؤمن ثم يكفر أنه يكون مطالبا بجميع كفره على قول بعض الأصوليين، قال: وهو غلط لأنه صار بالإيمان كمن لم يكفر فلا يؤاخذ به بعد أن ارتفع حكمه.
الثانية: تجب التوبة من الصغائر كما تجب من الكبائر خلافا لأبي هاشم فإنه قال: لا تجب التوبة منها على من عرف أنه لا عقاب فيها، وإن كانت الصغيرة محرمة لأن التوبة إنما تجب من العقاب وهو محجوج بإجماع المسلمين على التوبة من الصغائر والكبائر ولم يحفظ الإمام في (الإرشاد) خلاف أبي هاشم في هذه المسألة، وتبعه تلميذه الأنصاري في شرحه فحكى الإجماع على وجوب التوبة من الصغائر
стр. 1903
وكان الشيخ السبكي يتردد في وجوب التوبة عيناً في الصغائر ويقول: لعل وقوعها تكفره الصلاة واجتناب الكبائر، يقتضي أن الواجب فيها أحد الأمرين من التوبة أو فعل ما يكفرها وبتقدير الوجوب فيحتمل أن لا يجب على الفور، بل حتى يمضي ما يكفرها، ويجتمع له في هذه المسألة احتمالات وجوب التوبة فيها عيناً على الفور كالكبيرة، وهو مذهب الأشعري، ووجوبها عيناً لكن لا على الفور بخلاف الكبيرة ووجوب أحد الأمرين التوبة أو فعل المكفر لها، وكان يرد الخلاف بين الأشعري وبين أبي هاشم إلى هذا، ويقول: ليس مراد الأشعري تعين التوبة بل محو الذنب إما التوبة النصوح أو فعل المكفرات لها، وقد خالفه ولده المصنف وقال: الذي أراه وجوب التوبة عيناً على الفور من كل ذنب، نعم إن فرض عدم التوبة عن الصغيرة، ثم جاءت المكفرات كفرت الصغيرتين وهما تلك الصغيرة وعدم التوبة.
الثالث: تصح التوبة عن ذنب مع الإصرار على ذنب آخر خلافاً للمعتزلة بناء على أصلهم التقبيح العقلي لأن الكل في القبح على حد سواء ورد بأن الإسلام توبة حقيقية ثم من أسلم وهو مقارف الكبائر لا يقال: لا يصح إسلامه، وأما قوله تعالى: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئاً﴾ وقوله: ﴿فمن يعمل
стр. 1904
مثال ذرة خيراً يره﴾ وقوله: ﴿والوزن يومئذ الحق﴾ ولو صح قول المعتزلة للزم أن لا يوجد وزن الأعمال نعم التصفية عن سائر المعاصي من أوصاف كمال التوبة لا من شروطها وعند (١٤١/ك) الصوفية التوبة من السالك لا تصير مفتاحا للمقامات حتى يتوب عن جميع الذنوب، لأن كدورة بعض القلب واسوداده بالذنب يمنع من السير إلى الله تعالى.
واعلم أن لأصحابنا في هذه المسألة خلافا وتفصيلا، قال الحليمي: تصح التوبة من كبيرة دون أخرى من غير جنسها لم يتب عنها، كما يصح إقامة الحد عليه لأجلها وإن كان عليه حد آخر من غير جنسه وحكاه عنه البيهقي وسكت عليه وقضيته أنها إذا كانت من جنسها لا تصح، وقال ابن القشيري: وأباه الأصحاب وقال الإمام: إن كان معتقداً أن العقوبة على أحدهما أعظم صحت التوبة من أحدهما دون الآخر، وإن استوت الدواعي وهما مختلفا الجنس كالقتل والشرب فهما مثلان لا تصح التوبة على أحدهما مع الإصرار على الآخر، وقال الأستاذ أبو بكر: تصح التوبة من جنس مع الإصرار على جنس آخر، فتصح التوبة من الزنا مع الإصرار على الشرب، وكذا العكس ولا يصح من بعض أنواع الجنس مع الإصرار على البعض فلا تصح التوبة عن الزنا بزينب مع الإصرار على الزنا بهند إذ لا يتصور الندم في هذا ويتصور الندم في جنس مع المقام على جنس آخر، وقال الأستاذ أبو إسحاق: التوبة من قبيح مع الإصرار على مثله صحيحة حتى يصح أن يتوب عن الزنا بامرأة مع المقام على الزنا بمثلها، وإذا زنا بامرأة مرتين صح أن يتوب عن مرة دون أخرى، قال ابن القشيري: والأصحاب يأبون هذا فإن شرط صحة التوبة الندم على أن لا يعود إلى
стр. 1905
مثله، وذلك محال مع الإصرار على مثله.
فائدة: سئل بعضهم: ما علامة قبول التوبة؟ قال: أن يفتح عليك بابا من الطاعة لم يكن لك قبل ذلك، ومثاله من الشاهد: أن يأتي رجل إلى ملك فيقول: أنا أريد أن أكون طوع يدك وأدخل تحت عبوديتك فمن علامة قبول الملك إياه أن يستعمله على أدنى عمل من أعماله، فإذا علم أمانته ونصحه نقله إلى ما هو أعلى منه إلى أن يصير جليسا له.
(ص) وإن شككت أمأمور أم منهي، فأمسك ومن ثم قال الجويني في المتوضئ يشك أيغسل ثالثة أم رابعة لا يغسل.
(ش) القسم الثالث أن يشك في كونه مأمورا أو منهيا، فالواجب الإمساك عنه لقوله ﷺ : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)). وإنما اقتصر المصنف على هذه الأحوال الثلاثة لأنها قطب العلم وعليها يدور رحى العمل وقد بلغني عن بعض الأئمة أنه رأى في ابتداء أمره في المنام أنه حضر الجامع فوجد متصدرا فجلس ليقرأ عليه فقال: أنت تقرأ علي وقد علمك الله المسائل الثلاثة، فانتبه وأتى معبرا. فقال: اذهب فستصير أعلم أهل زمانك، فإن المسائل الثالث التي أشار إليها أمهات العلم في قوله ﷺ : ((الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات))
стр. 1906
الحديث. وما حكاه عن الجويني مدركه فيه أن ترك السنة أهون من ارتكاب البدعة، لكن الجمهور خالفوه، وقالوا: إنما ذلك عند التحقيق ولهذا لو شك أصلى ثلاثا أم أربعا فإنه يأتي برابعة مع احتمال الوقوع في منهي بالزيادة، وحكى ابن السمعاني في تاريخه أن رجلا رأى الشيخ أبا إسحاق الشيرازي يتوضأ على دجلة فغسل وجهه أكثر من ثلاث فأنكر عليه، فقال الشيخ: لو صحت لي الثلاث لم أزد، وقسم الشيخ أبو حامد الاسفراييني الشك إلى ثلاثة أضرب: شك طرأ على أصل حرام فلا يحل، مثل أن يجد شاة مذبوحة ببلد فيه مسلمون والمجوس كثير فإن الأصل في الحيوان التحريم حتى يتحقق الزكاة المبيحة، وشك طرأ على أصل مباح مثل أن يجد إناء متغيرا ويحتمل أن يكون بطول مكث وأن يكون بنجاسة، فالأصل الطهارة إلى أن يتبين خلافها، ثم إن استند إلى سبب ظاهر قدم على الأصل كمسألة بول الظبية في الماء إذا وجده متغيراً، وإن لم يستند إلى سبب ظاهر، فإن كان بعيدا جدا لم يكن له أثر في التحريم، بل يعمل بأصل الحل ولكن يندب الورع، ومنه قوله ﷺ : ((إني لأجد التمرة ساقطة على فراشي فلولا أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها)).
فإن دخول الصدقة الواجبة إلى بيته صلى الله عليه وسلم
стр. 1907
كان نادرا جدا، وهي محرمة عليه وعلى آله، ولكن يحتمل أن يكون بعض الأطفال، دخل إلى بيته وفي يده شيء من ذلك فوقعت منه التمرة وهو احتمال بعيد، وبين هذين المرتبتين مراتب كطين الشارع وثياب ملامس النجاسة ويقوى الورع عند قوة الشبهة.
والثالث: شك لا يعلم أصله كمعاملة من أكثر ماله حرام.
(ص) وكل واقع بقدرة الله وإرادته.
(ش) أي الخير والشر، وقد روي عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى النبي ﷺ يخاصمونه في القدر فنزلت هذه الآية: ﴿إن المجرمين في ضلال وسعر﴾ ... إلى ... ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ ورواه ابن حبان، وقال: يخالفونه في القدر ولقوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ فصرح بأنه يريد الطاعة والمعصية، والإيمان والكفر كونا، وأن ذلك من تقديره وقضائه، وصار من لم يتشرع من الفلاسفة إلى نفي القدر جملة، حكاه المازري وغيره وصارت المعتزلة إلى نفيه في الشر والمعاصي دون الطاعات، واختلفوا في المباحات، ولنا إجماع المسلمين على
стр. 1908
قولنا: ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن، وقد سبقت المسألة، وأحسن متعلق عليهم إثبات العلم بها له ، ولهذا قال الشافعي: القدرية إذا سلموا العلم خصموا.
وقد احتج عليهم مالك بقوله ﷺ : ((الله أعلم بما كانوا عاملين)).
فإن قيل: أتطلقون أن الله يريد المعصية؟ قيل اختلف فيه؛ فقال كثير من السلف: إنه يريد كل ما يجري في سلطانه، ويدخل في ذلك المعصية على الجملة فأما ذكرها على التفصيل فلا يجوز، وقال الأشعري أراد المعصية أن (١٤٢/ك) يكون معصية، وأن يكون المتلبس بها عاصيا معذبا كذا حكى الخلاف الأستاذ أبو منصور ثم قال: وأجمع أصحابنا على أنه لا يجوز أن يطلق القول بأن الله يريد المعصية، وسكت؛ لأن هذا القدر يوهم الخطأ، وإنما الخلاف في أنه هل يجوز أن يقال: يريد المعصية بالمعنى المذكور على الجملة لا على التفصيل؟ قال: وقد يطلق العامة ومن لا تحصيل له ذلك وهو خطأ، والغرض تحقيق المعنى وتصحيح العبارة
стр. 1909
ومراعاتها واجبة.
(ص) وهو خالق كسب العبد قدر له قدرة هي استطاعته تصلح للكسب لا للإبداع، فالله خالق غير مكتسب والعبد مكتسب غير خالق.
(ش) الفرق في هذه المسألة ثلاثة:
أحدها الجبرية قالوا: لا قدرة للعبد أصلا وهو باطل لما نجده من أنفسنا من الاقتدار، ثم يلزمهم وقوع التكاليف على ما لا يقدر عليه.
والثانية القدرية وهم جمهور المعتزلة قالوا: إن العبد مستقل بإجاد فعله بقدرته وإرادته ودواعيه، ولولا ذلك لم يحسن التكليف والثواب والعقاب، لكنهم قالوا: إن تلك القدرة والداعية مخلوقتان لله، وقال كثير منهم: إن عند وجود تلك الأشياء يجب الفعل وعند عدمها يمتنع، وإذا كان الفعل إما واجبا وإما ممتنعا كان غير مقدور فوقعوا فيما فروا منه وهو عدم حسن التكليف على قاعدتهم.
стр. 1910
الثالثة: القائلون بأن العبد غير مستقل وهم جميع أهل السنة وقالوا: الله خالق لأفعال العباد كما هو خالق لأعيانهم كما قال تعالى: ﴿قل الله خالق كل شيء﴾ وقالوا: لا خالق إلا الله كما قالوا: لا إله إلا الله. ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾. وكلمة ما مع الفعل للمصدر بإجماع أهل اللغة، وما يعمل ابن آدم ليس هو الصمم وإنما هو حركاته، وأكسابه وقد حكم بأنه خلقنا وخلق ما نعمله، وفي
стр. 1911
الحديث: ((إن الله خالق كل صانع وصنعته)).
ولأن المحدث لا يصح أن يحدث كما أن الحركة لا يصح أن تتحرك، فالله تعالى خلق القادر وقدرته، فقدرة القادر كتأثير الشمس بالحرارة فالشمس خلق الله وتأثيرها في الأشياء خلق الله، لأن المؤثر إذا كان خلقا يكون الأثر خلقا، وإذا كان الفاعل خلقا يكون الفعل خلقا، وإن قلت: إذا كان الله تعالى خلق الفعل فكيف يعاقبه على شيء خلقه؟ فنقول: كما يعاقب خلقا خلقه فليس عقوبته على ما خلق بأبعد من عقوبته من خلق، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ وعلى هذا أدرج السلف الصحابة والتابعون، وصنف فيه البخاري كتاب (خلق أفعال العباد) إلى أن أحدث القدرية القول بخلافه، والأولون نظروا إلى السبب الأول وهو القدرة والإرادة القديمتان، والآخرون نظروا إلى السبب الآخر وهو القدرة والإرادة الحادثتان، وتوسط أهل السنة فمذهبهم بين الجبر والقدر، وقالوا: الأمر مزج لا بد من اعتبار الأمرين جميعا فالفعل من الله خلقا ومنك كسبا فهو اختيار ممزوج بجبر، وعبروا عن ذلك
стр. 1912
بالكسب لقوله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ فأثبت له الرمي ونفاه عنه، فإذا نسب الفعل إلى القدرة القيمة سمي خلقا والقادر خالقا، وإذا نسب على القدرة الحادثة سمي كسبا، والفاعل كاسبا، ولا بد من القول بالكسب تصحيحا للتكليف والثواب والعقاب لامتناع الجمع بين اعتقاد الجبر المحض والتكليف وحاصله أن الأفعال تثبت للخلق شرعا لإقامة الحجة عليهم، ولا فاعل في الحقيقة إلا الله تعالى فمراعاة الظاهر شريعة ومراعاة الباطن حقيقة وفي هذا المذهب جمع بينهما وفي الكسب عبارات.
أحدها: الفعل القائم بحل القدرة عليه، احترازا من الخلق وهو الفعل الخارج عن محل القدرة عليه.
الثانية: أنه الفعل المقدور بالقدرة الحادثة والخلق الفعل المقدور بالقدرة القديمة.
الثالثة: الكسب المقدور الذي يروم القادر عليه به جلب نفع أو دفع ضر وهؤلاء لا يسمون فعل النائم كسباً.
стр. 1913
الرابع: أنه المقدور الحاصل بالقدرة القديمة في محل القدرة الحادثة وهذا أحسنها، وقيل: ما تعلقت به القدرة الحادثة، وقال الأشعري: ما وقع بقدرة حادثة وتجنب المحققون لفظ الوقوع لإيهامه، وإن كان الشيخ لم يرد بالوقوع الحدوث، بل أراد تعلق القدرة به، قال الأستاذ أبو منصور: والعبارة الأولى أصح لأن وصف الكسب ينطوي على الحادث لأجل القدرة الحادثة المتعلقة به فتحديده به أولى، ونازع بعضهم في العبارة الثانية، وقال: إنما يستقيم على مذهب المعتزلة، وتأولها أن الباء بمعنى (مع) فيكون المعنى الواقع مع القدرة الحادثة، وفسر الإمام فخر الدين الرازي في تفسير سورة غافر الكسب: بكون الأعضاء سليمة صالحة للفعل والترك، وهذا إنما قالوه في تفسير القدرة لا الكسب، وأنكر أبو العباس ابن تيمية الكسب وقال: لا حقيقة له، وأكثر الناس لا يعقل فرقا بين الفعل الذي نفاه عن العبد، والكسب الذي أثبته، بل حقيقة هذا القول هو قول الجبرية أن العبد لا قدرة له ولا فعل ولا كسب وقالوا: عجائب الكلام ثلاثة طفرة النظام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري وأنشدوا مما يقال:
ولا حقيقة عند معقولة ... تدنوا إلى الأفهام
لكسب عند الأشعري والحال عنـ ... ـد البهشمي وطفرة النظام
انتهى. ولك أن تقول أما أولا فقد قال بأن للعبد كسبا الإمام أحمد فيما نقله
стр. 1914
القاضي أبو يعلى في كتاب (المعتمد الكبير) ونصره وأطال في الاستدلال عليه لقوله تعالى: ﴿جزاء بما كانوا يكسبون﴾ وقوله: ﴿فبما كسبت أيديكم﴾ وغير ذلك مما أضافه إليهم، وأما ثانيا: فما قاله غير لازم لأن تعلق الكسب ليس تعلق إبراز من العدم إلى الوجود بل نسبة يعلمها (١٤٣/ك) العبد بين قدرته ومقدوره في محله ضرورة، ويفارق بها حال المجبر، فيحصل التمييز من غير تأثير بخلاف الفعل، والأشعري يقول ما يقوم العبد من الصفات نوعان: نوع يوجد الله فيه دون قدرته واختياره كحركة المرتعش، ونوع يوجد الله فيه مع قدرته وإرادته كحركاته الاختيارية وهذه التفرقة معلومة بالضرورة فيسمي الثاني كسبا لا يعبر عنه إلا بلفظ الكسب، وإن كان اسم الفعل يشملهما لغة، كما أن التفرقة بين اللذة والألم معلومة قطعا ولا يعبر عنهما إلا بهاتين اللفظتين. على أن الأصحاب اختلفوا في أن الكسب هل يسمى فعلا للعبد على وجهين حكاهما الأستاذ أبو منصور، قال: فأطلقه عبد الله بن سعيد وطائفة، وقالوا: إن أحدنا فاعل على الحقيقة لكن على سبيل الاكتساب، والباري تعالى فاعل على سبيل الاختراع، وجوزوا وجود فعل من فاعلين باعتبارين، وأما الأشعري فأبى ذلك وقال: عن أحدنا لا يفعل على الحقيقة والفعل عنده هو الخلق والاختراع، وعلى هذا فأحدنا مكتسب حقيقة وفاعل مجازا، وعلى هذا قسم بعضهم الأفعال قسمين: حقيقي وحكمي أي محكوم على من صدر عنه بالثواب والعقاب، وإنما قال الأشعري: بالكسب وباين بينه وبين الفعل لاعتقاده أمرين:
أحدهما: أن العبد غير خالق لأفعاله.
والثانية: أن الله تعالى لا يعاقب إلا على ما فعله العبد والثواب والعقاب واقعان
стр. 1915
على الجوارح فأثبت حالة يتعلق بها التكليف وسماه الكسب محافظة على هذا الأصل أي الثواب والعقاب، واستمد ذلك من قوله تعالى: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ وساعده عليها المشاهدة في الخارج وهي التفرقة الضرورية بين حركة المرتعش والمريد، وهي في الحقيقة جمع بين الموجد، وهو أنه لا خالق إلا الله والأدب في الشريعة وهو أن العبد مكتسب مأمور منهي فله قدرة حادثة متعلقة بالمقدور على وجه الكسب، لا على وجه الاختراع وهو أن الذي يعبر عنه الأكابر: بالجمع بين الحقيقة والشريعة، وظن كثير من الناس أنه مخترع لهذه المقالة وليس كذلك، بل قد قالها قبله علي بن موسى الرضي بن جعفر الصادق ﵃، وقد سئل أيكلف الله العباد ما لا يطيقون؟ قال: هو أعدل من ذلك. قيل: أفيستطيعون أن يفعلوا ما يريدون؟ قال: هم أعجز من ذلك. وهو متقدم على الأشعري بما يزيد على مائة وعشرين سنة، وقال بعض المحققين: القول بالكسب: هو قول جميع الفرق المثبتين للقدرة لتظافر الآيات الكريمة عليه، مثل: ﴿بما كانوا يعملون﴾. ﴿بما
стр. 1916
كانوا يكسبون﴾ ﴿بما كسبت أيديهم﴾ ﴿فمن يعمل﴾ ﴿من أعطى واتقى﴾، لكن اختص الأشعري بالكسب لغرابة رأيه فيه، فإنه خالف المعتزلة في قولهم العبد مستقل بإيجاد فعله الذي هو مقتضى الكسب عندهم، وقال الأشعري: لا يفعل شيئا ولا أثر لقدرته في فعله البتة، قيل: له فما معنى الكسب المذكور في القرآن؟ قال: وجود القدرة في المحل وتعلقها بالفعل من غير تأثير كتعلق العلم بمعلومه، ففسر الكسب بما يتبادر منه لغة، وهو التأثير في الفعل لما دل الدليل عنده على خلافه فجاء تفسيره غريبا عن اللغة فاختص اصطلاحه باسمه.
واعلم أن أهل السنة اتفقوا على ثبوت قدرة للعبد لكنهم اختلفوا فالأشعري يقول: لا تأثير لقدرة العبد أصلا، غير اعتقاد العبد تيسير الفعل عند سلامة الآلات وحدوث الاستطاعة والقدرة، والكل من خلق الله تعالى، وألزموه أن ذلك يؤول في المعنى إلى الجبر، وقال القاضي أبو بكر: أصل المعنى بقدرة الله وكونه طاعة أو معصية بقدرة العبد، ومعنى هذا أن الفعل له اعتبارات عقلية عامة وخاصة كالوجود والحدوث وكونه حركة أو سكونا، وكون الحركة كتابة أو قولا أو صلاة أو وزنا، وليس الفعل بذاته شيئا غير الإمكان والباقي بالفاعل، فما كان منها عاما فنسبته إلى فاعله وهو الله تعالى ولا يتجدد له به اسم، وما كان منها أخص كالكتابة مثلا فنسبه
стр. 1917
إلى العبد ويتجدد له به اسم كاتب، فهذا الوجه الأخص هو الواقع بالقدرة الحادثة وهو المسمى بالكسب وهذا لا يخرج عن قول الأشعري، إذ لم يثبت لقدرة العبد أثرا في الاتحاد، وإن كان خارجا عنه في بعض الاعتبارات وهما متفقان على تسمية الفعل من الجهة الخاصة لكن تلك النسبة عند الأشعري لكونها قائمة، وعند القاضي لكونها صادرة منه قائمة، ولا ينسب إلى الله تعالى لفظا بالاتفاق وإن كان فاعلا لهما عند الأشعري، وقال الأستاذ قدرة العبد مؤثرة فقيل: راجع إلى قول القاضي, وقيل: معناه أنه يقع بالقدرتين وقال إمام الحرمين في (النظامية) إن الفعل واقع بقدرة العبد المخلوق وإن خلقه منسوب إلى الله تعالى لا إلى العبد, ومعناه جعل قدرة العبد كالآلة والوسائط, فالله خالق لها, وقال الشهرستاني أخذ ذلك من الفلاسفة, وقصد به الفرار من الجبر, والجبر ألزم عليه, هذا تلخيص أقوال الناس والذي ينبغي اعتقاده: أن الله خالق أفعال العباد وأنها مكتسبة لهم, وأن حجة الله قائمة عليهم وأنه لا يسأل عما يفعل, ولا يطلب الوصول إلى غاية في ذلك, فلسنا مكلفين بها مع صعوبة مرامها.
فائدة: مما يقصم المعتزلة قوله تعالى: ﴿ثم شققنا الأرض شقا﴾ ولما رآها الزمخشري قال: أسند الشق إلى نفسه مجازا إسناد الفعل إلى السبب قال صاحب (الإنصاف) ما رأيت كاليوم هذا ينازع ربه قوله: ﴿ثم شققنا﴾ حقيقة
стр. 1918
فجعله مجازا, ويضيفيها إلى الحراث حقيقة أخرى, حكى أن سنيا ناظر معتزليا في (١٤٤/ك) مسألة القدر فقطع المعتزلي تفاحة من شجرة فقال: أليس أنا فعلت هذا؟ فقال: إن كنت فعلت قطعها فردها إلى ما كانت عليه فأفحم المعتزلي وانقطع, قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: وإنما ألزمه ذلك لأن القدرة التي يحصل بها الإيجاد لابد أن تكون صالحة للضدين, فلو كان تفريق الأجزاء من جهته لكان قادرا على وصلها.
(ص) ومن ثم الصحيح أن القدرة لا تصلح للضدين وأن العجز صفة وجودية تقابل القدرة= تقابل الضدين لا العدم والملكة.
(ش) فيه مسألتان إحداهما: القدرة على الفعل لا تصلح للضدين عند الأشعري وأكثر أصحابه؛ لأن الضدين يستحيل اجتماعهما معا في محل واحد, وقالت المعتزلة: تصلح لهما قال ابن القشيري وعند معظمهم تتعلق بالمختلفات التي
стр. 1919
لا تتضاد, وقال القلانسي من أصحابنا: إنها تصلح لهما على البدل ونقله الأستاذ أبو منصور عن أبي حنيفة وابن سريج وتحقيق مذهبهم أن الاستطاعة إذا اقترنت بالايمان صلحت له ولا تصلح للكفر، إذا اقترنت بالإيمان، ولكنها لو اقترنت بالكفر بدلا من اقترانها بالإيمان لصلحت له بدلا من صلاحها بالإيمان, ولهذا منعوا تكليف ما لا يطاق لأن قدرة الكافر على كفره لو اقترنت بالإيمان بدلا من اقترانها بالكفر لصلحت للإيمان بدلا من صلاحها للكفر, فهي تصلح للإيمان على وجه فلم يكلف الكافر ما لا يطقيه إذا كلف الإيمان, والمعتزلة لا يقولون بهذا, ومن هنا فارقهم من قال من أصحابنا بصلاحيتها على البدل, وأما الأشعري ﵀ وجمهور الأصحاب فيأبون ذلك ويقولون: استطاعة الإيمان توفيق واستطاعة الكفر خذلان, ولا تصلح إحداهما لما تصلح له الأخرى لاستحالة اجتماع الضدين, واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فضلوا فلا يستطيعون سبيلا﴾ فدل على أن استطاعة الهدى لا تصلح للضلال, وقوله ﷺ : ((على عهدك ووعدك ما استطعت)) فلا يستغني عن ربه في كل تنفسه وكل طرفة يطرفها لافتقاره في ذلك إلى استطاعة
стр. 1920
يخلقها الله عنده, ومقتضى مذهب القائل بصلاحيتها لذلك الفعل ولغيره من الأفعال الاستغناء عن تجدد الإمداد وهو محال, وقال الإمام في (المعالم): عندنا أنه إن كان المراد من القدرة سلامة الأعضاء فهي صالحة للفعل والترك, وإن كان المراد أن القدرة ما لم ينضم إليها الداعية الجازمة المرجحة فإنها لا تصير ضدا لذلك إلا مجردا, وعند حصول ذلك المجموع لا يصلح للضدين فهذا أحق.
واعلم أن الخلاف في هذه المسألة مبني على الاستطاعة مع الفعل أو قبله, والصحيح عند الأشعري أنها معه؛ فلهذا منع صلاحية القدرة للضدين, والدليل على أنها معه لا قبله ولا بعده, أن الفعل إنما يكون كسبا لهما على طريق التأثير فوجب كون الاستطاعة موجودة حال كونه كسبا فوجب أن يكون مع الكسب, إذ هي عرض لا يبقى وقد قال تعالى: ﴿لن تستطيع معي صبرا﴾ فنفى استطاعة الصبر عنه, فدل على أن وجود الاستطاعة بوجود الصبر, وذلك يوجب أن تكون القدرة بالفعل.
الثانية: اختلف الأصوليون في العجز فذهب المتكلمون إلى أنه صفة وجودية قائمة بالعاجز تضاد القدرة, والتقابل بينهما تقابل الضدين, وذهب الفلاسفة إلى أنها عبارة عن عدم القدرة مما من شأنه أن يكون قادرا والتقابل بينهما تقابل العدم والملكة, وتوقف الإمام في (المحصل) = لعدم الظفر بدليل يدل على شيء من ذلك, واختار في
стр. 1921
(المعالم) الثاني محتجا بأنا متى تصورنا هذا العدم حكمنا بكونه عاجزا وإن لم نعقل فيه أمرا آخر فدل على أنه لا يعقل من العجز إلا هذا العدم.
ووجه بناء هاتين المسألتين على مسألة خلق الأفعال كما أشار إليه المصنف بقوله: ومن ثم أي إنه لما كان ليس للعبد تأثير بقدرته وأن القدر. في الحقيقة هي قدرة الله تعالى لزم منه امتناع وقوع الفعل من قادرين, وأن العجز ضد القدرة, ولما انتفى عن العبد تأثير القدرة ثبت له العجز, وبعضهم جعل هذا المأخذ مبني على أن دخول مقدور تحت قدرتين محال، ومراده بالاختراع وأما دخول مقدور تحت قدرتين إحداهما قدرة الاختراع والثانية قدرة الاكتساب, فجائز, وثبت بهذا أيضا أن المتولدات بخلق الله تعالى كالألم في المضروب والانكسار في الزجاج ونحوه, وعند المعتزلة بخلق العبد ومن ثم قالوا: إن المقتول لم يمت بأجله وعندنا القتل فعل بخلق الله تعالى عقبة للحيوان الموت.
стр. 1922
تنبيه: وجه إدخال المصنف هذه المسألة في مسائل التصوف وهي من مسائل الكلام: شدة تعلقها بالحقيقة الباعثة على العمل, فإنه إذا علم أن الله خلق العبد وأفعاله, وأرسل الرسل وأنزل الكتب وأخفى على العباد ما علمه من أحوالهم, فما كان في عمله وسابق مشيئته سعيدا يسر له بالطاعة وما كان عكسه منعه منها, ثم الاعتبار بالخاتمة ومبناها على السابقة فالشريعة خطابه لعباده بالحجة, وقيام المحجة, والحقيقة تصريفه في خلقه بما شاء وكيف شاء وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ فهذه حقيقة فالحقيقة باطن الشريعة ولا يغني باطن عن ظاهر, ولا ظاهر عن باطن, وقال الإمام في (المطالب): هذه ليست مستقلة بنفسها بل هي بعينها مسألة إثبات الصانع, وذلك لأن العمدة في إثبات الصانع: هو أن الإمكان محوج إلى المؤثر والمرجح فوجب الحكم بافتقار كل الممكنات إلى المؤثر والمرجح.
(ص) ورجح قوم التوكل وآخرون الاكتساب, وثالث الاختلاف باختلاف الناس وهو المختار, ومن ثم قيل إرادة التجريد/ (١٤٥/ك) مع داعية الأسباب شهوة خفية وسلوك الأسباب مع داعية التجريد انحطاط عن الذروة العلية, وقد يأتي الشيطان باطراح جانب الله تعالى في صورة الأسباب أو بالكسل والتماهن في صورة التوكل, والموفق يبحث عن هذين, ويعلم أنه لا يكون إلا ما يريد ولا ينفعنا علمنا بذلك إلا أن يريد الله .
(ش) في تفضيل التوكل على الاكتساب مذاهب.
أحدها: التوكل لأنه ينشأ عن مجاهدات, والأجر على قدر النصب, ولأنه حاله ﷺ , وحال أهل الصفة في الحديث الصحيح في صفة
стр. 1923
الداخلين إلى الجنة بغير حساب: ﴿وعلى ربهم يتوكلون﴾.
وثانيها: الاكتساب لقوله ﷺ : ((ما أكل أحد طعاما قط أطيب مما كسبت يده)) رواه البخاري ولأنه الجاري من فعل الأكابر من الصحابة وغيرهم من السلف.
وثالثها: وهو المختار أنه يختلف باختلاف حال الشخص, فإن كان ممن يؤثر طاعة الله على كسبه ولا يسخط عند تعذر الرزق ولا يستشرف نفسه إلى أحد من الخلق, فالتوكل في حقه أفضل, والله تعالى يقوم له بالكفاية إذا رآه على الطاعة كما
стр. 1924
قال تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ وفي الحديث ((لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصا وتروح بطانا)) أي: تغدوا جياعا من المخمصة وتروح ممتلئة البطون, فمن غلبه الطير فهو المغلوب, وفيه إشارة خفية إلى طلب ما يسد وقته خاصة, ولا يحمل هم غده على يومه, فالمقتصر على ذلك هو المراد من الحديث ولله در القائل:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر
وإن كان ممن عساه أن يتسخط أو يضطرب قلبه, ويستشرف الناس فالكسب أولى, لأن الاستشراف سؤال بالقلب وتركه أهم من ترك الكسب, والسعي في طلب الرزق لا يقدح في التوكل؛ لأن السبب من رزقه أيضا فإنه المقوي على الأعمال, وإنما المذموم التكاسل الذي يسميه كثير من البطالين التوكل, وفي هذا القول جمع بين أدلة الفريقين, وهو نظير جواز الصدقة بجميع المال لمن قوي ووثق من نفسه, والمنع لمن لم يصل إلى هذه الرتبة وحمل اختلاف الأحاديث على هاتين الحالتين, وهذا ما نقله الحليمي في (المنهاج) وجعل الاستكثار من نوافل الصيام والصلاة إذا لم يتبرم بها ولم يستثقلها نظير ذلك قال البيهقي في (شعب الإيمان) وعليه أكثر
стр. 1925
أهل المعرفة, وقد سئل ابن سالم بالبصرة: أنحن متعبدون بالكسب أو بالتوكل؟ فقال: التوكل حال رسول الله ﷺ والكسب سنته وإنما استنزلهم الكسب لضعفهم حين أسقطوا عن درجة التوكل ولم يسقطوا عن درجة طلب المعاش بالمكاسب التي سنه, ولولا ذلك لهلكوا, وحكى الشيخ عبد الله بن أبي جمرة إن فقيرا كتب فتوى: ما تقول الفقهاء في الفقير المتوجه, هل يجب عليه الكسب؟ , فأجاب من نور الله بصريته إن كان توجهه دائما لا فترة فيه فالكسب عليه حرام, وإن كانت له في بعض الأوقات فترة فالتكسب عليه واجب, قال الشيخ فتأمل هذا ما أبدعه! وكيف يعضده حديث ((إن الله تكفل برزق طالب العلم)) أي: أنه لما استغرق بالطلب أوقاته ولم يمكنه مع كسب يسر الله له الرزق بلا واسطة السبب, فهذا وجه خصوصية العلم, وإن كان الله تكفل برزق جميع العباد, وذكر البيهقي
стр. 1926
قبل ذلك ما يخرج منه قول رابع, وعول عليه: وهو تعاطي الأسباب مع اعتقاد أن المسبب هو الله تعالى, فإنه إن شاء حرمه ثمرة السبب مع تعاطيه له فيكون ثقته بالله واعتماده عليه في إيصال تلك المنفعة إليه مع وجود السبب, ويكون فائدة السبب أنه غير مانع من التعدد، لا كما يزعم كثير من الناس، وهذه طريقة الأنبياء
والأصفياء وفي (صحيح البخاري): ((كان داود ﵇ لا يأكل إلا من عمل يده)) وقال رجل: يا رسول الله, أرسل ناقتي وأتوكل, قال: ((اعقلها وتوكل)) رواه البيهقي بطرق وهذا لأن التوكل عمل يختص بالقلب, والتعرض بالأسباب أفعال البدن, فلا تنافي بينهما, وروى معاوية بن قرة أن عمر بن الخطاب أتى على قوم فقال: ما أنتم؟ فقالوا: نحن المتوكلون, فقال: بل أنتم المتكلون, ألا أخبركم بالمتوكلين, رجل ألقى حبة في بطن الأرض ثم توكل على ربه قال البيهقي: يعني المتكلين عل أموال الناس, وقال الجنيد: ليس التوكل الكسب ولا ترك الكسب, التوكل سكون القلب إلى موعود الله تعالى, قال البيهقي: فعلى هذا ينبغي أن لا يكون تجدد هذا السكون عن الكسب شرطا في صحة التوكل, بل يثبت بظاهر العلم معتمدا بقلبه على الله تعالى, كما قال بعضهم: اكتسب ظاهرا وتوكل باطنا, فهو مع
стр. 1927
كسبه لا يكون معتمدا في كفاية أجره على الله تعالى, وقال أبو عثمان: اليقين لا يمنع الموقن من الطلب للحظ الكافي من الدنيا, وإنما يدل على ترك الفضول رضى بالقليل وزهد في الكثير اتباعا لرسول الله ﷺ وأصحابه, فإنهم أئمة المتوكلين والزاهدين مع ما وصفا من الأمن بما لك والإياس مما ليس لك, ومن زعم أن اليقين يمنع طلب القوت والكفاف فقد جهل اليقين, وخالف سنن السلف الصالحين, فقد يقدم في ذلك مع صدق التوكل الأنبياء وأتباعهم وخلافهم (١٤٦/ك) خلاف الحق وموافقتهم موافقته, وذكر القشيري في الإشارات: قيل هل يزداد الرزق بالتوكل؟ قيل: لا, قيل: فهل ينقص عنه؟ قيل: لا, قيل: فما فائدته؟ فقيل: راحة القلب في الحال, وكذلك الدعاء لا يغير القضاء وفي الحال يتشرف بالمناجاة والتضرع بالافتقار, وقول المصنف: ومن ثم قيل يشير إلى ما ذكره صاحب (التنوير) قي إسقاط التدبير قال: طلبك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية, وطلبك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن
الهمة العلية, وافهم _ رحمك الله أن من شأن العدوان أن يأتيك فيما أنت فيه, فما أقامك الله فيه فيحقره عندك لتطلب غير ما أقامك الله فيه, فيشوش قلبك ويكدر وقتك, وذلك أنه يأتي للمتسببين فيقول: لو تركتم الأسباب وتجردتم لأشرقت لكم الأنوار ولصفت منكم القلوب والأسرار, وكذلك صنع فلان وفلان وفلان ويكون هذا
стр. 1928
العبد ليس مقصودا بالتجريد ولا طاقة له به, إنما صلاحه في الأسباب فيتركها فيتزلزل إيمانه ويذهب إيقانه ويتوجه إلى الطلب (من الخلق وإلى) الاهتمام بالرزق, وكذلك يأتي للمتجردين ويقول: إلى متى تتركون الأسباب؟ ألم تعلموا أن تركها يطمع القلوب لما في أيدي الناس ولا يمكنك الإيثار ولا القيام بالحقوق وعوض ما يكون منتظر ما يفتح به عليك من الخلق, فلو دخلت في الأسباب بقي غيرك منتظرا ما يفتح عليه منك, ويكون هذا العبد قد طاب وقته وانبسط نوره, ووجد الراحة بالانقطاع عن الخلق ولا يزال به حتى يعود إلى الأسباب فيصيبه كدرتها وتغشاه ظلمتها, ويعود القائم في سببه أحسن حالا منه, وإنما قصد الشيطان بذلك أن يمنع العباد الرضى عن الله تعالى فيما هم فيه, وأن يخرجهم عما اختار لهم إلى مختارهم لأنفسهم وما أدخلك الله فيه تولى إعانتك عليه, وما دخلت فيه بنفسك أوكلك إليه, ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيرا﴾.
هذا كلامه وفيه التنبيه على مكيدة من مكائد الشيطان وتلبيسه مقام التوكل بالاتكال, فتارة يحث على السبب ويوهم أنه السنة, وقد دس فيه الركون إليه, واطراح جانب الرب, وتارة يعكس هذه فيحثه على الترك ويوهمه أنه في مقام التوكل وإنما هو عجز ومهانة, والسعيد من وفق للفرق بينهما, وحذر من اغتياله.
وأنا استغفر الله الكريم العظيم من الكلام في هذا المقام, لولا ضرورة البيان لأحجمت العنان, فقد قال بعض الأكابر: من تكلم بكلام لم يبلغه حاله كان فتنة عليه, وعلى سامعه ومن لم يكن علمه من حاله فهو ناقل.
يا واعظ الناس قد أصبحت متهما ... تعيب فيهم أمورا أنت تأتيها
стр. 1929
يا كاسي الناس من عري وعورته ... للناس بادية ما إن يواريها
وأنا أسأل الله تعالى المنة بكل ما يقربني إليه ويجمعني عليه مقرونا بالعوافي في الدارين برحمتك يا أرحم الراحمين, ووافق الفراغ بحمد الله تعالى لتعليقه في اليوم المبارك يوم الأربعاء الرابع عشر من شهر جمادى الأولى من شهور سنة تسع وأربعين وثمانمائة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم والبركات والتكريم وعلى آله وصحبه أجمعين وذلك بالمدرسة الصلاحية بالقدس الشريف على يد العبد الفقير المعترف بالتقصير الراجي عفو ربه الكريم أحمد بن عثمان بن داود السعدي لطف الله به وعفى عنه وغفر له ولوالديه ولجميع المسلمين والحمد لله رب العالمين وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
تم فلك الحمد اللهم.