Полный текст (1 929 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
والزكاةِ.
والواجبُ مَا ثَبَتَ وجوبُهُ بدليلٍ ظَنِّيٍّ وَهُوَ مَا ثَبَتَ بِالقِيَاسِ أَوْ خَبَرِ الواحدِ كصدقةِ الفِطْرِ وَكالوترِ والأضحيةِ عَلَى قاعدتِهِمْ.
قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّغَايُرِ بَيْنَهُمَا، أَنَّا نُكَفِّرُ جَاحِدَ الأولِ دُونَ الثَّانِي، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الأَحْكَامِ فَلا بُدَّ مِنَ الاختلافِ فِي الاسمِ بَيْنَهُمَا، وَلاَ يَقْدَحُ هَذَا فِي جَعْلِ الْمُصَنِّفِ الخلافَ لَفْظِيًّا،
стр. 72
فَإِنَّ غايتَهُ أَنَّ بَعْضَ الواجباتِ يُكَفَّرُ جَاحِدُهَا، وَكَوْنُنَا لاَ نُسَمِّيهِ واجباً خِلاَفٌ فِي اللفظِ، فَإِنَّهُ يُكَفَّرُ ببعضِ الواجباتِ إِذَا جُحِدَتْ، وَيُنْفَى عَنْهَا اسمُ الوجوبِ، وَالْخَصْمُ يُكَفِّرُ بِهَا أَيْضاًً؛ وَلَكِنْ لاَ يَنْفِي عَنْهَا اسمَ الوجوبِ؛ ثُمَّ إِنْ كَانَ قَصْدُهُمْ مِنْ هَذِهِ التفرقةِ مُجَرَّدَ الاصْطِلاَحِ، فَلاَ مشاحَّةَ.
لَكِنَّ الْمُصْطَلِحَ عَلَى الشيءِ يَحْتَاجُ إِلَى أَمْرَينِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لاَ يُخَالِفَ الوضعَ العَامَّ لُغَةً أَوْ عُرْفاً.
والثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا فَرَّقَ بَيْنَ مُتَقَارِنَيْنِ يُبْدِي مُنَاسَبَةَ [لَفْظِ] = كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا بالنسبةِ إِلَى مَعْنَاهُ؛ وَإِلاَّ كَانَ تَخْصِيصُهُ لأَحَدِ المعنيينِ بِعَينِهِ بِذَلِكَ اللفظِ بِعَيْنِهِ، لَيْسَ أَوْلَى مِنَ العكسِ.
قَالَ الشيخُ تَقِيُّ الدينِ: وَهَذَا الموضعُ الذي فَعَلَهُ الحنفيةُ مِنْ هذا القَبِيلِ؛ لأَنَّهُمْ خَصُّوا المفروضَ بالمعلومِ قَطْعاً مِنْ حَيْثُ إِنَّ الفَرْضَ هو التقديرُ، والواجبَ بِغَيْرِ المعلومِ قَطْعاً مِنْ حَيْثُ إِنَّ الوَاجِبَ هو الساقطُ، وهذا كَمَا قُلْنَا لَيْسَ فيه مُنَاسَبَةٌ ظاهرةٌ بالنسبةِ إِلَى كُلِّ لَفْظَةٍ مَعَ مَعْنَاهَا الذِي ذَكَرُوهُ، وُلَوْ عُكِسَ الأَمْرُ لَمَا امْتَنَعَ؛ فالاصطلاحُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِذَلِكَ الحسنِ.
(ص): (والمندوبُ والمستحبُ والتطوعُ والسنةُ مُتَرَادِفَةٌ، خلافاً لبعضِ
стр. 73
أصحابِنَا، وهو لَفْظِيٌّ).
(ش): لاَ فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ هذه الألفاظِ عَلَى المشهورِ.
وَمُرَادُهُ بـ (بعضِ أصحابِنَا) القَاضِي حُسَينٌ، فَإِنَّهُ غَايَرَ بَيْنَهَا فَقَالَ: السُّنَّةُ: مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ النبِيُّ ﷺ .
والمستحبُ: مَا فَعَلَهُ مرةً أَوْ مرتينِ.
والتطوعُ: مَا يُنْشِئُهُ الإنسانُ باختيارِهِ مِنَ الأَوْرَادِ.
وَتَبِعَهُ صاحبُ (التَّهْذِيبِ) وَ (الكَافِي).
وَكَذَا ذَكَرَهُ الغَزَالِيُّ فِي (الإِحْيَاءِ) قَالَ: وَتُسَمَّى الأَقْسَامُ الثلاثةُ نوافلٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ النَّفْلَ هُوَ الزيادةُ وَجُمْلَتُهَا زَائِدَةٌ عَلَى الفَرَائِضِ، انْتَهَى.
والجمهورُ لاَ فَرْقَ.
وَجَعْلُهُ (١٣ ب) الخلافَ لَفْظِيًّا قَدْ يُنَازَعُ فِيهِ؛ لأَنَّ مَا
стр. 74
ثَبَتَ مُوَاظَبَتُهُ ﵊ عَلِيهِ لاَ شَكَّ أَنَّهُ آكِدٌ مِمَّا فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ كَوْنَ بعضُ السننِ آكِدٌ مِنْ بعضٍ لاَ يُوجِبُ تَغَايُراً عَلَى مَا سَبَقَ فِي الواجبِ والفرضِ.
(ص): (وَلاَ يَجِبُ بالشروعِ، خلافاً لأَبِي حَنِيفَةَ).
(ش): أَيْ: مَنْ تَلَبَّسَ بنفلِ صلاةٍ أو صومٍ، فله قَطْعُهَا عِنْدَنَا بِالعُذْرِ وبغيرِهِ، وَلاَ يَجِبُ عليه القضاءُ، لِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ أحياناً يَنْوِي صومَ التطوعِ ثُمَّ يُفْطِرُ، نَعَمْ يُسْتَحَبُّ الإتمامُ، لقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾.
وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنِيرِ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاحْتَجَّ لَهْ بقولِهِ ﷺ : ((لاَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ
стр. 75
إِذَا لَبِسَ لامَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ)) وهذا الاستدلالُ ضعيفٌ، وفي الحديثِ إشارةٌ إلى الاختصاصِ، فَقَوْلُهُ: ((لاَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ)) يَدُلُّ عَلَى مخالفةِ غَيْرِ النبيِّ لَهُ.
وَاحْتَجَّ لأَبِي حَنِيفَةَ بقولِهِ ﷺ للأعرابِيِّ لَمَّا قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: ((لاَ؛ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ شَيئاً)).
والجوابُ مِنْ ثلاثةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ: (لاَ) أَيْ: لَيْسَ عليكَ غَيْرُهَا، والاستثناءُ منقطعٌ.
وَثَانِيهَا: مِنْ قَوْلِهِ: (تَطَوَّعَ) فَسَمَّاهُ تَطَوُّعاً؛ لَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: تَقْدِيرُهُ: إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ فَيَلْزَمُكَ التطوعُ.
ونحنُ نَقُولُ: تُقْدِيرُهُ: فَيَكُونُ لَكَ أَنْ تَفْعَلَ.
وَتَقْدِيرُنَا أَرْجَحُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
ثَالِثُهَا: أَنَّ الاستثناءَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الأولِ، فَيَلْزَمُ خِلاَفُ الإِجْمَاعِ، أَوْ مِنْ جِنْسِهِ فَيِلْزَمُ الْمُدَّعِيَ، وَقَدْ أَوْرَدَ القاضِي حسينٌ عَلَى هَذَا الأَصْلِ مَا لَوْ شَرَعَ المسافرُ فِي الصلاةِ بِنِيَّةِ الإِتْمَامِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا فَإِنَّهُ لاَ يَقْضِيهَا مَقْصُورَةً؛ بَلْ تَامَّةً، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ فَرْضٌ الْتَزَمَهُ بِعَقْدِهِ، (لأَنَّ الفرضَ عَلَى المسافرِ الإِتْمَامُ كالمقيمِ، إِلاَّ أَنَّهُ جُوِّزَ لَهُ القصرَ فِإِذَا لَمْ يَنْوِهِ فَقَدِ الْتَزَمَ الفرضَ بِعَقْدِهِ، بخلافِ
стр. 76
مَا لَوْ شَرَعَ فِي التطوعِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ بِحُكْمِ عَقْدِهِ.
تنبيهانِ:
الأولُ: كلامُ الْمُصَنِّفِ قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ لاَ خلافَ فِيهِ عِنْدَنَا، لَكِنَّ فِي (شَرْحِ الْفُرُوعِ) للشيخِ أَبِي عَلِيِّ السِّنْجِي+: أَنَّ أَبَا زيدٍ الْمَرْوَزِيَّ وبعضَ الأصحابِ قَالاَ: بوجوبِ إتمامِ الطوافِ عَلَى مَنْ تَلَبَّسَ بِهِ، ثُمَّ غَلَّطَهُمَا فِيهِ، قَالَ بعضُهُمْ: والظاهرُ أَنَّ ذلكَ مُخْتَصُّ بالطوافِ الواجبِ في الحجِّ، والْعُمْرَةِ وَيُحْمَلُ كلامُهُمَا عليه، وَإِنْ كَانَ الحجُّ والعمرةُ تطوعينِ؛ لأَنَّهُ يَجِبُ إتمامُ كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا إِذَا أُحْرِمَ بِهِ، بخلافِ التطوعِ بالطوافِ لاَ يَجِبُ إتمامُهُ إِلاَّ إِذَا نَذَرَهُ.
الثانِي: حكايتُهُ الخلافَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ المشهورُ، لَكِنْ رَأَيْتُ في (شَرْحِ التَّلْخِيصِ) للشيخِ أَبِي عَلِيِّ السِّنْجِيِّ+ قَبْلَ كِتَابِ الزكاةِ، أَنَّ هذا مَحْكِيٌّ عَنْهُ في
стр. 77
(نَوَادِرِ ابْنِ سَمَاعَةَ) وَلَمْ نَزَلْ نَعْتَمِدُهُ هَكَذَا حَتَّى قَدَمَ عَلَيْنَا أَبُو نَصْرِ الْعِرَاقِيُّ وَقَالَ: لأَبِي حَنِيفَةَ في كتابِ الصَّدَاقِ أَنَّ لَهُ الخروجَ مِنْ صَوْمِ التطوعِ إِلاَّ أَنَّهُ يَجِبُ القضاءُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْخَلْوَةِ: تُوجِبُ كَمَالَ الْمَهْرِ، وَلَوْ خَلاَ بِهَا مُحْرِماً أَوْ صَائِماً وهي، مُحْرِمَةٌ أَوْ صَائِمَةٌ صَوْمَ فَرْضٍ، لاَ يَكْمُلُ الْمَهْرُ، لِفَسَادِ الْخَلْوَةِ، وَلَوْ خَلاَ بِهَا صَائِمٌ صَوْمَ تَطَوُّعٍ، كَمَّلَهُ، فَدَلَ عَلَى أَنَّهْ جَعَلَ لَهُ الخروجَ مِنْ صَوْمِ التطوعِ حتى جَعَلَهْ كالمفطرِ، فَكَمُلَ الْمَهْرُ بِهَا، وَلَوْ حَرَّمَ الخروجَ لأَفْسَدَ الْخَلْوَةَ بِهِ، وَلَمَا أَكْمَلَ الْمَهْرَ كَمَا جَعَلَهْ في صومِ الفرضِ، ثُمَّ كَانَ أَبُو نَصْرِ (١٤ أ) الْعِرَاقِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَ الروايتينِ، فَيَقُولُ: إِنْ خَرَجَ بِنِيَّةِ أَنْ يَقْضِيَهُ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِلاَّ فَلاَ يَجُوزُ.
قَالَ: فَأَمَّا وُجُوبُ القَضَاءَ فَلاَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.
ثُمَّ قَالَ الشيخُ: ثُمَّ إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ نَاقَضَ فَجَوَّزَ الْقُعُودَ فِيهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ، فَطَرَدَا الْقِيَاسَ وَمَنَعَا العُقُودَ.
стр. 78
(ص): (وُجُوبُ إِتْمَامِ الحجِّ؛ لأَنَّ نَفْلَهُ كَفَرْضِهِ: نِيَّةَ وَكَفَّارَةً وَغَيْرَهُمَا).
(ش): هَذَا جوابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: إِنَّ مَنْ تَلَبَّسَ بَحَجٍّ تَطَوُّعٍ، فَعَلَيْهِ إِتْمَامُهُ، وَلاَ يَجُوزُ قَطْعُهُ عِنْدَنَا، وَأَجَابَ: إِنَّمَا خَرَجَ الْحَجُّ عَنِ القاعدةِ لِخُصُوصِيَّةٍ فِيهِ وَهُوَ أَنَّ حُكَمَ نَفْلِهِ كَحُكْمِ فَرْضِهِ فِي النيَّةِ والكَفَّارَةِ وغَيْرِهِمَا. والذي يَظْهَرُ: عَدَمُ الاحْتِيَاجِ إلى هذا؛ لأَنَّ الكلامَ في المندوبِ عَيْناً، والحَجُّ بخلافِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لاَ يُتَصَوَّرُ لَنَا حَجُّ تَطَوُّعٍ، فِإِنَّ الْمُخَاطَبُ بِهِ إِنَّمَا هُوَ المستطيعُ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَحُجْ فَهُوَ فِي حَقِّهِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَإِلاَّ فَفَرْضُ، كِفَايَةٍ فَإِنَّ إِقَامَةِ شَعَائِرِ الحَجِّ مِنْ فُرُوضِ الكِفَايَةِ على الْمُكَلَّفِينَ، وَحِينَئِذٍ فَلاَ يَبْقَى إِشْكَالٌ في امْتِنَاعِ الخروجِ مِنْهُ إِلاَّ عَلَى قَوْلِنَا: إِنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لاَ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، عَلَى مَا سَيَاتِي.
وَهُنَا تنبيهانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّافِعِيَّ ذَكَرَ فِي (الأُمِّ) هَذَا السؤالَ وَأَجَابَ عَنْهُ باختصاصِ الْحَجِّ بِأَحْكَامٍ مِنْهَا: لُزُومُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ بِخِلاَفِ الصلاةِ وَغَيْرِهَا.
وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ جَوَابِ الْمُصَنِّفِ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ، فَكَيْفَ فِي صَحِيحِهِ؟ وَذَكَرَ المَاوَرْدِيُّ فِي (الْحَاوِي) الفَرْقَيْنِ.
الثَّانِي: أَنَّ كَلاَمَ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ القاعدةِ غَيْرُ الحجِّ، لَكِنْ اسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ أَيْضاًً: الأُضْحِيَةَ، فَإِنَّهَا سُنَّةٌ، وَإِذَا ذُبِحَتْ لَزِمََتْ بالشروعِ، ذَكَرَهُ
стр. 79
السَّاجِيُّ في (نُصُوصِ الشَّافِعِيُّ).
(ص): (والسببُ: مَا يُضَافُ الْحُكْمُ إِلَيْهِ للتعلقِ بِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَعْرُفٌ أَوْ غَيْرُهُ).
(ش): الأحكامُ الثابتةُ بخطابِ الوضعِ أصنافٌ، منها: الْحُكْمُ عَلَى الوصفِ بِكَوْنِهِ سَبَباً، وهو خَاصٌّ بِالحُكْمِ الذي عُرِفَتْ عِلَّتُهُ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ ظَاهِراً مَضْبُوطاً مُخَيَّلاً أَوْ شَبَهِيًّا؛ فُلَلَّهِ تَعَالَى في الزَّانِي حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا: تَحْرِيمُ ذَلِكَ عليه، والثانِي: جَعْلُ زِنَاهُ سَبَباً لِوُجُوبِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (للتعلقِ بِهِ)، إلى أَنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ حُكْماً تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ إِيرَادُهُمْ، أَنَّ الزِّنَا حَادِثٌ، والإيجابُ قديمٌ، والحادثُ لاَ يُؤَثِّرُ في القديمِ.
стр. 80
وبقولِهِ: (مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَعْرُفٌ) إلى أَنَّهُ لَيْسَ المرادُ مِنَ السببِ كَوْنِهِ مُوجِباً لِذَلِكَ لِذَاتِهِ أو لصفةٍ ذَاتِيَّةٍ كَمَا تَقُولُ المعتزلةُ؛ بَلْ المرادُ مِنْهُ إِمَّا الْمُعَرِّفُ للحُكْمِ، وعليه الأكثرونَ، أَوِ المُوجِبُ لاَ لِذَاتِهِ وَلاَ لِصِفَةٍ ذَاتِيَّةٍ، وَلَكِنْ بِجَعْلِ الشارعُ إِيَّاهُ مُوجِباً وَهُوَ اختيارُ الغَزَالِيِّ وإليه أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بقولِهِ: (أَوْ غَيْرِهِ) لِيَمْشِيَ التعريفُ عَلَى المذاهبِ كُلِّهَا، فَعَلَى الثانِي هُوَ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ لِذَاتِهِ، وعلى الثالثِ مَا يُضَافُ إليه بِجَعْلِ الشارعُ إِيَّاهُ، وَقَدْ تَعَرَّضَ الْمُصَنِّفُ لهذا الخلافِ في بابِ القياسِ، صَدْرُ الكلامِ عَلَى العِلَّةِ، وَلاَ يُقَالُ: هَذَا التعريفُ صَادِقٌ على العِلَّةِ؛ لأَنَّا نَقُولُ: لاَ بُدَّ فِي العِلَّةِ مِنَ المناسبةِ بخلافِ السببِ، وَمُرَادُ الغَزَالِيِّ أَنَّ الموجبَ للحُكْمِ بالحقيقةِ هو الشارعُ، وَإِنَّمَا نَصَبَ السببَ للحُكْمِ لِعُسْرِ الوقوفِ على خطابِ اللَّهِ تَعَالَى، لاَ سِيَّمَا بَعْدَ انقطاعِ الوَحْيِ، كَالعَلامَةِ فَشَابَهَ مَا يَحْصُلُ الحُكْمُ، عِنْدَهُ لاَ بِهِ فَيُسَمَّى
стр. 81
باسمِهِ.
(ص): (وَالشَّرْطُ يَاتِي).
(ش): يَعْنِي: فِي بَابِ التخصيصاتِ (١٤ ب) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي السببِ مِنَ الظهورِ والإخالةِ، ولا وَجْهَ لاقتصارِ الْمُصَنِّفِ عَلَى شرطِ ذَلِكَ فِي المانعِ دُونَ السببِ والشرطِ، وَقَدْ جَعَلُوا النصابَ فِي الزكاةِ سبباً، والْحَوْلَ شَرْطاً.
فَإِنْ قِيلَ: هَلاَّ عَكَسُوا؟
قُلْنَا: لأَنَّ الشارعَ إِذَا رَتَّبَ حُكْماً عَقِبَ أَوْصَافٍ، فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا مناسبةً، فالجميعُ عِلَّةٌ كالقتلِ العَمْدِ العُدْوَانِ، وَإِنْ نَاسَبَ البعضُ فِي ذَاتِهِ دُونَ البعضِ، فالمناسبُ فِي ذَاتِهِ سببٌ والمناسبُ فِي غَيْرِهِ شرطٌ، فالنصابُ يَشْتَمِلُ عَلَى الغِنَى ونعمةِ الملكِ في نَفْسِهِ، والحولُ مُكَمِّلٌ لنعمةِ الملكِ بالتمكينِ بالتنميةِ في جميعِ الحَوْلِ فهو شرطٌ.
(ص): (والمانعُ: الوصفُ الْوُجُودِيُّ الظاهرُ الْمُنْضَبِطُ الْمُعَرِّفُ نَقِيضَ الحُكْمِ كالأبوةِ فِي القصاصِ).
стр. 82
(ش): الوصفُ المحكومُ عليه بِكَوْنِهِ مَانِعاً يَنْقَسِمُ إلى: مانعِ الحُكْمِ، ومانعِ السببِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ هُنَا إِلاَّ إلى الأولِ، وَلاَ بُدَّ أَنْ يَقُولَ: مَعَ بَقَاءِ حِكْمَةِ المُسَبِّبِ، فَإِنَّ الأبوةَ مانعةٌ للحُكْمِ الذِي هُوَ القِصَاصُ لِحِكْمَةٍ وهي كَوْنُ الأبِ سبباً فِي إِيجَادِهِ فَلاَ يَكُونُ الابْنُ سبباً في إِعْدَامِهِ، وهذه الحكمةُ تَقْتَضِي عَدَمَ القِصَاصِ الذِي هُوَ نقيضُ الحُكْمِ، وَحِكْمَةُ السببِ باقيةٌ وهي الحياةُ، وَأَمَّا المانعُ للسببِ فَهُوَ مَا يَسْتَلْزِمُ حِكْمَةً تُخِلُّ بحكمةِ السببِ كَالدَّيْنِ في الزكاةِ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ مانعٌ مِنَ الوجوبِ، فَإِنَّ حِكْمَةَ السببِ، وهي الغِنَى، مواساةُ الفقراءِ مِنْ فَضْلِ مَالِهِ، وَلَمْ يَدَعِ الدَّيْنُ مِنَ المالِ فَضْلاً يُواسِي بِهِ.
قالَ الْمُصَنِّفُ: وَإِنَّمَا لَمْ أَذْكُرْ هُنَا مانعَ
стр. 83
السببِ؛ لأَنَّ كلامَنَا هُنَا فِي الحُكْمِ ومُتَعَلَّقَاتِهِ، وليستِ الأسبابُ عِنْدَنَا مِنَ الأحكامِ خِلاَفاً لابْنِ الْحَاجِبِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ كِتَابُ القياسِ تعريفَ مانعِ السببِ، حَيْثُ قُلْنَا فَيهِ عِنْدَ ذِكْرِ الْعِلَّةِ: وَمِنْ شروطِ الإلحاقِ بِهَا اشتمالُهَا عَلَى حكمةٍ تَبْعَثُ على الامْتِثَالِ وَتَصْلُحُ شَاهِداً لإِنَاطَةِ الحُكْمِ، وِمِنْ ثَمَّ كَانَ مَانِعُهَا وَصْفاً وُجُودِياً يُخِلُّ بحكمتِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: هو إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الأحكامِ فهو مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الأحكامِ فَكَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ.
قُلْنَا: الْمَعْنِيُّ بِمُتَعَلَّقَاتِ الأحكامِ: حاكمٌ ومحكومٌ به وعليه، وشروطُ كُلِّ واحدٍ مِنْهَا، وليستِ الأسبابُ مِنْ ذلك.
وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: فَكَيْفَ لَمْ يَذْكُرْ مانعَ السببِ لذلكَ وَذَكَرَ السببَ؟
وَقَوْلُهُ: الْمَعْنِيُّ بِمُتَعَلَّقَاتِ الأحكامِ مَا ذِكْرُهُ ممنوعٌ، بَلِ الأعمُ مِنْ ذلك، وَمَا المانعُ مِنْهُ؟
(ص): (والصحةُ: مُوَافَقَةُ ذِي الوجهينِ الشرعَ، وَقِيلَ: فِي العبادةِ إسقاطُ القضاءِ).
(ش): المرادُ بِذِي الوجهينِ، مَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ تَارَةً بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيِهِ حُكْمُهُ، وَتَارَةً بِحَيْثُ لاَ يَتَرَتَّبُ كالصلاةِ والصومِ والبيعِ، وَاحْتَرِزْ بِهِ عَمَّا لاَ يَقَعُ إِلاَّ على جهةٍ واحدةٍ، كمعرفةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَدِّ الوديعةِ، فَلاَ يُوصَفُ بالصحةِ وَعَدَمُهَا.
وَقَولُهُ: الشرعَ، أَيْ: لأَمِرِ الشرعِ، وَسَوَاءٌ وَجَبَ قَضَاؤُهُ أَمْ لاَ، وَهَذَا التعريفُ لِلْمُتَكَلِّمِينَ، وَمُرَادُهُمْ: فِي ظَنِّ الْمُكَلَّفِ، لاَ فِي نَفْسِ الأمرِ، وَعُلِمَ مِنْ إطلاقِهِ،
стр. 84
شُمُولُ العباداتِ والمعاملاتِ، فَكَمَا أَنَّ العبادةَ إِنْ وَقَعَتْ مُسْتَجْمَعَةَ الأركانِ والشروطِ كَانَتْ صحيحةً وَإِلاَّ ففاسدةٌ، كذلك العقودُ إذا صَدَرَتْ على الوجهِ الشرعِيِّ كَانَتْ صحيحةً وَإِلاَّ ففاسدةٌ، وَقَدْ أَشَارَ إلى ذلك في العقودِ القاضِي أَبُو بَكْرٍ وغيرُهُ، فَلاَ الْتِفَاتَ (١٥أ) لِمَنْ خَصَّ التعريفَ بالعبادةِ، وإلى التعميمِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بقولِهِ: وَقِيلَ فِي العباداتِ، فَعُلِمَ أَنَّ السابِقَ للأَعَمِّ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا جَعَلْتَ التعميمَ شامِلاً للأمرينِ فَلاَ حاجةَ لِقَولِهِ ثانياً، وبصحةِ العقدِ تُرَتَّبُ آثَارُهُ.
قُلْنَا: هذا يُعْرَفُ جوابُهُ بِمَا سَيَاتِي، وَكَانَ حَقُّ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: لاَ عَلَى وَجْهِ التَّشَبُهِ، لِيُخْرِجَ المتعدِي بالفطرِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عليه الإمساكُ = [تَشَبُّهاً] بالصائمينَ، وليسَ في صومٍ شَرْعِيٍّ على الصحيحِ، ولهذا لَوِ ارْتَكَبَ مَحْظُوراً لاَ شيءَ عليه سِوَى الإثمِ، بخلافِ الْمُحْرِمِ إِذَا أَفْسَدَ إِحْرَامَهُ، وَأَشَارَ بقولِهِ (وَقِيلَ) إلى أَنَّ منهم مَنْ فَسَّرَ الصحةَ في العبادةِ بإسقاطِ القضاءَ، وَبَنَوا على القولينِ صَلاَةَ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ حَدَثُهُ، فَعِنْدَ المتكلمِينَ وَقَعَتْ صحيحةً بالنسبةِ إِلَى ظَنِّ الْمُكَلَّفِ، وَعِنْدَ الفُقَهَاءِ بَاطِلَةٌ.
وَأَشَارَ بعضُهُمْ إِلَى أَنَّ النزاعَ لَفْظِيٌّ، والأحكامَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَجَرَى عليه +القَرَافِيُّ، قَالَ: لأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا على أَنَّهُ مُوافِقٌ لأمرِ اللَّهِ وَأَنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ لاَ يَجِبُ عليه القضاءُ إِذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ حَدَثُهُ، وَيَجِبُ إِذَا تَبَيَّنَ، وَلَكِنَّ خلافَهُمْ في لفظِ الصحةِ: هَلْ وُضِعَ لَمَّا وَافَقَ الأَمْرَ سَوَاءٌ أَوَجَبَ القضاءُ أَمْ لَمْ يَجِبْ، أَوْ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَتَعَقَّبَهُ قَضَاءٌ؟
وليسَ كذلكَ بَلِ الخلافُ معنويٌّ، والمتكلمُونَ لا يُوجِبُونِ القضاءِ، وَوَصْفُهُمْ إِيَّاهَا بالصحةِ صَرِيحٌ في ذلكَ، فَإِنَّ الصحةَ هِيَ الغايةُ، ولاَ يُسْتَنْكَرُ هَذَا، فللشافعيِّ فِي القديمِ مِثْلُهُ، فِيمَا إِذَا صَلَّى بِنَجَسٍ لَمْ يَعْلَمْهُ، ثُمَّ عَلِمَهُ، أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلِيهِ
стр. 85
القضاءُ، نَظَراً لموافقةِ الأمرِ حَالَ التلَبُّسِ، وَكَذَا مَنْ صَلَّى إِلَى جِهَةٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ الخطأَ، ففي القضاءِ قَوْلاَنِ للشافعيِّ، بَلِ الخلافُ بينهم فيه على أَصْلٍ، وهو أَنَّ القضاءَ هَلْ يَجِبُ بالأمرِ الأولِ أَوْ بمتجددٍ؟
فَعَلَى الأولِ بَنَى الفقهاءُ قولَهُمْ: إِنَّهَا سقوطُ القضاءِ، وعلى الثانِي بَنَي المتكلمُونَ قولَهُمْ: إِنَّهَا مُوَافَقَةُ الأمرِ، فَلاَ يُوجِبُونَ القضاءَ، مَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ جديدٌ، وَيُؤَيِّدُ ذلكَ أَنَّ المتكلمِينَ يَقُولُونَ: القضاءُ لاَ يَجِبُ بالأمرِ الأولِ، بَلْ بأمرٍ جديدٍ، والفقهاءُ يَقُولُونَ بالأمرِ الأولِ، ولهذَا فَسَّرُوا الصحةَ بسقوطِ القضاءِ.
تنبيهانِ:
الأولُ: في صحةِ هَذَا القولِ عِنْدَ الفقهاءِ نَظَرٌ، والموجودُ فِي كُتُبِ الأصحابِ فِي بابِ صلاةِ الجماعةِ تقسيمُ مَنْ صَحَّتْ صلاتُهُ إلى مَا يُغْنِي عَنِ القضاءِ
стр. 86
وَمَا لاَ يُغْنِي، فَلَمْ يَجْعَلُوا الصحةَ عبارةً عَمَّا أَسْقَطَ القضاءَ.
الثاني: على تقديرِ ثبوتِهِ، فليسَ المرادُ مِنْهُ أَنَّ الصحةَ نَفْسُ سقوطِ القضاءِ كَمَا يَقْتَضِيهِ نَقْلُ الْمُصَنِّفِ وغيرِهِ، بَلِ المرادُ كَمَا قَالَ الصَفِيُّ الْهِنْدِيُّ: كَوْنُ تلكَ العبادةِ بِحَيْثُ تُسْقِطُ القضاءَ، وليسَ المعنَى أَنَّهُ وَجَبَ القضاءُ ثُمَّ سَقَطَ بتلكَ العبادةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ وِفَاقاً، أَمَّا إِذَا قُلْنَا: إِنَّ القضاءَ يَجِبُ بِأَمْرٍ جديدٍ فظاهرٌ، وَإِنْ قُلْنَا بالأمرِ السابقِ فَكَذَلِكَ؛ لأَنَّ القضاءَ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ فَوَاتِ الفعلِ عَنْ وَقْتِهِ، أَمَّا قَبْلَ الفواتِ فليسَ القضاءُ واجباً عِنْدَ أحدٍ حَتَّى تَكُونَ العبادةُ المُؤَادَّةُ في الوقتِ مُسْقِطَةٌ للقضاءِ، بَلْ معناهُ أَنَّهُ سَقَطَ قضاءُ مَا انْعَقَدَ بسببِ وُجُوبِهِ، وعلى هذا فَيَسْقُطُ مَا أَوْرَدَهُ الإمامُ وغَيْرُهُ عَلَى هَذَا القولِ مِنَ الإِشْكَالِ.
(ص): (وبصحةِ العقدِ تُرَتَّبُ آثَارُهُ).
(ش): المرادُ بالآثارِ مَا شُرِعَ ذلكَ العقدُ لَهُ، كالتصرفِ فِي البيعِ والاستمتاعِ فِي النكاحِ وَنَحْوِهِ.
وَقَوْلُهُ: وبصحةِ العقدِ، خَبَرٌ مقدمٌ، وَقَوْلُهُ: تُرَتَّبُ آثارُهُ، هُوَ المبتدأُ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ الخبرُ لأمرَيْنِ: صناعيٌّ، وهو عَوْدُ الضميرِ مِنَ المبتدأِ (١٥ ب) وهو (الهَاءُ) فِي آثارِهِ، على بَعْضِ الخبرِ وهو (صحةُ العقد) ِ على حِدِّ قولِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، والثانِي بَيَانِيٌّ: وَهُوَ التنبيهُ على الحصرِ، فَإِنَّ تقديمَ المعمولِ يُفِيدُ الحصرَ عِنْدَ جماعةٍ، والمعنَى أَنَّ تَرَتُّبَ الأثرِ واقعٌ لصحةِ العقدِ لاَ غَيْرَ، أَيْ: يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ المقصودُ مِنَ التصرفِ، كَالْحِلِّ في النكاحِ، والمِلْكِ في البيعِ والْهِبَةِ، وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ تعريفِ غَيْرِهِ (صحةُ العقدِ بِتَرَتُّبِ الأَثَرِ) كَمَا تَقُولُهُ الفقهاءُ، فَإِنَّ تَرَتُّبَ الأثرِ أَثَرٌ على صحةِ العقدِ، فَإِنَّا نَقُولُ: صَحَّ العقدُ فَتَرَتَّبَتْ آثَارُهُ عليهِ، فلهذا لَمْ يَجْعَلِ الْمُصَنِّفُ
стр. 87
صحةَ العقدِ تَرَتُّبَ الأَثَرِ، بَلْ بصحةِ العقدِ يَتَرَتَّبُ الأَثَرُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِنَا: الصحةُ يَنْشَأُ عَنْهَا تَرَتُّبُ الأَثَرِ، وَتَرَتُّبُ الأَثَرِ يَنْشَأُ عَنِ الصحةِ، فَإِنَّ الأولَ يَقْتَضِي أَنَّهَا حَيْثُ وُجِدَتْ تَرَتَّبَ عليهَا الأَثَرُ، وعلى هذا فَيَجِيءُ الاعتراضُ بالبيعِ قَبْلَ القبضِ، أَوْ فِي زَمَنِ الخيارِ، فَإِنَّهُ صحيحٌ، وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عليه أَثَرُهُ، إِذْ لَيْسَ للمشترِي التصرفُ مَعَ إمكانِ الانفصالِ عَنْهُ، فَإِنَّ الأثرَ ليسَ الانتفاعُ، بَلْ حصولُ الملكيةِ التِي يَنْشَأُ عَنْهَا إباحةُ الانتفاعِ، والثانِي لاَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا مُقْتَضَاهُ أَنَّ تَرَتُّبَ الأثرِ إِذَا وُجِدَ مَنْشَؤُهُ الصحةُ، فَلاَ يَلْزَمُ مِنِ ارتفاعِهِ ارتفاعُ الصحةِ، وَمَعَ سلامَتُهَا مِنَ الاعتراضِ السابقِ ففيها إشارةٌ إلى أَنَّ المانعَ إِذَا زَالَ
كالخيارِ، عَمِلَتِ الْعِلَّةُ عَمَلَهَا غيرَ مُسْتَنِدٍ عَمَلُهَا إلى زَوَالِ المانعِ، هَذَا حاصلُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَكَ أَنْ تُورِدَ عَلِيهِ الخُلْعَ والكتابةَ الفاسدَيْنِ، فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عليهما أَثَرَهُمَا مِنَ الْبَيْنُونَةِ والْعِتْقِ مَعَ أَنَّهُمَا غَيْرُ صحيحَيْنِ، فَلَمْ يصحَّ قَوْلُهُ: إِنَّ تَرَتُّبَ الأثرِ يَنْشَأُ عَنِ الصحةِ، وكذلكَ الوكالةُ والقِرَاضُ الفاسدَينِ، فإنَّ الوكيلَ والعاملَ يستفيدانِ بِهِ التصرُّفَ، وَجَوَابُهُ مِنْ وجهَينِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ المرادَ تَرَتُّبُ كُلُّ آثَارِهِ عليه، أَمَّا مَا يَتَوَقَّفُ على وجودِ شرطٍ أَوْ فَقْدِ مانعٍ، بِحَيْثُ لَوْ حَصَلَ الشرطُ وَزَالَ المانعُ، يَحْصُلُ.
والثانِي: أَنَّ هَذِه الآثَارَ ليستْ مِنْ نَاحِيَةِ هذا العقدِ الفاسدِ بَلِ الأمرُ خارجٌ عَنْ تَضَمُّنِهِ، وَهُوَ صحيحٌ فِي نَفْسِهِ، أَمَّا الْخُلْعُ والكتابةُ، فَمِنْ جِهَةِ التعليقِ، وَأَمَّا الوكالةُ والقِرَاضُ فَمِنْ جِهَةِ الإِذْنِ، وَمَا فَرَّ مِنْهُ فِي عبارةِ الجمهورِ، لاَ يَرُدُّ عليهم؛ لأَنَّ مُرَادُهُمْ بالترتبِ بالقوةِ لاَ بالفعلِ فَيَخْرُجُ البيعُ مُدَّةَ الخيارِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَإِنَّهُ لاَ تَتَرَتَّبُ ثَمَرَتُهُ عَلَيْهِ، وليسَ ذَلِكَ لِعَدَمِ صحتِهِ، بَلْ لمانعٍ، وهو عَدَمُ اللزومِ، ثُمَّ القولُ بِأَنَّ الصحةَ ليستْ تَرَتُّبَ الأثرِ، بَلْ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ الأثرُ عَلَيْهِ، بمعنَى: وُقُوعُهُ عَلَى وَجْهٍ مخصوصٍ - فَذَلِكَ أَمْرٌ عقليٌّ، ولأَجْلِهِ قَالَ ابْنُ الحَاجِبِ: إِنَّ الصحةَ حُكْمٌ عقليٌّ لا شرعيٌّ والْمُصَنِّفُ لا يَقُولُ بِهِ.
تَنْبِيهٌ: في معنَى العقدِ الحَلِّ كَالْفُسُوخِ، فَيَاتِي فِيهِ مَا سَبَقَ.
стр. 88
(ص): (والعبادةِ إِجْزَاؤُهَا - أَيْ: كِفَايَتُهَا - فِي سُقُوطِ التَّعَبُدِ، وَقِيلَ إِسْقَاطُ القَضَاءِ).
(ش): العبادةُ مجرورٌ بالعطفِ على صحةِ العقدِ، أَيْ: وبصحةِ العبادةِ إجزاؤُهَا، على حَدِّ قَوُلِهِ: وبصحةِ العقدِ تَرَتُّبُ آثَارُهُ، والمعنَى أَنَّ إِجْزَاءَ العبادةِ نَاشِئٌ عَنْ صحتِهَا، كَمَا فِي الصحةِ تَقُولُ: صَحَّتِ العبادةُ فَأَجْزَأَتْ.
وَقَوْلُهُ: أَيْ: كِفَايَتُهَا، ـ تَفْسِيرٌ للإِجْزَاءِ، أَيِ: الإجزاءُ هُوَ كفايةُ العبادةِ، أَيْ: كَوْنُ الفعلِ كافياً فِي سقوطِ التعبدِ، فَإِذَا كَفَتْ فِي صحةِ التعبدِ فهو الإجزاءُ (١٦ / أ) الناشيءُ عَنِ الصحةِ.
وَقَوْلُهُ: في سُقُوطِ التعبدِ، أَيْ: بالفعلِ، والمرادُ في الجملةِ لاَ الفعلُ مِنَ الْمُكَلَّفِ، وَإِلاَّ لَوَرَدَ على هذا القيدِ المغصوبُ إِذَا حَجَّ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ مَعَ أَنَّهُ ليسَ مُتَعَبِّداً بِهِ في حَقِّ نَفْسِهِ، وَلَوْ قَالَ: إِسْقَاطٌ بَدَلَ سُقُوطٍ لَكَانَ أَحْسَنُ، وَهَذَا كَلُّهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ الصحةَ بِمُوَافَقَةِ الأَمْرِ.
وَقَوْلُهُ: وَقِيلَ: إسقاطُ القضاءِ، وَنَقَلَهُ فِي (الْمُنْتَخَبِ) عَنِ الفقهاءِ، وَنَازَعَهُ ابْنُ التِّلْمِسَانِيِّ، قَالَ: الفقهاءُ لاَ يَقْتَصِرُونَ فِي حَدِّ الإِجْزَاءِ على ذلكَ، لِيَلْزَمَ عليه مَا أَلْزَمَهُمْ مِنْ أَنَّ سقوطَ القضاءِ بِطَرَيانِ+ العُذْرِ يَكُونُ إِجْزَاءً، وَإِنَّمَا الفقهاءُ والمتكلمُونَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ فيه مِنْ أَخْذِ الامتثالِ، فالأُصُولِيُّونَ يَقْتَصِرُونَ عليه، والفقهاءُ يُضِيفُونَ إليه إسقاطَ القضاءِ، فَيَقُولُونَ: الصحيحُ: المجزئُ وهو الأداءُ الكافِي، وَهَذَا بِنَاءً منهم على أَصْلِهِمْ، أَنَّ القضاءَ بالأمرِ الأولِ، والقضاءُ عِنْدَ المتكلمِينَ بأمرٍ ثانٍ.
تَنْبِيهٌ: عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الإِجْزَاءَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الْعِبَادَةِ، بخلافِ الصحةِ فَإِنَّهَا
стр. 89
تَكُونُ في العبادةِ والعقودِ.
(ص): (وَيَخْتَصُّ الإجزاءُ بالمطلوبِ وَقِيلَ: بالواجِبِ).
(ش): مِمَّا يَفْتَرِقُ فيه الصحةُ والإجزاءُ: أَنَّ الصحةَ تَكُونُ في كُلِّ مطلوبٍ وغيرِهِ وِفَاقاً.
وَاخْتُلِفَ في الإِجْزَاءِ: هَلْ يَعْمُّ كُلَّ مطلوبٍ مِنْ واجبٍ ومندوبٍ، أَوْ يَخْتَصُّ بالواجبِ، فَلاَ يُوصَفُ المندوبُ بالإجزاءِ عَلَى قَوْلَيْنِ؟
والثانِي نَصَرَهُ الْقَرَافِيُّ وَالأَصْبَهَانِيُّ شَارِحاً (الْمَحْصُولِ) وَاسْتَبْعَدَهُ والدُ الْمُصَنِّفِ فِي (شَرْحِ الْمِنْهَاجِ)، وَقَالَ: كلامُ الفقهاءِ يَقْتَضِي أَنَّ المندوبَ يُوصَفُ بالإجزاءِ كالفرضِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الحديثِ: (أَرْبَعٌ لاَ تُجْزِئُ فِي الأَضَاحِي) وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بوجوبِ الأُضْحِيَةِ،
стр. 90
وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ. انْتَهَى.
ولهذا رَجَّحَ الْمُصَنِّفُ هَذَا القولَ حَيْثُ صَدَّرَ بِهِ كلامَهُ، وَفِيمَا نَقَلَهُ عَنِ الفقهاءِ نَظَرٌ، وَقَدِ احْتَجَّ أصحابُنَا عَلَى إِيجَابِ الفَاتِحَةِ بروايةِ الدَّارَقُطْنِيِّ: ((لاَ تُجْزِئُ صَلاَةٌ لاَ يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ)) وَقَالُوا: إِنَّهُ أَدَلُّ عَلَى الوجوبِ مِنْ روايةِ الصحيحَينِ. (لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) وَكَذَا احتجاجُهُمْ عَلَى إِيجَابِ الاستنجاءِ بحديثِ: ((إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ)) قَالُوا: والإجزاءُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَنْ وَاجِبٍ.
(ص): (وَيُقَابِلُهَا الْبُطْلاَنُ وهو الفسادُ خلافاً لأَبِي حَنِيفَةَ).
(ش): الضميرُ في (يُقَابِلُهَا) عائدٌ على مُطْلَقِ الصحةِ، لاَ على صحةِ العقودِ، ولاَ صحةِ العباداتِ، فَيَاتِي في تفسيرِهِ الخلافُ، فَيَكُونُ الْبُطْلاَنُ مُخَالَفَةُ ذِي
стр. 91
الوجهَيْنِ الشرعَ، أَوْ عَدَمُ إسقاطِ القضاءِ في العبادةِ، وهو والفسادُ، عِنْدَنَا مترادفانِ، فَنَقُولُ: بَطُلَتِ العبادةُ وَفَسَدَتْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مُتَبَايِنَانِ؛ فَالباطلُ عِنْدَهُ: مَا لَمْ يُشَرَّعْ بِالْكُلِّيَةِ، كبيعِ مَا في البطونِ.
والفاسد: مَا شُرِّعَ بأصلِهِ، وَلَكِنِ امْتَنَعَ لاشتمالِهِ على وَصْفٍ كَالرِّبَا.
نَعَمْ: فَرَّقَ أصحابُنَا بَيْنَ الباطلِ والفاسدِ فِي الْحَجِّ، والْعَارِيَةِ
стр. 92
والْخُلَعِ والْكِتَابَةِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الأَبْوَابِ.
(ص): (وَالأَدَاءُ فِعْلُ بعضٍ ـ وَقِيلَ:= [كُلُّ]ـ مَا دَخَلَ وَقْتُهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ).
(ش): قَوْلُهُ: فِعْلُ بَعْضٍ مَا دَخَلَ وَقْتُهُ، جِنْسٌ يَدْخُلُ فِيهِ بعضُ مَا دَخَلَ وقتُهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ، وَمَا دَخَلَ وَلَمْ يَخْرُجْ.
وَقَوْلُهُ: قَبْلَ خُرُوجِهِ، فَصْلٌ، يُخْرِجُ فِعْلَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ، وهو القضاءُ، وَإِنَّمَا قَالَ: بَعْضٍ لأَنَّ الأَصَّحَ عِنْدَنَا (١٦ ب) فَيمَنْ فَعَلَ بعضَ العبادةِ في الوقتِ، وبعضُهَا خَارِجَهُ ـ أَنَّهَا تَكُونُ أداءً كُلُّهَا، لَكِنْ بشرطِ أَنْ يَكُونَ المَاتِيُّ بِهِ فِي الوقتِ رَكْعَةٌ. ولاَ يُفْهَمُ مِنْ لفظِ: بعضٍ، أَنَّهُ للتقييدِ، حَتَّى يَلْزَمَ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ الكُلَّ لاَ يَكُونُ أَدَاءً؛ لأَنَّ مَنْ فَعَلَ الكُلَّ فَقَدْ فَعَلَ البعضَ وَزَادَ.
إِذَنْ فاعلُ البعضِ صادقٌ على الصورتَينِ،
стр. 93
وَإِنَّمَا كَانَ يَلْزَمُ السؤالُ أَنَّ لَوْ قَالَ: فِعْلُ البعضِ يُفِيدُ البعضيةَ، وليسَ الأمرُ كذلكَ، مَعَ أَنَّ كَوْنَ فِعْلُ الكُلِّ في الوقتِ أداءً في غَايَةِ الوضوحِ، وَأَوْلَى بِكَونِهَا أداءً مِنْ فِعْلِ البعضِ، واعْلَمْ أَنَّ كلامَهُ إِنْ سَلِمَ مِنْ هذه الحيثيةِ، فهو خارجٌ عَنْ صناعةِ الحدودِ، فَإِنَّ المفعولَ جميعَهُ في الوقتِ هو المقصودُ، فَجَعْلُهُ مُسْتَفَاداً مِنَ المفهومِ، أَوْ مِنْ أمرٍ خارجٍ عَنِ اللفظِ ـ إجحافٌ لاَ حاجةَ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَطْلَقَ البعضَ، فَشَمَلَ مَا دُونَ رَكْعَةٍ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إَنُّهُ إذا أَتَمَّ، إِنَّمَا هَذَا إِنَّمَا يَاتِي فِي الصلاةِ، وكلامُهُ في العبادةِ مِنْ حَيْثُ هي، فكيفَ يُعْرَّفُ العَامُّ بالخاصِّ، وَأَشَارَ بقولِهِ: (وَقِيلَ: كُلُّ) إلى الوجهِ المقابلِ لَهُ وهو أَنَّهَا لاَ تَكُونُ أَدَاءً، وَمَنْ قَالَ: بَعْضُهَا أَدَاءٌ وَبَعْضُهَا قَضَاءٌ، فهو قائلٌ بِأَنَّهَا ليست أَدَاءً، والكلامُ عَنِ العبادةِ بِتَمَامِهَا، وقولُهُ: كُلُّ وبعضُ مضافانِ، وَفَصَلَ بَيْنَ المضافِ إِلَيْهِ، وهو مَا دَخَلَ وَقْتُهُ قَبْلَ خروجِهِ، وَبَيْنَ المضافِ وهو: بَعْضُ ـ بَقَوْلِهِ: وَقِيلَ: اختصاراًَ، وهو على حَدِّ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِغُلاَمِ إِمَّا زَيْدٍ وَإِمَّا عَمْرٍو، إِذَا تَحَقَّقْتَ أَنَّهُ غُلاَمُ أَحَدِهِمَا وَشَكَكْتَ فِي عَيْنِهِ، ومِثْلُهُ: قَطَعَ اللَّهُ يَدَ وَرِجْلَ مَنْ قَالَهَا، تَقْدِيرُهُ: يَدَ مَنْ قَالَهَا وَرِجْلَ مَنْ قَالَهَا.
قَالَ الفَرَّاءُ: لاَ يَجُوزُ حَذْفَ المضافِ إليهِ فِي مِثْلِ هَذَا إِلاَّ في الْمُصْطَحَبَيْنِ، كاليدِ والرجلِ، والنصفِ والربعِ، وقبلَ وبعدَ، وَأَمَّا نَحْوَ: دَارٍ وغلامٍ فَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ فَيِهَا، لَوْ قُلْتَ: اشْتَرَيْتُ دَارَ وَغُلاَم َزَيْدٍ، لَمْ يَجُزْ.
قُلْتُ: وَمِنَ الْمُصْطَحَبَيْنِ: بعضٌ وكلٌّ في كلامِ المصنفِ. إِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَهُنَا أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا القيدَ الذِي زَادَهُ الْمُصَنِّفُ على الْمُخْتَصَرَاتِ الأُصُولِيَّةِ ـ إِنَّمَا هُوَ رَايُ الفقهاءِ، دَعَاهُمْ إليهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ ﷺ : ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ)) وَلَعَلَّ الأصوليينَ لاَ يُوَافِقُونَهُمْ على تسميتِهِ أَدَاءً، وعبارتُهُمْ طافحةٌ بِذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ إِنَّمَا يَتِّمُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ مُرَادُ الفقهاءِ بقولِهِمْ ـ في مفعولِ البعضِ ـ إِنَّهُ أُدَاءٌ، مَعَ الْحُكْمِ عَلَى الباقِي بخروجِ الوقتِ، وَإِنَّمَا وُصِفَ بِالأَدَاءِ تَبَعاً، وهو أَحَدُ الاحتمالَيْنِ للشيخِ الإمامِ، وَقَالَ: إِنَّهُ المتبادرُ مِنْ كلامِهِمْ، أَمَّا إِذَا قُلْنَا بالاحتمالِ
стр. 94
الثانِي، وهو أَنَّ الكُلَّ فِي الوقتِ، فَلاَ يَصِحُّ الاستدراكُ لأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ شيءٌ خارجَ الوقتِ، وهذا هو الذي يَدُلُّ عليه لفظُ الشافعيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي (الْمُخْتَصَرِ) فَإِذَا طَلَعَتْ الشمسُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّي مِنْهَا رَكْعَةً، فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُهَا، فمفهومُهُ أَنَّهُ إِذَا صَلَّى ركعةً، لاَ يَخْرُجُ وَقْتُهَا، وَأَنَّ الوقتَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بالنسبةِ إِلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَةً.
الثانِي: أَنَّهُ حَيْثُ لاَحَظَ الاصطلاحَ الفقهيَّ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: مَا دَخَلَ وقتُهُ الأصلِيُّ والتبعيُّ، كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ الصلاتَيْنِ تأخيراً، فَإِنَّ الْمُؤَخَّرَةَ تَكُونُ أَدَاءً على الصحيحِ مَعَ أَنَّهُ خَرَجَ وَقْتُهَا الأصليُّ، لَكِنَّ وقتَ الثانيةِ وَقْتٌ لَهَا بالتبعِ، وَحَكَى الإِمَامُ وَجْهاً: أَنَّهَا تَكُونُ (١٧ أ) مَقْضِيَّةً عَلَى القاعدةِ، وفائدةُ الرخصةِ رَفْعُ الإِثْمِ وَتَجْوِيزُ قَصْرِ الظُّهْرِ.
(ص): (وَالْمُؤَدَّى مَا فُعِلَ).
(ش): لَمَّا فَرَغَ مِنْ تعريفِ الأداءِ الذِي هو مصدرٌ، أَخَذَ فِي تعريفِ الْمُؤَدَى الذِي هُو اسمُ المفعولِ، وَإِنَّمَا عَرَّفَهُ، لِيُسْتَفَادَ وَلِيُنَبِّهَ عَلَى مكانِ الاعتراضِ على مَنْ عَرَّفَ الأَدَاءَ بِمَا لاَ يَصِحُّ إِلاَّ تعريفاً لِلْمُؤَدَّى، وَلِهَذَا قَالَ: مَا فُعِلَ، وَلَمْ يَقُلْ المفعولَ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ المفعولِ أَخْصَرُ مِنْ لفظِ مَا فُعِلَ؛ لأَنَّهُ أَرَادَ حِكَايَةَ لفظِ ابْنِ الحَاجِبِ أَوْ بعضِهِ لِيُتَفَطَّنَ لَهُ؛ لأَنَّ (مَا) فِي قَوْلِهِ: مَا فُعِلَ، نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أَيْ: شيءٌ فُعِلَ. والأداءُ في الحقيقةِ، فِعْلُ مَا دَخَلَ وَقْتُهُ: وَفَرْقٌ بَيْنَ المصدرِ واسمِ المفعولِ فَإِنْ قُلْتَ: يُخَلِّصُهُ مِنْ هَذَا جَعْلُهَا مصدريةً، قُلْتُ: لاَ يَصِحُّ؛ لأَنَّ (مَا) المصدريةَ حَرْفٌ لاَ يَعُودُ عَلَيْهَا ضَمِيرٌ، وَهُنَا ضميرٌ عَائِدٌ إليها، وهو قَوْلُهُ: في وَقْتِهِ، والضميرُ لاَ يَعُودُ إِلاَّ على الأسماءِ.
(ص): (والوقتُ: الزمانُ الْمُقَدَّرُ لَهُ شَرْعاً مُطْلَقاً).
(ش): هذا أَيْضاًً مِنْ زياداتِ الْمُصَنِّفِ على المختصراتِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُفْرِدُوا ضَابِطَ الوقتِ في الأداءِ، وَإِنْ كَانَتْ عبارةُ ابْنِ الحَاجِبِ فِي حَدِّ الأداءِ تَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وَأَخَذَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كلامِ وَالِدِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: الأحسنُ عِنْدَي فِي تفسيرِهِ: أَنَّهُ الزمانُ
стр. 95
المنصوصُ عليه للفعلِ مِنْ جِهَةِ الشرعِ، فَإِنَّ المأمورَ بِهِ تَارَةً يُعَيِّنُ الآمِرُ وَقْتَهُ كالصلواتِ الخمسِ وتوابعِهَا، وصيامِ رمضانَ، وزكاةِ الفطرِ، فَإِنَّ جميعَ ذلكَ قُصِدَ فيه زمانٌ مُعَيَّنٌ، وَتَارَةً يَطُلُبُ الفعلَ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ للزمانِ، وَإِنْ كَانَ الأمرُ يَدُلُّ عَلَى الزمانِ بالالتزامِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ الفعلِ وُقُوعُهُ في زمانٍ وَلَكِنْ ليسَ مقصوداً للشارعِ، وَلاَ مأموراً بِهِ قَصْداً، فَالْقِسْمُ الأولُ يُسَمَّى مُؤَقَّتاً، والثانِي يُسَمَّى غَيْرَ مُؤَقَّتٍ فَإِنَّ القصدَ مِنْهُ الفعلَ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ للزمانِ، والقسمُ الأولُ قُصِدَ فيه الفعلُ والزمانُ إِمَّا لمصلحةٍ اقتضَتْ تَعِيينَ ذَلِكَ الزمانِ، وَإِمَّا تَعَبُّداً مَحْضاً.
والقسمُ الثانِي ليسَ فيه إِلاَّ قَصْدُ الفعلِ، فَلاَ يُوصَفُ فِعْلُهُ بِأَدَاءٍ وَلاَ قَضَاءٍ؛ لأَنَّهُمَا فَرْعَا الوقتِ، وَلاَ وَقْتَ لَهُ، وَمِنْ هذا القسمِ: الإيمانُ والأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عَنِ المنكرِ، وَعَنْ هَذَا احْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بقولِهِ: شَرْعاً وقولِهِ: مُطْلَقاً. أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ مُضَيَّقاً كصومِ رمضانَ، أَوْ مُوَسَّعاً كالصلاةِ، وَقَدْ تَكُونُ العبادةُ مُؤَقَّتَةً بِوَقْتٍ لاَ نِهَايَةَ لَهُ كالطوافِ للإفاضةِ.
قُلْتُ: وَقَدْ ظَنَّ الْمُصَنِّفُ وغيرُهُ أَنَّ هَذَا مِنْ تَحْرِيرَاتِ وَالِدِهِ، وَقَدْ سَبَقَهُ إلى ذلكَ الشيخُ عِزُّ الدِّينِ فِي (أَمَالِيهِ) حَيْثُ قَالَ: الوقتُ على قِسْمَيْنِ: وقتٌ يُسْتَفَادُ مِنَ الصيغةِ الدالةِ على المأمورِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ الشرعِ حَدَّ للعبادةِ ذلكَ الوقتَ أَوْ لَمْ يَحُدَّ، ووقتٌ يَحُدُّهُ الشارعُ للعبادةِ مَعَ قَطْعِ النظرِ عَنْ كَوْنِ اللفظِ اقتضاهُ أَمْ لاَ. والمرادُ بالوقتِ فِي حَدِّ الأَدَاءِ هو الثانِي دُونَ الأولِ، وَبُنِيَ على ذَلِكَ أَنَّا إِذَا قُلْنَا بالقولِ فِي الأوامرِ، فَأَخَذَ المأمورُ لاَ يَكُونُ قضاءً لأَنَّهَا إِنَّمَا خَرَجَتْ عَنِ الوقتِ الذِي دَلَّ عليهِ اللفظُ، وَإِنَّمَا تَكُونُ أَنْ لَوْ خَرَجَتْ عَنِ وَقْتِهَا المضروبُ لَهَا.
(ص): والقضاءُ فِعْلُ كُلِ ـ وَقِيلَ: بعضِ ـ مَا خَرَجَ وَقْتُ أَدَائِهِ، استدراكاً لِمَا سَبَقَ لَهُ مُقْتَضٍ لِلْفِعْلِ مُطْلَقاً) (١٧ ب).
стр. 96
(ش): مَا سَبَقَ شرحُهُ فِي الأداءِ يَاتِي بِعَيْنِهِ في القضاءِ فَنَقُولُ: (فِعْلُ كُلِّ)، جنسٌ يَدْخُلُ فِيهِ مَا خَرَجَ وَقْتُهُ وَمَا لَمْ يَخْرُجْ، وَاسْتَظْهَرَ بِقَوْلِهِ، ـ وَقِيلَ: الوجهَ الصائرَ إلى أَنَّ الواقعَ فِي بعضِ الوقتِ يكونُ قضاءً، وَقَوْلُهُ: خَرَجَ وقتُ أدائِهِ، يُخْرِجُ الأداءَ وَكَذَا الإعادةَ؛ لأَنَّ وَقْتُهَا وَقْتُ الأداءِ، وَقَدْ يُرَدُّ عَلَى هَذَا القيدِ، مَا لَوْ شَرَعَ فِي الصلاةِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ ثَانِياً، فَإِنَّهُ قضاءٌ كَمَا قَالَهُ القاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ، قَالَ الْمُتَوَلِّي في (التَّتِمَّةِ) وَيَتَصَوَّرُ صَلاَةً تَكُونُ فِي الوقتِ قضاءً بهذه الصورةِ. انْتَهَى.
لَكِنَّ الأصوليُونَ لاَ يُوافِقُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ العادمَ لِلْهَدْي يَصُومُ ثلاثةَ أيامٍ قَبْلَ عَرَفَةَ، وَإِذَا تَأَخَّرَ عَنْ أيامِ التشريقِ صَارَ قضاءً، فَلَوْ فَرَضَ أَنَّهُ أَخَّرَ
стр. 97
طوافَ الزيارةِ عَنْ أيامِ التشريقِ، بِنَاءً على أَنَّهُ لاَ آخِرَ لوقتِهِ وَصَامَهَا لاَ يَكُونُ أَدَاءً، وَإِنْ بَقِيَ الطوافُ؛ لأَنَّ تأخيرُهُ عَنْ أَيَّامِ التشريقِ مِمَّا يَبْعُدُ وَيَنْدُرُ، فَلاَ يَقَعُ، مُرَاداً مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنِ الإمامِ وَغَيْرِهِ، ـ وَقَدْ تَقَعُ الصلاةُ خارجَ الوقتِ وَتَكُونُ أَدَاءً في قَوْلِ بعضِ أصحابِنَا فيما لَوْ صَلَّى بالاجتهادِ، ثُمَّ بَانَ الوقتُ.
وَقَوْلُهُ: (استدراكاً)، احترازاً عَمَّا فُعِلَ بَعْدَ وقتِ الأداءِ لاَ بقصدِ الاستدراكِ، فَإِنَّهُ لاَ يُسَمَّى قضاءً.
وَقَوْلُهُ: (لِمَا سَبَقَ لَهُ مُقْتَضٍ للفعلِ) دَخَلَ في تعبيرِهِ بالمقتضِي: الواجبُ، والمندوبُ فَإِنَّ القضاءَ يَدْخُلُ فِيهِمَا، ولهذا قَالَ الفقهاءُ: يَقْضِي الرواتبَ، وهو أَحْسَنُ مِنْ تَعْبِيرِ (الْمِنْهَاجِ) وَ (الْمُخْتَصَرِ) بالوجوبِ.
والحاصلُ أَنَّهُ لاَ يُؤْمَرُ بقضاءِ عبادةٍ إِلاَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ سببُ الأمرِ بِأَدَائِهَا وَمَتَى لَمْ
стр. 98
يَتَقَدَّمْ ذَلِكَ، لَمْ يُؤْمَرْ بالقضاءِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شُرُوطِ القضاءِ تَقَدُّمُ الوجوبِ، بَلْ تقدمُ سَبَبِهِ، وَبِهِ صَرَّحَ الإمامُ وغيرُهُ، فَإِنَّ الحائضَ تَقْضِي مَا حُرِّمَ عَلَيْهَا فِعْلُهُ فِي وَقْتِ الحيضِ، والحرامُ لاَ يَتَّصِفُ بالوجوبِ.
وَقَوْلُهُ: مُطْلَقاً. أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ يَجِبُ أَدَاؤُهُ كَالظُّهْرِ المتروكةِ عَمْداً أَمْ لَمْ يَجِبْ وَأَمْكَنَ كصومِ المسافرِ، أَوِ امْتَنَعَ عَقْلاً كصلاةِ النائمِ، أَوْ شرعاً كصومِ الحائضِ، وَهَذَا مِنَ الْمُصَنِّفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا انْعَقَدَ سَبَبُ وجوبِهِ وَلَمْ يَجِبْ لِمَانِعٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ تخفيفاً مِنَ الشارعِ سُمِّيَ تَدَارُكُهُ بَعْدَ الوقتِ قضاءً على وجهِ الحقيقةِ، وهي طريقةُ المتأخرِينَ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إِنَّ إِطْلاَقَ اسمِ القضاءِ على هذه الصورةِ يَكُونُ على وجهِ المجازِ، لَكِنْ جَزَمَ بذلكَ فِي الحائضِ والمريضِ الذِي كَانَ يَخْشَى الهَلاَكَ في الصومِ وَتَرَدَّدَ في بَقِيَّةِ الصورِ، ثُمَّ رَجَّحَ كَوْنَهُ مَجَازاً.
قِيلَ: والخلافُ في ذلكَ لَفْظِيٌّ.
قُلْتُ: قَدْ تَظْهَرُ فائدتُهُ في النِّيَّةِ، إِذَا شَرَطْنَا التعرضَ لِنِيَّةِ القضاءِ، قَالَ بَعْضُهُمْ والحقُّ أَنَّ الْحَدَّ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِمْ: خَارِجُ وَقْتِهَا، وَلاَ حَاجَةَ إلى قيدٍ آخَرَ؛ لأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَتَقَدَّمْ سببُهَا لاَ يَكُونُ المفعولُ بَعْدَ الوقتِ تِلْكَ العبادةِ بَلْ غَيْرَهَا، ـ والمقضيُّ المفعولُ مَا سَبَقَ في المُؤَدَّى يَاتِي بِعَيْنِهِ هُنَا حَتَّى يَعْتَرِضَ عَلَى ابْنِ الحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ: القضاءُ مَا فُعِلَ لتعريفِ الْمَقْضِيِّ لاَ القضاءُ الذِي هو المصدرُ، وَعَبَّرَ هُنَا بالمفعولِ لأَنَّهُ الأحسنُ وَإِنَّمَا عَبَّرَ هُنَاكَ بِمَا فُعِلَ للتنبيهِ على الاعتراضِ، فَاسْتَغْنَى بِهِ عَنْ تَكْرِيرِ العبارةِ هُنَا (١٨ أ).
стр. 99
(ص): (والإعادةُ: فِعْلُهُ فِي وَقْتِ الأَدَاءِ، قِيلَ: لِخَلَلٍ، وَقِيلَ: لِعُذْرٍ. فَالصَّلاَةُ الْمُكَرَّرَةُ مُعَادَةٌ).
(ش): إِنَّمَا قَالَ: (فِعْلُهُ) وَلَمْ يَقُلْ (مَا فُعِلَ) كَمَا عَبَّرَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ، لِمَا سَبَقَ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ بَعْدَ تَعْرِيفِ الإعادةِ، وَالمُعَادُ المَفْعُولُ. كَمَا فَعَلَ فِي الأَدَاءِ والقضاءِ، وَكَأَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنْهُ بِمَا سَبَقَ، وَلِمَا سَنَذْكُرُهُ أَنَّ الإعادةَ قِسْمٌ مِنَ الأداءِ.
وَقَوْلُهُ: (فِي وَقْتِ الأَدَاءِ) يُخْرِجُ القضاءَ، والمُرَادُ فِعْلُهُ ثَانِياً لِيُخْرِجَ الأَدَاءَ وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ: (فِعْلُهُ) أَيْ: فِعْلُ المعادِ.
واعتبارُ الْمُصَنِّفِ الوقتَ في الإعادةِ يَقْتَضِي أَنَّهَا قِسْمٌ مِنَ الأداءِ لاَ قَسِيمُهُ، وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ الآمِدِيُّ خِلاَفاً لِمَا وَقَعَ فِي عبارةِ (الْمِنْهَاجِ) (وَالتَّحْصِيلِ).
وَفِي اعتبارِ الوقتِ فِيهِمَا اختلافُ عباراتِ الْمُصَنِّفِينَ مِنَ الأُصُولِيِّينَ، وَمُقْتَضَى كلامِ الفقهاءِ أَنَّهَا للأعمِّ مِنْ ذَلِكَ الوقتِ وَبَعْدَهُ إِذَا كَانَ مَسْبُوقاً بِأَدَاءٍ مُخْتَلٍّ كصلاةِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، والْعَارِي، والمحبوسِ في موضعٍ نجسٍ لاُ يُجَدُ غَيْرَهُ، وَمَنْ عليه نَجَاسَةٌ لاَ يَقْدِرُ عَلَى إِزَالَتِهَا، وَالمَرِيضُ لاَ يَجِدُ مَنْ يُحَوِّلُهُ إلى القِبْلَةِ، وَنَحْوَهُ. مَعَ أَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ عَلَى الثانِيَةِ لفظَ الإعادةِ وَإِنْ فُعِلَتْ خارجَ الوقتِ، فَعُلِمَ أَنَّ الإعادةَ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا الوقوعُ فِي الوقتِ، بَلْ هي عبارةٌ عَنْ فَعِلِ مِثْلِ مَا مَضَى، سَوَاءٌ كَانَ المَاضِي صَحِيحاً أَوْ فَاسِداً، وَعَلَى هذا فَبَيْنَ الإعادةِ والأداءِ عمومٌ وخصوصٌ مِنْ وَجْهٍ، فينفردُ الأداءُ فِي الفعلِ الأولِ وتنفردُ الإعادةِ فِيمَا إِذَا قَضَى صلاةً
стр. 100
وَأَفْسَدَهَا ثُمَّ أَعَادَهَا، وَيَجْتَمِعَانِ فِي الصلاةِ الثانيةِ في الوقتِ.
وَقَوْلُهُ: (قِيلَ لِخَلَلٍ) أَيْ: اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: هِيَ فِعْلُ ذلكَ لِخَلَلٍ واقعٍ فِي الأُولَى، وَبِهِ جَزَمَ فِي (الْمِنْهَاجِ) وَرَجَّحَهُ فِي (الْمُخْتَصَرِ) وَأَرَادَ بِالْخَلَلِ فَوَاتَ الرُّكْنِ أَوِ الشرطِ كَمَا في المسائلِ السابقةِ.
وَ (قِيلَ لِعُذْرٍ) عليه والمرادُ بِهِ مَا تَكُونُ الثانيةُ فِيهِ أَكْمَلُ مِنَ الأُولَى وَإِنْ كَانَتِ الأُولَى صحيحةً، وَبُنِيَ عليه الصلاةُ المُكَرَّرَةُ، فعلى الأولِ لَيْسَتْ مُعَادَةً لانْتِفَاءِ الْخَلَلِ، وعلى الثَّانِي بِخِلاَفِهِ، وَإِنَّمَا أَرْسَلَ الْمُصَنِّفُ الخِلاَفَ بِلاَ تَرْجِيحٍ لأَنَّهُ زَيَّفَ في (شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ) القولَيْنِ بِمَا إِذَا تَسَاوَتِ الجماعتَانِ مِنْ كُلِّ وجهٍ، وَاخْتَارَ لِذَلِكَ أَنَّهَا مَا فُعِلَتْ فِي وَقْتِ الأَدَاءِ ثَانِياً مُطْلَقاً، أَيْ: أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لِخَلَلٍ أَوْ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِهِمَا، وهو ممنوعٌ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَدْرِي القبولَ في أَيِّهِمَا، فالاحتياطُ الإعادةُ، كَمَا لَوْ تَرَجَّحَتِ الثانيةُ، وَأَوْرَدَ عليه أَنَّهُ يَنْبَغِي زيادةُ المكررةِ بالجماعَةِ؛ لأَنَّ تِلَكَ الصلاةِ تُسَمَّى مُعَادَةً على القولِ الثانِي، لاَ الأولَ؛ لأَنَّ فضيلةَ الجماعةِ عُذْرٌ بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَرَّرَ الصلاةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنَّهَا لاَ تُسَمَّى إِعَادَةً، وَأَجَابَ أَوَّلاً بِأَنَّ المرادَ المكررةُ لعذرٍ لاَ مطلقَ المكررةِ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إِنَّ الإعادةَ مُطْلَقُ فِعْلِهِ فِي وقتِ الأَدَاءِ، بَلْ فِعْلُهُ فِيهِ إِمَّا لِخَلَلٍّ وَإِمَّا لِعُذْرٍ، ـ وثانياً: إِنَّا نَمْنَعُ أَنَّ إِعَادَةَ الصلاةِ إِلاَّ لِعُذْرٍ يُسَمَّى إِعَادَةً.
(ص): (والْحُكْمُ الشرعيُّ إِنْ تَغَيَّرَ إلى سهولةٍ لِعُذْرٍ مَعَ قيامِ السببِ للحُكْمِ الأصلِيِّ، فَرُخْصَةٌ، كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَالْقَصْرِ، وَالسَّلَمِ، وَفِطْرِ مُسَافِرٍ لاَ يُجْهِدُهُ
стр. 101
الصومُ وَاجِباً وَمَنْدُوباً، وَمُبَاحاً وَخِلاَفُ الأَوْلَى).
(ش): جَعْلُ الرخصةِ والعزيمةِ مِنْ أقسامِ الحُكْمِ ذَكَرَهُ الغَزَلِيُّ وَالْبَيْضَاوِيُّ، لَكِنْ جَعَلَهُ الآمِدِيُّ وابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ أقسامِ الفعلِ، فالحُكْمُ جِنْسٌ.
وَقَوْلُهُ: (الشرعيُّ) قَيْدٌ زَادَهُ على الْمُخْتَصَرَيْنِ (١٨ ب) وهو مُسْتَغْنًى عَنْهُ لأَنَّ كلامَهُ إِنَّمَا هو في الشرعِيِّ، وَقَدْ قَالَ في أولِ الكتابِ، وَمِنْ ثَمَّ لاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ.
وَقَوْلُهُ: (إِنْ تَغَيَّرَ إلى سَهَولِةٍ) فَصْلٌ خَرَّجَ بِهِ الحدودَ والتعازيرَ مَعَ تكريمِ الآدميِّ المقتضِي للمنعِ مِنْهَا. وَقَوْلُهُ: (لِعُذْرٍ) أَخْرَجَ التخصيصَ، فَإِنَّهُ تَغْيِيرٌ لَكِنْ لاَ لِعُذْرٍ.
وَقَوْلُهُ: (مَعَ قِيامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الأَصْلِيِّ) يُرِيدُ أَنَّ شرطَ الرخصةِ أَنْ يَكُونَ المقتضِي لِلْحُكْمِ
стр. 102
قَائِماً، وَيُعَارِضُهُ المانعُ لسببٍ راجحٍ عليه، كَأَكْلِ الميتةِ في حالِ الْمَخْمَصَةِ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ مَعَ قيامِ دليلِ التحريمِ على أَكْلِ الميتةِ، واحترزَ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخاً كَالآصَارِ التي كَانَتْ على مَنْ قَبْلَنَا وَنُسِخَتْ فِي شريعتِنَا تيسيراً وتسهيلاً فلا يُسَمَّى نَسْخُهَا لَنَا رُخْصَةً، وَأَشَارَ فِي (الْمُسْتَصْفَى) إلى أَنَّهَا تُسَمَّى رُخْصَةً مَجَازاً، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هذا التعريفَ لا يَطَّرِدُ، فَإِنَّ تَرْكَ صلاةِ الحائضِ عزيمةٌ لاَ رخصةً، وهو مشروعٌ لِعُذْرِ الحَيْضِ مَعَ قيامِ الدليلِ الْمُحَرِّمِ لَوْلاَ عُذْرُ الحيضِ، إِذْ يَحْرُمُ التركُ على الطاهِرَةِ، كَمَا أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ مَشْرُوعٌ لِعُذْرِ الاضطرارِ مَعَ قِيامِ المُحَرِّمِ وَلَوْلاَ الاضطرارُ؛ إِذْ يَحْرُمُ أُكْلُ الميتةِ على غَيْرِ المضطرِ.
وَقَسَّمَهَا إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: رخصةٌ واجبةٌ، كَأَكْلِ الميتةِ، وهو الصحيحُ، وَقِيلَ: لاَ يَلْزَمُ الأكلُ؛ بَلْ يَجُوزُ، وَمِثْلُهُ وُجُوبُ استدامَةِ لِبْسِ الْخُفِّ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ مِنَ المَاءِ مَا يَكْفِيهِ على وَجْهٍ مَرْجُوحٍ، وَقَدْ يُنَازَعُ في مُجَامَعَةِ الرُّخْصَةِ الوجوبَ؛ لأَنَّ الرخصةَ تَقْتَضِي التَّسْهِيلَ، ولهذا قَالَ الإمامُ فِي بَابِ صلاةِ المسافرِ مِنَ
стр. 103
(النَّهَايَةِ): يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَكْلُ الميتةِ ليسَ برخصةٍ، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ، ويَجُوزُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بالتيممِ، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى فَاقِدِ المَاءِ وهو مَعْدُودٌ مِنَ الرخصِ، وهذا مِنَ الإمامِ يَقْتَضِي تَرَدُّداً في أَنَّ الوجوبَ يُجَامِعُ الرخصةَ أَمْ لاَ؟ ************ ولأَجْلِهِ قَالَ صَاحِبُهُ إِلْكِيَا الْهَرَّاسُ= في كتابِهِ (أَحْكَامِ الْقُرْآنِ): الصحيحُ عِنْدَنَا أَنَّ أكلَ الميتةِ للمضطرِ عزيمةٌ لاَ رخصةً، كالفطرِ للمريضِ فِي رمضانَ ونحوه، وَقَالَ الشيخُ تقيُّ الدينِ: لاَ مَانِعَ مِنْ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ رخصةٌ مِنْ وَجْهٍ وعزيمةٌ مِنْ وجهٍ، فَمِنْ حَيْثُ قِيَامُ الدليلُ المانعُ نُسَمِّيهِ رخصةً، وَمِنْ حَيْثُ الوجوبِ نُسَمِّيهِ عزيمةً. فَحَصَلَ في مجامعةِ الرخصةِ للوجوبِ ثلاثةُ آراءٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَاياً ثَالثاً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هذا تنقيحاً للخلافِ وهو الأقربُ.
الثانِي: مندوبةٌ، كالفطرِ للمسافرِ، يَعْنِي: إِذَا بَلَغَ ثلاثةَ مراحلَ.
الثالثُ: مُبَاحَةٌ، وهو كُلُّ مَا رُخِّصَ فيه مِنَ المعاملاتِ كَالسَّلَمِ، فَإِنَّهُ وَرَدَ
стр. 104
النهيُ عَنْ بيعِ مَا ليسَ عِنْدَكَ وَرُخِّصَ فِي السَّلَمِ، فشرطُ العنديةِ في البيعِ لسببِ المقدرةِ على التسليمِ، ثُمَّ أُسْقِطَ هذا الشرطُ في السَّلَمِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مشروعاً، حتى كَانَتِ العنديةُ في السَّلَمِ مُفْسِدَةً لَهُ، وَإِنَّمَا سَقَطَ هذا الشرطُ فيه، تَيْسِيراً على المحتاجِينَ لِيَتَوَصَّلُوا إِلَى مقاصدِهِمْ مِنَ الأَثْمَانِ قَبْلَ إدراكِ غَلاَّتِهِمْ، مَعَ توصلِ صاحبِ الدراهمِ إلى مقصودِهِ مِنَ الربحِ، فَكَانَ رخصةً.
وَمِثْلُهُ: الْمُسَاقَاةُ وَالْقِرَاضُ وَالإِجَارَةُ وَالْعَرَايَا، وَقَدْ صَحَّ الحديثُ بالتصريحِ فيها بالرخصةِ، فَقَالَ: (وَأُرَخِّصُ فِي الْعَرَايَا) فَلَوْ مَثَّلَ بِهِ الْمُصَنِّفُ لَكَانَ أَحْسَنُ، وَلأَنُّ الْغَزَالِيُّ فِي (الْمُسَتَصْفَى) تَرَدَّدَ في ذَلِكَ فَقَالَ: قَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ رخصةً لأَنَّ عُمُومَ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ مَا ليسَ عِنْدَهُ يُوجِبُ تحريمَهُ.
قَالَ: (١٩ أ) وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: السَّلَمُ عقدٌ آخرُ، فَهُوَ بَيْعُ دَيْنٍ، وذلكَ بَيْعُ عَيْنٍ، فَافْتَرَقَا وافتراقُهُمَا في الشرطِ لاَ يُلْحِقُ أَحَدَهُمَا الرُّخَصَ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَجَازاً، وَأَنَّ قولَ الراوِي: نَهْيٌ عَنْ بَيِعِ مَا ليسَ عِنْدَكَ، وَأُرَخِّصُ فِي السَّلَمِ ـ تَجُوزُ فِي العبارةِ.
قُلْتُ: وقريبٌ مِنْ هذينِ الاحتمالَينِ وَجْهَانِ نَقَلَهُمَا المَاوَرْدِيُّ: أَنَّ السَّلَمَ أَصْلٌ بنفسِهِ، أَوْ عَقْدُ غَرَرٍ، جُوِّزَ للحاجةِ كالإجارةِ، وَأَمَّا الاعتراضُ بِأَنَّهُ قَدْ يُنْدَبُ السَّلَمُ، بِأَنْ يُحْتَاجَ إلى مَالِ الصبيِّ فَيُسْلَمَ فيه، فضعيفٌ؛ لأَنَّ ذَلِكَ لأمرٍ عارضٍ، ليسَ لِكَوْنِهِ
стр. 105
سَلَماً، بَلْ لِكَوْنِهِ يُعَيِّنُ مصلحةَ اليتيمِ، والكلامُ فِي السَّلَمِ مِنْ حَيْثُ هو سَلَمٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ تَمْثِيلَ الْمُصَنِّفِ وغيرِهِ يُوهِمُ قَصْرَ الرخصةِ في المباحِ على المعاملاتِ وليسَ كذلكَ، فَإِنَّهُ يَاتِي في العباداتِ كتعجيلِ الزكاةِ، وفي الحديثِ التصريحُ بالرخصةِ للعباسِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الأصحابِ باستحبابِهَا، بَلِ اخْتَلَفُوا فِي الجَوَازِ، ـ والصحيحُ الجوازُ، بَلْ قَدْ تَاتِي فِي غَيْرِ العباداتِ والمعاملاتِ، وَلِهَذَا قَالَ في (الْبَسِيطِ): شَعْرُ المأكولِ إِذَا جُزَّ فِي حياتِهِ ـ طَاهِرٌ، رخصةً، لمسيسِ الحاجةِ إليها في المفارشِ، وَقَالَ الإمامُ في (النهايةِ): إِنَّ لَبَنَ المأكولِ طاهرٌ، وَذَلِكَ عِنْدِي فِي حُكْمِ الرُّخَصِ، فَإِنَّ الحاجةَ مَاسَّةٌ إليها، وَقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِإِحْلاَلِهَا، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُنَازَعُ فِي مُجَامَعَةِ الرخصةِ للإباحةِ إِذَا كَانَ أَصْلُهَا التحريمُ، فَإِنَّ القاضِي حُسَين+ فِي فَتَاوَاهُ لَمَّا تَكَلَّمَ على الإكراهِ على النقبِ والإخراجِ أَنَّهُ شُبْهَةً فِي سقوطِ القَطْعِ، قَالَ الشيخُ
стр. 106
العباديُّ: لاَ أَقُولُ: أُبِيحُ لِلْمُكْرَهِ النقبَ والإخراجَ عَنِ الْحِرْزِ، بَلْ أَقُولُ: رُخِّصَ لَهُ فِيهِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الإباحةِ والرخصةِ، فَإِنَّهُ لَوْ حَلِفَ لاَ يَاكُلُ الحرامَ، فَأَكَلَ الميتةَ للضرورةِ، حَنَثَ في يَمِينِهِ؛ لأَنَّهُ حَرَامٌ إِلاَّ أَنَّهُ رُخِّصَ لَهُ
فيه. انْتَهَى.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ الأَعْيَانَ لاَ تُوصَفُ بِحِلٍّ وَلاَ حُرْمَةٍ، فَيَبْقَى التناولُ وهو واجبٌ، فيكفَ يَكُونُ حَرَاماً وليسَ ذَا وَجْهَينِ؟! ثُمَّ رَأَيْتُ الإِمَامَ عَبْدَ الْعَزِيزِ شَارِحَ البَزْدَوِيِّ قَالَ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا فِي حَالِ الضرورةِ: أَنَّهَا تَصِيرُ
стр. 107
مباحةً أَوْ تَبْقَى عَلَى الحرمةِ؟ فَذَهَبَ بعضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا لاَ تَحِلُّ، وَلَكِنْ يُرَخَّصُ الفعلُ إِبْقَاءً لِلْمُهْجَةِ، كَمَا فِي الإِكْرَاهِ عَلَى الكُفْرِ، وهو رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَأَحَدُ قَوْلَيِّ الشَّافِعِي، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ الْحُرْمَةَ تَرْتَفِعُ في هذه الحالةِ، وَذَكَرَ للخلافِ فائدتَينِ.
إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ إِذَا صَبَرَ حتى مَاتَ لاَ يَكُونُ آثِماً على الأولِ، بخلافِهِ على الآخرِ.
الثانيةُ: إِذَا حَلَفَ لاَ يَاكُلُ حَرَاماً فَتَنَاوَلَهَا في حالِ الضرورةِ، يحنثُ على الأولِ ولاَ يَحْنَثُ على الثانِي.
الرابعُ: خِلاَفُ الأَوْلَى، كالفطرِ لِمَنْ لاَ يَتَضَرَّرُ بالصومِ َ، وَإِنَّمَا لَمْ يُمَثِّلْ بمسحِ الْخُفِّ كَمَا مَثَّلَ بِهِ غيرُهُ؛ لأَنَّ فِي كَوْنِهِ رخصةً أَوْ عزيمةً كالفطرِ خِلاَفاً، كَمَا رَأَيْتُهُ فِي تعليقِ الشيخِ أَبِي حَامِدٍ.
تَنْبِيهَاتٌ:
الأولُ: عُلِمَ مِنِ اقْتِصَارِهِ عَلَى هَذِهِ الأربعةِ، أَنَّ الرخصةَ لاَ تُجَامِعُ
стр. 108
التحريمَ وَلاَ الكراهةَ، وهو ظاهرُ قَوْلِهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ .....)).
لَكِنَّ في كلامِ الأصحابِ مَا يُوهِمُ مَجِيئَهَا مَعَ الرخصةِ.
أَمَّا التحريمُ: فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَوِ اسْتَنْجَى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَجْزَأَهُ، مَعَ أَنَّ اسْتِعْمَالَ (١٩ ب) الذهبِ والفِضَََََّّّةِ حرامٌ، والاستنجاءَ بغيرِ الماءِ رخصةٌ، إِلاَّ أَنْ يُقَالَ: هَذَا لَهُ جِهَتَانِ، والتحريمُ مِنْ ناحيةِ مُطْلَقِ الاستعمالِ، لاَ مِنْ خصوصِ الاستنجاءِ الذي هُوَ رخصةٌ، وَأَمَّا الكراهةُ فَكَالقَصْرِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثلاثةِ مَرَاحِلَ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، كَمَا قَالَهُ المَاوَرْدِيُّ فِي بابِ الرَّضاعِ.
الثانِي: تقسيمُهُ الرخصةِ إلى واجبٍ ومندوبٍ ومباحٍ وخلافِ الأَوْلَى -صريحٌ في أَنَّهَا مِنْ خطابِ الاقتضاءِ لاَ الوضعِ، وَصَرَّحَ الآمِدِيُّ بِأَنَّهَا مِنْ أصنافِ خطابِ الوضعِ.
стр. 109
الثالثُ: ضَبَطَ النَّوَوِيُّ في جزءِ القيامِ الرخصةَ بِضَمِّ الخاءِ وإسكانِهَا، وَكَذَا ذَكَرَهُ في (الْمُحْكَمِ)، وَاقْتَصَرَ فِي لُغَاتِ الرَّوْضَةِ عَلَى التسكينِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الضمَّ، واشْتُهِرَ على أَلْسِنَةِ كثيرٍ مِنَ الفقهاءِ ضَمُّ الراءِ وفتحُ الخاءِ، وهو لاَ يُعْرَفُ فِي كُتُبِ اللغةِ، والمشهورُ أَنَّ المُتَرَخَّصَ فِيهِ، يُقَالُ فَيهَ: رُخْصَةٌ، بضمتَينِ وَبِضَمِّ الأولِ وإسكانِ الثانِي، ولاَ يُقَالُ بالفتحِ إِلاَّ للشخصِ المُتَرَخِّصِ في الأمورِ كَهُمَزَةٍ وَلُمَزَةٍ وَضَحِكَةٍ، وفيها لُغَةٌ ثالثةٌ: خرصةٌ، بتقديمِ الخَاءِ حَكَاهَا الفَارَابِيُّ، والظاهرُ أَنَّهَا مقلوبةٌ مِنَ الأُوْلَى.
(ص): (وَإِلاَّ فَعَزِيمَةٌ).
(ش): يَعْنِي، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرِ الحُكْمُ، أَوْ تَغَيَّرَ، وَلَكِنْ لاَ لعذرٍ على وجهِ التيسيرِ فعزيمةٌ.
стр. 110
سَوَاءٌ أَكَانَ وَاجِباً، أَوْ مَنْدُوباً، أَمْ مُبَاحاً، أَمْ مَكْرُوهاً أَمْ حَرَاماً، مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ عَزَمَ أَمْرَهُ؛ أَيْ: قَطَعَ وَحَتَّمَ، سَهُلَ على المُكَلَّفِ أَوْ شَقَّ، وَمَا اقْتَضَاهُ إطلاقُ الْمُصَنِّفِ مِنْ مَجِيءِ الأَحْكَامِ الخَمْسَةِ فِيهَا، هو قضيةُ كلامِ البَيْضَاوِيِّ، وَقِيلَ عليها سِوَى الحرامِ وهو قضيةُ كلامِ الإمامِ، وَقَالَ القِرَافِيُّ+: الوَاجِبُ والمندوبُ فَقَطْ؛ لأَنَّهُمَا طَلَبٌ مُؤَكَدٌ، فَلاَ يَجِيءُ المُبَاحُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: المَشْهُورُ أَنَّ الْعَزِيمَةَ لاَ تَكُونُ إِلاَّ في الواجبِ لأَنَّهُمْ فَسَّرُوهَا بِمَا لَزِمَ العبادَ بإلزامِ اللَّهِ تَعَالَى؛ أَيْ: بَإِيجَابِهِ على مَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ.
следующие страницы →