Полный текст (4 103 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
(وطعام) ولو لبهيمة (١) (ومحترم) ككتب علم (٢) (ومتصل بحيوان) كذنب البهيمة (٣) وصوفها المتصل بها (٤) ويحرم الاستجمار بهذه الأشياء (٥) وبجلد سمك أو حيوان مذكى مطلقا (٦) أو حشيش رطب (٧) . الحواشي
(١) لما تقدم من النهي عن طعام الجن، فطعام الإنس أولى وقال الشيخ: الاستجمار بطعام الآدميين وعلف دوابهم أولى بالنهي عنه من طعام الجن وعلف دوابهم.(٢) شرعي تعظيما وما فيه ذكر الله تعالى قال في الإنصاف: هذا لا شك فيه، ولا نعلم ما يخالفه، وقيل وكتب مباحة كالعروض ونحوه، وصريح كلامهم أن الحروف ليست محترمة لذاتها.(٣) وكيدها، ورجلها.(٤) لأن له حرمة، فهو كالطعام.(٥) المستثناة كلها، للنهي عن الاستجمار بها من غير وجه.(٦) دبغ أولا ويحتمل أيضا أن معناه سواء يؤكل أم لا متصلا، أم لا.(٧) لأنه زاد البهائم، فهو أولى من الروث الذي هو علف بهائم الجن، كما تقدم ولا يحصل به الانقاء، ومفهومه أن اليابس يصح، وهو مقيد بما إذا لم يكن طعاما وإلا فلا لوجود العلة والحكم يدور مع علته.стр. 142
(ويشترط) للاكتفاء بالاستجمار (ثلاثة مسحات منقية (١) فأكثر) إن لم يحصل بثلاث، ولا يجزئ أقل منها (٢) ويعتبر أن تعم كل مسحة المحل (٣) ولو كانت الثلاث بحجر ذي شعب، أجزأت إن أنقت (٤) وكيفما حصل الإنقاء في الاستجمار أجزأ (٥) وهو أن يبقي أثر لا يزيله إلا الماء (٦) . الحواشي
(١) أي منظفة، ونقي بالكسر نقاوة بالفتح فهو نقي أي نظيف، والتنقية التنظيف ولأحمد «إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثا» وعن سلمان «نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار» رواه مسلم وهذا نص صحيح صريح في أن استيفاء الثلاث لا بد منه وذلك إن لم يستعمل الماء فإنه لا بد من الثلاث الأحجار أو ما يقوم مقامها واشتراط الإنقاء مجمع عليه حكاه النووي وغيره.(٢) أي الثلاث مسحات، للأخبار، قال الشيخ: عليه تكميل المأمور به، وإن أنقى بدونه اهـ، وإن لم ينق كرر، لأن الغرض إزالة النجاسة فيجب التكرار إلى أن تزول ليحصل المقصود ولأحمد «إذا تغوط أحدكم فليمسح ثلاث مرات نصف الحشفة والألية» ، وصوب النووي وغيره وجوب الثلاث.(٣) لأنها إن لم تكن كذلك لم تكن مسحة بل بعضها.(٤) لما روي أحمد عن جابر أن النبي ﷺ قال: «إذا تغوط أحدكم فليمسح ثلاث مرات» فبين أن الغرض عدد المسحات لا الأحجار، ولأنه يحصل بالشعب الثلاث ما يحصل بالأحجار الثلاثة من كل وجه، فلا فرق، وهذا إن أنقت وإلا زاد حتى ينقي، والشعب الأطراف، والشعبة الطائفة والقطعة من الشيء، قال ابن عقيل: لو مسح بالأرض أو الحائط في ثلاثة مواضع فهو كالحجر الكبير، ولا يكرره في موضع واحد خشية التلويث.(٥) أي: وأي صفة حصل بها الإنقاء كفى، لأن المقصود إزالة النجاسة.(٦) قال الشيخ: علامة الإنقاء أن لايبقى في المحل شيء يزيله الحجر.стр. 143
وبالماء عود خشونة المحل كما كان، مع السبع الغسلات (١) ويكفي ظن الإنقاء (٢) ويسن قطعه أي قطع ما زاد على الثلاث على وتر (٣) فإن أنقى برابعة زاد خامسة وهكذا (٤) ويجب الاستنجاء بماء أو حجر ونحوه (٥) لكل خارج من سبيل (٦) . الحواشي
(١) أي كما كان قبل خروج الخارج، لزوال لزوجة النجاسة وآثارها مع السبع الغسلات، أي فلا بد من اعتبار العدد، وعنه لا يعتبر قال الشيخ: هذا المشهور، وصححه في تصحيح المحرر والفروع وغيرهما، ولم يحد الشارع في ذلك عددا ويأتي.(٢) أي ويكفي في زوال النجاسة غلبة الظن، جزم به جماعة، لأن اعتبار اليقين هنا حرج، وهو منتف شرعا، ويسترخي قاضي الحاجة قليلا فلا يضم شرج مقعدته لئلا يبقى شيء.(٣) بكسر الواو وفتحها، لغتان مشهورتان فصيحتان، نقلهما الزجاج وغيره فبالكسر لغة أهل نجد، وبالفتح لغة أهل الحجاز، والوتر الفرد، وما لم يشفع بعدد.(٤) أي إن انقى بسادسة زاد سابعة، لحديث «من استجمر فليوتر» متفق عليه، وليس بواجب لقوله، «من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» رواه أبو داود.(٥) كخرق وخشب وتراب.(٦) معتادا كان الخارج كالبول أولا كالمذي، ولو نادرا كالدود، لقوله ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ فعم كل مكان ومحل من ثوب وبدن، ولعموم الأحاديث، والقول به في الجملة قول أكثر أهل العلم، وقال في الإنصاف: أما النجس الملوث فلا نزاع في وجوب الاستنجاء منه.стр. 144
إذا أراد الصلاة ونحوها (١) (إلا الريح) (٢) والطاهر وغير الملوث (٣)
(ولا يصح قبله) أي قبل الاستنجاء بماء أو حجر ونحوه (وضوء ولا تيمم) (٤) لحديث المقداد المتفق عليه: «يغسل ذكره ثم يتوضأ» (٥) . الحواشي
(١) كمس مصحف ووجوب الشرط بوجوب المشروط قال ابن الجوزي: لا تجب الطهارة عن حدث ونجس قبل إرادة الصلاة، بل تستحب.(٢) لأن الغسل إنما يجب لإزالة النجاسة، ولا نجاسة فيها، وقال أحمد: ليس في الريح استنجاء لا في كتاب الله ولا سنة رسوله اهـ وهو مذهب مالك وغيره، وقول فقهاء الأمصار، قاله الشيخ وغيره، وقال الشارح: لا نعلم فيه خلافا ولأنه عرض بإجماع الأصولين.(٣) أي وإلا الخارج الطاهر كالمني، والولد العاري عن الدم، وغير الملوث أي غير الخارج النجس الملوث، كالبعر الناشف والحصا، لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة هنا، واستظهره في الفروع، وصوبه في الإنصاف، وقال: كيف يستنجي أو يستجمر من طاهر، وهذا من أشكل ما يكون.(٤) أي لايصح وضوء قبل الاستنجاء بماء أو حجر ونحوه إذا كان على المخرج نجاسة، اختاره الأكثر، وقال الشيخ هذا الأشهر، لأنه طهارة يبطلها الحدث فاشترط تقديم الاستنجاء عليه، ولا يصح تيمم لأنه لا يرفع الحدث، وإنما تستباح به الصلاة، ولا تباح مع قيام المانع، وظاهره سواء كان التيمم عن حدث أصغر أو أكبر أو نجاسةوعنه يصح الوضوء وفاقا، وجزم به في الوجيز، قال في مجمع البحرين، هذا أقوى الروايتين، واختاره الموفق والشارح وغيرهما، وصححه في النظم والتصحيح وغيرهما، وكذا التيمم قياسا على الوضوء.(٥) وهذا لفظ النسائي، وقال الحافظ منقطع ولفظ مسلم «يغسل ذكره ويتوضأ» ولأحمد وأبي داود ونحوه، ولفظ البخاري «توضأ واغسل ذكرك»
قال الحافظ: ووقع في العمدة نسبة ذلك إلى البخاري بالعكس، وفي لفظ لمسلم «اغسل ذكرك وتوضأ» وفي بعض الروايات «توضأ وانضح فرجك» ، والواو لا تقتضي الترتيب، بل لمطلق الجمع على المشهور، قال النووي: والسنة أن يستنجي قبل الوضوء، ليخرج من الخلاف ويأمن انتقاض طهره اهـ ومشروعيته قبل الوضوء والتيمم لا نزاع فيها، والمقداد هو عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود النهراني، وقيل الحضرمي، أصاب دما في قومه، فلحق بحضرموت فحالف الأسود بن عبد يغوث الكندي فقيل المقداد بن الأسود، أول فارس في الإسلام توفي سنة ثلاث وثلاثين.стр. 145
ولو كانت النجاسة على غير السبيلين (١) أو عليهما غير خارجة منهما صح الوضوء والتيمم قبل زوالها (٢) . الحواشي
(١) صح الوضوء والتيمم قبل زوالها.(٢) أي النجاسة: لأنها غير خارجة من السبيلين، لكنها مقيدة بكونها غير مانعة، وإلا فلا، والفرق بين ما إذا كانت النجاسة خارجة منه، وبين ما إذا كانت عليه غير خارجة منه، ففي الأولى موجبة للطهارة، فاشترط لصحتها زوالها مهما أمكن أثرا أو عينا فقط، بخلاف الثانية فإنها غير موجبة للطهارة فلم يشترط لصحتها زوالها، ولهذا لا يجزئ الاستجمار فيها بخلاف الأولى.стр. 146
باب السواك وسنن الوضوء (١)
وما ألحق بذلك من الإدهان والاكتحال (٢) والاختتان والاستحداد ونحوها (٣) . الحواشي
(١) قيل: إن أول من استاك الخليل ﵇ وأنه أول من شاب وهو ابن مائة وخمسين سنة، وأول من اختتن، وجاء أنه من سنن المرسلين، والسواك يذكر ويؤنث والأكثر على تذكيره وجمعه سوك ككتب ويقال سؤك بالهمزة مشتق من التساوك وهو التمايل، والتردد ومنه جاءت الإبل تساوك، أي تمايل هزالا لأن السواك يتردد في الفم، أو من ساك الشيء إذا دلكه، واستن الرجل استنانا استاك، والوضوء بالضم اسم للفعل الذي هو المصدر، وبالفتح اسم للماء الذي يتوضأ به.(٢) أي ما ألحق بالسواك وسنن الوضوء لما له به من التعلق، أو المقاربة من الإدهان بالكسر، والدهن بالفتح مصدر، والدهن بالضم الاسم، من دهن الشيء إذا بله، وكذا الاكتحال، وهو مصدر وكحل العين يكحلها كحلا جعل فيها الكحل، والكحل الإثمد وكلما وضع في العين يستشفي به، والإكحال أصناف كثيرة معروفة، لها أسماء متعددة، يصنعونها من مواد تناسب أمراض العيون.(٣) أي نحو ما ألحق بذلك كتقليم الأظفار، وقص الشارب، وإعفاء اللحيةوإبقاء شعر الرأس، وغير ذلك وأدخلوها في الباب لكونها من خصائص الفطرة فإنهم قد يذكرون في الباب أشياء لها تعلق بمقصود الباب، وإن لم تكن مما ترجم له وذكر سنن الوضوء في هذا الباب لكون السواك من آكدها، والاختتان مصدر والختان اسم من الختن، وموضع القطع من الذكر والأنثى، والاستحداد هو حلق العانة سمي استحدادا لاستعمال آلة الحديد فيه وهي الموسى ونحوها.стр. 147
السواك والمسواك: اسم للعود الذي يستاك به، ويطلق السواك على الفعل (١) أي دلك الفم بالعود لإزالة نحو تغير، كالتسوك (٢) (التسوك بعود لين) سواء كان رطبا أو يابسا (٣) مندى من أراك أو زيتونا أو عرجون أو غيرها (٤) (منق) للفم (غير مضر) (٥) . الحواشي
(١) قاله الشيخ وغيره، والمسواك بكسر الميم.(٢) أي والسواك شرعا استعمال العود في الأسنان لإزالة نحو تغير كصفرة ورائحة، كالتسوك أي كما يطلق التسوك على الفعل يطلق عليه السواك، فالمراد بالسواك الاستياك.(٣) الرطب ضد اليابس، وهو الأخضر وهو أبلغ في الإنقاء.(٤) أي مما يستاك به، كقتاد ونحوه، واقتصر بعضهم على الثلاثة، وقال الآزجي، لا يعدل عنها إلا لتعذرها والمندى المبلول قال ابن القيم: وأجود ما استعمل مبلولا بماء الورد اهـ ثم بالماء ثم بالريق، ثم اليابس غير المندى، والأراك واحدته أراكة. شجر من الحمض معروف له حمل كعناقيد العنب، يستاك بفروعه وعروقه، وهي أجود، وهو أفضل ما استيك به، وأكثر ما استعمل عند العرب، وفي حديث أبي خيرة وكان في وفد عبد القيس، قال: فأمر لنا بأراك فقال: استاكوا بهذا، ولأبي يعلي عن ابن مسعود: كنت اجتنيه لرسول الله ﷺ ولأحمد عنه موقوفا، والزيتون شجر عظيم النفع، طويل البقاء في الأرض، حتى إنه قد يجاوز ألف سنة وهي يحي ويثمر، ويقال لدهنه الزيت ولثمره الزيتون، والعرجون واحد العراجين وهو شماريخ العذق، وكان ﷺ يحب العراجين.(٥) أي منظف: غير جالب للضرر.стр. 148
احترازا من الرمان والآس وكل ما له رائحة طيبة (١) (لا يتفتت) ولا يجرح (٢) ويكره بعود يجرح أو يضر أو يتفتت (٣) و (لا) يصيب السنة من استاك (بإصبعه وخرقة) ونحوهما (٤) . الحواشي
(١) أي وكل عود ذكي الرائحة، والآس هو المعروف بالريحان عند بعض العامة وهو شجر ورقة عطر، قيل إنه مضر بلحم الفم.(٢) أي لا يتكسر وفتات الشيء بضم الفاء ما تكسر منه، ولا يجرح أي لا يشق وجرحه كقطعه.(٣) أي يجرح فمه أو يضره كالرمان، والطرفاء، والقصب الفارسي ونحوها، أو يتفتت في فيه، لأن ذلك مضاد لغرض السواك.(٤) كإشنان أي يخطئ السنة، والصواب الحق، وضد الخطأ والأمر الثابت في نفس الأمر، الذي لا يسوغ إنكاره وقالت طائفة من أهل العلم: بل يصيب السنة، واختاره ابن عبدوس، وصححه في التصحيح والنظم، وقالت طائفة: عند عدم السواك قال في الإنصاف: وما هو ببعيد واختار المجد وغيره بالإصبع في المضمضة، وقال النووي وغيره: وبأي شيء استاك مما يزيل التغير حصل الاستياك كالخرقة والسعد والإشنان والإصبع، وهذا مذهب أبي حنيفة، لعموم ما ورد، وفي المغني والشرح وغيرهما أنه يصيب بقدر ما يحصل من الإنقاء، ولا يترك القليل من السنة للعجز عن أكثرها، وذكرا أنه الصحيح، وروى البيهقي والحافظ في المختارة وقال: لا بأس بإسناده عن أنس مرفوعا، يجزي من السواك الأصابع، وفي المغني بلفظ أصبعيك سواك، عند وضوئك أمرهما على أسنانك وعن علي في صفة الوضوء: فأدخل بعض أصابعه في فيه، رواه أحمد، وروي عنه أيضا التشويص بالمسبحة والإبهام سواك، وفي الطبراني عن عائشة قالت: يدخل إصبعه في فيه، وإصبع بكسر الهمزة وفتح الباء معروفة، تذكر وتؤنث، وفيها عشر لغات، فتح الهمزة، وضمها وكسرها مع الحركات الثلاث في الباء، والعاشرة أصبوع.стр. 149
لأن الشرع لم يرد به (١) ولا يحصل به الإنقاء كالعود (٢) (مسنون كل وقت) خبر قوله: التسوك أي يسن كل وقت لحديث «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» (٣) رواه الشافعي وأحمد وغيرهما (٤) (لغير صائم بعد الزوال) فيكره فرضا كان الصوم أو نفلا (٥) . الحواشي
(١) وكذا حكاه بعض الأصحاب ولعل من قال به لم يبلغه ما ورد مما تقدم وغيره.(٢) أي لا يحصل بالإصبع والخرقة ونحوهما الإتقاء، كما يحصل بالعود.(٣) بأن يكون في حال كمال ونظافة إظهارًا لشرف العبادة، والرب بالتعريف لا يطلق إلى على الله تعالى، ومطهرة بفتح الميم وكسرها كل آلة يتطهر بها، شبه السواك بها لأنه ينظف الفم، والطهارة النظافة، وورد في فضل السواك أكثر من مائة حديث، حتى عد في المتواتر، واتفق العلماء على أنه سنة مؤكدة، لحث الشارع ومواظبته عليه، وترغيب فيه، وندبه إليه، قال في المبدع: وليس بواجب إجماعا لخبر أبي هريرة وغيره، وقيل بوجوبه، وقال النووي: سنة وليس بواجب في حال من الأحوال، لا في الصلاة ولا في غيرها بإجماع من يعتد به في الإجماع اهـ.
وقول بعض أهل العلم بوجوبه يدل على آكدية سنيته، قال الشارح: لا نعلم خلاف في استحبابه وتأكده وإن أكل نجسا وجب إزالة دسومته بسواك أو غيره.(٤) فرواه النسائي وابن خزيمة والبخاري تعليقا عن عائشة مرفوعا، قال النووي: بأسانيد صحيحة، والشافعي هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم، القرشي المكي أحد الأئمة الأربعة المتوفي سنة أربع ومائتين.(٥) هذا المذهب وهو قول الشافعي.стр. 150
وقبل الزوال يستحب له بيابس (١) ، ويباح برطب (٢) لحديث «إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشى» ، أخرجه البيهقي عن علي ﵁ (٣) (متأكد) خبر ثان للتسوك (٤) (عند صلاة) فرضًا كانت أو نفلاً (٥) . الحواشي
(١) قولا واحدا.(٢) يعني قبل الزوال، والفرق بين الرطب واليابس: أن الرطب له أجزاء تتحلل واليابس ليس له أجزاء تتحلل.(٣) لكن قال الحافظ: إسناده ضعيف ولا يعارض به ما تواتر من الأحاديث المطلقة وعن أحمد يسن مطلقا، اختاره الشيخ وتلميذه وغيرهما، واستظهره في الفروع، وقال الزركشي، هو أظهر دليلا وهو قول أكثر العلماء، وهو المختار لحديث عائشة «خير خصال الصائم السواك» ، رواه ابن ماجه، ولحديث عامر رأيته ما لا أحصي يستاك وهو صائم، رواه أصحاب السنن والبخاري تعليقا، وقال ابن عمر: يستاك أول النهار وآخره، وعن أنس عن النبي ﷺ وروي عن عمر وابن عباس وعائشة وجمع، ومذهب مالك وأبي حنيفة عدم الكراهة ونقل عن الشافعي، واختاره جماعة من أصحابه، قاله غير واحد فهو مذهب جمهور الأئمة، وأكثر الأحاديث الواردة فيه تدل على استحبابه للصائم بعد الزوال، كما يستحب قبله، والإطلاق في سائرها يدل عليه، ولم يثبت في كراهته شيء، والخلوف ليس في محل السواك إنما هو من أبخرة المعدة، ومرضاة الرب أطيب من ريح المسك، والقياس يقول بموجبه، حكاه الشيخ وغيره.(٤) أي التسوك مسنون استنانا متأكدا، بمعنى أن طلبه مؤكد زيادة على سائر الأوقات ولهذا كانت السنة المؤكدة قريبة من الواجب في لحوق الإثم.(٥) لحديث أبي هريرة مرفوعا لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند
كل صلاة رواه الجماعة، وروى أبو نعيم بسند جيد لأن أصلي ركعتين بسواك أحب إلي من أن أصلي بسبعين ركعة، يعني بلا سواك، ولأنا مأمورون في كل حال من أحوال التقرب إلى الله أن نكون في حال كمال ونظافة، لا سيما طرق ومجاري الذكر والتلاوة، إظهار لشرف العبادة.стр. 151
(و) عند (انتباه) من نوم ليل أو نهار (١) (و) عند (تغير) رائحة (فم) بمأكول أو غيره (٢) وعند وضوء وقراءة (٣) . الحواشي
(١) أي عند استيقاظ من نبهه من نومه، أيقظه لحديث حذيفة: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك، رواه الجماعة إلا الترمذي، والشوص الدلك ولأحمد وأبي داود عن عائشة: لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ وله شواهد.(٢) ككثرة كلام، وإطالة سكوت، أو وجوع، أو عطش لأن السواك مشروع لتطيب الفم، وإزلة رائحته، فتأكد عند تغيره، وحكى الوزير الاتفاق على استحبابه عند تغير الفم، والفم مثلث الفاء، أصله فوه حذفت منه الهاء فعوضت منها الميم، واقتصر المنقح والموفق وغيرهما على هذه الثلاثة، والأدلة ظاهرة في تأكدها.(٣) أي ومتأكد عند وضوء حال المضمضة لحديث أبي هريرة لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء، ورواه أحمد ومالك وغيرهما بإسناد صحيح. والبخاري تعليقا وله شواهد قال الحافظ بعضها حسن، وقال بعض أهل العلم: مستحب لأن السنة ما واظب عليه النبي ﷺ والذين نقلوا وضوءه لم يذكروه، فغاية ما يفيد هذا الخبر الندب، فيكفي التعبد به أحيانا. ويستحب عند قراءة القرآن، تطييبا للفم، لحديث علي مرفوعا إن أفواهكم طرق القرآن فطيبوها بالسواك، رواه ابن ماجه وأبو نعيم والبزار، ولفظه طيبوا أفواهكم بالقرآن والموقوف أشبه، وحكى ابن الجوزي وغيره الاستحباب فيهما.стр. 152
زاد الزركشي والمصنف في الإقناع: ودخول مسجد، ومنزل، وإطالة سكوت، وخلو المعدة من الطعام، واصفرار الأسنان (١) . الحواشي
(١) الزركشي هو محمد بن عبد الله بن محمد المصري صاحب شرح الخرقي الذي لم يسبق إلى مثله، وله غيره توفي سنة سبعمائة وأربع وسبعين والمصنف الحجاوي، مصنف المتن (زاد المستنقع) وله الإقناع الكتاب المشهور في مذهب أحمد، وعليه المعول في الديار الشامية والمصرية والحجازية والنجدية وغيرها، أي زاد تأكد السواك عند دخول مسجد ومنزل إلخ، وسألت عائشة: بأي شيء كان يبدأ رسول الله ﷺ إذا دخل يته؟ قالت: بالسواك، رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي, والمسجد أولى، وكذا يتأكد عند إطالة سكوت، لما يتولد من البلغم، وعند خلو المعدة من الطعام، لما يتولد منه من الرائحة المستكرهة، والمعدة هي مقر الطعام والشراب، وموضع هضمه قبل انحداره إلى الأمعاء، سميت بذلك لشدتها أو لجذبها الطعام، أو لدفعها إياه.
ويتأكد عند الطواف والخطبة، وأكل المنتن ونحوه، وبعد الوتر وفي السحور وغير ذلك، ويتأكد عند اصفرار الأسنان، جمع سن بكسر السين، والإصفرار مصدر، والصفرة لون الأصفر، فالسواك باعتدال يطيب الفم، والنكهة ويجلو الأسنان، ويقويها ويشد اللثة ويزيل رخاوتها ويمنع الحفر والسلاق وهو التقشر في أصول الأسنان أو صفرة تعلوها، ويقطع البلغم، ويصفي الحلق، والصوت، ويفصح اللسان ويقوي القلب، ويزيد في العقل، ويذكي الفطنة، ويحسن الخلق بفتح الخاء، ويحلو البصر، ويقطع الرطوبة من العين، ويقوي عصبها، ويصحح المعدة، ويقيم الصلب، ويعين على الهضم، ويشهي الطعام، ويسهل مجاري الدم، وينشط، ويطرد النوم، ويخفف عن الرأس وفم المعدة، ويضاعف الأجر، ويرضي الرب، ويسخط الشيطان. ويزيد في ثواب الصلاة. والذكر. ونحو ذلك.стр. 153
(ويستاك عرضا) استحبابا بالنسبة إلى الأسنان (١) بيده اليسرى على أسنانه ولثته ولسانه (٢) ويغسل السواك (٣) ولا بأس أن يستاك به اثنان فأكثر (٤) . الحواشي
(١) لا بالنسبة إلى الفم، لأنه إذا فعل طولا أدمي اللثة، وأفسد عمور الأسنان وإنما ينبغي أن يستاك من ثناياه إلى أضراسه، وذلك عرض بالنسبة إلى الأسنان وطول بالنسبة إلى شق الفم، وروى أبو داود في مراسيله أنه ﵊ قال: استاكوا عرضا ورواه الطبراني والضياء بلفظ: أنه كان يستاك عرضا، وضعفه.(٢) على الصحيح من المذهب وجزم به في الفائق، وقال الشيخ: ما علمت إماما خالف في الاستياك باليسرى، لأن الاستياك إنما شرع لإزالة ما في داخل الفم، وهذه العلة متفق عليها اهـ على أسنانه أي يضع طرف السواك على أسنانه، وعلى لثته بكسر اللام وفتح المثلثة مخففة، هي ما حول الأسنان من اللحم، قاله الجوهري وقال غيره: هي اللحم الذي تنبت فيه الأسنان، فأما اللحم الذي يتخلل الأسنان فهو عمر، بفتح فسكون وجمعه عمور وكذا يضع طرف السواك على لسانه كما في الصحيحين والسواك على لسانه وفيهما عن أبي موسى، فرأيته يستاك على لسانه ولأحمد وهو يستاك وهو واضع طرف السواك على لسانه يستن إلى فوق فوصف حماد كأنه يرفع سواكه، قال ووصفه غيلان كأنه يستاك طولا، فإن سقطت أسنانه استاك على لثته ولسانه، قال في الشرح: إن استاك على لسانه أو حلقه فلا بأس أن يستاك طولا.(٣) أي يغسل ما على السواك إن كان، للحديث الآتي وغيره.(٤) لحديث عائشة: كان يعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله وأدفعه إليه، وعنها كان يستن وعنده رجلان، فأوحي إليه، أعط السواك أكبرهما رواهما أبو داود.стр. 154
قال في الرعاية: ويقول إذا استاك: اللهم طهر قلبي ومحص ذنوبي (١) قال بعض الشافعية: وينيوي به الإتيان بالسنة (٢) (مبتدئا بجانب فمه الأيمن) (٣) فتسن البداءة بالأيمن في سواك (٤) وطهور وفي شأنه كله (٥) غير ما يستقذر (٦) (ويدهن) استحبابا (غبا) يوما يدهن ويوما لا يدهن (٧) لأنه صلى الله الحواشي
(١) استحبابه في هذا الموضع فيه نظر، لعدم وروده فيه بخصوصه، وإن كان الدعاء به ونحوه مشروعا في الجملة.(٢) القائل به ابن حجر كما صرح به في الإمداد، وذلك لأن السواك مما يتعبد به.(٣) قال في المبدع والإقناع، من ثناياه إلى أضراسه.(٤) قال في الإنصاف: مستحب بلا نزاع أعلمه.(٥) طهور بضم الطاء. أي تطهر كوضوء وغسل، وإزالة نجاسة، لحديث عائشة كان يحب التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله متفق عليه ولأبي داود وسواكه قال منصور: وقد يحمل على أنه كان يبدأ بشق فمه الأيمن في السواك.(٦) مما تقدم بيانه في باب الاستنجاء، من دخول خلاء ونحوه وغير ذلك مما فيه مرجوحية.(٧) غب عن القوم يغب غبا أتاهم يوما وترك يوما، وغبت الماشية شربت يوما وظمئت يوما، وقال النووي: هو أن يدهن ثم يترك حتى يجف، ثم يدهن ثانيا، وقال في الفروع: وظاهره أن اللحية كالرأس وفي شرح العمدة: ودهن البدن.стр. 155
عليه وسلم نهى عن الترجل إلا غبا (١) رواه النسائي والترمذي وصححه (٢) والترجل تسريح الشعر ودهنه (٣) (ويكتحل) في كل عين (وترا) ثلاثا، بالإثمد المطيب (٤) كل ليلة قبل أن ينام لفعله ﵇، رواه أحمد وغيره عن ابن عباس (٥) . الحواشي
(١) والمراد النهي عن المواظبة عليه، لأنه مبالغة في التزيين وتهالك في التحسين ونهى ﵊ أن يمتشط كل يوم، ويجوز كل يوم لحاجة، لخبر أبي قتادة: وكان له جمة، فأمره أن يحسن إليها، رواه النسائي، ورجاله رجال الصحيح.
واختار الشيخ فعل الأصلح للبدن، كالغسل بماء حار ببلد رطب، لأن المقصود ترجيل الشعر، ولأنه فعل الصحابة، وأن مثله نوع الملبس والمأكل ولما فتحوا الأمصار كان كل منهم يأكل من قوت بلده، ويلبس من لباسه اهـ ويستحب إصلاحه إذا شعث لقوله: أما يجد ما يسكن به شعره؟ رواه أبو داود بإسناد صحيح.(٢) أي الترمذي، ورواه أحمد وأبو داود وغيرهم.(٣) تسريحه إرسال وحله قبل المشط، يقال سرح الشعر خلص بعضه من بعض.(٤) بالمسك ونحوه في كل عين، لحديث أبي هريرة من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، والإثمد بالكسر معدن، حجر معروف، يكتحل به، أسود سريح التفتت، وإذا تفتت كان لفتاته بريق ولمعان، ولكان ذا صفائح، أملس الباطن، ومعدنه بأصبهان، وهو أجوده وبالمغرب وهو أصلب، والكحل المطيب أي المضمخ بالطيب.(٥) ولفظه: كان يكتحل بالإثمد كل ليلة قبل أن ينام، وكان يكتحل في كل عين ثلاثة أميال، ورواه ابن ماجه والترمذي وحسنه، وقال: روي من غير وجه أنه قال: عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر، وكان له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه، ولأبي داود: إن خيرا كحالكم الإثمد وللطبراني فإنه منبتة للشعر مذهبة للقذى مصفاة للبصر.стр. 156
ويسن نظر في مرآة (١) وتطيب (٢) (و تجب التسمية في الوضوء مع الذكر) (٣) . الحواشي
(١) ليزيل ما عسى أن يكون بوجهه من أذى. ويفطن إلى نعمة الله عليه في خلقه، ويقول ما ورد، ومنه اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي، وحرم وجهي على النار رواه ابن مردوية من حديث أبي هريرة، ولأحمد وابن حبان عن ابن مسعود قال: كان رسول الله ﷺ إذا نظر في المرأة قال اللهم كما أحسنت خلقي فحسن خلقي قال المنذري: رواته ثقات.(٢) أي ويسن تطيب، لحديث أبي أيوب مرفوعا أربع من سنن المرسلين الحياء، والتعطر والسواك، والنكاح، رواه أحمد وعن أنس أنه قال حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة، رواه أحمد والنسائي والحاكم وغيرهم، وأفضله المسك، لحديث أبي سعيد مرفوعا قال في المسك، هو أطيب طيبكم رواه مسلم، وعن عائشة: كان يتطيب بذكارة المسك، والعنبر رواه النسائي وغيره، وكان ابن عمر يتجمر بالألوة يعني العود غير مطراة وبكافور يطرح مع الألوة.
ويقول: هكذا كان يستجمر رسول الله ﷺ . ويستحب للرجال بما ظهر ريحه ويخفي لونه، كالمسك والعنبر والعطر والعود، وعكسه النساء إذا كانت في غير بيتها، وفيه تطيب بما شاءت، لحديث أبي هريرة إن طيب الرجال بما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه، وعن أبي موسى مرفوعا كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا يعني زانية صححه الترمذي، وكان ﷺ لا يرد الطيب، وروى مسلم من عرض عليه ريحان فلا يرده ولأحمد وغيره بلفظ من عرض عليه طيب فلا يرده، فإن خفيف المحمل طيب الرائحة.(٣) ضد النسيان وهو حضور صورة المذكور العلمية في القلب وإذا كان
الذكر بالضمير فمضموم الذال، وإذا كان باللسان فمكسروها قاله القرطبي، وقال ابن مالك: الذكر بالقلب يضم ويكسر وقال غيره: هما لغتان ومعناهما واحد وذكر بعض أهل العلم في التسمية أربعة أقسام، قسم تجب فيه، وهو الوضوء والغسل. والتيمم وعند الصيد والتذكية وقسم تسن فيه، عند قراءة القرآن والأكل والشرب. والجماع، وعند دخول الخلاء، ونحو ذلك، وقسم لا تسن فيه، كالصلاة والأذان والحج، والأذكار، والدعوات، وقسم تكره فيه: وهو المحرم، والمكروه، لأن المقصود بالتسمية البركة والزيادة وهذان لا يطلب ذلك فيهما، لفوات محلهما، وقيل تحرم عند أكل الحرام، وفي البزازية: اختلف في كفره.стр. 157
أي أن يقول بسم الله لا يقوم غيرها مقامها (١) لخبر أبي هريرة مرفوعا «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» رواه أحمد وغيره (٢) . الحواشي
(١) كالتسمية المشروعة على الذبيحة، وعند أكل الطعام، ونحو ذلك، ومحلها اللسان بعد النية، قال النووي: والتسمية أن يقول بسم الله، فتحصل السنة. وإن لم يقل الرحمن الرحيم، والأكمل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم اهـ وليس هذا على إطلاقه, وتكفي الإشارة بها من أخرس ونحوه.(٢) فرواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما بسند ضعيف، وروى الترمذي الجملة الأخيرة منه، وله طرق لا تخلو من مقال، إلا أنه قد يقوي بعضها بعضا قال ابن أبي شيبة: تثبت أنه ﷺ قاله.
وقال المنذري: تتعاضد وتكسبه قوة وبالغ السيوطي حتى عده في المتواتر، وفي التلخيص مجموعها يحدث منها قوة تدل على أن له أصلا، وقال ابن كثير: يشد بعضها بعضا، فهو حديث حسن أو صحيح اهـ.
وقال بعض أهل العلم: لا وضوء حقيقة في نفسه، فهو نص في أنها ركن أو شرط، وعن أحمد سنة وفاقا. اختاره الخرقي والموفق والشارح وابن المنذر
وغيرهم قال الخلال إنه الذي استقرت عليه الرواية لأن الله تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ والرسول ﷺ ذكر الوضوء ولم يذكر إيجاب التسمية، والحديث قال فيه الحافظ وغيره: يروى بأسانيد كلها ضعاف لا تقوم بها حجة، ولأنها طهارة فلا تفتقر إلى التسمية، وعبادة فلا تجب فيه كسائر العبادات.
قال الشيخ: ولا تشترط التسمية في الأصح، قال أحمد: لا يثبت فيه شيء، ولا أعلم فيه حديثا له إسناد جيد، وقال: أرجو أن يجزئه الوضوء، لأنه ليس في التسمية حديث أحكم به، وقال ابن سيد الناس: روى في بعض الروايات: لا وضوء كاملا، وقال: إن صح فيحمل على تأكد الاستحباب ونفي الكمال بدونها.стр. 158
وتسقط مع السهو (١) وكذا غسل وتيمم (٢) (ويجب الختان) عند البلوغ (٣) (ما لم يخف على نفسه) (٤) . الحواشي
(١) نص عليه، وإن ذكر في أثنائه سمى وبنى، قال الحجاوي: هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب.(٢) أي وكما تجب في الوضوء تجب في الغسل والتيمم قياسا على الوضوء، وتسقط فيهما مع السهو ومع الجهل أيضا في الثلاثة قياسا على واجب صلاة.(٣) لأنه قبله لم يكن مكلفا ولقول ابن عباس: كانوا لا يختتون الرجل حتى يدرك رواه البخاري، وقال الشيخ: يجب إذا وجبت الطهارة والصلاة اهـ والمراهق ينبغي أن يختن لئلا يبلغ إلا وهو مختون، والمقصود تطهيره من النجاسة المحتقنة في القلفة وإن تركه من غير ضرر وهو يعتقد وجوبه فقيل يفسق.(٤) تلفا أو ضررا فيسقط وجوبه، قال الشيخ: عليه أن يختتن إذا لم يخف ضرر الختان، فإن ذلك مشروع مؤكد للمسلمين باتفاق الأئمة، وهو واجب عند الشافعي وأحمد في المشهور عنه، قال: وكان ابن عباس يشدد في أمره، حتى قد روي عنه أنه قال: لا حج له ولا صلة، وعند مالك وأبي حنيفة سنة لكن يأثم بتركه واستدل من أوجبه بحديث ألق عنك شعر الكفر واختتن رواه أحمد وأبو داود، وقال الحافظ: فيه انقطاع وبحديث من أسلم فليختتن وقال الزهري: كان الرجل إذا أسلم أمر بالاختتان، وإن كان كبيرا ولقوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ وثبت أنه ختن نفسه بالقدوم، ولكشف العورة له، ولو لم يكن واجبا لم يجز كشفا له، وقال ابن المنذر: ليس في وجوب الختان خبر يرجع إليه، والمتيقن السنة، لقوله خمس من الفطرة، وذكر الختان متفق عليه، لكن قد يقرن المختلفان، ويرجع في الضرر إلى الأطباء الثقات، وإذا كان يضره في الصيف أخره إلى الشتاء.стр. 159
ذكرا كان أو خنثى أو أنثى (١) فالذكر بأخذ جلدة الحشفة (٢) والأنثى بأخذ جلدة فوق محل الإيلاج تشبه عرف الديك (٣) . الحواشي
(١) أي سواء كان المختون ذكرا أو خنثى أو أنثى، وعنه سنة في حق النساء، لقوله إذا التقى الختانان قال في المغني والشرح: مكرمة للنساء، وليس بواجب عليهن، هذا قول كثير من أهل العلم، ولأنه إنما وجب على الرجال لما يستر الكمرة من الجلدة المدلاة عليها، من أجل أنه لا ينقى ما تحتها، والمرأة ليست كذلك.(٢) أي فختان الذكر بأخذ جلدة غاشية الحشفة، ويقال لها القلفة والغرلة وإن اقتصر على أكثرها جاز. جزم به المجد وغيره.(٣) أي وخفض الجارية بأخذ جلدة فوق محل مدخل الذكر، وهو مخرج الحيض والولد والمنى، وتحت مخرج البول، وتلك الجلدة عالية على الفرج رقيقة مثل الورقة بين الضرة والشفرين، والشفران محيطان بالجميع، فتلك الجلدة الرقيقة تقطع منها في الختان، ويسمى الخفض، فالختان مخصوص بالذكر، والخفاض بالأنثى والإعذار مشترك بينهما، والمقصود من ختان الرجل تطهيره من النجاسة المحتقنة في القلفة ومن المرأة تقليل شهوتها، وعرف الديك لحمة مستطيلة في أعلى رأسه، يشبه به بضر الجارية.стр. 160
ويستحب أن لا تؤخذ كلها (١) والخنثى بأخذهما (٢) وفعله زمن صغر أفضل (٣) وكره في سابع يوم ومن الولادة إليه (٤) . الحواشي
(١) فإن المقصود هو تعديل شهوتها، فالقلفاء شديدة الشهوة، فإذا قطع من غير مبالغة حصل المقصود باعتدال لقوله ﷺ أشمى ولا تنهكي فإنه أبهى للوجه، وأحضى عند الزوج رواه الحاكم والطبراني وغيرهما.(٢) أي أخذ القلفة من ذكره، والجلدة من فرجها، احتياطا والخنثى غير المشكل لا يجب عليه إلا ختن ذكره، إن حكم بأنه رجل، ولا يسن إلا خفض فرجها، إن حكم بأنه امرأة.(٣) وعليه الجمهور لأنه أسرع برءا ولينشأ على أكمل الأحوال قال الشيخ زمن الصغر أفضل، إلى التمييز هذا هو المشهور.
وقال النووي: استحباب ختانه في الصغر هو المذهب الصحيح المشهور، الذي قطع به الجمهور وقال مكحول: ختن إبراهيم ابنه إسحق لسبعة أيام، وختن إسماعيل لثلاث عشرة.
قال الشيخ: فكان سنة في ولد إسحاق وولد إسماعيل اهـ.
ولا توقيت في ذلك فمتى ختن قبل البلوغ كان مصيبا وينبغي أن يزاد على الثلاثة المواضع التي المسنون فيها أفضل من الواجب.
قال السيوطي:
الفرض أفضل من تطوع عابد ... حتى ولو قد جاء منه بأكثر
إلا التطهر قبل وقت وابتدا ... ء بالسلام كذاك إبرا معسر
زاد الخلوتي:
وكذا ختان المرء قبل بلوغه ... تمم به عقد الإمام المكثر(٤) أي إلى اليوم السابع للتشبه باليهود قال في الفروع: ولم يذكر كراهته الأكثر وعنه لا يكره، قال الخلال، العمل عليه، وقال ابن المنذر: وليس فيه نهي يثبت ولا لوقته حد يرجع إليه، ولا سنة تتبع، والأشياء على الإباحة، ولا يجوز حظر شيء منها إلا بحجة، ولا نعلم مع من منع أن يختن الصبي لسبعة أيام حجة، وقال أحمد لم أسمع فيه شيئا.стр. 161
(ويكره القزع) وهو حلق بعض الرأس وترك بعض (١) وكذا حلق القفا لغير حجامة ونحوها (٢) ويسن إبقاء شعر الرأس، قال أحمد: هو سنة لو نقوى عليه اتخذناه ولكن له كلفة ومؤنة (٣) . الحواشي
(١) مأخوذ من قزع السحاب، وهو تقطعه، وكل شيء يكون قطعا متفرقة فهو قزع، والقزعة الخصلة من الشعر، وتترك على رأس الصبي، وعن ابن عمر نهى رسول الله ﷺ عن القزع متفق عليه. زاد أبو داود وغيره قال: احلقه كله أو دعه كله، وروي أبو داود والنسائي بإسناد صحيح عن ابن عمر أن النبي ﷺ رأى صبيا قد حلق بعض رأسه وترك بعضه فنهاهم وقال احلقوه كله أو دعوه كله، قال ابن القيم: وهو أربعة أنواع: أن يحلق من رأسه مواضع من ههنا ومن ههنا، وأن يحلق وسطه ويترك جوانبه وأن يحلق جوانبه ويترك وسطه، وأن يحلق مقدمه ويترك مؤخره، فهذا كله من القزع.(٢) أي يكره حلق القفا منفردا عن الرأس لغير حجامة ونحوها، كقروح قال أحمد: هو من فعل المجوس، ومن تشبه بقوم فهو منهم، وقال عمر: حلق القفا من غير حجامة مجوسية، والمراد بالقفا مؤخر العنق، جمعه أقف وأقفية، وأقفاء يذكر ويؤنث، ويكره حلق رأس امرأة وقصة لغير ضرورة لا حلق رأس ذكر، كقصه وكره نتف شيب وتغييره بسواد، قال في الفروع، وظاهر كلام أبي المعالي يحرم، وهو متجه وقال النووي: لو قيل يحرم لم يبعد للنهي الصريح، وقال أيضا: الصحيح بل الصواب أنه حرام، وعده بعض أهل العلم من الكبائر.(٣) قال في الفروع: ويتوجه لا إن شق إكرامه.стр. 162
ويسرحه ويفرقه (١) ويكون إلى أذنيه وينتهي إلى منكبيه كشعره ﵇ (٢) ولا بأس بزيادة (٣) وجعله ذؤابة (٤) ويعفي لحيته (٥) ويحرم حلقها ذكره الشيخ تقي الدين (٦) . الحواشي
(١) أي يسن أن يغسله ويسرحه متيامنا لحديث من كان له شعر فليكرمه رواه أبو داود ورجاله ثقات.
قال الحافظ: إسناده جيد، وله شاهد وأخرج مالك يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان، والثائر الشعث بعيد العهد بالدهن والترجيل ويسن أن يفرق شعر رأسه بضم الراء، والفرق الطريق، في شعر الرأس والمفرق وسط الرأس وهو الذي يفرق فيه الشعر.(٢) ففي الصحيحين كان يضرب شعره منكبيه وفي لفظ كان بين أذنيه وعاتقه وللخمسة وصححه الترمذي فوق الوفرة ودون الجمة والمنكب بكسر الكاف مجتمع رأس الكتف والعضد مذكر وجمعه مناكب.(٣) أي على منكبيه وثبت عند أبي داود وغيره عن وائل قال: أتيت النبي ﷺ ولي شعر طويل فقال ذباب ذباب، قال فجزته والذباب الشؤم أي هذا شؤم.(٤) أي لا بأس يجعله ذؤابة بضم الذال وفتح الهمزة الضفيرة من الشعر إذا كانت مرسلة فإن كانت ملمومة فهي عقيصة.(٥) يعفي بضم الياء أي يوفرها ويتركها على حالها، فلا يأخذ منها شيئا واللحية بكسر اللام، جمعها لحى، بكسر اللام وضمها، اسم للشعر النابت على الخدين والذقن وفي الصحيحين أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى، وفيهما خالفوا المشركين، وفروا اللحى وأحفوا الشوارب، وفي رواية أوفوا اللحى أي اتركوها وافية.(٦) وغير واحد من أهل التحقيق، للأحاديث الصحيحة ولم يبحه أحد من أهل
العلم وحكى ابن حزم الإجماع على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض، والشيخ تقي الدين هو شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد بن تيمية النمري الحراني الدمشقي قريعة الدهر، فارس المعقول والمنقول، بل لم يرزق الإسلام والمسلمون عالما صحيح النظر نير البصيرة متضلعا من الكتاب والسنة، وأقوال العلماء يضارعه من زمانه إلى يومنا هذا، ولد سنة ستمائة واثنتين وستين وله أكثر من ألف مصنف يكتب الكراسة في المجلس الواحد، وإذا أطلق أكثر متأخري الأصحاب شيخ الإسلام أو الشيخ فمرادهم بذلك شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه، والسلف لا يطلقون شيخ الإسلام إلا على المتبع لكتاب الله وسنة رسوله، مع التبحر في العلوم من المعقول والمنقول. وعلو كعبه في ذلك مشهور، وكان الأصحاب قبل يلقبون الموفق، فلما جاء الله بهذا الحبر اعترف الكل له بهذا اللقب، حيث لم يوجد له نظير. وكثيرا ما نكتفي باختياره، إذ اختياره وترجيحه من الصحة ومساعدة الأدلة بمكان لا يخفى على المطلع المنصف ولا ندعي فيه العصمة، لكن الله خوله الحفظ والفهم، توفي قدس الله روحه بقلعة دمشق سنة سبعمائة وثمان وعشرين.стр. 163
ولا يكره أخذ ما زاد على القبضة منها (١) وما تحت حلقه (٢) ويحف شاربه وهو أولى من قصه (٣) . الحواشي
(١) لفعل ابن عمر، لكنه إنما فعله في الحج، رواه البخاري. وأكثر العلماء يكرهه، وهو أظهر للنهي عنه، فإن الحجة في رواية الصحابي لا في رأيه، وهو ﵁ قد روى النهي عن الأخذ منها.(٢) أي لا يكره أخذ ما تحت حلقه لأنه ليس من مسمى اللحية، ولا بأس بالصبغ بورس وزعفران وأجوده الحناء والكتم، للأمر به، واستعماله له ﷺ .(٣) أي يسن أن يحف شاربه، لحديث أحفوا الشوارب متفق عليه ولقوله من لم
يأخذ شاربه فليس منا صححه الترمذي، ومنه السبالان، هما طرفاه لما روى أحمد وغيره قصوا سبالاتكم ولا تشبهوا باليهود والشارب ما سال على الفم من الشعر. جمعه شوارب، ويحفه بفتح الياء وضم الحاء أي يحفيه، من حف شاربه يحفه حفا أي أحفاه. قال في النهاية: إحفاء الشوارب أن يبالغ في قصها اهـ. ومعناه الاستقصاء في أخذه، ومنه حتى أحفوه بالمسألة وحفه أولى من قصه، نص عليه، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وما روي بلفظ القص لا ينافي الإحفاء لأن رواية الإحفاء في الصحيحين ومبينة للمراد، وللمرأة حلق وجهها، وحفه نص عليه لا نتفه، ولها تحسينه وتحميره ونحوه مما فيه تزيين له.стр. 164
ويقلم أظفاره مخالفا (١) وينتف إبطه (٢) ويحلق عانته (٣) . الحواشي
(١) لحديث خمس من الفطرة الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط رواه الجماعة، ولمسلم عشر من الفطرة والأظفار جمع ظفر. بضم الظاء المشالة، والفاء، على اللغة الفصحى، ويقلم بالتشديد ماضيه: قلم بالتشديد أيضا، وبالتخفيف مع الواحد، ويقال بالتشديد أيضا وتقليمها سنة إجماعا، وصفة المخالفة: أن يبدأ بخنصر اليمنى، ثم الوسطى، ثم الإبهام ثم البنصر ثم السبابة، ثم إبهام اليسرى، ثم الوسطى، ثم الخنصر، ثم السبابة ثم البنصر كما قيل: فيمناها خوابس ويسراها أو خسب.
وقال ابن دقيق العيد: ما اشتهر من قصها على وجه مخصوص لا أصل له في الشريعة ولا يجوز اعتماد استحبابه، لأن الاستحباب شرعي لا بد له من دليل.(٢) أي يسن قلع شعر إبطه إجماعا، والإبط بكسر الهمزة وسكون الباء باطن المنكب، جمعه آباط ونتف الشعر ينتفه نتفا نزعها.(٣) أي يسن للرجل والمرأة حلقها إجماعا لحديث أبي هريرة قال النووي: وهل يجب على الزوجة إذا أمرها زوجها أو لا؟ الأصح الوجوب إذا لم يفحش بحيث ينفر التواق، وإلا وجب قطعا، وقال بعضهم: المستحب في حق المرأة النتف، لأن الحلق يكثر الشعر، وقال آخرون: الحلق أولى، لأن النتف يرخي المحل
وكذا التنوير والحلق يشده والعانة منبت الشعر فوق قبل المرأة، وذكر الرجل والشعر النابت عليها يقال له الأسب، والشعرة واستعان حلقه وله قصه ورجح النووي والجمهور أخذ ما عليها، وما حولها.стр. 165
وله إزالتها بما شاء (١) والتنوير فعله أحمد في العورة وغيرها (٢) ويدفن ما يزيله من شعر وظفر ونحوه (٣) ويفعله كل أسبوع يوم الجمعة قبل الزوال (٤) ولا يتركه فوق أربعين يوما (٥) وأما الشارب ففي كل جمعة (٦) . الحواشي
(١) أي إزالة الشعر النابت على العانة، ولو ذكره بضمير المذكر لكان أولى، وهو كذلك في نسخة بخط ابن عمير.(٢) من جسده مما له أخذه والتنوير الطلي بالنورة والنورة السمة أخلاط تضاف إلى الكلس من زرنيخ وغيره، وتستعمل لإزالة الشعر، وفعله النبي ﷺ رواه ابن ماجه.(٣) كدمه قيل لأحمد: يلقيه أم يدفنه؟ قال: يدفنه وقال كان ابن عمر يفعله.(٤) لما روي البغوي عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ كان يأخذ أظفاره وشاربه كل جمعة.(٥) قيل لأحمد: كم يترك؟ قال أربعين: وفي الصحيح عن أنس: وقت لهم في حلق العانة، ونتف الإبط ونحو ذلك أن لا يترك أكثر من أربعين يوما وليس المراد بالتأخير مطلقا، بل إن أخروها، فمتى طالت أخذوها، ويختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.(٦) قال أحمد: لأنه يصير وحشيا، ولا بأس بالحناء إذا اختضب به الرجل في
يديه ورجليه غير قاصد التشبه بالنساء، ولا يريد به الزينة، وقال الشيخ: هو بلا حاجة مختص بالنساء لأنه ﵊ إذا اشتكى شيئا خضبه بالحناء، ويحرم الوشم للعنه ﵊ الواشمة والمستوشمة.стр. 166
(ومن سنن الوضوء) وهي جمع سنة وهي في اللغة الطريقة (١) وفي الاصطلاح: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه (٢) وتطلق أيضا على أقواله وأفعاله وتقريراته ﷺ (٣) وسمي غسل الأعضاء على الوجه المخصوص وضوءا لتنظيفه المتوضئ وتحسينه (٤) (السواك) وتقدم أنه يتأكد فيه ومحله عند المضمضة (٥) . الحواشي
(١) والسيرة مرضية كانت أو غير مرضية، بتثليث السين وفتح النون وضمها، وقال الأزهري: الطريقة المحمودة المستقيمة. والسنة من الله حكمه وأمره ونهيه، أي شريعته جمعها سنن مثل غرفة وغرف.(٢) وفي التعريفات: هي الطريقة المسلوكة في الدين، من غير افتراض ولا جواب اهـ فالسنة ما واظب عليه النبي ﷺ مع الترك أحيانا.(٣) أي وتطلق السنة في الاصطلاح أيضا على أقوال النبي ﷺ مما أمر به، ونهى عنه، وندب إليه وأفعاله وتقريراته فإذا سكت عن إنكار فعل أو قول بحضرته أو زمنه عالما به دل على جوازه أو سنيته.(٤) المخصوص أي لا العام، والوجه المخصوص منه هو غسل الأعضاء الأربعة الوجه واليدين والرجلين بنية رفع الحدث.(٥) أي فالسواك من سنن الوضوء، قال في الإنصاف: بلا نزاع، والسواك مبتدأ مؤخر، وخبره ما تقدم من قوله: ومن سنن الوضوء.стр. 167
(وغسل الكفين ثلاثا) في أول الوضوء (١) ولو تحقق طهارتهما (٢) (ويجب) غسلهما ثلاثا بنية وتسمية (من نوم ليل ناقض لوضوء) لما تقدم في أقسام المياه (٣) . الحواشي
(١) أي: ومن سنن الوضوء غسل الكفين ثلاثا في أوله، لما رواه أحمد والنسائي عن أوس قال: رأيت النبي ﷺ توضأ فاستوكف ثلاثا، أي غسل كفيه ثلاثا، ولأن الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ ذكروا أنه يغسل كفيه ثلاثا في أوله، ولأنهما آلة نقل الماء إلى الأعضاء، ففي غسلهما احتياط لجميع الوضوء، وسميت الكف كفا لأنها تكف عن البدن الأذى.(٢) وإلا وجب غسلهما فعلى هذا يغسل يديه ثلاثا للنوم، وثلاثا لسنة الوضوء لظاهر الحديث، وقال غير واحد: يحتمل إنه إذا غسلهما ثم توضأ في الحين من غير فصل فقد حصل المقصود من غسلهما قبل الوضوء، والذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ لم يذكروا أنه غسل يديه بعد الغسل الأول، واختلفت عباراتهم في أول سنن الوضوء، فعبر بعضهم بالتسمية، وبعضهم بغسل الكفين، وآخرون بالنية، وآخرون بالسواك، وجمع الرملي بينهم بحمل الأولى على القولية، والثانية على الفعلية التي ليست منه، فيسمى الله ناويا الوضوء وغاسلا كفيه ثم يستاك.(٣) من حديث إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه الحديث ولفعله عليه الصلاةوالسلام كما ذكره من وصف وضوءه، وعنه سنة قال الشيخ: اختاره الخرقي وجماعة، واختاره الموفق والشارح وغيرهما لقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ شمل القائم من النوم، لا سيما وقد فسره زيد بن أسلم بالقيام من الليل، ولم يذكر سبحانه غسل اليدين، والأمر السابق للندب لأنه ﵊ علل بتوهم النجاسة، وذلك يقتضي الندبية لا الوجوب استصحابا للأصل.стр. 168
ويسقط غسلهما والتسمية سهوا (١) وغسلهما لمعنى فيهما (٢) فلو استعمل الماء ولم يدخل يده في الإناء لم يصح وضوءه وفسد الماء (٣) (و) من سنن الوضوء (البداءة) قبل غسل الوجه (بمضمضة ثم استنشاق) ثلاثا ثلاثا بيمينه (٤) . الحواشي
(١) فليس غسلهما شرطا لصحة الطهار، فيسقط سهو، وكذا جهلا، قياسا على واجب صلاة ولا يفسد ما حصل فيهما إذا للمشقة، وإذا تذكر في الأثناء لا يستأنف ولو أراد طهارة أخرى لم يجب، لأن غسلهما للقيام من النوم.(٢) أي غسل اليدين للنوم المذكور لمعنى في اليدين غير معقول لنا لا لإدخالهما الإناء.
وقال الشيخ: أو لخوف نجاسة تكون على اليد لقوله لا يدري أحدكم أين باتت يده فتكون علة من العلل، أو أنه من مبيت يده ملامسة للشيطان، كما في الصحيحين فإن الشيطان يبيت على خيشومه معللا بمبيته فقوله لا يدري أين باتت يده، يمكن أن يراد به ذلك، فتكون من العلل المؤثرة التي يشهد لها النص بالاعتبار.(٣) التقييد بالوضوء، جرى على الغالب، فلا مفهوم له، وفساد الماء هنا سلب طهوريته، فما حصل في يده قبل غسلها ثلاثا بنية من نوم ليل فسد، وإن لم يدخلها الإناء جزم به في الإقناع والمنتهى، وروي أنه لأجل إدخالها الإناء، فيصح وضوءه ولا يفسد الماء إذا استعمله من غير إدخال، وتقدم أنه لا يقتضي سلب طهورية الماء.(٤) البداءة بالضم ويكسر ويفتح وبدأ به ابتدأ وبدأه فعله ابتداء والبداءة بالشيء تقديمه على غيره، وبدأ الله الخلق وأبدأهم بمعنى، والمضمضة لغة التحريك، ومضمض الماء في الإناء حركه، واصطلاحا تحريك الماء في الفم، والاستنشاق من النشق، وهو جذب الماء ونحوه بريح الأنف إلى داخله، أي ومن سنن الوضوء تقديم المضمضة وهي بأن يجعل الماء في فيه ثم يدبره ثم يمجه وإن شاء ابتلعه ثم
الاستنشاق وهو إدخال الماء في أنفه، وجذبه بالنفس ليزول ما في الأنف، ثلاثا ثلاثا، أي يمضمض ثلاثا، ويستنشق ثلاثا، يجمع بينهما بثلاث غرفات، بكف واحد لحديث عبد الله بن زيد توضأ فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا بكف واحد، وحديث علي مضمض واستنشق ثلاثا بثلاث غرفات، وكونه بيمينه لحديث عثمان وغيره، ثم غرف بيمينه ثم رفعها إلى فيه، فمضمض واستنشق واستتر بيساره وكلها في الصحيحين وغيرهما.стр. 169
واستنثاره بيساره (١) (و) من سننه (المبالغة فيهما) أي في المضمضة والاستنشاق (٢) (لغير صائم) فتكره (٣) . الحواشي
(١) لحديث عثمان، ولحديث علي أنه نثر بيده اليسرى، فعل هذا ثلاثا، ثم قال: هذا وضوء النبي ﷺ والاستنثار لغة طرح الماء من الأنف بالنفس، من نثرت الشيء إذا طرحته أو من النثرة وهي طرف الأنف، وقيل الأنف كله، وشرعا طرح الماء من أنفه بنفسه بعد الاستنشاق مع وضع إصبعي يساره على أنفه، قال النووي: عند جماهير أهل الحديث واللغة والفقه.(٢) إلى أقاصيهما قال في المبدع: هذا قول عامة المتأخرين: وإنما لم يجب لسقوطها بصوم النقل، والواجب لا يسقط بالنفل، وعنه وجوب المبالغة فيهما على المفطر فتتأكد السنية.(٣) صرح به الموفق والشيخ وغيرهما، لحديث وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما، رواه الخمسة وصححه الترمذي والبغوي وغيرهما، وروي من طريق الثوري وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما ولأن المبالغة فيهما من جملة إسباغ الوضوء المأمور به، وقال النووي: المبالغة في المضمضة والاستنشاق سنة بلا خلاف اهـ ووجه الكراهة للصائم للنهي عنه، ولخشية أن ينزل إلى جوفه ما يفطره، وقال الشيرازي، لا تجوز وقال الشارح وغيره: لا تستحب لا نعلم فيه خلافا، والمبالغة في الأمر والاجتهاد، وبذل الوسع، من بالغ في الأمر يبالغ مبالغة، اجتهد ولم يقتصر والمبالغة وصف يزيد على ما في الواقع.стр. 170
والمبالغة في المضمضة إدارة الماء بجميع فمه (١) وفي الاستنشاق جذبه بنفسه إلى أقصى الأنف (٢) وفي بقية الأعضاء دلك ما ينبو عنه الماء للصائم وغيره (٣) (و) من سننه (تخليل اللحية الكثيفة) بالثاء المثلثة وهي التي تستر البشرة (٤) . الحواشي
(١) فلا يكفي وضع الماء فيه بلا إدارة، لأنه لا يسمى مضمضة والواجب الإدارة ولو ببعض الفم، قال النووي: والجمهور أن إدارة الماء في الفم لا تلزم.(٢) لحديث استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما فقوله: بالغتين أو ثلاثا، أي أنهما في أعلى نهاية الاستنثار، والواجب جذب الماء إلى باطن الأنف، وإن لم يبلغ أقصاه، ولا يكفي وضعه في أنفه بدون جذب، فإنه لا يسمى استنشاقا.(٣) دلك الشيء يدلكه دلكا مرسه وفركه ودعكه، من باب نصر، أي يعركها به، وينبو يتجافى ويتباعد، أي والمبالغة في بقية الأعضاء ذلك ما يتباعد عنه الماء، والمراد إمرار اليد على العضو احتياطا، ولعله مالم يتحقق عدم وصول الماء إليه، وإلا كان الدلك واجبا، لا مستحبا فقط، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأخرج الخمسة وغيرهم وصححه الترمذي وغيره أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، أي عمم الأعضاء، واستوعبها.
ومنه: ثوب سابغ ودرع سابغة، وفي هذا الحديث وغيره مشروعية الإسباغ، والمراد الإنقاء، واستكمال الأعضاء وفي الحديث إسباغا الوضوء شطر الإيمان، رواه أحمد والنسائي وابن ماجة، وذلك لأن الإيمان يطهر نجاسة الباطن، والوضوء يطهر نجاسة الظاهر.(٤) أي الغليظة واللام مكسورة وجمعها لحى ولحى، بالكسر والضم، وتخليلها تفريق شعرها، أي وإسالة الماء بينها، وأصله من إدخال الشيء في خلال الشيء وهو وسطه ومن تخلل الشيء نفذ فيه، لحديث أنس مرفوعا، كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فجعله تحت حنكه، وخلل به لحيته وقال هكذا أمرني
ربي رواه أبو داود وروي ابن ماجه والترمذي وصححه أنه كان يخلل لحيته، قال ابن القيم: وكان يخلل لحيته أحيانا، ولم يكن يواظب على ذلك، وقال أحمد: ليس في تخليل اللحية شيء صحيح.
وقال ابن أبي حاتم: لا يثبت فيه عن النبي ﷺ شيء وأما الخفيفة وهي التي لا تستر البشرة يعني ظاهر الجلد فيجب إيصال الماء لما تحتها قولا واحدا.стр. 171
فيأخذ كفا من ماء يضعه من تحتها بأصابعه مشتبكة، أو من جانبيها ويعركها (١) وكذا عنفقة (٢) وباقي شعور الوجه (٣) (و) من سننه تخليله الأصابع أي أصابع اليدين والرجلين (٤) . الحواشي
(١) أي وصفه التخليل أن يشبك لحيته بأصابعه ويعركها، لحديث ابن عمر: عرك عارضيه بعض العرك، ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها، من عركت الشيء إذا دلكته بيديك ويكون ذلك عند غسلهما لحديث عثمان وخلل لحيته حين غسل وجهه، وقال: رأيته فعل الذي رأيتموني فعلت. صححه الترمذي.
وقوله: فيأخذ كفا من ماء، لحديث أنس المتقدم، ولكن في الصحيح عن ابن عباس أنه ﷺ توضأ فغسل وجهه، الحديث ولم يذكر أنه أخذ لها ماء، وإن شاء عركها إذا مسح رأسه نص عليه.(٢) أي يعركها والعنفقة بعين مهملة مفتوحة، فنون ساكنة، ففاء مفتوحة ثم قاف، فهاء شعيرات بين الشفة السفلى والذقن، قيل لها ذلك لخفتها وقلتها وربما أطلقت العنفقة على موضع تلك الشعيرات وجمعها عنافق.(٣) كالحاجب والشارب وأهداب العينين، يخللها إذا كانت كثيفة، ويجزئ غسل ظاهره.(٤) لحديث لقيط وخلل بين الأصابع، صححه الترمذي وغيره، وقال: العمل عليه عند أهل العلم أن يخلل أصابع رجليه في الوضوء وقيل: لا خلاف في
مسنونية تخليل أصابع الرجلين، وفي أصابع اليدين روايتان أشهرهما يسن، لعموم حديث لقيط، ولقوله ﷺ إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك رواه أحمد وابن ماجه، وحسنه البخاري والترمذي والرواية الثانية لا يسن إذ تفريجها يغني عن تخليلها قال الشارح: والأول أولى، وقال ابن القيم: وكان ﷺ يخلل الأصابع، ولم يكن يواظب على ذلك، وما رواه أهل السنن أنه إذا توضأ يدلك أصابعه بخنصره إن ثبت فإنما يفعله أحيانا، ولهذا لم يروه الذين اعتنوا بضبط وضوئه اهـ، والأحاديث الواردة في التخليل في أسانيدها مقال. ولكن لا تقصر عن إثبات استحباب التخليل، لا السنية، لعدم ثبوت المواظبة وقيل: المراد بالأمر إيصال الماء إلى ما بينها وهو واجب.стр. 172
قال في الشرح: وهو في الرجلين آكد (١) ويخلل أصابع رجليه بخنصر يده اليسرى من باطن رجله اليمنى، من خنصرها إلى إبهامها (٢) وفي اليسرى بالعكس (٣) وأصابع يديه إحداهما بالأخرى (٤) . الحواشي
(١) للآثار ولأنها ألصق من أصابع اليدين، وفي الإنصاف: يستحب بلا نزاع.(٢) لحديث المستورد رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ دلك أصابع رجليه بخنصره رواه أهل السنن وحسنه الترمذي، والبداءة بخنصرها ليحصل التيامن في التخليل.(٣) أي من إبهامها إلى خنصرها.(٤) أي يخلل أصابع يديه، إحدى يديه يخللها بالأخرى، وإذا كان في إصبعه خاتم فلم يصل الماء إلى ما تحته وجب إيصال الماء إلى ما تحته بتحريكه، أو خلعه، وإن تحقق وصوله استحب تحريكه لفعل علي وابن عمر. وروي أنه ﷺ إذا توضأ حرك خاتمه وسنده ضعيف.стр. 173
فإن كانت أو بعضها ملتصقة سقط (١) (و) من سننه (التيامن) بلا خلاف (٢) (وأخذ ماء جديد للأذنين) بعد مسح رأسه (٣) . الحواشي
(١) أي التخليل بين الملتزقة لعدم إمكانه.(٢) وحكاه الموفق والنووي وجمع وقالوا: ليس بواجب بالإجماع، وأجمعوا على أنه لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه، والتيامن البداءة باليمين في غسلها قبل اليسار ونحو ذلك، وفي الصحيحين كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهور وفي شأنه كله وفي السنن وصححه ابن خزيمة إذا توضأ أحدكم فليبدأ بيمينه واليمين من نوافل الخير، فلا يختص ذلك بالوضوء، بل يستحب الابتداء باليمين في كل أفعال الخير، فإن قاعدة الشرع أن ما كان من باب التشريف والتكريم يندب فيه التيامن، وما كان بضده يندب فيه التياسر.(٣) يعني خلاف الماء الذي مسح به رأسه. لما روى البيهقي أنه ﷺ أخذ ماء لأذنيه غير الماء الذي أخذ لرأسه وهذا مذهب مالك والشافعي وعنه: لا يستحب أن يأخذ ماء جديدا لأذنيه، بل يمسحان بماء الرأس، وفاقا لأبي حنيفة، واختاره القاضي وأبو الخطاب والمجد والشيخ وغيرهم، وقال ابن القيم: لم يثبت أنه ﷺ أخذ لهما ماء جديدا، قال ابن دقيق العيد: الذي في ذلك الحديث، ومسح رأسه بماء غير فضل يديه. قال الحافظ: وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، وهو المحفوظ. وهو في صحيح ابن حبان. وفي رواية الترمذي وقال: العمل عليه عند أكثر أهل العلم. وما ذكره رواة حديث صفة الوضوء أنه مسح رأسه وأذنيه مرة واحدة، ظاهر في أنه بماء واحد، وكذا حديث الأذنان من الرأس، يعني فلا حاجة إلى أخذ ماء منفرد لهما كما لا يؤخذ ماآن لعضو واحد، والأذن بضم الذال ويجوز إسكانها، مشتقة من الأذن بفتح الهمزة والذال، وهو الاستماع.стр. 174
ومجاوزة محل الفرض (١) (و) من سننه (الغسلة الثانية والثالثة) (٢) وتكره الزيادة عليها (٣) . الحواشي
(١) أي ومن سننه مجاوزة محل الفرض، وهو مذهب الشافعية، لما روى مسلم من حديث أبي هريرة غسل يده حتى أشرع في العضد وقال في الرجل: حتى أشرع في الساق، ثم قال قال رسول الله ﷺ «أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء» ولهما «إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء» .
قال أبو هريرة: فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل، وقوله: أشرع أي أدخل الغسل فيهما، والغرة بياض وجوههم باتفاق أهل اللغة وغيرهم. والتحجيل بياض مواضع الوضوء من الأيدي والأرجل، سمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلا تشبيها بغرة الفرس، وعنه: لا تستحب الزيادة على محل الفرض، وهو مذهب مالك.
قال أحمد: لا يغسل ما فوق المرفق، قال في الفائق: لا تستحب الزيادة على محل الفرض في أنص الروايتين، اختاره شيخنا وقال ابن القيم: ولم يثبت أنه تجاوز المرفقين والكعبين، وقال ابن بطال المكي: أجمع المسلمون على أن الوضوء لا يتعدى به ما حد الله ورسوله، ولم يجاوز رسول الله ﷺ قط مواضع الوضوء فيما بلغنا.(٢) لحديث مرتين مرتين رواه البخاري وثلاثا ثلاثا رواه مسلم وهي سنة بلا نزاع قال القاضي وغيره: الأولى فريضة والثانية فضيلة، والثالثة سنة وفي المستوعب إذا قيل أي موضع تقدم فيه الفضيلة على السنة؟ فقل: هنا.(٣) أي الثلاث. لحديث عمرو بن شعيب أراه ثلاثا ثلاثا وقال: من زاد فقد أساء وظلم رواه أهل السنن إلا ابن ماجه، قال الحافظ: من طرق صحيحة وقال ابن القيم: لم يتجاوز الثلاث قط، وقال البخاري: وكره أهل العلم الإسراف فيه. وأن يجاوز فعل النبي ﷺ وحكى النووي وغيره الإجماع
على كراهة الزيادة على الثلاث إذا عمم في كل مرة العضو وحملوه على كراهة التحريم، وعبروا بعدم الجواز.
وقال البغوي وغيره: حرام، وقال ابن بشير المالكي، الرابعة ممنوعة إجماعا، ولأبي داود وغيره بإسناد صحيح سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء، وقال غير واحد، إذا زاد على الثلاث فقد ارتكب المكروه، ولا يبطل وضوءه إجماعا.стр. 175
ويعمل في عدد الغسلات بالأقل (١) ويجوز الاقتصار على الغسلة الواحدة (٢) والثنتان أفضل منها (٣) والثلاث أفضل منهما (٤) ولو غسل بعض أعضاء الوضوء أكثر من بعض لم يكره (٥) ولا يسن مسح العنق (٦) . الحواشي
(١) كما لو غسل عضوا مرتين وشك في الثالثة عمل بالأقل وجعلها اثنتين.(٢) إجماعا لحديث: توضأ مرة مرة وتجزئ إجماعا، حكاه ابن جرير وغيره.(٣) أي من الواحدة إجماعا.(٤) أي من الثنتين وأكمل، والغسلة التي تحسب من الثلاث هي البالغة، فلو لم يسبغ إلا بغرفات فهي واحدة، ويجب ترك التثليث لضيق الوقت، وقلة الماء واحتياج إلى الفاضل لعطش محترم ويسن ترك ذلك لإدراك جماعة، ما لم يرج أخرى ومن سننه تقديمه على الوقت لغير معذور، وصلاة ركعتين، وغير ذلك.(٥) إجماعا لورود غسل بعضها مرتين، وبعضها ثلاثا، في الأحاديث الصحيحة.(٦) قال النووي: بدعة وحديثه موضوع، وقال ابن القيم: لم يصح فيه حديث البتة وقال الشيخ: لم يصح أنه ﷺ مسح على عنقه ولهذا لم يستحب مسح العنق جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد، وذكر أن من
استحبه إنما اعتمد على أثر يروى عن أبي هريرة وحديث يضعفه نقله، ومثل ذلك لا يصلح عمدة ولا يعارض به ما دلت عليه الأحاديث.стр. 176
ولا الكلام على الوضوء (١) . الحواشي
(١) أي لا يسن الكلام على الوضوء بل يكره، قال في الإنصاف، وهو الصحيح من المذهب، وقال جماعة من الأصحاب يكره، قال في الفروع: بغير ذكر الله، كما صرح به جماعة، وظاهر كلام الأكثر لا يكره السلام عليه، ولا رده، وفي عطف المصنف إيهام، فلو قال: يسن ترك الكلام على الوضوء، لكان أولى وجهه أنه عبادة فناسب ترك الكلام على الوضوء من غير حاجة، وهذه العبارة ونحوها أنه قبيل الباب أو الكتاب من رعاية التناسب وحسن الختام، ومن سنن الوضوء استقبال القبلة قال في الفروع وغيره، وهو متجه في كل طاعة إلا لدليل كالخطبة.стр. 177
باب فروض الوضوء وصفته (١)
الفرض يقال لمعان، منها الحز والقطع (٢) . الحواشي
(١) لما ذكر الماء الذي تحصل به الطهارة وآنيته وأردفه بالاستنجاء ثم بالسواك، أتبع ذلك بالكلام على مقاصد الطهارة، وبدأ بالوضوء لتكرره، ولأنه مطلوب مطلقا لكل صلاة، وهو من أعظم شروط الصلاة، وفي الصحيحين لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ولمسلم: لا يقبل الله صلاة بغير طهور، وله أيضا: الطهور شطر الإيمان، والأصل في الوضوء الكتاب والسنة والإجماع، والوضوء بضم الواو فعل المتوضئ، وهو إمرار الماء على أعضائه من الوضاءة أي النضارة والحسن والنظافة، ووضوء الشيء يوضئ وضوءا ووضاءة صار نضرا حسنا نظيفا، لأنه ينضره ويحسنه وينظفه، وبفتحها الماء يتوضأ به، وحكي الضم والفتح فيهما، والأول هو المعروف في اللغة، وعبر بالفرض هنا، وفي الصلاة بالركن، لأن الصلاة لما امتنع تفريق النية على أفعالها كانت حقيقة واحدة مركبة من أجزاء فناسب عد أجزائها أركانا، بخلاف الوضوء، لما كان كل جزء منه مستقلا بلا تركيب عبر فيه بالفرض، وصفة الوضوء كيفية الكامل منه والمجزئ.(٢) أي الفرض شيء لازم للعبد كلزوم الحز للشيء، والقطع كالتفريض، وهو التحريز ومصدر بمعنى المفروض ومنه (فمن فرض فيهن الحج) فكل واجب موقت فهو مفروض، وفرض الله الصلاة وغيرها أوجبها، وفرض يفرض فرضا وقت. وفي القاموس: الفرض التوقيت، والحز في الشيء، كالتفريض، وفي المصباح اشتقاق الفرائض من الفرض الذي هو التقدير، لأن الفرائض مقدرات والفرض ما أوجبه الله تعالى، سمي بذلك لأن له معالم وحدودا، وقال تعالى (نصيبا مفروضا) أي محدودا وفي المطلع: ما كان فعله راجحا على تركه مع
المنع من تركه مطلقا اهـ ويطلق الفرض شرعا على معنى آخر، وهو ما تتوقف عليه صحة العبادة، وجواز الإتيان بها، وقال ابن عقيل والموفق وغيرهما، الفرض هو الواجب على إحدى الروايتين، وهو قول الشافعي: والثانية هو آكد من الواجب فقيل هو اسم لما يقطع بوجوبه، كمذهب أبي حنيفة، وقيل ما لا يسامح في تركه عمدا ولا سهوا، نحو أركان الصلاة، قالت الحنفية: الفرض ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني، والنزاع لفظي، وتأكد الفرض، على الواجب شرعا ظاهر موافق لمقتضاه لغة.стр. 178
وشرعا: ما أثيب فاعله وعوقب تاركه (١) والوضوء استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة (٢) على صفة مخصوصة (٣) . الحواشي
(١) قولهم: شرعا. إخراج للشيء عن المعنى اللغوي إلى الحقيقة الشرعية، وهي ماتلقي معناها عن الشارع، وإن لم يتلق عن الشارع سمي اصطلاحا وعرفا.(٢) المعهود لأهل الشرع على سبيل الغسل والمسح، والأربعة هي الوجه واليدان والرأس والرجلان، قال الشيخ: ولم يرد الوضوء، بمعنى غسل اليد والفم إلا في لغة اليهود.(٣) في الشرع. بأن يأتي بها مرتبة متوالية مع باقي الفروض والشروط وما يجب اعتباره، واختصت هذه الأعضاء الأربعة به، لأنها أسرع ما يتحرك من البدن للمخالفة، ورتب غسلها على ترتيب سرعة حركتها في المخالفة، تنبيها بغسلها ظاهرا على تطهيرها باطنا، وأخبر ﷺ أنه كلما غسل عضوا منها حط عنه كل خطيئة أصابها بذلك العضو، وأنها تخرج خطاياه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء وإن وضع وجهه لله خرج من خطاياه كيوم ولدته أمه، ثم أرشد بعدها إلى تجديد الإيمان بالشهادتين، وقال بعد آية الوضوء ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ فوضع تعالى الشرائع لمصالح العباد، في العاجل والمعاد، وأخبر ﷺ أنه لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.стр. 179
وكان فرضه مع فرض الصلاة كما رواه ابن ماجه، ذكره في المبدع (١) . الحواشي
(١) ولفظه أن جبريل علم النبي ﷺ الوضوء عند نزوله عليه بالوحي، وهو من طريق رشدين بن سعد، وأخرجه أحمد من طريق ابن لهيعة والطبراني من طريق الليث موصولا، والشارح نبه على ذلك، لأنه قد يفهم أن الصلاة إذ ذاك بلا وضوء إلى وقت نزول آية المائدة، مع أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء، فعلى هذا تكون آية: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ إلى آخرها مقررة للحكم الثابت، لا مؤسسة لأنها مدنية والوضوء فرض مع الصلاة بمكة وصلى بها ﷺ ثلاث سنين قبل الهجرة، وكذلك أصحابه، قال ابن المنذر: معلوم عند جميع أهل السير أنه ﷺ افترض عليه بمكة الصلاة والغسل من الجنابة، ومعلوم أن الغسل من الجنابة لم يفرض قبل فرض الوضوء، وأنه لم يصل قط بمكة صلاة إلا بوضوء اهـ
وأخرج الحاكم أن فاطمة دخلت على النبي ﷺ وهي تبكي، فقال: إن هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك، فقال ائتوني بوضوء فتوضأ، قال الحاكم: وهذا يصح ردا على من أنكر وجوده قبل الهجرة اهـ، وهو أيضا شرع لمن قبلنا، لما روى الإمام أحمد وغيره أنه قال ﵊ هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، وفي البخاري فتوضأ وصلى، ومن قصة سارة مع الملك لما هم بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي. وجاء في قصة جريج الراهب أنه قام فتوضأ. قال النووي فهو حجة على أن الوضوء كان في غير هذه الأمة، وإنما اختصت بالغرة والتحجيل. وقال الشيخ: الوضوء من خصائص هذه الأمة، كما جاءت الأحاديث الصحيحة أنهم يبعثون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء، وأن الرسول ﷺ يعرفهم بهذه السيماء، فدل على أنه لا يشاركهم فيها غيرهم. وقال فيما رواه ابن ماجه: ضعيف عند أهل العلم بالحديث، لا يجوز الاحتجاج بمثله، وليس له عند أهل الكتاب خبر عن
أحد من الأنبياء أنه كان يتوضأ وضوء المسلمين بخلاف الاغتسال من الجنابة فإنه كان مشروعا قبل.стр. 180
(فروضه ستة) أحدها (غسل الوجه) (١) لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٢) (والفم والأنف منه) أي من الوجه لدخولهما في حده (٣) فلا تسقط المضمضة ولا الاستنشاق في وضوء ولا غسل لا عمدا ولا سهوا (٤) . الحواشي
(١) إجماعا، والغسل في الأصل من: غسل الشيء، سال، بالفتح، وغسله يغسله غسلا طهره بالماء، وأزال الوسخ ونحوه عنه، بإجراء الماء عليه، فهو غاسل، والوجه في الأصل من المواجهة، وإضافة الغسل إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله، والفاعل محذوف أي غسل المتوضئ وجهه، ويرد عليه أن يكون صفة للفاعل وهو غير شرط، إذ لو أصابه الماء من غير فعل كفى.(٢) أي إذا قمتم إلى الصلاة، وأنتم على غير طهر ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ بالماء فشرع غسله الذي نظافته ووضاءته عنوان على نظافة القلب، ويستب عند كل صلاة للآية، وللأمر به، وتجديده كل صلاة مستحب إجماعا، وتجوز الصلوات كلها بوضوء واحد.(٣) وكونهما في حكم الظاهر بدليل غسلهما من النجاسة، وفطر الصائم بعود القيء بعدوصوله إليهما وأنه لا يفطر بوصول شيء إليهما.(٤) لما في الصحيحين من توضأ فليستنشق، ولقوله: استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا، قال أحمد: وأنا أذهب إليه، لأمر النبي ﷺ وفي الصحيحين عن ابن عباس، أنه توضأ فغسل وجهه أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنثر الحديث وفيه ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يعني يتوضأ وللدارقطني بسند جيد عن أبي هريرة قال: أمرنا النبي ﷺ بالمضمضة والاستنشاق ولغيرهما من الأحاديث، وكل من وصف وضوءه ﷺ على الاستقصاء لم يقل إنه ترك الاستنشاق ولا المضمضة وفعله إذا خرج بيانا كان حكمه حكم ذلك المبين، وتجب الموالاة بينهما وبين بقية الأعضاء، وعنه أنهما سنة، وفاقا لمالك والشافعي، لقوله: توضأ كما أمرك الله، قال ابن المنذر: لا خلاف في أن تاركهما لا يعيد اهـ، والمشهور الأول: لأن الله أمر بغسل الوجه وأطلق، وفسره رسول الله ﷺ بفعله وتعليمه، ولم ينقل أنه أخل بذلك، مع اقتصاره على المجزئ، وقوله هذا الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به، ولأنهما في حكم الظاهر كما تقدم، وعليه لا يسقطان ولو سهوا، وأما الغسل فأجمعوا على أن الوضوء معه غير واجب، والمضمضة والاستنشاق من توابعه.следующие страницы →