Полный текст (4 103 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ولا الكلام على الوضوء (١) . الحواشي
(١) أي لا يسن الكلام على الوضوء بل يكره، قال في الإنصاف، وهو الصحيح من المذهب، وقال جماعة من الأصحاب يكره، قال في الفروع: بغير ذكر الله، كما صرح به جماعة، وظاهر كلام الأكثر لا يكره السلام عليه، ولا رده، وفي عطف المصنف إيهام، فلو قال: يسن ترك الكلام على الوضوء، لكان أولى وجهه أنه عبادة فناسب ترك الكلام على الوضوء من غير حاجة، وهذه العبارة ونحوها أنه قبيل الباب أو الكتاب من رعاية التناسب وحسن الختام، ومن سنن الوضوء استقبال القبلة قال في الفروع وغيره، وهو متجه في كل طاعة إلا لدليل كالخطبة.стр. 177
باب فروض الوضوء وصفته (١)
الفرض يقال لمعان، منها الحز والقطع (٢) . الحواشي
(١) لما ذكر الماء الذي تحصل به الطهارة وآنيته وأردفه بالاستنجاء ثم بالسواك، أتبع ذلك بالكلام على مقاصد الطهارة، وبدأ بالوضوء لتكرره، ولأنه مطلوب مطلقا لكل صلاة، وهو من أعظم شروط الصلاة، وفي الصحيحين لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ولمسلم: لا يقبل الله صلاة بغير طهور، وله أيضا: الطهور شطر الإيمان، والأصل في الوضوء الكتاب والسنة والإجماع، والوضوء بضم الواو فعل المتوضئ، وهو إمرار الماء على أعضائه من الوضاءة أي النضارة والحسن والنظافة، ووضوء الشيء يوضئ وضوءا ووضاءة صار نضرا حسنا نظيفا، لأنه ينضره ويحسنه وينظفه، وبفتحها الماء يتوضأ به، وحكي الضم والفتح فيهما، والأول هو المعروف في اللغة، وعبر بالفرض هنا، وفي الصلاة بالركن، لأن الصلاة لما امتنع تفريق النية على أفعالها كانت حقيقة واحدة مركبة من أجزاء فناسب عد أجزائها أركانا، بخلاف الوضوء، لما كان كل جزء منه مستقلا بلا تركيب عبر فيه بالفرض، وصفة الوضوء كيفية الكامل منه والمجزئ.(٢) أي الفرض شيء لازم للعبد كلزوم الحز للشيء، والقطع كالتفريض، وهو التحريز ومصدر بمعنى المفروض ومنه (فمن فرض فيهن الحج) فكل واجب موقت فهو مفروض، وفرض الله الصلاة وغيرها أوجبها، وفرض يفرض فرضا وقت. وفي القاموس: الفرض التوقيت، والحز في الشيء، كالتفريض، وفي المصباح اشتقاق الفرائض من الفرض الذي هو التقدير، لأن الفرائض مقدرات والفرض ما أوجبه الله تعالى، سمي بذلك لأن له معالم وحدودا، وقال تعالى (نصيبا مفروضا) أي محدودا وفي المطلع: ما كان فعله راجحا على تركه مع
المنع من تركه مطلقا اهـ ويطلق الفرض شرعا على معنى آخر، وهو ما تتوقف عليه صحة العبادة، وجواز الإتيان بها، وقال ابن عقيل والموفق وغيرهما، الفرض هو الواجب على إحدى الروايتين، وهو قول الشافعي: والثانية هو آكد من الواجب فقيل هو اسم لما يقطع بوجوبه، كمذهب أبي حنيفة، وقيل ما لا يسامح في تركه عمدا ولا سهوا، نحو أركان الصلاة، قالت الحنفية: الفرض ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني، والنزاع لفظي، وتأكد الفرض، على الواجب شرعا ظاهر موافق لمقتضاه لغة.стр. 178
وشرعا: ما أثيب فاعله وعوقب تاركه (١) والوضوء استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة (٢) على صفة مخصوصة (٣) . الحواشي
(١) قولهم: شرعا. إخراج للشيء عن المعنى اللغوي إلى الحقيقة الشرعية، وهي ماتلقي معناها عن الشارع، وإن لم يتلق عن الشارع سمي اصطلاحا وعرفا.(٢) المعهود لأهل الشرع على سبيل الغسل والمسح، والأربعة هي الوجه واليدان والرأس والرجلان، قال الشيخ: ولم يرد الوضوء، بمعنى غسل اليد والفم إلا في لغة اليهود.(٣) في الشرع. بأن يأتي بها مرتبة متوالية مع باقي الفروض والشروط وما يجب اعتباره، واختصت هذه الأعضاء الأربعة به، لأنها أسرع ما يتحرك من البدن للمخالفة، ورتب غسلها على ترتيب سرعة حركتها في المخالفة، تنبيها بغسلها ظاهرا على تطهيرها باطنا، وأخبر ﷺ أنه كلما غسل عضوا منها حط عنه كل خطيئة أصابها بذلك العضو، وأنها تخرج خطاياه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء وإن وضع وجهه لله خرج من خطاياه كيوم ولدته أمه، ثم أرشد بعدها إلى تجديد الإيمان بالشهادتين، وقال بعد آية الوضوء ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ فوضع تعالى الشرائع لمصالح العباد، في العاجل والمعاد، وأخبر ﷺ أنه لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.стр. 179
وكان فرضه مع فرض الصلاة كما رواه ابن ماجه، ذكره في المبدع (١) . الحواشي
(١) ولفظه أن جبريل علم النبي ﷺ الوضوء عند نزوله عليه بالوحي، وهو من طريق رشدين بن سعد، وأخرجه أحمد من طريق ابن لهيعة والطبراني من طريق الليث موصولا، والشارح نبه على ذلك، لأنه قد يفهم أن الصلاة إذ ذاك بلا وضوء إلى وقت نزول آية المائدة، مع أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء، فعلى هذا تكون آية: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ إلى آخرها مقررة للحكم الثابت، لا مؤسسة لأنها مدنية والوضوء فرض مع الصلاة بمكة وصلى بها ﷺ ثلاث سنين قبل الهجرة، وكذلك أصحابه، قال ابن المنذر: معلوم عند جميع أهل السير أنه ﷺ افترض عليه بمكة الصلاة والغسل من الجنابة، ومعلوم أن الغسل من الجنابة لم يفرض قبل فرض الوضوء، وأنه لم يصل قط بمكة صلاة إلا بوضوء اهـ
وأخرج الحاكم أن فاطمة دخلت على النبي ﷺ وهي تبكي، فقال: إن هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك، فقال ائتوني بوضوء فتوضأ، قال الحاكم: وهذا يصح ردا على من أنكر وجوده قبل الهجرة اهـ، وهو أيضا شرع لمن قبلنا، لما روى الإمام أحمد وغيره أنه قال ﵊ هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، وفي البخاري فتوضأ وصلى، ومن قصة سارة مع الملك لما هم بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي. وجاء في قصة جريج الراهب أنه قام فتوضأ. قال النووي فهو حجة على أن الوضوء كان في غير هذه الأمة، وإنما اختصت بالغرة والتحجيل. وقال الشيخ: الوضوء من خصائص هذه الأمة، كما جاءت الأحاديث الصحيحة أنهم يبعثون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء، وأن الرسول ﷺ يعرفهم بهذه السيماء، فدل على أنه لا يشاركهم فيها غيرهم. وقال فيما رواه ابن ماجه: ضعيف عند أهل العلم بالحديث، لا يجوز الاحتجاج بمثله، وليس له عند أهل الكتاب خبر عن
أحد من الأنبياء أنه كان يتوضأ وضوء المسلمين بخلاف الاغتسال من الجنابة فإنه كان مشروعا قبل.стр. 180
(فروضه ستة) أحدها (غسل الوجه) (١) لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٢) (والفم والأنف منه) أي من الوجه لدخولهما في حده (٣) فلا تسقط المضمضة ولا الاستنشاق في وضوء ولا غسل لا عمدا ولا سهوا (٤) . الحواشي
(١) إجماعا، والغسل في الأصل من: غسل الشيء، سال، بالفتح، وغسله يغسله غسلا طهره بالماء، وأزال الوسخ ونحوه عنه، بإجراء الماء عليه، فهو غاسل، والوجه في الأصل من المواجهة، وإضافة الغسل إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله، والفاعل محذوف أي غسل المتوضئ وجهه، ويرد عليه أن يكون صفة للفاعل وهو غير شرط، إذ لو أصابه الماء من غير فعل كفى.(٢) أي إذا قمتم إلى الصلاة، وأنتم على غير طهر ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ بالماء فشرع غسله الذي نظافته ووضاءته عنوان على نظافة القلب، ويستب عند كل صلاة للآية، وللأمر به، وتجديده كل صلاة مستحب إجماعا، وتجوز الصلوات كلها بوضوء واحد.(٣) وكونهما في حكم الظاهر بدليل غسلهما من النجاسة، وفطر الصائم بعود القيء بعدوصوله إليهما وأنه لا يفطر بوصول شيء إليهما.(٤) لما في الصحيحين من توضأ فليستنشق، ولقوله: استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا، قال أحمد: وأنا أذهب إليه، لأمر النبي ﷺ وفي الصحيحين عن ابن عباس، أنه توضأ فغسل وجهه أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنثر الحديث وفيه ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يعني يتوضأ وللدارقطني بسند جيد عن أبي هريرة قال: أمرنا النبي ﷺ بالمضمضة والاستنشاق ولغيرهما من الأحاديث، وكل من وصف وضوءه ﷺ على الاستقصاء لم يقل إنه ترك الاستنشاق ولا المضمضة وفعله إذا خرج بيانا كان حكمه حكم ذلك المبين، وتجب الموالاة بينهما وبين بقية الأعضاء، وعنه أنهما سنة، وفاقا لمالك والشافعي، لقوله: توضأ كما أمرك الله، قال ابن المنذر: لا خلاف في أن تاركهما لا يعيد اهـ، والمشهور الأول: لأن الله أمر بغسل الوجه وأطلق، وفسره رسول الله ﷺ بفعله وتعليمه، ولم ينقل أنه أخل بذلك، مع اقتصاره على المجزئ، وقوله هذا الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به، ولأنهما في حكم الظاهر كما تقدم، وعليه لا يسقطان ولو سهوا، وأما الغسل فأجمعوا على أن الوضوء معه غير واجب، والمضمضة والاستنشاق من توابعه.стр. 181
(و) الثاني (غسل اليدين) مع المرفقين (١) لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٢) . الحواشي
(١) إجماعا والمرفق موصل الذراع في العضد، جمعه مرافق، وقال النووي وغيره: مجتمع العظمتين المتداخلين، وهما طرف عظم العضد، وطرف عظم الذراع، واليد أصلها يدي، وجمعها أيد ويدي، وجمع الأيدي أياد، جمع الجمع.(٢) أي مع المرافق، وإلى تستعمل بمعنى مع كقوله: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ وفعله ﵊ يبينه وفي حديث جابر أدار الماء على مرفقيه رواه الدارقطني، ولمسلم عن أبي هريرة غسل يده حتى أشرع في العضد، وذكروا أن المغيا لا يدخل في الغاية إلا في ثلاث، غسل اليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الكعبين، يريد إدخال المرفقين والكعبين في الغسل، والتكبير المقيد يدخل فيه عصر آخر أيام التشريق، والله سبحانه شرع غسل اليدين بعد الوجه، لأنهما أحق الأعضاء بالنظافة والنزاهة بعده.стр. 182
(و) الثالث (مسح الرأس) كله (ومنه الأذنان) (١) لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٢) وقوله ﷺ «الأذنان من الرأس» رواه ابن ماجه (٣) . الحواشي
(١) مسح الرأس فرض بالإجماع في الجملة، مع اختلاف في قدر الواجب، وقوله: كله، هو ظاهر الكتاب والسنة، وقول جمهور السلف، وعفا في المبهج والمترجم عن يسيره للمشقة، وصوبه في الإنصاف، واختاره الشيخ تقي الدين وظاهر كلام الأكثرين بخلافه قال الشيخ: اتفق الأئمة على أن السنة مسح جميع الرأس كله، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، والذين نقلوا وضوءه ﷺ لم يقل أحد منهم إنه اقتصر على مسح بعضه، ومسحه مرة يكفي بالاتفاق، ولا يستحب ثلاثا، وحد الرأس من المقدم بحيث لا يسمى وجها، ومن المؤخر بحيث لا يسمى قفاء، وقوله: ومنه الأذنان أي الأذنان من الرأس، فيجب مسحهما معه، وعنه لا يجب بل يستحب، قال غير واحد من الأصحاب: هو الصحيح، وظاهر المذهب، واختاره الشيخ، وجمع قال الوزير: وأجمعوا على أن مسح باطن الأذنين وظاهرهما سنة من سنن الوضوء، وذكر الوجوب رواية عن أحمد فقط.(٢) الباء للإلصاق أي إلصاق الفعل بالمفعول فكأنه قال: ألصقوا المسح برءوسكم يعني المسح بالماء، بخلاف ما لو قال اسمحوا رءوسكم فإنه لا يدل على الإلصاق كما يقال مسحت رأس اليتيم فشرع الله مسح جميع الرأس، وأقامه مقام غسله تخفيفا قال الزركشي، ومن قال إن الباء للتبعيض فغير مسلم دفعا للاشتراك ولإنكار الأئمة وما جاء من أنه ﷺ مسح مقدم رأسه، فمحمول على أن ذلك مع العمامة، كما جاء مفسرا في الصحيح في حديث المغيرة.(٣) والدارقطني وغيرهما من غير وجه، ولحديث ابن عباس، مسح برأسه وأذنيه مرة واحدة ولغيرهما من الأحاديث والآثار البالغة حد التواتر على أنهما من الرأس، فيمسحان معه، قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم.стр. 183
(و) الرابع (غسل الرجلين) مع الكعبين (١) لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٢) (و) الخامس (الترتيب) على ما ذكر الله تعالى (٣) : لأن الله أدخل الممسوح بين المغسولات ولا نعلم لهذا فائدة غير الترتيب (٤) . الحواشي
(١) وهو فرض بإجماع الصحابة، حكاه ابن أبي ليلى وغيره، والكعبان هما العظمان الناتئان من جانبي القدم، وهما مجمع مفصل الساق والقدم، قال النووي وغيره: باتفاق أهل الحديث واللغة والفقه، بل وإجماع الناس، خلافا للشيعة فهذه الأعضاء الأربعة هي آلات الأفعال التي يباشر بها العبد ما يريد فعله، وبها يعصى الله ويطاع.(٢) بالنصب أعاد الأمر إلى الغسل، وعلى القراءة بالخفض لا يخالف ما تواتر عن النبي ﷺ من غسل الرجلين، فإن المسح جنس تحته نوعان الإسالة وغير الإسالة. كما تقول العرب: تمسحت للصلاة فما كان بالإسالة فهو الغسل، وفي حديث عمرو ثم غسل رجليه كما أمره الله، قال الشيخ: والله أمر بالمسح إلى العظمين الناتئين وهذا هو الغسل، وفي ذكر المسح على الرجلين تنبيه على قلة الصب على الرجلين، فإن السرف يعتاد فيهما كثيرا و (إلى) بمعنى (مع) لأحاديث صفة الوضوء، ولما تواتر عنه ﷺ أنه قال ويل للأعقاب من النار.(٣) في آية المائدة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ والترتيب هو الفرض الخامس، وهو جعل كل شيء في مرتبته واصطلاحا جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد، ويكون لبعض أجزائه نسبة إلى البعض بالتقدم والتأخر.(٤) الممسوح الرأس، والمغسولات بقية الأعضاء، ورتب بعضها على بعض
وهي جنس واحد، فدلت على الترتيب شرعا، فيما من شأنه أن يرتب والتقديم في الترتيب يقتضي رفع المزية.стр. 184
والآية سيقت لبيان الواجب (١) والنبي ﷺ رتب الوضوء وقال «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» (٢) فلو بدأ بشيء من الأعضاء قبل غسل الوجه لم يحسب له (٣) . الحواشي
(١) وفي صحيح مسلم أنه ﷺ قال عند السعي أبدأ بما بدأ الله به، وفي لفظ النسائي ابدءوا بما بدأ الله به، فدل على وجوب البداءة بما بدأ الله به، وإن كان في الصفا والمروة فهو دليل على البداءة في الوضوء بما بدأ الله به، وهذا مذهب الشافعي.(٢) رواه أبو داود وغيره من حديث عمرو بن شعيب، وقال النبي ﷺ توضأ كما أمرك الله، ولأبي داود وغيره، إنه لا يتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ثم يمسح برأسه، ورجليه إلى الكعبين، قال الخطابي وغيره: فيه من الفقه أن ترتيب الوضوء وتقديم ما قدمه الله في الذكر منه واجب، وذلك معنى قوله: حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، ثم عطف عليه بحرف الفاء الذي يقتضي الترتيب من غير تراخ، وكل من حكى وضوءه ﷺ حكاه مرتبا، وفعله محمول على الوجوب، وهو مفسر للآية وقال إمام الحرمين: لم ينقل عن النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه تنكيس الوضوء، ولا التخيير فيه، ولا التنبيه على جوازه، ولم يؤثر من فعل علماء المسلمين وعامتهم إلا الترتيب كالصلاة، وقال شيخ الإسلام: ولم يتوضأ قط إلا مرتبا ولا مرة واحدة في عمره، كما لم يصل إلا مرتبا اهـ ولأن الوضوء عبادة ذات أجزاء فكان الترتيب فيها واجبا كالصلاة.(٣) أي بما غسله من الأعضاء قبله لفوات الترتيب.стр. 185
وإن توضأ منكسا أربع مرات صح وضوءه إن قرب الزمن (١) ولو غسلها جميعا دفعة واحدة لم يحسب له غير الوجه (٢) وإن انغمس ناويا في ماء، وخرج مرتبا أجزأه وإلا فلا (٣) (و) السادس (الموالاة) (٤) لأنه ﷺ رأى رجلا يصلي في ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء رواه أحمد وغيره (٥) . الحواشي
(١) بأن بدأ برجليه وختم بوجهه حصل له بكل مرة غسل عضو إن قرب الزمن فإن لم يقرب فلا، لأجل فوات الموالاة، قال الشيخ: ويكفي هذا الوضوء اسمه وهو أنه وضوء منكس.(٢) كما لو وضأه أربعة في حالة واحدة.(٣) أي وإن لم يخرج مرتبا فلا يرتفع حدثه، ونص أحمد في رجل أراد الوضوء فانغمس في الماء ثم خرج من الماء فعليه مسح رأسه وغسل رجليه.(٤) أي الفرض السادس الموالاة، وهو عبارة عن الإتيان بجميع الطهارة في زمن متصل، من غير تفريق فاحش، مصدر وإلى الشيء يواليه إذا تابعه ويسقط كل من الترتيب والموالاة مع غسل من حدث أكبر متحقق، لاندراج الوضوء فيه كاندراج العمرة في الحج.(٥) فرواه أبو داود والنسائي وغيرهما، وأعله المنذري ببقية بن الوليد، وإلى هذا ذهب مالك وهو قول للشافعي وعنه عدم الوجوب وفاقا لأبي حنيفة والقول الثاني للشافعي وأخرج مسلم من حديث عمر مرفوعا، ارجع فاحسن وضوءك ولم يذكر فتوضأ والإحسان يحصل بمجرد الإسباغ، وأصرح من الحديث الذي استدل به حديث أبي وابن عمر أنه ﷺ توضأ على الولاء، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، إلا أن فيه مقالا لكن
الذين وصفوا وضوءه ﷺ وصفوه على الولاء، وفعله ﷺ بيان لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية فإذا وجد الشرط وهو القيام وجب أن لا يتأخر عنه جوابه، واختار الشيخ القول الثاني وذكر أنه الأشبه بأصول الشريعة ونصوص أحمد، وهو أن التارك لعذر قد فعل ما استطاع، وقال: لو فرق لضرورة لم يضره، وذكر التتابع في الكفارة وصلاة الخوف، وقصة ذي اليدين، وطرد ذلك في الترتيب، وقال: لو قيل بسقوطه للعذر كما إذا ترك غسل وجهه لمرض ونحوه ثم زال قبل انتقاض وضوئه فغسله لتوجه اهـ وهو مذهب أبي حنيفة، وقال للشافعي، وقال مالك: إن تعمد التفريق بطل، وإلا فلا، وعن أحمد أن الموالاة سنة، ولم يذكرها الخرقي في فروض الوضوء، واللمعة على وزن رقعة الموضع لا يصيبه الماء في الوضوء أو الغسل، كأنه على التشبيه بلمعة الحلي لقلة المتروك.стр. 186
(وهي) أي الموالاة (أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله) (١) بزمن معتدل، أو قدره من غيره (٢) ولا يضر إن جف لاشتغاله بسنة (٣) . الحواشي
(١) أي أن يجف العضو الذي قبل المؤخر، وذلك بأن لا يؤخر غسل اليدين حتى يجف الوجه، ولا يؤخر مسح الرأس حتى تجف اليدان، ولا غسل الرجلين حتى يجف الرأس.(٢) أي أو قدر الزمن المعتدل من غيره، أي غير المعتدل، بأن كان حارا، أو باردا وهو معتدل ومزاجه معتدل، والمعتبر بآخر غسلة وعنه يعتبر طول الفصل قال الحلال: وهو أشبه بقوله والعمل عليه، وقال ابن عقيل: ما يفحش في العادة لأنه لم يحد في الشرع، وقال ابن رزين: هذا أقيس، لأنه لم يحد في الشرع فيرجع فيه إلى العادة.(٣) أي ولا يضر إن نشف العضو المغسول أو الممسوح قبل غسل أو مسح الذي بعده لاشتغاله المتوضئ بسنة من نحو ما مثل به.стр. 187
كتخليل وإسباغ وإزالة وسوسة أو وسخ (١) ويضره الاشتغال بتحصيل ماء (٢) أو إسراف أو نجاسة أو وسخ لغير طهارة (٣) وسبب وجوب الوضوء الحدث (٤) ويحل جميع البدن كجنابة (٥) . الحواشي
(١) لأن ذلك من الطهارة. والوسوسة هي أن يتردد هل غسل العضو مرتين أو ثلاثا فيجعلها مرتين، وتقدم ذكر التخليل وأما الإسباغ فقال في اللمعات يفسر بإكمال الوضوء وإبلاغ الماء كل ظاهر أعضائه، وهذا فرض، وبالتثليث وهو سنة، والتسييل، وهو شرط وإكثار الماء من غير إسراف، وهو فضيلة، ولعله المراد هنا، وقال النووي وغيره: التفريق اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضر بإجماع المسلمين.(٢) أي تفوت الموالاة إن جف العضو، لأجل اشتغال المتوضئ بتحصيل ماء لأنه ليس من الطهارة.(٣) يعني أن الاشتغال بإزالة النجاسة أو الوسخ ونحوه إنما يضر إذا كان في غير أعضاء الوضوء، أما إن كان الوسخ ونحوه في أعضاء الوضوء لم يضره الاشتغال بإزالته لأنه إذا من أفعال الطهارة، والفرق بين اشتغاله بتحصيل الماء، واشتغاله بإزالة النجاسة أو الوسخ أنه مخاطب بتحصيل الماء قبل التلبس بالشروع في الطهارة بخلاف إزالة الوسخ والنجاسة.(٤) أي تسبب عنه وجوب الطهارة لا أنه يجب بالحدث فإن الموجب الشارع وقيل: بإرادة الصلاة، وقيل بدخول الوقت، قال الشيخ: وهو لفظي، فلا يجب الوضوء ولا الغسل إلا بعد دخول الوقت وإرادة الصلاة اهـ وحكى الإجماع غير واحد أنه لا يأثم بالتأخير عن الحدث، وأنه لا يجب الغسل ولا الوضوء حتى يدخل وقت الصلاة بالفعل أو الزمان، وأنهما جائزان قبل دخول الوقت لغير نحو المستحاضة.(٥) فإنه لا يمس المصحف بعضو مطلقا، ولا بعضو غسله حتى يتم وضوءه، ولو قلنا برفع الحدث عنه.стр. 188
(والنية) لغة القصد (١) ومحلها القلب (٢) فلا يضر سبق لسانه بغير قصده (٣) ويخلصها الله تعالى (٤) (شرط) هو لغة العلامة (٥) واصطلاحا: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته (٦) . الحواشي
(١) ومنه قول أهل الجاهلية: نواك الله بحفظه أي قصدك، وقال الأزهري، من قولك نويت بلدة كذا أي عزمت بقلبي قصدها، ونوى الشيء ينويه نواء ونية قصده وعزم عليه، والعزم والقصد والنية اسم للإرادة الحادثة، لكن العزم المتقدم عن الفعل، والقصد المقترن به، والنية المقترنة به مع دخوله تحت العلم بالمنوي وخصت في غالب الاستعمال بعزم القلب على أمر من الأمور، ففي الوضوء هي القصد إليه بتخصيصه ببعض أحكامه.(٢) أي محل النية القلب إجماعا، لأنها من عمله.(٣) وإن لفظ بلسانه ولم يقصد بقلبه لم يجزئه إجماعا، ولو اقتصر عليه بقلبه أجزأه إجماعا.(٤) أي يخلص النية لله تعالى لأنها عبادة وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فإخلاصها لله ركنها الأعظم ويأتي حكم المشوب(٥) أي النية في العبادات شرط، والشرط لغة هو العلامة قال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أي علاماتها.(٦) فالأول احتراز من المانع، لأنه لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، والثاني احتراز من السبب ومن المانع أيضا. أما السبب فإنه يلزم من وجوده الوجود لذاته، وأما المانع فإنه يلزم من وجوده العدم، وقوله: لذاته احتراز من مقارنة الشرط وجود السبب، فيلزم الوجود، أو مقارنة الشرط قيام المانع، مثال الأول الطهارة يلزم من عدمها عدم صحة الصلاة، ولا يلزم من وجودها وجود صحتها، لجواز عدمها لعدم شرط آخر كعدم دخول الوقت، والذات والحقيقة والماهية بمعنى واحد، والكلام على النية من سبعة أوجه: جمعها بعضهم فقال:
حقيقة حكم محل وزمن ... كيفية شرط ومقصود حسن
فحقيقتها لغة القصد، وشرعا قصد الشيء مقترنا بفعله، كما تقدم، وحكمها الوجوب ومحلها القلب، وزمنها أول الواجبات وكيفيتها تختلف بحسب الأبواب، وشرطها إسلام الناوي، وتمييزه وعلمه بالمنوي، وعدم إتيانه بمنافيها، بأن يستصحبها حكما، والمقصود بها تمييز العبادة عن العادة، أو تمييز مراتب العبادة بعضها عن بعض، لتمييز ما هو الله، عما ليس له، أو تمييز مراتب العبادات في نفسها، فالأول كالغسل للعبادة أو التبرد، والثاني كالصلاة الفرض، أو النفل وتنقسم النية إلى فعلية موجودة وحكمية معدومة فإذا كان في أول العبادة فهذه نية فعلية، ثم إذا ذهل عنها فهذه نية حكمية بمعنى أن الشرع حكم باستصحابها وكذا الإيمان والرياء، وجميع هذا النوع من أحوال القلوب إذا شرع فيها واتصف القلب بها كانت فعلية ثم إذا ذهل عنها، حكم صاحب الشرع ببقاء حكمها لمن اتصف بها.стр. 189
(لطهارة الأحداث كلها) (١) لحديث «إنما الأعمال بالنيات» (٢) . الحواشي
(١) الغسل والوضوء والتيمم قال في المبدع وغيره بغير خلاف نعلمه للآية والأخبار، ولأن الإخلاص من عمل القلب، وهو محض النية، وهو مأمور به بالكتاب والسنة والإجماع، قال الوزير وغيره، أجمعوا على وجوب النية في طهارة الحدث والغسل من الجنابة، إلا أبا حنيفة فيشترطها في التيمم دون طهارة الماء، والآية والحديث وكونها عبادة: حجة واضحة عليه، ولمسلم الطهور شطر الإيمان فهو عبادة، وكل عبادة لا بد لها من نية ويستثنى غسل كتابية ومسلمة ممتنعة من غسل لزوج، فيغسلن قهرا، ولا نية إذ للعذر ويسقط اشتراطها.(٢) متفق عليه، أي إنما المنوي بحسب ما نواه العامل، وليس المراد صورة العمل، بل عن حكم العمل لا يثبت إلا بالنية، لنفيه أن يكون له عمل شرعي بدونها، وأكده بقوله: وإنما لكل امرئ ما نوى، وعن علي: لا عمل لمن لا نية له، فالنية سر العبودية وروحها ولبها، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ومعلوم أن إخلاص النية للمعبود أصل النية، والعمل الذي لم ينو ليس بعبادة، ولا مأمور به فلا يكون فاعله متقربا إلى الله، وهذا لا يقبل نزاعا، وكيف يؤدي وظائف العبودية من لا يخطر بباله التمييز بين العبادة والعادات، ولا بين مراتب تلك الوظائف هذا أمر ممتنع عادة وعقلا وشرعا كما قاله الشيخ وغيره.стр. 190
فلا يصح وضوء وغسل وتيمم ولو مستحبات إلا بها (١) (فينوي رفع الحدث (٢) أو يقصد (الطهارة لما لا يباح إلا بها) أي بالطهارة (٣) كالصلاة والطواف ومس المصحف (٤) لأن ذلك يستلزم رفع الحدث (٥) فإن نوى طهارة أو وضوءا أو أطلق أو غسل أعضاءه ليزيل عنها النجاسة، أو ليعلم غيره أو للتبرد لم يجزئه (٦) . الحواشي
(١) أي بالنية لأنها طهارة عن حدث فلا تصح بغير نية، ولأن النية للتمييز والنص دل على الثواب في كل وضوء، ولا ثواب في غير منوي إجماعا.(٢) أي يقصد بطهارته زوال الوصف القائم بالأعضاء، قيام الأوصاف الحسية المانع من الصلاة ونحوها، قال ابن رشد وغيره، نية رفع الحدث من فرائض الوضوء اتفاقا.(٣) أو يقصد بطهارته أمرا تتوقف استباحته بها، أو امتثال أمرا الله تعالى بأداء ما افترض عليه والثلاثة متلازمة متى خطر بباله بعضها أجزأ عن جميعها.(٤) وكقصد الجنب بالغسل اللبث في المسجد ونحو ذلك. فإذا نوى ذلك صحت طهارته بلا خلاف عند القائلين باشتراطها ولو نوى مع رفع الحدث إزالة النجاسة، أو التبرد أو التنظيف أو التعليم صحت طهارته، لأنه نوى الطهارة وضم إليها ما لا ينافيها كمن نوى مع الحج رؤية البلاد النائية لكن ينقص الثواب، لحديث إنما الأعمال بالنيات إنما لكل امرئ ما نوى وإن نوى التبرد وما لا تشرع له الطهارة كالأكل والبيع ولم ينو الطهارة الشرعية لم يرتفع.(٥) أي لأن نية الصلاة ونحوها لما لا يباح إلا بها يستلزم رفعه ضرورة.(٦) لعدم إتيانه بالنية المعتبرة.стр. 191
وإن نوى صلاة معينة لا غيرها ارتفع مطلقا (١) وينوي من حدثه دائم استباحة الصلاة ويرتفع حدثه (٢) ولا يحتاج إلى تعيين النية للفرض (٣) فلو نوى رفع الحدث لم يرتفع في الأقيس قاله في المبدع (٤) ويستحب نطقه بالنية سرا (٥) . الحواشي
(١) وأجزأ لتلك الصلاة وغيرها، وكفى التعيين ولغى التخصيص.(٢) أي ينوي من به حدث دائم كالمستحاضة ومن به سلس البول وقروح سيالة ونحو ذلك استباحة الصلاة دون رفع الحدث، ويرتفع جعلا للدائم بمنزلة المنقطع على الصحيح، وقيل: لا يرتفع قال في الإنصاف، والنفس تميل إليه وإنما عليه أن يتقي الله ما استطاع.(٣) لأن طهارته ترفع الحدث.(٤) قاس الشيء بغيره قدره على مثاله، وقايست بين الأمرين قدرت، أي قال في المبدع: الأقيس أنه لا يرتفع لو نواه لمنافاته وجود نية رفعه.(٥) كذا استحبه كثير من المتأخرين من الأصحاب وغيرهم، ولفظ الفروع والتنقيح وغيرهما يسن ومنصوص أحمد وغيره من الأئمة المتبعين وجميع المحققين خلاف ذلك، وصوبه في الإنصاف وغيره.
وقال في الإقناع، والتلفظ بها بدعة وذكر شيخ الإسلام أن التلفظ بها بدعة، لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أصحابه، ولم ينقل مسلم عنه ولا عن أصحابه أنه تلفظ قبل الوضوء ولا غيره من العبادات بلفظ النية، لا سرا ولا جهرا، ولا أمر بذلك، فلما لم ينقله أحد علم قطعا أنه لم يكن، وحنيئذ فترك التلفظ بها هو السنة. وقال: اتفق الأئمة أنه لا يشرع الجهر بها، ويأتي وأنه لم يستحبه أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، وإنما استحبه بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وغيرهم، ورد عليهم محققوا مذهبه كالنووي وابن كثير وغيرهما، وقال ابن القيم: لم يكن ﷺ يقول في أول الوضوء: نويت ارتفاع الحدث، ولا استباحة الصلاة لا هو ولا أحد من أصحابه
ولم يرو عنه في ذلك حرف واحد بسند صحيح ولا ضعيف اهـ وكثيرا ما يطلقون الاستحباب على ما ليس بمستحب والسنة على ما ليس بسنة، وقال الشيخ: إذا أطلق الإنسان السنة على شيء ليس في السنة يصدق عليه قوله من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار اهـ والسنة إنما تطلق على ما سنه رسول الله ﷺ ، ومن العجب أن تجعل البدعة سنة وعبارة يستحب أهون من يسن عند أكثر أهل العلم: إذ الاستحباب يطلق على الاستحسان وعلى الأول، وعلى المندوب والسنة إنما تطلق على سنة رسول الله ﷺ عند الجمهور.стр. 192
تتمة (١)
ويشترط لوضوء وغسل أيضا إسلام (٢) وعقل وتمييز (٣) وطهورية ماء، وإباحته (٤) . الحواشي
(١) التتمة هي ما يتم به الشيء وتتمة كل شيء تمام غايته، يقال: هذا تمام المائة أي ما تتم به وفي المعاني تتميم المعنى وفي عرفهم كالتذنيب يؤتي بها تابعة ومتممة لما قبلها.(٢) كما يشترط لسائر العبادات، ولو كان الوضوء والغسل مستحبين فلا يصحان من مشرك.(٣) أي: ويشترط عقل ضد الجنون قال الشيخ: العقل في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلا، يراد به القوة التي بها يعقل، وعلوم وأعمال تحصل بذلك اهـ وهو غريزي كأنه نور يقذف في القلب، فيستعد لإدراك الأشياء، وله اتصال بالدماغ ويقل ويكثر ويختلف، فبعض الناس أكبر، لأن كمال الشيء ونقصه يعرف بكمال آثاره وأفعاله، ويقوي العقل ويضعف فإذا قوي قمع ملاحظة عاجل الهوى وأكثر الأصحاب يقولون: محله القلب، وبعضهم يقول: الدماغ ورجح المحققون أنه مشترك بينهما. مستمد منهما، ويشترط تمييز وهو الذي إذا انتهى إليه الإنسان عرف مضاره ومنافعه لتأتي النية.(٤) أي الماء، فلو توضأ بماء غير طهور أو بماء مغصوب، أو ما عقده فاسد
أو ما وقف للشرب، أو من الآبار المحرمة، لم يصح إذا كان عالما ذاكرا، كما صرحوا به، وإلا فيصح لعدم الإثم إذا.стр. 193
وإزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة (١) وانقطاع موجب (٢) ولوضوء فراغ استنجاء أو استجمار (٣) ودخول وقت على من حدثه دائم لفرضه (٤) فإن نوى ما تسن له الطهارة (٥) كقراءة قرآن وذكر، وأذان ونوم وغضب ارتفع حدثه (٦) . الحواشي
(١) أي وصول الماء إلى البشرة. من طين أو عجين أو شمع أو دهن جامد أو وسخ على أعضاء الوضوء، أو على بدن في غسل، ليحصل الإسباغ، وأما الحناء ونحوه فعرض ليس له جرم يمنع وصول الماء إلى العضو.(٢) بكسر الجيم أي فراغ خروج خارج، سواء كان خارجا من سبيل أو غيره كقيء لمنافاته الوضوء.(٣) قبله. وتقدم في باب الاستنجاء.(٤) أي فرض ذلك الوقت، كالسلس، لأنها طهارة ضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم ويرتفع حدثه، ولا يحتاج إلى تعيين نية الفرض، وتقدم: قال الشيخ: الوضوء من الحدث الدائم لكل صلاة فيه أحاديث متعددة، وقد صحح بعضها غير واحد من العلماء، فقول الجمهور الذين يوجبون الوضوء لكل صلاة أظهر، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد اهـ فالحاصل أن شروط الوضوء عشرة، والغسل ثمانية.(٥) من قول أو فعل.(٦) لأنه نوى طهارة شرعية فحصلت له الطهارة لأنه ﵊ توضأ ثم قرأ شيئا من القرآن ثم قال هكذا لمن ليس بجنب فهذا الوضوء مندوب وفي الصحيحين أنه دعا بوضوء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر، وقال: إذا غضب أحدكم فليتوضأ ويأتي الندب إليه عند النوم والأذان
ويندب لرفع شك وكلام محرم كالغيبة وفعل نسك من مناسك الحج، وكدخول مسجد وتدريس علم وأكل، وكل ما نواه لذلك ونحوه، يرتفع حدثه بذلك الوضوء.стр. 194
(أو) نوى (تجديدا مسنونا) بأن صلى بالوضوء الذي قبله (ناسيا حدثه ارتفع) حدثه (١) لأنه نوى طهارة شرعية (٢) (وإن نوى) من عليه جنابة (غسلا مسنونا) كغسل جمعة (٣) قال في الوجيز ناسيا (أجزأ عن واجب) (٤) كما مر فيمن نوى التجديد (٥) (وكذا عكسه) أي إن نوى واجبا أجزأ عن المسنون (٦) . الحواشي
(١) أي أو نوى بوضوئه تجديدا مسنونا، بأن صلى بالوضوء الذي قبل وضوئه هذا الذي جدد به، وكان أحدث ولكن نوى التجديد ناسيا حدثه، ارتفع حدثه بالوضوء المسنون اختاره غير واحد، قال في الشرح: وهي أصح فإن نوى الوضوء المسنون أو التجديد عالما حدثه لم يرتفع حدثه لتلاعبه.(٢) فينبغي أن يحصل له لحديث لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالوضوء عند كل صلاة رواه أحمد والنسائي بسند صحيح، ولأبي داود من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات، وفي الصحيح: وكان يتوضأ لكل صلاة، وهذا ما لم يعارضه فضيلة أول الوقت، فتقدم عليه، ولا بأس أن يصلي الصلوات الخمس بالوضوء الواحد، ما لم يحدث بلا نزاع، ففي الصحيح وغيره عن أنس يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث ولمسلم صلى خمس صلوات بوضوء واحد.(٣) بخلاف غير المسنون كالغسل للتبرد ونحوه.(٤) وهو مقتضى قولهم فيما سبق والوجيز للحسن بن يوسف بن محمد بن أبي السري البغدادي الفقيه ألف الوجيز في الفقه، وله كتاب في أصول الدين ونزهة الناظرين وغيرها توفي سنة سبعمائة واثنتين وثلاثين.(٥) أي فارتفع حدثه، ولو قال: فيمن نوى وضوءا مسنونا ناسيا، لكان أولى.(٦) وذلك بطريق الأولى، لكن لا ثواب في غير المنوي منهما.стр. 195
وإن نواهما حصلا (١) والأفضل أن يغتسل ثم للمسنون كاملا (٢) (وإن اجتمعت أحداث) متنوعة ولو متفرقة (٣) (توجب وضوءا أو غسلا (٤) فنوى بطهارته أحدها) لا على أن لا يرتفع غيره (٥) (ارتفع سائرها) أي باقيها (٦) لأن الأحداث تتداخل، فإذا ارتفع البعض ارتفع الكل (٧) . الحواشي
(١) أي حصل له ثوابهما لأنه نواهما جميعا وأجزأ ذلك الغسل المنوي فيه عنهما.(٢) أي غسلا آخر كاملا لأنه أكمل، واستظهر أهل التحقيق الاكتفاء بأحدهما، لدخول المسنون في الواجب تبعا، كما يدخل غسل الجمعة في الغسل الواجب، ولم ينقل أنه ﷺ اغتسل لواجب ومسنون مرتين في آن واحد، ولاستمرار الاجتزاء بالغسل الواحد، وكذا الوضوء الواحد، مع ترادف الأحداث فهنا أولى.(٣) في أوقات بأن لم توجد دفعة واحدة.(٤) كالبول والغائط والريح والنوم ومس الذكر، وكالجماع وخروج المني والحيض.(٥) فإن نوى أن لا يرتفع غيره لم يرتفع.(٦) يعني الأحداث قال ابن رجب: هذا المشهور صححه صاحب الفائق واختاره القاضي وغيره.(٧) أي يدخل بعضها في بعض فإذا نوى بعضها غير مقيد ارتفع جميعها كما لو نوى رفع الحدث وأطلق ولو كان عليه حدث نوم فغلط ونوى رفع حدث بول ارتفع حدثه.стр. 196
(ويجب الإتيان بها) أي بالنية (عند أول واجبات الطهارة (١) وهو التسمية) (٢) فلو فعل شيئا من الواجبات قبل النية لم يعتد به (٣) ويجوز تقديمها بزمن يسير كالصلاة (٤) ولا يبطلها عمل يسير (٥) .
(وتسن) النية (عند أول مسنوناتها) أي مسنونات الطهارة
كغسل اليدين في أول الوضوء (٦) (إن وجد قبل واجب) أي قبل التسمية (٧) . الحواشي
(١) لأن النية شرط فيعتبر وجودها في أول الوضوء، أو الغسل، أو التيمم أو غيرها من سائر العبادات.(٢) أي أول واجب التسمية، لحديث لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه وتقدم.(٣) لحديث إنما الأعمال بالنيات فتستحب إعادته بعد النية، و متى جاء ليتوضأ أو أراد فعل الوضوء مقارنا له، أو سابقا عليه قريبا، فقد وجدت النية.(٤) أي يجوز تقديم النية على الطهارة، بزمن يسير، كما يجوز في الصلاة، قال في الإنصاف: بلا نزاع، ولا يجوز بزمن طويل على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب وقيل: يجوز مع ذكرها وبقاء حكمها، بشرط أن لا يقطعها.
قال القاضي: إذا قدمها واستصحب ذكرها حتى شرع في الطهارة جاز، وقال أبو الحسين: يجوز ما لم يعرض ما يقطعها من اشتغال بعمل ونحوه.(٥) أي قبل الشروع في الطهارة ونحوها، قال في المبدع: في الأصح، فإن كثر بطلت، واحتاج إلى استئنافها.(٦) أي لغير قائم من نوم ليل فيجب على ما تقدم.(٧) أي إن وجد ذلك المسنون كغسل اليدين قبل التسمية، بأن أراد أن يقدم غسل كفيه على التسمية، فيسن الإتيان بالنية عند غسلهما لتشمل النية مسنون الطهارة ومفروضها فيثاب عليهما وكذا عبارة شرح الإقناع والمنتهى، وفي شرح المنتهى لمصنفه وغيره: قبل المضمضة والاستنشاق وهو أولى لإيهامه عدم وجوب تقدم النية على التسمية.стр. 197
(و) يسن (استصحاب ذكرها) أي تذكر النية (١) (في جميعها) أي جميع الطهارة لتكون أفعاله مقرونة بالنية (٢) (ويجب استصحاب حكمها) أي حكم النية (٣) بأن لا ينوي قطعها حتى تتم الطهارة (٤) فإذا عزبت عن خاطره لم يؤثر (٥) وإن شك في النية في أثناء طهارته استأنفها (٦) إلا أن يكون وهما كالوسواس فلا يلتفت إليه (٧) . الحواشي
(١) بقلبه بأن يكون مستحضرا لها بقلبه في أول الطهارة ثم لا ينوي قطعها.(٢) أي موصولة بها مجموعا بينهما وكذا كل عبادة تشترك لها النية.(٣) قاله الشيخ تقي الدين وغيره، واستصحاب مصدر، واستصحب الشيء لازمه أي يجب ملازمة حكم النية.(٤) وذلك بأن ينوي في أول الطهارة، ثم لا يقطعها إلى آخرها، وإن لم يكن ذاكرا.(٥) أي إن غابت النية عن باله لم يؤثر ذلك في الطهارة كما لا يؤثر في الصلاة ومحله إن لم ينو بالغسل نحو تنظيف أو تبرد، والخاطر اسم لما يتحرك في القلب من رأي أو معنى.(٦) لأن النية هي القصد فمتى علم أنه جاء ليتوضأ أو أراد فعل الوضوء فقد وجدت منه النية، فمتى شك في وجود ذلك لم يصح ما مضى منها.(٧) لأنه من الشيطان ليفسد عليه طهارته.стр. 198
ولا يضر إبطالها بعد فراغه (١) ولا شكه بعده (٢) (وصفة الوضوء) الكامل أي كيفيته (٣) (أن ينوي ثم يسمي) وتقدما (٤) (ويغسل كفيه ثلاثا) تنظيفا لهما (٥) فيكرر غسلهما عند الاستيقاظ من النوم وفي أوله (٦) . الحواشي
(١) أي لا يضر إبطال نيته بعد فراغه من طهارته إجماعا.(٢) أي لا يضر شكه في النية والطهارة بعد الفراغ، وكذا لو شك في غسل عضو أو مسحه بعده، أو المسح على الخفين إجماعا، أما قبل الفراغ فكمن لم يأت بما شك فيه، إلا أن يكون وهما كالوسواس فيطرحه، ولا يضر سبق لسانه بغير قصده.(٣) أي هيئته والكامل يعني المشتمل على الواجب والمسنون من كيف اسم استفهام، ومن شأنها أن يسأل بها عن حال الأشياء، فما يجاب به يقال فيه كيفية. وأما المجزئ فتقدم أنه مرة إجماعا.(٤) أي النية والتسمية ثم أعادهما في الصفة، وبدأ بهما لتقدمهما على الفعل وذلك بأن ينوي الوضوء للصلاة ونحوها، ورفع الحدث كما تقدم، ثم يسمى فيقول بسم الله، وليس التراخي مطلقا معتبرا إذ التراخي المطلق يصدق بما تفوت به الموالاة وأما الترتيب الذي لا يقتضي الموالاة فهو معتبر، (فثم) هنا أولى من الفاء.(٥) أي من الوسخ ولو تيقن طهارتهما و (ثلاثا) منصوب على الحال أي ثلاث مرات يبدأ بيمينه ندبا.(٦) أي يكرر غسل اليدين ثلاثًا عند الاستيقاظ من النوم، وفي أول الوضوء، وظاهر كلام الشارح أنه لا يكفي غسل اليدين من النوم الواجب عن المسنون، قال بعض المحققين والظاهر الاكتفاء بغسلهما عند الاستيقاظ فيدخل المندوب في الواجب تبعا، كما يدخل غسل الجمعة في الغسل الواجب، ونظائره كثيرة.стр. 199
(ثم يتمضمض ويستنشق) ثلاثا ثلاثا بيمينه (١) ومن غرفة أفضل (٢) ويستنثر بيساره (٣) (ويغسل وجهه) ثلاثا (٤) وحده (من منابت شعر الرأس) المعتاد غالبا (٥) . الحواشي
(١) أي يتمضمض ثلاث مرات، ويستنشق ثلاث مرات.
قال ابن القيم: ولم يتوضأ إلى تمضمض واستنشق، ولم يحفظ أنه أخل به مرة واحدة.
وقال شيخ الإسلام: ولا يجب الترتيب بينهما وبين الوجه، لأنهما من جملته، لكن يستحب لأن الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ ذكروا أنه بدأ بهما اهـ.
وقيل: الحكمة في تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه المفروض لشرفهما وتأكد تنظيفهما.(٢) أي بثلاث غرفات، يجمعهما بغرفة واحدة، ولا يفصل بينهما، وحكى ابن رشد الاتفاق عليه، لحديث علي أنه مضمض واستنشق ثلاثا بثلاث غرفات متفق عليه، وفيهما أيضا: تمضمض واستنشق من كف واحد، فعل ذلك ثلاثا، وعند أحمد: فمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وقال: هذا وضوء نبيكم ﷺ قال ابن القيم: ولم يجيء الفصل بينهما في حديث صحيح. وقال النووي: لم يثبت في الفصل حديث أصلا. بل الصواب تفضيل الجمع، للأحاديث الصحيحة المتظاهرة، وليس لها معارض.(٣) لحديث عثمان ولأنه من إزالة الأذى.(٤) للنص فيأخذ الماء بيديه جميعا عند الجمهور، أو بيمينه ويضم إليها الأخرى ويغسل بهما، لأنه أمكن وأسبغ، ويبدأ بأعلى وجهه، ثم يحذره، لفعله عليه الصلاةوالسلام ولأن أعلى الوجه أشرف، وذلك الفعل أمكن ليجري الماء بطبعه.(٥) يعني التي من شأنها في العادة أن ينبت فيها شعر الرأس والمعتاد في أغلب
الناس. فلا حاجة لذكره (غالبا) بعد المعتاد ولا عبرة بالأفرع الذي ينبت شعره في بعض جبهته ولا بالأجلح الذي انحسر شعره عن مقدم رأسه، فيغسل الأفرع الشعر الذي ينزل على الوجه لا في الغالب، والأصلع يغسل إلى حد منابت الشعر في الغالب.стр. 200
(إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولا) (١) مع ما استرسل من اللحية (٢) (ومن الأذن إلى الأذن عرضا) (٣) لأن ذلك تحصل به المواجهة (٤) والأذنان ليسا من الوجه (٥) بل البياض الذي بين العذار والأذن منه (٦) . الحواشي
(١) اللحيين بكسر اللام وفتحها، جمعها لحى، وواحدها لحي، وهما عظمان في أسفل الوجه قد اكتنفاه والذقن بفتحتين ويكسر، جمعه أذقان وذقون، مجمع اللحيين من أسفلهما. و (طولا) نصب على التمييز أي من جهة الطول، فيجب غسل ذلك إجماعا، واللحى الأعلى والأسفل في الغسل سواء، وكذلك الذقن ولا خلاف في دخول في غسل الوجه.(٢) طولا وما خرج منه عن حد الوجه عرضا، لما جاء عنه ﵊ فإن اللحية من الوجه ولأنها تشارك الوجه في معنى التوجه والمواجهة وهذا مذهب الشافعي، وصحح ابن رجب عدم وجوب غسل ما استرسل من اللحية.(٣) أي ما بين الأذنين وفاقا لأبي حنيفة والشافعي وجماهير أهل العلم، لدخوله في مسمى الوجه، ولو عبر ببين لكان أولى، احترازا من دخول الغاية في المغيا.(٤) أي المقابلة. من: واجهه بوجهه قابله.(٥) وتقدم أنهما من الرأس.(٦) أي من الوجه. فيجب غسله لدخوله في مسمى الوجه، نص عليه الخرقي وغيره، وهو مذهب الجمهور إلا أن مالكا قال: ليس من الوجه فلا يجب غسله لكن قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا من فقهاء الأمصار قال بقوله هذا اهـ ونبه الشارح عليه لأنه يغفل الناس عنه، والبياض الذي فوق الأذنين من الرأس، فيجب مسحه معه.стр. 201
(و) يغسل (ما فيه) أي في الوجه (من شعر خفيف) يصف البشرة كعذار وعارض (١) وأهداب عين وشارب وعنفقة، لأنها من الوجه (٢) لا صدغ وتحذيف، وهو الشعر بعد انتهاء العذار والنزعة (٣) . الحواشي
(١) العذار جانب اللحية وعذار الرجل شعره النابت في موضع العذار، وهو العظم الناتئ سمت صماخ الأذن، أي خرقها السائل على اللحية، والعارض صفحة الخد، وهو ما تحت العذار إلى الذقن، فهو ما ينبت على الخد واللحيين ويستحب تعاهد المفصل بالغسل، وهو ما بين اللحية والأذن نص عليه.(٢) فيجب غسل تلك المذكورات وما تحتها، لأن الذي لا يستره شعره يشبه ما لا شعر عليه، وقال النووي: يغسلها مع الكثافة بلا خلاف اهـ إلا وجها مرجوحا وعلل بأن الكثافة فيها نادرة، وذكر أنه يجب غسل ما على اليد والرجل بلا خلاف لندوره وفي الجنابة مطلقا، لعدم المشقة فيه، لقلة وقوعه، وتقدم أن العنفقة شعيرات بين الشفة السفلى والذقن.(٣) فالصدغ بضم الصاد هو الشعر الذي بين انتهاء العذار، يحاذي رأس الأذن وينزل عنها قليلا، والتحذيف هو الشعر بعد انتهاء العذار الخارج إلى طرفين الجبين في جانبي الوجه، سمي تحذيفا لأن النساء والأشراف يحذفون الشعر عنه ليتسع الوجه، فلا يغسلهما مع الوجه، بل هما من الرأس، لاتصال شعر هما بشعر الرأس، لم يخرجا عن حده، وفي حديث الربيع، مسح برأسه وصدغيه رواه أبو داود والترمذي وحسنه، ولم ينقل أنه غسلهما مع الوجه وقال النووي صحح الجمهور أن موضع التحذيف من الرأس وقوله: والنزعة بفتح الزاي وقد تسكن وصوابه بين النزعة وانتهاء العذار، كما هو واضح، وهو كذلك في المبدع والإقناع والمنتهى وغيرها.стр. 202
ولا النزعتان وهما ما انحسر عنه الشعر من الرأس متصاعدا من جانبيه (١) فهما من الرأس (٢) ولا يغسل داخل عينيه ولو من نجاسة، ولو أمن الضرر (٣) . الحواشي
(١) أي جانبي مقدمه، لأنه لا تحصل بهما المواجهة، ولدخولهما في حد الرأس.(٢) يعني النزعتين، لدخولهما في حد الرأس، قال النووي: وأما إذا تصلع الشعر عن ناصيته أي زال عن مقدم رأسه، فلا يجب غسل ذلك الموضع بلا خلاف، لأنه من الرأس، ولو نزل الشعر عن المنابت المعتادة إلى الجبهة فإن عمها وجب غسلها بلا خلاف.(٣) فلا يغسلهما في وضوء ولا غسل، ولو كان من نجاسة، فإنه يعفى عن النجاسة بعين، ولو أمن الضرر بغسلهما لأنه لم ينقل عنه ﵊ فعله، ولا الأمر به، قال في الرعاية: يكره، وصححه في الإنصاف، قال مرعي: ويتجه ودمعه طاهر، ويستحب تكثير ماء الوجه، لأن فيه غضونا، وهي التثنى وأسارير جبهته وهي خطوط الجبهة والكف، وهي التكاسير والعطوف والطيات ألفاظ مترادفة ولأن فيه دواخل وخوارج، فيستحب تكثير الماء ليصل إلى جميعه لحديث وكان يتعاهد المأقين رواه أحمد وغيره ووثقه الحافظ، والمأقان هما طرفان الوترة، وهي الحاجز بين ثقبي الأنفن وظاهر شفته وما غار من الأجفان، وإن كانت هذه كلهاداخلة في تحديد الوجه، فنبه لها لأن الماء ينبو عنها، لا جرحا برأ أو خلقا غائرا كثيرا يشق إيصال الماء إليه.стр. 203
(و) يغسل الشعر (الظاهر) من (الكثيف (١) مع ما استرسل منه) (٢) ويخلل باطنه وتقدم (٣) (ثم) يغسل (يديه مع المرفقين) (٤) وأظفاره ثلاثا (٥) ولا يضر وسخ يسير تحت ظفر ونحوه (٦) . الحواشي
(١) أي الملتف لحصول المواجهة به، فوجب تعلق الحكم به، قال النووي: لا خلاف في وجوب غسل اللحية الكثيفة، ولا يجب غسل باطنها، ولا البشرة تحته اتفاقا وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
وقال ابن رشد: هذا مما لا أعلم فيه خلافا، وإذاكان كثيفا وخفيفا فلكل واحد حكمه.(٢) أي ويغسل ما استرسل من الشعر، أي تدلى ونزل وامتد وانبسط، حتى صار سبطا لا جعدا.(٣) أي في باب السواك وسنن الوضوء، وشعور الوجه تسعة عشر: اللحيان وهما ما نبت فيهما الأسنان السفلى من الأضراس إلى الثنايا، والذقن وهو مجمع اللحيين والعذران والعارضان وهما ما بين العذارين واللحيين، والحاجبان، وأهداب العينين، والحدان، والعنفقة، والشارب، والسبالان.(٤) إجماعا، ولنص الآية، ولحديث وائل: غسل يديه حتى جاوز المرفق، رواه البزار وغيره، ولما في الصحيح، غسل يده حتى أشرع في العضد، وغير ذلك من الأحاديث، والمرفق بكسر الميم وفتح الفاء وتقدم، سمي بذلك لأن المتكئ يرتفق به إذا أخذ براحته رأسه متكئا على ذراعه.(٥) قال في الرعاية: إجماعا وإن طالت وما ظهر من ثقب أو شق، فيجب إزالة ما به من نحو شمع، بخلاف المستتر منه، وقوله (ثلاثا) صفة للوضوء الكامل لحديث عثمان وغيره.(٦) كداخل أنف يمنع وصول الماء، وتصح طهارته اختاره الموفق وغيره، وصححه في الإنصاف، قال الشيخ وكل وسخ يسير في شيء من أجزاء البدن
وما يكون بشقوق الرجلين من الوسخ يعفى عنه، وألحق به كل يسير منع، حيث كان من البدن، كدم وعجين ونحوهما، واختاره، ولا يعيد من قلم ظفره أو حلق رأسه وكان الصحابة يحلقون بمنى ثم ينزلون إلى طواف الإفاضة، ولم ينقل عن أحد منهم أنه أعاد مسح رأسه إذا حلقه لطهارة الوضوء، ولأنه لا يعيده لطهارة الجنابة اتفاقا، فطهارة الوضوء أولا.стр. 204
ويغسل ما نبت بمحل الفرض من إصبع أو يد زائدة (١) (ثم يمسح كل رأسه) بالماء (٢) . الحواشي
(١) قال النووي وغيره: بلا خلاف، لدخول ما نبت في محل الفرض من إصبع زائدة أو يد زائدة في مسمى ما نبت فيه، وكذا في غير محل الفرض، ولم يتميز ليخرج من العهد بيقين وإن تميزت عن محل الفرض ولو طويلة فلا لأنها حينئذ ليست داخلة في مسمى محل الفرض.(٢) أي بماء جديد غير ما فضل عن ذراعيه لخبر: ومسح رأسه بماء غير فضل يديه ولأن البلل الباقي في يده مستعمل، ومسح جميع الرأس واجب للآية ولأنه ﷺ كان يمسح جميع رأسه، وفعله بيان للآية.
قال أبو داود، ولم يصح عنه في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، وقال الشيخ: ولم ينقل أنه اقتصر على مسح بعض رأسه، وليس في القرآن ما يدل على جواز مسح بعض الرأس، وما يفعله بعض الناس من مسح شعرة أو بعض رأسه بل شعرة ثلاث مرات خطأ مخالف للسنة المجمع عليها.
وقال: اتفق الأئمة كلهم على أن السنة مسح جميع الرأس، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، والحسنة عن النبي ﷺ فإن الذين وصفوا وضوءه ﷺ لم ينقل أحد منهم أنه اقتصر على بعض رأسه.
وقال النووي وغيره من محققي أصحاب المذاهب، مسح الرأس واجب
بالكتاب والسنة والإجماع، واستيعابه بالمسح مأمور به بالإجماع
وقياس مسح الرأس على مسح الوجه واليدين في التيمم في وجوب الاستيعاب والفعل والباء والأمر في الموضعين سواء، والرأس ما اشتملت عليه منابت الشعر المعتاد، وقال: ما ذهب إليه الشافعية من أن الواجب ما يطلق عليه الاسم ولو شعرة مذهب ضعيف اهـ ولا يجوز الاقتصار بالمسح على الأذنين عوضا عن مسح الرأس بالإجماع، ولا يعتبر الأفرع، ولا الأجلح، والنزعتان منه، والصدغان، على ما تقدم، والمطلوب مسح ظاهر الرأس، فلو مسح البشرة لم يجزئه، ولا على معقوص في محل الفرض، ولا على مخضوب بما يمنع وصول الماء، ولا يجب مسح ما نزل عن الرأس من الشعر، لعدم مشاركته للرأس، لا إن عقد النازل فوق الرأس فيمسحه.стр. 205
(مع الأذنين مرة واحدة) (١) فيمر يديه من مقدم رأسه إلى قفاه (٢) . الحواشي
(١) لحديث ابن عباس: مسح برأسه وأذنيه باطنهما وظاهرهما، صححه الترمذي وغيره، وقال: العمل عليه عند أكثر أهل العلم، فيجب مسحهما معه لأنهمامنه وفاقا لأبي حنيفة ومالك، وعنه يستحب، قال الشارح: هذا ظاهر المذهب، واختاره الشيخ وجزم به في العمدة، وحكى ابن جرير وغيره الإجماع على صحة طهارة من ترك مسحهما ولا يستحب تكرار مسح الرأس، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، لأن أكثر من وصف وضوء رسول الله ﷺ ذكر أنه مسح الرأس مرة واحدة، وقال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة، وقال ابن القيم: والصحيح أنه لم يكرر مسح رأسه بل كان إذا كرر غسل الأعضاء أفرد مسح الرأس، هكذا جاء عنه صريحا، ولم يصح عنه خلافا البتة اهـ وقال غير واحد، أجمع الناس قبل الشافعي على عدم التكرار، وحكي عنه مرة، واختاره البغوي والبيهقي وغيرهما.(٢) القفا مقصور، مقدم العنق، قال اللخمي: ولا خلاف أنه لو اقتصر على ذلك ولم يردهما لأجزأه اهـ والسنة ردهما إلى مقدم رأسه، كما سيأتي.стр. 206
ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه (١) ثم يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه (٢) ويمسح بإبهاميه ظاهرهما (٣) ويجزئ كيف مسح (٤) . الحواشي
(١) لحديث عبد الله بن زيد أنه ﵊ مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، رواه الجماعة قال بعض أهل العلم: يضع أحد طرفي سبابتيه على طرف الأخرى ويضعهما من مقدم رأسه ويضع الإبهامين على الصدغين ثم يمرهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى مقدمه، نص عليه وهوالمشهور والمختار للأخبار وقيل غير ذلك، ولا فرق بين من خاف انتشار شعره وغيره، وهذه الصفة متفق عليها بين المسلمين اتباعا للسنة المتظاهرة.(٢) السبابة الإصبع التي تلي الإبهام سميت بذلك للإشارة بها عند السب، وهي المسبحة والصماخ بكسر الصاد الخرق المفضي من الإذن إلى الرأس، أي فيدخلهما فيهما ويديرهما.(٣) وهكذا وصف ابن عباس عن النبي ﷺ رواه النسائي، ولا يجب مسح ما استتر بالغضاريف، وهي دواخل قوف الإذن، لأن الرأس الذي هو الأصل لا يجب مسح ما استتر منه بالشعر، فالأذن أولى.(٤) أي على أي صفة مسح رأسه كفى، إذا عم جميعه بيده، أو بحائل خرقة مبلولة وغيرها، ويجزئ أيضا غسل رأسه مع إمرار يده، لحديث معاوية: غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر، ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره ومن مؤخره إلى مقدمه، رواه أبو داود، قال ابن المنذر: ولا نعلم خلافا في أن غسله يجزئ وهو خلاف الأولى اهـ ومن رحمة الله تعالى أن أقام مسحه في الوضوء مقام غسلة تخفيفا ورحمة إذ لو شرع غسله في الوضوء لعظمت المشقة، وإمساس العضو بالماء امتثالا لأمر الله وطاعة له وتعبدا يؤثر في نظافته وطهارته مالا يؤثر بالماء بدون نية.стр. 207
(ثم يغسل رجليه) ثلاثا (مع الكعبين) (١) أي العظمين الناتئين في أسفل الساق من جانبي القدم (٢) (ويغسل الأقطع بقية المفروض) (٣) . الحواشي
(١) أي كعبي كل رجل، لأن مقابلة الجمع بالجمع يقتضي توزيع الأفراد على الأفراد، وغسل الرجلين مع الكعبين واجب بالكتاب والسنة والإجماع لآية (وأرجلكم) وللنصوص المتواترة المشهورة في الصحيحين وغيرهما، منها حديث عثمان، وحديث علي، وحديث ابن عباس وأبي هريرة، وعبد الله بن زيد والربيع وعمرو بن عبسة وغيرهم، وقيل: الواجب المسح، وقيل: يجمع بينهما قال الشيخ: وهذه المذاهب باطلة بإجماع المسلمين لآية (وأرجلكم) وللنصوص المتواترة وفي الصحيحين ويل للأعقاب من النار، ولحديث صاحب اللمعة، وحديث عمرو بن شعيب، وفيه: ثم غسل رجليه ثلاثا، ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم، وهو حديث صححه أئمة الحديث ولغير ذلك من الأحاديث، وقوله ثلاثا صفة للكامل، لحديث عثمان وغيره، والطهارة ثلاثا ثلاثا في غير مسح الرأس سنة إجماعا.(٢) قاله أبو عبيد وغيره، وتقدم ذكر الاتفاق عليه واشتاقه من التكعب وهو التوسع مع الاستدارة لما سبق ويصب الماء بيمينه يديه على كلتا رجليه ويغسلهما باليسرى ندبا.(٣) أي يغسل مقطوع اليد أو الرجل بقية المفروض أصلا وتبعا وجوبا بلا خلاف، ومن خلق بلا مرفق ونحوه غسل إلى قدره من غالب الناس، وكالوضوء تيمم، فالأقطع من مفصل يمسح محل القطع بالتراب، ومن دونه يمسح ما بقي من محل الفرض، ومن فوقه يستحب له مسح قطع بتراب.стр. 208
لحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» متفق عليه (١) (فإن قطع من المفصل) أي مفصل المرفق (غسل رأس العضد منه) (٢) وكذا الأقطع من مفصل كعب يغسل طرف ساق (٣) (ثم يرفع نظره إلى السماء) بعد فراغه (٤) . الحواشي
(١) فإذا غسل بقية المفروض فقد أتى ما استطاع حسا وشرعا.(٢) أي من مفصل المرفق والمفصل كمجلس واحد مفاصل الأعضاء، وهو كل ملتقى عظمتين من الجسد، والعضد بالدال غليظ الذراع الذي بين المرفق والكتف.(٣) الساق مؤنثة مهموزة وجمعها سوق وسوق سيقان وأسوق، ما بين الركبة والقدم، أي ومثل الأقطع من مفصل المرفق في الحكم الأقطع من مفصل كعب، والأقطع من دونهما يغسل ما بقي من محل الفرض، فإن لم يبق شيء
من محل الفرض، بأن كان القطع من فوق مرفق وكعب سقط الغسل بلا نزاع، لعدم محله، لكن يستحب له مسحه بالماء، لئلا يخلو العضو من طهارة حكاه غير واحد.
وقال ابن القيم وغيره: وإن وجد أقطع ونحوه من يوضئه بأجرة مثل وقدر عليها بلا ضرر لزمه، فإن لم يجد ووجد من ييممه لزمه، وإن لم يجد صلى على حسب حاله.
وقال الموفق والنووي وغيرهما: لا نعلم فيه خلافا، ولا إعادة عليه، اختاره الموفق والمجد والشيخ وغيرهم، واستنجاء مثله، وإن تبرع أحد بتطهيره لزمه ذلك.(٤) أي يسن لمن فرغ من وضوئه رفع بصره إلى السماء، لما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من توضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع نظره إلى السماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله إلخ، وكذا الغسل والتيمم مثلهما قياسا عليهما وقيل: يستحب أن
يأتي بالذكر متوجها إلى القبلة كما في حالة الوضوء وغيره من الطاعات لما في الصحيح عن ابن مسعود أن النبي ﷺ استقبل الكعبة فدعا على نفر من قريش.стр. 209
(ويقول ما ورد) (١) ومنه: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (٢) (وتباح معونته) أي معونة المتوضئ (٣) . الحواشي
(١) أي يسن أن يقول بعد فراغه من الوضوء ما ورد من الأدعية في ذلك باتفاق أهل العلم، وكذا التيمم، لأنه طهارة كالوضوء فسن الذكر بعده كالوضوء.(٢) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث عمر ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد إلخ، إلا وفتحت له أبواب الجنة الثمانية، وزاد الترمذي وغيره، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، والتوابين جمع تواب، صيغة مبالغة وهو كثير التوبة، والمتطهر الذي لا ذنب له، زاد بعضهم واجعلني من عبادك الصالحين واجعلني من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ويستحب أن يضم إليه ما روى ابن ماجه والحاكم وغيرهما سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك، ولما كان الوضوء طهارة الظاهر ناسب ذكر طهارة الباطن بالتوحيد والتوبة، وهما أعظم المطهرات وإذا اجتمع له الطهوران صلح للدخول على الله، والوقوف بين يديه، ومناجاته وأما الأذكار التي تقال عند غسل كل عضو من أعضاء الوضوء، فقال النووي: وغيره: كذب مختلق لم يثبت عنه ﷺ منها شيء، ولا علمه أمته، ولا ثبت غير ما تقدم، وقال الشيخ وتلميذه وغيرهما، والأذكار التي تقولها العامة عند كل عضو بدعة لا أصل لها، لا عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه، ولا التابعين ولا الأئمة الأربعة.(٣) كتقريب ماء الغسل، أو الوضوء إليه، أو صبه عليه لحديث المغيرة
صببت عليه فتوضأ وضوءه للصلاة، متفق عليه، واستعان بأسامة في صب الماء على يديه، وصب عليه صفوان في الحضر والسفر، والمتوضئ من اتصف بالوضوء والمعونة والإعانة، بمعنى العون الظهير على الأمر والخادم، وقد استمر أمره ﵊ بعدم الاستعانة فيه، وقال أحمد: ما أحب أن يعينني على وضوئي أحد لأن عمر قال ذلك، فأما تقريب وضوئه ونحوه فلا بأس به، ولا يقال إنه خلاف الأولى، لما ثبت في مواطن كثيرة، وأما غسل أعضائه لغير عذر فيكره وكذا صب الماء فخلاف الأولى، قطع به البغوي وغيره.стр. 210
وسن كونه عن يساره (١) كإناء ضيق الرأس (٢) وإلا فعن يمينه (٣) (و) يباح له (تنشيف أعضائه) من ماء الوضوء (٤) الحواشي
(١) ليسهل تناول الماء عند الصب، وأعون وأحسن في الأدب، وفي سنيته نظر، وليس في حديث المغيرة ولا أسامة ولا صفوان ولا غيرهم أنهم كانوا عن يساره.(٢) ليسكب الماء بيساره في يمينه.(٣) أي وإلا يكن الإناء ضيق الرأس، بل كان واسعا فيجعله عن يمينه لفعله ﵊ ولأنه أمكن لنقل الماء إلى الأعضاء.(٤) أي مسحة بخرقة ونحوها، لحديث سلمان، توضأ ثم قلب جبة كانت عليه فمسح بها وجهه، رواه ابن ماجه وغيره، وحديث قيس بن سعد: ناوله ملحفة فاشتمل بها، رواه أحمد وأبو داود، وللبيهقي: كان له خرقة ينشف بها بعد الوضوء، ولأنه إزالة للماء عن بدنه، أشبه نفضه بيديه، وروي أخذ المناديل عن كثير من أهل العلم، ورخص فيه مالك والشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم، ولا يستحب اتفاقا قال ابن عباس: كانوا لا يرون بالمنديل بأسا، ولكن يكرهون العادة وقطع جمهور المحققين باستحباب تركه، وحكاه إمام الحرمين عن الأئمة الأربعة وغيرهم، ولا يحرم إجماعا، وقال ابن القيم: لم يكن ﷺ يعتاد تنشيف أعضائه بعد الوضوء، ولا صح عنه ﷺ في ذلك حديث البتة، ولا يكره نفض يديه، لحديث ميمونة أتيته بالمنديل فرده، وجعل ينفض الماء بيديه متفق عليه.стр. 211
ومن وضأه غيره ونواه هو صح، إن لم يكن الموضئ مكرها بغير حق (١) وكذا الغسل والتيمم (٢) . الحواشي
(١) أي وأي إنسان وضأه غيره ونوى المفعول به ذلك صح بلا خلاف يعتد به، لأنه المخاطب، سواء كان الفاعل مسلما أو كافرا، لوجود النية من الموضأ وفي الحديث وإنما لكل امرئ ما نوى، فإن لم ينوه لم يصح ولو نواه الفاعل، وأبرز الضمير لئلا يتوهم أنه عائد على الفاعل، وهو ليس كذلك، ومفهومه أنه إن كان الفاعل مكرها بغير حق لم يصحن قال بعض الأصحاب، وقواعد المذهب تقتضي الصحة إذا أكره الصاب ولو بغير حق، لأن الصب ليس بركن ولا شرط، وإن كان مكرها بحق كرقيقه وأجيره صح بلا خلاف يعتد به.(٢) أي حكمهما حكم الوضوء في المعونة والتنشيف، وحكى النووي عن طائفة من أهل العلم أن الأفضل أن يلي المتوضئ، وكذا المغتسل والمتيمم ذلك بنفسه لنفسه فإن ولي ذلك غيره أجزأ وحكى عن طائفة منهم أن ذلك لا يجزئه قال: ومنهم مالك، والذي يظهر من مذهبه وقوله خلاف ذلك، إلا أن يفعله استنكافا عن عبادة الله واستكبارا عنها وتهاونا بها.стр. 212
باب مسح الخفين
وغيرهما من الحوائل (١) وهو رخصة (٢) . الحواشي
(١) كالجوربين والجرموقين والعمامة والخمار والعصابة ونحو ذلك، وعبر بعضهم بمسح الحائل وهو أشمل، والمسح لغة: إمرار اليد على الشيء، وشرعا: إصابة البلة لحائل مخصوص في زمن مخصوص، والحف واحد الخفاف التي تلبس على الرجل، سمي بذلك لخفته، وهو شرعا: الساتر للكعبين فأكثر من جلد ونحوه، أعقبه الوضوء لأنه بدل عن غسل ما تحته، وحيث أنه يجوز أن يعدل إليه المتوضئ، ودلت عليه الأحاديث الصحيحة المستفيضة المتواترة في مسحه ﷺ في الحضر والسفر وأمره بذلك وترخيصه فيه، قال الحسن: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أنه مسح على الخفين، وقال النووي: روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة، ويأتي قول الإمام أحمد: ليس في نفسي من المسح شيء، فيه أربعون حديثا عن النبي ﷺ وقال ونقل ابن المنذر وغيره إجماع العلماء على جوازه، واتفق عليه أهل السنة والجماعة وقال ابن القيم: صح في الحضر والسفر، ولم ينسخ حتى توفي رسول الله ﷺ ومال الشيخ إلى أن السنة ليست معارضة لآية المائدة بل مبينة، ومال أيضا إلى أن حمل قراءة الآية بالخفض على مسح الخفين.(٢) أي المسح رخصة، وهي لغة الانتقال من صعوبة إلى سهولة، وشرعا، ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، وفي الحديث إن الله يحب أن يؤخذ برخصة وعنه عزيمة وهي لغة: القصد المؤكد، وشرعا، حكما ثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح، وهما وصفان للحكم الوضعي، والفرق بينهما أن الرخصة ما جاء على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، وهي لا تستباح بالمعاصي، والعزيمة، ما جاء على وفق دليل شرعي خال عن معارض راجح، وهي ما جاز فعلها، ولو في حال المعصية.стр. 213
وأفضل من غسل (١) ويرفع الحدث (٢) ولا يسن أن يلبس ليمسح (٣) (يجوز يوما وليلة) لمقيم (٤) . الحواشي
(١) لقوله ﵊ بهذا أمرني ربي، رواه أبو داود بإسناد صحيح، ولحديث صفوان: أمرنا أن لا ننزع خفافنا الحديث صححه الترمذي، ولحديث إن الله يحب أن تؤتي رخصه، ومخالفة لأهل البدع، ولأنه ﵊ وأصحابه إنما طلبوا الأفضل.
وقال الشيخ: الأفضل في حق كل واحد ما هو الموافق لحال قدمه، فالأفضل للابس الخف أن يمسح عليه ولا ينزع خفيه، اقتداء بالنبي ﷺ وأصحابه، والأفضل لمن قدماه مكشوفتان غسلهما، وقد يجب المسح كما سيأتي أو يكره.(٢) أي ويرفع المسح على الحائل الحدث عما تحته نص عليه، وإن كان موقتا لأنه طهارة بالماء أشبه الغسل، ولأن رفع الحدث شرط للصلاة مع القدرة فلو لم يحصل بالمسح لما صحت الصلاة به.(٣) أي لا يسن أن يلبس خفا ونحوه ليمسح.
قال الشيخ: ولا يتحرى لبس الخف ليمسح إنما كان ﵊ يغسل قدميه إن كانتا مكشوفتين ويمسح إذا كان لابسا للخف، وقال ابن القيم: ولم يكن ﷺ يتكلف ضد حاله التي عليها قدماه، بل إن كانت في الخف مسح عليهما، وإن كانت مكشوفتين غسل القدمين، ولم يلبس الخف ليمسح عليه.
قال الشيخ: وهذا أعدل الأقوال.(٤) أي يجوز في الوضوء بدلا عن غسل الرجلين المسح على الخفين ونحوهما
لا على خف رجل واحدة مع غسل الأخرى، يوما وليلة لمقيم، قال النووي وغيره: بلا خلاف سواء سبق اليوم ليلته أو لا، ولو أحدث في أثناء النهار اعتبر قدر الماضي منه كما يأتي، وتعبيرهم (بيجوز) فيه تنبيه على أنه لا يجب ولا يسن، ولا يحرم، ولا يكره، إلا إن أحدث ومعه ماء يكفي المسح فقط، أو خاف فوت الجمعة أو الجماعة، أو عرفة أو إنقاذ أسير، أو تعينت عليه صلاة الميت، وخاف انفجاره، أو خاف خروج الوقت إذا اشتغل بالطهارة أو نحو ذلك، وجب وحرم تركه أو ترك المسح رغبة عن السنة، أو شكا في جوازه كره أو حرم.стр. 214
ومسافر لا يباح له القصر (١) (ولمسافر) سفرا يبيح القصر (ثلاثا) أيام (بلياليها) (٢) لحديث علي يرفعه «للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن وللمقيم يوم وليلة» رواه مسلم (٣) . الحواشي
(١) كعاص بسفره ونحوه، ثم يخلع كالمقيم، فلا يستبيح به الرخصة وكذا مسافر دون المسافة، وتعليل بعض الأصحاب لا يدل عليه نص من كتاب ولا سنة ولا قياس، بل الإطلاق يدل على جوازه مطلقا، وهو مذهب الجمهور.(٢) بلا خلاف قاله النووي وغيره، واختار الشيخ وغيره ما سمي سفرا، لعدم التحديد ويأتي في بابه.(٣) ورواه أهل السنن وأحمد وصححه وقال: هو مرفوع يعني إلى النبي ﷺ ولفظه قال قال رسول الله ﷺ للمسافر إلخ وأخرج أحمد والترمذي وصححه عن صفوان أمرنا يعني النبي ﷺ أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثا إذا سافرنا ويوما وليلة إذا أقمنا ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا نوم، ولكن من جنابة، قال أحمد: هذا أجود حديث في المسح، لأنه في غزوة تبوك آخر غزوة غزاها النبي ﷺ وقال البخاري: وليس في التوقيت أصح من حديث صفوان فدل على التوقيت وعلى اختصاصه بالوضوء دون الغسل وهو إجماع، لما جاء عن النبي ﷺ من الأحاديث الحسنة والصحيحة، وقال الترمذي: هو قول عامة العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقال الخطابي: هو قول عامة الفقهاء، وقال الطحاوي: ليس لأحد أن يترك الآثار المتواترة في التوقيت إلى مثل حديث ابن عمارة.стр. 215
ويخلع عند انقضاء المدة (١) إن خاف أو تضرر رفيقه بانتظاره تيمم (٢) فإن مسح وصلى أعاد (٣) وابتداء المدة (من حدث بعد لبس (٤) على طاهر) العين فلا يمسح على نجس ولو في ضرورة (٥) . الحواشي
(١) لمفهوم أحاديث التوقيت.(٢) أي فإن خاف من النزع لنحو مرض تيمم، أو خاف تضرر رفيقه وفي الاختيارات، لا تتوقت مدة المسح في حق المسافر الذي يشق اشتغاله بالخلع واللبس كالبريد.(٣) أي فإن مسح بعد انقضاء المدة وصلى أعاد، لانقضاء وقته، نص عليه، وقيل: يمسح كالجبيرة اختاره الشيخ، ويأتي قوله: لا ينتقض وضوءه بانقضاء المدة.(٤) أي ووقت ابتداء مدة المسح من وقت جواز مسح بعد حدث عند الجمهور، وفي رواية في حديث صوفان من الحدث إلى الحدث، ولأنها عبادة مؤقتة فاعتبر أول وقتها لامن وقت مسح، وعنه منه اختاره المنذري وقال النووي: هو أصح دليلا بعد لبس بضم اللام إلى مثله من الثاني، وإلى الرابع: لأن وقت المسح يدخل بذلك فاعتبرت مدته منه، فيمسح فيها لما يشاء من الصلوات، وإن مضت المدة بع الحدث ولم يمسح فيها فليس له المسح، ويخلع لفراغ مدته، وما لم يحدث فلا تحتسب المدة، وكذا من المسح على القول به.(٥) لأن نجس العين منهي عنه، فلا يصح المسح عليه خفا كان أو غيره.следующие страницы →