Полный текст (4 103 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
ويجزئه الاستفتاح الأول (١) فإن رجع إلى الأولى عالمًا عمدًا بطلت صلاته (٢) (و) إن ذكر ما تركه (قبله) أي قبل الشروع في قراءة الأخرى (يعود وجوبا فيأتي به) أي بالمتروك (٣) (وبما بعده) (٤) لأن الركن لا يسقط بالسهو، وما بعده قد أتى به في غير محله (٥) فإن لم يعد عمدًا بطلت صلاته (٦) . الحواشي
(١) نص عليه في رواية الأثرم.(٢) أي: فإن رجع من ترك ركنًا إليه بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى، عالمًا بتحريم الرجوع، عامدًا بطلت صلاته لأن رجوعه بعد شروعه في مقصود القيام وهو القراءة إلغاء لكل من الركعتين، وإن رجع ناسيًا أو جاهلاً لم تبطل، ولم يعتد بما يفعله في الركعة التي تركه منها، لأنها فسدت بشروعه في قراءة غيرها، فلم تعد إلى الصحة بحال.(٣) لكون القيام غير مقصود في نفسه، لأنه يلزم منه قدر القراءة الواجبة، وهي المقصودة، ولأنه ذكره في موضعه كما لو ترك سجدة من الركعة الأخيرة فذكرها قبل السلام، فإنه يأتي بها في الحال.(٤) أي ويأتي بما بعد المتروك من الأركان والواجبات لوجوب الترتيب.(٥) لأن محله بعد الركن المنسي، فلو ذكر الركوع وقد جلس عاد فأتى به وبما بعده، وإن سجد سجدة ثم قام، فإن جلس للفصل سجد الثانية ولم يجلس، وإلا جلس ثم سجد الثانية.(٦) أي: فإن لم يعد إلى الركن المتروك من ذكره قبل شروعه في قراءة الأخرى عالما بالتحريم عمدًا بطلت صلاته، قال في الإنصاف، بلا خلاف أعلمه، لأنه ترك كرنًا يمكنه الإتيان به في محله عمدا.стр. 737
وسهوًا بطلت الركعة، والتي تليها عوضها (١) (وإن علم) المتروك (بعد السلام فكترك ركعة كاملة) (٢) فيأتي بركعة ويسجد للسهو ما لم يطل الفصل (٣) ما لم يكن المتروك تشهد أخيرًا (٤) أو سلاما فيأتي به ويسجد ويسلم (٥) ومن ذكر ترك ركن وجهله أو محله عمل بالأحوط (٦) وإن نسي التشهد الأول، وحده أو مع الجلوس له (٧) . الحواشي
(١) أي: وإن لم يعد سهوا أو جهلا بطلت الركعة المتروك ركنها بشروعه في قراءة ما بعدها، والتي تليها عوضها، وكذا الثانية كما تقدم، والجهل والنسيان في هذه المسألة والتي قبلها واحد، وهو أنه يعذر في كل منهما في عدم البطلان.(٢) لأن الركعة التي لغت بتركه ركنها غير معتد بها، فوجودها كعدمها.(٣) عرفًا وفاقًا، ولو انحرف عن القبلة، أو خرج من المسجد، نص عليه، وإن طال الفصل، أو أحدث أو تكلم بما يبطلها بطلت، لفوات الموالاة.(٤) فيأتي به ويسجد ويسلم.(٥) ولا يكون كترك ركعة.(٦) أي: ومن ذكر أنه ترك ركنا وجهله هل هو ركوع أو سجود؟ فالأحوط أن يجعله ركوعا ليأتي به وبما بعده، أو محله، وهو ما إذا تيقن ترك ركن وجهل هل هو في الركعة الأولى أو الثانية؟ فالأحوط أن يجعله من الأولى ليلغيها وتقوم الثانية مقامها، وكذا كل ما تيقن إتمام صلاته، لئلا يخرج منها وهو شاك فيها، ولأبي داود «لا إغرار في صلاة» ، قال أحمد: لا يخرج منها إلا على يقين أنها تمت.(٧) بأن جلس ولم يتشهد، أو لم يجلس ولم يتشهد سجد للسهو، لما في الصحيحين أنه قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما فلما قضى صلاته سجد سجدتين ثم سلم.стр. 738
(ونهض) للقيام (لزمه الرجوع) إليه (١) (ما لم ينتصب قائما (٢) فإن استتم قائما كره رجوعه) (٣) لقوله ﷺ : «إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائما فليجلس، فإن استتم قائما فلا يجلس، وليسجد سجدتين» رواه أبو داود وابن ماجه من حديث المغيرة بن شعبة (٤) . الحواشي
(١) أي: إلى التشهد والإتيان به جالسا، لتدارك الواجب، ويتابعه مأموم ولو اعتدل.(٢) لأنه أخل بواجب وذكره قبل الشروع في ركن، فلزمه الإتيان به كما لو لم تفارق ركبتاه الأرض، قال في الإنصاف: لا أعلم فيه خلافا، فإن لم يرجع عالمًا تحريمه بطلت في ظاهر كلامهم، وإن فارقت أليتاه عقبيه لزمه السجود للسهو، وإلا فلا.(٣) أي إذا بلغ حده الذي ينتهي إليه في القيام، بخلاف ما إذا لم يصل إلى ذلك لقلة ما فعله، وإنما جاز رجوعه لأنه لم يتلبس بركن مقصود في نفسه، ولهذا جاز تركه عند العجز عنه، بخلاف غيره من الأركان.(٤) من حديث الجعفي، ورواه أحمد والترمذي وصححه عن زياد بن علاقة، قال: صلى بنا المغيرة فنهض في الركعتين.
فقلت: سبحان الله سبحان الله، ومضى، فلما أتى صلاته وسلم سجد سجدتي السهو، فلما انصرف قال: رأيت رسول الله عليه وسلم يصنع كما صنعت، وللحاكم نحوه من رواية سعد بن أبي وقاص ومن رواية عقبة بن عامر، وقال: هما صحيحان على شرط مسلم، قال أبو داود: وفعل سعد بن أبي وقاص مثل ما فعل المغيرة، وعمران بن حصين والضحاك بن قيس ومعاوية بن أبي سفيان، وابن عباس أفتى بذلك، وعمر بن عبد العزيز قال: وهذا فيمن قام من ثنتين يعني من غير تشهد وجلوس، وروى البيهقي وغيره عن أنس أن النبي ﷺ تحرك للقيام في الركعتين الأخيرتين من العصر فسبحوا به فقعد، ثم سجد للسهو، قال الحافظ: رجاله ثقات، وقال بعض أهل العلم: لا يسجد للحديث الصحيح «لا سهو في وثبه من الصلاة إلا قيام عن جلوس، أو جلوس عن قيام» ، وهو مذهب أبي حنيفة، وصححه النووي وغيره: وانتصب أي ارتفع ويقال إذا قام رافعًا رأسه.стр. 739
(وإن لم ينتصب قائمًا لزمه الرجوع) مكرر مع قوله: لزمه الرجوع ما لم ينتصب قائمًا (١) (وإن شرع في القراءة حرم) عليه (الرجوع) (٢) لأن القراءة ركن مقصود في نفسه بخلاف القيام (٣) فإن رجع عالمًا عمدًا بطلت صلاته (٤) . الحواشي
(١) لأن المعنى واحد.(٢) وفاقا لظاهر النهي، فإن في حديث المغيرة وغيره حجة قاطعة، مع أن من استتم قائما لا يجلس، لتلبسه بفرض فلا يقطعه، وكما لا يرجع إذا شرع في الركوع وكل ذكر واجب.(٣) فليس مقصودا في نفسه بل لغيره، ومن لم يحسن من الذكر شيئا وقف بقدر الفاتحة.(٤) لزيادته فعلاً من جنسها، عالماً بتحريمه ذاكرا، أنه في صلاة، رواية واحدة، قطع به الموفق وغيره، أشبه ما لو زاد ركوعًا، ولا يلزمه الرجوع إن سبحوا به بعد قيامه، وإن سبحوا به قبل قيامه ولم يرجع تشهدوا لأنسفهم، ولم يتابعوه لتركه واجبا وإن رجع قبل شروعه في القراءة لزمهم متابعته، ولو شرعوا فيها، لا إن رجع بعد لخطئه، وينوون مفارقته وجوبا، وإلا بأن تابعوه بطلت صلاتهم وصلاته، هذا إن كان عالما بأن نبهوه على عدم الرجوع بخلاف ما إذا جهل وجهلوا.стр. 740
لا ناسيا أو جاهلا (١) ويلزم المأموم متابعته (٢) وكذا كل واجب (٣) فيرجع إلى تسبيح ركوع وسجود قبل اعتدال لا بعده (٤) (وعليه السجود) أي سجود السهو للكل أي كل ما تقدم (٥) (ومن شك في عدد الركعات) بأن تردد أصلى اثنتين أم ثلاثا مثلا؟ أخذ بالأقل لأنه المتيقن (٦) . الحواشي
(١) أي: لا إن رجع بعد شروعه في القراءة ناسيًا أو جاهلاً فلا تبطل، ولم يعتد بتلك الركعة التي رجع إليها لحديث «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان» وجهله يكثر، ولا يمكن تكليف أحد تعلمه، ومتى علم صحة ذلك وهو في التشهد نهض ولم يتمه.(٢) أي متابعة الإمام في قيامه إذا قام ناسيًا التشهد الأول ولم ينبه حتى شرع في القراءة أو بعد أن استتم لحديث «إنما جعل الإمام ليؤتم به» ، ولأنه ﵊ لما قام من التشهد قام الناس معه، ولحديث المغيرة، وحديث ابن بحينة لما قام سبحوا به، فأشار إليهم أن قوموا، وفعله جماعة من الصحابة، ومتى مضى مصل في موضع يلزمه الرجوع، أو رجع في موضع يلزمه المضي، عالما بتحريمه بطلت، كترك الواجب عمدًا، وإن فعله يعتقد جوازه لم تبطل، كترك الواجب سهوا.(٣) أي: وكترك تشهد أول ناسيًا ترك كل واجب سهوا.(٤) أي لا يرجع إلى تسبيح ركوع وسجود بعد الاعتدال، لأن محل التسبيح ركن وقع مجزئًا صحيحًا، ولو رجع إليه كان زيادة في الصلاة، فإن رجع بعد اعتداله عالماً بالتحريم عمدًا بطلت صلاته، لا ناسيًا أو جاهلاً.(٥) من الصور المذكورة لحديث المغيرة وغيره، فإن فيه حجة قاطعة على أن من قام من ثنتين ولم يجلس ولم يتشهد عليه أن يسجد سجدتي السهو، والسجود في هذه الصورة لا نزاع فيه.(٦) إشارة إلى أنه لا اقتصار على ما مثل فلو تردد أصلي ثلاثا أم أربعا؟ أخذ
بالأقل وهو الثلاث ونحو ذلك وكذلك السجدات وفاقا لمالك والشافعي لحديث عبد الرحمن بن عوف، «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة أو اثنتين فليجعلهما واحدة، وإن لم يدر ثنتين أو ثلاثا؟ فليجعلهما ثنتين» الحديث رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه، ولحديث أبي سعيد قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن صلاته، وإذا كان صلى تمام الأربع كان ترغيما للشيطان» ، رواه مسلم،، ولأن الأصل عدم ما شك فيه.
وقال النووي: من شك ولم يترجح له أحد الطرفين بين على الأقل بالإجماع بخلاف من غلب على ظنه أنه صلى أربعا مثلا اهـ وعنه يبني على غالب ظنه، اختاره الخرقي والشيخ وغيرهما، وقال: على هذا غالب أمور الشرع، وهي المشهورة عن أحمد وروي عن علي وغيره، وهو مذهب أصحاب الرأي، لما في الصحيحين عن ابن مسعود «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم يسجد سجدتين» وللبخاري «بعد التسليم» وفي لفظ «فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب» ، وفي رواية فليتحر «أوفي الذي يرى أنه الصواب» رواه أبو داود، وقال أبو الفرج: التحري سائغ في الأقوال والأفعال اهـ ويحمل ما تقدم على استواء الأمرين، فإنه لا خلاف إذا في البناء على اليقين، والسجود للشك هو القسم الثالث مما يشرع له السجود في بعض صوره.стр. 741
ولا فرق بين الإمام والمنفرد (١) ولا يرجع مأموم واحد إلى فعل إمامه (٢) . الحواشي
(١) وعنه يبني الإمام على غالب ظنه، إن كان المأموم أكثر من واحد، لأنه يبعد غلطه، إذ وراءه من ينبهه، فمتى سكتوا عنه علم أنه على الصواب، فهو أولى بالبناء على غالب ظنه من المنفرد.(٢) لاحتمال السهو منه، بل يبني على اليقين كالمنفرد.стр. 742
فإذا سلم إمامه أتى بما شك فيه وسجد وسلم (١) وإن شك هل دخل معه في الأولى أو في الثانية؟ جعله في الثانية، لأنه المتيقن (٢) وإن شك من أدرك الإمام راكعا أرفع الإمام رأسه قبل إدراكه راكعا أم لا؟ لم يعتد بتلك الركعة، لأنه شاك في إدراكها (٣) ويسجد للسهو (٤) (وإن شك) المصلي (في ترك ركن فكتركه) أي فكما لو تركه، يأتي به وبما بعده (٥) . الحواشي
(١) أي أتى بما شك فيه مع إمامه ليخرج من الصلاة بيقين، وسجد للسهو وسلم، ليجبر ما فعله مع الشك، وإن كان معه غيره وشك رجع إلى فعل إمامه، لأنه يبعد خطأ اثنين وإصابة واحد، وهذا التفريع على المذهب، وتقدم أنه يبني على غالب ظنه، وقال في المبدع، وأما المأموم فيتبع إمامه مع عدم الجزم بخطئه. وإن جزم بخطئه لم يتبعه ولم يسلم قبله.(٢) وتقدم أنه قول الجمهور، ويقضي ركعة إذا سلم إمامه احتياطا ويسجد للسهو.(٣) فيأتي ببدلها لاحتمال رفعه من الركوع قبل إدراكه فيه محرما به بعده.(٤) لخبر «إذ شك أحدكم في صلاته فليسجد سجدتين» الحديث متفق عليه وليجبر ما فعله مع الشك، فإن نقص في المعنى.(٥) لأن الأصل عدمه، وليخرج منها بيقين، وقال ابن تميم وغيره، لو جهل عين الركن المتروك بنى على الأحوط، فإن شك في القراءة والركوع جعله قراءة وإن شك في الركوع والسجود جعله ركوعا، والوجه الثاني يتحرى ويعمل بغلبة الظن في ترك الركن كالركعة وتقدم.стр. 743
إن لم يكن شرع في قراءة التي بعدها (١) فإن شرع في قراءتها صارت بدلا عنها (٢) (ولا يسجد) للسهو (لشكه في ترك واجب) كتسبيح ركوع ونحوه (٣) (أو) لشكه في (زيادة) (٤) إلا إذا شك في الزيادة وقت فعلها (٥) لأنه شك في سبب وجوب السجود والأصل عدمه (٦) . الحواشي
(١) يعني في قراءة الركعة التي بعدها.(٢) ولغت التي قبلها.(٣) كتسبيح سجود وقول رب اغفر لي، لأنه شك في سبب وجوب السجود للسهو والأصل عدمه.(٤) بأن شك هل زاد ركوعا أو سجودا، أو شك في تشهده الأخير؟ هل صلى أربعا أو خمسا ونحوه؟، لأن الأصل عدم الزيادة، فلحق بالمعدوم يقينا، ولو أحرم بالعشاء ثم سلم من ركعتين يظنهما من التراويح، أو سلم من ركعتين من ظهر يظن أنها جمعة أو فجر فاتته ثم ذكر أعاد فرضه ولم يبن نص عليه، لأنه قطع نية الأولى باعتقاده أنه في أخرى، وعلمه لها ينافي الأولى، بخلاف ما لو ذكر قبل أن يعمل ما ينافيها، ومن سجد لشك ظنا أنه يسجد له ثم تبين له أنه لم يكن عليه سجود سجد وجوبا، لكونه زاد سجدتين غير مشروعتين، ومن عليه سجود ولم يعلم أيسجد له أم لا؟ لم يسجد له، لأنه لم يتحقق سببه، والأصل عدمه، ومن شك هل سجد لسهوه أو لا؟ سجد.(٥) كأن ركع أو سجد فشك وهو في نفس الركوع أو السجود هل هو زائد أولا؟ فيسجد.(٦) بخلاف ما لو كان قائما مثلا فشك هل زاد ركوعا أو سجودًا؟ فلا يسجد.стр. 744
فإن شك في أثناء الركعة الأخيرة أهي رابعة أم خامسة؟ سجد، لأنه أدى جزءا من صلاته مترددا في كونه منها (١) وذلك يضعف النية (٢) ومن شك في عدد الركعات، وبنى على اليقين، ثم زال شكه، وعلم أنه مصيب فيما فعله لم يسجد (٣) (ولا سجود على مأموم) دخل مع الإمام من أول الصلاة (إلا تبعًا لإمامه) إن سهي على الإمام فيتابعه (٤) وإن لم يتم ما عليه من تشهد ثم يتمه (٥) . الحواشي
(١) أو زائدًا عليها.(٢) فاحتاج للجبر بالسجود، ومفهومه أنه إن شك في التشهد الأخير أهي رابعة أم خامسة؟ لم يجب عليه سجود.(٣) إمامًا كان أو غيره لزوال موجب السجود، صححه في الإنصاف وغيره.(٤) ولو لم يسه، حكاه ابن المنذر وغيره إجماعا في الصورتين، لحديث ابن عمر مرفوعا «ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها إمامه فعليه وعلى من خلفه» رواه الدراقطني، وصح عنه ﵊ «أنه لما سجد لترك التشهد الأول والسلام من نقصان، سجد الناس معه ولعموم «وإذا سجد فاسجدوا» فيسجد مأموم متابعة لإمامه.(٥) بعد سلام إمامه، لحديث «وإذا سجد فاسجدوا» ولا يعيد السجود لأنه لم ينفرد عن إمامه، ولو كان المأموم مسبوقا وسها الإمام فيما لم يدركه المسبوق فيه فيسجد معه متابعة له وكذا لو أدركه فيما لم يعتد له به.стр. 745
فإن قام بعد سلام إمامه رجع، فسجد معه (١) ما لم يستتم قائما فيكره له الرجوع (٢) أو يشرع في القراءة فيحرم (٣) ويسجد مسبوق سلم معه سهوا (٤) ولسهوه مع إمامه (٥) أو فيما انفرد به (٦) وإن لم يسجد الإمام للسهو سجد مسبوق إذا فرغ (٧) . الحواشي
(١) أي: فإن قام المسبوق بعد سلام إمامه لقضاء ما سبق به ظانًّا عدم سهو إمامه فسجد إمامه، رجع المسبوق وجوبا فسجه معه.(٢) كمن قام عن التشهد الأول.(٣) لأنه تلبس بركن مقصود، فلا يرجع إلى واجب، كمن قام عن التشهد يحتذي فيه حذوه وإن أدرك الإمام في آخر سجدتي السهو سجدها معه، فإذا سلم أتى المسبوق بالثانية، ثم قصى ما فاته لعموم «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا» وإن أدركه بعد سجدتي السهو وقبل السلام لم يسجد لسهو إمامه وبعد السلام لا يدخل معه لأنه خرج من الصلاة.(٤) بعد قضاء ما فاته لأنه صار منفردا.(٥) أي: دون إمامه فيما أدركه معه، ولو فارقه لعذر، وهذا من عطف العام على الخاص، لأن سلامه معه من أفراد سهوه معه، وفائدة ذلك دفع إيهام أن ما كان معه يتحمله قال عثمان: سواء سجد مع الإمام لسهو الإمام أم لا، فإن سجود سهو المسبوق محله بعد سلام الإمام.(٦) أي: المسبوق إذا سهي عليه فيما يقضيه بعد سلام إمامه، قال في المبدع: رواية واحدة، ولو كان سجد مع الإمام، لأنه لم يتحمله عنه الإمام فيلزمه السجود بعد قضاء ما فاته.(٧) أي: من قضاء ما فاته، لأن محل سجود السهو آخر الصلاة، وإنما كان يسجد مع الإمام متابعة له.стр. 746
وغيره بعد إياسه من سجوده (١) (وسجود السهو لما) أي لفعل شيء أو تركه (يبطل) الصلاة (عمده) أي تعمده (٢) ومنه اللحن المحيل للمعنى سهوًا أو جهلاً (واجب) (٣) لفعله ﵊ وأمره به في غير حديث (٤) والأمر للوجوب (٥) . الحواشي
(١) أي ويسجد غير مسبوق إذا أيس من سجود إمامه وفاقًا لمالك والشافعي، وهذا فيما إذا كان الإمام لا يرى وجوب سجود السهو، أو يراه وتركه سهوا، وإلا بطلت، على القول ببطلانها بترك سجود أفضليته قبل السلام.(٢) واجب سواء تعمد نقصا كسلام وترك تسبيح ونحوه، أو تعمد زيادة كزيادة ركعة أو ركوع أو سجود ونحوه، أو أتى ببدل ركعة أو ركن شك فيه، لقوله ﵊ «فليسجد سجدتين» ونحوه من الأحاديث الدالة على الأمر به، ولفعله ﵊ مما تقدم وغيره، ولأنه جبران يقوم مقام ما يجب فعله أو تركه فكان واجبا.(٣) لأن عمده يبطل الصلاة، فوجب السجود لسهوه، ولو أعاده صحيحا واختار المجد، لا يجب السجود للحن سهوًا أو جهلاً اهـ وإنما قال: منه لينبه على قوة الخلاف في ذلك.(٤) منها حديث ابن مسعود وابي سعيد، ولوجوبها على الشاك بغير خلاف، وعنه غير واجب، قال الموفق: ولعل مبناها على أن الواجبات التي شرع السجود لجبرها غير واجبة، فيكون جبرها غير واجب، وفاقًا للشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم.(٥) لأنه تجرد عن القرينة الصارفة له عما يقتضي خلاف ذلك، وعنه: يشترط السجود لصحة الصلاة قال الوزير: هو المشهور عن أحمد.стр. 747
وما لا يبطل عمده كترك السنن (١) وزيادة قول مشروع غير السلام في غير موضعه (٢) لا يجب له السجود بل يسن في الثاني (٣) (وتبطل) الصلاة (بـ) تعمد (ترك سجود) سهو واجب (أفضليته قبل السلام فقط) (٤) فلا تبطل بتعمد ترك سجود مسنون (٥) ولا واجب محل أفضليته بعد السلام (٦) وهو ما إذا سلم قبل إتمامها (٧) . الحواشي
(١) فلا يجب له السجود وتقدم ذكرها.(٢) كقراءة في ركوع وسجود وتقدم، وأما السلام فيخرج به منها.(٣) وهو الإتيان بالزيادة بالقول المشروع في غير موضعه غير السلام، وهذا بخلاف ما لو ترك القول المشروع، مثل الاستفتاح أو التعوذ، فلا يسن السجود لتركه بل يباح فقط.(٤) أي: ندب كونه قبل السلام، فتبطل الصلاة بتعمد تركه، كتعمده ترك واجب من الصلاة، وفاقًا للشافعي، لا إن عزم على فعله بعد السلام فسلم ثم تركه فلا تبطل.(٥) كترك مسنون، أو زيادة قول مشروع، ولا يكون سجود مسنون محله بعد السلام.(٦) أي ولا تبطل أيضًا بتعمد ترك سجود سهو واجب محل أفضليته بعد السلام وفاقاً، لأنه خارج عنها فلم يؤثر في إبطالها وإن كان مشروعاً لها، كالأذان لكن يأثم بتعمد تركه ومثله لو أخر السجود الذي أفضليته قبل السلام إلى ما بعده فتركه فلا تبطل.(٧) أي وسجود السهو الذي محل أفضليته بعد السلام هو ما إذا سلم عن نقص، أو بنى على غالب ظنه اختاره الشيخ.стр. 748
لأنه خارج عنها، فلم يؤثر في إبطالها (١) وعلم من قوله: أفضليته، أن كونه قبل السلام أو بعده ندب، لورود الأحاديث بكلٍّ من الأمرين (٢) . الحواشي
(١) وظاهره ولو أقل من ركعة، كما هو ظاهر المنتهى وغيره، وقيده في الإقناع بما إذا سلم عن نقص ركعة، ونص عليه أحمد، وهو موجب الدليل فإنه إنما ورد في نقص ركعة أو ركعتين، كقصة ذي اليدين، وحديث عمران بن حصين، وكذا إذا شك في صلاته، لما في الصحيح «فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين بعد التسليم» ولمسلم «بعد السلام والكلام» ، ولأحمد: «فليسجد سجدتين بعد ما يسلم» وصححه ابن خزيمة.(٢) قال القاضي وغيره: لا خلاف بين جميع أهل العلم في جواز الأمرين أي السجود قبل السلام أو بعده، وقال البيهقي: كذا ذكره بعض الشافعية والمالكية إجماعا، وروينا عن النبي ﷺ أنه سجد للسهو قبل السلام، وروينا أنه سجد بعد السلام، وأنه أمر بذلك، وكلاهما صحيح اهـ، وإنما الخلاف في الأولى والأفضل فلو سجد للكل قبله أو بعده جاز، وقال الشيخ: أظهر الأقوال وهو رواية عن أحمد الفرق بين الزيادة والنقص، وبين الشك مع التحري، والشك مع البناء على اليقين، فإذا كان السجود لنقص، كان قبل السلام لأنه جابر لتتم الصلاة به، وإن كان لزيادة كان بعد السلام، لأنه إرغام للشيطان لئلا يجمع بين زيادتين في الصلاة وكذلك إذا شك وتحرى فإنه أتم صلاته وإنما السجدتان إرغام للشيطان، فتكون بعده،
وكذلك إذا سلم وقد بقي عليه بعض صلاته ثم أكملها وقد أتمها، والسلام فيها زيادة، والسجود في ذلك ترغيم للشيطان وأما إذا شك ولم يبن له الراجح فيعمل هنا على اليقين، فإما أن يكون صلى خمسا أو أربعا فإن كان صلى خمسا، فالسجدتان يشفعان له صلاته، ليكون كأنه صلى ستا لا خمسًا
وهذا إنما يكون قبل السلام، فهذا القول الذي نصرناه يستعمل فيه جميع الأحاديث الواردة في ذلك.
وقال: وما شرع من السجود قبل السلام يجب فعله قبله، وما شرع بعده لا يفعل إلا بعده وجوبا، وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقال أحمد: أنا أقول كل سهو جاء عن النبي ﷺ أنه سجد فيه بعد السلام فإنه يسجد فيه بعد السلام، وسائر السهو يسجد فيه قبل السلام، ووجهه والله أعلم أنه من شأن الصلاة فيقضيه قبل السلام، إلا ما خصه الدليل، ويخير المأموم بين السلام معه بنية السجود بعد السلام، وبين الإقامة فإن سجد سجد معه، وإلا وحده، ومن سلم من المأمومين معه، ومن لم يسلم صلاة الكل صحيحة.стр. 749
(وإن نسيه) أي نسي سجود السهو الذي محله قبل السلام وسلم ثم ذكر (سجد) وجوبًا (إن قرب زمنه) (١) وإن شرع في صلاة أخرى فإذا سلم (٢) وإن طال الفصل عرفًا (٣) أو أحدث أو خرج من المسجد لم يسجد (٤) . الحواشي
(١) عرفًا ولو انحرف عن القبلة، وتكلم لما تقدم ولما في صحيح مسلم أن النبي ﷺ : «سجد بعد السلام والكلام» .(٢) أي قضاه ما لم يطل الفصل عرفًا، لبقاء محله، وقيل بقدر ركعة طويلة، وظاهر كلام الخرقي ما دام في المسجد، واشترط الموفق وغيره لقضائه شرطين أن يكون في المسجد، وأن لا يطول الفصل.(٣) لم يسجد لأنه لتكميل الصلاة، فلا يأتي به بعد طول، وصلاته صحيحة.(٤) ولو لم يطل الفصل، لفوات شرط الصلاة بالحدث، ولأن المسجد محل الصلاة فاعتبرت فيه المدة، كخيار المجلس.стр. 750
وصحت صلاته (١) (ومن سها) في صلاة (مرارا كفاه) لجميع سهوه (سجدتان) (٢) ولو اختلف محل السجود (٣) ويغلب ما قبل السلام لسبقه (٤) وسجود السهو وما يقال فيه، وفي الرفع منه كسجود صلب الصلاة (٥) . الحواشي
(١) لأنه جابر للعبادة، كجبران الحج، فلم تبطل بفواته، وكسائر الواجبات إذا تركها سهوًا، وقال الوزير وغيره، اتفقوا أنه إذا تركه سهوا لم تبطل، وعنه يسجد مطلقاً، أي سواء قصر الفصل أو لا، خرج من المسجد أو لا، اختاره الشيخ وغيره، وجزم به ابن رزين لقصة ذي اليدين.(٢) إذا لم يختلف محلهما باتفاق أهل العلم.(٣) أشار إلى خلاف روي فيه عن الأوزاعي وابن أبي ليلى، وفيه وجه فيما إذا كان السهو من جنسين، تعدد السجود له، لأن كل سهو يقتضي سجودا واتفق الأئمة الأربعة على الاكتفاء بسجدتين، لأنه ﵊ سها فسلم، وتكلم بعد سلامه، وسجد لهما سجودا واحد، ولقوله «وإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» وقوله بعد السلام، «ولا يلزمه بعد السلام سجودان وكل ذلك يتناول السهو في موضعين فأكثر، وأما حديث «لكل سهو سجدتان» وإن كان فيه مقال فالسهو اسم جنس، ومعناه لكل صلاة فيها سهو سجدتان.(٤) كأن حصل له سهوان مثلا، بأن زاد في صلاه من جنسها وسلم عن نقص، فيغلب سجودا أفضليته قبل السلام، وإن شك في محل سجوده سجد قبل السلام.(٥) أي وسجود السهو قبل السلام أو بعده، وما يقال فيه من تكبير وتسبيح، وما يقال بعد رفعه من كـ (رب اغفر لي) ، بين السجدتين، كسجود صلب الصلاة لما
تقدم في حديث أبي هريرة «ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر» ، قال الشيخ: والتكبير لسجود السهو ثابت في الصحيحين عن النبي ﷺ ، وهو قول عامة أهل العلم اهـ ولأنه يطلق في الأخبار، فلو كان غير المعروف، بين وسجود صلب الصلاة هو سجود الصلاة، بخلاف سجود السهو وسجود التلاوة.стр. 751
فإن سجد قبل السلام أتى به بعد فراغه من التشهد وسلم عقبه (١) وإن أتى به بعد السلام جلس بعده (٢) مفترشًا في ثنائية ومتوركا في غيرها (٣) وتشهد وجوبا التشهد الأخير، ثم سلم (٤) لأنه في حكم المستقل في نفسه (٥) . الحواشي
(١) بلا تشهد إجماعا.(٢) أي بعد سجود السهو.(٣) كثلاثية ورباعية تبعا للأصل.(٤) وفاقًا لمالك وأبي حنيفة، وروي عن ابن مسعود وغيره، لحديث عمران ابن حصين أنه ﷺ سها فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم، رواه أبو داود والترمذي وحسنه، والقول الثاني يسلم ولا يتشهد، اختاره الشيخ، ومال إليه الموفق والشارح، وهو الذي عليه العمل، كسجوده قبل السلام، ذكره في الخلاف إجماعا، ولأن التشهد لم يذكر في الأحاديث الصحيحة، بل الأحاديث الصحيحة تدل على أنه لا يتشهد.(٥) من وجه فاحتاج إلى التشهد، كما احتاج إلى السلام إلحاقًا له بما قبله.стр. 752
باب صلاة التطوع
وأوقات النهي (١)
والتطوع لغة: فعل الطاعة (٢) وشرعا: طاعة غير واجبة (٣) وأفضل ما يتطوع به الجهاد (٤) . الحواشي
(١) من إضافة المصدر إلى مفعوله وحذف فاعله، قال شيخ الإسلام: التطوع تكمل به صلاة الفرض يوم القيامة إن لم يكن المصلي أتمها، وفيه حديث مرفوع رواه أحمد، وكذلك الزكاة وبقية الأعمال، وتقدم قوله: جاءت السنة بثوابه على ما فعله، وعقابه على ما تركه، ولو كان باطلا كعدمه لم يجبر بالنوافل شيء.. إلخ، وللترمذي وغيره وحسنه قال: الرب سبحانه انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله في ذلك، ولأبي داود معناه من وجه آخر بسند صحيح.(٢) وتطوع تفعل، من طاع يطوع إذا انقاد وتطوع بالشيء تبرع به.(٣) وكذا عرفًا وقال الأزهري: التطوع ما تبرع به من ذات نفسه، مما لم يلزمه فرضه اهـ فسمي تطوعا لأن فاعله يفعله تبرعًا من غير أن يؤمر به حتما وتنفل فعل النافلة والنفل والنافلة الزيادة، وبرادفة السنة، والمندوب والمستحب والمرغب فيه، وقال بعضهم: التطوع ما لم يثبت فيه نص بخصوصه، والسنة ما واظب عليه النبي ﷺ والمستحب ما لم يواظب عليه، ولكنه فعله.(٤) وهو قتال الكفار، قال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ وقال ﵊ «رأس الأمر الإسلام» ، وعمود الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، وغير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على فضل الجهاد في سبيل الله، قال أحمد: لا أعلم شيئا بعد الفرائض أفضل من الجهاد، قال الشيخ الإسلام، والمتأخرون من أصحابنا أطلقوا القول بأن أفضل ما تطوع به الجهاد، وذلك لمن أراد أن يفعله تطوعًا، باعتبار أنه ليس بفرض عين عليه، بحيث إن الفرض قد سقط عنه، فإذا باشره وقد سقط الفرض عنه فهل يقع فرضا أو نفلاً؟ على وجهين، وصحح أنه يقع فرضًا، وذكر تفضيل أحمد للجهاد، والشافعي للصلاة، وأبي حنيفة ومالك للعلم، ثم قال: والتحقيق أنه لا بد لكل من الآخرين، وقد يكون كل واحد أفضل في حال، كفعل النبي ﷺ وخلفائه بحسب الحاجة والمصلحة.стр. 753
ثم النفقة فيه (١) ثم تعلم العلم وتعليمه (٢) . الحواشي
(١) أي في الجهاد لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وحديث «من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت بسبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة» ، وغيره ذلك فالنفقة ونحوها فيه أفضل من النفقة في غير من أعمال البر، وكذا غير النفقة كخلف الغازي في أهله وغير ذلك.(٢) قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللهُ﴾ وتواتر عن النبي ﷺ «أن طلب العلم فريضة على كل مسلم» ، وفي الحديث «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» ، وغير ذلك، وقال أحمد: طلب العلم أفضل الأعمال لمن صحت نيته قيل له: أي شيء تصحيح النية؟ قال: ينوى يتواضع فيه، وينفي عنه الجهل، والمراد نفل العلم، لأنه لا تعارض بين نفل وواجب، فقد قال: يجب أن يتعلم ما يقوم به دينه، مثل صلاته وصيامه ونحو ذلك، وجوبا عينيًا، لا رخصة فيه فورًا في الفوري، وموسعا في الموسع، وقال: العلم لا يعدله شيء، والناس إليه أحوج منهم إلى الطعام والشراب، وقال: تعلم العلم وتعليمه أفضل من الجهاد وغيره، وقال مالك وأبو حنيفة: أفضل ما تطوع به العلم وتعليمه، وقال الشيخ تعلم العلم وتعليمه يدخل بعضه في الجهاد، وأنه نوع من أنواع الجهاد، من جهة أنه من فروض الكفايات، قال: والعلم خير ما أنفقت فيه الأنفاس، وبذلت فيه المهج، قال أبو الدرداء: العالم والمتعلم في الأجر سواء، وسائر الناس همج لا خير فيهم، وقال النووي: اتفق جماعات السلف على أن الاشتغال بالعلم أفضل من الاشتغال بنوافل الصلاة والصوم والتسبيح ونحو ذلك من أعمال البدن اهـ فهو نور القلوب وحياة الإسلام والمسلمين، بل هو الميراث النبوي، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وقال ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» ومفهومه أن من لم يتفقه في الدين فقد حرم الخير، فهو أفضل الأعمال وأقربها إلى الله، وأهله هم أهل الله وحزبه وأولاهم به وأقربهم إليه، وأخشاهم له، وهو في غاية الوضوح، فلا يحتاج إلى تعريف هو أبين من أن يبين، ولم يأمر الله نبيه من الازدياد من شيء إلا منه، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ والمراد من العلم العلم الشرعي، الذي يفيد معرفته ما يجب على المكلف من أمر دينه الذي لا حياة له إلا به.стр. 754
من حديثٍ وفقهٍ وتفسيرٍ (١) . الحواشي
(١) وأصول فأفضل العلوم أصول الدين، ثم التفسير ثم الحديث ثم أصول الفقه، ثم الفقه، قال الشيخ من ترك الأصول حرم الوصول، ومن ترك الدليل ضل السبيل، ولا دليل إلى الله والجنة، إلا الكتاب والسنة، ولما بعث النبي ﷺ معاذا إلى اليمن، قال: «إن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» ، ووجوب تعلم العلم على الكفاية عام في سائر شرائع الإسلام، فعلى المكلف البداءة بما يكثر وقوعه ويحتاج إليه، الأهم فالأهم، من واجبات الإيمان، وأركان الإسلام، وقال الشيخ: المشروع في حق من يريد أن يتعلم علم الدين من الأصول
والفروع في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القرآن، فإنه أصل علوم الدين، قال والأشهر عن أحمد الاعتناء بالحديث والفقه، وقال: ليس قوم خيرا من أهل الحديث، وقال: معرفة الحديث والفقه أحب إليه من حفظه، وقد مدح الله الفقه فقال: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ وفسر بعلم الفقه، وقال البخاري: وهو ثمرة الحديث، وليس ثوابه في الآخرة بدون ثوابه.
وقال ابن الجوزي: بضاعة الفقه أربح البضائع، قال: وعليه مدار العلوم فإن اتسع الزمان للتزيد من العلم فليكن من الفقه، فإنه الأنفع، وقال: تأملت أسباب الفضائل فإذا هو علو الهمة، وذلك أمر مركوز في الجبلة، لا يحصل بالكسب وأرباب النهاية في علو الهمة لا يرضون إلا بالغاية، فهم يأخذون من كل فن من العلم مهمة ثم يجعلون جل اشتغالهم بالفقه لأنه سيد العلوم اهـ ولا يتم أمر ولا تحصل بركة إلا بصلاح النية، ثم ما يتعدى نفعه يتفاوت كعيادة مريض، وقضاء حاجة مسلم، وإصلاح بين الناس، ونحو ذلك، وفي الحديث ألا أخبركم بأفضل من درجة الصدقة والصلاة والصوم؟ قالوا: بلى قال: إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة صححه الترمذي.
ولأحمد أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وله أيضا، أحب الأعمال إلى الله الحب في الله والبغض في الله، والفكرة في آلاء الله، ودلائل صنعه، والوعد والوعيد، وهو الأصل الذي يفتح أبواب الخير، وينتج أفعاله، وما أثمر الشيء فهو خير من ثمرته، وقال غير واحد: النطق بكلمة التوحيد أفضل إجماعا، وعمل القلب أفضل من عمل الجوارح، وقال الشيخ: كل واحد بحسبه، فإن الذكر بالقلب أفضل من القراءة بلا قلب، وقال ابن الجوزي، أصوب الأمور أن ينظر إلى ما يطهر القلب ويصفيه للذكر والأنس فيلازمه، وفي الفنون، لو لم يكن مقاساة المكلف إلا لنفسه لكفى به شغلا أن يصح ويسلم ويداوي بعضه ببعض
فذلك هو الجهاد الأكبر لأنه مغالبة المحبوبات، ومن انفتح له طريق عمل بقلبه بدوام ذكر أو فكر، فذلك الذي لا يعدل به ألبتة، ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه.стр. 755
................................................
стр. 756
ثم الصلاة (١) و (آكدها كسوف ثم استسقاء) (٢) . الحواشي
(١) أي ثم بعد الجهاد والعلم أفضل التطوعات الصلاة، لترادف الأخبار ومداومة المختار ﷺ وقال: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» ، وغير ذلك ولأنها آكد الفروض، فتطوعها آكد التطوعات، ولأنها تجمع أنواعا من العبادة، الإخلاص والقراءة، والركوع والسجود ومناجاة الرب ﵎، والذل والخضوع له، الذي هو أشرف مقامات العبودية والتسبيح والتكبير والصلاة على النبي ﷺ وغير ذلك، وقد تقدم فضل الجهاد، وقال الشيخ: العبادة في غير الجهاد تعدل الجهاد، للأخبار الصحيحة المشهورة، وقال النووي: ليس المراد بقولهم: الصلاة أفضل من الصوم، أن صلاة ركعتين أفضل من صيام أيام، أو يوم فإن الصوم أفضل من ركعتين بلا شك، وإنما معناه أن من لم يمكنه الجمع من الاستكثار من الصلاة والصوم، وأراد أن يستكثر من أحدهما، ويقتصر من الآخر على المتأكد منه اهـ، وقيل: الصوم أفضل من الصلاة قال أحمد: لا يدخله رياء، وهذا يدل على أفضليته على غيره.(٢) أي آكد التطوع صلاة الكسوف، لأنه ﵊ فعلها وأمر بها، في حديث ابن مسعود المتفق عليه، وغيره، ولأنها عبادة مجمع عليها، وعبادة محضة وصلاة الاستسقاء مستحبة، ولطلب الرزق ثم هي آكد التطوع بالصلاة بعد صلاة الكسوف، لأنه يشرع لها الجماعة مطلقا، أشبهت الفرائض فالتطوع، بما تسن له الجماعة أفضل، والآكدية بمعنى أن فعلها مؤكد، زيادة على بقية النوافل.стр. 757
لأنه ﷺ لم ينقل عنه أنه ترك صلاة الكسوف عند وجود سببها، بخلاف الاستسقاء، فإنه كان يستسقي تارة ويترك أخرى (١) (ثم تراويح) لأنها تسن لها الجماعة (٢) (ثم وتر) لأنه تسن له الجماعة بعد التراويح (٣) وهو سنة مؤكدة (٤) روي عن الإمام: من ترك الوتر عمدا فهو رجل سوء ، لا ينبغي أن تقبل له شهادة (٥) . الحواشي
(١) يعني فدل على آكدية صلاة الكسوف، وهو كذلك، وظاهر كلامه يقتضي تكرار الكسوف في زمنه ﷺ وهو لم يقع غير مرة واحدة، وأما صلاة الاستسقاء فورد ما يدل على آكديتها كحديث عائشة وغيره.(٢) فأشبهت الفرائض من حيث مشروعية الجماعة لها.(٣) والأشبه أن الوتر آكد فقد قيل بوجوبه، وقال شيخ الإسلام، وما تنازع الناس في وجوبه أوكد، ولكن ما قبله تشرع له الجماعة مطلقا، بخلاف الوتر، فإنها لا تشرع له الجماعة، إلا إذا كان بعد التراويح، والوتر اسم للركعة المنفصلة عما قبلها، وللثلاث والخمس والسبع، والتسع المتصلة والإحدى عشرة، كما أن المغرب وتر النهار اسم للثلاث المتصلة، فإذا انفصلت الثلاث بسلامين أو الخمس وما بعدها كان الوتر اسما للركعة المفصولة وحدها، قال ﷺ : «فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت» .(٤) قال الشيخ: باتفاق المسلمين، ولا ينبغي لأحد تركه، ومن أصر على تركه فإنه ترد شهادته.(٥) ولأحمد وأبي داود مرفوعا: «من لم يوتر فليس منا» ، ولهما «الوتر حق فمن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل» ، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل، ورواته ثقات.стр. 758
وليس بواجب (١) (يفعل بين) صلاة (العشاء و) طلوع (الفجر) فوقته من صلاة العشاء ولو مجموعة مع المغرب تقديما إلى طلوع الفجر (٢) . الحواشي
(١) عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، مع إجماعهم أنه ليس بفرض لحديث الأعرابي حين سأل النبي ﷺ عما فرض الله قال: «خمس صلوات في كل يوم وليلة» ، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا إله أن تطوع، متفق عليه، ولحديث عبادة وغيره، وقال علي: الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة، ولكنه سنة سنها رسول الله ﷺ وأما حديث «الوتر حق» ونحوه فمحمول على تأكد استحبابه، وقال شيخ الإسلام: أوجبه أبو حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد، والجمهور لا يوجبونه، واختار وجوبه على من يتهجد بالليل، وقال: هو أفضل من جميع تطوعات النهار، بل أفضل الصلاة بعد المتكوبة قيام الليل، وأوكد ذلك الوتر وركعتا الفجر.(٢) لقوله ﵊: «إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر» ، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الحاكم ولقوله: «أوتروا قبل أن تصبحوا» رواه مسلم، وفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحر، وقال: «إذا طلع الفجر فقد ذهب صلاة الليل والوتر» ، وفي صحيح ابن خزيمة، «من أدرك الصبح فلم يوتر فلا وتر له» ، وفيه أحاديث كثيرة من غير وجه تدل على أن جميع الليل وقت للوتر، إلا ما قبل صلاة العشاء وهو إجماع، إذ لم ينقل أنه أوتر فيه، لعدم دخول وقته، وأن آخره إلى طلوع الفجر، ويصح قبل سنة العشاء، لكن خلاف الأولى، وقوله: ولو مجموعة إشارة إلى خلاف أبي حنيفة فإن وقته عنده بعد غيوب الشفق، والجمهور: له أن يصلي الوتر بعد العشاء إذا كانت مجموعة جمع تقديم قبل غروب الشفق، لعموم ما سبق.стр. 759
وآخر الليل لمن يثق بنفسه أفضل (١) وأقله ركعة، لقوله ﵊ «الوتر ركعة من آخر الليل» رواه مسلم (٢) ولا يكره الوتر بها، لثبوته عن عشرة من الصحابة، ومنهم أبو بكر وعمر وعثمان وعائشة ﵃ (٣) وأكثره أي أكثر الوتر (إحدى عشرة) ركعة (٤) . الحواشي
(١) أي يثق باستيقاظ آخر الليل بنفسه، أو بإيقاظ غيره، لحديث جابر مرفوعا «أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر ثم ليرقد، ومن وثق بقيام من آخر الليل فليوتر من آخره، فإن قراءة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل» ، رواه مسلم، ولأنه أكثر فعله ﷺ ففي الصحيحين وغيرهما أحاديث من غير وجه عن خلائق من الصحابة مصرحة أن آخر صلاته بالليل كان وترا، وفيهما وغيرهما أحاديث كثيرة بالأمر يجعل صلاة آخر الليل وترا، وقال غير واحد: وهو قول كافة أهل العلم.(٢) وغيره من حديث ابن عمر وابن عباس وغيرهما، ولقوله ﷺ «من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» رواه أبو داود، واستحب أحمد وغيره أن تكون الركعة عقب الشفع، ولو يؤخرها عنه، وليس كالمغرب حتما، ولأنه ركعة قبله شفع لا حد له.(٣) ولما تقدم من الأحاديث وغيرها، ولما يفهم من لفظ الوتر.(٤) وفي الوجيز: وأفضله إحدى عشرة ركعة، وجاء ثلاث عشرة ركعة، وفسرت بركعتين بعد الوتر، قال ابن القيم: تجري مجرى السنة، وتكميل الوتر، فإن الوتر عبادة مستقلة، لا سيما إن قيل بوجوبه، فتجري مجرى سنة المغرب، وقيل ثلاث عشرة ركعة بالركعتين الخفيفتين اللتين كان يفتتح بهما تهجده ﷺ .стр. 760
يصليها (مثنى مثنى) أي يسلم من كل ثنتين (ويوتر بواحدة) لقول عائشة: كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة (١) وفي لفظ: يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة، هذا هو الأفضل (٢) وله أن يسرد عشرًا، ثم يجلس فيتشهد ولا يسلم، ثم يأتي بالركعة الأخيرة، ويتشهد ويسلم (٣) (وإن أوتر بخمس أو سبع) سردها و (لم يجلس إلا في آخرها) لقول أم سلمة: كان رسول الله ﷺ ، يوتر بسبع وخمس لا يفصل بينهن الحواشي
(١) رواه مسلم، وفي الصحيحين «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة» قال ابن القيم في حديث عائشة، وهو الصحيح والركعتان فوقها هما ركعتا الفجر، كما جاء مبينا في الحديث نفسه، وإذا انضاف إلى الفرض والسنة الراتبة جاء مجموع ورده بالليل والنهار أربعين ركعة، يحافظ عليها دائما، وما زاد فعارض، فينبغي للعبد أن يراتب على هذا الورد دائما إلى الممات، فما أسرع الإجابة، وأعجل فتح الباب لمن يقرعه كل يوم وليلة أربعين مرة.(٢) لأمره ﵊ به، ولاستمرار فعله له، ولأنه أكثر عملاً وفي ذلك دلالة ظاهرة أن أقل الوتر ركعة، وأنها صلاة صحيحة، وهذا مذهب الجمهور، ويسن فعل الوتر عقب الشفع بلا تأخير له عنه، وإذا قام لركعتين ثم بداله فجعل تلك الركعة وترا، فقال أحمد: كيف يكون؟ هذا قلب نية. قيل له أيبتدئ الوتر؟ قال: نعم.(٣) قياسًا على ما يأتي، وله أن يسرد الجميع ولا يجلس إلا في الأخيرة.стр. 761
بسلام ولا كلام، رواه أحمد ومسلم (١) (و) إن أوتر (بتسع) يسرد ثمانيا ثم (يجلس عقب) الركعة (الثامنة ويتشهد) التشهد الأول (ولا يسلم ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلم) لقول عائشة: ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه (٢) وينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعناه (٣) (وأدنى الكمال) في الوتر (ثلاث ركعات (٤) بسلامين) فيصلي ركعتين ويسلم ثم الثالثة (٥) . الحواشي
(١) وله عن ابن عباس: ثم صلى سبعا أو خمسا أوتر بهن، لم يجلس إلا في آخرهن وله أن يسرد ستًّا، ويجلس يتشهد ولا يسلم، ثم يصلي السابعة ويتشهد ويسلم، لفعله ﵊ رواه أحمد بسند جيد، قال: ولكن أكثر الحديث وأقواه ركعة -يعني: مفصولة- فأنا أذهب إليها.(٢) أي: يتشهد التشهد الأول.(٣) رواه مسلم وغيره، والإيتار بتسع مروي عن جماعة من الصحابة ﵃.(٤) لأن الركعة الواحدة اختلف في كراهتها والأفضل أن يتقدمها شفع، فلذلك كانت الثلاث أدنى الكمال، وروي من غير وجه أنه كان يوتر بثلاث وقال: «من أحب أن يوتر بثلاث فليفعل» .(٥) أي: ثم يصلي الثالثة قال في الإنصاف: بلا خلاف أعلمه وهو أفضل، لما سبق قال مهنا: تسلم في الركعتين من الوتر؟ قال: نعم، قلت: لأي شيء؟ قال: لأن الأحاديث فيه أقوى وأكثر عنه ﷺ وقال الحارث: سئل
أحمد عن الوتر، قال: يسلم في الركعتين، وإن لم يسلم رجوت أن لا يضره إلا أن التسليم أثبت وأقوى.стр. 762
لأنه أكثر عملا (١) ويجوز أن يسردها بسلام واحد (٢) (يقرأ) من أوتر بثلاث (في) الركعة (الأولى) بـ سورة (سبح (٣) وفي) الركعة (الثانية) بـ سورة «قل يأيها» (الكافرون (٤) وفي) الركعة (الثالثة بـ) سورة (الإخلاص) بعد الفاتحة (٥) . الحواشي
(١) بالجلوس للتشهد، والتشهد فيه، والصلاة على النبي ﷺ والدعاء والسلام، وكان ابن عمر يسلم من ركعتين ويأمر ببعض حاجته.(٢) سردًا فلا يجلس إلا في آخرهن قال أحمد: إن أوتر بثلاث لم يسلم فيهن لم يضيق عليه عندي، ومفهوم عبارته كالقاضي لا يجوز كالمغرب، وظاهر الإقناع والمستوعب وغيرهما يجوز كالمغرب، وقال الشيخ: يخير بين فصله ووصله وصحح أن كليهما جائز وأنه إن كان المأموم يرى أحدهما فوافقهم تأليفًا لقلوبهم كان قد أحسن.(٣) بعد الفاتحة لما تضمنته من أمور الدنيا والآخرة وسبح علم على السورة المبدوءة بـ (سبح اسم ربك الأعلى)(٤) بعد الفاتحة وهي تعدل ربع القرآن، لتضمنها التوحيد العلمي الإرادي.(٥) وتواتر أنها تعدل ثلث القرآن، لتضمنها التوحيد الخبري العملي، ولحديث أبي: أنه ﵊ كان يقرأ بهن في وتره، رواه أبو داود وغيره، ولأحمد وغيره عن ابن أبزى مثله، قال إسحاق وهو أصح شيء عن النبي ﷺ في القراءة في الوتر، ولا ينبغي المداومة على ذلك، فإنه قد يفضي إلى اعتقاد أنه واجب، وسميت سورة الإخلاص لأنها خالصة في صفة الله تعالى، أو لأن اللافظ بها قد أخلص التوحيد لله .стр. 763
(ويقنت فيها) أي: في الثالثة (بعد الركوع) ندبًا (١) لأنه صح عنه ﷺ من رواية أبي هريرة وأنس وابن عباس (٢) وإن قنت قبل الركوع بعد القراءة جاز، لما روي أبو داود عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ كان يقنت في الوتر قبل الركوع (٣) فيرفع يديه إلى صدره، ويبسطها، وبطونهما نحو السماء، ولو كان مأمومًا (٤) . الحواشي
(١) لا قبله، وعبارة الإقناع وشرحه: ويسن أن يقنت فيها، أي في الركعة الأخيرة من الوتر جميع السنة، وهذا مذهب أبي حنيفة، وقال الوزير: اتفقوا على أن القنوت في الوتر مسنون في النصف الثاني من شهر رمضان إلى آخره، وقال الشيخ: إذا صلى قيام رمضان فإن قنت جميع الشهر، أو نصفه الأخير، أو لم يقنت بحال فحسن، وقال: يخير في دعاء القنوت بين فعله وتركه اهـ والقنوت في اللغة له معان منها الدعاء، ولهذا سمي هذا الدعاء قنوتًا، ويطلق على الدعاء بخير وشر يقال: قنت له وقنت عليه.(٢) ﵃، إلا أنه في الفريضة، وصح في الوتر عن عمر وعلي، وروي عن الخلفاء وغيرهم أنهم كانوا يقنتون بعد الركوع، قال الخطيب، وأكثر الصحابة عملوا به.(٣) وصح عن جمع من الصحابة، قال الخطيب: والأحاديث التي فيها القنوت قبل الركوع كلها معاولة وقال شيخ الإسلام: من الناس من لا يراه إلا قبله، ومنهم من لا يراه إلا بعده، وأما فقهاء الحديث كأحمد وغيره فيجوزون كلا الأمرين لمجيء السنة الصحيحة بهما، وإن اختاروا القنوت بعده لأنه أكثر وأقيس.(٤) لحديث مالك بن يسار مرفوعًا «إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم
ولا تسألوه بظهورها» ، رواه أبو داود، وللخمسة إلا النسائي من حديث سلمان «إن الله يستحيي أن يبسط العبد يديه يسأله فيهما خيرًا فيردهما خائبتين» ، ويكون بينهما فرجة، ورفع اليدين في الدعاء متواتر تواترًا معنويًّا، قال بعضهم: روي فيه نحو مائة حديث، ثلاثون من الصحيحين أو أحدهما، واستحابه في القنوت مذهب أبي حنيفة والشافعي.стр. 764
الحواشي
(١) إن كان إمامًا إجماعًا، أو منفردًا نص عليه، وقياس المذهب يخير المنفرد، واستظهر في الخلاف تخصيص الجهر بالإمام، وهو ظاهر كلام جماعة، وقال في الفروع والمبدع والإقناع والمنتهى وغيرها: «يقول اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، ونشكرك ولا نكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشي عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق» ، وهو مروي عن عمر وغيره، وسورتان في مصحف أبي، قال ابن سيرين، هاتان السورتان كتبهما أبي في مصحفه، وقال أحمد: يستحب بالسورتين وقال الشيخ: لم ينقل مسلم دعاء في قنوت الوتر غير هذه الأدعية المأثورة في الوتر، قنوت الحسن، وسورتي أبي اهـ، وقال غير واحد: لم يوقت في دعاء القنوت غير اللهم «إنا نستعينك» لأن الصحابة اتفقوا عليه، ولو قرأ غيره جاز، والأولى بعده قنوت الحسن، قال أحمد: يدعو بدعاء عمر، «اللهم إنا نستعينك» وبدعاء الحسن «اللهم اهدني» وفي النصيحة: يدعو معه بما في القرآن، ونقل الحارث: بما شاء، وفي الغاية: تحصل سنة القنوت بكل دعاء، وقد جاء القنوت من طرق تدل على مشروعية الدعاء فيه، قال العراقي وغيره، منها ما هو حسن، ومنها ما هو صحيح، وقوله: «ونحفد» بكسر الفاء أي نسارع إلى طاعتك، وأصل الحفد العمل والخدمة، والجد بالكسر العظيم، والأشهر كسر حاء ملحق.стр. 765
(اللهم اهدني فيمن هديت) أصل الهداية الدلالة (١) وهي من الله التوفيق والإرشاد (٢) (وعافاني فيمن عافيت) أي من الأسقام والبلايا (٣) والمعافاة أن يعافيك الله من الناس، ويعافيهم منك (٤) (وتولني فيمن توليت) الولي ضد العدو، من توليت الشيء: إذا اعتنيت به (٥) أو من وليته: إذا لم يكن بينك وبينه واسطة (٦) . الحواشي
(١) أي إلى ما يوصل إلى المطلوب، والدلالة ضد الضلال.(٢) التوفيق السداد، وكذا الإرشاد، وهو الاستقامة على طريق الحق، والهداية العلم بالحق مع قصده له، وإيثاره على غيره، والمعنى ثبتني على الهداية وزدني من أسبابها في جملة من هديتهم، أو مع من هديتهم، وقال الشيخ: إنما تسأل الهداية التي خص بها المهتدين، ومن تأول ذلك بمعنى زيادة الهدى أو التثبيت، وقال: كان ذلك جزاء كان متناقضا، فإنه يقال: هذا المطلوب إن لم يكن حاصلا باختيار العبد لم يثب عليه، فإنه إنما يثاب على ما فعله باختياره، وإن كان باختياره فقد ثبت أن الله يحدث الفعل الذي يختاره العبد.(٣) أي: مع من عافيت أو في جملة من عافيتهم من الأسقام: الأمراض والبلايا: الامتحانات والاختبارات والتكليفات جمع سقم وبلوى.(٤) وفي المصباح وغيره: عافاه الله محا عنه الأسقام، والعافية مصدر من عافي واسم منه.(٥) ونظره فيه كما ينظر المولى في حال اليتيم، لأنه سبحانه ينظر في أمر موليه بالعناية.(٦) بمعنى أن الولي يقطع العلائق بينه وبين الله، حتى يصير في باب المراقبة والمشاهدة، وهو مقام الإحسان، والمعنى: تول أمري، ولا تكلني إلى نفسي، في جملة من تفضلت عليهم، أو حافظًا لي مع من حفظته، «ووليت» بكسر اللام وضم التاء.стр. 766
(وبارك لي فيما أعطيت) أي أنعمت (١) (وقني شر ما قضيت (٢) إنك تقضي ولا يقضى عليك (٣) إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت (٤) تباركت ربنا وتعاليت) (٥) رواه أحمد والترمذي وحسنه من حديث الحسن بن علي (٦) . الحواشي
(١) أي ضع لي البركة فيما أنعمت به علي من العمر والمال، والعلوم والأعمال، والبركة النماء والزيادة، حسية كانت أو معنوية، والسعادة وثبوت الخير، والعطية الهبة وجميع ما يعطي جمعها عطيات وعطايا.(٢) وما قدرت عليّ من قضاء وقدر، فسلم لي العقل والدين.(٣) أي إنك تقدر وتحكم بكل ما أردت، سبحانك لا راد لأمرك ولا معقب لحكمك، تفعل ما تشاء، وتحكم ما تريد.(٤) يذل: بفتح فكسر، أي لا يصير ذليلا حقيقة من واليته، أو لا يحصل له ذلة، والموالاة ضد المعاداة ويعز قال الشيخ: بالفتح إذا قوي وصلب، وبالكسر إذا امتنع، وبالضم إذا غلب، والمعنى: لا تقوم عزة لمن عاديته وأبعدته عن رحمتك وغضبت عليه.(٥) تبارك تعاظم وكذا تعلى والأول دال على كمال بركته وعظمتها والثاني على كمال العلو ونهايته.(٦) يعني ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، سبط رسول الله ﷺ وريحانيته ولد سنة ثلاث من الهجرة، روى عن النبي ﷺ أحاديث منها هذا الحديث، وروى عن أبيه وأخيه الحسين وعنه ابن الحسن وعائشة وغيرهما، قال فيه النبي ﷺ : إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين» مات ﵁ سنة تسع وأربعين، وقال النووي: إسناده صحيح أو حسن.стр. 767
قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر، وليس فيه: ولا يعز من عاديت (١) ورواه البيهقي وأثبتها فيه (٢) ورواه النسائي مختصرًا، وفي آخره، وصلى الله على محمد (٣) (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك (٤) وبعفوك من عقوبتك (٥) وبك منك) إظهارًا للعجز والانقطاع (٦) . الحواشي
(١) أقولهن: أي أدعو بهن، وظاهره الإطلاق في جمع السنة.(٢) وكذا أثبتها أبو داود والطبراني من طرق، وتبعهم المؤلف وغيره، وجميع رواياتهم بإفراد الضمير، وأورده في الإقناع والمنتهى وغيرهما بالجمع.(٣) ولفظه: وصلى الله على النبي محمد، فلعله لم يثبتها اختصارا، وقال الحافظ: لا تثبت.(٤) أي استجير برضاك من سخطك، والرضى والسخط صفتان للباري تعالى: لا تشبه رضى المخلوق ولا سخطه.(٥) أي استجير بعفوك ودفعك السوء والبلاء من عقوبتك، والمعاقبة الجزاء بالشر.(٦) العجز الضعف، والانقطاع بمعنى العجز، أي استجير بك من عذابك، قال الخطابي والخلخالي وغيرهما: في هذا معنى لطيف: وذلك أنه سأل الله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعفاته من عقوبته، والرضى والسخط ضدان متقابلان وكذلك المعافاة والمؤاخذاة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له وهو الله تعالى أظهر العجز والانقطاع، وفزع منه إليه، واستعاذ به منه لا غير.стр. 768
(لا نحصي) أي لا نطبق، ولا نبلغ ولا ننهي (ثناء عليك (١) أنت كما أثنيت على نفسك) (٢) اعترافًا بالعجز عن الثناء (٣) وردًّا إلى المحيط علمه بكل شيء جملة وتفصيلاً (٤) روي الخمسة عن علي أن النبي ﷺ كان يقول ذلك في آخر وتره، ورواته ثقات (٥) . الحواشي
(١) أي لا نحصي نعمك والثناء بها عليك، ولا نبلغه ولا نطيقه، ولا ننهي غايته، والإحصاء العد والضبط والحفظ.(٢) حيث قال: لا نحصي ثناء عليك.(٣) فهو سبحانه يثني بنفسه على نفسه، والخلق لا يحصون ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه.(٤) حيث قال: أنت كما أثنيت على نفسك، كما أنه سبحانه لا نهاية لسلطانه وعظمته، لا نهاية للثناء عليه، لأنه تابع للمثنى عليه، وقال ابن الجوزي، هذا اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، وأنه لا يقدر على حقيقته، بل هو تعالى كما أثنى على نفسه، إذ كل ثناء أثنى به عليه، وإن بولغ فيه فقدر الله أعظم، وسلطانه أعز وصفاته أكبر، وفضله وإحسانه أوسع، وفي النهاية: بدأ بالأدنى، وترقى إلى الأعلى، ثم لما ازداد تبيينًا وارتقاء ترك الصفات، وقصر نظره على الذات فقال: أعوذ بك منك، ثم لما أراد قربًا استحيى معه من الاستعاذة على بساط القرب، فالتجأ إلى الثناء، فقال: لا أحصي ثناء عليك، ثم علم أن ذلك قصور فقال: أنت كما أثنيت على نفسك.(٥) وقال الترمذي: لا نعرف عن النبي ﷺ في القنوت شيئًا أحسن من هذا، وله أن يزيد ما شاء مما يجوز به الدعاء في الصلاة، ولشيخ الإسلام نبذة في دعاء القنوت مشهورة.стр. 769
(اللهم صل على محمد) لحديث الحسن السابق (١) ولما روى الترمذي عن عمر: الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك (٢) وزاد في التبصرة (وعلى آل محمد) (٣) واقتصر الأكثرون على الصلاة عليه ﷺ (٤) (ويمسح وجهه بيديه) إذا فرغ من دعائه هنا (٥) وخارج الصلاة، لقول عمر: كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما الحواشي
(١) من رواية النسائي وغيره، أنه كان يقول في آخره، وصلى الله على محمد وفيه ضعف، ونص عليه أحمد وغيره.(٢) ﷺ وروى عن علي نحوه مرفوعا، وفيه مقال، وفي حديث فضالة بن عبيد وغيره ما يدل على رفعه، وقد شرعت الصلاة على النبي ﷺ أول الدعاء وأوسطه وآخره.(٣) وفي الإقناع: ولا بأس على آله والتبصرة تقدم أنها لعبد الرحمن الحلواني.(٤) ومنهم صاحب الفروع والمنتهى ولم يذكر في المقنع والشرح والمغني وجمع الصلاة على النبي ﷺ وتقدم ذكر مشروعيتها وقال أبو سليمان الداراني: من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي ﷺ وليسأل حاجته، ثم ليختم بالصلاة على النبي ﷺ فإنها مقبولة، والله أكرم من أن يرد ما بينهما.(٥) أي عقب قنوت الوتر، وعنه: لا يمسح القانت نقله الجماعة وفاقًا للشافعي وغيره.стр. 770
وجهه، رواه الترمذي (١) ويقول الإمام: اللهم اهدنا إلى آخره (٢) ويؤمن مأموم إن سمعه (٣) (ويكره قنوته في غير الوتر) روي عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي الدرداء ﵃ (٤) . الحواشي
(١) من رواية حماد وهو ضعيف، ولحديث يزيد عند أبي داود وغيره: كان إذا دعا رفع يديه ومسح بهما وجهه ولحديث ابن عباس مرفوعًا، «فإذا فرغت فامسح بهما وجهك» ، رواه أبو داود وابن ماجه، وقال الشيخ: وأما مسح وجهه بيديه فليس عن النبي ﷺ فيه إلا حديث أو حديثان لا تقوم بهما حجة.(٢) بالجمع ومشي عليه في الإقناع والمنتهى وغيرهما، ليشارك المأموم الإمام في الدعاء، وللنهي أن يخص نفسه بالدعاء دونهم، يعني فيما يؤمن عليه، قال شيخ الإسلام: إذا كان المأموم مؤمنًا، على دعاء الإمام فيدعو بصيغة الجمع، كما في دعاء الفاتحة في قوله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فإن المأموم إنما أمن لاعتقاده أن الإمام يدعو لهما جميعًا، فإن لم يفعل فقد خان الإمام المأموم، ولهذا جاء دعاء القنوت بصيغة الجمع، اللهم إنا نستعينك إلخ، ففي مثل هذا يأتي بصيغة الجمع، ويتبع السنة، قال في الفروع: ويفرد المنفرد الضمير، وعند شيخنا لا، لأنه يدعو لنفسه وللمؤمنين.(٣) أي يؤمن على الدعاء من قنوت إمامه خاصة إن سمعه قال الشارح: لا نعلم خلافًا في ذلك، لحديث ابن عباس، بخلاف قوله: «إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، اللهم إنا نستعينك» ونحوه وإن لم يسمعه قنت لنفسه كما لو لم يسمع قراءة الإمام، فإنه يقرأ وإذا أراد السجود رفع يديه، نص عليه، لأن القنوت مقصود في القيام، فهو كالقراءة وقيل: لا قال في الفروع: وهو أظهر، ومن لا يحسن القنوت يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أو يسأل المغفرة ونحوه.(٤) وغيرهم جمع من أصحاب النبي ﷺ وإنما تعلق من تعلق
من العلماء في ذلك برواية عن ابن عباس لا تصح، قد خالفت ما علم بالضرورة من النقل والعقل.стр. 771
وروى الدارقطني عن سعيد بن جبير قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: إن القنوت في صلاة الفجر بدعة (١) . الحواشي
(١) ورواه البيهقي وغيره، وعن أبي مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، أكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: أي بني! محدث، رواه الخمسة وصححه الترمذي، وقال: العمل عليه عند أكثر أهل العلم اهـ وبه يقطع أنه لم يكن سنة راتبة، إذ لو كان سنة راتبة يفعله ﷺ كل صبح، ويجهر به، ويؤمن من خلفه، كان سبيله أن ينقل كنقل جهر القراءة ومخافتتها، وعدد الركعات، فمن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغير ولا كبير.
وقال شيخ الإسلام: أما القنوت في صلاة الفجر، فقد ثبت في الصحيح أنه كان يقنت في النوازل، قنت مرة شهرا، يدعو على قوم من الكفار قتلوا طائفة من أصحابه، ثم ترك، وقنت مرة يدعو لأقوام من أصحابه، كانوا مأسورين عند قوم يمنعونهم من الهجرة إليه، وكذلك خلفاؤه الراشدون بعده، كانوا يقنتون نحو هذا القنوت، فما كان داوم عليه، وما كان بدعة بالكلية، وللعلماء فيه ثلاثة أقوال، أصحها أنه يسن عند الحاجة، كما قنت الرسول ﷺ وخلفاؤه وهو الذي عليه أهل الحديث، وكيف يكون يقنت دائما في الفجر أو غيرها، ويدعو بدعاء راتب؟ ولم ينقل عنه ﷺ لا في خبر صحيح، ولا ضعيف، بل أصحابه الذين هم أعلم الناس بسنته، وأرغب الناس في اتباعها، كابن عمر وغيره، أنكروا ذلك حتى قال ابن عمر: ما رأينا ولا سمعنا، وكذلك غيره من الصحابة،
عدوا ذلك من الأحداث المبتدعة، ومن تدبر السنة علم علما قطعيا أن النبي ﷺ لم يكن يقنت دائما في شيء من الصلوات وقال
ابن القيم: لم يكن يخص القنوت في النوازل بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها لأجل ما شرع فيها من الطول، ولاتصالها بصلاة الليل، وقربها من السحر، وساعة الإجابة.стр. 772
(إلا أن ينزل بالمسلمين نازلة) من شدائد الدهر (غير الطاعون (١) فيقنت الإمام) الأعظم استحبابًا (في الفرائض) غير الجمعة (٢) . الحواشي
(١) لأنه لم يثبت القنوت في طاعون عمواس، ولا في غيره، ولأنه شهادة ونسبة الشدة إلى الدهر لا تجوز فإن الله سبحانه هو المتصرف في الكون، وهو الفاعل حقيقة، بيده الأمر، وهو على كل شيء قدير، والطاعون الوباء، وهو عند أهل الطب ورم ردئ قتال، يخرج منه تلهب شديد مؤلم جدا، يتجاوز المقدار في ذلك ويصير ما حوله في الآخر أسود أو أخضر أو أكمد، ويئول أمره إلى التقرح سريعا، وأكثر ما يحدث في الإبط وخلف الأذن والأرنبة، واللحوم الرخوة ويعبر به عن ثلاثة أمور، خراجات وقروح وأورام رديئة حادثة في تلك المواضع ونحوها، والثاني الموت الحادث عنه، كما هو شهادة والثالث السبب الفاعل لهذا الداء، وجاء أنه رجز، ووخز الجن ودعوة نبي.(٢) لأنها عيد المؤمنين، والمطلوب للعيد الفرح والمسرة، وإذا قنت بهم ذكرهم النازلة، وفي المبدع: وظاهر كلامه مطلقا، فالمذهب الاستغناء عنه بالدعاء في الخطبة، واختار الموفق والشارح وغيرهما في الفجر، لفعل النبي ﷺ قاله الشارح: لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه إلا في الوتر والفجر، وعنه والمغرب، والمشهور في المذهب في الصلوات كلها، والإمام الأعظم هو الذي يقنت، فيتعدى الحكم إلى من يقوم مقامه، وعن أحمد: نائب الإمام يقوم مقامه، اختاره جماعة، لقيامه مقامه، وعنه: ويقنت إمام جماعة، وعنه: كل مصل، اختاره الشيخ، قال: ولا يقنت في غير الوتر، إلا أن تنزل
بالمسلمين نازلة، فيقنت كل مصل في جميع الصلوات، لكنه في الفجر والمغرب
آكد بما يناسب تلك النازلة، كما أنه إذا دعا في الاستسقاء دعا بما يناسب المقصود كما جاءت به السنة، ولا يدعو بما خطر له.стр. 773
ويجهر به في الجهرية (١) ومن ائتم بقانت في فجر تابع الإمام وأمن (٢) ويقول بعد وتره: سبحان الملك القدوس، ثلاثا ويمد بها صوته في الثالثة (٣) (و التراويح) سنة مؤكدة (٤) . الحواشي
(١) إجماعًا، ويؤمن من خلفه، كما تقدم.(٢) أي: تابع الإمام في دعائه: «لحديث إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، ونحوه وأمن المأموم على دعاء إمامه إن سمع القنوت، وإن لم يسمع دعا، قال الشيخ: وإذا فعل الإمام ما يسوغ فيه الاجتهاد، تبعه المأموم فيه، وإن كان هو لا يراه، مثل القنوت في الفجر، ووصل الوتر.(٣) رواه أبو داود وغيره بسند صحيح، وقال العراقي: هي مصرح بها في حديث أبي وابن أبزى، وكلاهما عند النسائي بإسناد صحيح، وزاد ابن القيم وغيره: «رب الملائكة والروح» ، ويقول: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» ، رواه أبو داود وغيره بسند صحيح، وتقدم في قنوت الوتر، وللنسائي وغيره، يقوله إذا فرغ من صلاته، وفسر بعضهم رواية: في آخر وتره، يعني بعد السلام منه، وفي صحيح مسلم عن عائشة، في سجوده.(٤) في رمضان، بإجماع المسلمين، سنها رسول الله ﷺ لحديث عائشة الآتي وغيره، وليست محدثة لعمر، وهي من أعلام الدين الظاهرة، وقدمت على الرواتب لفعل النبي ﷺ وإقراره، ولاتفاق الصحابة على فعلها جماعة، بأمر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، الذي أمر الناس
بسنته، في قوله ﷺ «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين»
وفعل الصحابة لها مشهور، وتلقته الأمة عنهم خلفًا عن سلف، وجاء في فضلها أحاديث كثيرة، منها قوله ﷺ : «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه، وليست واجبة، لأنه صلاها ﷺ بأصحابه ليلتين أو ثلاثًا ثم تركها وقال: خشية أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها.стр. 774
سميت بذلك لأنهم يصلون أربع ركعات، ويتروحون ساعة أي يستريحون (١) (عشرون ركعة) لما روى أبو بكر عبد العزيز في الشافي، عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يصلي في شهر رمضان عشرين ركعة (٢) . الحواشي
(١) وقال بعض أهل اللغة: التراويح جمع ترويحة، وهي في الأصل اسم للجلسة مطلقًا، ثم سميت بها الجلسة التي بعد أربع ركعات في ليالي رمضان، لاستراحة الناس بها، أو لأنهم كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، وفي المصباح، «أرحنا بالصلاة» ، أي أقمها، فيكون فعلها راحة، وصلاة التراويح مشتقة من ذلك، وهي قيام شهر رمضان، قال في الفروع: ويستريح بين كل أربع اتفاقًا، ويدعو فعله السلف ولا بأس بتركه.(٢) ورواه ابن أبي شيبة، وفيه جده إبراهيم بن عثمان متفق على ضعفه وروى البيهقي في المعرفة عن السائب بن يزيد، قال: كنا نقوم في زمن عمر بعشرين ركعة والوتر، قال النووي: إسناده صحيح، وروى مالك وغيره: كان الناس يقومون في زمن عمر في رمضان بثلاث وعشرين ركعة، فكونها عشرين سنة الخلفاء الراشدين، قال القاضي: ولا خلاف أنه ليس في ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وإنما الخلاف في فعل النبي ﷺ وما اختاره لنفسه ﷺ اهـ.
وتواتر عن النبي ﷺ أنه كان لا يزيد في رمضان ولا في
غيره على إحدى عشرة ركعة، وفي رواية ثلاثة عشرة ركعة، ولما ثقل بتسع وسبع، وإنما اختار الإمام أحمد وجمهور العلماء عشرين ركعة، لأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زاد فيها زاد الأجر بلا نزاع.
وقال شيخ الإسلام: له أن يصلي عشرين: كما هو المشهور في مذهب أحمد والشافعي، وله أن يصليها ستًّا وثلاثين، كما هو مذهب مالك، وله أن يصلي إحدى عشرة وثلاث عشرة، وكله حسن فيكون تكثير الركعات أو تقليلها بحسب طول القيام أو قصره، وقال: الأفضل يختلف باختلاف المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام بعشر ركعات وثلاث بعدها، كما كان النبي ﷺ يصلي لنفسه في رمضان وغيره فهو الأفضل، وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين هو الأفضل، وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، فإنه وسط بين العشر والأربعين، وإن قام بأربعين وغيرها جاز، ولا يكره شيء من ذلك، ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد مؤقت لا يزاد فيه ولا ينقص فقد أخطأ، وقد ينشط العبد فيكون الأفضل في حقه تطويل العبادة وقد لا ينشط فيكون في حقه تخفيفها.стр. 775
(تفعل) ركعتين ركعتين (في جماعة مع الوتر) (١) . الحواشي
(١) أي يسلم من كل ركعتين، لحديث «صلاة الليل مثنى مثنى» ، ويوتر بعدهابسلامين كما تقدم، وفي جماعة أفضل من الانفراد لإجماع الصحابة ﵃، وإجماع أهل الأمصار على ذلك، وهو قول جماهير العلماء، وتجوز منفردًا، وقال مالك والشافعي: في البيت أفضل لخبر «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» وقال البغوي وغيره: الخلاف فيمن يحفظ القرآن، ولا يخاف الكسل عنها لو انفرد، ولا تختل الجماعة في المسجد بتخلفه، فإن فقد أحد هذه الأمور فالجماعة أفضل بلا خلاف.следующие страницы →