Полный текст (1 929 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
قيامٌ آخَرَ غيرُ اللاَّزمِ عن قيامِ زيدٍ، أو ليسَ له؟ لا تَعَرُّضَ في الكلامِ لذلك، ولكنَّ الأكْثَرَ كونُ الأوَّلِ والثاني غيرَ واقِعَيْنِ، وقولُه: ثمَّ يَنْتَفِي التالِي؛ أي: وأَمَّا التالِي فإمَّا أنْ يَكُونَ التَّرْتِيبُ بَيْنَه وبَيْنَ الأوَّلِ تَنَاسُباً، أو لا، فإنْ كانَ مُنَاسِباً نُظِرَ إنْ لم يَخْلُفِ المُقَدَّمُ غيرَه فالتالِي مُنْتَفٍ في هذه الصورةِ، نحوَ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهَ لَفَسَدَتَا﴾. وقولُك: لو جِئتَنِي لأَكْرَمْتُكَ، لكنَّ المقصودَ الأعظمَ في المثالِ الأوَّلِ: نَفْيُ الشَّرْطِ رَدًّا على مَن ادَّعَاهُ، وفي الثاني: أنَّ المُوجِبَ لانْتِفاءِ الثاني هو الأوَّلُ لا غيرَ، وإنْ كانَ للأوَّلِ عندَ انتفاءِ شيءٍ آخَرَ يَخْلُفُه ممَّا يَقْتَضِي وجودَ الثانِي نحوَ: لو كانَ إنساناً لكانَ حيواناً، فإنَّه عندَ انتفاءِ الإنْسانِيَّةِ قد يَخْلُفُها غيرُها ممَّا يَقْتَضِي وجودَ الحيوانِيَّةِ، وإنْ لم يكنِ الترتيبُ بينَ الأوَّلِ والثانِي مُنَاسِباً لم يَدُلُّ على انتفاءِ الثاني بل على وجودِه من بابِ أَوْلَى، نحوَ: ((نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٍ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ لَمْ يَعْصِهِ)). فإنَّ المَعْصِيَةَ مُنْتَفِيَةٌ عندَ عَدَمِ الخوفِ فعِنْدَ الخوفِ أوْلَى، ثمَّ جَعَلَ المُصَنِّفُ للمُناسِبِ مَراتِبَ:
أَحدُها: أنْ يكونَ بالأوْلَى كـ (لو) لم يَخَفِ اللهَ لم يَعْصِه.
وثانِيها: بالمساواةِ؛ أي: تكونُ مُنَاسِبَةَ التالي مُساويَةً لمناسبةِ المُقَدَّمِ. كقولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 457
في بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ: ((إِنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتَي فِي حِجْرِي، مَا حُلَّتْ لِي، إِنَّهَا لابْنَةَ أَخِي مِنَ الرَّضَاعِ)). فإنَّ حِلَّها له ﵊ مُنْتَفٍ من وَجْهَيْنِ، كونُها رَبِيبَتُه، وكونُها ابنةُ أَخِيهِ من الرضاعِ.
ثالثُها: أنْ تكونَ المُناسبَةُ في ذلك دونَ مُناسبَةِ المُقَدَّمِ، فيَلْحَقُ به أيضاًً، للاشتراكِ في المَعْنَى، كقولِكِ في أُخْتِكَ من النَّسَبِ والرَّضاعِ: لو انْتَفَتْ أُخُوَّةُ النَّسَبِ لَمَا كانَتْ حَلالاً؛ لأنَّها أُخْتٌ من الرَّضاعةِ، فتُحْرَمُ أُخْتٌ من الرَّضاعَةِ دونَ تَحْريمِ أُخْتُ النَّسَبِ، ولكنَّها عِلَّةٌ مُقْتَضِيَةٌ للتَّحْرِيمِ كاقْتِضاءِ السَّبَبِ ولو انْتَفَتْ أَقْوَى العِلَّتَيْنِ، لاسْتَقَلَّتْ الضعِيفَةُ بالتعليلِ، إذا كانَتْ في نَفْسِها صالِحَةً له، وإنَّما قالَ المُصَنِّفُ: كقولِك؛ لأنَّه لا وُجودَ له في كلامِ الشارعِ ولا العُرْفِ، وكذا قولُه: لو كانَ إنساناً لكانَ حيواناً، بخلافِ الأمْثِلَةِ الباقِيَةِ، وحاصلُ الخلافِ في إفَادَتِها الامتناعُ، أقوالٌ:
أحدُها: لا تُفِيدُه أبداً، وهو قولُ الشَّلَوْبِينِ.
والثاني: تُفِيدُ امْتِناعَ الشرْطِ وامتناعَ الجوابِ جميعاً، وهو قولُ البَصْرِيِّينَ.
والثالثُ: تُفِيدُ امتناعَ الشرطِ خاصَّةً، ولا دلالَةَ لها على امتناعِ الجوابِ ولا على ثُبُوتِه، ولكنَّه إنْ كانَ مُساوياً للشرْطِ في العمومِ، نحوَ: لو كَانَتِ الشَّمْسُ طالِعَةً كانَ النهارُ موجوداً ـ لَزِمَ انْتِفَاؤُه؛ لأنَّه يَلْزَمُ من انْتفاءِ السَّبَبِ المُسَاوِي انْتِفاءَ مُسَبِّبِه،
стр. 458
وإنْ كانَ أَعَمٌّ، نحوَ: لو كَانَتْ الشَّمْسُ طَالِعَةً كانَ الضوءُ موجوداً، فلا يَلْزَمُ انتفاءَ القَدَرِ المُساوِي فيه للشرْطِ، وعَزَاهُ بعضُ الأَئِمَّةِ المُحَقِّقِينَ، وهو ظاهرُ عبارةِ سِيبَوَيْهِ، فإنَّ قولَه: لَمَّا كانَ سَيَقَعُ، دليلٌ على أنَّه لم يَقَعْ، وهذا تصريحٌ بأنَّها دالَّةٌ على امتناعِ شَرَاطِها، وقد اعْتَنَى بَدْرُ الدِّينِ بنُ مَالِكٍ بكلامِ المُعَرَّبِينَ، وَرَدَّهُ لكلامِ سِيبَوَيْهِ، وقالَ: إنَّه يَسْتَقِيمُ على وَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يكونَ المُرادُ أنَّ جوابَ (لو) مُمْتَنِعٌ لامتناعِ الشرطِ غيرُ ثَابِتٍ لثبوتِ غيرِه، بِنَاءٌ منهُم على مفهومِ الشرطِ في حُكْمِ اللُّغَةِ لا في حُكْمِ العَقْلِ.
الثاني: أنْ يكونَ المرادُ أنَّ جوابَ (لو) امْتَنَعَ لامتناعِ شرْطِه، وقد يكونُ ثابتاً لثبوتِ غيرِه؛ لأنَّها إذا كانَتْ تَقْتَضِي نَفْيَ تالِيهَا واسْتِلْزَامِه لتالِيه، فقد دَلَّتْ على امتناعِ الثاني لامتناعِ الأوَّلِ؛ لأنَّه متى انْتَفَى شيءٌ انْتَفَى مُساوِيهُ في اللُّزومِ، معَ احتمالِ أنْ يَكُونَ ثَابِتاً لثبوتِ أَمْرٍ آخَرَ، فإذا قلتَ: لو كانَتِ الشمسُ طالعِةً، كانَ الضوءُ موجوداً، فلا بُدَّ من انتفاءِ القَدْرِ المُساوِي منه للشَّرْطِ، فصَحَّ أنْ يُقالَ: (لو) حَرْفٌ يَدُلُّ على امتناعِ الثاني لامتناعِ الأوَّلِ.
ص: وتَرِدُ للتَّمَنِّي.
ش: نحوَ: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾؛ أي: فلَيْتَ لنَا، ولهذا نَصَبَ (نكونَ) في جوابِها، كما انْتَصَبَ (فأَفُوزَ) في جوابِ ليْتَ في: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ
стр. 459
فَأَفُوزَ﴾ وهل هي الامْتِنَاعِيَّةُ، أُشْرِبَتْ معنَى التَّمَنِّي لكونِها لا تَقَعُ غالباً إلاَّ بعدَ مُفْهَمِ تَمَنٍّ؟ ثلاثةُ أقوالٍ، وإلى الأخيرِ صَارَ ابنُ مالِكٍ، وغَلَّطَ الزَّمَخْشَرِيُّ في عَدِّهَا حَرْفُ تَمَنٍّ لمَجِيئِها معَ فِعْلِ التَّمَنِّي في قَوْلِهِ: ﴿وَدُّوا لَوُ تُدْهِنُ﴾ ولو كانَتْ لِلتَّمَنِّي لَمَا جَمَعَ بينَهما كما لم يَجْمَعْ بينَ لَيْتَ وفِعْلَ تَمَنَّ، وهذا مَرْدُودٌ؛ لأنَّ حَالَةَ دخولِ فِعْلَ التَّمَنِّي عليها لا تكونُ حَرْفُ تَمَنٍّ، بل مُجَرَّدَةٌ عنه، فمرادُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغيرَه ممَّنْ أَثْبَتَها للتَّمَنِّي حيثُ لم تَلِ فِعْلَ تَمَنٍّ.
ص: ولِلْعَرْضِ والتَّحْضِيضِ.
ش: فالأوَّلُ: نحوَ: لو تَنْزِلُ عندَنا فتُصِيبُ خيراً، والثاني: لو فَعَلْتَ كذا يا هذا، بمعنَى افْعَلْ، والفرقُ بينَهما أنَّ العَرْضَ طَلَبٌ بلِينٍ، والتحضيضُ طَلَبٌ بِحَثٍّ، وقَلَّ مَن ذَكَرَ التحضيضَ، وقد ذَكَرَهُ العَكْبَرَاوِيُّ في (الشامِلِ) ومثلُه بما ذَكَرَنَا، قالَ: وأكثرُ ما تَجِيءُ معَ ما.
ص: والتقليلُ نحوَ: ولو بِظُلْفٍ مُحْرَقٍ.
стр. 460
ش: أَثْبَتَهُ ابنُ هِشَامٍ الخَضْرَاوِيُّ، وابنُ السَّمْعَانِيِّ في (القواطعِ)، والحقُّ أنَّه مُسْتَفَادٌ ممَّا بعدَها لا مِن الصِّيغَةِ، والظَّلَفُ بالكَسْرِ: للبَقَرِ والغَنَمِ، كالحافِرِ للفَرَسِ، وإنَّما لم يُمَثِّلِ المُصَنِّفُ: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوُ بِشِقِّ تَمْرَةٍ))، ((الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتِماً مِنْ حَدِيدٍ)). معَ أنَّهما أَصَحُّ ممَّا ذَكَرَه، لإفَادَتِه النهايةُ في التقليلِ بخلافِ التَّمَرَةِ والخَاتَمِ.
ص: الحَادِي والعشرونَ: (لَنْ) حَرْفُ نَفْيٍ ونَصْبٍ واسْتِقْبَالٍ، ولا تُفِيدُ تَاكِيدَ النَّفْيِ ولا تَابيدِه، خلافاً لِمَا زَعَمَه.
ش: (لَنْ) تَنْصِبُ المضارعَ وتُخْلِصُه للاستقبالِ، نحوَ: لَنْ يَقُومَ زَيدٌ، وهي تُفِيدُ مُطْلَقُ النَّفْيِ، وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (الكَشَّافِ) أنَّها تُفِيدُ تَاكِيدَ النَّفْيِ، وفي (الأَنْمُوذَجِ) تُفِيدُ تَابيدِه، قالَ ابنُ مَالِكٍ: وحَمَلَه على ذلك اعتقادُه أنَّ اللهَ تعالَى لا يُرَى، وهو اعتقادٌ باطلٌ.
وقالَ ابنُ عُصْفُورٍ، ما ذَهَبَ إليه دَعْوَى بلا دليلٍ عليها، بل قد يكونُ النَّفْيُ بـ (لا) آكِدٌ من النَّفْيِ بـ (لن)؛ لأنَّ المَنْفِيَّ بـ (لا) قد يكونُ
стр. 461
جواباً للقَسَمِ، والمَنْفِيَّ بـ (لن) لا يكونُ جواباً له، ونَفْيُ الفِعْلِ إذا أَقْسَمَ عليه آكِدٌ، ورَدَّهُ غيرَه بأنَّها لو كانَتْ للتَّابيدِ لم يُقَيَّدْ مَنْفِيهَا باليومِ في قَوْلِهِ تعالَى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾، ولكانَ ذَكَرَ الأبَدُ في قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ تِكْرَاراً، إذِ الأصْلُ عَدَمُه، بقولِه تعالَى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ولو كَانَتْ للتَّابيدِ لَمَا صَحَّ أنْ يُوَقِّتَ.
قلتُ: ووافَقَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الثاني ابنُ عَطِيَّةَ، واقْتَضَى كلامُه أنَّها مَوْضُوعَةٌ في اللُّغَةِ لذلكَ، حتى قالَ: ولو بَقِينَا على هذا النَّفْيِ بمُجَرَّدِه لتَضَمَّنَ أنَّ مُوسَى لا يَرَاهُ أَبَداً ولا في الآخِرَةِ، لكنْ وَرَدَ من جِهَةٍ أُخْرَى في الحديثِ المُتَواتِرُ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَرَوْنَهُ.
قلتُ: ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرادُه أنَّ نَفْيَ المُسْتَقْبَلِ بعدَها يَعُمُّ جميعَ الأزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلَةِ من جِهَةِ أنَّ الفِعْلَ نَكِرَةٌ، والنكرةُ في سِياقِ النَّفْيِ تَعُمُّ.
وَوَافَقَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الأوَّلِ جماعَةٌ منهم ابنُ الخَبَّازِ في (شَرْحِ الإيضاحِ) فقالَ: (لن) لِنَفْيِ المُضَارِعُ على جِهَةِ التَّاكِيدِ، ونَفْيهُ أَبْلَغُ من نَفْيِ (لا) ألاَ تَرَى أنَّه يُسْتَعْمَلُ في المواضِعِ التي يَسْتَمِرُ عَدَمِ الاتصالِ فيها كقولِه: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ليسَ لا يَرَاهُ في الدُّنْيَا، وقولُه: ﴿وَلَنْ يَخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ﴾؛ لأنَّ خُلْفُ= الوَعْدِ على اللهِ مُحَالٌ، ومنهم صَاحِبُ (التِّبْيَانِ) فقالَ: إنْ (لن) لنَفْيِ المَظْنُونِ حُصوله= ولا لنَفِي المَشْكُوكِ فيه، فـ (لن) آكِدٌ، وأنَّ (لن) تَنْفِي ما قَرُبَ، ولا
стр. 462
يَمْتَدُّ معنَى النَّفْيِ فيها كما يَمْتَدُّ في (ما)؛ لأنَّ ما آخِرُه ألِفٌ يَمْتَدُّ معه الصُّوْتُ بخلافِ ما في آخِرِه نُونٌ، وقد رَدَّ عليه ابنُ عَمِيرَةَ في (التَّنْبِيهَاتِ) هذا الكلامُ وقيلَ: إنَّ السُّهَيْلِيَّ ذَكَرَهُ في (نَتَائِجِ الفِكْرِ).
ص: وتَرِدُ للدُّعاءِ وِفَاقاً لابنِ عُصْفُورٍ.
ش: أي: كَمَا أنَّ (لا) لذلكَ حَكَاهُ ابنُ السَّرَّاجِ عن قَوْمٍ، وخَرَّجَ عليه.
قولَه تعالى: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ والصحيحُ عندَ ابنِ مالِكٍ وغيرِه، أنَّه يُسْتَعْمَلُ في الدُّعاءِ من حروفِ النَّفْيِ إلاَّ (لا) خاصَّةً، ولا حُجَّةَ فيما
стр. 463
اسْتَدَلُّوا به لاحْتِمَالِ أنْ يَكُونَ خَبَراً، ولأنَّ الدُّعاءَ لا يَكُونُ للمُتَكَلِّمِ، اعْلَمْ أنَّ عِبَارَةَ (التَّسْهِيلِ) ولا يَكُونُ الفِعْلُ مَعَها دعاءً خلافاً لبعضِهم، وبه ظَهَرَ أنَّ تَعْيينِ المُصَنِّفِ مُنْتَقِدٌ.
ص: الثاني والعِشْرونَ: (ما) تَرِدُ اسْمِيَّةٌ وحَرْفِيَّةٌ مَوْصُولَةٌ، ونَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وللتَّعَجُّبِ واسْتِفْهَامِيَّةٌ وشَرْطِيَّةٌ زَمَانِيَّةٌ وغيرُ زَمَانِيَّةٍ.
ش: تَرِدُ (ما) اسماً وحَرْفاً، فالاسْمِيَّةُ: هي التي يَكُونُ لها مَوْضِعٌ من الإعْرابِ، والحَرْفِيَّةُ خلافَ ذلك، وللاسِمِيَّةُ مَوارِدٌ:
أحدُها: أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةٌ، وهي ما صَلَحُ في مَوْضِعِها (الذي) نحوَ: يُعْجِبُنِي ما عندَك، ونحوَ: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾.
ثانيها: نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وتُقَدَّرُ بشيءٍ نحوَ: مَرَرْتُ بِمَا مُعْجَبٌ لكَ؛ أي: بشيءٍ، وأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
رُبَّمَا تَكْرُه النُّفُوسَ من الأمْرِ ... لَهُ فُرْجَةً كَحَلِّ العِقَالِ
أي: رُبَّ شَيءٍ وتَكْرَهُ النُّفوسَ، صِفَةً لَهُ، والعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أي: تَكْرَهُهُ.
ثالثُها: تَعَجُّبِيَّةٌ، نحوَ: مَا أَحْسَنَ زَيداً؛ أي: شيءً، والفِعْلُ بعدَها في مَوْضِعِ خَبَرِها، كأنَّه قيلَ: شيءٌ أَحَسَنَ زيداً؛ أي: صَيَّرَهُ حَسَناً عندِي، وجَازَ الابْتِدَاءُ بالنَّكِرَةِ لمَكانِ التَّعَجُّبِ، كما جَازَ في قَوْلِهِم: عَجَبٌ لزيدٍ، وهذا على مذهبِ سِيبَوَيْهِ.
وقالَ
стр. 464
الأخْفَشُ: مَوْصُولَةٌ، والفِعْلُ بعدَها صِلَةٌ، والخَبَرُ محذوفٌ لازِمُ الحَذْفِ، وحَمَلَهُ على ذلكَ اعْتِقَادَه أنَّه لم تُوجَدْ (ما) نَكِرَةٌ غيرَ مَوْصُوفَةٍ إلاَّ في شَرْطٍ أو اسْتِفْهَامٍ، وهو باطلٌ، بدليلِ قولِهم: غَسْلَته غسلاً نعما=، وممَّا يُفْسِدُ قولُه: إنَّ التَّعَجُّبَ إنَّما يكونُ من شيءٍ خَفِيِّ السَّبَبِ، واعْلَمْ أنَّ هذه لَيْسَتْ قَسِيماً للنَّكَرَةِ كما يُوهِمُ= كلامُ المُصَنِّفِ، بل النَّكِرَةُ قِسمَانِ: نَاقِصَةٌ وهي المَوْصُوفَةٌ، وتَامَّةٌ وهي التَّعَجُّبِيَّةٌ، نحوَ: ما أَحَسَنَ زيداً؛ أي: شيءٌ حَسَنُ زيداً.
رابعُها: اسْتِفْهَامِيَّةٌ: نحوَ: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيمَينِكِ يَا مُوسَى﴾ ثمَّ إمَّا أنْ يُسْتَفْهَمَ بها مُسْتَثْبِتاً أو غيرَ مُسْتَثْبِتٍ، فإنْ كُنْتَ غيرَ مُسْتَثْبِتٍ لم يَجُزْ حَذْفُ إلاَّ معَ الخوافضِ، نحوَ: بِمَ جِئْتَ وعَمَّ سَأَلْتَ؟ وإلامَ سِرْتَ؟ قالَ تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ﴿وَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ ولا تُحْذَفُ معَ غيرِ الخَافِضِ إلاَّ في ضرورةٍ، وإنْ كُنْتَ مُسْتَثْبِتاً حَذَفْتَ أَلَفَها معَ الخافضِ، فإذا قلتَ: رَأَيْتُ شيئاً حَسَناً، قلتَ له: مَا رَأَيْتُ أو رَأَيْتُ بهِ.
خامِسُها: الشَّرْطِيَّةُ، نحو: ما تَصْنَعُ وأَصْنَعُ؛ أي: إنْ تَصْنَعَ شيئاً أَصْنَعَه، وهي تَنْقَسِمُ إلى زَمَانِيَّةٍ، نحوَ: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾؛ أي: اسْتَقِيمُوا لهم مُدَّةَ اسْتِقامَتِهم لَكُم. وقد أَثْبَتَ ذلك الفَارِسِيُّ وابنُ مالِكٍ.
وإلى غيرِ زَمانِيَّةٍ: ﴿مَا نَنْسَخُ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾. وذَكَرَ إمامُ الحَرَمَيْنِ في بابِ الطلاقِ من (النهايةِ) قَوْلُ الأصحابِ في: كُلَّمَا لم أُكَلِّمُكِ فأَنْتِ طالِقٌ، إنَّه لِلْفَوْرِ، وليسَ فيه
стр. 465
تَعَرُّضٌ للوَقْتِ، وأَجَابَ بأنَّ أهلَ العَرَبِيَّةِ أَجْمَعُوا على أنَّ (ما) في (كُلَّمَا) ظَرْفُ زَمانٍ؛ يعنِي بمَثَابَةِ إذا قلتَ: وإنَّما الذي أَجْمَعُوا عليه انْتِصابَ (كلَّ) في (كلَّما)، على الظرفِيَّةِ، وجَاءَتِ الظَّرْفِيَّةُ من جِهَةِ ما، فإنَّها مُحْتَمِلَةٌ؛ لأنَّ تَكُونَ اسْماً نَكِرَةً بمعنَى وَقْتٌ، أو حَرْفاً مَصْدَراً، والأصْلُ: كُلُّ وقْتٍ لم يَحْصُلْ كَلامٌ، ثمَّ عَبَّرَ عن معنَى المَصْدَرِ بمَا والفِعْلِ، ثمَّ أَنْبَأَ عن الزمانِ.
ص: ومَصْدَرِيَّةٌ كذلك، ونَافِيَةٌ كذلك وزَائِدَةٌ كَافَّةٌ، وغيرُ كَافَّةٍ.
ش: للحَرْفِيَّةِ اسْتعْمَالاتٍ:
أحدُها: أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أي: يَكُونُ ما بَعْدَها في تَاويلِ المَصْدَرِ، نحوَ: أَعْجَبَنِي ما قُلْتَ؛ أي: قَوْلُكَ، وأَشَارَ بقولِه: ﴿كَذَلِكَ﴾ إلى أنَّها تَجِيءُ ظَرْفِيَّةً وغيرُ ظَرْفِيَّةٍ، فغيرُ الظَّرْفِيَّةِ: يُعْجِبُنِي ما تَقُومُ؛ أي: قِيامُكَ، وقولُه تعالى: ﴿لَمَا تَصِفُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾؛ أي: لوَصْفٍ.
والظَّرْفِيَّةُ؛ أي: تَقَعُ مَوْقِعَ الظَّرْفِ، نحوَ: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾؛ أي: مُدَّةَ دَوَامِي حياًّ ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وتَقْسِيمُ المَصْدَرِيَّةِ كذلك ذَكَرَهُ الجَزُولِي،
стр. 466
ونَازَعَ فيه ابنُ عُصْفُورٍ؛ لأنَّ الظرفِيَّةَ، ليْسَتْ من معانِي (ما) بل معَ الفِعْلِ بمَنْزِلَةِ المَصْدَرِ، والمَصَادِرُ قد تُسْتَعْمَلُ ظُروفاً؛ لقولِهم: أَتَيْتُكَ خُفُوقَ= النَّجْمِ أو خِلافَةَ= فُلانٍ؛ أي: مُدَّةَ خُفُوقِ النَّجْمِ ومُدَّةَ خَلافَتِه، فلا يَنْبَغِي أنْ تُعَدَّ قَسِيماً للمَصْدَرِ.
ثانيها: نَافِيَةٌ، إمَّا عَامِلَةٌ، كقولِه تعالَى: ﴿مَا هُنَّ أُمْهَاتِهِمْ﴾ أو غيرَ عَامِلَةٍ، نحوَ: مَا قَامَ زَيدٌ ومَا يَقُومُ عَمْرٌو.
ثالثُها: الزَّائِدَةُ، وهي إمَّا كَافَّةٌ أو غيرَ كَافَّةٍ، فالكَافَّةُ إمَّا عَن عَمَلِ الرَّفْعِ، نحوَ: (قَلَّمَا) و (طَالَمَا).
أو النَّصْبِ والرَّفْعِ، وهي المُتَّصِلَةُ بإنَّ وأَخَواتِها، نحوَ: ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
أو الجَرِّ، وهي المُتَّصِلَةُ بُرُبَّ، وغيرُ الكافَّةِ، إمَّا عِوَضاً، أمَّا أنتَ مُنْطَلِقاً انْطَلَقْتُ، أو غيرُه نحوَ: شَتَّانَ ما بينَ زَيدٍ وعَمْرٍو.
ص: الثالثُ والعشرونَ: (مِن) لابْتِداءِ الغَايَةِ غَالِباً.
ش: أي: ويُعْرَفُ بأنْ يُذْكَرَ معَها (إلى) التي للغَايَةِ لَفْظاً، نحوَ: سِرْتُ مِن
стр. 467
البَصْرَةِ إلى بَغْدَادَ.
أو تَقْدِيراً، بأنْ يَتَعَرَّضَ للابْتِداءِ من غيرِ قَصْدٍ إلى انْتِهاءٍ مَخْصُوصٍ، إذا كانَ المعنَى لا يَقْتَضِي إلاَّ المُبْتَدَأَ منه، نحوَ: أَعُوذُ باللهِ من الشيطانِ الرَّجِيمِ، وزَيدٌ أَفْضَلُ من عمرٍو ونحوِه.
وقالَ الخَفَافُ: معنى الابتداءُ به التي يَقَعُ بعدَها المَحَلُّ الذي ابْتَدَأَ منه الفِعْلُ، نحوَ: جِئْتُ من المَسْجِدِ؛ أي: ابْتِداءُ المَجِيءِ منه، ولا بُدَّ بعدَها من ذِكْرِ مَوْضِعِ الانْتِهاءِ، وقد يُحْذَفُ للعِلْمِ به، وقد يَقَعُ بعدَها المَحَلُّ الذي وُجِدَ فيه ابتداءُ الفِعْلِ وانْتِهاؤُهُ كأَخَذْتُ المَالَ من الكيسِ.
وأَشَارَ المُصَنِّفُ بقولِه (غالباً) إلى أنَّه الغالبُ عليها، حتى قالَ بعضُهم: إنَّها حيثُ وُجِدَتْ كانَتْ لابتداءِ الغَايَةِ، وسائِرِ مَعانِيهَا تَرْجِعُ إليه، تَقُولُ: أَخَذْتُ من الدَّراهِمِ، فقد جَعَلَ مالَه ابتداءَ غايةِ ما أَخَذَ، إنَّما دَلَّ على البَعْضِ من حيثُ صَارَ ما بَقِيَ انْتِهاءٌ له، قالَ ابنُ السَّمْعَانِيُّ: هذا قولُ النَّحْوِيِّينَ، وأمَّا الذي يَعْرِفُه الفقهاءُ، فهو لابتداءِ الغايَةِ والتَّبْعِيضِ جميعاً، وكلُّ واحدٍ في مَوضِعِه حقيقةٌ، ثمَّ هي لابتداءِ الغايَةِ في المكانِ اتِّفاقاً، نحوَ: ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾.
وفي الزمانِ عندَ الكُوفِيِّينَ، نحوَ: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾، ﴿وَمِنَ الْلَيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾، و ﴿للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾. وصَحَّحَهُ ابنُ مالِكٍ وغيرُه لكَثْرَةِ شَواهِدِه، وتَأَوْيلُ البَصْرِيِّينَ مُتَعَسِّفٌ، لكنْ ذَكَرَ ابنُ أَبِي الرَّبِيعِ أنَّ مَحَلَّ الخِلافِ بينَ الفريقَيْنِ في أنَّ (مِن) هل يَجُوزُ أنْ تَقَعَ مَوْقِعَ مُدَّةَ، فإنَّها لابتداءِ غايةِ الزمانِ بلا خلافٍ، فالبَصْرِيُّونَ يَمْنَعُونَ ذلك، والكُوفِيِّونَ يُجِيزُونَهُ، وما وَرَدَ في القرآنِ لا يُحْتَجُّ به على البَصْريِّينَ؛ لأنَّه لم يَرِدْ مُدَّةً، قبلُ وبعدُ.
(ص) وللتَّبْعِيضِ.
(ش) نحوَ: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾، وعلامَتُها جَوازُ الاسْتِغْنَاءِ عنها بـ (بعضِ)، وهنا بَحْثَانِ:
стр. 468
أحدُهُما: أنَّه يَظُنُّ تَساوِي الصِّيغَتَيْنِ، أَعْنِي، (بعضَ) و (مِن) قالَ ابنُ أَبِي الرَّبِيعِ: كانَ بعضُهم يقولُ ذلك، وليسَ كما قالَ. قالَ: فإذا قُلْتَ: أَكَلْتُ من الرَّغِيفِ دَلَّتْ (مِن) على أنَّ الأكْلَ وَقَعَ بالرَّغِيفِ على جِهَةِ التَّبْعِيضِ، أو مُتَعَلِّقُ الأكْلِ بالرَّغِيفِ على وَجْهَيْنِ؛ إمَّا على أنَّها عَمَّهُ أو خَصَّ بعضَه، فدَخَلَتْ (مِن) لِبَيانِ ذلك.
وإذا قلتَ: أَكَلْتُ بعضَ الرَّغِيفِ، فليسَ الرَّغِيفُ مُتَعِلِّقُ الأكْلِ، وإنَّما مُتَعَلِّقُ البَعْضِ، وسِيقَ الرَّغِيفُ لتَخْصِيصِ ذلك البعضِ وزَوالِ= شِياعِه.
وإذا قلتَ: أَكَلْتُ من الرَّغِيفِ، فالرَّغِيفُ مُتَعَلِّقُ الأكْلِ، ودَخَلَتْ للتَّبْيينِ؛ إنَّه لم يَتَعَلَّقْ به على أنَّه عَمَّه، بل تَعَلَّقَ به على أَنَّه وَقَعَتْ به على جِهَةِ التَّبْعِيضِ.
الثاني: في صِدْقِ البَعْضِ على النِّصْفِ أو ما دُونَه قولانٍ لأهلِ اللُّغَةِ، وقياساً جَرَيانُه هنا، ويَدُلُّ للثاني قولُه تعالَى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرَهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وقالَ الإمِامُ في كتابِ (الوَكَالَةِ من النِّهايَةِ) لو قالَ: بِعْ من عَبِيدِي مَن شِئْتَ، ليسَ للوَكِيلِ أنْ يَبِيعَ جَمِيعَهم، فإنَّ (مِن) تَقْتَضِي التَّبْعِيضِ، فلو بَاعَ جَمِيعَهم إلاَّ واحداً نَفُذَ باتفاقِ الأصحابِ، وإن كانَ التَّبْعِيضُ في النَّظَمِ= المَعْرُوفِ، رُبَّمَا يُورَدُ على النِّصْفِ ممَّا دُونَه قالَ: وهذا يُنَاظِرُ الاسْتِثْنَاءَ، فإنَّ الغَالِبَ اسْتِثْنَاءُ الأقَلِّ واسْتِبْقَاءُ الأكْثَرِ، ولكنْ لو قالَ: على عَشْرَةٍ إلاَّ تِسْعَةٍ، صَحَّ وجُعِلَ مُقِرًّا بِدِرْهَمٍ.
ص: ولِلتَّبْيينِ:
ش: نحوَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾. فإنَّ الأوثانَ كلُّها رِجْسٌ، فجَاءَ التَّبْيينُ بمَا بَعْدَها لجِنْسِ الذي قَبْلَها، وقولُه: ﴿خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ﴾، وقولُه ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾؛ أي: الذي هُمْ أَنْتُمْ؛ لأنَّ الخِطَابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فلا
стр. 469
يُتَصَوَّرُ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةٌ.
وعلامَتُها أنْ يَصِحَّ جَعْلَ= الذي مكانَها، فإنَّه لو قيلَ: اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الذي مِن الأوثانِ لصَحَّ، أو أنْ يَكُونَ ما بعدَها وَصْفاً لِمَا قَبْلَها، لصِحَّةِ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الوَثَنِيَّ، وجَعَلَ منه صَاحِبُ (الأَزْهِيَةِ) قولُ سِيبَوَيْهِ: هذا بابُ علم ما الكلم من العربِيَّةِ=؛ لأنَّ الكَلِمَ قد يَكُونَ عَرَبِيًّا وعَجْمِيًّا، فبَيَّنَ المُرادُ وهو العربِيَّةُ، كأنَّه قالَ: ما الكَلِمُ، الذي هو العربِيَّةُ.
وحَكَى الصيمريُّ من أَصْحَابِنَا عن الشَّافِعِيِّ فيما لو قالَ له: من هذا المَالُ ألْفٌ، فكانَ المالُ كلُّه أَلْفاً، إنَّه إقرارٌ بجَميعِه حَمْلاً، لـ (مِن) على التَّبْيينِ.
ص: والتَّعْلِيلُ والبَدَلُ.
ش: مثالُ الأوَّلِ: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾. والثاني: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾.
ص: والغَايَةُ:
ش: يُحْتَمَلُ تَعْبِيرُهُ بالغايَةِ دونَ انتهاءِ الغايةِ؛ أمَرَيْنِ:
أحدُهما: أنَّ الغايةَ كلُّها، وحَكَاهُ ابنُ أَبِي الرَّبِيعِ عن قوم، ٍ نحوَ: أَخَذْتُ من الياقوتِ، فالياقوتُ مُبْتَدَأُ الأَخْذِ ومُنْتَهاهُ، فدَخَلَتْ (مِن) الغايَةُ كلَّها، قالَ: وهذا إذا حُقِّقَ رَجَعَ لابتداءِ الغايَةِ؛ لأنَّها دَخَلَتْ، ولَمَّا لم يكنْ لِلْفِعْلِ امتدادٌ، وَجَبَ أنْ يكونَ المبتدأُ والمُنْتَهَى واحدٌ، ألاَ تَرَى مِن لا يَجِدُها للانتهاءِ خاصَّةً، وإنَّما تكونُ للابتداءِ وما زَادَ على ذلك فبالانْجرارِ
стр. 470
والثاني: وهو الظاهرُ أنَّه على حَذْفِ مُضَافٍ؛ أي: انتهاءِ الغَايَةِ، منزلَة= (إلى) فتَكُونُ لابتداءِ الغايَةِ من الفاعَلِ، ولانتهاءِ غايةَ الفِعْلِ من المفعولِ، مثلَ: رَأَيْتُ الهِلالَ مِن دَارِي من خَلَلِ السحابِ؛ أي: مِن مَكانِي إلى خَلَلِ السحابِ، فابتداءُ الرُّؤْيَةِ وَقَعَ من الدارِ وانْتِهاؤُها في خللِ السحابِ.
وذَكَرَ ابنُ مالِكٍ أنَّ سِيبَوَيْهِ أَشَارَ إلى هذا المعنَى، وأَنْكَرَهُ جماعةٌ، وقالُوا: لم يَخْرُجْ عن ابتداءِ الغايَةِ، لكنَّ الأوْلَى ابتداؤُها في حقِّ الفاعلِ، والثانيةَ في حقِّ المفعولِ؛ لأنَّ الرؤيةَ إنَّما وَقَعَتْ بالهِلالِ، وهو في خَلَلِ السحابِ، ومنهم مَن جَعَلَها في الثانيةِ لابتداءِ الغايَةِ أيضاًً، إلاَّ أنَّه جَعَلَ العامِلَ فيها فِعْلاً، كأنَّه قالَ: رَأَيْتُ الهلالَ من دَارِي ظاهِراً من خَلَلِ السحابِ، وَرَدَ بأنَّ الخَبَرَ المحذوفَ الذي يَقُومُ المجرورُ مَقَامَه، إنَّما يَكُونُ بما يُنَاسِبُ معنَاهُ الحَرْفُ، و (مِن) الابتدائِيَّةُ لا يُفْهَمُ منها معنَى الكَوْنِ ولا الظهورِ، فلا يَنْبَغِي أنْ يُحْذَفَ، ومنهم مَن جَعَلَها بَدَلاً من الأُولَى.
ص: وتَنْصِيصُ العُمُومِ.
ش: وهي الدَّاخِلَةُ على نَكِرَه=، لا تَخْتَصُّ بالنَّفْيِ، نحوَ: مَا جَاءَنِي مِن رَجُلٍ، فإنَّه قَبْلَ دُخُولِها تَحْتَمِلُ نَفْيَ الجِنْسِ ونَفْيَ الواحِدِ؛ ولهذا يَصِحُّ أنْ تَقُولَ: بل رَجُلانِ، ويَمْتَنِعُ ذلك بعدَ دُخولِ (مِن)، أمَّا الواقِعَةُ بعدَ الأسماءِ العامَّةِ التي لا تُسْتَعْمَلُ إلاَّ في النَّفْيِ فتُفِيدُ معنَى التَّاكِِيدِ لا غيرَ، نحو: ما جَاءَنِي مِن أَحَدٍ، فهو كقولِك: ما جَاءَنِي أَحَدٌ سِواهُ، قالَهُ الخَفَافُ والصَّيْمَرِيُّ وابنُ بَابَشَاذٍ وغيرُهم، أمَّا الواقعةُ في الإثباتِ،
стр. 471
فلا يَجُوزُ زِيادَتُها خلافاً للكوفيِّينَ: ولا حجه= لهم فيه ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ لجَوازِ إرادَةِ البعْضِ، فإنَّ من الذنوبِ حُقوقاً لعِبادِه، واللهُ لا يَغْفِرُها بل يَسْتَوْهِنُها، وما نُقِلَ أنَّ قولَه: ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ إنَّما وَرَدَ في قومِ نُوحٍ، ولو سَلَّمَ أنَّها في هذه الآيةِ الأمَّةُ، فلا بُدَّ أنْ يَغْفِرَ بعضُ الذنوبِ لقومٍ، وجميعُها لآخَرِينَ.
ص: والفَصْلُ.
ش: نحوَ: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَ﴾ وتَعَرَّفْ بدُخولِها على ثانِي المُتَضَادَيْنِ.
ص: ومُرادَفَةُ (الباءُ) و (في) و (عندَ) و (على).
ش: فالأوَّلُ: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. قالَ يُونُسُ: أي بطَرْفٍ خَفِيٍّ، وتُحْتَمَلُ ابتداءُ الغايَةِ.
стр. 472
والثاني: نحوَ: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ كذا قالُوا، والظاهرُ أنَّها على بابِها، والمعنَى صحيحٌ، والأَحْسَنُ التَّمْثِيلُ بما حَكَاهُ ابنُ الصَّبَّاغِ في (الشاملِ) عن الشَّافِعِيِّ في قَوْلِهِ تعالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ أنَّها بمعنَى (في) بدليلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
والثالثُ: نحوَ: ﴿لَنْ تُغْنِي عَنْهُمْ أَمْوَالِهِمْ وَلاَ أَوْلاَدِهِمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾، قالَه أَبُو عُبَيْدَةَ.
والرابعُ: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾. وقيلَ: على التَّضْمِينِ؛ أي: مَنَعْنَاهُ.
ص: الرابعُ والعشرونَ من شَرْطِيَّةٍ واسْتِفْهَامِيَّةٍ ومَوْصُولَةٍ ونَكِرَةٍ مَوْصُوفَةٍ، قالَ أَبُو عَلِيٍّ: ونَكِرَةٌ تَامَّةٌ.
ش: (مَن) بالفَتْحِ تَاتِي شَرْطِيَّةً، نحوَ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾.
واسْتِفْهَامِيَّةً، نحوَ: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾.
ومَوْصُولَةً، نحوَ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾.
стр. 473
ونَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، نحوَ: مَرَرْتُ بمَن مُعْجَبٌ لك، تُرِيدُ بإنسانٍ مُعْجَب=، فوصْفُكَ لـ (مَن) بمُعْجَبٍ، وهو نَكِرَةٌ، دليلٌ على أنَّ (مَن) نَكِرَةٌ، ولا تُسْتَعْمَلُ مَوْصُوفَةٌ إلاَّ في حالِ التَّنْكِيرِ، سواءٌ كانَ المَوضِعُ صالحاً؛ لأنْ تَقَعُ فيه المَعْرِفَةُ أو لم تَكُنْ، خِلافاً للكِسائِيِّ، فإنَّه زَعَمَ أنَّ العَرَبَ لا تَسْتَعْمِلُها نَكِرَةً مَوْصُوفَةً إلاَّ بِشَرْطِ وُقُوعِها في مَوْضِعٍ لا تَقَعُ فيه إلاَّ النَّكِرَةُ، نحوَ: رُبَّ مَن عَالِمٍ أَكْرَمْتُ، ورُبَّ مَن أَتَانِي أَحْسَنْتُ إليه، وهذا ضعيفٌ، وقد أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
فكَفَى بِنَا فَضْلاً على مَن غيرنا ... حُبُّ النبيِّ مُحَمَّدٍ إِيَانَا
بخَفْضِ غيرَ؛ أي: على أُنَاسٍ غَيْرَنَا، وأَثْبَتَ أَبُو عَلِيٍّ الفَارِسِيٍّ مَجِيئِهَا نَكِرَةً تَامَّةً، قالَه في قَوْلِهِ: ونِعْمَ مَنْ في سِرٍّ وإعْلانٍ، فزَعَمَ أنَّ الفَاعِلَ مُسْتَتِرٌ، و (مَنْ) تَمْييزُه، وقولُه: هو، مَخْصُوصٌ بالمَدْحِ، وقالَ غيرُه، مَنْ مَوصُولُ فاعلٍ، وعُلِمَ من ذِكْرِ المُصَنِّفِ الزيادَةُ فيما دونَ (مَنْ) أنَّها لا تَجِيءُ زائدَةً، وهو مذهبُ البَصْرِيِّينَ؛ لأنَّ الأسْمَاءَ لا تُرادُ بالقياسِ خلافاً للكِسَائِيِّ.
ص: الخامسُ والعشرونَ: (هَلْ) لطَلَبِ العِلْمِ= التصديقُ الإيجابيُّ لا التصوريُّ ولا للتصديقِ السلبيِّ.
ش: (هَلْ) حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ، ولا يُسْتَفْهَمُ بها عن التَّصَوُّرِ، وهو العِلْمُ بالمُفْرَدَاتِ؛ أي: لا يُسْأَلُ بها عن مَاهِيَّةِ الشيءِ، وإنَّما يُسْتَفْهَمُ بها عن التَّصْدِيقِ الإيجَابِيِّ كقولِك: هل قَامَ زَيْدٌ.
стр. 474
ص: السادسُ والعشرونَ: (الواو) لمُطْلَقِ الجَمْعِ، وقيلَ: للتَّرْتِيبِ، وقيلَ: لِلْمَعِيَّةِ.
ش: في الواوِ العَاطِفَةِ مذاهِبَ، أَصَحُّهَا: أنَّها لمُطْلَقِ الجَمْعِ؛ أي: لا تَدُلُّ
على
стр. 475
تَرْتِيبٍ ولا مَعِيَّةٍ، فإذا قلتَ: قَائمٌ زيدٌ وعَمْرٌو، احْتَمَلَ ثلاثةَ معانٍ، قيامُها في وقتٍ واحدٍ، وكونُ المُتَقَدَّمِ قَامَ أوْلاً، وكونُ المُتَأَخِّرِ قَامَ أوْلاً.
قالَ ابنُ مالِكٍ: لكنْ تَاخِيرَ العَاطِفَ كثيرٌ وتَقَدَّمَه قليلٌ والمَعِيَّةُ احْتِمَالٌ رَاجِحٌ، وهذا مُخَالِفٌ لكلامِ سِيبَوَيْه فإنَّه قالَ: وكذلك قولُك: مَرَرْتُ برَجُلٍ وحمارٍ، وكأنَّك مَرَرْتَ بأحدِهما، وليسَ في هذا دليلٌ أنَّه بَدَأَ بشيءٍ قبلَ شيءٍ ولا شيءٍ بعدَ شيءٍ. انتهى.
واسْتَدَّلَ ابنُ مالِكٍ بقولِه تعالَى: عَن مُنْكِرِي البَعْثِ ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾. فالموتُ بعدَ الحياةِ معَ أنَّهم قَدَّمُوه لِمَا كانَ الغَرَضُ نَفْيُ الجَمْعِ لا التَّرْتِيبِ. وإنَّما عَبَّرَ المُصَنِّفُ بمُطْلَقِ الجَمْعِ دونَ الجَمْعِ المُطْلَقِ كما عَبَّرَ ابنُ الحَاجِبِ؛ تَنْبِيهاً على صوابِ العِبَارَةِ، فإنَّ الجَمْعَ المُطْلَقُ هو الجَمْعُ المَوْصُوفُ بالإطْلاقِ؛ لأنَّا نَقُولُ بالضَّرُورَةِ بينَ الماهيَّةِ بلا قَيْدٍ، والمَاهِيَّةُ المُقَيَّدَةُ ولو بقَيْدِ= لا، والجَمْعُ المَوْصُوفُ بالإطْلاقِ لا يَتَنَاولُ غيرُ صُورَةٍ وهي قولُنا مَثَلاً: قَامَ زَيدٌ وعَمْرٌ، ولا يَدْخُلُ فيه المُقَيَّدُ بالمَاهِيَّةِ ولا بالتَّقْدِيمِ ولا بالتَّاخِيرِ لخُروجُهِمِا بالتَّقْييدِ عن الإطْلاقِ، وأمَّا مُطْلَقُ الجَمْعُ فعَامٌّ في؛ أي: جَمْع=
стр. 476
كانَ، سواءٌ كانَ مُرَتَّباً أو غيرَ مُرَتَّبٍ، فتَدْخُلُ فيه الصُّوَرُ الثلاثةُ، ونَظِيرُه قولُهم: مُطْلَقُ الماءِ، والماءُ المُطْلَقُ.
والقولُ الثاني: أنَّها تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، ونُقِلَ عن الفَرَّاءِ وثَعْلَبٍ وأَنْكَرَهُ السِّيرَافِيُّ وقالَ: لم أَرَهُ في كتابِ الفَرَّاءِ، وعَزَاهُ المَاوَرْدِيُّ في بابِ الوضوءِ للجُمْهُورِ من أصْحَابِنَا.
والثالثُ: أنَّها للمَعَيِّةِ: ونسبهُ الإمامُ في (البُرْهَانِ) للحَنَفِيَّةِ، وعَلِمَ بذلك أنَّ ما ذَكَرَهُ السِّيرَافِيُّ والفَارِسِيُّ والسُّهَيْلِيُّ من إجماعِ النُّحاةِ بَصْرِيِّهُمْ وكُوفِيِّهِم على أنَّ (الواو) لا تُرَتَّبَ، غيرُ صحيحٍ، وعَزَى ابنُ الخَبَّازِ وغيرُه من النَّحْوِيِّينِ التَّرْتِيبُ للشَّافِعِيِّ، وهو غَلَطٌ وقد اشْتَّدَ نَكِيرَ ابنُ السَّمْعَانِيُّ والأستاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وغيرُهما على مَن نَسَبَ ذلك إلى الشَّافِعِيِّ.
وقالَ ابنُ عُصْفُورٍ في (شَرْحِ الإيضاحِ): الخِلافُ في أنَّ (الواو) للتَّرْتِيبِ، مَحَلَّه إذا كانَ الفِعْلُ يُمْكِنُ صُدُورُه من واحدٍ، فأمَّا نحوَ: اخْتَصَمَ زيدٌ وعمرٌو، فلا خِلافَ أنَّها لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وذَكَرَ في (شرحِ الجُمَلِ) مُحْتَجًّا على القائلِ بالتَّرْتِيبِ، بأنَّ هذه الأفعالَ لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، فكذا غيرُها.
стр. 477
الجزء الثاني
باب الأوامر والنواهي
(باب الأمر والنهي)
(ص) الأمر: أم ر، حقيقة في القول المخصوص مجازا في الفعل، وقيل: للقدر المشترك وقبل مشترك بينهما قيل وبين الشأن والصفة والشيء.
(ش) نبه بقوله: (أم ر) أنه لا يعني بالأمر مدلوله كما هو المتعارف في الإخبار عن اللفظ إن تلفظ به والمراد مدلوله، بل المراد بلفظ الأمر، كما يقال: زيد اسم، وضرب فعل ماض، ومن: حرف جر. وهذا اللفظ حقيقة في القول: المخصوص. المراد بالقول الصيغة: والمراد بالمخصوص: الطالب للفعل، وهو: افعل وما يجري مجراه وهو قسم من أقسام الكلام، وقد يطلق على الفعل نحو: زيد في أمر عظيم إذا كان في سفر أو غيره، وقوله تعالى: ﴿أتعجبين من أمر الله﴾، ﴿حتى إذا جاء أمرنا﴾ ثم اختلفوا على مذاهب.
أحدها: وهو قول الأكثرين: أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص، مجاز في الفعل وغيره.
стр. 478
وإلا لزم الاشتراك والمجاز خير منه.
الثاني: أنه مشترك بين القول والفعل، بالاشتراك اللفظي، لأنه أطلق عليهما والأصل الحقيقة وعزاه في (المحصول) لبعض الفقهاء، وعزاه ابن برهان إلى كافة العلماء.
والثالث: أنه متواطئ فيكون موضوعا للقدر المشترك بين الفعل والقول دفعا للاشتراك والمجاز، واعلم: أن هذا القول لا يعرف قائله وإنما ذكره صاحب (الإحكام) على سبيل الفرض والالتزام، أي لو قيل: فما المانع منه، لهذا حكاه ابن الحاجب ثم قال في آخر المسألة: وأيضا فإنه قول حادث هنا، وإذا علمت هذا تعجبت من المصنف في حكايته وترك ما قبله.
والرابع: أنه مشترك بينهما أي بين القول الفعل - وبين الشأن لقوله تعالى:
стр. 479
﴿وما أمر فرعون برشيد﴾ والصفة كقول الشاعر: لأمر ما يسود من يسود أي لصفة من صفات الكمال، والشيء كقولنا: تحرك هذا الجسم لأمر، أي: لشيء وهذا ما عزاه المصنف لأبي الحسين البصري، فإنه قال في (المعتمد): وأنا أذهب إلى أن قول القائل: (أمر) مشترك بين الصفة والشيء والطرائق وبين جملة الشأن والطرائق، وبين القول المخصوص. انتهى.
وقضيته: أنه مشترك عنده بين خمسة أشياء لكنه في (شرح المعتمد): فسر الشأن والطريق بمعنى واحد، فتكون الأقسام عنده أربعة، فلهذا حذف المصنف الطريق لكن عليه نقد، فإنه يقتضى أنه مشترك عنده بين هذه المفاهيم، ومن جملتها الفعل بخصوصه، وأبو الحسين لم يتعرض للفعل بخصوصه، وإنما تعرض للشأن والطريق كما تراه، وبهذا اعترض الأصفهاني على صاحب (التحصيل) و (المنتخب) فإنهما عبرا بعبارة المصنف، ولهذا لم
стр. 480
يتعرض في (المحصول) للفعل (٨٣ب) في حكايته عن أبي الحسين.
(ص) وحده: اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير كف.
(ش) البحث في الأمر في مقامين:
أحدهما: في لفظه وقد سبق.
والثاني: في مدلوله والكلام الآن فيه وقد اختلف فيه فذهب نفاة الكلام النفسي إلى أنه عبارة عن اللفظ الطالب للفعل، وذهب المثبتون إلى تفسيره بالمعنى الذهني، وهو: ما قام بالنفس من الطلب، لأن الأمر بالحقيقة هو ذلك الاقتضاء واللفظ دال عليه وعليه جرى المصنف، ولهذا صدر الحد بالاقتضاء دون القول، فاقتضاء الفعل جنس يشمل الأمر والنهي، والمراد بالاقتضاء ما قام بالنفس من الطلب فخرج ما ليس باقتضاء كالإباحة في قوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ والتعجب في: ﴿فأتوا بسورة﴾ وأمثالهما، فالصيغة صيغة أمر
стр. 481
في هذه المواضع إلا أنه ليس بأمر على الحقيقة لعدم الاقتضاء وقوله: (غير كف) فقيل: خرج به النهي فإنه وإن كان فعل أيضا، ولكن فعل هو كف، لأن مقتضاه كف النفس عن الفعل.
وقوله: (مدلول عليه بغير كف) هذا قيد زاده على ابن الحاجب فإنه قد يرد عليه نحو: كف نفسك عن كذا فإنه أمر بالكف مع أنه ليس غير كف، بل هو لاقتضاء فعل هو كف وحينئذ فيكون مدلوله مجرورا صفة لكف المضاف إليه في قوله: غير كف، والمعنى أن الفعل الذي يقتضيه الأمر فعل خاص وهو غير كف، ولا نريد غير مطلق الكف، بل غير كف خاص وهو المدلول عليه بغير كف، أما المدلول عليه بقولك كف أو أمسك ونحوه فهو أمر، فإذن ليس فعل هو كف غير أمر، بل إنما يكون غير أمر إذا دل عليه بلفظ غير قولنا: اكفف ونحوه مثل لا تفعل ونحوه، ولمن يعتني بابن الحاجب أن يقول: أراد غير كف عن الفعل الذي انتفت منه صيغة الاقتضاء فلا يرد عليه اكفف ونحوه.
(ص) ولا يعتبر فيه علو ولا استعلاء، وقيل: يعتبران واعتبرت المعتزلة وأبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ والسمعاني: العلو. واعتبر أبو الحسين والإمام والآمدي وابن الحاجب: الاستعلاء.
(ش) في اعتبار العلو والاستعلاء في الأمر أربعة مذاهب.
стр. 482
أصحها: عدم اعتبارهما ونقله في (المحصول) عن الأصحاب، لإمكان أن يقوم بذات الأدنى طلب من الأعلى ويتخيل أنه يأمره ويتبعه والفرق بين العلو والاستعلاء أن العلو: كون الأمر في نفسه أعلى درجة، والاستعلاء: أن يجعل نفسه عاليا بكبرياء أو غيره، وقد لا يكون في نفس الأمر كذلك. فالعلو: من الصفات العارضة للناطق، والاستعلاء: من صفات كلامه.
والثاني: يعتبران وبه جزم ابن القشيري.
والثالث: يعتبر العلو، وبه قالت المعتزلة وجمع من أصحابنا وقالوا: لا يصدق إلا به، بأن يكون الطالب أعلى رتبة من المطلوب منه، فإما أن يكون مساويا له فهو التماس (٨٣أ) أو دونه فسؤال.
الرابع: يعتبر الاستعلاء دون العلو وأفسد البيضاوي المذهبين بقوله تعالى
стр. 483
حكاية عن قول فرعون لقومه في مجلس المشاورة: ﴿ماذا تأمرون﴾ ومعلوم انتفاء العلو، إذ كان فرعون في تلك الحالة أعلى رتبة منهم وقد جعلهم آمرين له. وانتفاء الاستعلاء إذ لم يكونوا مستعلين عليه، وهذا بناء منه على أن معنى الأمر في الآية، القول المخصوص وليس كذلك، وإنما المراد الصورة. نعم قوله تعالى: ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾ يقتضي مجامعة الأمر، مع أن الآمر أدون رتبة. وأفسد مذهب أبي الحسين بأن كثيرا من آيات الأمر في القرآن في غاية التلطف ونهاية الاستجلاب بتذكير المنعم والوعيد بالنعم. كما في قوله تعالى: ﴿اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ وقوله: ﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم﴾ إلى غير ذلك من الآيات المنافية للاستعلاء وإلا يلزمه إخراجها عن الأوامر.
(ص) واعتبر أبو على وابنه إرادة الدلالة باللفظ على الطلب.
(ش) مذهب الفقهاء أن الأمر أمر بصيغته ولا ينعكس كمن معه إرادة
стр. 484
أخرى لأن هذه الصيغة وضعت لمعنى فلا يفتقر في إفادتها إياه إلا الإرادة كسائر الألفاظ الدالة على معانيها، وذهب أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم وعبد الجبار، وأبو الحسين إلى اعتبار إرادة الدلالة بها على الأمر، وعلى هذا قالوا: لا تكون صيغة التهديد أمرا، ولا يكون المعلوم من الله موته على الكفر، مأمورا بالإيمان لانتفاء الدلالة على الطلب، فإن شرط الدلالة على الطلب، كون المدلول عليه بالصيغة مرادا فحيث لم يرد لم تكن الصيغة دالة على الطلب لانتفاء شرطه واحتجوا بأن الصيغة كما ترد للطلب ترد للتهديد مع خلوه عن الطلب فلا بد من مميز بينهما ولا مميز سوى الإرادة وأجيب بأن المميز حاصل بدون الإرادة لأن صيغة الأمر حقيقة في القول، مجاز في الفعل، وهذا كاف في التمييز واعلم أن ابن برهان قال: الإرادات ثلاث:
إحداها: إرادة إيجاد الصيغة، احترازا عن النائم وهو متفق على اعتبارها.
стр. 485
وثانيها: إرادة صرف اللفظ عن غير جهة الأمر إلى جهة الأمر احترازا عن التهديد ونحوه فاختلف أصحابنا فاعتبرها المتكلمون ولم يعتبرها الفقهاء وقالوا: الصيغة محمولة على الأمر.
وثالثها: إرادة فعل المأمور به والامتثال: احترازا عن الحاكي والمبلغ وهذه مسألة خلاف بيننا وبين من ذكر من المعتزلة وهذه غير طريقة المصنف.
(ص) والطلب بديهي.
(ش) لما أخذوا في الحد الاقتضاء، وهو الطلب أورد عليهم أن الطلب أخفى من الأمر فهو تعريف بالأخفى، فأجابوا بالمنع. فإن الطلب بديهي التصور فإن كل أحد يفرق بالبداهة بين طلب الفعل وطلب الترك وبينهما وبين المفهوم من الخبر لأنه من الأمور الوجدانية كالجوع والشبع وهذا النوع من الاستدلال عولوا عليه في مواضع كثيرة في إثبات بداهة الشيء (٨٣ب) وهو ضعيف لأنه لا يلزم من الحكم بالشيء
стр. 486
والتفرقة بينه وبين غيره بالبديهة أن يكون ذلك الشيء معلوما بكنه حقيقته بالبديهة نعم، يلزم منه أن يكون معلوما من بعض الوجوه بالبديهة، وذلك لا يلزم بداهته فإن قيل: البديهي لا يفتقر إلى الدليل وأنتم قد استدللتم عليه قلنا: قد يكون التصور بديهيا ولا يفتقر حصوله إلى تصور آخر وبداهته لا تكون بديهية ولهذا حدوا البديهي من التصورات بالذي لا يفتقر في حصوله إلى تصور آخر ليعلم بالحد ماهيته ولا يقدح ذلك في بداهته غير ذاتية وإنما القادح في بداهته، توقف حصوله على أمور أخر، وقد فسروا الطلب بأنه الأمر القائم بالنفس يجري مجرى العلم والقدرة وسائر الصفات القائمة به، وهذه الصيغة المخصوصة دالة عليه.
(ص) والأمر غير الإرادة خلافا للمعتزلة.
(ش) لا خلاف بيننا وبين المعتزلة أن الأمر دل على الطلب وإنما اختلفوا في حقيقة الطلب فعند المعتزلة: هو إرادة المأمور به، وعندنا: هو شيء غير الإرادة وأنه يقوم بالنفس معنى سوى إرادة الفعل المأمور به فإنا نجد الآمر يأمر بما لا يريده لأن الإيمان من الكفار مطلوب بالإجماع، ومنهم من أخبر الله بأنه لا يؤمن فكان إيمانه محالاً؛ لإخبار الله بعدمه، والمحال لا يكون مراد الله تعالى ولأن الطلب قد يتحقق بدون الإرادة لأنه يجتمع مع كراهته، ولأنه لو كان الأمر الإرادة، لوجب وجود أوامر الله تعالى كلها، فإن إرادة الفعل، تخصيصه بحال حدوثه فإذا لم يوجد لم
стр. 487
يتخصص به فإن قيل: هلا قال المصنف: وهو غير الإرادة فإنه أخص وكما عبر به في (المنهاج) قلنا: كل منهما صحيح، لأن الأمر دال على الطلب النفساني والطلب مدلول الأمر، فصح أن يقال: الأمر غير الإرادة، وأن يقال: الطلب غير الإرادة، لكن تعبير المصنف أولى، لأن الطلب كله ليس هو أمرا عند المعتزلة بل أمر خاص وهو مع العلو. فلهذا صرح بلفظ الأمر، لأنه محل الخلاف لا الطلب مع الإرادة.
(ص) مسألة: القائلون بالنفسي اختلفوا: هل للأمر صيغة تخصه؟ والنفي: عن الشيخ فقيل: للوقف وقيل: للاشتراك والخلاف في صيغة (افعل):
(ش) المثبتون للكلام النفسي اختلفوا في الأمر هل له صيغة تخصه؟ فنقل عن الشيخ الأشعري، أنه لا صيغة له تختص به وإن قول القائل: (افعل) متردد بين الأمر والنهي وإن فرضة حمله على النهي فهو محتمل متردد بين جميع محتملاته ثم اختلف في تنزيل مذهبه: فقيل: أراد الوقف على معنى لا يدري على أي وضع جرى فقول القائل: (افعل) في اللسان، وقيل: للاشتراك فاللفظ صالح لجميع المحامل صلاحية اللفظ المشترك للمعاني، التي يثبت اللفظ بها، وأشار بقوله: والخلاف إلى ما قاله إمام الحرمين والغزالي: وإن خلاف الأشعري إنما هو في صيغة
стр. 488
خاصة لكونها مترددة (٨٤أ) في اللغة بين محامل كثيرة فأما قول القائل: أمرتك وأنت مأمور وأوجبت وألزمت، فلا خلاف أنه من صيغ الأمر ولا ينكره الأشعري ونازعهم الآمدي وغيره فقالوا: لا وجه لتخصيص الخلاف بصيغة (افعل) فإنه مذهب الشيخ: إن الأمر عبارة عن الطلب القائم بالنفس وليس صيغة مخصوصة به، بل يعبر عنه بالعبارات والإشارات الدالة عليه بواسطة انضمام القرائن معها وقال غيره من مثبتي كلام النفس: إن له صيغة مختصة به، لا يفهم منها غيره عند تجردها عن القرائن الصارفة عنه وهي كصيغة (افعل) و (ليفعل) و (فعال) وما في معناها من سائر اللغات، ونحو: قول القائل: أمرتك، وأنت من صيغ الإخبار وليس من صيغ الأمر فلا بد مع ذلك الخلاف إذ الخلاف في الأمر هل له صيغة إنشاء مختصه به أم لا؟ وهذا الخلاف إنما هو عند القائلين بكلام النفس وأما المنكرون له كالمعتزلة وغيرهم، فالأمر وسائر أقسام الكلام لا حقيقة له عندهم إلا العبارات فلا يتأتى ذلك الخلاف عندهم.
(ص) وترد للوجوب، والندب والإباحة والتهديد والإرشاد وإرادة الامتثال والإذن والتأديب والإنذار والامتنان والإكرام والتسخير والتكوين والتعجيز، والإهانة، والتسوية، والدعاء والتمني والاحتقار والخبر والإنعام والتفويض والتعجب والتكذيب، والمشورة والاعتبار.
(ش) ترد صيغة (افعل) لستة وعشرين.
стр. 489
معنى أولها: الوجوب: نحو ﴿وأقيموا الصلاة﴾
ثانيها: الندب: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾
ثالثها: الإباحة ... ﴿كلوا من الطيبات﴾ وقال أبو علي الجبائي في قوله تعالى في أهل الجنة: ﴿وكلوا واشربوا﴾ هو إباحة ولا يريده القديم تعالى، ولا
стр. 490
يكرهه كمباحات الدنيا، وقال أبو هاشم: يجوز أن يريده لما فيه من زيادة السرور للمثاب وقال القاضي عبد الجبار: يجب أن يريده لأن الثواب لا يصح إلا بها.
رابعها: التهديد، ﴿اعملوا ما شئتم﴾
خامسها: الإرشاد ﴿واستشهدوا شهيدين﴾ والفرق بينه وبين الندب أن المندوب مطلوب لثواب الآخرة والإرشاد لمنافع الدنيا ولا يتعلق به ثواب الآخرة فإنه لا ينقص الثواب بترك الإشهاد ولا يزيد بفعله.
سادسها: إرادة الامتثال وقد يظن تفرد المصنف بذكره، وليس كذلك
стр. 491
فقد أشار إليه في (المستصفى) في الكلام على أن الأمر لا يستلزم الإرادة إلا أنه يذكره عند تعداد معاني (افعل) ومثله بقولك عند العطش: اسقني ماء، فإنك لا تجد من نفسك إلا إرادة السقي، أعني طلبه والميل إليه، وهو خلاف المعاني السابقة وإن فرضنا ذلك من السيد في حق عبده تصورا أن تكون للوجوب والندب مع هذه الزيادة وهو أن يكون لغرض السيد فقط، وذلك غير متصور في حق الله تعالى، فإن الله غني عن العالمين، ويدل على أن مراد المصنف حكايته: أن صيغة (افعل) حقيقة لإرادة الامتثال بالمعنى الذي سنبينه ولولا أنه قدمه نصا لم يحسن ذكره.
سابعها: الإذن كقولك لمن طرق الباب: ادخل، وكأنه قسم من الإباحة.
ثامنها: (٨٤ب) التأديب كقوله: ﷺ لعمر بن أبي سلمة، (كل مما يليك)
стр. 492
وجعله بعضهم قسما من المندوب، لأن الأدب مندوب إليه.
تاسعها: الإنذار ﴿قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار﴾ وجعله بعضهم قسما من التهديد والصواب تغايرهما فإن التهديد هو التخويف والإنذار هو الإبلاغ لكن لا يكون إلا في الخوف فقوله تعالى: ﴿تمتعوا﴾ أمر إبلاغ هذا للكلام المخوف الذي عبر عنه بالأمر.
стр. 493
عاشرها: الامتنان نحو: ﴿كلوا مما رزقكم الله﴾ والفرق بينه وبين الإباحة أن الإباحة مجرد إذن وأنه لا بد من اقتران الامتنان بذكر احتياج الخلق إليه وعدم قدرتهم عليه ونحوه وأن الإباحة قد يتقدمها حظر مثل ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾
حادي عشرها: الإكرام نحو ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾ فإن قرينة ﴿سلام آمنين﴾ تدل عليه قال صاحب (التنقيحات).
стр. 494
ولا وجه لحمله على الوجوب كما زعم بعض المعتزلة فإن الآخرة ليست دار تكليف ولا تكليف فيها فالوعيد على الترك.
ثاني عشرها: التسخير نحو: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ وتوهم القرافي أن المراد به الاستهزاء فقال: اللائق تسميته سخرية بكسر السين لا تسخير، فإن التسخير، النعمة والإكرام قال الله تعالى: ﴿وسخر لكم الليل والنهار﴾ ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض﴾ ﴿فسخرنا له الريح تجري بأمره﴾ والسخرى بالكسر الهزء قال تعالى: ﴿ليتخذ بعضهم بعضا سخريا﴾ قلت: وإنما التسخير لغة: التذليل والإهانة، والمراد أنه عبر بهذا عن نقلهم من حالة إلى أخرى إذلالا لهم.
стр. 495
ثالث عشرها: التكوين نحو: ﴿كن فيكون﴾ وسماه الغزالي بكمال القدرة لأن المراد منه إظهار كمال قدرة الله وأن مراده لا يتأخر عن إرادته والفرق بينه وبين التسخير أن التكوين سرعة الوجود من العدم وليس فيه انتقال إلى حالة ممتهنة بخلاف التسخير فإنه لغة: الذلة والامتهان في العمل.
رابع عشرها: التعجيز نحو ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾
следующие страницы →