← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122142

تشنيف المسامع بجمع الجوامع

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 929 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فقد أشار إليه في (المستصفى) في الكلام على أن الأمر لا يستلزم الإرادة إلا أنه يذكره عند تعداد معاني (افعل) ومثله بقولك عند العطش: اسقني ماء، فإنك لا تجد من نفسك إلا إرادة السقي، أعني طلبه والميل إليه، وهو خلاف المعاني السابقة وإن فرضنا ذلك من السيد في حق عبده تصورا أن تكون للوجوب والندب مع هذه الزيادة وهو أن يكون لغرض السيد فقط، وذلك غير متصور في حق الله تعالى، فإن الله غني عن العالمين، ويدل على أن مراد المصنف حكايته: أن صيغة (افعل) حقيقة لإرادة الامتثال بالمعنى الذي سنبينه ولولا أنه قدمه نصا لم يحسن ذكره. سابعها: الإذن كقولك لمن طرق الباب: ادخل، وكأنه قسم من الإباحة. ثامنها: (٨٤ب) التأديب كقوله: ﷺ لعمر بن أبي سلمة، (كل مما يليك)

стр. 492

وجعله بعضهم قسما من المندوب، لأن الأدب مندوب إليه. تاسعها: الإنذار ﴿قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار﴾ وجعله بعضهم قسما من التهديد والصواب تغايرهما فإن التهديد هو التخويف والإنذار هو الإبلاغ لكن لا يكون إلا في الخوف فقوله تعالى: ﴿تمتعوا﴾ أمر إبلاغ هذا للكلام المخوف الذي عبر عنه بالأمر.

стр. 493

عاشرها: الامتنان نحو: ﴿كلوا مما رزقكم الله﴾ والفرق بينه وبين الإباحة أن الإباحة مجرد إذن وأنه لا بد من اقتران الامتنان بذكر احتياج الخلق إليه وعدم قدرتهم عليه ونحوه وأن الإباحة قد يتقدمها حظر مثل ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ حادي عشرها: الإكرام نحو ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾ فإن قرينة ﴿سلام آمنين﴾ تدل عليه قال صاحب (التنقيحات).

стр. 494

ولا وجه لحمله على الوجوب كما زعم بعض المعتزلة فإن الآخرة ليست دار تكليف ولا تكليف فيها فالوعيد على الترك. ثاني عشرها: التسخير نحو: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ وتوهم القرافي أن المراد به الاستهزاء فقال: اللائق تسميته سخرية بكسر السين لا تسخير، فإن التسخير، النعمة والإكرام قال الله تعالى: ﴿وسخر لكم الليل والنهار﴾ ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض﴾ ﴿فسخرنا له الريح تجري بأمره﴾ والسخرى بالكسر الهزء قال تعالى: ﴿ليتخذ بعضهم بعضا سخريا﴾ قلت: وإنما التسخير لغة: التذليل والإهانة، والمراد أنه عبر بهذا عن نقلهم من حالة إلى أخرى إذلالا لهم.

стр. 495

ثالث عشرها: التكوين نحو: ﴿كن فيكون﴾ وسماه الغزالي بكمال القدرة لأن المراد منه إظهار كمال قدرة الله وأن مراده لا يتأخر عن إرادته والفرق بينه وبين التسخير أن التكوين سرعة الوجود من العدم وليس فيه انتقال إلى حالة ممتهنة بخلاف التسخير فإنه لغة: الذلة والامتهان في العمل. رابع عشرها: التعجيز نحو ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾

стр. 496

خامس عشرها: الإهانة ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ ومنهم من يسميه: التهكم وضابطه أن يؤتى بلفظ يدل على الخير أو الكرامة ويراد منه ضده. سادس عشرها: التسوية ﴿فاصبروا أو لا تصبروا﴾ سابع عشرها: الدعاء اللهم اغفر لي. ثامن عشرها: التمني كقول امرئ القيس: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... ....................

стр. 497

تاسع عشرها: الاحتقار كقوله تعالى حكاية عن موسى ﵊ يخاطب السحرة: ﴿ألقوا ما أنتم ملقون﴾ يعني: أن السحر وإن عظم ففي مقابلة المعجزة حقير والفرق بينه وبين الإهانة: أن الإهانة إنما تكون بالقول والفعل أو تركهما دون مجرد الاعتقاد والاحتقار لا بد فيه من الاعتقاد بدليل أن من اعتقد في شيء أنه لا يعبأ به ولا يلتفت إليه يقال: إنه احتقره ولا يقال: إنه أهانه ما لم يصدر منه قول أو فعل ينبئ عن ذلك. العشرون: الخبر كقوله ﷺ : ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) أي:

стр. 498

صنعت ما شئت، على أحد الأقوال. الحادي والعشرون: الإنعام: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ كذا قاله الإمام (٨٥أ) في (البرهان) فقال: وهو وإن كان فيه معنى الإباحة فإن الظاهر منه تذكير النعمة. الثاني والعشرون: التفويض نحو ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ ذكره الإمام. الثالث والعشرون: التعجب ذكره الصفي الهندي ومثله بقوله تعالى:

стр. 499

﴿قل كونوا حجارة أو حديدا﴾ وهذا مثل به ابن برهان والآمدي للتعجيز ولكن العبادي في طبقاته مثل للتعجب بقوله تعالى: ﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال﴾ الرابع والعشرون: التكذيب نحو ﴿فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾ الخامس والعشرون: المشورة نحو: ﴿فانظر ماذا ترى﴾ السادس والعشرون: الاعتبار ﴿انظروا إلى ثمره﴾ (ص) والجمهور: حقيقة في الوجوب لغة أو شرعا أو عقلا مذاهب، وقيل: في الندب وقال الماتريدي: للقدر المشترك وقيل: مشتركة بينهما

стр. 500

وتوقف القاضي والغزالي والآمدي فيهما، وقيل: مشتركة فيها وفي الإباحة وقيل: في الثلاثة والتهديد وقال عبد الجبار: لإرادة الامتثال وقال الأبهري: أمر الله تعالى للوجوب وأمر النبي ﷺ المبتدأ للندب، وقيل: مشتركة بين الخمسة الأول، وقيل: بين الأحكام الخمسة، والمختار وفاقا للشيخ أبي حامد وإمام الحرمين: حقيقة في الطلب الجازم، فإن صدر من الشارع أوجب الفعل. (ش) أجمعوا على أن صيغة (افعل) ليست حقيقة في جميع هذه المعاني وإنما الخلاف في بعضها وفيه مذاهب أحدها: قول الجمهور: إنه حقيقة في الوجوب فقط، مجاز في البواقي، وهو المحكي (عن الشافعي ﵁، واختلف القائلون به: هل ذلك لغة

стр. 501

أو شرعا أو عقلا؟ وصحح الشيخ أبو إسحاق أنه بوضع اللغة ونقله إمام الحرمين) عن الشافعي ولهذا صدر به المصنف. والثاني: أنه حقيقة في الندب وبه قال أبو هاشم وغيره. والثالث: قول أبي منصور الماتريدي من الحنفية: إنه للمشترك بينها أي: القدر المشترك بين الوجوب والندب وهو الطلب فيكون متواطئا. والرابع: أنه مشترك بينهما بالاشتراك اللفظي، وبه قال المرتضى من الشيعة. والخامس: قول القاضي ومن تبعه الوقف فقالوا: هو حقيقة إما في الوجوب وإما في الندب وإما فيهما جميعا بالاشتراك اللفظي، لكنا لا ندري ما هو الواقع في

стр. 502

الأقسام الثلاثة وحكى الصفي الهندي عن القاضي وإمام الحرمين والغزالي التوقف في أنه حقيقة في الوجوب فقط، أو الندب فقط، أو فيهما بالاشتراك اللفظي، وهذا يقتضي تردده بين أربعة، والذي في (المستصفى) تردده بين ثلاثة ولم يذكر الاشتراك المعنوي. والسادس: مشترك بين الوجوب والندب والإباحة، واختلف القائلون به: هل هو من الاشتراك اللفظي أو المعنوي؟ وإطلاق المصنف حكايته تحتمل الأمرين. والسابع: مشترك بين هذه الثلاثة والتهديد. والثامن: قول عبد الجبار: إنه حقيقة في إرادة الامتثال فقط والوجوب وغيره يستفاد من القرائن وعزاه السمعاني لأبي هاشم وأوضحه فقال: إذا قال القائل لغيره (افعل) دل على أنه يريد منه الفعل فإذا كان القائل حكيما وجب كون الفعل على صفة زائدة على حسبه مستحق لأجلها المدح، فإذا كان المقول له مكلفا جاز أن يكون واجبا وأن يكون مندوبا فإذا لم يقم دليل على وجوب الفعل وجب نفيه والاقتصار على المحقق، وهو كون الفعل ندبا يستحق فاعله المدح. واعلم أن هذا من المصنف تكرار فقد سبق في قوله: واعتبر أبو علي وابنه إرادة الدلالة باللفظ على الطلب ثم إن هذه المسألة مفرعة على القول بالكلام النفسي، وعبد الجبار ممن ينكره، وكان ينبغي أن يقول: وأما المنكرون له فقالوا لا يكون (٨٥ب) أمرا إلا بالإرادة. والتاسع: التفصيل بين أمر الله وأمر رسوله ﷺ فأمر الله حقيقة في الوجوب، وأمر النبي ﷺ المبتدأ للندب، وحكاه القاضي عبد الوهاب في (الملخص)

стр. 503

عن شيخه أبو بكر الأبهري، واحترز بـ (المبتدأ) عما كان موافقا لنص أو مبينا لمجمل فيكون للوجوب أيضا، وذكر المازري أن النقل اختلف عن الأبهري فروي عنه هذا، وروي عنه أنه للندب مطلقا. والعاشر: أنه صيغة (افعل) مشتركة بين الخمسة الأول، أي: بين الوجوب والندب والإباحة والإرشاد والتهديد، كذا حكاه الغزالي. الحادي عشر: مشتركة بين الأحكام الخمسة أعني: الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم حكاه في (المحصول). الثاني عشر: قول الشيخ أبي حامد الإسفرائيني وإمام الحرمين وغيرهما: إنه حقيقة في الطلب الجازم من جهة اللسان، وكون هذا الطلب متوعدا عليه شيء آخر

стр. 504

ثابت في أوامر الشرع بدليل من خارج، وحينئذ فالوجوب مستفاد بهذا التركيب من الشرع واللغة، فقد وافق القائلين بالوجوب وإن كان قد خالفهم في هذا، واعتمد المصنف في هذا النقل المازري فإنه قال في (شرح البرهان): هذا الذي اختاره إمام الحرمين صرح به الشيخ أبو حامد الإسفرائيني وسبقه إلى اختياره فأشار إلى أن الأمر يقتضي حصر المأمور على الفعل واقتضاؤه منه اقتضاء جازما، ولكن إذا ثبت هذا من جهة اللسان ثبت بعده الوعيد، قال المصنف: وهو المختار عندنا، فإن الوعيد لا يستفاد من اللفظ، بل هو أمر خارجي عنه، ولكنا نقول: المنقول عن الشافعي ﵁: أن الصيغة تقتضي الوجوب، ومراده الصيغة الواردة في الشرع إذ لا غرض له في الكلام في شيء غيرها، ولم يصرح الشافعي بأن اقتضاءها للوجوب مستفاد منها فلعله يرتضي هذا التركيب ويقول به، وهذا المذهب يغاير المذهبين السابقين صدر المسألة، أعني: القول بأن الوجوب هل هو بالشرع أو باللغة فتصير المذاهب ثلاثة: الوجوب بالشرع، والوجوب باللغة، والوجوب بضم الشرع إلى اللغة. (ص) وفي وجوب اعتقاد الوجوب قبل البحث خلاف العام. (ش) ما سبق في صيغة (افعل) من حيث هي، فأما إذا صدرت من الشارع مجردة عن القرائن وجب الفعل، عملا بالحقيقة وهل يجب اعتقاد أن المراد بها الوجوب قبل البحث عن الكون المراد بها؟ ذلك فيه خلاف العام في وجوب اعتقاد عمومه قبل البحث عن المخصص، وسيأتي إن شاء الله تعالى في مباحث العام، وهذه المسألة قل من ذكرها، وممن صرح بجريان الخلاف هنا: الشيخ أبو حامد الإسفرائيني فكتابه في (الأصول) وابن الصباغ في (العدة).

стр. 505

(ص) فإن ورد بعد حظر، قال الإمام: أو استئذان فللإباحة وقال أبو الطيب والشيرازي والسمعاني والإمام: للوجوب. وتوقف إمام الحرمين. (ش) الخلاف في ورود الأمر بعد حظر سابق كقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ مشهور وأما وروده بعد الاستئذان فذكره الإمام الرازي ومثله بقول الصحابة: كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا (اللهم صل على محمد). وفيه ثلاثة مذاهب: أصحها: أنه للإباحة فإنه سبق الحظر قرينة صارفة. قال صاحب (القواطع): وهو ظاهر كلام الشافعي في أحكام القرآن ونقله ابن برهان عن أكثر الفقهاء والمتكلمين.

стр. 506

والثاني: للوجوب، لأن الصيغة تقتضيه (٨٦أ) ووروده بعد الحظر لا تأثير له وهو اختيار القاضي أبي الطيب والشيخ أبي إسحاق والسمعاني والإمام في (المحصول) ونقله الشيخ أبي حامد الإسفرائيني في كتابه عن أكثر أصحابنا ثم قال: وهو قول كافة الفقهاء وأكثر المتكلمين. والثالث: الوقف بينهما، وهو اختيار إمام الحرمين، مع كونه أبطل للوقف في لفظه ابتداء من غير تقدم حظر واعلم أنهم لم يحكوا هنا القول الآتي في المسألة بعدها برجوع الحال إلى ما كان قبلها ولا ببعد طرده. تنبيهان: الأول: قوله أولا: قال الإمام: أو استئذان - ليس معناه أن الإمام قال: إن ورد بعد حظر أو بعد استئذان فللإباحة بل معناه: أن وروده بعد الاستئذان فائدة أفادها الإمام أن حكمه حكم وروده بعد الحظر، فيه الخلاف، وهي نافعة في

стр. 507

الاستدلال على وجوب الصلاة في التشهد. الثاني: ترجمة المسألة بالأمر بعد الحظر قاله الجمهور عن القاضي أبي بكر أنه رغب عنها، وقال: الأولى: أن يقال: (افعل بعد الحظر) لأن (افعل) تكون أمرا تارة وغير أمر، والمباح لا يكون مأمورا به، وإنما هو مأذون فيه. (ص) أما النهي بعد الوجوب: فالجمهور: للتحريم، وقيل: للكراهة، وقيل: للإباحة، وقيل: لإسقاط الوجوب. وإمام الحرمين على وقفه. (ش) النهي الوارد بعد الوجوب: هل يقتضي التحريم؟ على مذاهب: أصحها: قول الجهور: إنه للتحريم، ولا ينتهض للوجوب السابق قرينة في حمل النهي على رفع الوجوب، وحكى القاضي والأستاذ فيه الاتفاق وفرقوا بينه وبين الأمر بعد الحظر، حيث اعتبروا القرينة هناك، ولم يعتبروها ههنا، فوجهين: أحدهما: أن النهي لدفع المفاسد والأمر لجلب المصالح واعتناء الشارع بدفع المفاسد أكثر من جلب المصالح. ثانيها: أن النهي عن الشيء موافق للأصل الدال على عدم الفعل ولا كذلك الأمر. الثاني: أنه لكراهة التنزيه. وهذا القول موجود في (المسودة الأصولية) لابن

стр. 508

تيمية، عن حكاية القاضي أبي يعلى منهم. الثالث: أنه للإباحة، كالقول به هناك ويدل له قوله تعالى: ﴿قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني﴾. الرابع: أنه لرفع الوجوب فيكون نسخا، ويعود الأمر إلى ما كان قبله وهذا يؤخذ من نقل صاحب (المسودة الأصولية). وللخامس: أنه على الوقف. وهو قول إمام الحرمين فقال: أما أنا فأسحب

стр. 509

ذيل الوقف عليه، كما قدمته في صيغة الأمر بعد الحظر. (ص) مسألة: الأمر لطلب الماهية، لا لتكرار ولا مرة والمرة ضرورية وقيل: مدلوله وقال الأستاذ والقزويني: للتكرار مطلقا، وقيل: إن علق بشرط أو صفة وقيل بالوقف. (ش) الأمر بطلب الماهية، أي: المجرد عن التقييد، بالمرة أو الكثرة، اختلفوا فيه على مذاهب: أصحها: قول المحققين: إنه لا يدل على المرة ولا على التكرار وإنما يدل على طلب ماهية المأمور به فقط، ثم إن المرة الواجبة لا بد منها في الامتثال فهي من ضروريات الإتيان بالمأمور به لأن الأمر يدل عليها بذاته. والثاني: أنه يدل على المرة بلفظه، ولا يحتمل التكرار أصلا، وإنما يحمل عليه

стр. 510

بدليل، ونقله الشيخ أبو إسحاق عن أكثر أصحابنا وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء. والثالث: للتكرار مطلقا، المستوعب لزمان العمر، وبه قال الأستاذ أبو إسحاق، والشيخ أبو حاتم القزويني فيما نقله عنه صاحبه الشيرازي في (شرح اللمع)، لكن شرط هذا القول (٨٦ ب) الإمكان دون أزمنة قضاء الحاجة والنوم وضروريات الإنسان، كما قاله الشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ ومراد المصنف بالإطلاق ما سيذكره في مقابله من الخلاف. والرابع: إن علق بشرط أو صفة، اقتضى التكرار مثل: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا﴾ وإن كان مطلقا لم يقتضه واختار الآمدي وابن الحاجب أنه لا يقتضي التكرار في المعلق أيضا قال البيضاوي: لا يقتضيه لفظا ويقتضيه قياسا.

стр. 511

الخامس: الوقت، قالوا: وهو محتمل لشيئين: أحدهما: أن يكون مشتركا بين التكرار والمرة، فيتوقف إعماله في أحدهما على قرينة. والثاني: أنه لأحدهما ولا نعرفه، فنتوقف لجهلنا بالواقع. (ص) ولا لفور، خلافا لقوم، وقيل: للفور أو العزم، وقيل: مشترك. (ش) (ولا لفور) عطف على قوله: (لا لتكرار) أي: الأمر المطلق مقتضاه طلب الفعل المأمور به ولا دلالة على خصوص الفور أو التراخي فيجوز البدار إلى الامتثال عقيب وروده ويجوز التأخير ولا يتعين أحدهما بخصوصه إلا بدليل قال إمام الحرمين: ينسب إلى الشافعي ﵁، وأصحابه، وهو الأليق بتعريفاته في الفقه، وإن لم يصرح به في مجموعاته في الأصول.

стр. 512

والثاني: إنه يقتضي الفور، أي: وجوب البدار إلى الفعل، ومنع التأخير عن أول وقت الإمكان بلا عذر، وهو قول الحنفية والحنابلة وكذلك المالكية كما قاله القاضي عبد الوهاب، واختاره من أصحابنا أبو حامد المروزي وأبو بكر الصيرفي. والثالث: أنه للفور أو العزم وهذا كعائد لأعم من المضيق والموسع ثم العزم إنما يكون في الموسع ولا ينافي هذا العود إلى الأعم، إذ إفراد القاضي إفراد الأعم بالحكم لا يوجب عدم العود إلى الأعم، ولهذا قال ابن الحاجب: وقال القاضي: إما الفور وإما العزم مع تصويره المسألة بمطلق الأمر، غير مقيدها بموسع

стр. 513

ولا مضيق وكل من تكلم على المسألة حتى القاضي نفسه تكلم عليها مطلقا، ثم اختار هذا بناء على أصله في الواجب الموسع وأن العزم فيه واجب عند التأخير. الرابع: أنه مشترك حكاه في (المنهاج) وأصله أن في المسألة قولا بالوقف، إما لعدم العلم بمدلوله أو لأنه مشترك بين اقتضاء الفور والتراخي بالاشتراك اللفظي فكان الأحسن التصريح بالوقف، ليشمل هذين الاحتمالين. (ص) والمبادر ممتثل، خلافا لمن منع ومن وقف. (ش) لو بادر إلى فعله أول الوقت من غير تأخير فالمشهور أنه ممتثل سواء قلنا: الأمر يقتضي الفور أم لا. ووراءه قولان غريبان: أحدهما: حكاه ابن الصباغ في (العدة) عن بعضهم أنه قال: لا يقطع بكونه ممتثلا لجواز إرادة التراخي وقال: إن القائل به خرق الإجماع ومثله قول الإمام في (البرهان): إنه من ترجم المسألة بأن الصيغة هل تقتضي التراخي، فلفظه مدخول، فإنه يقتضي اقتضاءها التراخي على قول، حتى لو فرض الامتثال على البدار لم يعتد به وليس هذا معتقد أحد.

стр. 514

الثاني: إننا نتوقف لكونه مشكوكا في أن المراد به الفور أو التراخي فيتوقف في الامتثال وهو قضية كلام إمام الحرمين. (ص) مسألة: الرازي والشيرازي وعبد الجبار: الأمر يستلزم القضاء وقال الأكثر: القضاء بأمر جديد. (ش) إذا أمر الشارع بالفعل في وقت معين فخرج (٨٧أ) الوقت ولم يفعل فهل يجب القضاء بأمر جديد ابتداء أم يجب بالأمر السابق، بمعنى أنه يستلزمه لا أنه عينه؟ قولان: فذهب عبد الجبار والإمام في (المحصول) إلى الثاني محتجين بقوله

стр. 515

صلى الله عليه وسلم: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)). فقوله: ((إذا ذكرها)) دليل على أن الأمر الأول باق عليه، وأن الواجب بعد الوقت هو الواجب، الذي كان في الوقت، وما نقله المصنف عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي سهو فإنه صحح في (اللمع) قول الأكثرين. وذهب الأكثرون إلى أن القضاء بأمر جديد لأنه فات الأمر بفوات الوقت فيفوت الوجوب، والحديث حجة لنا، لأن قوله: (فليصلها) أمر جديد فلو كان الأمر الأول باقيا عليه لم يحتج إلى هذا الثاني، فلما ذكره دل على وجوبه بهذا الأمر لا بالأمر الأول.

стр. 516

(ص) والأصح أن الإتيان بالمأمور به يستلزم الإجزاء. (ش) إتيان المكلف بالمأمور به على الوجه المشروع يستلزم الإجزاء وإلا لكان الأمر بعد الامتثال مقتضيا إما لذلك المأتي به، ويلزم تحصيل الحاصل أو لغيره ويلزم أن لا يكون الإتيان بتمام المأمور به بل ببعضه، والغرض خلافه قال أبو هاشم وعبد الجبار: لا يوجبه كما لا يوجب النهي الفساد قال في (المنتهى): إن أراد أنه لا يمتنع أن يرد أمر بعده بمثله فمسلم، ويرجع النزاع في تسميته قضاء وإن أراد أنه لا يدل على سقوطه فساقط قلت: وبالأول صرح عبد الجبار في (العمد): أنه لا يستلزمه بمعنى أنه لا يمتنع أن يقول الحكيم: افعل كذا، فإذا فعلت أديت الواجب، ويلزمك مع ذلك القضاء والخلاف مبني على

стр. 517

تفسير الإجزاء بسقوط القضاء أما إذا فسرناه بسقوط التعبد به فالامتثال يحصل للإجزاء بلا خلاف، فكان حق المصنف التنبيه على ذلك ليعرف به خلل من أطلق الخلاف. (ص) وأن الآمر بالشيء ليس أمرا به. (ش) أي: ليس آمرا لذلك الغير بذلك الشيء على الأصح فإنه ﷺ قال: لعمر لما طلق ابنه عبد الله زوجته في الحيض:

стр. 518

((مره فليراجعها)) فلم تكن المراجعة واجبة على عبد الله لما كان الأمر له بذلك من أبيه بخلاف أن يقول النبي ﷺ : أخبره أن الله يأمره، أو أني أأمره بها ولا يصار إلى أنه أمر إلا بدليل ونقل العالمي من الحنفية عن بعضهم أنه أمر، وحكى سليم الرازي في (التقريب) ما يقتضي أنه يجب على الثاني الفعل جزما، وإنما الخلاف في تسميته أمرا، وقال في (المحصول): الحق أن الله إذا قال لزيد: أوجب على عمرو كذا فلو قال لعمرو: وكل ما أوجب عليك زيد فهو واجب عليك، فالآمر بالأمر بالشيء أمر بالشيء في هذه الصورة، ولكنه بالحقيقة إنما جاء من قوله: كل ما أوجب فلان عليك فهو واجب عليك أما لو لم يقل ذلك فلا يجب، كما في قوله ﵊: ((مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع)) فإن ذلك الأمر لا

стр. 519

يقتضي الوجوب على الصبي انتهى. والحق التفصيل: فإن كان للأول أن يأمر الثالث، فالأمر الثاني بالأمر للثالث أمر بالثالث وإلا فلا. (ص) وأن الآمر بلفظ يتناوله داخل فيه. (ش) الآمر بلفظ يتناول (٨٧ب) نفسه، هل يدخل في الأمر، نظرا لعموم اللفظ وكونه أمرا لا يصلح معارضا، وفيه قولان: أصحهما: عند المصنف: نعم، وهذا تابع فيه الهندي، فإنه عزاه للأكثرين لكن ذكرت في كتاب (الوصول إلى ثمار الأصول) في باب العموم: أن الأكثرين - وهو مذهب الشافعي - عدم الدخول، لا سيما على قول من اشترط في الأمر العلو، وينبغي أن يكون موضع الخلاف ما إذا لم يكن مأمورا بمخاطبة غيره، فإن كان، لم يدخل فيه قطعا، ولهذا قطع أصحابنا فيما لو وكله ولو بصيغة الأمر ليبرئ غرماءه والوكيل من جملة الغرماء - إنه ليس له أن يبرئ نفسه، وعلله

стр. 520

صاحب (التتمة) بما ذكرنا، ونص الشافعي ﵁، أنه لو وكله ليفرق ثلثه على الفقراء - ليس له صرفه إلى نفسه وإن كان فقيرا أو مسكينا. ووجه القاضي أبو الطيب في تعليقه، بأن المذهب الصحيح: أن المخاطب لا يدخل في أمر المخاطب إياه في أمر غيره، قال: فإذا أمر الله تعالى نبيه ﷺ بأن يأمر أمته أن يفعلوا كذا، لم يدخل هو في ذلك الأمر. انتهى. واحترز بقوله: (بلفظ يتناوله) عما إذا أمر بلفظ خاص، فإنه لا يدخل الأمر تحته قطعا وقد اعترض على المصنف فقيل: كيف يجتمع هذا مع قوله في آخر العام: الأصح أن المخاطب داخل إن كان خبرا لا أمرا. وقد اعترف بجودة السؤال ثم انفصل عنه وقال: الامر يطلق على (المنشئ) وعلى المبلغ عن المنشئ فقول الله سبحانه أمر بطريق إنه المنشئ الحاكم بمضمون الأمر، وهذا بطريق الحقيقة ويطلق على النبي ﷺ بطريق المجاز باعتبار أنه المبلغ عن الله تعالى. إذا عرفت هذا فالأمر بلفظ يتناوله قد يجيء بغيره كالتثنية والجمع غير المحلى، إذا تحقق دخول فيهما بطريق من الطرق وحاصل أن موضوع المسألتين مختلف: فمسألة الأمر في الإنشاء من منشئ أو مبلغ، ومسألة العموم في الخطاب أعم من أن يكون إنشاء أو خبرا ولا يخفى ما فيه من التعسف مع وروده في الصورة التي يجتمعان فيها، ولو جمع بينهما يحمل المذكور هنا على ما إذا كان الخطاب يتناوله كقوله: إن الله يأمركم بكذا، وقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ ونحوه. عملا بعموم الصيغة والمذكور ثم على ما إذا لم يكن اللفظ متناولا له كقوله: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ فلا يدخل فيه

стр. 521

كما لم يدخل موسى في ذلك الأمر، بدليل قوله في آخر القصة: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ ولا يظن بموسى ﵇ ذلك. وقول المصنف: هنا (بلفظ يتناوله) ولم يذكر هذا القيد هناك - صريح فيما ذكرت: والعجب منه: كيف لم يقع على هذا وهو ظاهر من لفظه وبه يرتفع الإشكال، وقد رأيت في (التمهيد) لأبي الخطاب هذا التفصيل في هذه المسألة، ولله الحمد، وغاية ما يلزم المصنف أنه فرق المسألة في موضعين وذكر كل قطعة في موضع. (ص) وأن النيابة تدخل المأمور إلا لمانع. (ش) قال الآمدي: يجوز عندنا دخول النيابة فيما كلف به من الأفعال البدنية خلافا للمعتزلة، واستدلوا بأن الوجوب إنما كان لقهر النفس وكسرها والنيابة تنافي ذلك، وأجاب أصحابنا بأن النيابة لا تأباه لما فيها من بذل المؤنة وتحمل المنة، وقول المصنف: إلا لمانع، قيد لا بد منه ليخرج بعض البدني، كالصلاة والاعتكاف وكذا الصوم على الجديد، ومن الناس من عكس هذه العبارة، فقال: الطاعات لا تدخلها النيابة إلا الحج والصوم على قول (٨٨أ) لأن القصد من الطاعة الإجلال والإثابة ولا يلزم من تعظيم الوكيل تعظيم الموكل، فكأنه وكله على ما لا يقدر عليه فلا يصح، وعلى هذا نص الشافعي في (الأم) كما بينته في (بحر الأصول) واقتصر الشيخ عز الدين في (أماليه) قال: وبهذا يظهر أن ثواب

стр. 522

العبادة البدنية لا يصح للغير، لأنه مرتب على الإجلال وهو حاصل من الغير وإن شئت قلت: تمتنع الاستنابة إلا في فعل تحصل مصلحته من الوكيل، كما تحصل من الموكل وحرر الصفي الهندي المسألة فقال: اتفقوا على جواز دخول النيابة في المأمور به إذا كان ماليا، وعلى وقوعه أيضا واتفاقهم على أنه يجوز للغير صرف زكاة ماله بنفسه، وأن يوكل فيه، وكيف لا وصرف زكاة الأموال الظاهرة إلى الإمام إما واجب أو مندوب ومعلوم أنه لم يصرفها للفقراء إلا بطريق النيابة واختلفوا في جواز دخولها فيه إذا كان بدنيا: فذهب أصحابنا إلى الجواز والوقوع معا محتجين بأنه لا يمنع لنفسه، إذ لا يمتنع قول السيد لعبده: أمرتك بخياطة هذا الثوب، فإن خطته بنفسك أو استنبت فيه أثبتك، وإن تركت الأمرين عاقبتك، واحتجوا بالنيابة في الحج وفيه نظر، فإنه لا يدل على جواز النيابة في المأمور به إذا كان بدنيا صرفا بل إنما يدل على ما هو بدني ومالي معا كالحج ولعل الخصم يجوز ذلك فلا يكون دليلا عليه، واحتج المانع بأن القصد من إيجاب العبادة البدنية امتحان المكلف والنيابة تخل بذلك، وأجيب بأنه لا يخل به مطلقا، فإن النيابة امتحان أيضا. (ص) مسألة: قال الشيخ والقاضي: الأمر النفسي بشيء معين نهي عن ضده الوجودي، وعن القاضي: يتضمنه وعليه عبد الجبار وأبو الحسين والآمدي

стр. 523

وقال إمام الحرمين والغزالي: لا عينه ولا يتضمنه وقيل: أمر الوجوب يتضمن فقط، أما اللفظي فليس عين النهي قطعا، ولا يتضمنه على الأصح. (ش) مسألة: الكلام في هذه المسألة يقع على وجهين: أحدهما: في النفساني وهو: الطلب القائم بالنفس، والمثبتون له اختلفوا على مذاهب:

стр. 524

أحدها: أنه عين النهي عن ضده وهو قول الأشعري والقاضي وأطنب في نصرته في (التقريب) بناء على أصلهم أن كلام الله واحد لا يتنوع، وهو بنفسه أمر بما أمر ونهى عما نهى، فكان تأثير الأمر بالشيء نهيا عن ضده، وعلى العكس. والثاني: ليس عينه ولكن يتضمنه عقلا، وذكر إمام الحرمين أن القاضي صار إليه في آخر مصنفاته ونقله الشيخ أبو حامد الإسفرائيني عن أكثر أصحابنا ونقله المصنف عن عبد الجبار ومن معه، وفيه شيء نذكره. والثالث: أنه ليس نهيا عن ضده ولا متضمنا له، بل هو مسكوت عنه واختاره إمام الحرمين والغزالي وابن الحاجب وقال الكيا: إنه الذي استقر عليه القاضي. والرابع: التفصيل بين أمر الإيجاب، فيتضمن النهي عن ضده, وأمر الندب ليس نهيا عن ضده ولا متضمنا له فإن أضداده مباحة غير منهي عنها، وهو قول بعض المعتزلة، ومن لم يفصل جعل أمر الندب نهيا عن ضده نهي ندب، حتى يكون

стр. 525

الامتناع عن ضده مندوبا كما يكون فعله مندوبا وإنما قيدنا هذا الخلاف بالنفسي للتنبيه على أنه ليس الخلاف على صيغة الأمر وصيغة النهي إذ لا نزاع في أنهما صيغتان مختلفتان وإنما النزاع عند القائلين بالنفسي بأن الأمر هو الطلب القائم بالنفس (٨٨ب) راجع إلى أن طلب فعل الشيء هل هو طلب ترك أضداده أم لا؟ وهذا وإن لم يصرح به الجمهور وأطلقوا الخلاف، فهو متضمن لما ذكرنا والشيخ والقاضي ما تكلما إلا في النفسي وذكرا أن اتصاف الشيء يكون أمرا ونهيا - بمثابة اتصاف اللون الواحد بكونه قريبا من شيء بعيدا من غيره، الثاني: اللساني والمنكرون للنفسي الذاهبون إلى أن الأمر هو نفس صيغة افعل وهم المعتزلة - قد اتفقوا على أن الأمر ليس نهيا عن ضده، ضرورة تغاير صيغة افعل لصيغة لا تفعل، ولهذا لم يصر أحد إلى أن الأمر نفس النهي، وإنما اختلفوا هل يستلزم النهي عن ضده من جهة المعنى على مذهبين، ومعناه: إن صيغة (افعل) مثلا تقتضي إيجاد القعود فهل يستلزم النهي عن القيام من حيث هي مقتضية لإيجاد القعود أم لا؟ فذهب قدماء مشايخهم إلى منعه، وذهب القاضي عبد الجبار وأبو الحسين وغيرهما إلى إثباته وهؤلاء لم يتكلموا إلا في اللساني، فإن الأمر عندهم العبارة فقط. تنبيهان: الأول: ظهر بما شرحناه أن حكاية المصنف عن عبد الجبار وأبي الحسين في المقام الأول منتقدة، فإنهما لم يتكلما إلا في اللساني، وأما الآمدي فإنه قال: إن

стр. 526

جوزنا تكليف ما لا يطاق فليس عينه ولا يستلزمه وإن منعناه استلزمه. الثاني: احترز بقوله: معينا، عن الواجب الموسع والمخير، فإن الأمر بهما ليس نهيا عن الضد، والمسألة مقصورة على الواجب على التعيين، صرح بذلك الشيخ أبو حامد الإسفرائيني والقاضي في (التقريب) وغيرهما، واحترزنا بالوجودي عن الترك، فإن الأمر بالشيء نهي عن تركه قطعا. وأما النهي فقيل: أمر بالضد وقيل: على الخلاف. اختلفوا في النهي عن الشيء، هل هو أمر بضده؟ على طريقين: إحداهما: أنه على الخلاف السابق في الأمر. والثانية: أنه بالضد قطعا وهي طريقة القاضي في (التقريب) فإنه جزم بأن النهي أمر بالضد، بعد ما حكى الخلاف في الأمر، ووجهه أن دلالة النهي على مقتضاه أقوى من دلالة الأمر على مقتضاه، ويدل لذلك أن مطلوب النهي فعل الضد، فاستحضار الضد في جانب النهي أولى منه في جانب الأمر، لأنه في جانب النهي المطلوب، ولا يطلب القائل إلا ما يحضر ذهنه، فالنهي يستدعي جانب المفسدة والأمر يستدعي جانب المصلحة، واعتناء الشارع بدرء المفاسد أكثر من اعتنائه

стр. 527

بالثاني وضعف إمام الحرمين هذه الطريقة، وقال: يلزم منها القول بمذهب الكعبي في نفي المباح فإنه إنما صار إلى ذلك من قال: لا شيء مقدرا مباحا إلا وهو ضد محظور فيكون حينئذ واجبا واعلم أن ابن الحاجب حكى الطريقة الثانية، وحكى بدل الأولى أنه ليس بالضد قطعا وبه يجتمع في المسألة ثلاث طرق، لكن المصنف نازعه في ثبوتها، وقال: إنه لم يعثر عليه نقلا، ولم يتجه له عقلا، وقال غيره: إنه مبني على أن النهي طلب نفي الفعل لا طلب الكف عنه الذي هو ضده كما هو مذهب أبي هاشم، فلا يكون أمرا بالضد. (ص) مسألة: الأمران غير متعاقبين أو بغير متماثلين غيران والمتعاقبان بمتماثلين ولا مانع من التكرار، والثاني غير معطوف. قيل: معمول بهما،

стр. 528

وقيل: تأكيد، وقيل بالوقف، وفي المعطوف التأسيس أرجح، وقيل: التأكيد فإن رجح التأكيد بعادي قدم، وإلا فالوقف. (ش) إذا صدر من الآمر أمران، فإن كانا غير متعاقبين (أي لم يكن الثاني عقب الأول) فلا يخلو إما أن يختلف المأمور بينهما أو يتماثلا، فإن اختلفا فكذلك (٨٩أ) يجيئان قطعا سواء أمكن الجمع بينهما كـ (صل وصم) أو امتنع كالصلاة مع أداء الزكاة وإن كانا متماثلين فلا يخلو إما أن يكون المأمور به مما يمتنع فيه التكرار أو لا يمتنع، فإن امتنع فالثاني تأكيد قطعا، كقوله: اقتل زيدا

стр. 529

اقتل زيدا وإن لم يمتنع فلا يخلو إما أن يكون الثاني معطوفا على الأول أولا، فإن لم يكن معطوفا نحو: صل ركعتين (صل ركعتين) ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعمل بهما، فيجب التكرار لأن التأسيس أولى من التأكيد وعزاه الهندي للأكثرين. والثاني: تأكيد، فتجب المرة لكثرة التأكيد في كلامهم، والأصل عدم الزائد وبه قال الصيرفي وقد رأيته في كتابه (الدلائل والأعلام). والثالث: الوقف بين حمل الثاني على الوجوب أو التأكيد للأول، لتعارض الاحتمالين وبه قال أبو الحسين البصري وغيره وأما إذا كان معطوفا، مثل: صل ركعتين وصل ركعتين - فحكى المصنف قولين: أرجحهما: يجب العمل بهما، فيجب التكرار، لاقتضاء العطف المغايرة فيكون التأكيد مرجوحا.

стр. 530

والثاني: يحمل على التأكيد، فيجب مرة لأنه المتيقن فإن رجح في المعطوف التأكيد بعادي من تعريف نحو: صل ركعتين وصل الركعتين، وقع التعارض بين العطف ومانع التكرار فالعطف والتأسيس يقتضي التكرار والتعريف، والعادة تمنعه ويفيدان التوكيد، فيصار إلى الترجيح، فيقدم الأرجح وهو العمل بالثاني لأن حرف العطف المقتضي التغاير معارض بلام التعريف وتبقى أظهرية التأسيس سالمة من المعارضة وإن لم يوجد المرجح بل تساويا وجب الوقف كذا قالوا: ويظهر أن التوكيد في هذا الأخير أرجح، لأن التأسيس يعارضه مخالفة دليل براءة الذمة، فيبقى العطف ويعارضه أحد الأمرين، فيبقي الأمر الآخر سالما عن المعارضة وهو يقتضي التوكيد، وهذا شرح كلام المصنف وقد زاد على ابن الحاجب حكاية قول في المعطوف بحمله على التأكيد، وفيه نظر، فإن ظاهر سياقه تصوير مسألة العطف بما إذا لم يكن معه لام التعريف وفي هذه الحالة صرح جماعة بأنه لا خلاف في حمله على التأسيس لأن الشيء يعطف على نفسه ومنهم الهندي في (النهاية) قال: وأما إذا كان معرفا، فمنهم من حمله على التأسيس؛ لأجل العطف وهو الأولى - يعني لما سبق - ومنهم من توقف فيه، كأبي الحسين البصري بناء على تساوي دلالتهما على الاتحاد والمغايرة على ما سبق من أصله قال: وأما أصل الصيرفي فيقتضي حمله على غيره ما اقتضاه الأول لو قيل بتساوي دلالتهما وإلا فيجب إثبات مقتضى الراجح قلت: وكذا حكي عن ابن الصباغ في (العدة) فجزم بالتأسيس مع العطف، ثم قال: فإن دخله لام التعريف والعطف مثل: صل ركعتين وصل الركعتين فقيل: يحمل
следующие страницы →