← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122142

تشنيف المسامع بجمع الجوامع

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 929 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ويُطْلَقُ على أخصَّ من ذلك، وهو الاعتقادُ الجازِمُ المطابِقُ لِمُوجِبٍ، ولهذا جاءَ سؤالُ الفقهِ من بابِ الظنونِ، فلا يَحْسُنُ جَعْلُه عِلْماً، ومَن عَبَّرَ بالمعرفةِ سَلِمَ منه لذلكَ. انْتَهَى. وقد انْفَصَلَ المصنِّفُ عن هذا، فقالَ: المرادُ به هنا الصِّنَاعةُ، كما تقولُ: عِلْمُ النحوِ؛ أي: صِنَاعَتُه، وحينَئذٍ يَنْدَرِجُ فيه الظنُّ واليقينُ، ولا يَرِدُ سؤالُ الظنِّ، وهذا يُنَازِعُ فيه أنَّ جَوَابَهُم عن السؤالِ بالطريقِ التي ذَكَرُوها، يَدُلُّ على أنَّ مُرَادَهم بالعلمِ اليقينُ، وإلاَّ كانَ جَوَابُهُم أنَّ الظنَّ دَاخِلٌ في العلمِ، ولو تَجَنَّبَهُ المصنِّفُ لَسَلِمَ مِن التَّمَحُّلِ لِدَفْعِ السؤالِ. وقولُه: (بالأحكامِ) فَصْلٌ يُخْرِجُ الإدراكَ بلا حُكْمٍ؛ كالعلمِ بالذواتِ والصفاتِ الحقيقيَّةِ والإضافةِ، فلا شيءَ مِن هذه العلومِ بِفِقْهٍ.

стр. 37

وقولُه: (الشرعيَّةِ) يُحْتَرَزُ به عن العلمِ بالأحكامِ العقليَّةِ، مثلُ كونِ العَرَضِ هل يَبْقَى زَمَانَيْنِ، والمرادُ بالشرعيَّةِ ما يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُها على الشرعِ، والشرعُ: الحُكْمُ، والشارِعُ هو اللهُ تعالَى. والرسولُ ﷺ مُبَلِّغٌ، ويُطْلَقُ عليه أيضاًً بهذا الاعتبارِ. واعْلَمْ أنَّ جَعْلَ قولِهم: بالأحكامِ الشرعيَّةِ، قيديْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ، حتَّى يُحْتَرَزَ بكلِّ واحدٍ مِنهما عن شيءٍ. وهي طريقةُ الإمامِ في (المحصولِ) ومُتَابِعِيهِ. والتحقيقُ أنَّ الأحكامَ الشرعيَّةَ لفظٌ مُفْرَدٌ لا يَدْخُلُ جُزْؤُه فيه على شيءٍ؛ فإنَّ الأحكامَ الشرعيَّةَ جمعُ الحكمِ الشرعيِّ، وهو عِلْمٌ لِمَا سيأتي تَعْرِيفُه مِن الخطابِ المُنْقَسِمِ إلى الإيجابِ والتحريمِ وغيرِهما، وقد صَرَّحَ إِمامُ الحَرَمَيْنِ في (البُرهانِ) بأنَّ المرادَ بالأحكامِ الشرعيَّةِ في حَدِّ الفِقْهِ ذلكَ، فلْيُتَفَطَّنْ له؛ فإنَّه مِن النفائِسِ. قولُه: (العَمَلِيَّةِ) قَيْدٌ لم يَذْكُرْهُ القاضِي، ولكِنْ ذَكَرَه المُتَأَخِّرُونَ، واخْتَلَفُوا في المُحْتَرَزِ عنه؛ فقالَ الإمامُ: إنَّه احترازٌ عن العِلمِ بكونِ الإجماعِ حُجَّةً، وخبرِ الواحدِ والقياسِ حُجَّةً؛ فإنَّ العِلمَ به ليسَ عِلْماً بكيفيَّةِ عَمَلٍ، فلا يكونُ فِقهاً، وفَسَّرُوا العَمَلِيَّةَ بما يكونُ العلمُ به عِلْماً بكيفيَّةِ عَمَلٍ. واسْتَشْكَلَهُ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ؛ لأنَّ جميعَ هذه القواعدِ التي ذَكَرَ أنَّه يُحْتَرَزُ عنها - فإنما الغايةُ المطلوبُ منها العملُ. والخَلاَصُ من هذا بزيادةِ الكيفيَّةِ غيرُ واضحٍ كلَّ الوضوحِ، إلاَّ أنْ يَرُدُّوا الأمرَ إلى الاصطلاحِ، وتفسيرِ معنى ما يُرِيدُه المتكلِّمُ من

стр. 38

كلامِهِ، فيَقْرُبَ الحالُ. وقالَ القَرَافِيُّ: يُخْرِجُ العِلْمِيَّةَ؛ كأصولِ الدينِ، وساعَدَهُ الشيخُ علاءُ الدينِ البَاجِيُّ، وخَالَفَه صَاحِبُه الشيخُ الإمامُ السُّبْكِيُّ، وقالَ: أُصُولُ الدينِ مِنه ما يَثْبُتُ بالعقلِ وَحْدَهُ؛ كوُجُودِ البارِي، ومنه ما يَثْبُتُ بكلِّ واحدٍ مِن العقلِ والسمعِ؛ كالوَحْدَانِيَّةِ والرؤيةِ، ومِنه ما لا يَثْبُتُ إلاَّ بالسمعِ؛ ككَثِيرٍ مِن أحوالِ القيامةِ، فأمَّا ما يَثْبُتُ بالعقلِ فخَرَجَ بقولِنا: الشرعيَّةِ، وتَفْسِيرِنا إيَّاها بما يَتَوَقَّفُ على الشرعِ، وأمَّا ما يَتَوَقَّفُ على السمعِ فقد يقالُ: إنها داخلةٌ في حَدِّ الشرعيَّةِ. وقولُه: (المُكْتَسَبُ) مرفوعٌ على أنَّه صفةٌ للعِلْمِ، وخَرَجَ به علمُ اللهِ تعالَى، وما يُلْقِيهِ في قلوبِ الأنبياءِ والملائكةِ عليهم الصلاةُ والسلامُ مِن الأحكامِ بلا

стр. 39

اكتسابٍ. وقولُه: (مِن أَدِلَّتِها التفصيليَّةِ) قالَ الإمامُ وغيرُه: يُخْرِجُ اعتقادَ المُقَلِّدِ؛ فإنَّه مُكْتَسَبٌ مِن دليلٍ إجماليٍّ، وهو أنَّ هذا أَفْتَانِي به المُفْتِي، وكلُّ ما أَفْتَانِي به فهو حكمُ اللهِ في حَقِّي. وقالَ المصنِّفُ: خروجُ اعتقادِ المقلِّدِ به يَسْتَدْعِي سَبْقَ حُصُولِهِ، ولا أُسَلِّمُ أنَّ الحاصلَ عندَ المقلِّدِ عِلْمٌ، وقد قالَ الإمامُ في تعريفِ العلمِ: إنَّه لا بُدَّ أنْ يكونَ عن مُوجِبٍ. وعِلْمُ المُقَلِّدِ ليسَ لِمُوجِبٍ، فالأَوْلَى أنْ يُخْرَجَ بِقَيْدِ (التفصيليَّةِ) عِلْمُ الخلافِ؛ فإنَّه عِلْمٌ مُكْتَسَبٌ بأحكامٍ شرعيَّةٍ عَمَلِيَّةٍ، لكِنَّها إجماليَّةٌ؛ لأنَّ الجَدَلِيَّ لا يَقْصِدُ صورةً بعينِها، وإنما يَضْرِبُ الصورةَ مِثالاً لقاعدةٍ كلِّيَّةٍ، فيَقَعُ عِلْمُهُ مُسْتَفَاداً من الدليلِ الإجمالِيِّ، لا من التفصيليِّ؛ كذا قالَ الأصفهانيُّ في (شرحِ

стр. 40

المحصولِ): اعتقادُ المُقَلِّدِ لا يُسَمَّى عِلماً. وقد صَرَّحَ بذلك في (المحصولِ) في تقسيمِهِ، وجَعَلَ اعتقادَ المُقَلِّدِ قَسِيماً للعلمِ، وحينَئذٍ فهو خارجٌ بقيدِ العلمِ، فلا حاجةَ إلى الاحترازِ عنه بقيدٍ آخرَ. قلتُ: الأَوْلَى أنْ يُقالَ: خُرُوجُ المُقَلِّدِ يَسْتَدْعِي سَبْقَ دُخُولِهِ، ولا أُسَلِّمُ أنَّ قولَ المُفْتِي دليلُ الحكمِ الشرعيِّ؛ فإنَّ دليلَه النصُّ والإجماعُ والقياسُ، والظاهرُ أنَّ ذِكْرَها ليسَ للاحترازِ عن شيءٍ؛ فإنَّ اكتسابَ الأحكامِ لا يكونُ من غيرِ أَدِلَّتِها التفصيليَّةِ، وإنما ذُكِرَ للدَّلالةِ على المُكْتَسَبِ مِنه بالمطابقةِ. قيلَ: وقولُ الإمامِ: علمُ المُقَلِّدِ ليسَ لِمُوجِبٍ ممنوعٌ، بل لا بُدَّ له مِن مُوجِبٍ؛ كحُسْنِ ظَنِّهِ بِمَن قَلَّدَهُ فيه. قلتُ: مرادُه (بالموجِبِ) ما كانَ عن بُرْهَانٍ حِسِّيٍّ أو عقليٍّ أو مُرَكَّبٍ مِنهما، واعتقادُ المُقَلِّدِ خارِجٌ عن ذلك، ولهذا قالَ في (المَطَالِبِ العالِيَةِ): أمَّا التقليدُ فهو أنْ يَعْتَقِدَ الإنسانُ اعتقاداً جازِماً في الشيءِ من غيرِ دليلٍ ولا شُبْهَةٍ. وقولُه: إنَّه يَخْرُجُ به علمُ الخلافِ. أي: فإنَّ الخلافِيَّ يقولُ: يَجِبُ بالمُقْتَضِي ولا يَجِبُ بالنافِي، بلا تَعْيِينٍ للمُقْتَضِي ولا للنافي، فغيرُ سَدِيدٍ؛ لأنَّ قولَ المُسْتَدِلِّ بالمُقْتَضِي أو النافي لا يُفِيدُ شَيْئاً إنْ لم يُعَيِّنْهُما، ثمَّ الظاهرُ أنَّ المرادَ به في كلامِهِ مُقْتَضٍ ونافٍ معهودٌ، فلم يَخْرُجْ عن التفصيلِ، فكانَ الصوابُ الاقتصارَ على (أَدِلَّتِهَا) من غيرِ وَصْفِها (بالتفصيليَّةِ)؛ لِئَلاَّ يُتَوَهَّمَ أنَّه قيدٌ زائدٌ.

стр. 41

ص: (والحُكْمُ: خِطَابُ اللهِ تعالَى المُتَعَلِّقُ بفعلِ المكلَّفِ مِن حيثُ إنَّه مُكَلَّفٌ). ش: لَمَّا عَرَّفَ الفِقْهَ بالحُكْمِ، وَجَبَ تعريفُ الحكمِ، والألِفُ واللامُ فيه للعَهْدِ؛ أي: الشرعيُّ؛ لِيُحْتَرَزَ به عن العقليِّ، وبهذه القَرِينَةِ اسْتَغْنَى المُصَنِّفُ عن التقييدِ. فالخِطَابُ: جِنْسٌ، والمرادُ به: ما وُجِّهَ من الكلامِ نحوَ الغيرِ لإفادتِهِ، وبإضافتِه إلى اللهِ تعالَى يَخْرُجُ خِطَابُ غيرِه. واسْتَغْنَى عن تَقْيِيدِهِ بالقديمِ؛ لأنَّ كلامَه قديمٌ. و (المُتَعَلِّقُ بفعلِ

стр. 42

المكلَّفِ) يُخْرِجُ أربعةَ أشياءَ: ما تَعَلَّقَ بذاتِهِ، نحوُ: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾، وبفعلِهِ، نحوُ: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وبالجماداتِ نحوُ: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾، وبذواتِ المُكَلَّفِينَ، نحوُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾. وإنَّما أَفْرَدَ المُكَلَّفَ ولم يَجْمَعْهُ؛ لِئَلاَّ يَرِدَ عليه ما يَتَعَلَّقُ بمُكَلَّفٍ واحدٍ؛ كخَوَاصِّ النبيِّ ﷺ . وقولُه: (من حيثُ إنَّه مُكَلَّفٌ) يُخْرِجُ ما تَعَلَّقَ بفِعْلِ المُكَلَّفِ، لا مِن حيثُ تكليفُه؛ كخبرِ اللهِ عن أفعالِ المكلَّفِينَ، نحوُ: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، فقولُه: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بعملِ المكلَّفِ، لا مِن حيثُ فِعْلُه؛ بدليلِ أنَّه يَعُمُّ المُكَلَّفَ وغيرَه، بل مِن حيثُ إنَّه مخلوقٌ للهِ تعالَى، وليسَ ذلك حُكْماً شرعيًّا، بل هو مِن بابِ العقائدِ، لا الأحكامِ. وكذا قولُه ﵊: ((صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الرِّزْقِ)) وغيرُه. وهذا القيدُ مُغْنٍ عن قولِ البَيْضَاوِيِّ: بالاقتضاءِ أو التخييرِ. وهو يُفْهِمُ اختصاصَ التعلُّقِ بوجهِ التكليفِ، لا يقالُ: فحينَئذٍ يَخْرُجُ ما سِوَى الإيجابِ والحَظْرِ، من الندبِ والإباحةِ والكراهةِ وخلافِ الأَوْلَى؛ لأنَّا نقولُ: هذه تَخُصُّ أفعالَ المُكَلَّفِينَ. وقولُ الفقهاءِ: (الصبيُّ يُثَابُ ويُنْدَبُ له) كلُّه على سبيلِ

стр. 43

التجَوُّزِ عندَ الأُصُولِيِّينَ، فلا يكونُ نَدْبٌ ولا كراهةٌ إلاَّ في فِعْلِ المكلَّفِ، وهذا أمرٌ مفروغٌ منه عندَ الأُصُولِيِّينَ، نَبَّهُوا عليه بقولِهِم: المُتَعَلِّقُ بأفعالِ المكلَّفِينَ. كذا قالَه المصنِّفُ، وسَبَقَه إليه الهِنْدِيُّ، فقالَ: الدليلُ على أنَّه لا يَتَعَلَّقُ بفعلِ الصبيِّ حُكْمٌ شرعيٌّ, الإجماعُ؛ فإنَّ الأُمَّةَ أَجْمَعَتْ على أنَّ شرطَ التكليفِ العقلُ والبلوغُ، وإذا انْتَفَى التكليفُ عنهم؛ لِفَقْدِ شَرْطِهِ، انْتَفَى الحكمُ الشرعيُّ عن أفعالِهم، والمعنى مِن تَعَلُّقِ الضمانِ بإتلافِ الصبِيِّ أمرُ الولِيِّ بإخراجِهِ من مالِهِ. وقالَ الشيخُ تَقِيُّ الدينِ: عَبَّرَ بعضُهم بأفعالِ العبادِ؛ لِيَشْمَلَ الضمانَ المُتَعَلِّقَ بِفِعْلِ الصبِيِّ والمجنونِ. ومَنِ اعْتَبَرَ التكليفَ، رَدَّ ذلك الحُكْمَ إلى الوَلِيِّ، وتكليفُه بأداءِ قَدْرِ الواجِبِ. قلتُ: وكذا القولُ في إتلافِ البَهيمةِ ونحوِهِ؛ فإنَّه حُكْمٌ شرعيٌّ، وليسَ مُتَعَلِّقاً بفعلِ المكلَّفِ، والحاصلُ رَدُّهُ إلى التعلُّقِ بفعلِ المكلَّفِ، إلاَّ أنَّ التَّعَلُّقَ تارَةً يكونُ بواسطةٍ، وتَارَةً يكونُ بغيرِ واسطةٍ، وكذا القولُ فيما يَثْبُتُ بِخِطَابِ الوضعِ على أحدِ الأقوالِ؛ فإنَّ الزوالَ سببٌ لوجوبِ الصلاةِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بفعلِ مُكَلَّفٍ؛ إذ مُوجِبُهُ وُجُوبُ الصلاةِ، لا أنَّه بِوَاسِطَةٍ، وقد أُورِدَ على المصنِّفِ أنَّه كانَ يَنْبَغِي أنْ يَزِيدَ: به، فيقولَ: مِن حيثُ إنَّه مُكَلَّفٌ به؛ لأنَّ الخطابَ من الشارِعِ لا يكونُ إلاَّ معَ المُكَلَّفِ، لا معَ الصبيِّ والمجنونِ، وأجابَ بأنه لو قالَ: به، لاقْتُضِيَ أنَّ المُكَلَّفَ لا يُخَاطَبُ إلاَّ بما هو مُكَلَّفٌ به، وليسَ كذلكَ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ مُخَاطَبٌ بما كَلَّفَ به الأُمَّةَ، بمعنى تَبْلِيغِهم، وكذا جميعُ المُكَلَّفِينَ بفرضِ الكفايةِ، وإنْ كانَ المكلَّفُ به بعضَهم، لا

стр. 44

الكلَّ، على المختارِ. ولقائلٍ أنْ يقولَ: لا نُسَلِّمُ امتناعَ كونِ المكلَّفِ لا يُخَاطَبُ إلاَّ بما كُلِّفَ به؛ فإنَّ سائرَ التكليفاتِ كذلك، ولا يَرِدُ عليه تكليفُ النبيِّ ﷺ بالتبليغِ دونَ العملِ؛ فإنَّه لم يُكَلَّفْ إلاَّ بالتبليغِ، ولا يَضُرُّ تَعَلُّقُ التكليفِ بغيرِهِ مِن جِهَةٍ أُخْرَى، فصَدَقَ قَوْلُنا: إنَّه لم يُخَاطَبْ إلاَّ بما هو مُكَلَّفٌ به، ويَبْقَى سؤالُ المُعْتَرِضِ وتنظيرُه بفرضِ الكفايةِ عجيبٌ؛ فإنَّ كونَ الجميعِ مُخَاطَبِينَ معَ القولِ بأنَّ المكلَّفَ بعضُهم - مِمَّا لا يُمْكِنُ، والأَوْلَى أنْ يُقالَ: لو قالَ: به، لاقْتَضَى أنَّ المكلَّفَ لا يُخَاطَبُ إلاَّ بما كُلِّفَ به، وليسَ كذلك؛ فإنَّ المندوبَ والمكروهَ والمباحَ مُخَاطَبٌ بها، معَ أنَّه غيرُ مكلَّفٍ بها؛ على ما اخْتَارَهُ المصنِّفُ فيما سيأتِي، ولا تكليفَ في الحقيقةِ إلاَّ بالواجبِ والمحظورِ، فوَجَبَ حذفُ (به) لِيَتَنَاوَلَ جميعَ الأحكامِ المخاطَبِ بها؛ مُكَلَّفاً به وغيرَ مكلَّفٍ به. فائدةٌ: قولُه: (مِن حيثُ إنَّه) بكسرِ الهمزةِ، ثَمَّ، وقد أُولِعَ الفقهاءُ بالفتحِ، وعُدَّ مِن اللَّحْنِ، لكِنْ يَجِيءُ على رأيِ الكِسَائِيِّ في إضافةِ حيثُ إلى المفردِ. ص: (ومِن ثَمَّ لا حُكْمَ إلاَّ للهِ). ش: هذه المسألةُ فرعٌ لِمَا سَبَقَ، ولهذا قالَ: (ومِن ثَمَّ) وهي هنا للمكانِ المجازيِّ؛ أي: مِن أجلِ أنَّ الحُكْمَ خِطابُ اللهِ، وحيثُ لا خِطابَ لا حُكْمَ، فعُلِمَ أنه لا حُكْمَ إلاَّ للهِ، خِلافاً للمعتزلةِ في دَعْوَاهُم أنَّ العقلَ يُدْرِكُ الحكمَ بالحُسْنِ والقُبْحِ، فهو عندَهم طريقٌ إلى العلمِ بالحُكْمِ الشرعيِّ.

стр. 45

فائدةٌ: قالَ الراغِبُ: (ثَمَّ) إشارةٌ إلى المُتَبَعِّدِ من المكانِ، و (هناكَ) للمُتَقَرِّبِ، وهما ظرفانِ في الأصلِ، وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ فهو في موضعِ المفعولِ. انْتَهَى. وقولُه: إنَّ (هناكَ) للمتقرِّبِ. خلافُ المشهورِ، وقولُه: إنَّها في الآيةِ مفعولٌ. مردودٌ؛ لأنَّه ظرفٌ لا يَنْصَرِفُ. ص: (والحَسَنُ والقَبيحُ بمعنى مُلاَءَمَةِ الطبعِ ومُنَافَرَتِهِ، وصفةِ الكمالِ والنقصِ -عقليٌّ، وبمعنَى تَرَتُّبِ الذمِّ عاجِلاً والعِقابِ آجِلاً -شَرْعِيٌّ، خِلافاً للمعتزلةِ). ش: الحُسْنُ والقُبْحُ يُطْلَقُ بثلاثِ اعتباراتٍ. أَحَدُهما: ما يُلائِمُ الطَّبْعَ ويُنَافِرُه؛ كإنقاذِ الغريقِ واتِّهَامِ البَرِيءِ. والثاني: صِفَةُ الكمالِ والنقصِ؛ كقولِنا: العلمُ حَسَنٌ، والجهلُ قبيحٌ. وهو بهذيْنِ الاعتباريْنِ عقليٌّ بلا خلافٍ؛ إذ العقلُ مُسْتَقِلٌّ بإدراكِ الحُسْنِ والقُبْحِ منهما، فلا حَاجَةَ في إِدْرَاكِهِما إلى الشرعِ. والثالثُ: ما يُوجِبُ المَدْحَ أو الذمَّ الشرعيَّ عاجلاً، والثوابَ أو العقابَ آجِلاً، فهو مَحَلُّ النِّزَاعِ.

стр. 46

فالمُعْتَزِلَةُ قالُوا: هو عقليٌّ أيضاًً، يَسْتَقِلُّ العقلُ بإدراكِهِ دونَ الشرعِ؛ إمَّا لذاتِ الفعلِ، أو لصفةٍ عائدةٍ إلى الأحكامِ، أو لِوُجُوهٍ واعتباراتٍ على خلافٍ لهم، وأهلُ السنَّةِ قالُوا: هو شرعيٌّ؛ أي: لا يُعْلَمُ استحقاقُ المدحِ أو الذمِّ، ولا الثوابِ أو العقابِ شَرْعاً على الفعلِ، إِلاَّ مِن جِهَةِ الشرعِ. ومِن المُحَقِّقِينَ مَن رَدَّ هذا القِسْمَ إلى الأوَّلِ، وقالَ: إنَّه في الحقيقةِ راجِعٌ إلى الألَمِ واللَّذَّةِ؛ ولهذا سَلَّمَ الرَّازِيُّ في آخِرِ عُمُرِهِ ما ذَكَرَه في كِتَابِهِ (نِهَايَةِ العقولِ): أنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ العَقْلِيَّيْنِ ثابتانِ في أفعالِ العبادِ؛

стр. 47

إذ كانَ معناهما يَؤُولُ إلى اللَّذَّةِ والأَلَمِ. تَنبيهاتٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُعْتَزِلَةَ لا يُنْكِرُونَ أنَّ اللهَ تعالَى هو الشارِعُ للأحكامِ، وإنما يقولون: إنَّ العقلَ يُدْرِكُ أنَّ اللهَ شَرَعَ أحكامَ الأفعالِ بِحَسَبِ ما يَظْهَرُ مِن مَصَالِحها ومَفَاسِدِها، فهو طريقٌ عندَهم إلى العلمِ بالحكمِ الشرعيِّ، والحكمُ الشرعيُّ تابعٌ لهما، لا عَيْنُهما، فما كانَ حَسَناً جَوَّزَهُ الشرعُ، وما كانَ قَبِيحاً مَنَعَه، فصارَ عندَ المُعْتَزِلَةِ حُكْمَانِ: أَحَدُهما: عقليٌّ، والآخرُ شرعيٌّ تابعٌ له، فبانَ أنَّهم لا يقولون: إنَّه - يعني العقابَ والثوابَ - ليسَ بشرعيٍّ أَصْلاً، خِلافاً لِمَا تُوهِمُهُ عبارةُ المصنِّفِ وغيرِهِ. الثاني: ما اقْتَصَرَ عليه المصنِّفُ من حكايةِ قَوْلَيْنِ هو المشهورُ، وتَوَسَّطَ قومٌ فقالوا: قُبْحُها ثابتٌ بالعقلِ، والعقابُ يَتَوَقَّفُ على الشرعِ، وهو الذي ذَكَرَه سعدُ بنُ عَلِيٍّ الزَّنْجَانِيُّ مِن أَصْحَابِنا، وأبو الخَطَّابِ من الحنابلةِ، وذَكَرَه

стр. 48

الحَنَفِيَّةُ، وحَكَوْهُ عن أبي حَنِيفَةَ نَصًّا، وهو المنصورُ؛ لِقُوَّتِهِ مِن حيثُ الفِطْرَةُ وآياتُ القرآنِ المجيدِ وسلامتُهُ مِن الوَهَنِ والتناقُضِ، فههنا أمرانِ: أحدُهما: إدراكُ العقلِ حُسْنَ الأشياءِ وقُبْحَها. والثاني: أنَّ ذلك كافٍ في الثوابِ والعقابِ، وإنْ لم يَرِدْ شَرْعٌ، ولا تَلاَزُمَ بينَ الأمريْنِ؛ بدليلِ قولِهِ تعالَى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾؛ أي: بِقَبِيحِ فِعْلِهِم، ﴿وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾؛ أي: لم تَاتِهِم الرسُلُ والشرائِعُ، ومِثْلُه: ﴿وَلَوْلاَ أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: من القبائِحِ، ﴿فَيَقُولُونَ رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾. الثالِثُ: إنَّما ذَكَرَ المُصَنِّفُ الذمَّ والعِقَابَ وأَهْمَلَ المَدْحَ والثوابَ؛ لِتَلاَزُمِهِمَا نَفْياً

стр. 49

وإِثْبَاتاً، وخَصَّ الذَّمَّ والعقابَ بالذِّكْرِ؛ لأنَّه على أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ، لا يَتَخَلَّفُ ولا يَقْبَلُ المزيدَ، بخلافِ الأجرِ والثوابِ؛ فإنَّه قابلٌ للزيادةِ، فعَبَّرَ بما يُنَاسِبُ أُصُولَ الخُصُومِ، ومرادُهُ بِتَرَتُّبِ العِقابِ نَصُّ الشارعِ عليه، وهو لا يُنَافِي جوازَ العفوِ، ولو قالَ: كونُه مُتَعَلِّقَ العِقَابِ، لكانَ أحسنَ. فإنْ قُلْتَ: كيفَ قالَ: عقليٌّ وشرعيٌّ والمبتدأُ اثنانِ، والخبرُ يَجِبُ مطابقتُه للمبتدأِ؟ قلتُ: يَجُوزُ أنْ يكونَ الخبرُ حُذِفَ أحدُ جُزْأَيْهِ؛ أي: كلاهما عَقْلِيٌّ، أو هو خبرٌ عن الثاني، وحُذِفَ من الأوَّلِ لِدَلالتِه عليه. ويَجُوزُ في انتصابِ قولِهِ: (خِلافاً) وجهانِ: أَحَدُهما: أنْ يكونَ مصدراً، والثاني: أنْ يكونَ حَالاً؛ أي: أقولُ ذلك خِلافاً لهم؛ أي: مُخَالِفاً، واسْتَحْضِرْ هذا في كلِّ موضعٍ ذُكِرَ فيه هذا. وكذا قولُهم: وِفَاقاً. ص: (وشُكْرُ المُنْعِمِ واجبٌ بالشرعِ، لا بالعقلِ، خِلافاً للمعتزلةِ). ش: عادَةُ الأُصُولِيِّينَ أنْ يَذْكُرُوا بعدَ هذا الأصلِ فرعيْنِ على طريقِ التنَزُّلِ، فتَابَعَهُمُ المصنِّفُ. أحدُهما: شُكْرُ المُنْعِمِ غيرُ واجبٍ عقلاً؛ لأنَّه لو وَجَبَ عَقْلاً، لَعُذِّبَ تَارِكُه قبلَ الشرعِ، لكنَّه لا يُعَذَّبُ؛ لقولِهِ تعالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾؛

стр. 50

فإنَّه نَفَى التعذيبَ مُطْلقاً إلى البَعْثَةِ، فإنْ قِيلَ: التعذيبُ ليسَ بلازمٍ لِتَرْكِ الواجِبِ؛ لِجَوازِ العفوِ. قلنا: تَرْكُ الواجبِ يَلْزَمُهُ التعذيبُ قبلَ التوبةِ عندَهم، والعفوُ غيرُ جائزٍ قبلَها. فإنْ قيلَ: كيفَ يُسْتَدَلُّ عليهم بالآيةِ، والتفريعُ على تسليمِ الحُسْنِ والقُبْحِ العقلِيَّيْنِ. قيلَ: لأنَّ عندَهم لا يَجُوزُ وُرُودُ الشرعِ بِخِلافِ العقلِ، فصَارَتِ المُعْتَزِلَةُ إلى وُجُوبِهِ بالعقلِ، وأَوْرَدَ عليهم الشيخُ أبو إسحاقَ الشِّيرازِيُّ في كتابِهِ (الحُدُودِ) مُنَاقَضَةً؛ فإنَّهم قالُوا: يَجِبُ على اللهِ أنْ يُثِيبَ المُطِيعِينَ، وأنْ يُنْعِمَ على الخَلْقِ، وإذا كانَ الثوابُ وَاجِباً، فلا معنى للشكرِ؛ لأنَّ مَن قَضَى دَيْنَه فلا يَسْتَحِقُّ الشكرَ، ففي الجمعِ بينَ هذيْنِ القوليْنِ تناقُضٌ. ص: (ولا حُكْمَ قبلَ الشرعِ، بل الأمرُ موقوفٌ إلى وُرُودِهِ).

стр. 51

ش: الفرعُ الثاني في حكمِ الأشياءِ قبلَ الشرعِ، وقد ذَهَبَ أَئِمَّتُنا إلى أنَّه لا حُكْمَ فيها؛ فإنَّ الحكمَ عندَهم عبارةٌ عن الخِطابِ؛ كما تَقَدَّمَ، والأحكامُ هي نَفْسُ الشريعةِ، فلا تَثْبُتُ الشريعةُ قبلَ ثُبُوتِها، ثمَّ ظاهرُ كلامِ المصنِّفِ انتفاءُ الحُكْمِ نفسِه؛ أي: أنَّ الحكمَ مُنْتَفٍ ما لم تَرِدِ البَعْثَةُ، وهو ما قالَه النَّوَوِيُّ في (شرحِ المُهَذَّبِ): إِنَّه الصحيحُ عندَ أَصْحَابِنا. وقيلَ: المرادُ عَدَمُ العِلْمِ بالحُكْمِ؛ أي: أنَّ لهما حُكْماً قبلَ وُرُودِ الشرعِ، لكِنَّا لا نَعْلَمُهُ، قالَ البيضاويُّ: وهذا مرادُ الشيخِ بالوقفِ في هذه المسألةِ؛ لأنَّ الحكمَ عندَه قديمٌ، فتفسيرُ الوقفِ بعدمِ الحكمِ يَلْزَمُ منه حدوثُ الحكمِ، وهو خلافُ مَذْهَبِهِ. والصوابُ ما جَرَى عليه المصنِّفُ؛ فإنَّه المنقولُ. وقد قالَ القاضي أبو بَكْرٍ في (مُخْتَصَرِ التقريبِ): صارَ أهلُ الحقِّ إلى أنَّه لا حُكْمَ قبلَ وُرُودِ الشرعِ. وعَبَّرُوا عن نَفْيِ الأحكامِ بالوقفِ، ولم يُرِيدُوا بذلكَ الوقفِ الذي

стр. 52

يكونُ حُكْماً في بعضِ مسائلِ الشرعِ، وإنَّما عَنَوْا به انتفاءَ الأحكامِ، وذَكَرَ مِثْلَه الإمامُ في (البُرْهَانِ) والغزاليُّ وابنُ السمعانِيِّ وغيرُهم من الأصحابِ، وإنما قالَ المصنِّفُ: بل الأمرُ موقوفٌ إلى وُرُودِهِ؛ دَفْعاً لِتَوَهُّمِ مَن ظَنَّ أنَّ القولَ بالوقفِ غيرُ القولِ بنفيِ الأحكامِ، وليسَ كذلك، بل مُرَادُهم بالوقفِ أنَّ الأمرَ موقوفٌ على وُرُودِ الشرعِ، وأنَّ الحكمَ مُنْتَفٍ ما لم يَرِدِ الشرعُ. ص: (وحَكَّمَتِ المُعْتَزِلَةُ العقلَ، فإنْ لم يَقْضِ فثَالِثُها لهم: الوقفُ عن الحَظْرِ والإِبَاحَةِ). ش: هذا من المصنِّفِ تحريرٌ لنقلِ مذهبِ الاعتزالِ؛ فإنَّ الإمامَ الرَّازِيَّ عَمَّمَ الخلافَ عنهم في جميعِ الأفعالِ، وليسَ كذلك، بل الأفعالُ الاختياريَّةُ عندَهم تَنْقَسِمُ إلى ما يَقْضِي العقلُ فيها بِحُسْنٍ أو قُبْحٍ، فيُتَّبَعُ فيها حُكْمُ العقلِ، وتَنْقَسِمُ إلى الأحكامِ الخمسةِ بِحَسَبِ تَرَجُّحِ الحُسْنِ أو القُبْحِ وتَعَادُلِهِما، ولا خِلافَ عندَهم في هذا، وإليه أشارَ بقولِهِ: (وحَكَّمَتِ المُعْتَزِلَةُ العقلَ)؛ أي: فيما يَقْضِي فيه العقلُ، ودَلَّ

стр. 53

عليه قولُه بعدَه: (فإنْ لم يَقْضِ)، وإنَّما الخلافُ فيما لا يَقْضِي العقلُ فيه بِحُسْنٍ ولا قُبْحٍ؛ كفُضُولِ الحاجاتِ والتنَعُّمَاتِ هل هو واجبٌ أو مُبَاحٌ أو الوَقْفُ؟ ثلاثةُ مذاهبَ، والقائلون بالحَظْرِ - كما قالَه ابنُ التِّلِمْسَانِيِّ - لا يُرِيدُونَ به باعتبارِ صفةٍ في المَحَلِّ، بل حَظْرٌ احتياطيٌّ، كما يَجِبُ اجتنابُ المنكوحةِ إذا اخْتَلَطَتْ بأجنبيَّةٍ، والقائلونَ بالوقفِ أرادوا وقفَ حِيرَةٍ. وطريقُ البحثِ معَهم في هذه المسألةِ والتي قبلَها: أنَّ كلَّ احتمالٍ عَيَّنُوه، وبَنَوْا عليه حُكْماً قابَلْنَاهُم بِنَقِيضِهِ، فنُعَارِضُ شُبَهَ القائلينَ بالإباحةِ بِشُبَهِ القائلينَ بالحَظْرِ، وشُبَهَ الواقفينَ بِشُبَهِهِمَا. تنبيهاتٌ: الأوَّلُ: تحريرُ النقلِ عنهم هكذا تَابَعَ فيه الآمِدِيَّ، قالَ القَرافِيُّ: وإطلاقُ الإمامِ الخلافَ عنهم يُنَافِي قواعدَهم؛ فإنَّ القولَ بالحَظْرِ مُطْلَقاً يَقْتَضِي تحريمَ إنقاذِ الغَرِيقِ ونحوِهِ، والقولُ بالإباحةِ مُطْلَقاً يَقْتَضِي إباحةَ القتلِ والفسادِ، أمَّا ما لم يَطَّلِعِ العقلُ على مَفْسَدَتِه أو مَصْلَحَتِهِ فيُمْكِنُ أنْ يَجِيءَ فيه الخلافُ. قالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ كلامَ أبي الحُسَيْنِ في (المُعْتَمَدِ) وقد حَكَى عن شِيعَةِ المُعْتَزِلَةِ الخلافَ مُطْلَقاً من غيرِ تَقْيِيدٍ، وهو أعلمُ بِمَذْهَبِ القومِ، فرَجَعْتُ إلى طريقةِ الإمامِ. الثاني: قولُه: (وحَكَّمَتِ المعتزلةُ العقلَ) يَقْتَضِي أنَّ مَذْهَبَهم أنَّ العقلَ مُنْشِئُ الحكمِ مُطْلَقاً، وليسَ كذلك، بل التحقيقُ في النقلِ عنهم أنَّهم قالُوا: الشرعُ مُؤَكِّدٌ لحكمِ العقلِ فيما أَدْرَكَهُ مِن حُسْنِ الأشياءِ وقُبْحِها؛ كحُسْنِ الصدقِ النافعِ والإيمانِ،

стр. 54

وقبحِ الكَذِبِ الضارِّ والكُفرانِ، وليسَ مُرَادُهُم أنَّ العقلَ يُوجِبُ أو يُحَرِّمُ، وقد لا يَسْتَقِلُّ بذلك، بل يُحْكَمُ به بواسطةِ وُرُودِ الشرعِ بالحُسْنِ والقُبْحِ؛ كحُكْمِهِ بِحُسْنِ الصلاةِ في وقتِ الظهرِ وقُبْحِها في وقتِ الاستواءِ. الثالِثُ: يَتَبَادَرُ الذِّهْنُ إلى استشكالِ قولِ المصنِّفِ (لهم)؛ فإنَّ الخِلافَ أيضاًً يُحْكَى عن جماعةٍ مِن أصحابِنا؛ كابنِ أبي هُرَيْرَةَ وغيرِهِ، والذي فَعَلَه المصنِّفُ هو الصوابُ؛ لأنَّ الخلافَ المَحْكِيَّ عن أصحابِنا في ذلك إنما هو لِمُقْتَضَى الدليلِ الشرعيِّ الدالِّ على ذلكَ بعدَ مَجِيءِ الشرعِ، لا بِمُجَرَّدِ العقلِ، وليسَ خِلافُهم في أصلِ التحسينِ والتقبيحِ بالعقلِ، وصارَ الفرقُ بينَهم وبينَ أصحابِنا في هذا الخلافِ مِن ثلاثةِ أوجهٍ: أَحَدُها: أنَّهم خَصُّوا هذه الأقوالَ بما لا يَقْضِي العقلُ فيه بِحُسْنٍ ولا قُبْحٍ، وأمَّا ما يَقْضِي فيَنْقَسِمُ إلى الأحكامِ الخمسةِ؛ ولهذا نَسَبَهُم أصحابُنا إلى التناقُضِ في

стр. 55

قولِ مَن رَجَّحَ الإباحةَ أو الحَظْرَ؛ لأنَّ ذلك عندَهم يَسْتَنِدُ إلى دليلِ العقلِ، وفَرْضُ المسألةِ فيما لم يَظْهَرْ للعقلِ حُسْنُهُ ولا قُبْحُهُ، وأمَّا أصحابُنا فأقوَالُهُم في جميعِ الأفعالِ، هذا على طريقةِ الآمِدِيِّ ومَن تَابَعَهُ. والثاني: أنَّ مُعْتَمَدَهُم دليلُ العقلِ، ومُعْتَمَدُ أصحابِنا الدليلُ الشرعيُّ؛ إمَّا على التحريمِ؛ لقولِهِ تعالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾. ومفهومُه أنَّ المتقدِّمَ قبلَ الحِلِّ هو التحريمُ، فدَلَّ على أنَّ حُكْمَ الأشياءِ كلِّها على الحَظْرِ، وإمَّا على الإباحةِ؛ لِقَوْلِهِ تعالَى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾، وقولِهِ تعالَى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾؛ وذلك يَدُلُّ على الإذنِ في الجميعِ، وأمَّا الوقفُ فلِتَعَارُضِ الأدِلَّةِ، فهذه المَدَارِكُ الشرعيَّةُ الدالَّةُ على الحالِ قبلَ وُرُودِ الشرائِعِ، فلو لم تَرِدْ هذه النصوصُ لقالَ الأصحابُ: لا عِلْمَ لنا بتحريمٍ ولا إباحةٍ، ولقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُدْرِكُ عِنْدَنا العَقْلُ، فلا يَضُرُّ عدمُ ورودِ الشرائِعِ. والثالثُ: أنَّ الوَاقِفِينَ أَرَادُوا وَقْفَ حِيرَةٍ؛ كما قَالَه ابنُ التِّلِمْسَانِيِّ، وأمَّا أَصْحَابُنا فأَرَادُوا به انتفاءَ الحكمِ على ما سَبَقَ. ص: (والصوابُ: امتناعُ تكليفِ الغافلِ والمُلْجَأِ، وكذا المُكْرَهُ على الصحيحِ، ولو على القتلِ، وأَثِمَ القاتِلُ؛ لإيثارِهِ نفسَه. ش: فيه مسائلُ: أحَدُها: يَمْتَنِعُ تكليفُ الغافِلِ؛ كالنائِمِ والناسِي؛ لِمُضَادَّةِ هذه الأمورِ الفَهْمَ،

стр. 56

فيَنْبَغِي شرطُ صِحَّةِ التكليفِ، ولا يَرِدُ ثُبُوتُ الأحكامِ في أفعالِهِ في الغَفْلَةِ والنومِ؛ لأنَّ ذلك من قَبِيلِ رَبْطِ الأحكامِ بالأسبابِ، وقالَ القَفَّالُ: إِنَّمَا طَلَبَ منه سُجُودَ السهوِ، ووَجَبَتِ الكَفَّارَةُ على المُخْطِئِ؛ لكونِ الفعلِ في نفسِهِ مُحَرَّماً مِن حيثُ إنَّه محظورٌ عَقْدُه، لا إِنَّه في نَفْسِهِ غيرُ مَنْهِيٍّ عنه في هذه الحالةِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُهُ التحفُّظُ منه، وتعبيرُ المصنِّفِ بـ (الصوابِ) يُشْعِرُ بأنَّ مُقَابِلَه قَوْلٌ مُزَيَّفٌ، وإليهِ أشارَ في (المِنْهَاجِ) بقولِهِ: بِنَاءً على التكليفِ بالمُحَالِ. أي: فإنْ مَنَعْنَاهُ فهَهُنا أَوْلَى، وإنْ جَوَّزْنَاهُ فللأَشْعَرِيِّ هنا قَوْلانِ، نَقَلَهُما ابنُ التِّلِمْسَانِيِّ وغيرُه. قالُوا: والفرقُ أنَّ

стр. 57

للتكليفِ هناكَ فائدةً، وهي الابتلاءُ، وهنا لا فائدةَ له، لكِنْ نَقَلَ ابنُ بُرهانَ في (الأوسطِ) عن الفقهاءِ أنَّه يَصِحُّ تكليفُ الغافلِ على معنَى ثُبُوتِ الفِعْلِ في الذمَّةِ، وعن المُتَكَلِّمِينَ المَنْعُ؛ إذ لا يُتَصَوَّرُ ذلك عندَهم. وقد يُظَنُّ أنَّ الشافعيَّ يَرَى تكليفَ الغافلِ مِن نَصِّهِ على تكليفِ السَّكْرَانِ، وهو فاسدٌ؛ فإنَّه إنما كَلَّفَ السكرانَ عُقُوبَةً له؛ لأنَّه تَسَبَّبَ بِمُحَرَّمٍ حَصَلَ باختيارِهِ؛ ولهذا وَجَبَ عليه الحَدُّ، بخلافِ الغافِلِ.

стр. 58

الثانيةُ: يَمْتَنِعُ تكليفُ المُلْجَأِ أيضاًً، والمرادُ به مَن لا يَجِدُ مَنْدُوحَةً على الفعلِ معَ حضورِ عَقْلِهِ، وذلك كمَن يُلْقَى من شاهِقٍ، فهو لا بُدَّ له من الوقوعِ، ولا اختيارَ له فيه، ولا هو بفاعلٍ له، وإنما هو آلةٌ مَحْضَةٌ كالسِّكِّينِ في يدِ القاطِعِ، فلا يُنْسَبُ إليه فِعْلٌ، وحَرَكَتُه كحركةِ المُرْتَعِشِ، وسِيَاقُ المُصَنِّفِ يَقْتَضِي حكايةَ خلافٍ في هذه الحالةِ، وكلامُ الآمِدِيِّ في (الإحكامِ) يُشِيرُ إليه؛ بِناءً على جوازِ تكليفِ ما لا يُطَاقُ عقلاً، وإنِ امْتَنَعَ سَمْعاً. الثالثةُ: يَمْتَنِعُ تكليفُ المُكْرَهِ، والمرادُ به مَن يُنْسَبُ إليه الفعلُ، فيقالُ: فَعَلَ مُكْرَهاً غيرَ مُخْتَارٍ، وهو مَن لا يَجِدُ مَنْدُوحَةً عن الفعلِ إلاَّ بالصبرِ على إيقاعِ ما أُكْرِهَ به، كمَن قالَ له قادرٌ على ما يَتَوَعَّدُ: اقْتُلْ زَيْداً وإلاَّ قَتَلْتُكَ. لا يَجِدُ مندوحةً عن قتلِهِ إلاَّ بتسليمِ نفسِه للهلاكِ، فهذا إقدامُه على قَتْلِ زيدٍ ليسَ كَوُقُوعِ الذي أُلْقِيَ مِن شاهِقٍ، وإنِ اشْتَرَكَا في عدمِ التكليفِ، لكِنَّ تكليفَ هذا المُكْرَهِ أَقْرَبُ مِن تكليفِ المُلْجَأِ، كما أنَّ تَكْلِيفَ المُلْجَأِ أَقْرَبُ من تكليفِ الغافلِ الذي لا يَدْرِي، فإذاً المَرَاتِبُ ثلاثةٌ كما رَتَّبَهَا المصنِّفُ: فأَبْعَدُها تكليفُ الغافِلِ؛ فإنَّه لا يَدْرِي. ويَتْلُوها: تَكْلِيفُ المُلْجَأِ؛ فإنَّه يَدْرِي، ولكِنْ لا مَنْدُوحَةَ له عن الفعلِ. ويَتْلُوها: المُكْرَهُ؛ فإنَّه يَدْرِي وله مَنْدُوحَةٌ عن الفعلِ، لكِنْ بطريقٍ تارَةً لم يُكَلِّفْهُ الشرعُ الصبرَ عليها؛ كما

стр. 59

في الإكراهِ على شُرْبِ الخَمْرِ وكَلِمَةِ الكُفْرِ، وتَارَةً قيلَ: إنَّه كَلَّفَه، كما في الإكراهِ على القتلِ، فيَعْتَقِدُ أكثرُ الفقهاءِ أنَّه كُلِّفَ الصبرَ على قتلِ نفسِه، والمختارُ عندَ المصنِّفِ أنَّه كُلِّفَ أنْ لا يُؤْثِرَ نفسَه على نفسِ غيرِ المكافِئِ له؛ لاسْتِوَائِهِما في نظرِ الشارعِ، فلَمَّا آثَرَ وأقدَمَ لمجرَّدِ حَظِّ نفسِه وَجَبَ عليه القِصاصُ في الأصحِّ، وأَثِمَ بلا خلافٍ، وهذا معنى قولِه: (ولو على القتلِ). وأمَّا قولُهُ: (وإثمُ القاتلِ) فهوَ جوابٌ عنْ سؤالٍ مُقَدَّرٍ؛ تقديرُهُ: إذَا كَانَ المُكْرَهُ غيرَ مُكَلَّفٍ، فَمَا بالُ المُكْرَهِ على القتلِ يَاثَمُ؟ وَأَجَابَ بأَنَّهُ لاَ يَاثَمُ مِنْ حَيثُ إِنَّهُ مُكْرَهٌ وَإِنَّهُ قَتَلَ؛ بَلْ مِنْ حَيثُ إِنَّهُ آثَرَ نَفْسَهُ على غيرِهِ. فَهُوَ ذُو وجهينِ: جِهَةُ الإكراهِ ولاَ إِثْمَ فيها، وجِهَةُ الإِيثَارِ ولاَ إِكْرَاهَ فيها، وَهَذَا لأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: اقْتُلْ زَيْداً وإِلاَّ قَتَلْتُكَ. فمعنَاهُ التخييرُ بينَ نَفْسِهِ وزيدٍ، فإذا آثَرَ نَفْسَهُ فقدْ أَثِمَ؛ لأَنَّهُ اختيارٌ، وهذا كَمَا يُقَالُ فِي خِصَالِ الكَفَّارَةِ: مَحِلُّ التخييرِ لاَ وُجُوبَ فِيهِ، وَمَحِلُّ الوجوبِ لاَ تخييرَ فِيهِ، فَكَذَا هُنَا، أَصْلُ القتلِ لاَ عِقَابَ فِيهِ، وَالْقَتْلُ المخصوصُ فِيهِ عِقَابٌ؛ لِتَضَمُّنِهِ الاختيارَ، وَهُوَ إِيثَارُ نَفْسِهِ عَلَى غَيْرِهِ. قالَ: وهذا تحقيقٌ حَسَنٌ، وبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لاَ استثناءَ لصورةِ القتلِ مِنْ قولِنَا: الْمُكْرَهُ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ. وقولُ الفقهاءِ: (١١ أ) الإِكْرَاهُ يُسْقِطُ أَثَرَ التصرفِ إِلاَّ في صُوَرٍ - إِنَّمَا ذَكَرُوهُ لِضَبْطِ تلكَ الصُّورَةِ؛ لاَ لأنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ حقيقتِهِ شَيءٌ.

стр. 60

تنبيهانِ: الأولُ: مَا اخْتَارَهُ المُصَنِّفُ هُنَا مِنَ امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ، خِلاَفَ مَا عَلَيْهِ الأصحابُ، وَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ آخِراً وَوَافَقَ الأَشْعَرِيَّةَ عَلَى جَوَازِ تَكْلِيفِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَاقِعٍ. قالَ ابنُ بُرْهَانَ في (الأَوْسَطِ): المُكْرَهُ عِنْدَنَا مُخَاطَبٌ بالفعلِ الذِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، قالَ: وَانْعَقَدَ الإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِهِ مُخَاطَباً بِمَا عَدَا مَا أُكْرِهَ عَلَيهِ مِنَ الأَفْعَالِ، وَنَقَلَ عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ: أَنَّ الْمُكْرَهَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ، وَهَذَا خَطَأٌ في النَّقْلِ عَنْهُمْ؛ بَلْ عِنْدَهُمْ إِنَّهُ مُخَاطَبٌ، إِلاَّ أَنَّ العلماءَ رَأَوا فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ الْمُلْجَأَ ليسَ بِمُخَاطَبٍ، فَظَنُّوا أَنَّ الْمُلْجَأَ والْمُكْرَهَ وَاحِدٌ، وليسَ كَذَلِكَ. انتهَى. وَكَانَ حَقُّ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: بِمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، لِيُخْرِجَ الصُّورَةَ التِي حَكَى ابنُ بُرْهَانَ فِيهَا الإجماعَ، وَكأنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ؛ لأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، لَيْسَ بِمُكْرَهٍ. الثَّانِي: مَا اخْتَارَهُ فِي القَاتِلِ، هُوَ بِظَاهِرِهِ مُصَادِمٌ للإِجْمَاعِ، فِفِي (التَّلْخِيصِ) لإمامِ الحرمينِ: أَجْمَعَ العُلَمَاءُ قَاطِبَةً عَلَى تَوْجِيهِ النَّهْي عَلَى المُكْرَهِ عَلَى القتلِ، وَهَذَا عَيْنُ التَّكْلِيفِ فِي حَالِ الإِكْرَاهِ، وَهُوَ مِمَا لاَ مَنْجَى مِنْهُ. انتهَى. وَقَالَ الشيخُ فِي (شَرْحِ اللُّمَعِ): انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ المُكْرَهَ عَلَى القتلِ مأمورٌ باجتنابِ القتلِ، وَدَفْعِ المُكْرَهِ عَنْ نَفْسِهِ، وإِنْ أَثِمَ بِقَتْلِ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى قتلِهِ، وَذَلِكَ يَدْلُّ عَلَى أَنَّهُ مُكَلَّفٌ حَالَ الإِكْرَاهِ. وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ الغزاليُّ وَغيرُهُ، وَاقْتَضَى كلامُهُمْ تخصيصَ الخلافِ بِمَا إِذَا وَافَقَ دَاعِيَةُ الإِكْرَاهِ دَاعِيَةَ الشرعِ، كَالإِكْرَاهِ عَلَى قتلِ الكافرِ، وِإِكْرَاهِهِ عَلَى الإسلامِ، وَأَمَّا مَا خَالَفَ فِيِه دَاعِيَةُ الإِكْرَاهِ دَاعِيَةَ الشرعِ كَالإِكْرَاهِ عَلَى

стр. 61

القتلِ، فَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ التكليفِ بِهِ. انتهَى. (ص): (وَيَتَعَلَّقُ الأمرُ بالمعدومِ تَعَلُّقاً معنوياً خِلافاً للمعتزلةِ). (ش): المعدومُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مأموراً عِنْدَنَا خِلافاً للمعتزلةِ، وَلاَ نُرِيدُ تَنْجِيزَ التكليفِ، أي: إِنَّهُ مأمورٌ حالَ عدمِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مستحيلٌ؛ بَلِ المُرَادُ تَعَلُّقُ الأمرِ بِهِ فِي الأَزَلِ، وَإِذَا وُجِدَ وَاسْتَجْمَعَ شرائطَ التكليفِ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ مُكَلَّفاً بِذَلِكَ الطلبِ القديمِ مِنْ غيرِ تَجَدُّدِ طلبٍ آخَرَ، هَكَذَا حَرَّرَهُ عَنِ الأَشْعَرِىِّ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى إثباتِ كلامِ النفسِ، وَمِنْ ثَمَّ خَالَفَتِ المعتزلةُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - مُتَكَلِّمٌ بكلامٍ قديمٍ أَزَلِيٍّ قائمٍ بِذَاتِهِ، لَزِمَ وجودُ الأمرِ فِي الأَزَلِ، وَلاَ مأمورَ، للعلمِ بِأَنَّ مَا سِوَى اللَّهِ حَادِثٌ. وَاعْتَرَضَ الخُصُومُ وَقَالُوا: يَلْزَمُ وجودُ أَمْرٍ وَلاَ مأمورَ، وَذَلِكَ مُحَالٌ لكونِهِ عَبَثاً، ولأَنَّ الأمرَ مِنَ المعانِي المُتَعَلِّقَةِ؛ وَوُجُودُ مُتَعَلِّقٍ وَلاَ مُتَعَلَّقَ بِهِ،

стр. 62

مُحَالٌ، وَقَدِ ارْتَاعَ لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، والقَلاَنِسِيُّ مِنْ أصحابِنَا، وَمَالاَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُسَمَّى فِي الأَزَلِ أَمْراً وَلاَ نَهْياً، وَلاَ خَبَراً، ثُمَّ صَارَ فِيمَا لاَ يَزَالُ كَذَلِكَ، فَجَعَلاَهُ مِنْ صِفَاتِ الأفعالِ. والفرقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مذهبِ الأَشْعَرِيِّ: أَنَّ الأَشْعَرِيَّ يَقْولُ: الأمرُ بذاتِهِ وصفتِهِ فِي الأَزَلِ، وَلاَ مأمورَ فِي الأَزَلِ. وَهُمَا يَقُولاَنِ: الموجودُ فِي الأَزَلِ (١١ ب) الأمرُ بِذَاتِهِ بدونِ وصفِ كَوْنِهِ أَمْراً. وَاسْتَضْعَفَ المحققونَ هَذَا التوسطِ، بِأَنَّا لاَ نعقلُ مِنْ كَلاَمِ اللَّهِ إِلاَ الأمرَ والنَّهْيَ والخبرَ، فَإِذَا قِيلَ بِحُدُوثِهَا، لَزِمَ حُدُوثُ كلامِ اللَّهِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَأَجَابُوا عَنْ شُبْهَةِ الْمُعْتَزِلَةِ: أَمَّا لُزُومُ الْعَبَثِ: فَلِبِنَائِهِ عَلَى التحسينِ والتقبيحِ، وَأَمَّا الثَّانِيَ: فَلاَ نُسَلِّمُ أَنَّ الأمرَ مِنَ الحقائقِ الْمُتَعَلِّقَةِ، بَلْ هُوَ مِنْ شأنِهِ أَنْ يَتَعَلَّقَ، والتعليقُ أمرٌ نسبيٌّ، والنسبُ والإضافاتُ موجودةٌ فِي الذهنِ دُونَ الخارجِ، وبهذا التقريرِ يَزُولُ الإشكالُ وَظَهَرَ أَنَّهُ تَعَلُّقٌ ذِهْنِيٌّ مَجَازِيٌّ لاَ حَقِيقِيٌّ، وَيُوَضِّحُهُ مَا يَقُولُهُ الفقيهُ: إِنَّ الوصيةَ للحملِ صحيحةٌ، لِتَوَقُّعِ

стр. 63

وُجُودِهِ، بِخِلاَفِ الوصيةِ للمعدومِ، وَعَلَى ذَلِكَ يَتَخَرَّجُ الحُكْمُ عَلَى الأشياءَ المعدومةِ وَتُقَدَّرُ مَوْجُودَةً، كالإيمانِ فِي حَقِّ أطفالِ المؤمنينَ، وَالْكُفْرِ فِي أولادِ الكُفَّارِ؛ حتى يَجُوزُ سَبْيُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ، وَقَدْ حَقَّقَ الإمامُ الْمُقْتَرِحُ ـ جَدِّ الشيخِ تَقِيِّ الدينِ بْنِ دَقِيقِ العِيدِ لأُمِّهِ ـ العبارةَ عَنْ هَذِهِ المسألةِ بِمَا يُفْسِدُ تعبيرَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ فَقَالَ: الأمرُ لَمْ يُتَعَقَّلْ بالمعدومِ، بَلْ بالموجودِ المُتَوَقَّعِ، فكما أَنَّ العِلْمَ الأَزَلِيَّ يَتَعَلَّقُ بالموجودِ الذِي سَيَكُونُ، فَكَذَلِكَ الطلبُ الأَزَلِيُّ يُتَعَقَّلُ بِالْمُكَلَّفِ الذِي سَيَكُونُ. تَنْبِيهَاتٌ: الأول: قَدْ تُسْتَشْكَلُ هَذِهِ المسألةُ مَعَ التي قَبْلَهَا مِنِ امْتِنَاعِ تكليفِ الغافلِ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ المُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ مأموراً فِي حالةِ الغفلةِ، وَلاَ يَكُونُ مأموراً بَعْدَ تَذَكُّرِهِ بالأمرِ الموجودِ فِي حالةِ غفلتِهِ - اسْتُشْكِلَ الفرقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المعدومِ؛ بَلِ الغَافِلُ أَوْلَى بالجوازِ؛ لأَنَّهُ إِذَا كَانَ المعدومُ مأموراً بَعْدَ وجودِهِ بالأمرِ المُتَقَدِّمِ عَلَى وجودِهِ كَانَ الغافلُ مأموراً بَعْدَ تَذَكُّرِهِ بالأمرِ الوَارِدِ قَبْلَ تَذَكُّرِهِ بطريقِ الأَوْلَى، وَإِنْ كَانَ المرادُ أَنَّهُ لاَ يَكْونُ مأموراً حَالَ غفلتِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مأموراً بَعْدَ تَذَّكُرِهِ بالأمرِ الوَارِدِ فِي حَالِ غفلتِهِ - فَيَكُونُ حُكْمُ الغافلِ كَحُكْمِ المعدومِ سواءً فِي أَنَّ كُلاَّ مِنْهُمَا لاَ يَكُونُ مأموراً حَالَ عَدَمِهِ، ولاَ حَالَ غَفْلَتِهِ، وَيَكُونُ مأموراً بَعْدَ تَذَكُّرِهِ أَوْ وُجُودِهِ بالأمرِ الواردِ فِي حالةِ العدمِ وحالةِ الغفلةِ، فَهُمَا سَوَاءٌ، وِحِينَئِذٍ فَلاَ وَجْهَ لإفرادِ كُلٌّ مِنْهُمَا بمسألةٍ،

стр. 64

وَقَدْ عَمَّيْتُ الجوابَ لِتَشْحِيذِ الأذهانِ. الثَّانِي: لاَ يَخْتَصُّ الخلافُ بالمعتزلةِ، فَإِنَّ الإمامَ نَقَلَ مذهبَنَا ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا سَائِرُ الفِرَقِ فَقَدْ أَنْكَرُوهُ، وَلِهَذَا قَالَ الْهِنْدِيُّ ـ خِلاَفاً للمعتزلةِ وأكثرِ الطوائفِ؛ بَلْ كلامُ إِمَامِ الحرمينِ فِي (الْبُرْهَانِ) يَمِيلُ إِلَى مَذْهَبِ المعتزلةِ؛ إِذْ قَالَ ـ: إِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ المعدومَ مأمورٌ، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ حَدِّ [المعقولِ] =، وقولُ القائلِ: إِنَّهُ مأمورٌ عَلَى تقديرِ الوجودِ تلبيسٌ، فَإِنَّهُ إِذَا وُجِدَ لَيْسَ معدوماً، ولاَ شَكَّ أَنَّ الْوُجُودَ شرطٌ فِي كَوْنِ المأمورِ مأموراً، فَإِذَا لاَحَ ذَلِكَ بَقِيَ النظرُ فِي أَمْرٍ بِلاَ مأمورٍ، وَهَذَا مُعْضِلٌ فَإِنَّ الأَمْرَ مِنَ الصفاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بالنفسِ، وفرضُ مُتَعَلِّقٍ ولاَ مُتَعَلَّقَ لَهُ مُحَالٌ. هَذَا كلامُهُ، وجوابُهُ بِمَا سَبَقَ، وَقَدْ نُظِرَ فِي (الشَّامِلِ) قَوْلُ الأَشْعَرِيِّ. الثالثُ: أَنَّ الخِلاَفَ لاَ يَخْتَصُّ بالأمرِ، فالنَّهْيُ كَذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ تَرَكَهُ لدخولِهِ ضِمْناً أَوْ لأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بالفرقِ؛ بَلْ يَجْرِي أَيْضاًً فِي الخَبَرِ، وَهَذِهِ المسألةُ فرعٌ لأصلٍ، وَهُوَ أَنَّ كَلاَمَ اللَّهِ تَعَالَى (١٢ أ) فِي الأَزَلِ، هَلْ يُسَمَّى خِطَاباً؟ وَسَيَذْكُرُهَا الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَيَاتِي. اهـ.

стр. 65

(ص): (فَإِنِ اقْتَضَى الخطابُ الفعلَ اقتضاءً جازماً فإيجابٌ، أَوْ غَيْرَ جازمٍ فَنَدْبٌ، أَوِ التركِ جازماً فتحريمٌ، أَوْ غَيْرَ جازمٍ بِنَهْيٍ، مخصوصٍ فكراهةٌ، أَوْ غَيْرَ مخصوصٍ فَخِلاَفُ الأَوْلَى، أَوِ التخييرَ فإباحةٌ). (ش): الخطابُ إِمَّا أَنْ يَقْتَضِيَ الفعلَ أَوِ التركَ أَوْ لاَ يَقْتَضِيَ واحداً مِنْهُمَا، فِإِنِ اقْتَضَى الفعلَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الجزمِ أَوْ لاَ، والأولُ الإيجابُ، والثانِي النَّدْبُ، وَإِنِ اقْتَضَى التَّرْكَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الجزمِ أَوْ لاَ، وَالأولُ التحريمُ، والثانِي هُوَ الْمُقْتَضِي للتَّرْكِ مَعَ عدمِ الجزمِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ مخصوصٌ أَوْ لاَ، والأولُ المكروهُ والثانِي خِلاَفُ الأَوْلَى؛ سَوَاءٌ كَانَ فِعْلُهُ أَوْلَى كتركِ صلاةِ الضُّحَى، أَوْ عَدَمُهُ أَوْلَى كصومِ عرفةَ بعرفةَ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَضِ الفعلَ وَلاَ التَّرْكَ فَإِبَاحَةٌ، وَقَيَّدَ فِي (الْمِنْهَاجِ)

стр. 66

الاقْتِضَاءَ بالمانعِ مِنَ النَّقِيضِ، وَعَدَلَ عَنْهُ الْمُصَّنِفُ إِلَى الجازمِ؛ لأَنَّهُ أَخْصَرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ والدُهُ: لَكَ أَنْ تَجْعَلَ مَكَانَ المانعِ مِنَ النقيضِ (الجازمَ) فَهُمَا مترادفانِ. فَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: (الخِطَابُ) أَنَّهُ يَشْتَرِطُ فِي كَوْنِهِ إِبَاحَةً إِذْنَ الشَّارِعِ فِيهِ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا عُلِمَتْ إِبَاحَتُهُ بطريقِ البَرَاءَةِ الأصليةِ، فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِ، وَلاَ يُسَمَّى مُبَاحاً، إِذْ لاَ خِطَابَ. تنبيهانِ: الأولُ: انْحَصَرَتْ بِذَلِكَ الأحكامُ فِي خَمْسَةٍ، والذِي زَادَهُ الْمُصَنِّفُ: خِلاَفُ الأَوْلَى، وَهُوَ مُتَّبِعٌ فِي ذَلِكَ إمامَ الحرمينِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنَ (النهايةِ) وَقَرَنَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المكروهِ بِمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، إِلاَّ أَنَّ الإمامَ عَبَّرَ بالمقصودِ وغيرِ المقصودِ، وَغَيَّرَهُ الْمُصَنِّفُ إِلَى: المخصوصِ. قَالَ والدُهُ فِي بعضِ مُؤَلَّفَاتِهِ: وَأَوَّلُ مَا عَلِمْنَاهُ ذَكَرَ هَذَا إِمَامُ الحرمينِ: فالمكروهُ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ نَهْيٍ عَنْهُ، وَلَمْ يَكْتَفِ بقولِهِ: (نَهْيٍ) لأَنَّ الأمرَ بالشيءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، فَكُلُّ مأمورٍ بِهِ، تَرْكُهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لَكِنَّ النَّهْيَ الْمُسْتَفَادَ مِنَ الأمرِ، إِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ بطريقِ الالتزامِ، لاَ بطريقِ القصدِ فلذلكَ احْتَرَزَ، وَقَالَ: (نَهْيٌ مَقْصُودٌ)، فَكُلُّ مَا وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ مقصودٌ، مكروهٌ، ومَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ مقصودٌ، لَيْسَ َبمكروهٍ، ومَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ أَصْلاً، أَبْعَدُ عَنِ الكراهةِ، هَذَا حَظُّ الفقيهِ مِنْ ذَلِكَ، وَالأُصُولِيُّ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يُرِيدَ مَا وَرَدَ

стр. 67

فِيهِ نَهْيٌ، إِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الكراهةِ النَّهْيُ لاَ مَا يُفْهَمُ فِي العرفِ مِنَ الكراهةِ التِي هِيَ ضِدُّ الإِرَادَةِ، وَذَلِكَ مُقَرَّرٌ فِي أُصُولِ الدينِ. قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَنَبَّهَ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ مُرَاداً بِالنَّهْيِ المقصودِ بِأَنْ يَكُونَ نَصاً وَلاَ بُدَّ، فِإِنَّا نَرَاهُمْ يَحْكُمُونَ بكراهةِ أشياءَ لاَ نَصَّ فِيهَا، وَلَكِنَّ المرادَ أَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ إِمَّا نَصٌّ، وَإِمَّا إِجْمَاعٌ، وَإِمَّا قِيَاسٌ، وَإِمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأَدِلَّةِ عِنْدَ مَنْ يَرَاهَا. قُلْتُ: لَمْ يَنْفَرِدِ الإمامُ بِذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: وَبَيْنَ الكراهةِ والإباحةِ وَاسِطَةٌ، وَهِيَ خِلاَفُ الأَوْلَى، وَالتَّعَرُّضُ للفصلِ بينَهُمَا مِمَّا أَحْدَثَهُ المتأخرونَ. انْتَهَى. وَهَذَا الذِي ذَكَرُوهُ فِي الفرقِ، مُتَعَقَّبٌ، فإنَّ الأصحابَ يُطْلِقُونَ خِلاَفَ الأَوْلَى عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ مقصودٌ، كصومِ يومِ عرفةَ للحاجِ. الثَّانِي: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقْولَ: فَإِنِ اقْتَضَى الخطابُ الفعلَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ كَفٍّ جَازِماً .... إلخ، أَوْ يَقُولَ: أَوْ كَفًّا جَازِماً .... إلى آخرِهِ؛ لأَنَّ الاقْتِضَاءَ (١٢ ب) ـ وَهُوَ الطلبُ - إِنَّمَا يَكُونُ دَائِماً للفعلِ؛ لأَنَّهُ المقدورُ، وَلأَنَّ التركَ فعلٌ وُجُودِيٌّ، فَلاَ يَكُونُ قَسِيماً للفعلِ، وَهَذَا بَحَسْبِ حقيقةِ الفعلِ عَقْلاً، لَكِنْ لَمَّا كَانَ أهلُ العرفِ يُقَابِلُونَ بَيْنَ الفعلِ والتركِ الْمُطْلَقَيْنِ اعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التقسيمِ. (ص): (وَإِنْ وَرَدَ سبباً، وشرطاً، ومانعاً، وصحيحاً، وفاسداً - فَوُضِعَ، وَقُدْ عُرِفَتْ حُدُودُهَا). (ش): الضميرُ فِي وَرَدَ عائدٌ للخطابِ، وَهُوَ قَسِيمُ قولِهِ: (فِإِنِ اقْتَضَى)، وَإِنَّمَا عَبَّرَ هُنَا بِالْوُرُودِ؛ لأَنَّ الوضعَ لَيْسَ فِيهِ اقتضاءٌ، ومقصودُهُ أَنَّ الخطابَ يَنْقَسِمُ إِلَى طلبٍ وَهُوَ يَشْمَلُ الأحكامَ الخمسةَ، وإِلَى غَيْرِ طلبٍ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ التخييرِ وَهُوَ الإباحةُ، وَقَدْ سَبَقَتْ أَوَّلاً مَعَ التخييرِ فَهُوَ الوضعُ، والكلامُ الآنَ فِيهِ، وحقيقتُهُ: الخطابُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ لاَ بالاقتضاءِ والتخييرِ، سُمِّيَ بذلك؛ لأَنَّهُ شيءٌ وَضَعَهُ اللَّهُ فِي شَرَائِعِهِ لإِضَافَةِ الْحُكْمِ إِلَيْهِ، تُعْرَفُ بِهِ الأحكامُ تَيْسِيراً لَنَا فَإِنَّ الأحكامَ غَيْبٌ، والفرقُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الحقيقةُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْوَضْعِ هُوَ قَضَاءُ الشَّرْعِ عَلَى الْوَصْفِ بِكَوْنِهِ سَبَباً أَوْ مَانِعاً أَوْ شَرْطاً، وَخِطَابُ التكليفِ لطلبِ أَدَاءِ مَا تَقَرَّرَ بالأسبابِ والشروطِ والموانعِ، وَأَنَّهُ لاَ يَتَوَقَّفُ الوضعُ عَلَى الْعِلْمِ وَالْبُلُوغِ، فَإِنَّ القتلَ سَبَبٌ

стр. 68

لِلضَّمَانِ، وَإِنْ صَدَرَ مِنَ الصَّبِيِّ والمجنونِ، والنجاسةُ مانعةٌ للصلاةِ بالنسبةِ للبالغِ والصَّبِيِّ، وَكَذَا الوضوءُ شرطٌ للصلاةِ بالنسبةِ إِلَيْهِمَا. وَقَسَّمَهُ إِلَى خمسةِ أقسامٍ كَمَا قَسَّمَ خِطَابَ التَّكْلِيفِ إِلَى سِتَّةٍ، وَكَوْنُ السببِ والشرطِ والمانعِ مِنْ أقسامِ خطابِ الوضعِ ظاهرٌ، وَأَمَّا الصِّحَّةُ والفسادُ فَعَلَى الصحيحِ؛ لأَنَّهُ حُكْمٌ مِنَ الشَّارِعِ بِذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ الحَاجِبِ: إِنَّهُمَا عَقْلِيَّانِ. وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ وَهْمَ مَنِ ادَّعَى عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ قَصَدَ إِدْخَالَ الوضعِ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ، وكيفَ يَكُونُ كَذَلِكَ، وَقَدْ جَعَلَهُ قَسِيماً لَهُ، وَحَذَا حَذْوَ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي ذَلِكَ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَدْخَلَهُ فِي خِطَابِ التَّكلْيِفِ وَهُوَ اخْتَيِارُ الإمامِ الرَّازِيِّ؛ لأَنَّ معنَى كَوْنِ الشيءِ شَرْطاً حُرْمَةُ ذَلِكَ الشيءِ بِدُونِ الشرطِ، وَكَوْنُهُ مَانِعاً كَذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ تسميةَ هَذِهِ الأشياءَ الْوَضْعِيَّةِ أَحْكَاماً، وَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ عَلاَمَاتٌ لِلأَحْكَامِ، وَهُوَ ضعيفٌ إِذْ لاَ تَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهَا أَحْكَاماً شَرْعِيَّةً. وَقَوْلُهُ: (وَقَدْ عُرِفَتْ حُدُودُهَا) إشارةٌ إِلَى أنواعِ التقسيمِ الأَوَّلِ، فإنَّهُ بالحصرِ

стр. 69

يُعْلَمُ حَدُّ كُلِّ واحدٍ بمفردِهِ، بِأَنْ يُؤْخَذَ مَوْرِدُ التقسيمِ الذِي هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ جَمِيعِهَا، وَيُمَيَّزَ كُلُّ واحدٍ مِنْهَا، وَقَيَّدَ الأَوَّلَ بالثانِي، وهذه طريقةٌ يَسْتَعْمِلُهَا الْمُصَنِّفُونَ فِي كُلِّ حصرٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لأنَّ مَوْرِدَ التقسيمِ قَدْ لاَ يَكُونُ جِنْساً، وَالْمُمَيِّزُ قَدْ لاَ يَكُونُ فَصْلاً، وَلاَ يُعْرَفُ بِهَذَا التقسيمِ حُدُودُهَا، إِلاَّ أَنْ يُرِيدُوا بِالحَدِّ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْحَدِّ وَالرسمِ. والحاصلُ أَنَّ التقسيمَ الحاصرَ يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ الْحَدُّ، وَلاَ يَجِبُ ذَلِكَ، لِجَوَازِ وُقُوعِ التقسيمِ فِي أَعَمٍّ، لاَ يَكُونُ جِنْساً؛ بَلْ عَرَضاً عَامًّا، كَقَوْلِنَا: الماشِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَاطِقاً أَوْ لاَ، وَلَيْسَ حَدُّ الإنسانِ أَنَّهْ مَاشٍ نَاطِقٌ. وَقَالَ الصَّفَّارُ فِي (شَرْحِ سِيبَوَيْهِ): إِنَّمَا يُحَدُّ الشيءُ لامْتِنَاعِ الحصرِ، فَإِذَا انْحَصَرَ فَلاَ يَنْبَغِي (٣ أ) أَنْ يُحَدَّ، وَإِنَّمَا وُسِّطَ هَذَا بَيْنَ مَا سَبَقَ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: (وَقَدْ عُرِفَتْ) لِيَتِمَّ التقسيمُ، وَكَأَنَّهُ قَدْ قَصَدَ بقولِهِ: (عُرِفَتْ حُدُودُهَا) التنبيهَ عَلَى الاستغناءِ بِذَلِكَ عَنِ الرسومِ المذكورةِ فِي (الْمِنْهَاجِ) بَعْدَ التقسيمِ. فَإِنْ قُلْتَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: فَإِنْ وَرَدَ سبباً أَوْ شَرْطاً أَوْ مَانِعاً؛ لأنَّ السببَ نَفْسَهُ لَيْسَ هُوَ الْحُكْمُ؛ بَلْ جَعَلَ الشَّارِعُ إِيَّاهُ. قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ انْتِصَابُهَا بِمَصْدَرٍ محذوفٍ، أَيْ: بجعلِهِ الوصفَ سبباً. (ص): (وَالْفَرْضُ وَالوَاجِبُ مُتَرَادِفَانِ، خِلاَفاً لأَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ لَفْظِيٌّ).

стр. 70

(ش): لاَ فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ الفرضِ والواجبِ؛ بل هُمَا مترادفانِ عَلَى مُسَمًى وَاحِدٍ، وَهُوَ مَا سَبَقَ، وَاحْتَجَّ الإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي (أَمَالِيهِ) بِحَدِيثِ الأعرابِيِّ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَ الفرضِ والتَّطَوُّعِ واسطةً؛ بَلْ أَدْخَلَ كُلَّ مَا أَخْرَجَهُ مِنِ اسْمِ الفرائضِ فِي جُمْلَةِ التطوعاتِ، وَلَوْ كَانَ واسطةٌ لَبَيَّنَهَا. نعم: فَرَّقَ أصحابُنَا بَيْنَ رُتَبِ الواجبِ، حَيْثُ جَعَلُوا الركنَ فِي الْحَجِّ مَا لَمْ يُجْبَرْ بالدمِ، والواجبَ مَا يُجْبَرُ بالدمِ. وَفَرَّقَتِ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَهُمَا فَقَالُوا: الفرضُ مَا ثَبَتَ بدليلٍ قَطْعِيٍّ كالصلاةِ

стр. 71

والزكاةِ. والواجبُ مَا ثَبَتَ وجوبُهُ بدليلٍ ظَنِّيٍّ وَهُوَ مَا ثَبَتَ بِالقِيَاسِ أَوْ خَبَرِ الواحدِ كصدقةِ الفِطْرِ وَكالوترِ والأضحيةِ عَلَى قاعدتِهِمْ. قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّغَايُرِ بَيْنَهُمَا، أَنَّا نُكَفِّرُ جَاحِدَ الأولِ دُونَ الثَّانِي، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الأَحْكَامِ فَلا بُدَّ مِنَ الاختلافِ فِي الاسمِ بَيْنَهُمَا، وَلاَ يَقْدَحُ هَذَا فِي جَعْلِ الْمُصَنِّفِ الخلافَ لَفْظِيًّا،

стр. 72

فَإِنَّ غايتَهُ أَنَّ بَعْضَ الواجباتِ يُكَفَّرُ جَاحِدُهَا، وَكَوْنُنَا لاَ نُسَمِّيهِ واجباً خِلاَفٌ فِي اللفظِ، فَإِنَّهُ يُكَفَّرُ ببعضِ الواجباتِ إِذَا جُحِدَتْ، وَيُنْفَى عَنْهَا اسمُ الوجوبِ، وَالْخَصْمُ يُكَفِّرُ بِهَا أَيْضاًً؛ وَلَكِنْ لاَ يَنْفِي عَنْهَا اسمَ الوجوبِ؛ ثُمَّ إِنْ كَانَ قَصْدُهُمْ مِنْ هَذِهِ التفرقةِ مُجَرَّدَ الاصْطِلاَحِ، فَلاَ مشاحَّةَ. لَكِنَّ الْمُصْطَلِحَ عَلَى الشيءِ يَحْتَاجُ إِلَى أَمْرَينِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لاَ يُخَالِفَ الوضعَ العَامَّ لُغَةً أَوْ عُرْفاً. والثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا فَرَّقَ بَيْنَ مُتَقَارِنَيْنِ يُبْدِي مُنَاسَبَةَ [لَفْظِ] = كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا بالنسبةِ إِلَى مَعْنَاهُ؛ وَإِلاَّ كَانَ تَخْصِيصُهُ لأَحَدِ المعنيينِ بِعَينِهِ بِذَلِكَ اللفظِ بِعَيْنِهِ، لَيْسَ أَوْلَى مِنَ العكسِ. قَالَ الشيخُ تَقِيُّ الدينِ: وَهَذَا الموضعُ الذي فَعَلَهُ الحنفيةُ مِنْ هذا القَبِيلِ؛ لأَنَّهُمْ خَصُّوا المفروضَ بالمعلومِ قَطْعاً مِنْ حَيْثُ إِنَّ الفَرْضَ هو التقديرُ، والواجبَ بِغَيْرِ المعلومِ قَطْعاً مِنْ حَيْثُ إِنَّ الوَاجِبَ هو الساقطُ، وهذا كَمَا قُلْنَا لَيْسَ فيه مُنَاسَبَةٌ ظاهرةٌ بالنسبةِ إِلَى كُلِّ لَفْظَةٍ مَعَ مَعْنَاهَا الذِي ذَكَرُوهُ، وُلَوْ عُكِسَ الأَمْرُ لَمَا امْتَنَعَ؛ فالاصطلاحُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِذَلِكَ الحسنِ. (ص): (والمندوبُ والمستحبُ والتطوعُ والسنةُ مُتَرَادِفَةٌ، خلافاً لبعضِ

стр. 73

أصحابِنَا، وهو لَفْظِيٌّ). (ش): لاَ فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ هذه الألفاظِ عَلَى المشهورِ. وَمُرَادُهُ بـ (بعضِ أصحابِنَا) القَاضِي حُسَينٌ، فَإِنَّهُ غَايَرَ بَيْنَهَا فَقَالَ: السُّنَّةُ: مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ النبِيُّ ﷺ . والمستحبُ: مَا فَعَلَهُ مرةً أَوْ مرتينِ. والتطوعُ: مَا يُنْشِئُهُ الإنسانُ باختيارِهِ مِنَ الأَوْرَادِ. وَتَبِعَهُ صاحبُ (التَّهْذِيبِ) وَ (الكَافِي). وَكَذَا ذَكَرَهُ الغَزَالِيُّ فِي (الإِحْيَاءِ) قَالَ: وَتُسَمَّى الأَقْسَامُ الثلاثةُ نوافلٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ النَّفْلَ هُوَ الزيادةُ وَجُمْلَتُهَا زَائِدَةٌ عَلَى الفَرَائِضِ، انْتَهَى. والجمهورُ لاَ فَرْقَ. وَجَعْلُهُ (١٣ ب) الخلافَ لَفْظِيًّا قَدْ يُنَازَعُ فِيهِ؛ لأَنَّ مَا

стр. 74

ثَبَتَ مُوَاظَبَتُهُ ﵊ عَلِيهِ لاَ شَكَّ أَنَّهُ آكِدٌ مِمَّا فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ كَوْنَ بعضُ السننِ آكِدٌ مِنْ بعضٍ لاَ يُوجِبُ تَغَايُراً عَلَى مَا سَبَقَ فِي الواجبِ والفرضِ. (ص): (وَلاَ يَجِبُ بالشروعِ، خلافاً لأَبِي حَنِيفَةَ). (ش): أَيْ: مَنْ تَلَبَّسَ بنفلِ صلاةٍ أو صومٍ، فله قَطْعُهَا عِنْدَنَا بِالعُذْرِ وبغيرِهِ، وَلاَ يَجِبُ عليه القضاءُ، لِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ أحياناً يَنْوِي صومَ التطوعِ ثُمَّ يُفْطِرُ، نَعَمْ يُسْتَحَبُّ الإتمامُ، لقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنِيرِ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاحْتَجَّ لَهْ بقولِهِ ﷺ : ((لاَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ

стр. 75

إِذَا لَبِسَ لامَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ)) وهذا الاستدلالُ ضعيفٌ، وفي الحديثِ إشارةٌ إلى الاختصاصِ، فَقَوْلُهُ: ((لاَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ)) يَدُلُّ عَلَى مخالفةِ غَيْرِ النبيِّ لَهُ. وَاحْتَجَّ لأَبِي حَنِيفَةَ بقولِهِ ﷺ للأعرابِيِّ لَمَّا قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: ((لاَ؛ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ شَيئاً)). والجوابُ مِنْ ثلاثةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ: (لاَ) أَيْ: لَيْسَ عليكَ غَيْرُهَا، والاستثناءُ منقطعٌ. وَثَانِيهَا: مِنْ قَوْلِهِ: (تَطَوَّعَ) فَسَمَّاهُ تَطَوُّعاً؛ لَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: تَقْدِيرُهُ: إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ فَيَلْزَمُكَ التطوعُ. ونحنُ نَقُولُ: تُقْدِيرُهُ: فَيَكُونُ لَكَ أَنْ تَفْعَلَ. وَتَقْدِيرُنَا أَرْجَحُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. ثَالِثُهَا: أَنَّ الاستثناءَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الأولِ، فَيَلْزَمُ خِلاَفُ الإِجْمَاعِ، أَوْ مِنْ جِنْسِهِ فَيِلْزَمُ الْمُدَّعِيَ، وَقَدْ أَوْرَدَ القاضِي حسينٌ عَلَى هَذَا الأَصْلِ مَا لَوْ شَرَعَ المسافرُ فِي الصلاةِ بِنِيَّةِ الإِتْمَامِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا فَإِنَّهُ لاَ يَقْضِيهَا مَقْصُورَةً؛ بَلْ تَامَّةً، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ فَرْضٌ الْتَزَمَهُ بِعَقْدِهِ، (لأَنَّ الفرضَ عَلَى المسافرِ الإِتْمَامُ كالمقيمِ، إِلاَّ أَنَّهُ جُوِّزَ لَهُ القصرَ فِإِذَا لَمْ يَنْوِهِ فَقَدِ الْتَزَمَ الفرضَ بِعَقْدِهِ، بخلافِ
следующие страницы →