Полный текст (1 929 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
ص: (ومعنَى الشرعِيِّ: ما لم يُسْتَفَدْ اسمُه إلاَّ من الشرْعِ، وقد يُطْلَقُ على المَنْدُوبِ والمُبَاحِ).
ش: الحقيقةُ الشرعيَّةُ هي: اللفْظَةُ التي اسْتُفِيدَ وَضْعُها لمعنًى من جِهَةِ الشَّرْعِ، فخَرَجَ بالقَيْدِ الأخيرِ: الحقائقُ اللُّغويَّةُ والعُرْفِيَّةُ، ودَخَلَ فيه المَنْقُولُ الشرعيُّ، وهو اللفْظُ الموضوعِ لمعنًى، ثمَّ نُقِلَ في الشَّرْعِ إلى معنًى ثانٍ لمُنَاسَبَةٍ بينَهُما، وغَلَبَ اسْتِعْمَالُه في الثاني، والمَوْضُوعاتِ المُبْتَدِأَةِ الشرعيِّةِ، وهي الألفاظُ التي وَضَعَها الشارِعُ للمَعَانِي الشرعيَّةِ من غيرِ اعتبارِ نَقْلٍ من اللُّغَةِ أو من غيرِ اعتبارِ المُنَاسَبَةِ، قالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: وأَقْسَامُها المُمْكِنَةُ أَرْبَعَةٌ:
أَحَدُها: أنْ يَكُونَ اللفظُ والمعنَى مَعْلُومَيْنِ عندَ أهلِ اللُّغَةِ، لكنَّهم لم يَضَعُوا ذلك الاسمَ بذلك المعنَى.
وثانيها: أنْ يكونَا مَجْهُولَيْنِ.
والثالثُ: أنْ يكونَ اللفظُ مَعْلُوماً لهم دونَ المعنَى.
ورابِعُها: عَكْسُه.
قالَ: والمَنْقُولَةُ الشرعيَّةُ، من هذه الأقسامِ إنَّما هي الأوَّلُ والثالثُ. قالَ: والأَشْبَة= وقوعُ هذه الأقسامِ كلِّها.
стр. 352
تَفْرِيعاً على القولِ بالحقَيقَةِ الشرعيَّةِ، وصَرَّحَ الأَصْفَهَانِيُّ بأنَّ النِّزَاعَ في الأقْسَامِ كُلِّها، وهو ظاهرٌ كلامُ (المحصولِ)، والتحقيقُ أنَّ هذا التفسيرَ الشرعيِّ وشمولَه لهذه الأقسامِ، إنَّما يَصِحُّ على مذهبِ المُعْتَزِلَةِ، وكذلك صَرَّحَ أَبُو الحُسَيْنِ في (المُعْتَمَدِ) بأنَّه ذَكَرَ هذا التفسيرُ، ثم قالَ: فيَدْخُلُ فيه كذا إلى آخَرِه.
أمَّا إذا قًُلْنَا بأنَّها مَجازاتٌ لُغَوِيَّةٌ، فلا بُدَّ أنْ يكونَ ذلك اللفظُ والمعنَى من حيثُ هو مجازٌ لُغَوِيٌّ، فعَلَمَها أهلُ اللًُّغَةِ، لاسْتِحَالَةِ نَقْلِ الشَّرْعِ لَفْظَةً لُغَوِيَّةً إلى معنًى هو مجازً لُغَةً، ولا يَعْلَمُها أهلُ اللُّغَةِ، ولا يَخْفَى بعدَ هذا ما على المُصَنِّفِ في هذا التفسيرِ من التقديمِ إنْ كانَ حَقُّه تَقْدِيمَ هذا على ما قبلَه؛ لأنَّ التصديقَ مسبوقٌ بالتَّصَوُّرِ، وحيثُ ذَكَرَ الشَّرْعِيَّ فليَذْكُرُ الدِّينِيَّ، وقد سَبَقَ تَفْسِيرُه.
وقولُه: (يُطْلَقُ) هذا بالنَّسْبَةِ
стр. 353
إلى عُرْفِ الفُقَهاءِ لا الأصُوليِّينِ، لكنْ قد يَتَوَقَّفُ في إطْلاقِه على المباحِ، ولهذا قالَ إمامُ الحرمَيْنِ في (الأساليبِ): الذي يَعْنِيهِ الفَقِيهُ بالشرعيِّ هو: الواجبُ والمندوبُ.
وقالَ النَّوَوِيُّ في صلاةِ الجَمَاعَةِ من (الرَّوْضَةِ) قولُهم: لا تُشْتَرَطُ الجَماعَةُ في النوافلِ المُطْلَقَةِ؛ أي: لا تُسْتَحَبُّ، فلو صَلاَّهَا جَماعَةٌ جَازَ، ولا يُقالُ: مَكْرُوهَةٌ.
ص: (المَجَازُ: اللَّفْظُ المُسْتَعْمَلُ بِوَضْعٍ ثَانٍ لِعَلاَقَةٍ).
ش: خَرَجَ بِالوَضعِ الثَّانِي، الحَقيقةُ، وَبِالقَيدِ الثَّالثِ، العَلَمُ المنقولَُ، كَبَكرٍ وكَلْبٍ، فإنَّهُ لَيسَ بِمَجَازٍ؛ لأنَّهُ لَم يُنقَلْ لِعَلاقةٍ، ومثلُ استِعمالِ لفظِ الأَرضِ فِي السَّمَاءِ، ويَشمَلُ هذا الحدُّ أنواعَ المجازِ الثَلاثَةِ منَ اللغَويِّ والشَّرعِيِّ والعُرفِيِّ، فاللفظُ
стр. 354
الوَاحدُ بِالنِّسبَةِ إلى المَعنَى الوَاحِدِ، قَدْ يكونُ حقيقةً باصطِلاحٍ، مَجَازاً باصطِلاحٍ آخَرَ، كَلفظِ الصلاةِ مَثلاً، بِالنسبةِ إلى الدُّعاءِ، فِإنَّه حَقيقةً بِاصطِلاحِ أهلِ اللغةِ، مَجازاً باصطِلاحِ أهلِ الشَّرعِ، وبِالنسبةِ إلى الأفْعَالِ المَخصُوصةِ بِالعَكسِ، وَعِبَارَةُ ابنِ الحَاجِبِ: في غيرِ وضعٍ أوَّلٍ، وهُوَ يَقتضي أنَّ المَجَازَ غَيرُ مَوضوعٍ، ولذلكَ عَدَلَ المُصَنِّفُ إلى قَولِهِ: (بِوَضِعٍ ثَانٍ) وَعِبَارَتُه أيضاًً على وَجهٍ يَصِحُّ، وعَدَلَ عَنه المُصَنِّفُ إلى قولِه: (لِعَلاقَةٍ) واسْتَحسَنَ العَضَدُ تَعبيرَ ابنِ الحَاجِبِ على هذه العِبارَةِ لانْطِبَاقَهِ على مَذهَبَي وجوبِ النَّقلِ فيه والاكتِفَاءِ بِالعَلاقَةِ، فكانَ أحْسَنَ مِمَّا يَختَصُّ بِمَذهَبٍ.
ص: (فَعُلِمَ وُجُوبُ سبقِ الوضعِ ـ وهُوَ اتِّفاقٌ ـ لا الاسْتِعمَالُ، وهُو المُختَارُ، قيلَ: مُطْلَقاً، والأصَحُّ: لِمَا عَدَا المَصدَرُ).
ش: عُلِمَ مِن قَولِه: بِوَضعٍ (ثانٍ) أنَّ المَجَازَ يَستلزِمُ وَضعاً سابِقاً عَل يه، ومِن ثَمَّ كانَ الْلَفظُ في أولِ الوضعِ قَبلَ استِعمَالِه فيما وُضِعَ لَه ـ ليسَ بِحقيقةٍ ولا مَجَازٍ، وهذا لا خِلافَ فيه، لَكنَّه لا يَستَلزِمُ سَبقَ الحَقيقةِ، وهوَ مُرَادُ المُصَنِّفِ بِالاستِعمَالِ، وَهِيَ مَسأَلةٌ: الخِلافُ في أنَّ المَجَازَ هَلْ يَستَلْزِمُ الحَقيقةَ؟ بِمَعنَى أنَّ استِعمالَ اللفظِ فِي غَيرِ وَضعٍ أَوَّلٍ، هَلْ يَكُونُ مَشرُوطاً بِاستعمالِه في وضْعٍ أوَّلٍ قبلَ هذا الاستعمالِ أمْ لا، بل يَجُوزُ أنْ يُسْتَعْمَلَ في الوضْعِ الثاني، ولا يُسْتَعْمَلَ فيما وُضِعَ له أصْلاً؟
والمُختارُ عندَ الآمِدِيِّ والمُصَنِّفِ عدَمِ الاسْتِلْزامِ، عَزَاهُ في (البديعِ) إلى
стр. 355
المُحَقِّقينَ، وذَهَبَ أَبُو الحُسَيْنِ البَصْرِيُّ وابنُ السَّمْعَانِيِّ والإمامُ الرَّازِيُّ إلى الاستلزامِ، مُحْتَجِّينَ بأنَّه لو لم يَسْتَلْزمْ لخَلاَ الوضْعُ عن الفائدةِ، وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ الفائدةَ غيرُ مُنْحصرَةٌ في استعمالِ اللفظِ فيما وُضِعَ له، بل هي حاصِلَةٌ بالتجوُّزِ.
تنبيهٌ: تفريقُ المُصَنِّفِ هنا بينَ الوضْعِ والاستعمالِ هو الصوابُ، وفي كلامِ القِرافِيِّ ما يُخَالِفُه، فإنَّه لمَّا تَكَلَّمَ على أنَّ الوضْعَ جَعَلَ اللفظَ دليلاً على المعنَى، قالَ: ويُطْلَقُ على غَلَبَةِ الاستعمالِ، وعلى أصلِ الاستعمالِ من غيرِ غَلَبةٍ، قالَ: وهذا هو مُرادُ العلماءِ بقولِهم: هل من شَرْطِ المجازِ الوضعُ أم لا؟ قولانِ:
يُريدُونَ بالوضْعِ ههُنا مُطْلَقُ الاستعمالِ، ولو مَرَّةً يَسْمَعُ من العربِ استعمالَ ذلك النوعِ من المجازِ، فيَحْصُلُ الشرْطُ.
стр. 356
ص: (وهو واقعٌ خلافاً للأستاذِ والفارسيِّ مُطْلَقاً، والظَّاهِرِيَّةِ في الكتابِ والسُّنَّةِ).
ش: النقلُ عن الأستاذِ أَبِي إِسْحَاقَ مَشهورٌ، لكنْ قالَ الإمامُ والغزاليُّ: الظَّنُّ بالأستاذِ أنَّه لا يَصِحُّ عنه، ولعَلَّهُ أَرَادَ أنَّه ليسَ بثابتٍ ثُبوتُ الحقيقةِ.
وأمَّا الفارسيُّ فالمرادُ أَبُو عَلِيٍّ النَّحْوِيُّ، وعُمْدَةُ المُصَنِّفِ فيه نَقَلَ ابنُ الصَّلاَحِ في فوائدِ الرحْلةِ، وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّ تلميذَه أَبَا الفَتْحِ بنَ جِنِّي أَعْرَفُ بمَذْهَبِه، وقد نُقِلَ عنه في كتابِ (الخصائصِ) عَكْسُ هذا المقالَةِ، أنَّ المجازَ غالبٌ على اللغاتِ كما هو مذهبُ ابنُ جِنِّي، والنقلُ عن الظاهريةِ بمَنْعِه في القرآنِ والحديثُ، نَقَلَه الإمامُ عن ابنِ دَوادَ الظَّاهِرِيُّ، وزَعَمَ الأصْفَهَانِيُّ أنَّه تَفَرَّدَ بنَقْلِه في الحديثِ لكنْ في (الإحكامِ) لابنِ
стр. 357
حَزْمٍ، أنَّ قَوْماً مَنَعُوهُ في القرآنِ والسُّنَّةِ.
وقالَ ابنُ الحاجبِ في بابِ الإضافةِ من (شَرْحِ المُفَصَّلِ): ذَهَبَ القاضِي إلى أنَّه لا مجازَ في القرآنِ، وأنَّ مثلَ قولُه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ محمولٌ على أنَّ القريةَ تُطْلَقُ للأهلِ والجدارِ جميعاً على وجْهِ الاشتراكِ، وليسَ بجَيِّدٍ؛ لأنَّه مَعْلومٌ أنَّ القريةَ موضوعةٌ للجُدْرانِ المخصوصَةِ، دونَ الأهلِ، فإذا أُطْلِقَتْ على الأهلِ، لم تُطْلَقْ إلاَّ بقيامِ قرينةٍ تَدُلُّنَا على المحذوفِ، ولو كانتْ مُشْترِكَةً لم تَكُنْ كذلك.
стр. 358
ص: (وإنَّما يَعْدِلُ إليه لثِقَلِ الحقيقةِ، أو بشَاعَتِها، أو جَهْلِها، أو بلاغَتِه، أو شُهْرَتِه أو غيرِ ذلك).
ش: للعدولِ عن استعمالِ الحقيقةِ إلى استعمالِ المجازِ أسبابٌ:
أحدُها: ثِقَلُ لفظِ الحقيقةِ على اللسانِ، كالحنفقيق=؛ اسمٌ للداهيَةِ، فيَعْدِلُ إلى النائِبَةِ أو الحادثَةِ ونحوِه.
الثَانِي: بشاعَةُ لَفظِهَا، كَمَا يُعَبَّرُ بالغائِطِ عن الخَرَاةِ.
الثَالِثُ: أنْ لا يَعْرِفَ المُتكَلِمُ والمُخَاطَبُ لَفظَه الحَقيقي.
الرَّابِعُ: بَلاغَةُ لَفظِ المجازِ لصَلاحِه للسَّجْعِ والتجْنِيسِ وسائرِ أصْنافِ البديعِ دونَ الحقيقةِ.
الخامسُ: شُهْرَتُه لكونِ المجازِ أَعْرَفُ من الحقيقةِ وأَشَارَ بقولِه: (وغيرُ ذلكَ) إلى أنْ لا يكونَ للمعنَى الذي عَبَّرَ بالمجازِ لَفْظٌ حقيقيٌّ، أو يكونَ معلوماً عندَ المُخاطَبِينَ، ويَقْصِدانِ إخفاءَهُ على غيرِهما.
стр. 359
ص: (وليسَ غالباً على اللغاتِ خلافاً لابنِ جِنِّي).
ش: قالَ في (المحصولِ) ادَّعَى ابنُ جِنِّي أنَّ المجازَ غالبٌ على كلِّ لغةٍ، سواءٌ لغةَ العربِ وغيرُها، فإنَّ قولُنا: قَامَ زيدٌ، مفيدُ المَصْدَرِ، وهو جنسٌ يَتَناولُ جميعَ أفرادِ القيامِ، وهو غيرُ مرادٍ بالضرورةِ.
قالَ: وهذا ركيكٌ، فإنَّ المصدرَ لا يَدُلُّ على أفرادِ الماهيَّةِ بل على القدْرِ.
قالَ: وقولُك: ضَرَبْتُ زيداً، مجازاً من جِهَةٍ أُخْرَى، فإنَّك إنَّما ضَرَبْتَ بعضَه لا كلَّه، واعْتَرَضَ عليه تَلْمِيذُه عبدُ اللهِ بنُ متويه= المُتَكَلِّمِ، بأنَّ المُتَأَلِّمَ بالضربِ كلُّه لا بعضَه، وهو ضعيفٌ؛ لأنَّه إنَّما التَزَمَ المجازُ في لفظِ الضربِ لا في لفظِ التأَلُّمَ، والضربُ: إمساسُ جِسْمٍ بعنفٍ، والإمساسُ حكْمٌ يَرْجِعُ إلى الأعضاءِ لا إلى الجُمْلَةِ، والتَّأَلُّمُ أَثَرُ ذلك الإمساسِ.
ص: (ولا مُعْتَمَدٌ حيثُ تَسْتَحيلُ الحقيقةُ خلافاً لأَبِي حَنِيفَةَ).
ش: ومعنَى هذه المسأَلَةِ: أنَّه إذا اسْتَعْمَلَ لفظٌ وأُرِيدَ به المعنَى المَجازِيُّ، هل يُشْتَرَطُ إمكانُ المعنَى الحقيقيُّ بهذا اللفظِ أم لا؟ فعِنْدَنَا يُشْتَرَطُ، فحيثُ تُمْنَعُ الحقيقةُ لا يُصَحُّ المجازُ، وعندَه: لا، بل يَكْفِي صِحَّةُ اللفظِ إعْمالاً للكلامِ ما أَمْكَنَ، والحاصلُ أنَّ اللفظَ عندَنا إذا كانَ مُحالاً بالنسبةِ إلى الحقيقةِ لَغْوٌ، وعندَ أَبِي حَنِيفَةَ يُحْمَلُ على المجازِ، وعلى هذا الأصلِ مسائلٌ بينَنا وبينَهم، منها: إذا قالَ لغُلامِه الذي هو أسَنُّ منه: هذا ابْنِي، فلا يَصْلُحُ عندَنا مجازاً عن العتقِ؛ لأنَّ اللفظَ إنَّما يَصْلُحُ مجازاً إذا كانَ له حقيقةٌ، وهذا اللفظُ في هذا المَحَلِّ لا حقيقةَ له، فكانَ لَغْواً وإنْ حَمَلْنَاهُ
стр. 360
على الإضمارِ؛ أي: مثلَ ابْنِي؛ أي: في الخيرِ، فعَدَمُ عَتْقِه أَظْهَرُ، ولو قالَ له: أَوْصَيْتُ له بنَصِيبِ ابنِي فوجهانِ؛ أصَحُّهُما عندَ العراقيين= والبَغَوَيِّ: بطلانُ الوصيَّةِ لورُودِها على حقِّ الغَيْرِ، وعَزَاهُ الرَّافِعِيُّ إلى أَبِي حَنِيفَةَ، وقد يُسْتَشْكَلُ على أصْلِه هنا.
والثاني: وبه قالَ مالكٌ: إنَّها صحيحةٌ، والمعنَى: بمثلِ نَصِيبِ ابنِي، ومثلُه كثيرٌ في الاستعمالِ، وصَحَّحَهُ الإمامُ والرَّوَيَانِيُّ وغيرُهما، ويَجْرِيانِ فيما لو قالَ: بِعْتُكَ عَبْدِي بما بَاعَ فُلانٌ فَرَسَه، وهما يَعْلَمَانِ قَدْرَهُ.
ص: (وهو والنَّقْلُ خلافُ الأصلِ).
ش: فيه مسألَتَانِ:
إحدَّاهُما: أنَّ المجازَ خلافُ أصْلِه، والأصْلُ يُطْلَقُ ويُرَادُ به الغالبُ، وتارةً يُرادُ به الدليلُ، فإنْ كانَ الأوَّلُ فالخلافُ فيه معَ ابنِ جِنِّي وقد سَبَقَ، وإنْ كانَ الثاني فالتَّعَرُّضُ به أنَّ الأصْلَ الحقيقةُ والمجازُ، وهي خلافُ الأصلِ، فإذا دَارَ اللفظُ بينَ احتمالِ المجازِ واحتمالِ الحقيقةِ، فاحتمالُ الحقيقةِ أَرْجَحٌ؛ لأنَّ الحقيقةَ لا تَخِلُّ بالفهمِ بخلافِ المجازِ، فيكونُ مَرْجُوحاً.
الثانيةُ: النقلُ خلافَ الأصلِ، بمعنَى إذا دَارَ اللفظُ بينَ أنْ يكونَ مَنْقولاً وبينَ أنْ يكونَ مُبْقَى على الحقيقةِ اللُّغويَّةِ ـ كانَ الثاني أوْلَى، لتَوَقُّفِ الأوَّلِ على الوضْعِ اللغويِّ، ثمَّ نَسَخَه، ثمَّ وَضَعَ جديدٌ، ولأنَّ الأصْلَ بقاءُ ما كانَ على ما كانَ،
стр. 361
فإنْ قيلَ: لم يَتَقَدَّمِ المُصَنِّفُ ذِكْرُ النقْلِ حتى يَذْكُرَ تَعارُضُه بخلافِ صاحبِ (المنهاجِ) فإنَّه ذَكَرَه في التقسيمِ السابقِ، قُلْنَا: بل الخلافُ في الحقيقةِ الشرعيَّةِ هو خلافٌ في النَّقْلِ، فإنَّ القاضِيَ يَمْنَعُ نَقْلَ اللفظِ اللغويِّ إلى غيرِ معناهُ البَتَّةَ، والجمهورُ يُجَوِّزُونَه، وهذه المسألةُ لا تَجِيءُ على رَاي القاضِي لإنْكَارِه النَّقْلُ، وإنَّما تَجِيءُ على رَاي الأخيرَيْنِ.
ص: (وأوْلَى من الاشْتراكِ).
ش: فيه مسألتان:
إحدَّاهُما: إذا تَعَارَضَ المجازُ والاشتراكُ، فالمجازُ أولى، لكَثْرَتِه ولاستعمالِ اللفظُ دائماً في الحقيقةِ، معَ عَدَمِ القرينةِ، وفي المجازِ معها بخلافِ الاشتراكِ، فإنَّه يَخِلُّ بالفَهْمِ حيثُ لا قَرينةَ.
وقالَ قومٌ: المُشْتَرِكُ أوْلَى، لتَوَقُّفِ المجازِ على وضعَيْنِ وعلاقَةٌ دونَ المُشْتَرِكِ الحَاصِلُ بوَضْعٍ واحدٍ.
الثانيةُ: تعارضُ النقلِ والاشتراكِ، فالجمهورُ على أنَّ النقْلَ أوْلَى؛ لأنَّ معنَى
стр. 362
المنقولِ واحدٌ بخلافِ المشتركِ، فإنَّه مُتَعَدِّدُ المعانِي، فيَخِلُّ بالفَهْمِ حتى تَرَّدَ القرينةُ.
وقالَ قومٌ: المشتركُ أوْلَى لتوقُّفِ النقلِ على النسخِ؛ أي: قد يَصِيرُ إلى النسخِ، والمشتركُ أوْلَى منه، والتوقُّفُ على المرجوحِ أوْلَى بأنْ يكونَ مَرْجُوحاً، وأُجِيبَ بأنَّ الشارعَ إذا نَقَلَ اشْتَهَرَ المعنَى المنقولُ إليه.
ص (وقيلَ: من الإضْمارِ).
ش: اخْتَلَفُوا في تَعارُضِ المجازِ والإضمارِ على ثلاثةِ مذاهبَ:
فقالَ الإمامُ في (المَعالِمِ): المجازُ أوْلَى لِكَثْرَتِه، ولأنَّ إلْحَاقَ الفردِ بالأعَمِّ الأغْلَبِ أوْلَى، وقيلَ: الإضمارُ أوْلَى؛ لأنَّ قَرِينَتَه مُتَّصِلَةٌ، وقيلَ: بتَساوِيهِما، لاحتياجِ كلٍّ منهُما إلى ثلاثِ قرائِنَ، وجَزَمَ به في (المحصولِ) وتَابَعَه البَيْضَاوِيُّ، وعلى هذا فيكونُ اللفظُ مُجْمَلاً حتى لا يَتَرَجَّحَ أحدُهما على الآخَرِ إلا بدليلٍ، ومثَّلَ بعضُهم المسألَةَ بقولِه لعَبْدِه الذي أكْبَرُ منه سِنًّا: هذا ابنِي وقد سَبَقْتُ.
واعْلَمْ أنَّ
стр. 363
كلامَ المصنِّفِ يَقْتَضِي جَريانَ الخلافِ في تَعارُضِ النقلِ والإضمارِ، والمعروفُ أوْلَوِيَّةٌ: الإضمارُ؛ لأنَّه من بابِ البلاغةِ، بخلافِ النقلِ، ولأنَّ النقلَ يَقْتَضِي النسخَ بخلافِ الإضمارِ، ولأنَّ النقلَ أنْكَرَه كثيرٌ من المُحَقِّقِينَ وأَجْمَعُوا على الإضْمارِ.
ص: (والتخصيصُ أوْلَى منْهُما).
ش: أي: من المجازِ ومن النقلِ، أمَّا كونُه أوْلَى من المجازِ، فلأنَّ دلالةَ العامِّ على أفْرادِهِ بعدَ التخصيصِ يَحْتَمِلُ أنْ تكونَ حقيقةٌ، ودلالةُ المجازِ على مَعْناهُ المجازيِّ لا تَحْتَمِلُ ذلك لكونِه خلافَ الإجماعِ، والحقيقةُ راجِحَةٌ على المجازِ، والمُحْتَمَلُ للراجِحِ راجِحٌ، فيكونُ التخصيصُ راجحاً، كقولِنَا: العمرةُ فَرْضٌ لقولِه تعالَى: ﴿وَأَتَمِّوُا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾، والأمرُ للوجوبِ فيقولُ المالكيُّ: تخصيصُ النصِّ بالحجِّ والعمرَةِ المشروعِ فيهما؛ لأنَّ استعمالَ الإتمامِ في الابتداءِ مجازٌ، والتخصيصُ أوْلَى من المجازِ، وأمَّا كونُه أوْلَى من النقلِ، فلأنَّ التخصيصَ خيرٌ من المجازِ والمجازُ خيرٌ من النقلِ كما بَيَّنَّا، والخيرُ من الخيرِ خيرٌ، لقولِ المالكيِّ: يَلْزَمُ الظِهارُ من الأمَةِ، لقولِه تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ فإنْ قالَ الشافعيُّ: هو منقولٌ في العُرْفِ للحرَّةِ، فلا يَتَناولُ مَحَلَّ النزاعِ، ولو لم يكنْ منقولاً لَلَزِمَ أنْ يكونَ مُخَصَّصاً بذواتِ المحارمِ، فإنَّهم من نِسائِهم ولا يَلْزَمُ فيهنَّ ظهارٌ، كانَ للمالكيِّ أنْ يقولَ: إذا تَعَارَضَ النقلُ والتخصيصُ، فالتخصيصُ أوْلَى، وعُلِمَ منه أنَّه أوْلَى من الإضْمارِ؛ لأنَّ التخصيصَ خيرٌ من المجازِ، والمجازُ مساوٍ= للإضمارِ، والأوْلَى، من المساوِي أوْلَى، كقولِ المالكيِّ: الكلبُ طَاهِرٌ، لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. والضميرُ عامٌّ
стр. 364
في جميعِ الجوارحِ، فيَجُوزُ أكلُّ أيُّ مَوْضِعٍ فيه، عَمَلاً بالظاهرِ.
فيقولُ الشافعيُّ: يَلْزَمُكُمْ جوازُ ما أَمْسَكَ بعدَ القُدْرَةِ عليه من غيرِ زكاةٍ، وليسَ كذلك فيَلْزَمُ التخصيصُ بل هنا إضمارٌ تقديرُه: كُلُوا من حَلالِ ما أَمْسَكْنَ، وكونُ موضعٍ فيه من الحَلالِ مَحَلَّ النزاعِ.
فللمَالِكِيِّ أنْ يقولَ: ما ذَكَرْنَاهُ يَلْزَمُ منه التخصيصُ وعلى ما ذَكَرْتُمُوهُ يَلْزَمُ الإضمارُ، والتخصيصُ أوْلَى.
تنبيهٌ: إنَّما اقْتَصَرَ المصنِّفُ على هذه الخمسةِ، أعنِي المجازَ، والنقلَ، والاشتراكَ، والإضمارَ، والتخصيصَ؛ لأنَّها أصْلُ ما يُخَلُّ بالتَّفَاهُمِ، ثمَّ يَقَعُ التعارضُ بينَ الاشتراكِ وبينَ الأربعَةِ الباقِينَ، ثمَّ بينَ النقلِ وبينَ الثلاثةِ الباقيةِ، ثمَّ بينَ المجازِ وبينَ الوجْهَيْنِ الباقيَيْنِ، ثمَّ بينَ الإضمارِ والتخصيصِ.
ص: (وقد يكونُ بالشَّكْلِ أو صِفَةً ظاهرةً، أو باعتبارِ ما يكونُ قَطْعاً أو ظَنًّا لا احتمالاً، وبالضِّدِّ والمجاورةِ، والزيادةِ والنقصانِ، والسببِ للمُسَبِّبِ، والكلِّ للبعْضِ، والمُتَعَلِّقِ للمُتَعَلِّقِ بالعكوسِ، وما بالفِعْلِ على ما بالقُوَّةِ).
ش: المجازُ لا بُدَّ فيه من العَلاقَةِ، بينَه وبينَ الحقيقةِ ولا يَكْفِي مُجَرَّدُ الاشتراكِ في أَمْرٍ ما، وإلاَّ لجَازَ إطلاقُ كلِّ شيءٍّ على ما عَدَاهُ، ويُتَصَوَّرُ من وجوهٍ:
أحدُها: الاشْتراكُ في الشكْلِ، كإنسانٍ للصورةِ المَنْقُوشَةِ على الجدارِ.
стр. 365
والثاني: الاشتراكُ في الصفَةِ، ويَجِبُ أنْ تكونَ ظاهرةٌ ليَنْتَقِلَ الذِّهْنُ إليها، كإطلاقِ الأسدِ على الشجاعِ بخلافِ إطْلاقِهِ على الأُبْخَرِ=.
الثالثُ: باعتبارِ ما يكونُ كذا أطْلَقُوا هنا، وهو إنَّما يكونُ فيما إذا تَحَقَّقَ المثالُ إمَّا قَطْعاً، كقولِه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. أو غالباً كما في تَسْمِيَةِ العَصيرِ خَمْراً في قَوْلِهِ تعالَى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾؛ لأنَّه في الغالبِ يَصِيرُ خَمْراً، ولو قالَ المصنِّفُ: أو غالباً بَدَلٌ= أو ظَنًّا لكانَ أَوْلَى.
واعْلَمْ أنَّ الأصْحابَ وإنْ لم يَذْكُرُوا هذا القَيْدَ هنا لكنَّهم ذَكَرُوه في بابِ التأويلِ في كلامِهم معَ الحَنَفِيَّةِ، في ((أَيُّمَا امْرَأَةٌ نَكَحَتْ نَفْسَهَا فَنِكَاحُهَا بِاطِلٌ)). حيثُ قالُوا: آيِلٌ للبُطْلانِ باعتراضِ الوليِّ،
стр. 366
قالَ أصْحَابُنَا: المآلُ إلى البطلانِ هنا ليسَ قَطْعاً ولا غالباً الذي هو شَرْطٌ في استعمالِ هذا النوعِ، بل إطْلاقُ البطلانِ باعتبارِ ما يَؤُولُ إليه في المَحَلِّ المذكورِ نادِرٌ.
وحُمِلَ كلامُ الشارعِ الخارجِ مَخْرَجَ التعْمِيمِ عليه لا يَجُوزُ، فلو قالَ المصنِّفُ بَدَلَ قولِه: أو ظَنًّا لا احْتمالاً، غالباً لا نادراً لكانَ أوْلَى، وشَرَطَ الكَيَا الهَرَّاسُ: أنْ يكونَ المآلُ مَقْطُوعاً به، ولا يَكْفِي الظَّنُّ، وإطلاقُ الجمهورِ يَقْتَضِي أنَّه لا فَرْقَ، فلهذا سَوَّى المصنِّفُ بينَهُما، نَعَمْ، لا يَكْفِي الاحتمالُ المرجوحُ بالاتفاقِ، وحَقُّهُ إذا زَادَ هذا الَقيْدُ على المُصَنِّفِينَ أنْ يقولَ بل بنَفْسِه كالحُرِّ ليَخْرُجَ العَبْدُ، فإنَّه لا يُطْلَقُ عليه حُرًّا باعتبارِ ما يُؤَوَّلُ إليه.
الرابعُ: تَسْمِيَةُ الشيءِ باسمِ ضِدِّه كقولِه تعالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. أطْلَقَ على الجزاءِِ سَيِّئَةً معَ أنَّه ليسَ سَيِّئَةً.
الخامسُ: تَسْمِيَةُ الشيءِ باسمِ ما يُجَاوِرُه كإطْلاقِ لفظِ الراويةِ على القُرْبَةِ التي هي ظرْفُ الماءِ فإنَّ الراويةَ لغَةُ اسمٍ للجَمَلِ الذي يُسْقَى عليه، ثمَّ أَطْلَقَ على القُرْبَةِ لمُجَاوِرَتِها.
стр. 367
السادسُ: الزيادَةُ، ومَثَّلُوه بقولِه تعالَى: ﴿لَيْسَ كَمَثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فإنَّ الكافَ زائدةٌ، والتقديرُ ليسَ مثلَ مثْلِه شيءٌ، وإلاَّ لَزِمَ المثلُ وهو مُحالٌ، ويَجُوزُ أنْ تكونَ غيرَ زائدةٍ ولاَ يَلْزَمُ المحذورُ، لوجوهٍ:
أحدُها: أنَّه يَجُوزُ سَلْبُ الشيءِ عن المعْدومِ، كما يَجُوزُ سَلْبُ الكتابَةِ عن زيدٍ وهو معدومٍ.
وثانيها: أنَّ المثْلَ يَاتِي بمعنَى الشَّبَهِ كالشبهِ، والشبَهُ والمِثْلُ: الصفةُ، قالَ تعالَى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾؛ أي: صِفَتُها، والتقديرُ ليسَ كصِفَتِه شيءٌ.
ثالثُها: أنْ يكونَ لَفْظُ المِثْلِ كهُوَ، في قَوْلِهِم: مِثْلُك لا يَبْخَلُ؛ أي: أنتَ لا تَبْخَلُ فلا يُرادُ غيرُ ما أُضِيفَ إليه، وإليه، أَشَارَ الشاعرُ بقولِه:
ولم أَقُلْ مِثْلُكَ نَعْنِي بِه غَيْرَكَ ... يَا فَرْداً بِلاَ مُشَبَّهٍ
وهنا ضَرْبٌ من الكنايةِ التي هي أَبْلَغُ من التصريحِ، لتَضَمُّنِها إثباتُ الشيءِ
стр. 368
بدَلَيلِه، فيكونُ المعنَى ليسَ كهو شيءٌ.
السابعُ: النقصانُ في اللفظِ، كقولِه تعالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾؛ أي: أهْلَ القريةِ، فإنَّ القريةَ عبارةٌ عن الأبْنِيَةِ وهي لا تُسْأَلُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: يَخْلُقُ اللهُ تعالى فيها قُدْرَةً على الكلامِ، ويكونُ ذلك مُعْجِزَةً لذلك النبيِّ، ويَبْقَى اللفظُ على حقيقتِهِ، قالَ الشيخُ عِزُّ الدِّينِ في كتابِ (المجازِ): ليسَ حَذْفُ المضافِ من المجازِ؛ لأنَّ المجازَ استعمالُ اللفظِ في غيرِ مَوْضِعِه، والكلمةُ المَحْذُوفَةُ ليسَتْ كذلك، وإنَّما التجوُّزُ في أنْ نُسِبَتْ إلى المُضافِ إليه ما كانَ مَنْسُوباً إلى المُضافِ فجَعَلَهُ من مَجازِ التَّرْكِيبِ العَقْلِي لا من اللُّغويِّ الإفراديِّ.
الثامنُ: إطلاقُ السببُ على المُسَبِّبِ، سواءٌ كانَ السببُ فاعِليًّا كتِسْمِيَةِ المَطَرِ باسمِ السماءِ، أو مَاديًّا
стр. 369
كقولِك: سَالَ الوادِي، أو صُورِيًّا، كتِسْمِيَةِ القُدْرَةِ باليدِ، أو غَائِياً كتِسْمِيَةِ العِنَبِ خَمْراً.
التاسعُ: عَكْسُه، كتِسْمِيَةِ المَرْضِ الشديدِ بالمَوْتِ.
العاشرُ: إطلاقُ اسمُ الكلِّ على البعضِ، كقولِه تعالَى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾؛ أي: أَنَامِلَهُم.
الحادي عَشَرْ: عَكْسُه، كقولِه للزنْجِيِّ أسْوَدٌ، معَ أنَّ فيه بياضٌ
стр. 370
أسنَانِه.
الثاني عَشَرَ: تَسْمِيَةُ المُتَعَلِّقِ باسمِ المُتَعَلِّقِ، كتِسْمِيَةِ المَخْلُوقِ خَلْقاً قالَ اللهُ تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ﴾.
الثالثَ عَشَرَ: عَكْسُه كقولِه ﷺ : ((تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللهِ سِتًّا أَوْ سَبْعاً)). والمعنَى: تَحِيضِي ستًّا أو سَبْعاً وهو معلومُ اللهِ تعالى، وقد أَطْلَقَ عليه العِلْمَ، فقولُ المُصَنِّفُ، وبالعكوسِ راجِعٌ للثلاثَةِ الأخيرَةِ وقد بَيَّنَّاهُ.
الرابعَ عَشَرَ:
стр. 371
إطْلاقُ ما بالفِعْلِ على ما بالقوَّةِ، كتَسْمِيَةِ الخَمْرِ حالَ كونِه في الدَّنِّ بالمُسْكِرِ، وقد يُقالُ: تَرْجِعُ هذه إلى قولِه أوَّلاً: باعتبارِ ما كانَ، لكنَّ الظاهرَ أنَّ ما صَنَعَه المصنِّفُ في حذْفِها أوْلَى، خلافاً للمُخْتَصِرِينَ؛ لأنَّهم جَزَمُوا بأنَّ إطلاقَ اللفظِ باعتبارِ ما كانَ مَجَازٌ، ثمَّ تَرْجَمُوا مَسْأَلَةَ إطلاقِ اسمِ الفاعل باعتبارِ الماضِي، وحَكُوا فيها الخلافَ، وهي عَيْنُ المسألَةِ المذكورةِ.
ص: (وقد يكونُ في الإسنادِ خلافاً لقومٍ).
ش: المجازُ إمَّا أنْ يكونَ في مُفْرداتِ الألفاظِ، كإطلاقِ الأسدِ على الشجاعِ، والحمارِ على البَلِيدِ ونحوِه، وهو ما سَبَقَ يُسَمَّى اللُّغَوِيُّ، وإمَّا أنْ يكونَ في تَرْكِيبِها، وهو أنْ يُسْنِدَ الفِعْلُ إلى غيرِ مَن يَصْدُرُ عنه بضَرْبٍ من التأويلِ، كقولِه تعالَى:
стр. 372
﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾. ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلَّنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾، فإنَّه اسْتَعْملَ كلُّ واحدَةٍ من ألفاظِه المفردَةِ في موضوعِه، لكنْ أُسْنِدَ الزيادَةُ والإضلالُ إلى الآياتِ والأصنامِ، فجَعَلَ المجازُ في الترْكيبِ، ويُسَمَّى: العَقْلِيُّ؛ لأنَّ التجوُّزَ فيه نسبةُ الفِعْلِ إلى غيرِ مَن صُدِرَ منه، وهو أَمْرٌ عَقْلِيٌّ لا وَضْعِيٌّ، وأَنْكَرَه السَّكَاكِيُّ، ورَدَّه إلى اللُّغَوِيِّ فيكونُ المَجازُ كلَّه لُغَوِيًّا، وتَبِعَهُ ابنُ الحَاجِبِ في أَمَالِيهِ ومُخْتَصَرِه الكبيرِ تَصْريحاً، واسْتَبْعَدَه في (الصغيرِ) لكنِ اخْتَلَفَا فيما هو، ويَتَلَخَّصُ في (أَنْبَتَ الرَّبِيع البقْلُ) أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحدُها: أنَّ المجازَ في (أَنْبَتَ) وهو المُسَبَّبُ العادِي، وإنْ كانَ وَضَعَه للسَّبَبِ الحقيقيِّ وهو رَايُ ابنُ الحَاجِبِ، فالمجازُ عندَه في الأفرادِ.
الثاني: أنَّه في الرَّبِيع فإنَّه تَصَورٌ بصُورَةِ فاعلٍ حقيقيٍّ فأَسْنَدَ إليه ما يُسْنَدُ إلى الفاعلِ الحقيقيِّ وهو رَايُ السَّكَاكِيِّ إنَّه من الاستعارةِ بالكِنايةِ.
الثالثُ: إنَّه في الإسنادِ وهو أنَّ كلَّ هيئةٍ تَرْكَيبَيْةٍ وُضِعَتْ بإزاءِ تأليفٍ مَعْنَوِيٍّ، وهذِه وُضِعَتْ لمُلابَسَةِ الفاعلِيَّةِ، فإذا اسْتُعْمِلَتْ لمُلابَسَةِ الظرفيَّةِ أو نحوِها، كانَتْ مَجَازاً وذلك نحوَ: صَامَ نَهارَه وقَامَ لَيْلَهُ، وهو رَأَيُ عبدُ القاهرِ.
стр. 373
والرابعُ: إنَّه تَمْثِيلٌ، فلا مَجازَ فيه في الإسنادِ ولا في الإفرادِ بل هو كلامُ أُورِدَ ليُتَصَوَّرَ معناهُ، فيَنْتَقِلُ الذِّهْنُ منه إلى إثباتِ اللهِ ليُصَدَّقَ فيه، وهو اختيارُ الإمامِ فَخْرِ الدِّينِ في (نِهايةِ الإيجَازِ) قالَ القاضِي عَضَدُ الدِّينِ: والحَقُّ أنَّها تَصَرُّفَاتٌ عَقْلِيَّةٌ ولا حَجْرَ فيها فالكلُّ مُمْكِنٌ، والنَّظَرُ إلى قَصْدِ المُتَكَلِّمِ.
ص: (وفِي الأفعالِ والحروفِ وِفاقاً لابنِ عبدِ السلامِ والنقْشَوَانِيِّ، ومَنَعَ الإمامُ الحَرْفَ مُطْلقاً، والفعلُ والمُشْتَّقُ إلاَّ بالتبَعِ).
ش: قالَ الشيخُ عِزُّ الدِّينِ في كتابِ (المَجازِ) وقد تَجَوَّزَتِ العَرَبُ في الأسماءِ والأفعالِ والحروفِ، فمِن التجَوُّزِ في الأسماءِ: التعبيرُ بالأسدِ عن الشجاعِ، وبالبحْرِ عن الجوادِ وهو كثيرٌ، وأمَّا الحروفُ فقد تَجَوَّزُوا ببَعْضِها، كهَلْ، تَجَوَّزُوا بها عن الأمْرِ نحوَ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: فَأَسْلَمُوا، أو النفْيِ نحوَ: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾؛ أي: مَا تَرَى، أو التقْدِيرُ، نحوَ: ﴿هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانِكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وَعَدَّ حُرُوفاً كَثِيرَةَ، وأمَّا الأفعالُ فقد تَجَوَّزُوا بالمَاضِي عن المستقبلِ تَشْبِيهاً له في التحقيقيِّ، كقولِه تعالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، ﴿ونَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ﴾، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾، وعَكْسَه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتّْلُوا الشَّيَاطِينِ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانِ﴾؛ أي: تَلَتْه، وبِلَفْظِ الخَبَرِ عن الأمَرِ
стр. 374
نحوَ: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَّ أَوْلاَدَهُنَّ﴾ وعكسُه، نحوَ: ﴿مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فلَيُمْدِدْ لَهُ الرَّحْمَنِ مَدَّا﴾. وأَكْثَرُ من ذلك. وكذلك قالَ النَّقْشَوَانِيُّ في رَدِّه على الإمامِ في مَنْعِه الدخولُ في الحروفِ؛ لأنَّ للحَرْفِ مُسَمًّى في الجُمْلَةِ، وقد اسْتُعْمِلَ في مَوْضوعِه، فيكونُ حقيقةٌ، فإذا اسْتُعْمِلَ في غيرِه لعلاقَةٍ كانَ مجازاً، ومثَّلَ بقولِه تعالَى: ﴿لأُصْلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ فإنَّ حقيقةَ (في) الظرفيَّةِ، وهنا اسْتُعْمِلَتْ لغيرِها، وقالَ الإمامُ في (المحصولِ) لا يَدْخُلُ في الحرْفِ، أي: بالأصالَةِ؛ لأنَّ مَفْهُومَه غيرُ مُسْتَقِلٌّ بنفسِه، فإنَّ ضُمَّ إلى ما يَنْبَغِي ضَمَّه، كانَ حقيقةً، وإلاَّ فهو مجازٌ في التركيبِ عَقْلِيٌّ لا لُغَوِيٌّ.
وأمَّا الأفعالُ والمُشْتَقَّاتُ فقالَ الإمامُ: لا يَدْخُلُها المجازُ بالذاتِ؛ لأنَّهما: يَتْبَعَانِ أُصُولَهُما، وأصْلُ كلٍّ منهما المصْدرُ، لكونِ الأفعالُ مُشْتَقَّةً من المصادرِ على الصحيحِ، والأفعالُ أصْلٌ للصِّفَاتِ المُشْتَقَّةِ منها، فتكونُ المصادرُ أصْلاً لها أيضاًً، وإذا كانَ كذلك فيَمْتَنِعُ دُخولُ المَجازِ فيها إلا بعدَ دُخُولِه في المصادرِ التي في ضِمْنِها فإنْ كانَ المَصْدَرُ حقيقةً كانَا كذلك وإلاَّ فلا، والحاصلُ إنَّه لا يَدْخُلُ فيهما المَجازُ إلاَّ بواسطَةِ دُخُولِه في المصْدرِ، ومثلُه قُوْلُ البَيانِيِّينَ في الاستعارةِ التَّبِعِيَّةِ، تكونُ في الأفعالِ والصفاتِ المشتقَّةِ والحروفِ،
стр. 375
وأنَّها لا تَحْتَمِلُ الاستعارةُ بأنْفُسِها، وإنَّما المُحْتَمَلُ للاستعارةِ في الأفعالِ والصفاتِ مصادِرُها.
وفي الحروفِ: مُتَعَلِّقاتُ مَعانِيهَا فتَقَعُ الاسْتِعَارَةُ في المصْدرِ، ثمَّ يَسْرِي إلى الحروفِ، فلا يُسْتَعارُ الفعلُ إلاَّ بعدَ استعارَةٍ مَقْصُودَةٍ فلا تقولُ نَطَقْتَ الحالَ بكذا بَدَلَ دَلَّتْ، إلاَّ بعدَ تقديرِ استعارَةِ نُطْقِ الناطِقِ لدَلالَةِ الحالِ، وإذا أُرِيدَ استعارَةُ (لَعَلَّ) لغيرِ معناها، قُدِّرَتْ الاستعارةُ في معنَى الترَجِيِّ، اسْتُعْمِلَتْ هناك (لَعَلَّ)، وإذا أُرِيدَ اسْتِعارَة (لامَ العَرَضِ) قًُدِّرَتْ الاستعارَةُ في معنَى العرْضِ، ثمَّ اسْتُعْمِلَتْ لامَ العَرْضِ هناك، وقد ضَعَّفَ شُرَّاحُ (المحصولِ) كلامَ الإمامِ في الفِعْلِ، فإنَّه كثيراً ما يُسْتَعْمَلُ في المستقبلِ مجازاً، وكذا صيغَةُ المُسْتَقْبَلِ في الماضِي معَ عَدَمِ دُخُولِ المجازِ في المَصْدَرِ، الذي هو في ضِمْنِ الفعْلِ الماضِي أو المُسْتَقْبَلِ.
وأمَّا في المُشْتَقِّ، فلأنَّ اسمَ الفاعلِ قد يُسْتَعْمَلُ في المفعولِ مَجازاً، وعَكْسِه معَ عَدَمِ دُخُولِ المَجازِ في المصْدَرِ، وأيضاًً فقد يُطْلَقُ الضارِبُ على مَن صَدَرَ منه الضرْبُ، وعلى مَن سَيَصْدُرُ منه في المستقبلِ بطريقِ المجازِ معَ عَدَمِ دُخُولِ المجازِ في الضرْبِ الذي هو مَصْدَرُه إذا عَلِمْتَ هذا فقولُ المُصَنِّفُ، (ومَنَعَ الإمِامُ الحَرْفَ مُطْلَقاً) مَرادُه بالنسبَةِ إلى مجازِ الأفرادِ، وإلاَّ فقد سَبَقَ أنَّه يَجُوزُ دُخولُ المجازِ فيه بالانْضمامِ، لكنَّه جَعَلَه من بابِ مجازِ التَّرْكِيبِ لا الإفرادِ الذي هو بَحْثُ الأُصُولِيِّ.
ص: (ولا يكونُ في الأعْلامِ خِلافاً للغزالِيِّ في مُتَلَّمَّحِ الصفَةِ).
ش: لا يَدْخُلُ المجازُ في الأعلامِ لا بالذاتِ ولا بالواسطةِ؛ لأنَّها وَضَعَتْ للفَرْقِ بينَ ذاتٍ وذاتٍ، فلو دَخَلَها المجازُ لبَطُلَ هذا الغَرَضُ، ولأنَّها لا تُنْقَلُ لعَلاقَةٍ، وشَرْطُ المَجَازِ العَلاقَةُ، فإنَّ استعمالَ العِلْمِ في مُسَمَّاهُ إنَّما هو وَضْعٌ مُسْتَقِلٌّ له لا بالنقلِ للعَلاقَةِ، وسواءٌ سَبَقَ بَوَضْعِه لمُسَمًّى آخَرَ، وهو الذي يُسَمِّيه النحْوِيونَ، عَلَماً مَنْقولاً، أو لم يُسْبَقْ، وهو الذي يُسَمُّونَه: مُرْتَجِلاً، كغطفانَ.
стр. 376
كذا قالَه الإمامُ والبَيْضَاوِيُّ، وفَصَّلَ الغزالِيُّ، فقالَ: يَدْخُلُ في الأعلامِ المَوْضُوعَةِ للصفَةِ كالأَسْوَدِ والحَارِثِ، دونَ الأعلامِ التي لم تُوضَعْ إلاَّ للفَرْقِ بينَ الذواتِ كزَيْدٍ وعَمْرٍو، وهو حَسَنٌ. وقالَ بعضُ شَارِحِي (المحصولِ) إنَّما قالَ الغزالِيُّ ذلك بناءٌ على رَايه في عَدَمِ اعتبارِ العَلاقَةِ في المَجازِ، فإنَّ المَجازَ عندَه: ما اسْتَعْمَلَتْه العَرَبُ في غيرِ موضوعِه وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّه لو قالَ ذلك بناءً على عَدَمِ اعتبارِ العَلاقَةِ لم يَفْصِلْ بينَ زيدٍ والحارثِ، بل جَعَلَ الكلَّ مَجازاً، إذا يُصَدِّقَ على كلِّ منهُما أنَّه اسْتَعْمَلَتْه العَرَبُ في غيرِ موضوعِه.
واعْلَمْ أنَّ المصنِّفَ لم يَحْكِ قولاً بالتَّجَوُّزِ في الأعلامِ مُطْلَقاً، وقد حَكَاهُ الأَبْيَارِيُّ، فتَجْتَمِعُ ثلاثةُ مذاهبَ، ووجْهَهُ بأنَّك تقولُ: قَرَاتُ سِيبَوَيْه، وأنت تُرِيدُ (الكتابُ)، فقد تَجُوزُ بإطلاقِ اسمِ صاحِبِ الكتابِ عليه ثمَّ ضَعَّفَه، فإنَّ سِيبَوَيْه باقٍ على الدلالةِ على الرجُلِ، وإنَّما جَاءَ التَّجَوُّزُ من جِهَةِ= حَذْفِ الكتابِ لا من جِهَةِ إطلاقِ لفظِ صاحبِ الكتابِ عليه.
وقالَ ابنُ يَعِيشَ في شرحِ (المفصَّلِ) قالَ النحْوِيُّونَ: العَلَمُ ما يَجُوزُ تَبْدِيلُه وتَغْييرُه ولا يَلْزَمُ من ذلك تَغْييرِ اللُّغَةِ، فإنَّ لك أنْ تَنْقُلَ اسمَ وَلَدِك من خَالدٍ إلى جَعْفَرٍ، ومن بَكْرٍ إلى
стр. 377
مُحَمَّدٍ، وليسَ كذلك اسمُ الجنسِ، فإنَّك لو سَمَّيْتَ الرجُلَ فَرَساً أو الفَرَسُ رجُلاً كانَ ذلك، تَغَيُّراً للُّغَةِ، إنَّما أَتَى بالأعْلامِ للاخْتصارِ، وتَرَكَ التَّطْويلُ بتَعْدَادِ الصفاتِ.
ص: (ويُعْرَفُ بتَبَادُرِ غيرُه، لولا القَرينَةُ وصِحَّةِ النَّفْيِ وعَدَمِ وُجُوبِ الاطْرادِ، وجَمْعُه على خلافِ جَمْعِ الحقيقةِ، وبالْتِزامِ تَقْييدِه وتَوَّقُفِهِ على المُسَمَّى الآخَرِ والإطْلاقُ على المستحيلِ.
ش: يُعْرَفُ المجازُ بوجوهٍ: أوَّلُها: وهو الأقْوَى، ولهذا صَدَرَ به أنْ يَتَبَادَرَ غيرُه إلى الفِهْمِ، لولا القرينةِ، والحقيقةُ بالعكسِ، وأَوْرَدَ عليه المجازُ الراجحُ، وأُجِيبَ بأنَّه نادرٌ، فلا يَقْدَحُ، إذ الغالبُ أنَّ المُتبادَرَ إنَّما هو الحقيقةُ.
ثانيها: صِحَّةُ النَّفْيِ، كقولِك للبَلِيدِ: ليسَ بحُمَارٍ، وللجَدِّ: ليسَ بأَبٍ، وصِحَّةُ النَّفْيُ دَلِيلٌ على أنَّه مَجازٌ فيه، وعَكْسُه الحقيقَةُ، وزَادَ بَعْضُهم: في نَفْسِ الأمْرِ، ليَحْتَرِزَ عن نفْسِ الظَّانِّ، فإنَّه لا يَدُلُّ عليه واخْتارَ صاحبُ (البديعِ) أنَّ صِحَّةَ النَّفْيِ حُكْمٌ من أحكامِ المجازِ،
стр. 378
لا يُعْرَفُ له معنًى، إنَّه حُكْمٌ ثابتٌ في الواقعِ، إذا عُلِمَ أنَّه مَجازٌ بطريقَةٍ، عُلِمَ صِحَّةَ نَفْيهِ؛ لأنَّ كونَه مُعَرَّفاً مُسْتَلْزِمٌ للدورِ.
ثالثُها: أنَّه لا يَجِبُ فيه الاطْرَادُ، فإنَّه يُسْتَعْمَلُ لوجودِ معنًى في مَحَلٍّ، ولا يَجُوزُ اسْتَعْمَالُه في مَحَلٍّ آخَرَ معَ وجودِ ذلك المعنَى فيه كما تقولُ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾؛ لأنَّه سؤالٌ لأهْلِها، فلا تقولُ: اسْأَلِ البِساطَ وإنْ وُجِدَ فيه ذلك.
قالَ ابنُ الحَاجِبِ: وهو لا يَنْعَكِسُ؛ أي: ليسَ الاطْرَادُ دليلُ الحقيقةِ، فإنَّ المَجازَ قد يَطَّرِدُ، كالأسدِ للشجاعِ، وجوابُه: إنَّه وإنْ اطَّرَدَ لكنَّه لا يَجِبُ، ومن هنا حَسُنَ زِيادَةُ المُصَنِّفِ الوجوبَ عليه.
رابِعُها: جَمْعُه على صِيغَةٍ مُخالِفَةٍ كمُسَمًّى آخَرَ هو فيه حقيقةٌ، كالأمْرِ، فإنَّه بمَعْنَى القولِ، يُجْمَعُ على أوامِرَ، وبمعنَى الفعْلِ، على أمورٍ، ونُوَزِّعُ في هذا المثالِ.
خامسُها: التزامُ تَقْييدِه، فلا يُسْتَعْمَلُ في ذلك المعنَى عندَ الإطلاقِ كجُناحِ الذُّلِّ ونارُ الحرْبِ، فإنَّ الجُناحَ والنارَ قد تُسْتَعْمَلُ في معانيهِما الحقيقةُ بدونِ قَيْدٍ، ومتى اسْتَعْمَلُوها في الذُّلِّ والحرْبِ،
стр. 379
قَيَّدُوهُما: فَدَلَّ على كونِه مَجازاً فيه، وإنَّما قالَ: بالتزامِ تَقْييدِه، ولم يَقُلْ: بتَقْييدِه، احْتِرازاً عن الحقيقةِ في اللفْظِ المُشْتَرَكِ، فإنَّه قد يُقَيَّدُ أيضاًً، كما يُقالُ في العَيْنِ: رَأَيْتُ عَيْناً جَارِيَةً، لكنْ لا على طريقِ الالتزامِ.
سادسُها: توقَّفَ اسْتِعْمَالُها على المُسْمَّى الآخَرِ، سواءٌ كانَ ذلك ملفوظاً به، كقولِه تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ فلا يُقالُ: مَكْرُ اللهِ ابتداءً أو مُقَدَّراً كقولِه تعالَى: ﴿قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً﴾. ولم يَتَقَدَّمْ لمَكْرِهم ذِكْرٌ في اللفْظِ، لكنَّه مَذْكورٌ معنَى، الإطلاقُ على المُسْتَحيلِ، فإنَّ الاستحالةَ تَقْتَضِي أنَّه غَيرَ موضوعٍ له فيكونُ مجازاً، كقولِه تعالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةِ﴾ وأَورَدَ بأنَّ المجازَ العَقْلِيُّ كذلك معَ أنَّه حقيقةٌ لُغَوِيَّةٌ، وأُجِيبَ بأنَّ المُرادَ ما يَقَعُ تَعْلِيقُه به بالبَدِيهَةِ، والذي في المجازِ العَقْلِيِّ امْتِناعُه نظراً.
ص: والمختارُ اشْتِراطُ السمْعِ في نوعِ المجازِ وتوقَّفَ الآمِدِيُّ.
ش: يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ بينَ المفهومِ الحقيقيُّ والمَجَازِيُّ عَلاقَةٌ مُعْتَبِرَةٌ، وإلاَّ جَازَ اسْتِعمالُ كلُّ لفْظٍ في كلِّ معنًى، وهو باطلٌ، ضرورةٌ. إذا عَلِمْتَ هذا، فجِنْسُ العَلاقَةُ يُشْتَرَطُ بالإجْماعِ لمَا ذَكَرْنَا، وشَخَّصَها غيرُ مُشْتَرَطٍ بالإجماعِ، فلا يُقالُ: لا
стр. 380
يُطْلَقُ الأسدُ على الشجاعِ إلاَّ بنَقْلٍ عن العربِ، ومَحَلِّ الخلافُ إنَّما هو في النوعِ، هل يَكْفِي بالعَلاقَةِ إلى نَظَرِ العربِ إليها، كإطْلاقِهم السببُ على المُسَبَّبِ، ويزيدُ عليه كالمُسَبَّبِ على السببِ أو لا يَتَعَدَّى عَلاقَةُ السببِ إلى عَلاقةٍ أُخْرَى، وإنْ سَاوَتْها، ما لم تَفْعَلِ العربُ ذلك، فاختارَ المصنِّفُ الثاني تَبَعاً للرَّازيِّ والبَيْضَاوِيِّ، وإلاَّ لجَازَ التَّجَوُّزُ بالأسدِ عن الأَبْخَرِ لوجودِ شَبَهٌ، إمَّا= واختارَ ابنُ الحَاجِبِ الأوْلَى، وتَوَقَّفَ الآمِدَيُّ للتَّعارُضِ.
ص: مسألَةٌ: المُعْرَبُ لفظٌ غيرُ عَلَمٍ اسْتَعْمَلَتْه العَرَبُ في معنَى وَضْعٍ له في غيرِ لُغَتِهم.
ش: عَقَّبَ المَجازَ بهذه المسألَةِ؛ لأنَّها تُشْبِهُه في أنَّ كلاًّ منهما ليسَ من الموضوعاتِ الحقيقيةُ للُغَةِ العَرَبِ، وخَرَجَ بقولِه: غيرَ عَلَمٍ، الأعلامُ كإبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ، وخَرَجَ بالأخيرِ، الحقيقةُ، فإنَّها استعمالٌ فيما وُضِعَ له في لُغَتِهم، وكذلك المَجازُ، وقد يُقالُ: لا حَاجَةَ لقولِه: غيرَ عَلَمٍ، فإنَّ الأعلامَ ليسَتْ مُعْرَبَةٌ، بل هي مُعْرَبَةٌ قَطْعاً، وإنَّما خَرَجَتْ عن مَحَلِّ الخلافِ، لوقوعُها في القرآنِ، لأجلِّ إجماعِ النحْوِيِّينَ على أنَّ إِبْرَاهِيمَ ونحوَه ممنوعٌ من الصرْف للعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، ولو كانَ من قبلِ توافُقِ اللُّغَتَيْنِ لكانَ مُنْصَرِفاً، نظراً إلى الوَضْعِ العَرَبِيِّ.
قالَ أَبُو مَنْصُورٍ الجَوَالِيقِي:
стр. 381
وكلُّ أسماءِ الأنْبياءَ أَعْجَمِيَّةٍ، إلاَّ أرْبَعَةً: آدَمٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ ومُحَمَّدٌ ﷺ .
ص: وليسَ في القرآنِ، وِفاقاً للشافعيِّ وابنِ جَريرٍ.
ش: ما نَقَلَه عن الشَّافِعِيِّ ذَكَرَه في (الرِّسَالَةِ) وبَالَغَ في الإنْكَارِ على منْ أَثْبَتَه، ونَصَرَه القاضِي في (التَّقْرِيبِ) وابنُ جَريرٍ الطَّبَرِيُّ، في تَفْسِيرِه لقولِه تعالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ سَمَّاه عَرَبِيًّا، لكونِه دالاًّ على المعانِي المخصوصَةِ بوَضْعِ العَرَبِ، فَدَلَّ على أنَّه ليسَ فيه شيءٌ من غيرِ لسانِ العَرَبِ، وعَزَاهُ ابنُ الحَاجِبِ للأكثرِينَ ثمَّ خَالَفَهم وتَمَسَّكَ بالمِشْكَاةِ، فإنَّها هِندِيَّةٌ، والاسْتَبْرَقِ وسِجِّيلٍ فارسيةٍ، والقِسْطَاسِ رُومِيَّةٍ، والجمهورُ يَرَدُّونَه إلى أنَّه ممَّا اتَّفَقَ عليه اللُّغَاتُ، وعَلِمَ من كلامِه
стр. 382
المُصَنِّفُ أنَّه في اللُّغَةِ بلا خلافٍ، وإنَّما في اشتمالِ القرآنِ عليه.
وقالَ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ: الخلافُ في مُثْبِتِي الحقيقةِ الشرعيَّةِ، فمَن أَثْبَتَها وجَعَلَها مَجازَاتٍ لُغَوِيَّةً، لا يَلْزَمُ من قولِه أنْ يكونَ القرآنُ غيرَ عربيٍّ.
فائدةٌ: ذَكَرَ ابنُ جِنِّي وغَيْرُه من النُّحاةِ أنَّه متَى خَلا اسمٌ رُبَاعِيِّ الأصولِ أو خُمَاسِيَّها عن بعضِ حروفِ الزلاقَةِ السِّتَّةِ، وهي المجموعةُ في قولِك: فرَّ من لُبٍّ ـ فهو أَعْجَمِيٌّ.
ص: مسألَةُ اللفظِ إمَّا حقيقةٌ أو مجازٌ أو حقيقةٌ ومجازٌ باعتبارَيْنِ، والأمرانِ مُنْتَفَيَانِ قبلَ الاستعمالِ.
ش: الغرضُ بهذا التقسيمِ إثباتُ الواسطةِ بينَ الحقيقةِ والمجازِ، وحاصلُه: أنَّ
стр. 383
اللفظَ الواحدُ يَنْقَسِمُ إلى أَرْبَعَةِ أقْسامٍ:
أَحَدُها: ما هو حقيقةٌ فقط، وهو المُسْتَعْملُ في موضوعِه، كالأسدِ في الحيوانِ المخصوصِ.
والثاني: ما هو مجازٌ فقط، وهو المُسْتَعْمَلُ لا في موضوعِه، كالأسَدِ على الرجُلِ الشجاعِ.
والثالثُ: ما هو حقيقةٌ ومجازٌ باعتبارَيْنِ، إمَّا بمعنيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فهو كثيرٌ، ومن ألفاظِ العامِّ المخصوصِ، على قولِ مَن يقولُ: هو حقيقةٌ باعتبارِ دَلالَتِه على ما بَقِيَ مجازٌ، باعتبارِ سَلْبُ دلالَتِه على ما أَخْرَجَ، وإنَّما بمعنًى واحدٍ، فإنْ كانَ بحسَبِ وَضْعٍ واحدٍ فمُحالٌ، لامتناعِ اجْتماعِ الإثباتِ والنفْيِ من جِهَةٍ واحدةٍ، وإنْ كانَ بحسَبِ وضعَيْنِ، كلُغَوِيٍّ وعُرْفِِيٍّ مثلاً، فجائزٌ كالدابَةِ إلى الحمارِ، فإنَّها حقيقةٌ بالنسبةِ إلى الوضْعِ الأوَّلِ، مجازٌ بحسَبِ الوضْعِ العُرْفِيِّ، ومن هذا يُعْلَمُ أنَّ الحقيقةَ قد تَصِيرُ مَجازاً بالعكسِ.
وحَكَى صَاحِبُ (المُعْتَمَدِ) الاتفاقُ على جوازِه، قالَ: واخْتَلَفُوا في وقوعِه، قالَ: والذين أَجَازُوا انْتِقالَ الاسمِ عن موضوعِه في اللُّغَةِ بالعُرْفِ إنَّما أَجَازُوا ذلك ما لم يكنْ الاسمُ اللُّغَوِيُّ، ما لم يَتَعَلَّقْ به حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فإنْ تَعَلَّقَ به لم يُجْزْ نَقْلُه عن موضوعِه إلى معنًى آخَرَ قَطْعاً لأمْرٍ يَرْجِعُ إلى المُتَكَلِّمِينَ.
стр. 384
رابِعُها: ما لا يكونُ حقيقةً ولا مجازاً، فمنه اللفظُ في أوَّلِ وضْعِه قبلَ اسْتِعْمالِه فيما وُضِعَ له، فإنَّه ليسَ بحقيقةٍ ولا مجازٍ؛ لأنَّ الاسْتِعْمالَ شَرْطٌ في كلٍّ من الحقيقةِ، والمجازُ على ما سَبَقَ في تعريفِها، فحيثُ انْتَفَى الاستعمالُ انْتَفَيَا، كذلك أَطْلَقَ أَبُو الحُسَيْنِ وتَابَعَهُ الرَّازِيُّ والآمِدِيُّ وابنُ الحَاجِبِ والبَيْضَاوِيُّ وغيرُهم، وتَابَعَهم المُصَنِّفُ ويَجِبُ أنْ يكونَ مُرادُهم ليسَ بمَجازٍ فيما وُضِعَ له، أمَّا في غيرِه فلا يَمْتَنِعُ أنْ يكونَ مجازاً فيه، إذ الاستعمالُ لمُنَاسَبَةٍ بينه وبينَ الموضوعِ الأوَّلِ قبلَ الاستعمالِ فيه مُمْكِنٌ، وقد جَرَى على ذلك الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ، وذَكَرَ في (المِنْهاجِ) في أمْثَلَةِ هذا القِسمُ الأعْلامُ، وإنَّما لم يَذْكُرُه المُصنِّفُ؛ لأنَّ كلامَه فيما سَبَقَ يَقْتَضِي أنَّها حَقيقَةٌ، وكذا اقْتَصَرَ ابنُ الحَاجِبِ على اللفظِ قبلَ الاستعمالِ وقد يُقالُ: التقسيمُ ناقِصٌ، وبَقِيَ عليه اجْتماعُهُما في الإرَادَةِ على قَوْلِنا: يَجُوزُ الجَمْعُ بينَ الحقيقةِ والمجازِ.
ص: ثمَّ هو محمولٌ على عُرْفِ المُخَاطَبِ أَبَداً، ففي الشرْعِ الشرْعِيِّ؛ لأنَّه عَرَّفَه، ثمَّ العُرْفِ العامِّ ثمَّ اللُّغَوِيِّ، وقالَ الغَزَالِيُّ والآمِدِيُّ في الإثباتِ الشرْعِيِّ،
стр. 385
وفي النَّفْيِ الغزالِيُّ مُجْمَلٌ، والآمِدِيُّ اللُّغَوِيُّ.
ش: هذه المسألَةُ في تعارضِ الحقيقةِ الشرعيَّةِ واللُّغويَّةِ والعُرْفِيَّةِ، والضابِطُ أنَّه يُحْمَلُ على عُرْفِ المخاطَبِ أبداً فإنْ كانَ المُخَاطَبُ هو الشارعُ، حُمِلَ على المعنَى الشرعيِّ لا اللغويِّ؛ لأنَّه ﵊ بُعِثَ لبيانِ الشريعةِ لا اللُّغَةِ، إذ هو وغيرُه فيها سواءٌ، ولأنَّ الشرْعَ طارئٌ على اللُّغَةِ وناسخٌ لها فالحَمْلُ على الناسخِ أوْلَى، وبهذا ضَعَّفُوا قولَ من حَمَلَ الوضوءَ من أَكْلِ لَحْمِ الجزورِ، ونحوَه ـ على التنظيفِ بغَسْلِ اليدِ، فإنْ تَعَذَّرَ حُمِلَ على العُرْفِ؛ لأنَّه المُتَبَادَرُ إلى الفَهْمِ، وهذا إذا كَثُرَ اسْتِعْمالُ الشرْعِيِّ والعُرْفيِّ إلى حدٍّ يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ أحدُهما دونَ اللُّغَوِيِّ، فأمَّا إذا لم يُفْهَمْ أحدُهما إلاَّ بقَرِينَةٍ، صارَ مُشْتَرِكاً بينَ المفهومَيْنِ، ثمَّ بَعْدَهُما يُحْمَلُ على المفهومِ اللُّغَوِيِّ الحقيقيِّ، ومن أمثلَتِه قولُه ﷺ : ((مَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيُجِبْ، فإنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيْأَكُلْ، وَإِنْ كَانَ صَائِماً فَلْيَصِلْ))، قالَ ابنُ حِبَّانَ في صحيحِه؛
стр. 386
أي: فلْيَدَعْ، ثمَّ المجازيُّ صيانةً للكلامٍ، هذا ما ذَكَرَهُ الأصولِيُّونَ، ويُخَالِفُه قولُ الفقهاءِ، ما ليسَ له ضابطٌ في الشرْعِ ولا اللُّغَةِ يَرْجِعُ فيه إلى العُرْفِ، فإنَّه يَقْتَضِي تَاخِيرَ العُرْفِ عن اللغةِ، وجَمَعَ بَعْضُهم بينَهما، فحُمِلَ كلامُ الأصُولِيِّينَ في اللفظِ الصادرِ من كلامِ الفقهاءِ في الصادرِ من غيرِه، وفيه نظرٌ، فإنَّ الفقهاءَ يَسْتَعْمِلُونَ هذه العبارةَ في لفظِ الشارعِ أيضاًً، كالقبْضِ في البيعِ وغيرِه، وكانَ البَاجِيُّ يَجْمَعُ بينَهُما، بأنَّ مُرادَ الأصُولِيِّينَ ما إذا تَعارَضَ معناهُ في اللُّغَةِ والعُرْفِ، فيُقَدَّمُ العُرْفُ، ومُرادُ الفُقهاءِ: إذا لم يُعْرَفْ
حَدُّهُ في اللّغَةِ، فإنَّا نَرْجِعُ فيه إلى العُرْفِ، ولهذا قالُوا: كلَّ ما ليسَ له حَدٌّ في اللُّغَةِ، ولم يَقُولُوا: ليسَ له معنًى.
وحَكَى الآمِدِيُّ في تَعَارُضِ الحقيقةِ الشرعيَّةِ مذاهبُ:
أحدُها: ما ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ وصَحَّحَهُ ابنُ الحَاجِبِ تَقْدِيمَ الشَّرْعِيِّ؛ لأنَّ غَرَضَ الشارِعُ تعريفُ المعانِي الشرعيَّةِ لا اللُّغَوِيَّةِ.
والثاني: مُجْمَلٌ، لصَلاحِيَّتِه لكلٍّ منهما.
والثالثُ: قالَ الغزالِيُّ ما وَرَدَ في صِيَغِ الأمْرِ والإثباتِ يُحْمَلُ على المُسَمَّى الشرعيِّ كقولِه ﷺ : ((إِنَّي إِذِنْ أَصُومُ)). حتى يُسْتَدَلَّ به على صِحَّةِ النفْلِ بنِيَّةٍ من النهارِ، وما وَرَدَ في النَّفْيِ مُجْمَلٌ، كالنَّهْيِ عن صَوْمِ يومِ النَّحْرِ، فإنَّه
стр. 387
لو حُمِلَ على الشرْعِيِّ دَلَّتْ على صِحَّتِه، لاسْتِحالَةِ النهْيِ عمَّا لا يُتَصَوَّرُ وقوعُه، بخلافِ ما إذا حُمِلَ على اللُّغَوِيِّ.
قالَ الآمِدِيُّ: والمُختارُ أنَّه إنْ وُرِدَ في الإثباتِ حُمِلَ على الشرعيِّ؛ لأنَّه عَرَّفَه، وإنْ وُرِدَ في النَّهْيِ حُمِلَ على اللُّغَوِيِّ، للاسْتحالَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والصحيحُ الأوَّلُ، ويُعَضِّدُهُ حَمْلٌ، نحوَ قولِه ﷺ : ((دَعِي الصَّلاةَ أيامَ أَقْرَائِكِ)). على المعنَى الشرعيِّ بالاتِّفاقِ معَ أنَّه في معنَى النهْيِ.
ص: وفي تَعَارُضِ المجازِ الرَّاجِحِ والحقيقةِ المرجُوحَةِ، أقوالٌ: ثالثُها المُختارُ: مُجْمَلٌ.
ش: صُورَةُ هذه المسألَةِ: أنْ يَغْلِبَ الاستعمالُ المَجازيُّ على الاستعمالِ الحقيقيِّ كما في الدَّابَّةِ، فإنَّه في اللُّغَةِ لكلِّ ما يُدَبُّ، ثمَّ نُقِلَ في العُرْفِ إلى الحمارِ، وكَثُرَ حتى صارَ حقيقةً عُرْفِيَّةً، وصَارَ الوضْعُ الأوَّلُ مَجازاً بالنسبةِ إلى العُرْفِ، لقِلَّةِ اسْتِعْمالِه فيه، وفيها مذاهبُ:
إحدَاها، تَقْدِيمُ الحقَيقَةِ، تَمَسُّكاً بالأصْلِ، وهو قُوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
стр. 388
والثاني: المجازُ، لغَلَبَتِه، وهو قولُ أَبِي يُوسُفَ، واخْتَارَهُ القِرَافِيُّ؛ لأنَّ الظهورَ هو المُكَلَّفُ به.
والثالثُ: يَحْصُلُ التعَارُضُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ راجِحٌ على الآخَرِ من وجْهٍ، فإنَّ قوَّةَ الحقيقةِ قد عَارَضَها كَثْرَةُ الاسْتِعْمَالِ المَجازِيِّ، فيَتَعَادَلانِ ولا يُحْمَلُ على أَحَدِهما إلاَّ بالنِّيَّةِ، وهذا ما اخْتَارَهُ البَيْضَاوِيُّ، وتَابَعَهُ المُصَنِّفُ.
قالَ الهِنْدِيُّ: وعُزِيَ ذلك إلى الشَّافِعِيِّ، والخلافُ مَحَلُّه إذا كانَتْ الحقيقةُ غيرَ مهجورةٍ، كما لو قالَ: لأَشْرَبَنَّ من ماءِ هذا النَّهَرِ، فهو حقيقيةٌ في الكَرْعِ بفِيهِ، وإذا اغْتَرَفَ بإنَاءٍ وشَرِبَ فمجازٌ، والحقيقةُ قد تُرَادُ؛ لأنَّ كثيراً من الرُّعاءِ، وغيرُهم يَكْرُعُ بفِيهِ، أمَّا إذا كانَتْ الحقيقةُ مهجورةٌ لا تُرَادُ في العُرْفِ، فلا خِلافَ بينَ أَبِي حَنِيفَةَ وأَبِي يُوسُفَ في تقديمِ المَجازِ؛ لأنَّه إمَّا حَقِيقَةٌ شرعيَّةٌ كالصلاةِ، أو عُرْفِيَّةٌ كالدابَةِ، وهما مُتَقَدِّمانِ على الحقيقةِ اللغويَّةِ.
وقالَ الرَّافِعِيُّ في (كتابِ الإيمانِ): المجازُ المُتعارَفُ يُقَدَّمُ على الحقيقةِ البعيدَةِ، كما لو حَلِفَ لا يَاكُلُ من هذه الشَّجَرَةِ، فإنَّ اليمينَ تُحْمَلُ على الأكْلِ من ثَمَرِها دونَ الورَقِ والغُصونِ، بخلافِ ما لو حَلِفَ لا يَاكُلُ من هذه الشاةِ، فإنَّ اليمينَ تُحْمَلُ على لَحْمِها ولَبَنِها ولَحْمِ وَلَدِها؛ لأنَّ الحقيقةَ مُتَعارَفَةٌ.
ص: وثبوتُ حُكْمٌ يُمْكِنُ كونُه مُراداً من خِطابٍ، لكنَّ مجازاً لا يَدُلُّ على أنَّه المرادُ منه، بل يَبْقَى الخِطابُ على حَقِيقَتِه، خلافاً للكَرْخِيِّ والبَصْرِيِّ.
стр. 389
ش: هذه من مسائلِ (المحصولِ)، وصُورَتُها أنَّ الخطابَ الذي له حقيقةٌ ومجازٌ، ومُوجِبُ المجازُ ثابتٌ في بعضِ الصوَرِ بدليلٍ هل يَقْتَضِي إرادَةُ المجازِ من ذلك الخطابِ، ويَلْزَمُ منه أنْ لا يُحْمَلُ على الحقيقةِ، وإلاَّ يُلْزَمُ باسْتِعْمالِ اللفْظِ في حقيقَتِه ومَجازِه، أو لا يَقْتَضِي ذلك مثالُه: لفظُ المُلامَسَةُ حقيقةٌ في اللَّمْسِ مجازٌ في الوقاعِ، وقد ثَبَتَ مُوجِبُ المجازِ من الآيةِ لانْعقادِ الإجْماعِ على جَوازِ التَّيَمُّمِ للمُجامِعِ، فهل يَدُلُّ على أنَّ المُرادَ بالمُلامَسَةِ فيها الجماعُ؟ حتى لا يَصِحُّ الاستدلالُ بها على أنَّ اللَّمْسَ باليَدِ المُخْتَلِفُ فيه كذلك.
فذَهَبَ الكَرْخِيُّ من الحَنَفِيَّةِ، والبصريِّ من المُعْتزلَةِ إلى أنَّه يَدُلُّ، وذَهَبَ القَاضِي عَبُدُ الجَبَّارِ وتَابَعَه في (المحصولِ) إلى أنَّه لا يَدُلُّ.
وحاصلُ الخلافُ أنَّ ثُبُوتَ مُوجِبُ المَجازَ في صورَةٍ بدلَيلٍ يَمَنْعُ إجراءَ الخِطابِ على حقيقَتِه على رَايٍ، ولا يَمْنَعُ منه على آخَرَ، وهو الصحيحُ؛ لأنَّ المُقْتَضِيَ لإرادَةِ الحقيقَةِ من هذا اللفْظِ فأعَمٌّ ولا مُعارِضٌ له، فلا يَجُوزُ صَرْفُه عنه بمُجَرَّدِ ما ذُكِرَ، وتَوَّسَطَ الشيخُ علاءُ الدِّينِ بنُ النَّفِيسِ، في كتابِه المُسَّمَى بالإيضاحِ فقالَ: مثلُ هذا وإنْ لم يَدُلُّ على ذلك، فهو يُفِيدُ رُجْحَاناً باعتبارِ ذلك المجازُ، فكذلك يكونُ في مَسْأَلَتِنَا، وهو حِينَما يَقْتَضِي حَمْلُ اللفظِ على أَحَدِ مجازاتِه مُوجَباً لاعتبارِ ذلك المجازُ، إذا عَلِمَتْ هذا فأَعْلَمْ أنَّ المسألَةَ مُفَرَّعَةًَ على امْتناعِ اسْتِعْمالِ اللفْظِ في حقيقَتِه ومجازِه، كما صَرَّحَ به الأَصْفَهَانِيُّ، وهو ظاهرٌ، فإنَّ المُجَوِّزَ لذلك يَحْمِلُه عليهما، ويَجْعَلُ
стр. 390
ذلك الدليلُ قرينَةً إرادَةَ المجازِ، وحينَئذٍ فكانَ حَقُّ المُصَنِّفُ التَّنْبِيهُ على ذلك، وإلاَّ لنَاقَضَ اخْتيارَهُ فيما سَبَقَ، ثمَّ إنَّه ليسَ من عادَتِه التفْرِيعُ على الضعيفِ عندَه.
ص: مسألةٌ: الكنايةُ لفظٌ اسْتُعْمِلَ في معناهُ مُراداً منه لازمُ المعنَى، فهي حقيقةٌ (فإنْ لم يُرِدِ المعنَى وإنَّما عَبَّرَ بالمَلْزُومِ فهو مجازٌ).
ش: قسَّمَه البيانِيُّونَ إلى صريحٍ وكنايةٍ وتعريضٍ، وزَعَمَ كثيرٌ منهم أنَّ الكنايةَ حقيقةٌ، وتَابَعَهُم الشيخُ عِزُّ الدِّينِ في (كتابِ المجازِ) فقالَ: الظاهرُ أنَّ الكنايةَ ليسَتْ من المجازِ؛ لأنَّها اسْتُعْمِلَتْ فيما وُضِعَتْ له، وأُرِيدَ بها الدلالَةُ على غيرِهِ كدليلِ الخطابِ في مثلِ:
следующие страницы →