Полный текст (1 929 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ص: (وقد يُطَّرَدُ كاسمِ الفاعلِ، وقد يُخْتَصُّ كالقارورَةِ).
ش: المُشْتَّقُ قد يُطَّرَدُ استعمالاً كاسمِ الفاعلِ، وما في معناهُ من: اسمِ المفعولِ، والصفةِ المُشَبَّهَةِ، وأفعلِ التفضيلِ، والزمانِ، والمكانِ، والآلةِ، وقد لا يُطَّرَدُ. وهو المختصُّ: كالقارورةِ، لاخْتصاصِها بالزُّجاجَةِ، والدَّبَرَانِ لمنزلَةِ القَمَرِ، فإنَّهما لم يَطَّرِدَا مع اشْتِقَاقِهِما من الاسْتِقْرارِ والدَّبُورِ، والقَصْدُ بهذا أنَّ وجودَ معنى الأصْلِ في مَحَلِّ التَّسْمِيَةِ قد يُعْتَبَرُ من حيثُ إنَّه داخلٌ في التَّسْمِيَةِ، والمرادُ ذاتُ ما، باعتبارِ نَسَبِه له إليها، فهذا يَطَّرِدُ في كلِّ ذاتٍ كذلك، وقد يُعْتَبَرُ من حيثُ إنَّه مُصَحِّحٌ للتَّسْمِيَةِ، مُرَجِّحٌ لها من الأسماءِ من غيرِ دُخولِه في التَّسْمِيَةِ، والمرادُ ذاتٌ مَخْصُوصَةٌ فيها المعنَى، لا من حيثُ هو فيها، بل باعتبارِ خصوصِها، فهذا لا يُطَّرَدُ، وحاصلُه الفَرْقِ بينَ تَسْمِيَةِ الغيرِ لوجودِه فيه أو بوجودِه فيه.
стр. 317
ص: (ومَن لم يَقُمْ به وَصْفٌ لم يَجُزْ أنْ يَشْتَقَّ له منه اسمٌ، خلافاً للمعتزلَةِ، ومن بنائِهِم أنَّ إبراهيمَ ﵇ ذابِحٌ، واخْتِلافِهم هل إسماعيلُ مَذْبُوحٌ).
ش: أصلُ الخلافِ في هذه المسألَةِ أنَّ اللهَ تعالَى يُسَمَّى مُتَكَلِّماً بالاتِّفاقِ، وهو مُشْتَقٌّ من الكلامِ، ثم إنَّ الأشاعرَةَ أَطْلَقُوهُ على اللهِ وما منهُ الاشتقاقُ قَائِمٌ بذاتِه الكريمَةِ، وهو الكلامُ النَّفْسِي، وأمَّا المعتزلَةُ فيَطْلِقُونَ اسمَ المُتَكَلِّمِ على اللهِ باعتبارِ قيامِه بغيرِه لا بذَاتِه، وهو خَلْقُه الكلامَ= في اللَّوْحِ المحفوظِ أو في غيرِه، ولا يَعْتَرِفُونَ بالكلامِ النَّفْسِيِّ، فلَزِمَ من مَذْهَبِهم جوازُ صِدْقِ المُشْتَقِّ على مَن لم تَقُمْ به صِفَةُ الاشْتقاقِ، وعلى هذا ففِي نِسْبَةِ الجوازِ لُغَةٌ إليهم، نَظَرٌ، بناءٌ على أنَّ الخلافَ في أنَّ لازِمَ المذهبِ هل هو مذهبٌ أم لا؟ والصحيحُ المَنْعُ، ولهذا لم يُنْسَبِ القولُ المُخَرَّجَ= إلى الشَّافِعِيِّ على الصحيحِ.
وقولُه: (ومن بنائِهم) يُشِيرُ إلى ما ذَكَرُوهُ في مسألَةِ النَّسْخِ قبلَ الفِعْلِ، فإنَّ المُعْتَزِلَةَ مَنَعُوهُ، واسْتَدَّلَ أَصْحَابُنا عليهم، بأنَّ إبراهيمَ عليهِ
стр. 318
الصلاةُ والسلامُ، أَمَرَ بالذَّبْحِ، ثم نُسِخَ قبلَ التَّمَكُّنِ، فأَجَابُوا بأنَّه ذَبَحَ وكانَ يَلْتَحِمُ، فأَبْطَلَ أصحابُنا هذا بأنَّهم اتَّفَقُوا على أنَّ إسماعيلَ ﵊، ليسَ بمذبوحٍ، واخْتَلَفُوا في أنَّ إبراهيمَ هل هو ذابِحٌ؟ فقالَ قومٌ: هو ذابحٌ للقَطْعِ، والولَدُ ليسَ بمَذْبُوحٍ للالتئامِ، وأَنْكَرَهُ قومٌ، وقالُوا: ذابِحٌ ولا مَذْبُوحٌ مُحَالٌ، فإنْ قُلْتَ: كيفَ يَسْتَحِيلُ عندَ المُعْتَزِلَةِ إثباتُ ذابحٍ ولا مذبوحٍ مع قولِهم: يَجُوزُ اشتقاقُ اسمُ الفاعلِ لِمَنْ لم يَقُمْ به الفِعْلُ؟ قلتُ: اسمُ الفاعلِ لا يُطْلَقُ إلاَّ عندَ وقوعِ الفِعْلِ بالإجماعِ، لكنْ هل يَخْتَصُّ بمَنْ قَامَ به أو يُطْلَقُ على مَن لم يَقُمْ به؟ فيه الخلافُ بينَنا وبينَهم، وهذا عندَ هؤلاءِ أنَّ الفِعْلَ لم يَقَعْ؛ لأنَّ الفِعْلَ هو الذَّبْحُ، وحقيقَتُهُ على ما يَقُولُونَ ـ ثُبُوتِ مَذْبُوحٍ تَزْهَقُ رُوحَه، كذا قالَه المُصَنِّفُ في (شَرْحِ المُخْتَصَرِ)، وهو أَوْلَى من قولِه هنا: اتَّفَقُوا على أنَّ إبْرَاهِيمَ ذابِحٌ، واخْتَلَفُوا في أنَّ إسماعيلَ مَذْبُوحٌ.
ص: (فإنْ قَامَ بِمَا له اسمٌ، وَجَبَ الاشْتِقاقُ، أو بِمَا ليسَ له اسمٌ كأنْواعِ الرَّوائِحِ، لم يَجِبْ).
ش: المعنى القائمُ بالشيءِ هل يَجِبُ أنْ يُشْتَقَّ لمَحَلٍّ منه اسمٌ؟ اخْتَلَفُوا فيه، وقالَ الإمامُ في (المَحْصُولِ): الحقُّ التفصيلُ، فإنْ كانَ لذلكَ المعنَى اسمٌ، وَجَبَ أنْ يُشْتَقَّ اسماً له عندَ أئِمَّتِنَا المُتَكَلِّمِينَ، فإنَّ المُعْتَزِلَةَ لَمَّا قالُوا: إنَّ اللهَ يَخْلُقُ كلامَه في جِسْمٍ، قالَ أصْحابُنا لهم: لو كانَ كذلكَ لَوَجَبَ أنْ يُشْتَقَّ لذلكَ المَحَلِّ اسمُ المُتَكَلِّمِ من ذلكَ الكلامِ، وعندَ المُعْتَزِلَةِ: أنَّه غيرُ وَاجِبٍ، وإنْ لم يَكُنْ له اسمٌ كأنْواعِ الروائحِ والآلامِ، اسْتِحَالَ أنْ يُشْتَقَّ لمَحَلِّه منه اسمٌ بالضرورةِ.
стр. 319
ص: (والجمهورُ على اشتراطِ بقاءِ المُشْتَقِّ منه في كونِ المُشْتَقِّ حقيقةً إنْ أَمْكَنَ، وإلاَّ فآخِرُ جُزْءٍ، وثالثُها: الوَقْفُ).
ش: إطْلاقُ اسمُ المُشْتَّقِ باعتبارِ المُسْتَقْبَلِ مجازاً إجماعاً، وباعتبارِ الحالِ حقيقةً إجماعاً، وأمَّا بعدَ انقضاءِ ما منه الاشتقاقُ كالضاربِ، المُشْتَقُّ منه اسمُ المُشْتَقِّ حقيقةً أم لا؟ وفيه مذاهبَ:
أحدُها: أنَّه لا يُشْتَرَطُ مُطْلَقاً، بل يُطْلَقُ بعدَ الانْقضاءِ حقيقةً، وعُزِيَ لابنِ سِينَا وأَبِي هاشِمٍ.
والثاني: اشْتِرَاطُه مُطْلَقاً، وهو بعدُ الانقضاءِ مجازٌ، وقالَ في (المحصولِ): إنَّه الأقربُ.
стр. 320
والثالثُ: التفصيلُ بينَ ما يُمْكِنُ الحصولُ بتمامِه كالقيامِ والقعودِ، فيُشْتَرَطُ بقاؤُه، فلا يُصَدَّقُ قائمٌ وقَاعِدٌ حقيقةً، بعد انقضاءِ القعودِ والقيامِ، وبينَ ما لا يُمْكِنُ كالمصادرِ السَّيَّالَةِ، مثلَ الكلامِ وأنواعِه، فوجودُ آخَرِ جُزْءٍ منه كافٍ في الإطلاقِ الحقيقيِّ، والفرقُ أنَّ الأوَّلُ لا يُمْكِنُ أنْ تُوجَدَ أجْزاءُ أصْلِه معاً في الخارجِ فاشْتَرَطَ دوامَ أصْلِه.
والثاني: اتِّباعُ أجْزائِه معاً، فالتَقَى بآخَرِ جُزْءٍ منها، حتى يكونَ المُتَكَلِّمُ وغيرُه صادقاً حقيقةًَ قبلَ الفراغِ من الدالِّ في: قَامَ زيدٌ، ومن المِيمِ في: زيدٌ قائمٌ، بعدَ الشُّرُوعِ في الكلامَيْنِ، وإذا فَرَغَ عنهما، كانَ حينَئذٍ مجازاً لا حقيقةً، وهذا ما عَزَاهُ المُصَنِّفُ إلى الجمهورِ، وتَابَعَ فيه الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ، وفيه نَظَرٌ، فإنَّ كلامَ الإمامِ في (المحصولِ) مُصَرَّحٌ بأنَّه بَحْثٌ له، لم يَقُلْ به أَحَدٌ، فإنَّه أَوْرَدَ من جِهَةِ المَانِعِ أنَّه لو كانَ وجودُ المعنَى شَرْطاً في كونِ المُشْتَقِّ حقيقةً، لِمَا كانَ اسمُ المُتَكَلِّمِ والمُخْبَرِ حقيقةً في شيءِ أَصْلاً؛ لأنَّ الكلامَ اسمٌ لِجُمْلَةِ الحُروفِ المُرَكَّبَةِ، ويَسْتَحِيلُ قيامُ حَمْلِها بالمُتَكَلِّمِ حالَ التَّكَلُّمِ، ضرورةٌ أنَّه لا يُمكنُ النَّطْقُ بالجُمْلَةِ دُفْعَةٌ واحدَةٌ، بل على التَّدْرِيجِ، مع أنَّه يُقالُ: زيدٌ مُتَكَلِّمٌ ومُخْبِرٌ، والأصْلُ في الإطلاقِ الحقيقةُ، ثمَّ قالَ: فإنْ أَجَبْتَ بأنَّه لم لا يَجُوزُ أنْ يُقَالَ: حصولُ المُشْتَّقِ منه شَرْطٌ في كونِ المُشْتَقِّ حقيقةً، إذا كانَ مُمْكِنُ الحصولِ، فأمَّا إذا لم يكنْ كذلك فلا؟ قلنَا: هذا باطلٌ، لأنَّه لم يَقُلْ بهذا الفَرْقِ أَحَدٌ من الأمَّةِ، هذا لَفْظُه، وقالَ الآمِدِيُّ في (الإحكامِ): هل يُشْتَرَطُ بقاءُ الصفَةِ المُشْتَقِّ منها في إطلاقِ اسمِ المُشْتَقِّ حقيقةً؟ فأَثْبَتَه قومٌ ونَفَاهُ آخَرُونَ، وفَصَّلَ بعضُهم بينَ المُمْكِنِ الحصولِ، فاشْتُرِطَ ذلك فيه، وبينَ ما لا يُمْكِنُ فلا، والظاهرُ أنَّ مُرادَهُ به احتمالُ صاحبِ (المحصولِ)، وأمَّا حكايةُ المُصَنِّفِ قولاً بالوَقْفِ فلم أَرَهُ صريحاً لأَحَدٍ إلاَّ أنَّ العَضَدَ في (شرحِ المُخْتَصَرِ) قالَ: كانَ مَيْلُ ابنُ الحَاجِبِ إلى التَّوَقُّفِ في
стр. 321
المَسْأَلَةِ ولذلك
ذَكَرَ دلائلَ الفَرْقِ، وأَجَابَ عنها، لكنْ قَالَ الشَّرِيفُ: إنَّه اختارَ الثالثُ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: ورابِعُها الوَقْفُ؛ لأنَّ التَّفْصِيلَ السابِقَ هو ثالثُها، كما صَرَّحَ به ابنُ الحَاجِبِ.
ص: (ومَن ثُمَّ كانَ اسمُ الفاعلِ والمفعولِ حقيقةً باعتبارِ الحالِ؛ أي: حَالَ التَّلَبُّسِ لا النُّطْقِ خلافاً للقِرَافِيِّ).
ش: أي: من هذه الحَيْثِيَّةِ، يُعْلَمُ أنَّ إطلاقَ الاسمِ المُشْتَقِّ، كاسمِ الفاعلِ والمفعولِ، باعتبارِ الحالِ حقيقةً، ولا خلافَ فيه، كتَسْمِيَةِ الخَمْرِ خَمْراً، وإنَّما الخلافُ
стр. 322
باعتبارِ الماضِي، كإطلاقِ الضَّارِبِ على مَن صَدَرَ منه الضَّرْبُ، ثمَّ المرادُ بقولِنا: اسمُ الفاعلِ بمعنَى الحالِ حقيقةً؛ أي: حالَ التَّلَبُّسِ بالفِعْلِ، لا حالَ النُّطْقِ باللفْظِ المُشْتَقِّ، فإنَّ حقيقةَ الضاربِ والمَضْرُوبِ، لا يَتَقَدَّمُ على الضَّرْبِ، ولا يَتَأَخُّرُ عنه، وبهذا يُعْلَمُ أنَّ نحوَ قولُه ﷺ : ((مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً))، حقيقةً، وأنَّ ما ذَكَرَهُ الأئِمَّةُ مِن أنَّه سُمِيَّ قَتِيلاً باعتبارِ مُشَارَفَتِه القَتْلَ لا تحقيقَ له، والمُخَالِفُ في هذه القاعدَةِ القِرَافِيُّ، فإنَّه قالَ: مَحَلُّ الخلافِ إذا كانَ المُشْتَقُّ مَحْكوماً به، كقولِنا: زيدٌ مُشْرِكٌ أو زَانٌ، فإنَّ كانَ مَحْكوماً عليه، كقولِنا: السارقُ تُقْطَعُ يَدَه، فإنَّه حقيقةٌ مُطْلَقاً فيمَنْ اتَّصَفَ به في الماضِي والحالِ والاستقبالِ، قالَ: ولولا ذلكَ لأَشْكَلَ القَطْعُ والجَلْدُ؛ لأنَّ هذه الأَزْمِنَةِ إنَّما هي بحَسَبِ زَمَنِ إطلاقِ اللفظِ المُشْتَرَكِ، فتكونُ الآياتُ المذكورةُ ونظائرُها مجازاتٍ باعتبارِ مَن اتَّصَفَ بهذه الصفاتِ في زمانِنَا؛ لأنَّهم في المستقبلِ غيرُ زَمَنِ الخِطَابِ عندَ النُّزولِ على رسولِ اللهِ ﷺ .
ولا نَخْلُصُ من هذا الإشكالِ إلاَّ بما سَبَقَ، قالَ: فاللهُ تعالَى لم يَحْكُمْ في تلك الآياتِ بشِرْكِ أَحَدٍ ولا بزِنَاهُ.
стр. 323
وإنَّما حُكْمُه بالقَتْلِ والجَلْدِ وغيرِهما، والموصوفُ بتلكَ الصِّفَاتِ يَعُمُّ مُتَعَلِّقُ هذه الأحكامِ، هذا حاصلٌ ما قالَ.
وذَكَرَ الأصْفَهَانِيُّ شَارِحَ (المحصولِ) نحوه، قالَ: ولا يُقَالُ: إنَّه لِمَا كانَ موصوفاً بالمُشْتَقِّ منه وهو الزنَا والسرقةُ وَجَبَ عليه ما هو مُقْتَضَى ذلك، ثمَّ يَسْتَوْفِي منه ما وَجَبَ أولاً؛ لأنَّا نَقُولُ: هذا غيرُ واقِعٍ لِمَا ذَكَرْنَا؛ لأنَّ كلامَنَا مَفْرُوضٌ في امتثالِ الأمْرِ، وذلك الأَمْرُ أمْرٌ بجَلْدِ الزانِي وقَطْعِ السارقِ، ولو كانَ بقاءُ وجْه الاشتقاقِ شَرْطاً، لم يَبْقَ زانياً ولا سارقاً بعدَ انقضائِه، فلا يَكُونُ الجَلْدُ جَلْداً لزانٍ، ولا القَطْعُ قَطْعاً لسارقٍ، فلا يَقَعُ امتثالاً للأمْرِ، والحقُّ أنَّ اسمَ الفاعلِ لا دلالَةَ له على زَمَنِ الخِطَابِ الْبَتَّةَ، بل مَدْلُولُه شَخْصٌ مُتَّصِفٌ بِصَفَةٍ صَادِرَةٍ منه لا تُعْرَضُ له لزمانٍ، كما هو شأنُ الأسماءِ كلِّها، وإذا لم يَدُلَّ على الزمانِ الأَعَمِّ من الحالِ فلا يَدُلُّ على الحالِ الأَخَصِّ منه بالأوْلَى، وإنَّما جَاءَ الفَسادُ من جِهَةِ أنَّهم فَهِمُوا من قولِنا: زيدٌ ضاربٌ، أنَّه ضاربٌ في الحالِ، فاعْتَقَدُوا أنَّ هذا لدلالَةِ اسمِ الفاعلِ عليه، وهو باطلٌ؛ لأنَّك تَقُولُ: هذا حَجَرٌ، وتُرِيدُ إنساناً، فيُفْهَمُ منه الحالُ أيضاً، مع أنَّ الحَجَرَ والإنسانَ لا دَلالَةَ لهُما على الزمانِ، وهذا مِن تَحْقِيقِ والِدِ المُصَنِّفِ رَحِمَهُما اللهُ تعالَى.
ص: (وقيلَ: إنْ طَرَأَ على المَحَلِّ وَصْفٌ وُجُودِيٌّ يُنَاقِضُ الأوَّلَ، لم يُسَمَّ بالأوَّلِ إجْمَاعاً).
ش: جَعَلَ بعضُهم مَحَلَّ الخلافِ فيما إذا لم يَطْرَا على المَحَلِّ ما يُنَاقِضُه، كالقاتلِ والسارقِ، فيَبْقَى صِدْقُ المُشْتَقِّ على قَوْلٍ، فإنْ طَرَأَ عليه ما يُضَادُّه، واشْتَقَّ له اسمُ غيرَ المُشْتَقِ الأوَّلِ، فحينَئذٍ لا يُصَدَّقُ المُشْتَقُّ الأوَّلُ قَطْعاً، كاللونِ إذا قَامَ به البياضُ يُسَمَّى أَبْيضُ، فإذا اسْوَدَّ لا يُقَالُ في حالة السَّوادِ: إنَّه أَبيضُ بالإجماعِ، وهذا مُتَّجَهٌ، وكلامُ الآمِدِيِّ في أثناءِ الحجَّاجِ يَدُلُّ عليه، فلا وَجْهَ
стр. 324
لتَضْعِيفِ المُصَنِّفِ، وإنْ كانَ الجمهورُ أَطْلَقَ الخلافَ.
ص: (وليسَ في المُشْتَّقِ إشْعارٌ بخصوصِيَّةِ الذاتِ).
ش: أي: التي يُصَدِّقُ عليها من كونِها جِسْماً أو جَمَاداً أو غيرَه، لا بطريقِ المُطَابَقَةِ ولا التَّضَمُّنِ؛ ولأنَّه لا معنًى، إلاَّ أنَّه وإنْ قَامَ به المُشْتَقُّ منه كالأسْوَدِ مثلاً، فإنَّه يَدُلُّ على ذاتٍ مُتَّصِفَةٍ بِسوادٍ من غيرِ دلالَةٍ على خصوصِ تلك الذاتِ، وإنْ دَلَّتْ على خصوصِيَّةِ كونِه جِسْماً أو حيواناً أو غيرِه، فإنَّما يَدُلُّ عليه بطريقِ الالتزامِ، كذا قالَهُ الصِّفِيُّ الهِنْدِيُّ، فليُحْمَلُ نَفْيُ المُصَنِّفِ الإشعارُ على المُطَابَقَةِ والتَّضَمُّنِ خاصَّةً.
ص: (مسألَةٌ: التَّرَادُفُ واقِعٌ، خلافاً لثَعْلَبٍ وابنُ فَارِسٍ: مُطْلَقاً، والإمامُ: في الأسماءِ الشَّرْعِيَّةِ).
ش: في وقوعِ التَّرَادُفِ في اللُّغَةِ مذاهبُ، أَصَحُّهَا: نَعَمْ، ولُغَةُ العَرَبِ طَافِحَةٌ به.
والثاني: المَنْعُ، وحَكَاهُ ابنُ فَارِسٍ في كتابِه المُسَمَّى بـ (فِقْهِ العَرَبِيَّةِ) عن
стр. 325
ثَعْلَبٍ، واختارَهُ؛ لأنَّ وَضْعَ اللفظَيْنِ لمعنًى واحدٍ عِيٍّ يَجِلُّ الواضِعَ عنه، وما وَرَدَ مِمَّا يُوهِمُ التَّرَادُفُ يَتَكَلَّفُونَ له التَّغَايُرَ.
وحَكَى القَاضِي ابنُ العَرَبِيِّ بسَنَدِه عن أَبِي عَلِيٍّ الفَارِسِيِّ، قالَ: كُنْتًُ بمَجْلِسِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بحَلَبَ، بالحَضْرَةِ جماعَةٌ من أهْلِ اللُّغَةِ ومنهم ابنُ خَالَوَيْهِ إلى أنْ قالَ ابنُ خالَوَيْهِ: أَحْفَظُ للسَّيْفِ خَمْسِينَ اسْماً، فتَبَسَّمَ أَبُو عَلِيٍّ وقَالَ: مَا أَحْفَظُ له إلاَّ اسْماً واحداً وهو السَّيِفُ، قالَ ابنُ خَالَوَيْهِ، فأَيْنَ المُهَنَّدُ؟ وأينَ الصَّارِمُ؟ وأينَ الرُّسُوبُ، وأينَ المُخَدَّمُ؟ وجَعَلَ يُعَدِّدُ، فقالَ
стр. 326
أَبُو عَلِيٍّ: هذه صفاتٌ، وكانَ الشيخُ لا يُفِرِّقُ بينَ الاسمِ والصِّفَةِ، والحاصلُ أنَّ مَن جَعَلَها مُتَرَادِفَةً نَظَرَ إلى اتِّحَادِ دلالتِها على الذاتِ، ومَن مَنَعَ نَظَرَ إلى اختصاصِ بعْضِها بمزيدِ معنًى، فهي تُشْبِهُ المُتَرَادِفَةُ في الذَّاتِ، والمُتَبَايِنَةُ في الصفاتِ.
ومِن ثمَّ قالَ بَعْضُ المُتَأَخِّرِينَ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هذا قِسْماً آخَرَ وسَمَّاهُ: المُتَكَافِئَةُ، قالَ: وأَسْمَاءُ اللهِ تعالَى الحُسْنَى، وأَسْمَاءُ رسولِ اللهِ ﷺ كلُّها من هذا النوعِ، فإنَّك إذا قُلْتَ: إنَّ اللهَ عزيزٌ، غفورٌ، رحيمٌ، قديرٌ، فكلُّها دالَّةٌ على الموصوفِ بهذه الصفاتِ، فهذا يَدُلُّ على العِزَّةِ، وهذا يَدُلُّ على الرَّحْمَةِ.
قالَ الأَصْفَهَانِيُّ: ويَنْبَغِي أنْ يَحْمَلَ كلامَهُم على مَنْعِه في لُغَةٍ واحدةٍ، فأمَّا في لُغَتَيْنِ فلا يُنْكِرُه عَاقِلٌ.
والثالثُ: يَقَعُ في اللُّغَةِ لا في الأسماءِ الشَّرْعِيَّةِ، وإليه ذَهَبَ الإمامُ في (المحصولِ) في الحقيقةِ الشَّرْعِيَّةِ، بعدَ ما ذَكَرَ وقوعُ الأسماءِ المُشْتَرَكَةِ، فقالَ: أمَّا التَّرَادُفُ فالأظْهُرُ أنَّه لم يُوجَدْ؛ لأنَّه يَثْبُتُ على خلافِ الأصْلِ، فيَتَقَدَّرُ بقَدَرِ الخاصَّةِ. انتهى.
هذا والإمامُ نَفْسُه ممَّنْ يقولُ بأنَّ الفَرْضَ والواجِبَ مُتَرَادِفَانِ، وكذا السُّنَّةُ والتَّطَوُّعُ.
ص: (والحَدُّ والمَحْدُودُ ونحوَ: حَسَنَ بَسَنَ ـ غيرَ مترادفَيْنِ على الأصَحِّ).
ش: فيه مسألَتَانِ:
إحدَاهُما: قيلَ: الحَدُّ والمحدودُ مُتَرَادِفَانِ، والصحيحُ تَغَايُرُهُما؛ لأنَّ كُلَّ مُتَرَادَفَيْنِ يَدُلُّ كلٌّ منهما بالمطابَقَةِ على ما يَدُلُّ عليه الآخَرَ بالإجْماعِ، وليسَ فقط الحدُّ والمحدودُ كذلكَ؛ لأنَّ المحدودَ يَدُلُّ على المَاهِيَّةِ، من حيثُ هي، والحدُّ يَدُلُّ عليها باعتبارِ دلالَتِه على أجزائِها، واعْلَمْ أنَّ أَصْلَ هذا الخلافُ حَكَاهُ الغزالِيُّ في مُقَدِّمَةِ
стр. 327
(المُسْتَصْفَى) ثمَّ زَيَّفَ قولُ مَن جَعَلَه خلافاً مُحَقَّقاً، فقالَ: اخْتُلِفَ في حَدِّ الحَدِّ، فقيلَ: حَدُّ الشيءِ: هو نَفْسُه وذاتُه، وقيلَ: هو اللفظُ المُفَسِّرُ لمعناهُ على وَجْهٍ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ، وظَنَّ آخرونَ أنَّ هذا خلافٌ، وليسَ كذلكَ، فإنَّهما لَمَّا يَتَوَارَدَا على مَحَلٍّ واحدٍ، بل الأوَّلُ اسمُ الحدِّ عندَه موضوعٌ لمدلول لفظِ الحَدِّ، والثاني اسمُ الحدِّ عندَه موضوعٌ للفظِ نَفْسِه.
والحاصلُ أنَّه باعتبارَيْنِ، فمَن نَظَرَ إلى الحقيقةِ في الذِّهْنِ قالَ بالأوَّلِ، ومن نَظَرَ إلى العبارَةِ عنَها قال بالثاني؛ ولهذا قالَ القِرَافِيُّ في (التَّنْقِيحِ): وهو غيرُ المحدودِ إنْ أُرِيدَ به اللفظُ، ونَفْسُه إنْ أُرِيدَ المعنَى.
الثانيةُ: ما لا يُسْتَعْمَلُ إلاَّ تَابِعاً، نحوَ: حَسَنَ بَسَنَ، وجَامَعَ مَانَعَ، وفيه صَنَّفَ ابنُ خَالَوَيْهِ كتابَ (الإتباعِ والإلماعِ) قيلَ: هما مُتَرَادِفَانِ، والصحيحُ المَنْعُ؛ لأنَّ التَّابِعَ لا يَدُلُّ على ما يَدُلُّ عليه المتبوعُ إلاَّ بتَبَعِيَّةِ الأوَّلِ، وإذا قَطَعَ عنه لا يَدُلُّ على شيءٍ أَصْلاً بخلافِ المُتَرَادِفَيْنِ.
ص: (والحقُّ إفادَةُ التَّابِعِ التَّقْوِيَةَ).
ش: خلافاً لإطلاقِ (المِنْهَاجِ) أنَّه لا يُفِيدُ، والدليلُ عليه أنَّ العَرَبَ لا تَضَعَهُ
стр. 328
سُدًى، وقالَ الإمامُ: شَرْطُ كونِه مفيداً تَقَدَّمَ الأوَّلُ عليه، وعبارَةُ المُصَنِّفِ مُصَرَّحَةٌ بأنَّه لا فائِدَةَ له إلاَّ التَّقْوِيَةَ، وهو حَسَنٌ، ليُنَبِّهَ على الفَرْقِ بَيْنَه وبينَ التَّوْكِيدِ، فإنَّ من الناسِ مَن يَظُنُّ أنَّه تأكيدٌ، فإنَّه أيضاً إنَّما يُفِيدُ التقويةَ، لكنَّ الفَرْقَ بينَهما أنَّ التأكيدَ يُفِيدُ مع التَّقْوِيَةِ نَفْيُ احتمالِ المجازِ، فإنَّك إذا قُلْتَ: قَامَ القَوْمُ، احْتَمَلَ بعضُهم مجازاً، ويَنْتَفِي بقولِك: كلُّهم.
ص: (ووقوعُ كُلٌّ من المُتَرَادَفَيْنِ مَكَانَ الآخَرِ إنْ لم يَكُنْ تَعَبَّدَ بلَفْظِه، خلافاً للإمامِ: مُطْلَقاً، والبَيْضَاوِيُّ والهِنْدِيُّ: إذا كانَا مِن لُغَتَيْنِ).
ش: هل يَجِبُ صِحَّةُ إقَامَةِ كلًَّ واحدٍ من المترادفَيْنِ مكانَ الآخَرِ؟ ففيه مذاهبَ:
أحدُها: أنَّه واجِبُ بمعنَى أنَّه يَصِحُّ مُطْلَقاً، وهو اختيارُ ابنُ الحاجَبِ والأَصْفَهَانِيُّ وغيرُهما، وتَابَعَهُما المُصَنِّفُ، فيَجُوزُ أنْ تَقُولَ: هذا قَمْحٌ جَيِّدٌ، وهذه حِنْطَةٌ جَيِّدَةٌ؛ لأنَّ صِحَةَ ضَمِّ الأَلْفَاظِ بعضِها إلى بعضٍ تَابِعَةٌ لصِحَّةِ ضَمِّ المعانِي وحُجَّةٍ في التَّرْكِيبِ.
والثاني: أنَّه غيرُ واجِبٍ؛ أي: جوازُ تَبْدِيلِ أحدِهما بالآخَرِ غيرُ لازمٍ، قالَ الإمامُ: وهو الحقُّ؛ لأنَّ صِحَّةَ الضَّمِّ قد تكونُ من عوارضِ الألفاظِ.
стр. 329
والثالثُ: وهو اختيارُ البَيْضَاوِيُّ والصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: إنْ كَانَا مِن لُغَةٍ وَاحِدَةٍ صَحَّ وإلاَّ فلا، وفي كلامِ (المِنْهَاجِ) إشارَةٌ إلى أنَّ الخلافَ في حالِ التَّرْكِيبِ، أمَّا في حالِ الإفْرادِ ـ كما في تَعْدِيدِ الأشياءِ ـ فلا خلافَ في الجوازِ.
وأَشَارَ المُصَنِّفُ بقولِهِ: (إنْ لم يَكُنْ تَعَبَّدَ) إلى تَقْييدِ مَحَلِّ الخلافِ ذلك، أمَّا ما تَعَبَّدْنَا بلَفْظِه، فلا يَجُوزُ كالتَّكْبِيرِ في الصلاةِ، وهذا القَيْدُ ليسَ مُنَاسباً للمَسْأَلَةِ، فإنَّ عِلَّةَ المَنْعِ في التَّعَبُّدِي ليسَ هو لامتناعِ إقَامَةِ أَحَدِ المُتَرَادِفَيْنِ مكانَ الآخَرِ، بل لَمَّا وَقَعَ التَّعُبُّدُ بجَوْهَرِ لَفْظِه، كالخلافِ في أنَّ لَفْظَ النَّكَاحِ، هل يَنْعَقِدُ بالعَجَمِيَّةِ؟ ونحوٍِه.
وقوله: (يَكُنْ) هي تَامَّةٌ إنْ جَعَلْتَ ما بَعْدَها اسْماً، وإنْ جَعَلْتَه فِعْلاً مَبْنِيًّا للمفعولِ كانَتْ ناقِصَةً.
стр. 330
ص: (مسألَةٌ: المُشْتَرِكُ واقِعٌ، خلافاً لثَعْلَبٍ والأَبْهَرِيِّ والبَلْخِيِّ مُطْلَقاً، ولقومٍ: في القرآنِ، وقيلَ: في الحديثِ، وقيلَ: واجِبُ الوقوعِ، وقيلَ: مُمْتَنِعٌ، وقالَ الإمامُ: مُمْتَنِعٌ في النَّقِيضَيْنِ فقط).
ش: جَمَعَ المُصَنِّفُ سَبْعَةَ مَذَاهِبَ:
أَصَحُّهَا: أنَّه جائزٌ واقِعٌ، وليسَ بواجبٍ.
стр. 331
الثاني: جَائزٌ غيرُ واقِعٍ، وحَكَاهُ عن ثَعْلَبٍ ومَن معَهُ، كابنِ العَارِضِ المُعْتَزَلِيِّ في كتابهِ (النُّكَتْ). وقيلَ: المعروفُ غيرها ولا الإحالةَ.
والثالثُ: أنَّه غيرُ واقِعٍ في القرآنِ خاصَّةً، ونُسِبَ لابنِ دَاودَ الظَّاهِرِيِّ.
والرابعُ: في القرآنِ والحديثِ دونَ غيرِهما.
والخامسُ: أنَّه واجبُ الوقوعِ.
والسادسُ: أنَّه مُحالٌ، وهو المُرادُ بقولِه: (وَقِيلَ مُمْتَنِعٌ)؛ أي: عَقْلاً، وهذا هو الفرقُ بينَ هذا والقولِ المَحْكِيِّ عن ثَعْلَبٍ، فإنَّ ذلك مَنْعَهُ لُغَةً.
стр. 332
والسابعُ: أنَّه يَمْتَنِعُ مع النَّقِيضَيْنِ خاصَّة، ً وإليه صَارَ الإمامُ.
وقد نَازَعَ الأَصْفَهَانِيُّ في تَعْدَادِ المَذَاهِبِ، وجَعَلَها رَاجِعَةٌ إلى قولَيْنِ، وهُما: الوقوعُ وعَدَمُه، قالَ: لأنَّ الوجوبَ هَهُنا هو الوجوبُ بالغَيْرِ، إذ لا معنًى للوجوبِ بالذاتِ، والمُمْكِنُ الواقعُ هو الواجبُ بالغيرِ، فحينَئذٍ لا فَرْقَ بينَهُما، وكذا بينَ المُمْكِنِ غيرِ الواقِعِ والمُمْتَنِعِ.
قالَ: ولهذا لم يَتَعَرَّضِ ابنُ الحَاجِبِ إلاَّ لقَوْلِ الوقوعِ وعَدَمِه، وليسَ كما قالَ، فإنَّ قولَ الوقوعِ معَ الإمكانِ والوجوبِ، قولانِ ثابتَانِ مُتَغايرانِ، ولا يَلْزَمُ من أحدِهما الآخَرُ، نَعَمْ، في ثُبوتِ تَغَايُرِ القولِ بالقرآنِ والسُّنَّةِ نَظَرَ، فإنَّ المُنْكَرَ لِوقُوعِه في القرآنِ، الظاهرُ أنَّه مُنْكَرٌ لِوقُوعِه في السُّنَّةِ أيضاً؛ لأنَّ الشُّبْهَةَ شامِلَةٌ، وقد صَرَّحَ بذلك صَاحِبُ (التحصيلِ) واحْتَجَّ في (المحصولِ) على أنَّه لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللفظُ مَوْضُوعاً لنقيضَيْنِ لوجودِ الشيءِ وعَدَمِه، قالَ: لأنَّ سَمَاعَه لا يُفِيدُ عندَ التَّرَدُّدِ بينَ الأَمْرَيْنِ، وهو حاصلٌ بالعَقْلِ، فالوَضْعُ له عَبَثٌ، وأُجِيبَ بأنَّه جَازَ أنْ يَكُونَ له فائِدَةٌ، وهي اسْتِحْضَارُ التَّرَدُّدِ بينَ الأمرَيْنِ، يَغْفُلُ الذِّهِنُ عنهما، والفائِدَةُ الإجمالِيَّةُ مَقْصُودَةٌ.
ص: (مسألَةٌ: المُشْتَرَكُ يَصِحُّ إطْلاقُه على مَعْنَيَيْهِ معاً مجازاً، وعن الشَّافِعِيِّ والقَاضِي والمُعْتَزِلَةِ حقيقةً، زَادَ الشَّافِعِيُّ: وظاهرٌ فيهما عندَ التَّجَرُّدِ عَن القرائنِ، فيَحْمِلُ عليهما، وعن القَاضِي: مُجْمَلٌ ولكنْ يُحْمَلَ عليهما احتياطاً،
стр. 333
وقالَ أَبُو الحُسَيْنِ والغَزَالِيُّ: يَصِحُّ أنْ يُرَادَ، لا أنَّه لُغَةٌ، وقيلَ: يَجُوزُ في النَّفْيِ لا الإثباتِ.
ش: اخْتَلَفَ في صِحَّةِ إطْلاقِ المُشْتَرَكِ على مَعْنَيَيْهِ معاً، على مذاهبَ:
أحدُها: مَنَعُه مُطْلَقاً، ونَصَرَه ابنُ الصَّبَّاغِ في (العُدَّةِ)، والإمامُ في (المحصولِ) مع أنَّه قالَ في بابِ الإجْماعِ: إنَّ المُضَارِعَ مُشْتَرِكٌ بينَ الحَالِ والاسْتِقْبَالِ، ويُحْمَلُ عليهما في قولِه تعالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ﴾ ثمَّ اخْتَلَفَ المَانِعُونَ في سَبَبِ المَنْعِ، فمِنْهُم مَن قالَ: سبَبُه الوَضْعُ، واختارَهُ في (المحصولِ)، وسَيَحْكِيه المُصَنِّفُ عن الغَزَالِيِّ، ومعناهُ أنَّ الوَاضِعَ لم يَضَعِ اللَّفْظَ لهُما على الجَمْعِ، بل على البَدَلِ، ومِنْهُمْ مَن قَالَ: سَبَبُه أنَّه يَرْجِعُ إلى القَصْدِ؛
стр. 334
لأنَّ إرَادَةَ كُلِّ واحدَةٍ منهما مُسْتَلْزِمَةٌ لعَدَمِ إِرَادَةِ الأُخْرَى؛ لأنَّه تَقَرَّرَ أنَّه مَوْضُوعٌ لهما على البَدَلِيَّةِ، لا على المَعِيَّةِ، فلو كانَ مُرَادَيْنِ معاً، لَزِمَ ألاَّ يَكُونَ مُرَادَيْنِ معاً، وهو مُحَالٌ،
والثاني: وعليه الأكثرونَ: الجوازُ، فلا يَمْتَنِعُ أنْ يَقًُولَ: العَيْنُ مَخْلُوقَةٌ، ويُرِيدُ جَمِيعُ مَحامِلِها، وشَرَطُوا ألاَّ يَمْتَنِعُ الجَمْعُ لأمْرِ خارجيٍّ، كما في الجَمْعِ بينَ الضِّدَيْنِ، ومَثَّلُوهُ بصِيغَةِ افْعَلْ، للأمْرِ والتَّهْدِيدِ فإنَّه يَمْتَنِعُ الجَمْعُ بينَهما، وصِحَّةُ الجَمْعِ بينَ المَعْنَيَيْنِ، يَكُونُ بأنْ يَصِحَّ انْتِسَابُه إلى كلِّ واحدٍ من المَعْنَيَيْنِ في التَّرْكِيبِ، كقولُنا: العَيْنُ مُتَحَيِّزٌ، ونُرِيدُ الجَارِحَةُ والذَّهَبُ، أو بأنَّ يَكُونَ المَنْسُوبُ إليه في التَّرْكِيبِ قَابِلاً للتَّوْزِيعِ بالنَّسْبَةِ بأنْ يَكُونَ البَعْضُ مَنْسُوباً إلى أَحَدِهما، والبعضُ مَنْسُوباً إلى الآخَرِ، كما في قولِه تعالَى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ فإنَّ الضميرَ قَابِلٌ للتَّوْزِيعِ، لاخْتِلافِ مَدْلُولِ الصَّلاةِ بالنِّسْبَةِ إلى اللهِ تعالَى وإلى الملائكةِ، ثم اخْتَلَفَ المُجَوِّزُونَ هل هو حقيقةٌ أو مجازٌ؟.
فالمُخْتَارُ عندَ ابنِ الحَاجِبِ والمُصَنِّفِ أنَّه مَجَازٌ، وإليه مِيلَ إمامُ الحَرَمَيْنِ، فإنَّه صَرَّحَ بأنَّه لا يُسْتَعْمَلُ في الجميعِ إذا تَجَرَّدَ عن القرائنِ وبالجوازِ معَ قرينَةٍ مُتَّصِلَةٍ، وعَلَلَّ المَنْعَ بكونِ الواضِعِ إنَّما وَضَعَهُ لهُما على
стр. 335
البَدَلِ لا على الجَمْعِ، وقيلَ: بطَرِيقِ الحقيقةِ، ونَقَلَهُ الآمِدِيُّ عن الشافِعِيِّ والقَاضِيِّ، وتَابَعَه المُصَنِّفُ، وفيه نَظَرٌ، واخْتَلَفَ المُجَوِّزُونَ للاسْتِعْمَالِ، هل يَجِبُ حَمْلُه عليهما إذا تَجَرَّدَ عن قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ؟ فقيلَ: لا يَجِبُ، ويكونُ مُجْمَلاً، وعَزَاهُ الهِنْدِيُّ للأكْثَرِينَ، وبه قالَ الإمامُ تَفْرِيعاً على القولِ بالجوازِ؛ لأنَّ اللفظَ كما هو حقيقةٌ في المجموعِ، فكذا هو حقيقةٌ في أحدِهما على البَدَلِ أيضاً، فلو قُلْنَا بوجوبِ الحَمْلِ عليهما عندَ تَجَرُّدِه عن القرينَةِ، لكانَ ذلك تَرْجِيحاً لأحدِ المَفْهُومَيْنِ على الآخَرِ من غيرِ مُرَجَّحٍ، ونُقِلَ عن الشافِعِيِّ والقَاضِي وجُوبُه، وليسَ ذلك تَرْجِيحاً بلا مُرَجَّحٍ، كأنْ عَمَّ المَانِعُ، بل بمُرَجَّحٍ، وهو تَكْثِيرُ الفائدَةِ، ودَفْعُ الإجْمَالِ، لكنِ اخْتَلَفَ هل هو للاحتياطِ أو من بابِ العُمُومِ؟ فالمَنْقُولُ عن القَاضِي الأَوَّلُ، وعن الشَّافِعِيِّ الثاني، فيَرَى أنَّه ظَاهِرٌ فيهما دونَ أَحَدِهما، فيُحْمَلُ عندَ التَّجَرُّدِ عليهما، ولا يُحْمَلُ على أحدِهما خاصَّةً إلاَّ بقَرِينَةٍ، وهذا معنى المُشْتَرَكِ، والعامُّ عندَه قِسْمَانِ: قِسْمٌ مُتَّفَقُ الحقيقةِ، وقِسْمٌ مُخْتَلِفُ الحقيقةِ، واعْلَمْ أنَّ هذا النَّقْلَ عن القَاضِي تَابَعَ المُصَنِّفُ فيه = (المحصولَ) وغيرَه، وليسَ كذلكَ فقد صَرَّحَ القاضِي في (التقريبِ)
стр. 336
بأنَّه لا يَجُوزُ حَمْلُه عليهما ولا على واحدٍ منهما إلاَّ بقرينَةٍ، قالَ: وهكذا كُلُّ مُحْتَمَلٍ من القولِ
وليسَ بموضوعٍ في الأصْلِ لأحدِ مُحْتَمَلَيْهِ. انتهى.
فكانَ الصوابُ أنْ يَقُولَ: وقالَ القَاضِي بالوَقْفِ، فلا يُحْمَلُ على شيءٍ إلا بدليلٍ، وهكذا حَكَاهُ الأستاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وقالَ: إنَّه قولُ الواقِفِيَّةُ في صِيَغِ العُمُومِ؛ أي: وفيهم القاضِي.
والثالثُ: وبه قالَ أَبُو الحُسَيْنِ والغَزَالِيُّ: يَصِحُّ أنْ يُرَادَ باللفظِ الواحدِ مَعْنَيَيْهِ بوَضْعٍ جديدٍ، ولا مَانِعَ من القَصْدِ، لكنْ ليسَ من اللُّغَةِ، فإنَّ اللغَةَ مُنِعَتْ منه، ولولا مَنْعُها منه لم يُمْنَعْ منه النَّقْلُ.
والرابِعُ: لا يَجُوزُ في الإثباتِ، ويَجُوزُ في النَّفْيِ، كما لو قالَ: الحَامِلُ لا قَرْءَ لها تَعْتَدُّ به؛ لأنَّ النَّكِرَةَ في سياقِ النَّفْيِ تَعَمُّ، فيَجُوزُ أنْ يُرَادَ به مَدْلُولاتُه المُخْتَلِفَةُ، وإليه ذَهَبَ صاحبُ (الهِدَايَةِ) من الحَنَفِيَّةِ في بابِ الوَصِيَّةِ.
والخامسُ: يَجُوزُ في الجَمْعِ، نحوَ: اعْتَدِّي بالأقْرَاءِ، دونَ المُفْرَدِ، سواءٌ الإثباتُ والنَّفْيُ؛ لأنَّ الجَمْعَ في حُكْمِ تَعْدِيدِ الأفْرادِ، فكأنَّه ذَكَرَ أَلَفْاظاً وأَرَادَ بكلِّ
стр. 337
معنًى بخلافِ المُفْرَدِ.
ص: (والأكثرُ على أنْ جَمْعَهُ باعتبارِ مَعْنَيَيْهِ إنْ سَاغَ، مَبْنِيٌّ عليه).
ش: اخْتُلِفَ في جَمْعِ المُشْتَرَكِ باعتبارِ مَعْنَيَيْهِ، نحوَ: عُيُونُ زَيدٍ، وتُرِيدُ به بَاصِرَةً، وذَهَب= وجاريَةً، فالأكْثَرُونَ: إنَّه مَبْنِيٌّ على الخلافِ في المُفْرَدِ، فإنْ جَوَّزْنَا اسْتِعْمَالَ المُفْرَدِ في مَعْنَيَيْهِ جَوَّزْنَا بالمجموعِ في جميعِ مَعَانِيهِ، وإنْ مَنَعْنَاهُ امْتَنَعَ، ومنهُم مَن قالَ: يَجُوزُ فيه، وإنْ قُلْنَا بالمَنْعِ في المُفْرَدِ، والصحيحُ طريقةُ الأكْثَرِ أنَّه يَلْزَمُ من امْتِنَاعِ المُفْرَدِ امْتَناعُ المجموعِ؛ لأنَّ المجموعَ إنَّما يُفِيدُ ما وُضِعَ له اللفظُ حالَ الإفرادِ، ولا يَزِيدُ عليه إلاَّ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وهو إفادَةُ الكَثْرَةِ خاصَّةً، فإنْ كانَ المُفْرَدُ مُتَنَاوِلاً لمَعْنَيَيْه، كانَ جَمْعُه كذلك، وإنْ كانَ لا يُفِيدُ إلاَّ أحدَهما، فجَمْعُه كذلك، وكانَ يَنْبَغِي للمُصَنِّفِ أنْ يَذْكُرَ مسألَةَ الخلافِ في المُثَنَّى كذلك، ونِسْبَتُه على الإثباتِ، فإنَّ النَّفْيَ لَمَّا اقْتَضَاهُ الإثْباتُ، فإنْ كانَ مُقْتَضَى الإثباتِ الجَمْعُ بينَ المَعْنَيَيْنِ، فكذلك النَّفْيُ، وإنْ كانَ مُقْتَضَاهُ أَحُدُ المَعْنَيَيْنِ، فالنَّفْيُ كذلك.
وقولُه: (إنْ سَاغَ) قَيْدٌ زَادَهُ المُصَنِّفُ على المُخْتَصِرَاتِ، أَشَارَ به إلى خلافِ النُّحَاةِ في تَثْنِيَةِ اللفظَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ في المعنَى، وفيه مذاهبُ:
أحدُها ـ ورَجَحَّهُ ابنُ مَالِكٍ ـ: الجوازُ مُطْلَقاً، ففي الحديثِ: ((الأَيْدِي ثَلاثَةٌ)). وصَحْحَ
стр. 338
قَوْلُ الحَرِيرِيِّ: فانثنَى بلا عَيْنَيْنِ، يريدُ الباصرةَ والذَهَبَ.
والثاني، ورَجَّحَه ابنُ الحَاجِبِ في (شَرْحِ المُفَصَّلِ): المَنْعُ مُطْلَقاً، وحَكَاهُ عن الأكثرِينَ.
والثالثُ: وعليه ابنُ عُصْفُورٍ: إنْ اتَّفَقَا في المعنَى المُوجِبِ للتَّسْمِيَةِ، نحوَ: الأحْمَرَانِ، للذَّهَبِ والزَّعْفَرَانِ ـ جَازَ، وإلاَّ فلا، كالعَيْنِ الباصرَةِ، والذَّهَبِ.
فإنْ قيلَ: جَمْعُه باعتبارِ مَعْنَيَيْه مبنيٌّ عليه، سواءٌ سَاغَ ذلك في اللُّغَةِ أم لا، فما فائدَةُ هذا القَيْدِ؟ قلُنَا: حُمِلَ المُشْتَرِطُ على مَعْنَيَيْه إنَّما صَحَّتْ عنه في كلامِ الشَّارِعِ، أو مَن سَلَكَ بكلامِه مَسْلَكَ العَرَبِ في ألفاظِهم، فمَنْ خَرَجَ عن اللُّغَةِ لا مَحْمَلَ لكَلامِه، وهو موضوعٌ مُحْتَمَلٌ.
تنبيهٌ: ما ذَكَرَه المُصَنِّفُ من البناءِ تَابَعَ فيه ابنُ الحَاجِبِ، وقد سَبَقَ منهُما أنَّ ذلك الإطلاقَ مجازٌ لا حقيقةٌ، فلْيَكُنْ ما ابْتَنَى عليه مجازاً أيضاً، وحينَئذٍ فخَرَجَ منه أنَّ تَثْنِيَةَ المُخْتَلَفِ المعنَى وجَمْعَه إنْ وُرِدَ منه شيءٌ قُبِلَ، وأمَّا تَجْوِيزُه قياساً، فعلى المجازِ لا لأنَّ الصناعَةَ النَّحْوِيَّةَ تَقْتَضِيهِ.
стр. 339
ص: (وفي الحقيقةِ والمجازِ الخلافُ، خلافاً للقَاضِي، ومن ثَمَّ عَمَّ نحوَ: وافْعَلوا الخَيْرَ، الواجبَ والمَنْدُوبَ، خلافاً لِمَنْ خَصَّه بالواجبِ ومَن قالَ: للقَدْرِ المُشْتَرَكِ).
ش: هذا الخلافُ يَجْرِي على إطلاقِ اللفظِ الصالحِ للحقيقةِ والمجازِ وإرادَتِهما معاً، بشَرْطِ ألاَّ يَكُونَ بينَهما تَنَافٌ، ويَنْبَغِي جَرَيَانُ خلافَ عِلَّةِ المَنْعِ السابقَةِ هنا، واحْتَجَّ القَاضِي على المَنْعِ هنا، بأنَّ الحقيقةَ استعمالُ اللفظِ فيما وُضِعَ له، والمجازَ فيما لم يُوضَعْ له، وهما مُتَنَاقِضَانِ، فلا يَصِحُّ أنْ يُرَادَ بالكَلِمَةِ الواحدةِ مَعْنَيَانِ مُتَنَاقِضَانِ، وهو ضعيفٌ، لَمَا سَنَذْكُرُه، والشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ تعالَى عنه مَشَى على مَنْوالٍ واحدٍ، فحُمِلَ اللفظُ على مَعْنَيَيْه، سواءٌ كانَا حَقِيقَتَيْنِ، أو أحدُهما مجازٌ, كما جَوَّزَ الاستعمالَ فيهما, وأمَّا القَاضِي فسَوَّى بينَ الحَقِيقَتَيْنِ, وبينَ الحقيقةِ والمجازِ في صِحَّةِ الاستعمالِ بالنِّسْبَةِ إلى المُتَكَلِّمِ، وفَرَّقَ بينَهما في الحَمْلِ بالنِّسْبَةِ إلى السَّامِعِ، فقالَ في الحقيقتَيْنِ: لا يُحْمَلُ على أَحَدِهِما إلا بدليلٍ، وقالَ في الحقيقةِ والمجازِ: يَسْتَحِيلُ الجَمْعُ، لئلاَّ يَلْزَمَ الجَمْعُ بينَ النَّقِيضَيْنِ، هذا عزيزُ النَّقْلِ عن القاضِي في هاتَيْنِ المسألتَيْنِ.
وقد غَلَّطَ جَماعَةٌ في النَّقْلِ عنه، واخْتَلَطَ عليهم مسألَةُ الحَمْلِ بمسألَةِ الاستعمالِ، ومنهم المُصَنِّفُ، فنُقِلَ عن القَاضِي التَّجْويزُ في الحقيقتَيْنِ دونَ الحقيقةِ والمجازِ.
فقولُه: (خلافاً للقَاضِي) إنْ أَرَادَ في الاستعمالِ فهو مُوافِقٌ لا مُخَالِفٌ، وإنْ أَرَادَ في الحَمْلِ فهَهُنا يُحِيلُ وهناك يَجُوزُ مع القرينةِ.
وأمَّا قولُ الكِيَا في (التَّلْويحِ): قالَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ: لا يَجُوزُ أنْ يُرَادَ بالعِبَارَةِ الواحدَةِ الحقَيقَةُ والمَجَازُ والكِنَايَةُ والتَّصْرِيحُ؛ ولهذا لا يَجُوزُ أنْ يُرَادَ باللَّمْسِ الوِقَاعُ والجَسُّ باليدِ معاً، ولا يُرَادُ بالنِّكاحِ العَقْدُ والوطءُ معاً، وصَارَ إلى هذا الرَايِ أَبُو عَبْدِ اللهِ البَصْرِيُّ من المعتزلَةِ. انتهى.
فمُرادُه الحَمْلُ، وكذا شيخُه ابنُ البُرْهَانِ عن القَاضِي ولم يَحْكِ الهِنْدِيُّ غيرَه، وعلى
стр. 340
المُصَنِّفِ نَقْدٌ آخَرَ، فإنَّه أَطْلَقَ الخلافَ، وموضوعُه كما فَرَضَه ابنُ السَّمْعَانِيِّ فيما إذا سَاوَى المَجَازُ الحقيقةَ لشُهْرَةٍ في الاسْتِعْمالِ ونحوِه، فإنَّ خَلاَ المَجازُ من ذلك امْتَنَعَ الحَمْلُ قَطْعاً؛ لأنَّ المَجَازَ لا يَعْلَمُ= تَنَاولُ اللفظِ له إلاَّ بقَيْدٍ، والحقيقةُ تُعْلَمُ بالإطلاقِ، فلما تَنَافَى الموضوعاتُ امْتَنَعَ، وبهذا تَرِدُ دَعْوَى القَاضِي التَّنَاقِضُ في الحَمْلِ على معنَى الحقيقَةِ والمجازِ، فإنَّ ذلك خَارِجَ عن مَحَلِّ النِّزَاعِ، وأَشَارَ المُصَنِّفُ إلى أنَّ مِن فوائدِ الخلافِ في هذه المسألَةِ، الخلافُ في عُمُومِ قولِه تعالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ فمَنْ قالَ بالجَوازِ حَمْلُه على الواجبِ والنَّدْبِ، واسْتَدَّلَ بالآيةِ علَيْهِما، ومَن مَنَعَ خَصَّهُ بالواجبِ، وكذا القائِلُ إنَّه للقَدْرِ المُشْتَرَكِ بينَهما وهو الطَّلَبُ، ومنهم مَن جَعَلَ البناءَ في الآيةِ من جِهَةِ الخِطَابِ، فإنَّ قولَه: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ هذا خطابٌ للرجالِ حقيقةٌ وللنساءِ مجازاً، فقد اسْتُعْمِلَ اللفظُ في حقيقتِه ومجازِه.
ص: وكذا المجازاتُ.
ش: اسْتِعْمَالُ اللفظُ في مَجَازَيْهِ مثلَ أنْ يَقولَ: واللهُ لا أَشْتَرِي، ويُرِيدُ السَّوْمَ وشراءَ الوكيلِ، يَجْرِي فيه الخلافُ السابِقُ، وهي مسألَةٌ غريبَةٌ قُلْ مَن تَعْرَّضَ لها من الأُصُولِيِّينَ، وقد ذَكَرَها إمامُ الحَرَمَيْنِ، وابنُ السَّمْعانِيِّ في (القواطعِ) وكذلكَ الآمِدِيِّ وابنُ الحَاجِبِ في بابِ المُجْمَلِ لكنِ اخْتَارَا فيه الإجْمَالُ، وهو مُخَالِفٌ لاختيارِهم في الحقيقتَيْنِ الإعمالِ، ومَشَى الإمامُ فَخْرُ الدِّينَ على منوالٍ واحدٍ، فاخْتَارَ الإجْمَالَ في الموضعَيْنِ، ولا يَخْفِي أنَّ صُورَةَ المسألَةِ حيثُ تَعَذَّرَتِ الحقيقةُ، ولا بُدَّ
стр. 341
من تَقْييدِ المجازَيْنِ بالمتساويَيْنِ، فإنَّه متى رَجَّحَ أَحَدُهما تَعَيَّنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْرِيَ فيه خلافَ الحقيقةِ والمجازِ؛ لأنَّ المجازَ الراجِحُ هنا بمثابَةِ الحقيقةِ هناك.
قالَ الأَصْفَهَانِيُّ: وحيثُ قلنا: يُحْمَلُ اللفظُ على جميعِ مجازاتِه، يُشْتَرَطُ ألاَ تَكُونَ تلكَ المَجازَاتِ مُتَنَافِيَّةٌ كالتهديدِ والإباحَةِ، إذا قلنا: إنَّ صِيغَةَ الأمْرِ حقيقةٌ في الإيجابِ، مجازٌ في الإباحَةِ والتهديدِ.
ص: الحقيقةُ: لفظٌ مُسْتَعْمَلٌ فيما وُضِعَ له ابتداءٌ.
стр. 342
ش: قولُه: (لَفْظٌ) جِنْسٌ يَشْمَلُ الحقيقةَ والمجازَ والمُسْتَعْمَلَ والمُهْمَلَ، خَرَجَ بـ (المُسْتَعْمَلِ): المُهْمَلِ، واللفظُ قبلُ الاستعمالِ.
وقولُه: (فيمَا وُضِعَ له) إمَّا أنْ يكونَ من تمامِ الفَصْلِ، لإخراجِ ما ذَكَرْنَا، وإمَّا أنْ يكونَ فَصْلاً برأَسِه؛ ليَخْرُجَ اللفظُ المُسْتَعْمَلَ فيما لم يُوضَعْ له، كالوَضْعِ الجديدِ، فإنَّ واضِعَ اللُّغَةِ لم يَضَعْه، والمُسْتَعْمَلُ في غيرِ ما وُضِعَ له غَلَطاً، والمَجَازُ الخَالِي عن الوَضِعِ.
وقولُه: (ابتداءً) خَرَجَ المجازُ بأنواعِه، فإنَّه وإنْ كانَ مَوْضوعاً فليسَ موضوعاً وَضْعاً أوليًّا، وإنَّما عَبَّرَ بالابتداءِ دُونَ الأوَّلِ، كما عَبَّرَ به ابنُ الحَاجِبِ، للخلافِ في أنَّ الأوَّلَ هل يَسْتَلْزِمُ ثانياً؟ وإنْ قلنا: يَسْتَلْزِمُه، لَزِمَ أنَّ الحقيقةَ تَسْتَلْزِمُ المجازَ، ولا قائلٌ بذلك وإنَّما اخْتَلَفُوا في عَكْسِه، وهو اسْتِلْزَامُ المجازِ الحقيقةَ، فلهذا أَتَى المُصَنِّفُ بما يُزِيلُ هذا الإيهامُ، ولم يَحْتَجْ أنْ يَقُولَ: في اصطلاحِ التَّخَاطُبِ، كما قالَ غيرُه ليَدْخُلَ الحقيقتَيْنِ: الشَّرْعِيَّةُ
стр. 343
والعُرْفِيَّةُ، وإلاَّ فهما مُسْتَعْمَلانِ في وَضْعٍ ثانٍ يَصُدُقُ عليه أنَّه وُضِعَ ابتداءً، ولم يَرِدْ بالوَضْعِ الوَضْعُ الأصْلِيُّ وهو اللُّغَوِيُّ، ولو أَرَادَهُ لاحْتاجَ إلى هذا القَيْدِ لا مَحَالَةَ، بل أَرَادَ بالوَضْعِ المُبْتَدَأِ بما يَكُونَ أولاً بالنِّسْبَةِ إلى الاصطلاحِ الذي يَقَعُ به التَّخَاطُبُ، لا مَا يَكُونُ أولاً باختيارِ اللُّغَةِ، فإنَّ الوَضْعَ الأوَّلَ أَعَمٌّ من الوَضِعِ باعتبارِ اللُّغَةِ، فلهذا اسْتُغْنِيَ عن قَيْدِ التَّخَاطُبِ، وقد ضَايَقَ الأَصْفَهَانِيُّ شَارِحَ (المحصولِ) في قيدِ الأَوَلِيَّةِ، وقالَ: إنَّه غيرُ محتاجٍ إليه، فإنَّه إنَّما احْتَرَزَ به عن المجازِ، ولا حاجَةَ إلى الاحترازِ فإنَّ لَفْظَةَ الوَضْعِ تُخْرِجُهُ؛ لأنَّ المجازَ إنْ قُلْنَا: إنَّه غيرُ موضوعٍ، فذاكَ، وإنْ قلنَا: موضوعٌ، فهو غيرُ الوَضْعِ المُعْتَبَرِ في الحقيقةِ، وهو استعمالُ العُرْفِ ذلك النَّوْعُ، لا استعمالَ آحادِ النَّوْعِ بخلافِ الوَضْعِ في الحقيقةِ، وزَادَ صاحبُ (المِنْهَاجِ) (مِن غيرِ تَاويلٍ في الوَضْعِ) ليَحْتَرِزَ به عن الاستعارَةِ، فإنَّها مُسْتَعْلَمَةٌ فيما وُضِعَتْ له ولَيْسَتْ بحقيقةٍ، لسَدِّهِ دَعْوَى المُسْتَعَارِ مَوْضُوعاً
للمُسْتَعَارِ له على ضَرْبٍ من التأويلِ.
ص: (وهي لُغَوِيَّةٌ، وعُرْفِيَّةٌ، وشَرْعِيَّةٌ).
ش: لأنَّ الحقيقةَ لا بُدَّ لها من وَضْعٍ، والوَضْعُ لا بُدَّ له من وَاضِعٍ، فوَاضِعُها إنْ كانَ وَاضِعُ اللُّغَةِ، فلُغَوِيَّةٌ كالأسدِ للحيوانِ المُفْتَرِسِ، أو الشَّرِعِ، فشَرْعِيَّةٌ، كالصَّلاةِ للعِبَادَةِ المَخْصُوصَةِ، أو العُرْفِ المُتَعَيَّنِ أو المُطْلَقِ، فعُرْفِيَّةٌ، فالعُرْفِيَّةُ المُطْلَقَةُ، كالدَّابَةِ لذواتِ الأَرْبَعِ، والخَاصِّ كاصطلاحِ النُّحَاةِ والأصوليِّينَ.
ووجْهُ الحَصْرِ أنَّ اللفظَ إنْ كانَ مَوْضُوعاً في أصْلِ اللُّغَةِ لمعنًى واسْتَمَرَّ من غيرِ طُرُوءِ نَاسِخٍ عليه، فهو الحقيقةُ اللُّغَوِيَّةُ، وإنْ طَرَأَ عليه نَاسِخٌ نَقَلَهُ إلى اصْطِلاحٍ آخَرَ، فإنْ كانَ النَّاقِلُ الشَّرْعَ، فهي الشَّرْعِيَّةُ، أو العُرْفَ، فهي العُرْفِيَّةُ، فثَبَتَ أنَّ اللُّغَوِيَّةَ أَصْلُ الكُلِّ.
وقد مَنَعَ الأَصْفَهَانِيُّ إِدْخَالَ الثلاثَةِ في حدٍّ واحدٍ من جِهَةِ اختلافِ معنَى الوَضْعِ فيها، فإنَّ الوَضْعَ في اللُّغَوِيَّةِ بمعنَى الاصطلاحِ، وهو تَعْلِيقُ لفظٍ بمعنًى.
وأمَّا في الشرعيَّةِ والعرْفيَّةِ، فليسَ
стр. 344
بهذا المعنَى، إذ لم يُنْقَلْ عن الشَّرْعِ لَفْظُ الصلاةِ بإزاءِ معنَاها الشرْعِيِّ، بل غَلَبَ اسْتِعْمَالُه لها بإزاءِ المعنَى الشرعيِّ، بحيثُ صَارَتِ الحقيقةُ اللغويَّةُ مَهْجُورَةً، وكذلك العرفيَّةُ إنَّما اشْتَهَرَتْ بكَثْرَةِ الاستعمالِ دونَ الوَضْعِ، قالَ: وحينَئذٍ إنْ خَصَّصْنا لَفْظَ الوَضْعِ في الحدِّ بالاصطلاحِ، خَرَجَتِ الشرعيَّةُ والعرْفيَّةُ، وإنْ لم نَخُصُّه، لَزِمَ الاشتراكُ، وهو ما تُصَانُ الحدودُ عنه، قالَ: فيَجِبُ أنْ تُحَدَّ لهما حدًّا غيرَ حدِّ اللغويَّةِ، بأنْ يُقالَ: المُسْتَعْمَلُ فيما يَغْلِبُ اسْتِعْمَالُه، ولكَ أنْ تقولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الشَارِعَ اسْتِعْمَلَ ولم يَضَعْ، فإنَّ الوَضْعَ: تَعْلِيقُ لفظٍ بمعنًى، وذلك مُتَناولٌ لها، إلاَّ أنَّ سببَ نَقْلِه إلى المعنَى في اللُّغَةِ إعلامِه بالوَضْعِ والاصْطِلاحِ، وفي الشَّرْعِ كَثْرَةُ اسْتِعْمَالِه، كَثْرَةٌ تَقُومُ مَقامَ الوَضْعِ ابتداءً.
ص: (ووَقَعَ الأَوْلَيانِ، ونَفَى قَوْمٌ إمكانُ الشَّرْعِيَّةِ، والقَاضِي وابنُ القُشَيِّرِ=: وقوعُها، وقالَ قومٌ: وَقَعَتْ مُطْلَقاً، وقومٌ: إلاَّ الإيمانَ، وتَوَقَّفَ الآمِدِيُّ، والمُخْتَارُ وِفَاقاً لأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، والإمامَيْنِ، وابنُ الحاجِبِ ـ وقوعُ الفَرْعِيَّةِ لا الدِّينِيَّةِ).
ش: لا خلافَ في وقوعِ اللغويَّةِ والعرفيَّةِ، وأمَّا الشرعيَّةِ ففي (المحصولِ): اتَّفَقُوا على إمكانِها؛ يعني: أنَّ الاسمَ اللُّغَوِيَّ يَجُوزُ أنْ يَنْقُلُه الشَّرْعُ إلى معنًى آخَرَ، فيَصِيرُ اللَّفْظُ في ذلك المعنَى حقيقةً شرعيَّةً، لكن في شَرْحِه للأصْفَهَانِيِّ عن شَرْحِ
стр. 345
المُعْتَمَدِ لأَبِي الحُسَيْنِ عن قومٍ أنَّهم مَنَعُوا إمْكانِها، وعليه اعْتَمَدَ المُصَنِّفُ.
لكنِ الذي رَأَيْتُه في (المُعْتَمَدِ) لأَبِي الحُسَيْنِ لَمَّا حَكَى عن قومٍ من المُرْجِئَةِ أنَّهم نَفُوا الحقائقَ الشرعيَّةَ؛ أي: وقوعَها، قالَ: وبعضُ عِلَلِهم تَدُلُّ على أنَّهم أَحَالُوا ذلكَ، هذا لَفْظُه، وحينَئذٍ فلم يُصِرِّحُوا به، نَعَمْ.
قالَ بعضُهم: مَن يَقُولُ بأنَّ دلالَةَ الألفاظِ طَبِيعِيَّةٌ، لا يقولُ بالجوازِ هنا؛ لأنَّ الاسمَ عندَه واجبٌ للمُسَمَّى، وأمَّا وقوعُها ففيه مذاهبَ:
стр. 346
أحدُها: إنْكَارُه مُطْلَقاً، وهو قولُ القاضِي أَبِي بَكْرٍ، وابنِ القُشَيِّرِيِّ وغيرِهما، ونَقَلَه المَاوَرْدِيُّ في (الحاوِي) عن الجُمْهُورِ، وزَعَمُوا أنَّ لَفْظَ الصلاةِ والصومِ وغيرِهما في الشَّرْعِ مُسْتَعْمَلٌ في المعنَى اللُّغَوِيِّ، وهو الدُّعاءُ والإمْساكُ، لم يُنْقَلْ أصْلاً، وأنَّها بَاقِيَةُ على أوضاعِها، لكنَّ الشارِعَ شَرَطَ في الاعتدادِ بها أُمُوراً أُخْرَى، نحوَ: الركوعِ، والسجودِ، والكفِّ عن الجِمَاعِ، والنِّيَّةِ، فهو مُتَصَرِّفٌ بوَضْعِ الشَّرْطِ لا بتَغْييرِ الوَضْعِ.
والثاني: إثباتًُها مُطْلَقاً، وهو قولُ المُعْتَزِلَةِ، وقالُوا: نَقَلَ الشارعُ هذه الألفاظَ من الصلاةِ والصومِ وغيرِهما من مُسَمِّيَاتِها اللُّغَوِيَّةِ، وابتداءُ= وَضْعِها لهذه المعانِي الشَّرْعِيَّة من غيرِ مُرَاعَاةِ النَّقْلِ إلى المجازِ اللغويِّ، فلَيْسَتْ حقائقٌ لُغَوِيَّةٌ ولا مَجازاتٌ عنها، وكذلك قالُوا: الإيمانُ لُغَةً: التصديقُ، ونَقَلَه الشَّرْعُ إلى العِبَاداتِ من غيرِ مُنَاسَبَةٍ، ولهذا قالَ ابنُ الحَاجِبِ، وأَثْبَتَ المُعْتَزِلَةُ الدِّينِيَّةِ أيضاً، فدَلَّ على أنَّهم
стр. 347
يَثْبُتُونَ شَرْعِيَّةً غيرَ دِينَيِّةٍ، وقَصْدِهم من هذا أنَّ مُرْتَكِبَ الكبيرَةِ ليسَ مُؤْمِناً ولا كَافِراً.
والثالثُ: التَّفْصِيلُ بينَ الإيمانِ وغيرِه، وهو الذي اخْتارَهُ الشيخُ أَبُو إسحاقَ في (شَرْحِ اللُمَعِ) أنَّ الإيمانَ مَبْقِيٌّ على مَوْضوعِه في اللُّغَةِ، وأنَّ الألفاظَ التي ذَكَرْنَاها من الصلاةِ والصيامِ والحجِّ وغيرِ ذلك، منقولَةٌ.
قالَ: وليسَ من ضرورةِ النَّقْلِ أنْ
стр. 348
يَكُونَ في جميعِ الألفاظِ، وإنَّما يكونُ على حَسَبِ ما يَقُومُ عليه الدليلُ.
والرابعُ: الوَقْفُ، وإليه مِيلَ الآمِدِيُّ. والمختارُ عندَ المُصَنِّفِ ـ وِفَاقاً لِمَنْ ذَكَرَه ـ الوقوعُ في فُرُوعِ الشريعَةِ فقطْ كالصومِ والصلاةِ، دونَ أُصُولِه كالإيمانِ، والمُرادِ بـ (الدِّينِيَّةِ) كما قاله في (المُسْتَصْفَى): ما نَقَلَه الشَّرْعُ إلى أَصْلِ الدِّينِ كالإيمانِ والكُفْرِ والفِسْقِ.
ثمَّ في كلامِ المُصَنِّفِ أَمْرَانٍ:
أحدُهما: أنَّ هذا الذي اخْتَارَهُ يَتَبَادَرُ الذِّهْنُ إلى أنَّه عينُ قولِه: (وقَومٌ إلاَّ الإيمانَ) فما الفارقُ بينَهما؟ وإنَّما يَظْهَرُ التَّغَايُرُ بينَهما بالتقريرِ الذي سنَذْكُرُه في مَذَهْبِ الإمامَيْنِ، والقائلُ الأوَّلُ يقولُ: إنَّ الشرعَ أَبْقَى الإيمانَ على موضوعِه اللُّغَوِيُّ، ونَقَلَ ما عَدَاهُ من الفروعِ نَقْلاً كُلِّيًّا إلا على مُلاحَظَةِ أُسْلُوبِ اللُّغَةِ بوَجْهٍ، وحِكَايَتُه هكذا تُؤْخَذُ من نَقْلِ مُحَمَّدِ بنِ نَصْرٍ من كتابِ (تَعْظِيمِ قَدْرِ الصلاةِ)، عن أَبِي
стр. 349
عُبَيْدٍ، وتصيرُ المذاهبُ خَمْسَةً.
الثاني: ما أَطْلَقَه في نَقْلِ مذهبِ الإمامَيْنِ، فيه نَظَرٌ، أمَّا إمامُ الحرمَيْنِ فإنَّه قالَ: ثَبَتَ منها نوعانٍ:
أحدُهما: قَصْرُ التَّسْمِيَةِ على بعضِ مُسَمِيَاتِها، فإنَّ الصلاةَ لُغَةً: الدُّعاءُ، وقَصَرَهُ الشَّرْعُ على دُعاءٍ مَخْصُوصٍ.
والثاني: التَّجَوُّزُ، كإطلاقِها على الأفعالِ من السجودِ ونحوِه مجازاً من الدُّعاءِ؛ لأنَّ الدَّاعِيَ خَاضِعٌ وكذا السَّاجِدُ، قالَ: فالمُثْبَتُ للنَّقْلِ إنْ أَرَادَ القَصْرَ النَّحْوِيُّ فلا معنَى لإنْكَارِه، وإنْ أَرَادَ غيرَه فبَاطِلٌ، هذا كلامُه، ولم يُفَصِّلْ بينَ شَرْعِيَّةٍ ولا أَصْلِه.
وأمَّا الإمَامُ الرَّازِيُّ فإنَّه اخْتَارَ أنَّ الشَّرْعَ لم يَنْقُلْهَا عن معناها اللُّغَوِيِّ، لكنَّه لم يَسْتَعْمِلْها في حَقِيقَتِها اللُّغَوِيَّةُ، وإلاَّ تَبَادَرَ الذِّهْنُ إليها بل في مَجَازِهَا اللُّغَوِيُّ، فإنَّ العَرَبَ تَكَلَّمُوا بالمَجَازِ كما تَكَلَّمُوا بالحقيقةِ، ومن مجازِهِمْ تَسْمِيَةُ الشيءِ باسمِ أَجْزَائِه، والصلاةُ كذلِكَ، فإنَّ الدُّعاءَ جُزْؤُها، فكَأَنَّ الإمامَ يَقولُ: إنَّها مُفَسِّرَةٌ على مَجَازِها اللُّغَوِيُّ، كما أنَّ القَاضِي يَقُولُ: إنَّها مُفَسِّرَةٌ على حَقَيقَتِها اللُّغَوِيَّةُ، واشْتَرَكَ المَذْهَبَانِ في إذا لم يَخْرُجْ بها عن أسْلُوبِ العَرَبِ، ولم يَفْصِلْ الإمامُ بينَ فَرْعِيَّةٍ ولا دِينِيَّةٍ أيضاً، بل صَرَّحَ بالتَّسْوِيَّةِ في عبارتِه، قُلْنَا: لم لا يَكْفِي فيها المجازُ؟ وهو تَخْصِيصُه الألفاظُ المُطْلَقَةُ ببَعْضِ مَوارِدُها، فإنَّ الإيمانَ والصلاةَ والصومَ، كانَتْ مَوضوعَةٌ لمُطْلَقُ التَّصْدِيقِ والدُّعاءِ والإمْساكِ، ثم خَصَّتْ في الشَّرْعِ بتَصْدِيقٍ مُعَيَّنٍ ودُعَاءٍ مُعَيَّنٍ وإمْسَاكٍ مُعَيَّنٍ إلى آخِرِه، والفَرْقُ بينَ
стр. 350
مَذْهَبِه ومَذْهَبِ إمامُ الحرمَيْنِ، أنَّ إمامَ الحرمَيْنِ يقولُ: إنَّ الشَّرْعَ غيرُ وَضْعِ اللغةِ على الهَيْئَةِ السَّابِقَةِ، والإمامُ الرَّازِيُّ يقولُ بعَدَمِ التَّغْييرِ، وإنْ لم يَخْرُجْ عن طَرِيقِهم، وكلامُه في الأدلَّةِ غيرُ مُصَرَّحٍ بذلك، لكنَّه قريبٌ في المعنَى منه، هذا تحريرُ النَّقْلِ عن الإمامَيْنِ، فاجْتَنِبْ ما وَقَعَ للنَّاقِلِينَ عنهما.
وقالَ الأَصْفَهَانِيُّ بعدَ حِكَايَتِه المَذَهبَيْنِ الأولَيْنِ: والثالثُ: اخْتِيارُ المُصَنِّفُ وإمامُ الحرمَيْنِ، أنَّه مَنْقُولٌ شَرْعاً لكنْ إلى مَعَانٍ هي مجازاتٌ لُغَوِيَّةٌ، يعنِي مِن بابِ التَّعْبِيرِ بالجُزْءِ عن الكُلِّ في الصلاةِ؛ لأنَّ الصلاةَ جُزْؤُهَا الدُّعَاءُ، قالَ: وهو يُخَالِفُ القَولَيْنِ الأولَيْنِ.
أمَّا مذهبُ القَاضِي؛ فلأنَّه يَقُولُ: ما نَقَلَتْ أَصْلاً.
وأمَّا مذهبُ المُعْتَزِلَةِ؛ فلأنَّهم لم يَشْتَرِطُوا في النَّقْلِ كونُ المَنْقُولِ إليه مَجَازاً لُغَوِيًّا، والحاصلُ أنَّ الألفاظَ المُتَدَاولِةُ شَرْعاً، وقد اسْتُعْمِلَتْ في غيرِ مَعَانِيها اللُّغَوِيَّةِ، هل هي بَاقِيَةٌ على أَوْضَاعِها اللُّغَوِيَّةِ، ولم تَنْقُلْ - وهو قولُ القاضِي - أو نَقَلَها إلى غيرِ مَعانِيها؟ والقائِلُونَ به اخْتَلَفُوا: فمِنْهم مَن قالَ: إلى مَجَازَتِها اللُّغَوِيَّةِ كما اختارَ الإمَامَانِ، ومنْهُم مَن قالَ: إلى غيرِ معانِيها على الإطلاقِ، وهو قولُ المُعْتَزِلَةِ، فتَحَصَّلَ أنَّ المُثْبِتِينَ للحقيقةِ الشَّرْعِيَّةِ، هُم المُعْتَزِلَةُ؛ لأنَّهم لم يَشْتَرِطُوا في النَّقْلِ المُنَاسَبَةَ.
وأمَّا الإمامانِ ومَن وَافَقَهُمَا، فاشْتَرَطُوا المُنَاسَبَةَ لمَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةُ، فتَكُونُ عندَهُم في انتفاءِ النَّقْلِ مجازاتٌ لُغَوِيَّةٌ بسبَبِ عَدَمِ اشْتِهَارِها، ثمَّ غَلَبَتْ في المعانِي الشرعيَّةِ لكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِها في الشَّرْعِ، فصَارَتْ حقيقةٌ عُرْفِيَّةٌ لهم.
وفائدةُ هذا أنَّا إذا وَجْدَنَاهَا في كلامِ الشارعِ مُجَرَّدَةً عن القَرِينَةِ مُحْتَمِلَةٍ للمعنَى اللُّغَوِيِّ والشَرْعِيِّ، فعلامُ تُحْمَلُ.
وأمَّا في استعمالِ حَمْلَةِ الشَّرْعِ فتُحْمَلُ على الشرعِيِّ بلا خلافٍ؛ لأنَّ الحقيقةَ اللغويَّةَ مهجورةٌ عندَهم، فلا يَتَبَادَرُ الذِّهْنُ عندَ اسْتِعْمَالِهم قَصْدَها الْبَتَّةَ، ويَنْبَغِي تَنْزِيلُ إطلاقِ المُصَنِّفِ على ما ذَكَرْنَا، وبهذا التَّحْرِيرِ يَظْهَرُ لكَ فََسَادُ ما وَقَعَ في الشَّرْحِ في هذه المسألَةِ.
стр. 351
ص: (ومعنَى الشرعِيِّ: ما لم يُسْتَفَدْ اسمُه إلاَّ من الشرْعِ، وقد يُطْلَقُ على المَنْدُوبِ والمُبَاحِ).
ش: الحقيقةُ الشرعيَّةُ هي: اللفْظَةُ التي اسْتُفِيدَ وَضْعُها لمعنًى من جِهَةِ الشَّرْعِ، فخَرَجَ بالقَيْدِ الأخيرِ: الحقائقُ اللُّغويَّةُ والعُرْفِيَّةُ، ودَخَلَ فيه المَنْقُولُ الشرعيُّ، وهو اللفْظُ الموضوعِ لمعنًى، ثمَّ نُقِلَ في الشَّرْعِ إلى معنًى ثانٍ لمُنَاسَبَةٍ بينَهُما، وغَلَبَ اسْتِعْمَالُه في الثاني، والمَوْضُوعاتِ المُبْتَدِأَةِ الشرعيِّةِ، وهي الألفاظُ التي وَضَعَها الشارِعُ للمَعَانِي الشرعيَّةِ من غيرِ اعتبارِ نَقْلٍ من اللُّغَةِ أو من غيرِ اعتبارِ المُنَاسَبَةِ، قالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: وأَقْسَامُها المُمْكِنَةُ أَرْبَعَةٌ:
أَحَدُها: أنْ يَكُونَ اللفظُ والمعنَى مَعْلُومَيْنِ عندَ أهلِ اللُّغَةِ، لكنَّهم لم يَضَعُوا ذلك الاسمَ بذلك المعنَى.
وثانيها: أنْ يكونَا مَجْهُولَيْنِ.
والثالثُ: أنْ يكونَ اللفظُ مَعْلُوماً لهم دونَ المعنَى.
ورابِعُها: عَكْسُه.
قالَ: والمَنْقُولَةُ الشرعيَّةُ، من هذه الأقسامِ إنَّما هي الأوَّلُ والثالثُ. قالَ: والأَشْبَة= وقوعُ هذه الأقسامِ كلِّها.
стр. 352
تَفْرِيعاً على القولِ بالحقَيقَةِ الشرعيَّةِ، وصَرَّحَ الأَصْفَهَانِيُّ بأنَّ النِّزَاعَ في الأقْسَامِ كُلِّها، وهو ظاهرٌ كلامُ (المحصولِ)، والتحقيقُ أنَّ هذا التفسيرَ الشرعيِّ وشمولَه لهذه الأقسامِ، إنَّما يَصِحُّ على مذهبِ المُعْتَزِلَةِ، وكذلك صَرَّحَ أَبُو الحُسَيْنِ في (المُعْتَمَدِ) بأنَّه ذَكَرَ هذا التفسيرُ، ثم قالَ: فيَدْخُلُ فيه كذا إلى آخَرِه.
أمَّا إذا قًُلْنَا بأنَّها مَجازاتٌ لُغَوِيَّةٌ، فلا بُدَّ أنْ يكونَ ذلك اللفظُ والمعنَى من حيثُ هو مجازٌ لُغَوِيٌّ، فعَلَمَها أهلُ اللًُّغَةِ، لاسْتِحَالَةِ نَقْلِ الشَّرْعِ لَفْظَةً لُغَوِيَّةً إلى معنًى هو مجازً لُغَةً، ولا يَعْلَمُها أهلُ اللُّغَةِ، ولا يَخْفَى بعدَ هذا ما على المُصَنِّفِ في هذا التفسيرِ من التقديمِ إنْ كانَ حَقُّه تَقْدِيمَ هذا على ما قبلَه؛ لأنَّ التصديقَ مسبوقٌ بالتَّصَوُّرِ، وحيثُ ذَكَرَ الشَّرْعِيَّ فليَذْكُرُ الدِّينِيَّ، وقد سَبَقَ تَفْسِيرُه.
وقولُه: (يُطْلَقُ) هذا بالنَّسْبَةِ
стр. 353
إلى عُرْفِ الفُقَهاءِ لا الأصُوليِّينِ، لكنْ قد يَتَوَقَّفُ في إطْلاقِه على المباحِ، ولهذا قالَ إمامُ الحرمَيْنِ في (الأساليبِ): الذي يَعْنِيهِ الفَقِيهُ بالشرعيِّ هو: الواجبُ والمندوبُ.
وقالَ النَّوَوِيُّ في صلاةِ الجَمَاعَةِ من (الرَّوْضَةِ) قولُهم: لا تُشْتَرَطُ الجَماعَةُ في النوافلِ المُطْلَقَةِ؛ أي: لا تُسْتَحَبُّ، فلو صَلاَّهَا جَماعَةٌ جَازَ، ولا يُقالُ: مَكْرُوهَةٌ.
ص: (المَجَازُ: اللَّفْظُ المُسْتَعْمَلُ بِوَضْعٍ ثَانٍ لِعَلاَقَةٍ).
ش: خَرَجَ بِالوَضعِ الثَّانِي، الحَقيقةُ، وَبِالقَيدِ الثَّالثِ، العَلَمُ المنقولَُ، كَبَكرٍ وكَلْبٍ، فإنَّهُ لَيسَ بِمَجَازٍ؛ لأنَّهُ لَم يُنقَلْ لِعَلاقةٍ، ومثلُ استِعمالِ لفظِ الأَرضِ فِي السَّمَاءِ، ويَشمَلُ هذا الحدُّ أنواعَ المجازِ الثَلاثَةِ منَ اللغَويِّ والشَّرعِيِّ والعُرفِيِّ، فاللفظُ
стр. 354
الوَاحدُ بِالنِّسبَةِ إلى المَعنَى الوَاحِدِ، قَدْ يكونُ حقيقةً باصطِلاحٍ، مَجَازاً باصطِلاحٍ آخَرَ، كَلفظِ الصلاةِ مَثلاً، بِالنسبةِ إلى الدُّعاءِ، فِإنَّه حَقيقةً بِاصطِلاحِ أهلِ اللغةِ، مَجازاً باصطِلاحِ أهلِ الشَّرعِ، وبِالنسبةِ إلى الأفْعَالِ المَخصُوصةِ بِالعَكسِ، وَعِبَارَةُ ابنِ الحَاجِبِ: في غيرِ وضعٍ أوَّلٍ، وهُوَ يَقتضي أنَّ المَجَازَ غَيرُ مَوضوعٍ، ولذلكَ عَدَلَ المُصَنِّفُ إلى قَولِهِ: (بِوَضِعٍ ثَانٍ) وَعِبَارَتُه أيضاًً على وَجهٍ يَصِحُّ، وعَدَلَ عَنه المُصَنِّفُ إلى قولِه: (لِعَلاقَةٍ) واسْتَحسَنَ العَضَدُ تَعبيرَ ابنِ الحَاجِبِ على هذه العِبارَةِ لانْطِبَاقَهِ على مَذهَبَي وجوبِ النَّقلِ فيه والاكتِفَاءِ بِالعَلاقَةِ، فكانَ أحْسَنَ مِمَّا يَختَصُّ بِمَذهَبٍ.
ص: (فَعُلِمَ وُجُوبُ سبقِ الوضعِ ـ وهُوَ اتِّفاقٌ ـ لا الاسْتِعمَالُ، وهُو المُختَارُ، قيلَ: مُطْلَقاً، والأصَحُّ: لِمَا عَدَا المَصدَرُ).
ش: عُلِمَ مِن قَولِه: بِوَضعٍ (ثانٍ) أنَّ المَجَازَ يَستلزِمُ وَضعاً سابِقاً عَل يه، ومِن ثَمَّ كانَ الْلَفظُ في أولِ الوضعِ قَبلَ استِعمَالِه فيما وُضِعَ لَه ـ ليسَ بِحقيقةٍ ولا مَجَازٍ، وهذا لا خِلافَ فيه، لَكنَّه لا يَستَلزِمُ سَبقَ الحَقيقةِ، وهوَ مُرَادُ المُصَنِّفِ بِالاستِعمَالِ، وَهِيَ مَسأَلةٌ: الخِلافُ في أنَّ المَجَازَ هَلْ يَستَلْزِمُ الحَقيقةَ؟ بِمَعنَى أنَّ استِعمالَ اللفظِ فِي غَيرِ وَضعٍ أَوَّلٍ، هَلْ يَكُونُ مَشرُوطاً بِاستعمالِه في وضْعٍ أوَّلٍ قبلَ هذا الاستعمالِ أمْ لا، بل يَجُوزُ أنْ يُسْتَعْمَلَ في الوضْعِ الثاني، ولا يُسْتَعْمَلَ فيما وُضِعَ له أصْلاً؟
والمُختارُ عندَ الآمِدِيِّ والمُصَنِّفِ عدَمِ الاسْتِلْزامِ، عَزَاهُ في (البديعِ) إلى
стр. 355
المُحَقِّقينَ، وذَهَبَ أَبُو الحُسَيْنِ البَصْرِيُّ وابنُ السَّمْعَانِيِّ والإمامُ الرَّازِيُّ إلى الاستلزامِ، مُحْتَجِّينَ بأنَّه لو لم يَسْتَلْزمْ لخَلاَ الوضْعُ عن الفائدةِ، وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ الفائدةَ غيرُ مُنْحصرَةٌ في استعمالِ اللفظِ فيما وُضِعَ له، بل هي حاصِلَةٌ بالتجوُّزِ.
تنبيهٌ: تفريقُ المُصَنِّفِ هنا بينَ الوضْعِ والاستعمالِ هو الصوابُ، وفي كلامِ القِرافِيِّ ما يُخَالِفُه، فإنَّه لمَّا تَكَلَّمَ على أنَّ الوضْعَ جَعَلَ اللفظَ دليلاً على المعنَى، قالَ: ويُطْلَقُ على غَلَبَةِ الاستعمالِ، وعلى أصلِ الاستعمالِ من غيرِ غَلَبةٍ، قالَ: وهذا هو مُرادُ العلماءِ بقولِهم: هل من شَرْطِ المجازِ الوضعُ أم لا؟ قولانِ:
يُريدُونَ بالوضْعِ ههُنا مُطْلَقُ الاستعمالِ، ولو مَرَّةً يَسْمَعُ من العربِ استعمالَ ذلك النوعِ من المجازِ، فيَحْصُلُ الشرْطُ.
следующие страницы →