Полный текст (1 929 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
وبنوا قولهم هذا على أن الجواهر ليست مشتركة في تمام الماهية ولا متماثلة في حقيقة الجوهرية بل هي أجناس مختلفة لأن الجواهر أعراض مجتمعة، والأعراض مختلفة والجواهر أعراض لا تكون حينئذ متماثلة.
وحجة الجمهور: أن الجوهر لو تركب من الأعراض لما قام بها، لكن الأعراض قائمة بالجواهر، أما الأولى فلأنه لو قامت الأعراض بالجوهر لكانت قائمة بالعرض وهو محال، وأما الثانية فللاتفاق على أن الجوهر يصح اتصافه بالحياة والعلم والقدرة وغير ذلك من الأعراض.
(ص) والأبعاد متناهية.
(ش) أبعاد الأجسام المتناهية يعني بالنهاية حد الشيء وهو الطرف الذي إذا تحرك إليه متحرك وقف عنده، بحيث لا يجد بعده شيئا آخر مما له ذلك الطرف، مثل النقطة للخط، وإذا علم تفسير النهاية بهذا كان أن لا نهاية عبارة عما لا يفرض فيه حد إلا وبعده حد آخر، وكذلك أبدا لا يقف عند شيء وهو حد، والذي عليه أهل الحق أن كل بعد فهو متناه، خلافا لبعض الأوائل في إثباتهم أبعادا لا نهاية لها، ومنهم من أثبت أقساما لا نهاية، وهم الهند قال صاحب (الصحائف): والحق أن القول بأبعاد غير متناهية باطل سواء كانت مادية أو مجردة وذلك لأنه لو وجدت أبعاد
стр. 1857
غير متناهية لاستحال وجود الحركة للمستديرة والثاني باطل فكذا المتقدم.
(ص) والمعلول قال الأكثر يقارن علته زمانا، والمختار وفاقا للشيخ الإمام يعقبها مطلقا وثالثها إن كانت وضعية لا عقلية، أما الترتيب رتبة فوفاق.
(ش) اتفقوا على أن العلة تتقدم المعلول بالرتبة، واختلفوا هل تسبقه في الزمان أو تقارنه على مذاهب:
أحدها: أنها تقارنه وإن كان بينهما ترتب عقلي فهو في التسمية بل هو كحركة الخاتم فإنه مع حركة اليد وإن كان معلولا وقال الرافعي في كتاب الطلاق إنه الذي ارتضاه إمام الحرمين ونسبه للمحققين وعبر عنه في (الروضة) بالصحيح وأجاب إمام الحرمين والرافعي عن قول القائل: إن جئتني أكرمتك بأن الإكرام فعل منشأ ولا يتصور إنشاؤه إلا متأخرا عن المجيء فلزم الترتيب ضرورة، وأما وقوع الطلاق فإنه حكم شرعي لا يفتقر إلى زمان محسوس، فسبيله سبيل العلة مع المعلول.
والثاني: أنها تسبقه واختاره الشيخ السبكي وللرافعي إليه ميل ظاهر، قال إمام الحرمين في (النهاية): وسواء هذا الحكم في المذهب يدل له، فإنه لو قال لغير المدخول بها إذا طلقتك فأنت طالق ثم قال: أنت طالق، طلقت هذه فقط ولم تطلق
стр. 1858
الطلقة المعلقة، لأنها بانت بالطلقة الموقعة فلم يلحقها ما بعدها، ولو كانت معه لوقع طلقتان لقوله أنت طالق طلقتين، وأيضا لو قال لغانم: مهما أعتقتك فسالم حر، ثم أعتق غانما في المرض والثلث لا يفي بهما لم يعتق سالم شيء، بخلاف ما لو أعتقهما جميعا فإنه يقرع بينها، وأجاب الغزالي عن هذا فقال وإنما لم يقع قبل الدخول طلقتان، لأن مقتضاه وقع مع أول حال البينونة، وكذلك لو قال: أنت طالق طلقة لم يقع إلا واحدة على أدق الوجهين، بخلاف أنت طالق طلقتين، لأن البينونة معلول لمجموع الطلقتينن وقوله طلقتين كالتفسير لقوله طالق، وكذا لا يعتق سالم لأن عتقه معلول عتق غانم، وربما خرجت القرعة على سالم فيعتق دون غانم، فثبت المعلول دون العلة: قال وهذا كلام دقيق عقلي ربما يقصر نظر الفقيه عنه انتهى.
والثالث: أن العلة العقلية تقارن معلولها لكونها مؤثرة بذاتها، والوضعية تسبق المعلول والشرعية من الوضعية وهو ظاهر نص الشافعي في (الأم) في كتاب الطلاق، وللخلاف فوائد كثيرة مذكورة في الفروع في الطلاق والكفارة وغيرها، وقال الشيخ عز الدين في (القواعد): الأسباب القولية التي يستقل بها المتكلم كالطلاق والعتاق، الأصح أن أحكامها تقترن بآخر جزء منها فتقترن الحرية بالراء من قوله: أنت حر، والطلاق بالقاف من قوله: أنت طالق، وهذا اختيار الأشعري والحذاق من أصحاب الشافعي، وهو مطرد في جميع الألفاظ كالأمر والنهي، فإذا
стр. 1859
قال: اقعد كان أمرا مع الدال من قوله اقعد، وإذا قال لا تقعد كان ناهيا مع الدال من قوله لا تقعد، وكذا الأقارير والشهادات وأحكام الحكام، وقال بعض الشافعية: لا تقترن هذه الأحكام بشيء من هذه الألفاظ، بل تقع عقبها من غير تخلل زمان قال: ويدل على الاقتران إن سمع حرفا من آخر حروف الكلمة فإنه يحكم على مطلقها بموجبها عند آخر حرف من حروفها.
(ص) واللذة حصرها الإمام والشيخ الإمام في (المعارف).
(ش) ذهب الإمام (١٣١/ك) فخر الدين الرازي إلى أن اللذة منحصرة في العلوم والمعارف العقلية، فإنها خالصة شريفة غير متناهية باقية على الآباد، وأما اللذات الحسية منحصرة منقضية مشوبة بأكدار مظلمة طبيعية، والحاصل منها دفع الآلام، فلذة الأكل والشرب لدفع ألم الجوع والعطش، ولذلك قال الحسن: الإنسان صريع جوع وقتيل عطش، وهكذا الجماع واللبس وغيرهما من اللذات الجسمانية والخيالية، وصنف في ذلك رسالة سماها (تحقير اللذات الجسمانية) وقال: إن اللذات المطلوبة في هذه الحياة العاجلة محصورة في ثلاثة: فأدونها اللذات الحسية، وهي قضاء الشهوتين ويشارك فيها الآدمي غيره من الحيوانات، وأوسطها اللذات الخيالية وهي الحاصلة من الاستعلاء والرياسة لدفع ألم القهر والغلبة، وهي أشدهما التصاقا بالعقلاء إذ لم ينالوا رتبة الأولياء، ولذلك قال بعضهم: آخر ما يخرج من
стр. 1860
رؤوس الصديقين حب الرياسة، وأعلاها اللذات العقلية وهي الحاصلة بسبب معرفة الأشياء والوقوف على حقائقها وهي اللذة على الحقيقة وهذا أخذه من كلام الغزالي قال الغزالي: والعقلية هي أقلها وجودا وأشرفها، أما قلتها فلأن الحكمة لا يستلذ بها إلا الحكيم وقصور الرضيع عن إدراك لذة العسل والطيور السمان والحلاوة لا يدل على أنها ليست بلذيذة واستطابته للبن لا يدل على أنه أطيب الأشياء والناس كلهم إلا النادر مقيدون في صبأ الجهل غير بالغين في رتبة العلوم، فلذلك لا يستلذون:
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا.
وأما شروطها: فلأنها لازمة لا تزول ودائمة لا تمل وثمرتها في الدار الآخرة، والقادر على الشريف إذا رضي بالخسيس الفاني كان مصابا في عقله مجزوما بشقاوته أقل أمر فيه أن الفضائل لا سيما العلم والعمل لا يحتاجان إلى أعوان وحفظة بخلاف المال فإن العلم يحرسك وأنت تحرس المال والعلم يزيد بالإنفاق والمال ينقص به والعلم نافع في كل حال والمال تارة يجذب إلى الرذيلة، ولذلك ذمه الله في القرآن في مواضع وإن سمي خيرا في مواضع وذكر الشيخ عز الدين في (القواعد) قريبا منه فقال: هذا مختص بدار المحنة وأما دار الكرامة وهي الجنة فإن اللذة تحصل
стр. 1861
فيها من غير ألم يتقدمها أو يقترن بها لأن الأمل واللذة عرضان متلازمان في هذه الدار بحكم العادة المطردة وتلك الدار قد خرقت فيها العادة كما خرقت في المخاط والبصاق والبول والغائط والتفاخر والتحاسد ومساوئ الأخلاق، وكذلك تخرق العادة في وجدان لذاتها من غير ألم سابق أو مقارن فيجد أهلها لذة الشرب من غير عطش ولا ظمأن=، ولذة الطعام من غير جوع ولا نصب قال: وكذلك خرقت العادة في العقوبات فإن أقل عقوبات الآخرة لا يبقى معه في هذه الدار حياة، وأما في تلك الدار فإن أحدهم لتأتيه أسباب الموت من كل مكان وما هو بميت.
(ص) وقال ابن زكريا هي: الخلاص من الألم وقيل: إدراك الملائم، والحق أن الإدراك من ملزومها.
(ش) ذهب محمد بن زكريا إلى أن اللذة أمر عدمي، وهو الخلاص من الألم، وزيفه الإمام بما إذا وقع البصر على صورة حسنة فإنه يلتذ بإبصارها مع أنه لم يكن له شعور بتلك الصورة قبل ذلك حتى يجعل تلك اللذة خلاصا عن ألم الشوق إليها، ولذلك قد يحصل للإنسان لذة عظيمة بالعثور على كنز مال فجاءة وأجيب عنه: بأنا لا نسلم أنها ما كان يحصل ألم الاشتياق إلى النظر،
стр. 1862
ولذلك يقل الالتذاذ بها مع كثرة الصحبة وقال ابن سينا في بعض كتبه: اللذة إدراك الملائم والألم إدراك المنافي، قال الصفي الهندي: وهو لا يخلو عن شائبة الدور لأن إدراك أحدها يتوقف معرفته على إدراك الآخر، وهذا فيه نظر: إذ قد يدرك المنافي من لم يدرك أحدها ويعرفه وكذا بالعكس، وقال ابن سينا في (الشفاء) إدراك الملائم من حيث هو ملائم، والملائم هو الكمال الخاص للشيء ورد بأنا نجد من أنفسنا حالة مخصوصة، ونعلم أنا ندرك ملائما ولا نعلم أن تلك الحالة هي نفس الإدراك أو غيره والمختار أن اللذة والألم لا يحدان لكونهما من الأمور الوجدانية فلا يحتاج في حصولهما إلى نظر وفكر، وقال في (المحصول) في باب القياس عند الكلام في المناسب: إنه الصواب وجرى عليه البيضاوي في (الطوالع) وعلى التحديد فمرادهم الإدراك بحادث فإن الكيفيات المستقرة لا يلتذ بها لاستقرارها وعدم تحددها، إذ لا يبقى للنفس بها شعور، بل تذهل عنها في أكثر الأوقات، واللذة إنما هي بحصول وشعور، فالحصول بعد ما لم يكن كالمريض إذا حصل الصحة دفعة وجد بذلك أعظم اللذة لتجددها بعد الزوال، وما قال المصنف: إنه الحق أخذه من (الصحائف) للسمرقندي فقال: بل الحق أن الإدراك ليس هو نفس اللذة بل ملزومها.
(ص) ويقابلها الألم.
стр. 1863
(ش): أي فيكون على القول الأول أمر وجودي وهو الوقوع في الألم، وعلى الثاني إدراك غير الملائم، وفيه ما سبق، وقال الإمام في (المطالب): اختلف في أن الألم هل هو نفس إدراك المنافي أو حالة زائدة وكذلك النفرة والشهوة هل هما نفس الإرادة والكراهة أو جنسان مغايران لهما؟
(ص): وما تصوره العقل إما واجب أو ممتنع أو ممكن، لأن ذاته إما أن تقتضي وجوده في الخارج أو عدمه أو لا تقتضي شيئا.
(ش): هذا التقسيم قدمه صاحب (المصباح) والصحائف وغيرهما والمصنف أخره لأهمية السابق، وحاصله أن ما تصوره العقل فهو بالنسبة إلى الخارج إما واجب أو ممتنع أو ممكن، لأن ذاته إن اقتضت وجوده في الخارج فهو الواجب، وإلا فإن اقتضت عدمه فهو الممتنع، وإن لم تقتضي شيئا فهو الممكن، وكل واحد من هذه الثلاثة لا ينقلب إلى الآخر لأن مقتضى (١٣٢/ك) الذات لازم لها، وفي رفعها للذات، فلا يصير الواجب لذاته ممكنا ولا الممكن واجبا، ولا كل واحد منها ممتنعا، ولا الممتنع شيء منها، وبعضهم جعل القسمة ثنائية وأن الإمكان في المشهور يطلق على مقابلة الامتناع فكل ما ليس بممتنع يسمونه ممكنا، وكل شيء إما ممتنع
стр. 1864
أو ممكن وعلى هذا الاصطلاح فالواجب مندرج في الممكن لأنه ليس بممتنع، لكن المحققين لما أطلقوا اسم الممكن على ما ليس بممتنع ولا واجب جعلوا القسمة ثلاثية وهذا الممكن أخص من الممكن في المشهور لاستلزامه إياه من غير عكس، وأورد بعض الناس عليه شكا وهو: أن الواجب لذاته إن كان ممكنا وكل ممكن هو ممكن أن لا يكون، فالواجب لذاته يمكن أن لا يكون هذا خلف، وإن لم يكن ممكنا وكل ما ليس بممكن فهو ممتنع، فالواجب لذاته ممتنع هذا خلف.
والجواب: أن الواجب لذاته ممكن بالمعنى الأعم، ولا يلزم من صدق كونه ممتنعا بالمعنى الأعم أن لا يكون، وإنما يلزم ذلك أن لو كان ممكنا بالمعنى الأخص، وليس الواجب لذاته ممكنا بالمعنى الأخص ولا يلزم من نفى كونه ممكنا بالمعنى الأخص كونه ممتنعا، وإنما يلزم ذلك أن لو كان غير ممكن بالمعنى الأعم، أورد عليه أيضا أن الممكن إن كان موجودا امتنع عدمه لاستحالة اجتماع الوجود والعدم، وإن كان معدوما امتنع وجوده لما ذكرنا، فلا إمكان، وأيضا إن خص سبب وجوده وجب وجوده، وإلا امتنع وجوده.
وأجيب: بأن الممكن هو الذي بالنظر إلى ماهيته من حيث هي هي لا يجب وجوده ولا عدمه.
(ص) خاتمة:
(ش) هذه الخاتمة في علم التصوف، وختم به ليكون الدعاء إلى تطهير القلب
стр. 1865
خاتمة أمره، وتابع في ذلك (صاحب الشامل الصغير) فإنه جعل ذلك في آخره، ومنه استمد المصنف وزاد عليه.
(ص): أول الواجبات المعرفة وقال الأستاذ: النظر المؤدى= إليها والقاضي: أول النظر، وابن فورك وإمام الحرمين: القصد إلى النظر.
(ش) اختلف في أول ما يجب على المكلف على بضعة عشر قولا: أحدها قول الأشعري: العلم بالله ورسوله ودينه لقوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾، ﴿وليعلموا أنما هو إله واحد﴾ قال ابن السمعان: وهو قول عامة أهل الحديث وسلكوا طريق السلف، ونهوا عن ملابسة الكلام، وزعموا أنه محدث ومخترع بعد انصرام زمن الصحابة والتابعين وأنكروا قول أهل الكلام: أول واجب النظر ولو قال الكافر: أمهلوني لأنظر وأبحث فإنه لا يمهل ولا ينظر، ولكن يقال له: أسلم في الحال وإلا أنت معروض على السيف قال: ولا أعلم في هذا خلافا بين الفقهاء وقد نص عليه ابن سريج
стр. 1866
والثاني قول الأستاذ: النظر المؤدي إلى العلم به، إذ لا يتوصل إليه إلا بالنظر وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وفي القرآن غير آية، في وجوب النظر والتنبيه على الآيات والعلامات.
والثالث: قول القاضي: إنه معرفة الأوائل والمقدمات التي لا يتم النظر إلا بها.
والرابع: قول ابن فورك وإمام الحرمين: القصد إلى النظر، إذ لا يحصل النظر من العالم إلا بالقصد إليه.
الخامس: قول أبي هاشم: الشك، ونقل عن ابن فورك لامتناع النظر من العالم فإن الحاصل لا يتعلق به طلب، ولا يمتنع من الشاك والظان فإنه متردد بين معتقدين فيجب النظر لتحصيل اليقين، ورده القاضي أبو بكر بأنه لا يمتنع في العقل الهجوم على النظر من غير سبق تردد.
стр. 1867
والسادس: الإقرار بالله ورسوله.
والسابع: النطق بالشهادتين.
والثامن: قبول الإسلام والعزم على العمل ثم النظر بعد القبول ليعلم به صحة المقبول.
والتاسع: اعتقاد وجوب التعليل والعاشر: التقليد.
والحادي عشر: أن النظر لا يجب إلا عند الشك فيما يجب اعتقاده فيلزم البحث عنه والنظر فيه إلى أن يعتقده، قال الشيخ عز الدين في (القواعد): وهو الأصح وذكر الإمام في (المحصل) وغيره أن الخلاف لفظي يرجع إلى أنه هل المراد الواجب لعينه أو لغيره؟ فمن أراد الأول قال: إنه المعرفة، ومن أراد الواجب بالقصد الثاني قال: إنه النظر أو القصد إلى النظر قلت: بل هو معنوي تظهر فائدته في التعصية= بترك النظر على من أوجبه دون من لم يوجبه هذا إذا فسرنا المعرفة بموافقة المعتقد، وإن لم يكن عن دليل، وقال الآمدي: المعرفة الواجبة تنقسم إلى ما حصولها عن معرفة الدليل جملة لا من حيث القدرة على تقريره ونفي المعارض عنه، وإلى معرفة الدليل مع التقرير، فقيل: هي بالأول واجبة على الأعيان، وبالثاني على الكفاية، وقيل: على الأعيان في الثاني أيضا لكن لو ترك النظر فصاحبه مؤمن عاص،
стр. 1868
وسهل الغزالي في بعض مؤلفاته النظر فقال هو طويل عند من لا يعرف وجيز عند العارف به، فإنك إذا عرفت أنك محدث فالمحدث لا يستغني عن المحدث، فقد حصل لك البرهان على الإيمان بالله فما أقرب هاتين المعرفتين، أعني أنك محدث وأن المحدث لا يحدث.
تنبيهات - الأول: ما نقلنا أولا عن الشيخ هو المشهور وفي (المقنع) للأستاذ أبي منصور حكاية الثاني عن أكثر الأصحاب، قال: وهو ظاهر مذهب شيخنا واستدل عليه بأن قال: العبادات متعلقة بالنية، والنية لا بد فيها من قصد المعبود، والقصد لا يصح إلا بالمعرفة، والمعرفة لا تصح إلا بالنظر فثبت أنه أول واجب، قال: وذهب بعض القدماء من أصحابنا إلى أنه المعرفة المقصودة والنظر يقع تبعا والتابع لا يعد في نفسه، قال: ومن قال: إنه القصد للنظر فهو قياس ما تعلق به شيخنا، فإن القصد يقع أولا فإذا أعد النظر أولا لوقوعه قبل المعرفة لزم أن يعد القصد أولا لوقوعه قبل النظر، قال: وحكى شيخنا عن بعض أصحابنا أنه أول واجب: الإقرار بالله ورسوله، فقيل: أراد بعض المتكلمين لأمر يختص به من أصحابه، ويحتمل أنه أراد بعض أصحابنا وأنه يجب عليه ذلك على الفور، فإن أصحابنا يوجبون الفور، ويخالفون المعتزلة في القول بمهلة النظر، ولهذا سأل شيخنا نفسه عمن وراء الصين ورأى الاختلاف ماذا يلزمه قال: فيه جوابان:
أحدهما: يلزمه النظر وليعلم الحق (١٣٣/ك) فيتبعه.
والثاني: يلزمه إتباع الحق وقبول الإسلام.
الثاني: علم منه أن لا طريق إلى المعرفة إلا بالنظر والاستدلال وهو باتفاق
стр. 1869
وحكى الإمام في (المطالب) عن الصوفية أن طريق معرفته الرياضة وتصفية الباطن وهو المراد بالإلهام، الذي ذكره المصنف في باب الاستدلال.
الثالث: قيل: إن هذه المسألة أصل للمسألة السابقة أول العقيدة في التقليد في أصول الدين، فإنا إذا أوجبنا المعرفة امتنع التقليد.
قلت: إن أريد بالمعرفة الجملة فلا شك أنها في فطرة كل أحد فإن معرفة الله الظاهرة مذكورة في النفوس، فإن كل عاقل يعلم أنه مفعول لفاعل، ومعرفته المكتسبة هي التي دعت الأنبياء إليها وهي معرفة ما يجب له وما يستحيل عليه فدعوا كلهم إلى قول لا إله إلا الله وهي على ثلاثة أضرب لا يدركه إلا نبي أو صديق وذلك معرفته بالنور الإلهي من حيث لا يعتريه شك بوجه، كما قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا﴾ وضرب يدرك بغلبة الظن الذي يفسره أهل اللغة باليقين كما قال تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ وضرب يدرك بالتقليد المحض كما قال تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ فالأول يجري مجرى إدراك الشيء من قرب ولهذا قال في وصفهم: ﴿لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ والثاني يجري مجرى إدراكه من بعد، وقد تعرض فيه شبهة لكنها تزول بأدنى تأمل كما قال تعالى: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ والثالث: يجري مجرى رؤية الشيء من وراء ستر كثيف فلا ينفك من شبهات كما أخبر عمن هذه
стр. 1870
حاله بقوله: ﴿إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين﴾ وسبق عند قول المصنف: ليست حقيقة معلومة كما ينبغي استحضارها هنا.
(ص): وذو النفس الأبية يربأ بها عن سفساف الأمور ويجنح إلى معاليها.
(ش): لأن الأول يكرهه الله والثاني يحبه فروى البيهقي في (شعب الإيمان) من طرق عن سهل بن سعد: قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالى يحب معالي الأمور ويكره سفسافها)) قال ابن الأثير: السفساف: الأمر الحقير الردئ من كل شيء، وهو ضد المعالي وأصله ما يطير من غبار الدقيق إذا نخل، والتراب إذا انتثر وقوله: يربأ هو بالهمزة آخره أي يرفعها قال الجوهري: وقولهم إني لأربأ بك عن هذا الأمر أي أرفعك عنه قلت: ومنه قول
стр. 1871
بعضهم:
قد هيؤوك لأمر لو فطنت له فأربا بنفسك أن ترعى مع الهمل
والمعالي والسفساف كلمتان جامعتان لمدرجي السعادة والشقاوة، والغرض أن من نظر إلى الدنيا بعين الحقيقة وأنها لو كانت كلها مباحة لألهته عما خلق له، وهي لأجله، وهو العبادة انكف عن دني الطريق، وتخلق بالحقائق فإن أبي النفس لا يرضى أن يكون أدنى، وهو يقدر على أن يكون أعلى ولا يميل إلى العوج، وقد هدى إلى الطريق المعلى، فإن سبب المرض المانع من معرفة الله تعالى الإقبال على الشهوات، والحرص على الدنيا، ولهذا قال الشافعي: لو أوصى لأعقل الناس صرف إلى الزهاد وقال يحيى بن معاذ: لو كانت الدنيا تبرا تفنى والآخرة خزفا تبقى لكان ينبغي للمعامل إيثار الخزف الباقي على التبر الفاني فكيف والدنيا خزف فإن الآخرة تبر باق ومما يرغب في الزهد فيها خسة شركائها وقلة وفائها، وكثرة بلائها، وتحقق فنائها ومن أعظمها الغفلة عن الله، وما أحسن قول بعضهم لولده: يا بني لا تغبطن أهل الدنيا على دنياهم، فوالله ما نالوها رخصة والله ما نالوها حتى فقدوا الله،
стр. 1872
وكان شيخنا العارف ولي الدين قدس الله روحه يقول: وجود الدنيا يضر بالقلب بالخاصية حتى في الفهم والذكاء، وحسن الاعتداد لإدراك الحقائق من الهدى ودين الحق ولقد وجدت من ذلك آثارا عجيبة في إقبال القلب وإدباره ورأيت أكابر أهل علم قلوبهم متعلقة بالدنيا تصير عقولهم من البلادة كعقول النساء والصبيان، فالحذر الحذر من فضول الدنيا، والقناعة باليسير ففيه راحة القلب وسلامة الدين والدنيا.
تنبيه: قد يستخرج من تصدير المصنف بإيجاب المعرفة وخلائق النفس إلى ما قاله بعض المحققين: إن علم التصوف يلتفت إلى أصلين النظر في التوحيد والاعتبار في الموجودات ومن ذلك النفس والحكم عليها، وعلى جسدها ظاهرا وباطنا وعلى ما يقوم به وبهما، والعلم بالتخيير من صفاتها وما هي في ذاتها، فمن ثم علم قدره وعلم فخره، وهو مستمد من نور البصيرة التي هي مبدأ السعادة عند أهل الإرادة، التي أخبر الله عنها بقوله: ﴿ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾ والمراد بالظاهر علم الشريعة أصلا وفرعا وأحكامها، ثم معرفة النفس وآفاتها وعللها وتهذيبها وتعذيب جماحها برياضتها وتصفية سرائرها.
(ص) ومن عرف ربه تصور تبعيده وتقريبه فخاف ورجى فأصغى إلى الأمر والنهي فارتكب واجتنب، فأحبه مولاه، فكان سمعه وبصره ويده التي
стр. 1873
يبطش بها، واتخذه وليا إن سأله أعطاه، وإن استعاذ به أعاذه.
(ش) العارف عندهم من عرف الحق بأسمائه وصفاته ثم صدق الله في جميع معاملاته ثم تنقى عن أخلاقه المذمومة وآفاته، ثم طال بالباب وقوفه ودام بالقلب عكوفه، فحظي من الله بجميع آماله، وصدق الله في جميع أحواله وانقطع عنه هو حسن نفسه ولم يصغ بقلبه إلى خاطر يدعوه إلى غيره، فعند ذلك يسمى عارفا ويسمى حاله تفريدا، قال الشيخ عز الدين في (القواعد): الطريق في إصلاح القلوب التي تصلح الأجساد بصلاحها وتفسد بفسادها، تطهيرها من كل ما يباعد عن الله وتحليها بكل ما يقرب إلى الله (١٣٤/ك) ويزلف لديه من الأحوال والأقوال والأعمال وحسن الآمال ولزوم الإقبال عليه والإصغاء إليه، والمثول بين يديه في وقت من الأوقات وحال من الأحوال على حسب الإمكان من غير أداء إلى السآمة والملل قال: ومعرفة ذلك هي الملقبة - بعلم الحقيقة وليست خارجة عن الشريعة بل الشريعة طافحة بإصلاح القلوب بالمعارف والأحوال والعزوم والنيات وغير ذلك وقال ابن عبد المعطي في (شرح منازل السائرين)، وكان من أصحاب الأحوال
стр. 1874
والمعارف الحقيقة عن القوم غلبة الأحوال والجد في الطلب كما قال حارثة (وكأني) الحديث فسأله ﵇ عن حقيقة الأمر فأجابه بغلبة الأحوال فرضي بذلك منه وبه قطع لحارثة ومن حذى حذوه رؤية فعل نفسه وإرشاد إلى فضل الله ومنته عليه، وإذا كانت الدنيا حجاجا= على الآخرة فمن انخرق له حجاب الدنيا بالعزوف عنها اطلع على الآخرة، والوقوف على الكون حجاب يحجب العبد عن الله فمن أراد المشاهدة فعليه بالعزوف عن الوقوف معها وقال صاحب (منازل السائرين) اتفق علماء هذه الطريقة على أن النهايات لا تصح إلا بتصحيح البدايات ومن إقامة الأمر على مشاهدة الإخلاص ومتابعة السنة وتعظيم النهي على مشاهدة الخوف، ورعاية الحرمة والشفقة على العالم ببذل النصيحة، وكف المؤنة ومجانبة كل صاحب يفسد وكل سبب يفتن القلب. انتهى.
وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري: لا شيء أعظم على العبد من الذكر، وهو أن يعتاد مناجاة الحق اعتياد أهل العباد مخاطبة بعضهم لبعض، ثم يرتقي من ذلك فيخاطبه الرب وإلى هذا أشار بقوله ﷺ : ((لقد كان في الأمم محدثون فإن يكن في أمتي منهم فعمر)) إذا علمت هذا اطلعت على تقريب الله وتبعيده، والمراد بالقرب هنا: المعنوي، وهو معاملته معاملة
стр. 1875
القرب إليه بالطاعة والتعظيم، وإليه ذهب ابن عبد السلام في كتاب (مقاصد الصلاة) وقد يراد تقرب العبد من ربه قربه منه بالصفة فيتصف بما يمكنه الاتصاف به من صفات الرب فقد روي: ((تخلقوا بأخلاق الله)) وفي الصحيح: ((إن لله تسعا وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة)) وقال أهل المعرفة: أسماء الله تعالى كلها لأن يتخلق بها العبد إلا واحد، فإنه للتعلق لا للتخلق، وهو الله ، قال الغزالي في (المقصد الأسنى) وبهذا التخلق والاتصاف يكون العبد ربانيا أي قريبا من الرب ولقرب العبد من ربه معنيان آخران:
أحدهما: قربه بالعلم والقدرة، ومنه قوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾.
والثاني: قربه بالوجود والإحسان والفضل والامتنان كما قال تعالى: ﴿ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون﴾ جعلنا الله منهم، وقول المصنف: فخاف ورجى هما ثمرة المراقبة، وهي ثمرة التقريب والتبعيد فإن الله تعالى جعل لكل معرفة حالا تنشأ عنها، فمن عرف نعم الله كان حاله الخوف ومن عرف سعة رحمته كان حاله الرجاء، وفي كلامه إشارة إلى الجمع بين المقابلين فلا يقنط ولا
стр. 1876
يتكل كما قال تعالى: ﴿يرجون رحمته ويخافون عذابه﴾ ولهذا لما ذكر مسلم في صحيحه أحاديث، في سعة رحمة الله أتبعها لحديث: ((دخول المرأة في هرة)) وقال: قال الزهري: ذكرنا لئلا يتكل رجل ولا ييأس رجل قالوا: وليكن الخوف أغلب، لأن النفس إليه أحوج فإن الرجاء يبعث على الراحة والاتكال وإهمال بعض الأعمال، إلا عند الاحتضار، فليكن رجاؤه أغلب، وإنما كان هذان المقامان من الأركان لأنهما مدرجا العبودية، وأشار صاحب المنازل: إلى توقف في عد الرجا من جملة المقامات، وقال: إنه أضعف منازل المريد، لأنه معارضة من وجه وإعراض من وجه.
стр. 1877
وهو وقوع في الرعونة في مذهب هذه الطائفة إلا ما فيه من فائدة واحدة ولهذا نطق باسمه التنزيل والسنة ودخل في مسالك المحققين تغشاه حرارة الخوف حتى لا يغدو إلى الإياس قال الشيخ عبد القادر: ما من حال ومقام إلا وله خوف ورجا كجناحي طائر لا يتم الإيمان إلا بهما، غير أن خوف كل ذي حالة ورجاءها بما يليق بهما، وأما ما يحكى عن بعضهم: لست أعبد الله رجاء في جنته ولا خوفا من ناره فإطلاقه إسراف، كيف وقد مدح الله أصفياءه بقوله: ﴿يرجون رحمته ويخافون عذابه﴾ وقال تعالى عن خليله: ﴿واجعلني من ورثة جنة النعيم﴾ والحق أن هذا القول إن صدر إظهارا للاستغناء عن فضل الله وعدم المبالاة بعقوبته، فهو خطأ كفر، وإن صدر لاعتقاده تمحيص العبادة لله تعالى، حتى لو لم يكن هناك جنة ولا نار لعبد، فهو محق وعليه ينزل كلام هذا القائل، فإن للرب سبحانه صفتي جلال وكمال، فلو انتفى الخوف من جهة صفة جلاله، وجبت عبادته من جهة كماله، وقوله: فأصغى إلى الأمر والنهي جعل هذا مرتبا على الخوف والرجاء ومسببا عنه، فإنه إذا تحقق المقامين أصغى لأوامر الله ونواهيه، فامتثل أوامره واجتنب نواهيه، وعبر بالإصغاء للإرشاد إلى أنه لا يكفي مجرد الامتثال بل لا بد من الميل إليه والانقياد والانشراح والتلذذ به، وقوله: فأحبه أي أنه يوصل بذلك
стр. 1878
إلى مقام المحبة فكأن الخوف والرجاء بداية، والمحبة نهاية، ولهذا قال الشيخ عز الدين: المهابة والإجلال أفضل من الخوف والرجاء، فإذا أردت أن تعرف فضائل الأولياء فانظر إلى ما يظهر عليه من آثار المعارف والأحوال، فأيهم غلب عليه أفضلها كالتعظيم والإجلال، فهو أفضل الرجاء، وأيهم غلب عليه أدناها كالخوف والرجاء فهو أدنى الرجاء انتهى.
وحكى الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية﴾ عن المتكلمين (١٢٥/ك) أن من عبد الله لأجل الخوف والعقاب والطمع والثواب لم تصح عبادته ولا دعاؤه وحكى ابن الجويني في تفسير سورة الإخلاص قولين في ابتداء المحبة من الله أو من العبد، واحتج الأول بقوله تعالى: ﴿يحبهم ويحبونه﴾، ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾، ﴿أني عاجل في الأرض﴾ فهو الذي أحبه أولا وأسجد له ملائكته.
واحتج للثاني بقوله: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ وقوله: ﴿إن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ قال: والأول هو الأصح، والتحقيق أن يقال: إن المحبة أولا من الله تعالى ثم إن العبد إن قابل المحبة بالمحبة وأحب ربه زاد الله في محبته، وإن قابل بغيرها قطع محبته، وبيانه أن الموجود من الله تعالى تعلق الإرادة بخلقه، فإذا أراده أحسن إليه وهو علامة المحبة، فإن شكر الله زاده، وإن كفر به أباده
стр. 1879
قال المحققون: علامة محبة الله أن المرء يبغض نفسه لأنها مانع من المحبوب، ثم إذا وافقته النفس في المحبة أحبها لا لأنها نفسه بل لأنها محب محبوبه، إذا علمت هذا فما قاله المصنف اقتبسه من الحديث الصحيح: ((وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها)) وفي رواية: ((فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا، فبي ينطق وبي يسمع وبي يبصر)) وذلك لأن من أحبه تجرد عن صفات نفسه وتبرأ عن أفعاله وعن حوله وقوته في جميع أحواله، وفوض أمره إلى الله تعالى فصارت حركته وسكناته كلها بالله، كما قال تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ فأما تأويل الحديث فهو أن الله يتولى من أحبه في جميع
стр. 1880
أحواله كما يتولى الوالدن جميع أحوال الطفل، فلا يمشي إلا برجل أحدهما ولا يأكل إلا بيده، ففنيت صفاته وقامت صفات الوالدين مقامهما، لشدة اعتنائهما بحفظه، وتسخير الله إياهما، فكذلك حال العبد الطائع مع الرب وفي الحديث: ((اللهم كلاءة ككلاءة الوليد)) فمعنى ((كنت سمعه)) أحاطت عنايتي ولطفي به بحيث يصير فعله وإدراكه كأنه فعلي وإدراكي، قيل: وأصل الكلام كأن سمعه سمعي أي صار، ثم حذف أداة التشبيه وقلب التشبيه بعد ذلك فصار التقدير: كأن سمعي سمعه ثم حذف المضاف من سمعي وأقيم المضاف إليه، وهو ضمير المتكلم مقامه فانقلب الضمير المجرور مرفوعا واتصل بالفعل فصار اللفظ كنت سمعه وهكذا تأويل
بقية الحديث وفيه حذف كثير، وأما ما يشير إليه أصحاب الاتحاد من ادعائهم أن الحديث على ظاهره، وأن الحق ما زال سمعا وبصرا ويدا للعبد حقيقة بدليل قوله: ((كنت)) وإنما ظهرت له حقيقة الحال حينئذ فلا يخفى فساده لاستحالة كون القديم صفة للحادث، وقوله: واتخذه وليا، وجعل حقيقة الولاية: التجرد عن الصور والجهات والوقوف معه بالذات، قالوا: وسمي الولي وليا لأنه تولى الله بطاعته، وقيل: لأن الله تولاه بلطفه، فهو فعيل، إما بمعنى فاعل أو مفعول وحينئذ يصير مجاب الدعاء مكاشفا بغيب الأرض والسماء، مخاطبا بسائر الأسماع فلا يدع إلا إياه إليه، ولا يستدل بغيره عليه، قال أبو سعيد الخراز: إذا أراد الله أن يوالي
стр. 1881
عبده فتح عليه باب ذكره فإذا استلذ الذكر، فتح عليه باب القرب ثم رفعه إلى مجالس الأنس، ثم أجلسه على كرسي التوحيد ثم رفع عنه الحجب وأدخله دار القرب وكشف له الجلال والعظمة، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة خرج من حسه ودعاوى نفسه، ويحصل حينئذ في مقام العلم بالله، فلا يتعلم من الخلق بل تعليم الله وتجلية لقلبه حينئذ، فيسمع ما لم يسمع ويفهم ما لم يفهم قال بعض محققي الصوفية: لو أنصفنا أصحابنا الأصوليون لما استبعدوا ذلك أعني حصول العلم من العمل، لأن الصوفية يقولون: العلم يستفاد بأعمال القلوب، وهي كيفية يظهر صدقها بالعمل بالجوارح فعمل الجوارح حق حقيقة على القلب ولهذا لا يصح عمل النية إلا بعمل القلب، أعني عملا مقبولا ولو نظروا ﵃ حق النظر لعلموا أن المعارف العقلية لا تحصل إلا بصحة النظر، وصحة النظر لا تحصل إلا بصحة البصيرة، وصحة البصيرة لا تحصل إلا بزوال حاسة النفس وانقشاع غمام الجهل، وحصول طهارة النفس كما قال تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ وقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ وقوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ ولهذا قال: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم
سبلنا﴾، ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى﴾ وقال
стр. 1882
في العبد الصالح: ﴿آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما﴾ فدل سبحانه باختلاف العبارتين على اختلاف المعنيين فسمى ما خولهم على ألسنة أنبيائه هداية، وسمى ما أفاض عليهم من باطنهم بلا وساطة هدى، وقد حصل هذا المدد لسادات الصحابة فقال علي ﵁: (لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا) وحصل لحارثة حيث قال النبي ﷺ : ((لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟)) الحديث فمن وفقه الله معرفة وحدانيته ببدائعه وحقائقه، كما قال تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم﴾ فعند ذلك يرى حسن الشريعة ونظامها فيعبده عند ذلك حق عبادته فيوليه تقريبه ونجيبه، فيعرف حينئذ حقائق الموجودات، بموجدها ودقائق المخلوقات بخالقها فيصير كما قيل لبعضهم: بم عرفت الله؟ قال: عرفت الأشياء بالله، وقال بعضهم: ما نظرت منذ عرفت الله إلى شيء إلا رأيت الله قبله.
(ص) ودنيء الهمة لا يبالي فيجهل فوق جهل الجاهلين، ويدخل تحت ربقة المارقين.
(ش) دنيء الهمة: من جنح إلى سفساف الأمور وعدل عن معاليها، قد قيدته الشهوة وأسرته المحظورات (١٣٦/ك) لا يبالي بارتكاب الحرام ولا بالتدنس بالآثام، ولهذا قال العلماء: الخسيس من باع دينه بدنياه وأخس منه من باع دينه بدنيا غيره والمواقع له في هذا الجهل فإنه أول داء النفس، ثم حب الأشياء، ثم قلة المبالاة ثم الجرأة، ثم قلة الحياء، ثم تصديق النفس، ثم المنى لفوز الآخرة وهذا حال من ركبته النفس الأمارة بالسوء، ولا يبالي الله أن يهلكه وأول منزل من منازل السالك هو الفراغ من ذبح النفس بسكين الرياضات فمن بادر إلى ذبح نفسه الغرة التي لم تحتنك
стр. 1883
بعد السر فله حياة لا يموت بعدها ومن سوف في ذلك وقد صارت نفسه قوية عوانا مختالة مكارة خداعة يظهر بزي الصلحاء ويتسم بسمة الأتقياء وتعجب الناظرين بزخارفها فلا بذل للحق ولا يدأب في العمل الصالح دأبا، ولا تكدح إلى ربها كدحا فتخرج من الأمر خليعة العذار مرتدة مسلمة عن تكليف الدين ليس فيها أثر سجود ولا سمة شهود، وهذه هي الأمارة بالسوء الباغية الطاغية التي هي أعدى عدوك.
(ص) فدونك صلاحا أو فسادا ورضا أو سخطا وقربا أو بعدا وسعادة أو شقاوة ونعيما أو جحيما.
(ش) هذا خطاب عام لما علم الفرق بين الحالين، وتباين هذين الضدين وتضمن قوله: دونك تحذيرا وإغراء فالإغراء للصلاح والرضى والقرب والسعادة والنعيم، والتحذير لمقابلها كما قيل:
أنت القتيل بكل من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي
(ص) وإذا خطر لك أمر فزنه بالشرع، فإن كان مأمورا فبادر، فإنه من الرحمن، فإن خشيت وقوعه لا إيقاعه على صفة منهية فلا عليك.
(ش) إذا عرض للسالك إلى الله في الطريق أمر فطريقه أن يزنه بميزان
стр. 1884
الشرع ويقصد باب العلم إذ لا عمل إلا بعلم، ولا تخرج عن ثلاثة أقسام:
إما أن يكون مأمورا به أو منهيا عنه أو مشكوكا فيه، والمصنف ذكر الثلاثة فإن وجده مأمورا به أعم من الواجب والمندوب فليبادر إلى فعله فإنه من الرحمن، فإن خشيت وقوعه على صفة منهية من عجب أو رياء، فلا عليك ولا تجعل هذا الخاطر مانعا من العمل فإنه شيطاني، نعم إن أوقعته على تلك الصفة المنهية كان ذلك محبطا له وهنا أمور:
أحدها: أن المصنف أجمل الخاطر من الرحمن وهم يقسمونه إلى ملكي وإلهامي وروحي مع اشتراك الكل في الحق، فالخواطر الملكية هي ما تعلق بالترغيب في العبادات على تفريق أوامر الشرع والنهي عن المخالفات واللوم على ارتكاب المحظورات والفرق بينه وبين الإلهام، أن الخواطر الملكية قد تزعمها النفس والشيطان، فعلها إبداع بالهواجس والوساوس بخلاف الخواطر الإلهامية فإنه لا يردها شيء تثتنارها النفس والشيطان طوعا وكرها.
стр. 1885
الثاني: علم من قوله: فبادر بفاء التعقيب إلى السرعة، قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: فإنك إن توقفت برد الأمر وهبت ريح التكاس=، وقد حكى البوشنجي أنه كان في حالة التفرغ فدعا من نزع قميصه عنه، وقال ادفعه إلى فلان، فقيل له لو صبرت حتى يخرج، فقال: خفت أن يزول ذلك الخاطر عن القلب.
الثالث: أشار المصنف بذلك إلى أن المدار على الأمر والنهي، وقد قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في كتاب (الإشارات): وقد سئل ما أول طريق الحق وآخره؟ فعلل أوله وآخره معانقة ما أمرت به ومفارقة ما زجرت عنه، وما عداها فعبارات آيلة فمبادرة الأمر ومحاذرة الزواجر والتوقي من المخالفات والترقي إلى الطاعات.
ص: واحتياج استغفارنا إلى استغفار لا يوجب ترك الاستغفار ومن ثم قال السهروردي: اعمل وإن خفت العجب مستغفرا منه.
(ش) هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره أنه نقل عن رابعة العدوية ﵂: استغفارنا يحتاج إلى استغفار وإذا كان كذلك فلم نستغفر؟
стр. 1886
والجواب: أن التلفظ المحض خير من الصمت، فاحتياجه إليه لا يوجب الصمت عنه. قال الغزالي في (الإحياء) في باب التوبة: لا يظن أن رابعة تذم حركة اللسان بالاستغفار من حيث إنه ذكر الله تعالى بل تذم غفلة القلب فهو محتاج إلى الاستغفار من غفلة قلبه لا من حركة لسانه فإن سكت عن الاستغفار باللسان أيضا يحتاج إلى استغفارين لا إلى استغفار واحد، قال: وهذا معنى قول القائل الصادق (حسنات الأبرار سيئات المقربين) فإن هذه الأمور ثبتت بالإضافة ينبغي أن يوجد من غير إضافة ولذلك اختيارات جريان الاستغفار على اللسان مع الغفلة حسنة، لأنها خير من حركة اللسان بغيبة مسلم أو فضول كلام، بل هو خير
стр. 1887
من السكوت وإن كان ناقصا بالنسبة إلى عمل القلب، ولذلك قال بعضهم لشيخه: إن لساني في بعض الأحيان يجري بالذكر والقرآن، وقلبي غافل، فقال: اشكر الله إذا استعمل جارحة من جوارحك في خير، وعوده الذكر، ولم يستعمله في الشر والفضول.
وما قاله حق، فإن تعود الجوارح للخيرات حتى يصير لها طبعا يدفع جملة من المعاصي فمتى تعود لسانه الاستغفار إذا سمع من غيره كذبا سبق لسانه إليه، ومن تعود الاستعاذة إذا حدث لظهور مبادئ شر قال بحكم اللسان: أعوذ بالله حتى يدفع بذلك شر لعنته أو غيبته، فإياك أن تلمح في الطاعات مجرد الآفات فتقل رغبتك في العبادات، فإن هذه مكيدة من الشيطان على المغرورين وحكى الأستاذ أبو القاسم والقشيري في (الإشارات) عن بعضهم: لا ينفع ذكر اللسان مع غيبة القلب ثم قال: بعض الموفقين: إن الله أكرم أن لا يحفظ على العبد قلبه إذا حضر هو بلسانه قال الأستاذ: وهذا هو التحقيق، وقال في موضع آخر: عند المعظم يلقن العبد ذكرا في الابتداء حتى يتمرن عليه اللسان، ثم يرد الذكر إلى القلب وقال (١٣٧/ك) ينبغي أن يمتلئ القلب أولاً بذكر ثم تفيض منه على اللسان والكل حق، وقوله: ومن ثم قال مشيرا إلى ما سأل بعض أئمة خراسان للشيخ شهاب الدين السهروردي فقال: القلب مع الأعمال يداخله العجب ومن ترك الأعمال يخلد إلى البطالة، فأجابه الشيخ لا تترك الأعمال، وداوي العجب بأن تعلم أن ظهوره من النفس، وكلم ألم بباطنه خاطر العجب يستغفر الله فإنه يصير ذلك كفارة خاطر العجب، لا يدع العمل رأسا وكذا قال الإمام في (المطالب): من مكائد الشيطان أن يترك العمل خوفا من أن يقول الناس مرائي، وهذا باطل فإن تطهير العمل من نزغات الشيطان بالكلية متعذر، فلو وقفنا العبادة على الكمال لتعذر الاشتغال بشيء من العبادات، وذلك يوجب البطالة، وهي أقصى غاية غرض الشيطان، بل الصواب
стр. 1888
أنك ما دمت تجد باعثا دينيا على العمل فلا تترك العمل فإن ورد في إتيانه خاطر بالرياء فجاهد نفسك، واحتمل في إزالة ذلك الخاطر بقدر القدرة وقال الشيخ أبو زكريا النووي: لو فتح الإنسان عليه ملاحظة الناس والاحتراز من طرق ظنونهم الباطلة، لانسدل عليه أكثر أبواب الخير وضيع على نفسه شيئا عظيما من مهمات الدين، وليس
هذا طريقة العارفين، ولقد أحسن من قال: سيروا إلى الله عرجانا ومكاسير، ولا تنتظروا الصحة، فإن انتظار الصحة بطالة، والعلم في هذا المعنى قول الإمام الشافعي ﵁: إذا خفت على عملك العجب فاذكر رضى من تطلب، وفي أي نعيم ترغب ومن أي عقاب ترهب، وأي عاقبة تشكر وأي بلاء تذكر، فإنك إذا فكرت في واحدة من هذه الخصال صغر في عينيك عملك، وههنا دسيسة قد تخفى، وهي: أن الشارع رتب على الطاعات ثوابا ومدحا وثناء على فاعلها ورتب على المعاصي عقابا وذما وقدحا في فاعلها، ثم طلب من الفاعل الإخلاص وهو أن يفعل للامتثال لا لغرض أصلا فيقال: إن ذلك من جملة حظوظ النفوس، فما الذي يحقق له الإخلاص ولو قالت له النفس: إنما فعلت للامتثال كيف يصدقها وهي رواعة والجواب: طريقة السير بأن تعرض عليها شوائب حظوظها في الفعل، فيعرض عليها المنع فلا يجدها عنده، والثواب فكذلك ثم يعرض عليها الإقبال المجرد فيجدها منبعثة ومنشرحة به، ويكتفي من النفس بهذا المقدار للضرورة وقد اختلف الناس في حديث الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار، حيث يقول: ((إنما قصدتك فيقول الله: كذبت، إنما أردت ليقال)) هل كان هذا القائل روغ وكذب متواطئا مع نفسه أو كان صادقا باعتبار ما عنده؟ لكن النفس ليست عليه في معتقدها غير ذلك، وكان من حقه أن يتفقدها وغرضها منه حتى يقع على الإخلاص، فكذب بهذا الاعتبار لتقصيره، وهذا أولى
стр. 1889
ما يحمل عليه الحديث، لأن ذلك المقام لا ينطق فيه إلا بالصدق، والذي ينبغي للعاقل أن لا يثق بنفسه أبدا، بل يتهمها قال يحيى بن معاذ: لا تسكن إلى النفس وإن دعتك إلى الرغائب.
ص: وإن كان منهيا فإياك فإنه من الشيطان فإن ملت فاستغفر.
ش: القسم الثاني: أن تجده في الشرع منهيا عنه فلا تقربه فإنه الشيطان فإن غلبك الأمر وفعلت فاستغفر، لأنها معصية كفارتها الاستغفار وجعل المصنف كلا من الشيطان خلاف ما عليه أكثر أئمة هذا الشأن من تقسيم الخواطر الباطلة إلى نفس وشيطان، وفرقوا بينهما مع اشتراك الكل في الباطل بأن النفساني علامته إذا طلب شيئا لا يرجع عنه، والشيطان قد ينقله إلى مثله إذا عجز عن الأول، لأن قصده شغل القلب بغير الله ووقوعه في الفتنة فلا يزال يزين الأشياء في نظره ويدعوه إليها، فإن لم يلتفت إلى شيء زين آخر، وهكذا لأن جميع المخالفات عنده سواء بخلاف خاطر النفس فإنها تصمم ولا تسكن إلا عند استيفاء حظها أو يسكنها
стр. 1890
إخلاص الطالب بصمصام التصديق كما قال بعضهم، اشتهت نفسي أربعين سنة أن أغمس جزرة في الدبس وهذا الفرق منقول معناه عن أستاذ الطائفة الجنيد ﵁ ونبه الشيخ شهاب الدين السهروردي على أن هذه الإشارات إلى علامات الخواطر لا يرخص للمريد في الاشتغال بتمييزها فإن ذلك يشوش الفكر ويزيل الجمعية، ويبطل فائدة الذكر، لا ليس طريقه على نفي الخواطر بأسرها لئلا يصير الشيطان من جملة خواطره بل حقه ردعها وردها بالمراقبة وبهذا يعتذر عن المصنف في إجماله هذا المقام، وقد نقل القشيري الإجماع على أن من يأكل الحرام لا يفرق بين الخاطر الملكي والشيطاني ولما كان الميل تارة يكون مع التصميم وتارة لا معه بين الحكم.
ص: وحديث النفس، ما لم يتكلم أو يعمل، والهم مغفوران:
ش: الواقع في النفوس من متعلقات المعاصي خمس مراتب.
الأولى: الهاجس وهو ما يلقى فيها، ولا يؤاخذ به بالإجماع لأنه ليس من فعل العبد وإنما هو وارد لا يستطيع رفعه.
стр. 1891
الثانية: جريانه فيها وهو الخاطر وسمى الراغب الأول سانحا، وقال الشيخ وهو خاطر يعبر عنهما بالهاجس وإليه أشار النبي ﷺ بقوله: ((إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة؛ فأما لمة الملك فوعد بالخير وتصديق بالحق، وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق)).
الثالث: حديث نفسه وهو ما يقع من التردد، هل يفعل أو لا؟ وهذان مرفوعان بقوله صلى (١٣٨/ك) الله عليه وسلم: ((إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به)) فإذا ارتفع حديث النفس ارتفع ما قبله بطريق أولى، قال المحققون: وهذه المراتب الثلاث أيضا لو كانت في الحسنات لم يكتب له بها أجرا، أما الأول فظاهر، وأما الثاني والثالث فلعدم القصد.
стр. 1892
الرابعة: الهم وهو ترجيح قصد الفعل: يقال: هممت بالأمر أي قصدته بهمتي وهو مرفوع لقوله تعالى: ﴿إذ همت طائفتان﴾ الآية ولو كانت مؤاخذة لم يكن الله وليهما، ولقوله ﷺ : ((من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه)) وفي هذه الحالة تفترق الحسنة مع السيئة، فإنه إن هم بالحسنة ولم يعملها كتب له حسنة كاملة كما ثبت في الصحيحين، وحمل ابن حبان في صحيحه الهم على العزم، لأن العزم نهاية الهم، قال: ويحتمل أن الله تعالى يكتب لمن هم بالحسنة حسنة، وإن لم يعزم عليه، ولا عمله لفضل الإسلام.
الخامسة: العزم وهو قوة القصد والجزم به، فإن العزم لغة الجد وعقد القلب وهو مؤاخذ به عند المحققين، وذهب بعضهم إلى أنه مرفوع كالهم، والصحيح الأول لقوله ﷺ : ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)) قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: ((إنه كان حريصا على قتل صاحبه)) فعلل بالحرص والإجماع على المؤاخذة بأعمال القلوب كالحسد
стр. 1893
بخلاف الهم وقال العبادي في فتاويه: لا خلاف أن الآدمي مؤاخذ بعمل اللسان والسمع والبصر، أما الفؤاد فقال الله تعالى: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ فمن الناس من يقول: يؤاخذ بما يسعى به الباطن إلى أول خاطره وهو الهاجس والأصح أنه لا يؤاخذ بمساعي الباطن لقوله ﷺ : ((إن الله عفى لأمتي عما حدثت به أنفسها)) وقيل: إن اتصل بما تعمل تؤاخذ بالكل.
انتهى، وما أطلقه متعقب بما ذكرنا، وقال القاضي الحسين في كتابه الصوم من تعليقه: كما يحرم النظر إلى الحرام يحرم الفكر فيه لقوله تعالى: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ فمنع أعنى= التمني فيما لا يحل كما منع من النظر إلى ما لا يحل لقوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ وأشار المصنف بقوله: ما لم يتكلم إلى أن عدم المؤاخذة بالهم، وحديث النفس ليس مطلقا، بل بشرط عدم التكلم والعمل، حتى إذا عمل يؤاخذ بشيئين: همه وعمله، ولا يكون همه مغفورا وحديث نفسه إلا إذا لم يعقبه العمل، هذا هو ظاهر الحديث، وقوله: والهم أي: ما لم يتكلم أو يعمل أيضا، ولم يحتج
стр. 1894
إلى تقييده لأنه إذا قيد حديث النفس وهو دون الهم كان الهم مقيدا بطريق أولى، هل يؤخذ= بهما إذا عمل عملا غير المعصية التي هم أو حدث نفسه بها، أما إن كان ذلك العمل أجنبيا لا ارتباط له بهما بالكلية كمن هم بالزنا ثم أكل فلا ريب في عدم المؤاخذة وإن كان من مقدمات المعصية كمن هم بالزنا بامرأة تقابله فمشى إليها ثم رجع من الطريق، فهذا موضع نظر، قال الشيخ السبكي: يظهر المؤاخذة من إطلاق النبي ﷺ العمل، وكونه لم يقله أو يعمله، قال: فيؤخذ منه تحريم المشي إلى معصية، وإن كان المشي في نفسه مباحا لكن لانضمام قصد الحرام، وكل واحد من المشي والقصد لا يحرم عند انفراده أما إذا اجتمعا فإن مع الهم عملا لما هو من أسباب المهموم به فاقتضى إطلاق (أو يعمل) المؤاخذة به، قال: فاشدد بهذه الفائدة يديك واتخذها أصلا يعود نفعه عليك وهذا الذي قاله من المؤاخذة بالمقدمة إذا انضمت إلى حديث النفس لإطلاق (أو يعمل) حسن لو لم يقيد في حديث آخر، لكن جاء في رواية في الصحيحين (أو يعمل به) ويحتمل أنه لما رجع عن فعل السيئة بعد فعل مقدمتها لله لم يؤاخذ بالفعل، لقوله في الحديث: ((إن تركها فاكتبوها له حسنة وإنما تركها من جراي=)) أي: من أجلي، رواه مسلم، وفي لفظ لابن
حبان ((وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة)) وذكر في موضع آخر أن قوله: (أو يعمل) ليس له مفهوم حتى يقال: إذا تكلمت أو عملت يكتب عليها حديث النفس لأنه إذا كان الهم لا يكتب فحديث النفس أولى، وهذا خلاف ظاهر الحديث وخلاف ما قاله المصنف هنا، وقد نازعه ابنه وقال: يلزم منه
стр. 1895
أن لا يؤاخذ عند انضمام عمل من مقدمات المهموم به بطريق أولى قال فقوله: وإذا كان الهم لا يكتب فحديث النفس أولى ممنوع، فلا نسلم أن الهم لا يكتب مطلقا بل عند انضمام عدم العمل إليه.
(ص) فإن لم تطعك الأمارة فجاهدها.
(ش) أي كما تجاهد من يقصد اغتيالك بل أعظم، لأنها قصدت بك الهلاك الأبدي قال بعضهم: معالجة المعصية إذا خطرت حتى تذهب أهون من مرارة التوبة حتى تقبل لأن مجاهدتها في البداية بكف الخواطر وفي النهاية بالندم والتأسف والبكاء، ثم لا يدرى أقبلت أم لا؟ وإذا وقع العبد في المعصية لاهيا عن الوعيد لم يحضر ذكره فهو من الذين ﴿نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾ لأنه لا يحبب إليه أن يستحضر عظمة الرب في هذه الحالة، فإذا لم يخلق الله له الذكر فقد أراد هلكته، وعليه إثم الذاكر، لأن نسيانه لسبب انهماكه في المعصية وتعلق شهوته، وإذا حضرت المعصية واستحضر عظمة من يعصيه والتحريم، فإن كف عن الإقدام فذاك وإن أقدم تجريما فهالك أو تسويفا وقال: أتوب بعد ذلك فمعذور
следующие страницы →