← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

كائن على ظن أنّي قد مسّني الخوف أفرح بقولكم (١) أم بالحقّ من عند الله، وإنّما سألهم قبل أن يعرفهم. ﴿مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ الآيسين. ﴿قَدَّرْنَا﴾ أراد تقدير الله تعالى، فهو قضاؤه الحتم، وإنْ كان تقدير الملائكة فهو تخمين منهم. قال لوط: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ لأنّه (٢) لم يعرفهم، فظنّ أنهم لصوص. ﴿بِمَا كَانُوا فِيهِ﴾ الهلاك والعذاب (٣). ﴿وَقَضَيْنَا﴾ أوحينا ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ الشأن والقضية ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ﴾ برحمة للأمر المقضيّ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أي حالة إصباحهم. ﴿فَلَا تَفْضَحُونِ﴾ فلا تخزون. ﴿عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ عن إجارتهم وحمايتهم. ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [مرفوع على الابتداء تقديره: لعمرك] (٤) قسمي، والعمر: البقاء، وفي هذا القسم شرف لرسول الله (٥).

стр. 1052

﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ الهدّة عند انقلاب القريات من نحو السماء وانحدارها إلى الأرض، ويحتمل أن جبريل صاح بهم حينئذ، وقيل: الصيحة: الفزع والهلاك دون الصوت. ﴿مُشْرِقِينَ﴾ حالة الإشراق، وإنما وقعت العبارة بالإشراق والإصباح جميعًا لأنّ رفع القريات كان في وقت الإصباح، وانحدارها في وقت الإشراق. ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ المتبصرين (١) المستدلّين بالسِّمات والأمارات، قال ﵇: "اتّقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله"، ثم قرأ: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ (٢). ﴿وَإِنَّهَا﴾ أي المؤتفكات (٣) ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ طريق واضح بيّن أثره، كان أهل مكّة يمرّون بها في أسفارهم، وإنها الأيكة (٤) والمؤتفكات، وقيل: مدبرين والأيكة.

стр. 1053

﴿لَبِإِمَامٍ﴾ طريق (١)، وإنما قيل ذلك لأنّه يتبع إلى المقصد، قال ابن عمر: مررنا مع النبيّ ﵇ (٢) على الحجر، فقال لنا: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلاّ أن تكونوا باكين حذرًا أن يُصيبكم مثل ما أصابهم"، ثم زجر فأسرع حتى خلفها (٣)، وإنما أمرهم بالبكاء ليبالغوا في التفكّر والاعتبار، وإنّما حذَّرهم لأنّهم لو لم (٤) يعتبروا لكانوا مستخفّين بآيات الله في أرضه، فاستحقّوا العقاب. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (٥)﴾ اتّصالها من حيث نفي الجور في إهلاك هؤلاء الأُمم الماضية، ومن حيث نفي العبث في التخليق. ﴿الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ إن كان متاركة فهو منسوخ بآية السيف، وإن كان ما يضاد الإكراه فهو باقٍ في حق العرب لأنّهم إن قبلوا الجزية صفحنا عنهم، وإن كان المراد به ترك الفحش والشَّتم، فهو باقٍ في حق الكافة. ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ عن النبيّ ﵇ (٦) أن: "السبع المثاني هي سورة الحمد لله ربّ العالمين" (٧). ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ ابن عباس: نهى الله رسوله عن الرغبة في الدنيا (٨)،

стр. 1054

فحظر علينا النظر (١) إليها بعين الرغبة. رُوِيَ عنه ﵇ أنّه مرّت به غنم في أيّام الربيع، فغطّى كمّه على عينيه، فقيل له في ذلك، فقال: "بهذا أمرني ربّي" (٢) ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ رجالًا ونساءً، أو ذكورًا وإناثًا، أو سخيًّا وبخيلًا، أو المكتسبين والعاجزين. ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ لم يُؤمنوا ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ تواضع لهم وليّن جانبك لهم. ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا﴾ التشبيه عائد إلى قوله: ﴿آتَيْنَاكَ سَبْعًا﴾ مجاهد: أهل الكتاب اقتسموا الكتاب (٣) فيما بينهم، فحذفوا بعضًا وحرّفوا بعضًا (٤) واختلقوا في بعض ونقلوا على الوجه بعضًا، أي: آتيناك المذكور. ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا﴾ الكتاب ﴿عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ من قبل، وقال ابن زيد (٥): إنّ المقتسمين هم أصحاب الحجر قوم صالح. ﴿تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩]. وعن ابن عبّاس (٦): هم الذين اقتسموا وجوه القرآن فيما بينهم، وهم من قريش؛ فزعم بعضهم أنه شعر، وبعضهم أنه سِحر، وبعضهم (٧) ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾ [الأنعام: ٢٥]، وبعضهم أنه ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] (٨) تقديره: آتيناك المذكور كما أنزلنا العذاب على هؤلاء المقتسمين المستهزئين. ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ﴾ مجاهد: التوراة والإنجيل والقرآن، وقال ابن زيد:

стр. 1055

ما أتى به صالح، وهذا القول على إحدى (١) روايتي ابن عباس. ﴿عِضِينَ﴾ أجزاء واحدها عضّة أصلها عضوة (٢). ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال: عن لا إله إلاّ الله (٣)، وإنّما وقعت العبارة عن قول لا إله إلاّ الله بالعمل؛ لأن إظهاره من عمل اللّسان، وإنْ لم يكن القول في الحقيقة عملًا. ﴿فَاصْدَعْ﴾ الصدع: الفرق والفصل. ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ عن عروة بن الزبير: هم خمسة: الأسود بن عبد يغوث، وأبو زمعة الأسود بن المطلب، والعاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، وابن غَيطلة الحارث بن قيس السهمي؛ فجاء جبريل ﵇ إلى رسول الله (٤) ﷺ -وهو يطوف بالبيت، فقام (٥) إلى جنبه وهم يطوفون، فمرّ به الأسود بن المطلب، فرمى في وجهه بورقة خضراء فغمي، ومرّ به الأسود بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه فقام من الليل فشرب، فحبن بطنه فمات حبنًا، ومرّ به العاص بن وائل فأشار جبريل ﵇ إلى أخمص رجله، فخرج على حمارٍ له يريد الطائف فربض به حماره على شبرقة فدخلت منه شوكة في أخمص رجله منعت عليه فقتلته، ومرّ به الحارث بن قيس وهو ابن العيطلة، فأشار إلى رأسه، فامتحض بها، ومرّ به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعبه

стр. 1056

كان أصابه قبل ذلك، وذلك أنه مرّ برجل من خزاعة يريش نبلًا له فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدشه في ذلك الموضع، فلم يكُ شيء يومئذ، فلمّا أشار إليه ببعض ذلك الخدش فقتله، وكان قد أوصى بنيه أن يُطالبوا خزاعة بدمه، وقال: والله إنّي لأدري أني لم أُقتل بسهمهم، ولكن أخاف أن يسبوا بعدي، وذكر باقي الحديث (١). وعن أبي يزيد المدني قال: جاء جبريل ﵇، فأخذ بيد النبيّ ﵇، فأجلسه على طريق المشركين، فمرّوا به قال: فيقول جبريل: مَنْ هذا؟ قال: فلان، ولم يسمّه، قال: كفيناك هذا في عينه، قال: ومرّ به آخر، فقال: مَنْ هذا؟ قال: فلان بن فلان، قال: كفيناك هذا في كليته، وجبريل أعلم بهم منه، قال: منهم من سألت حدقته على نحوه، ومنهم من أخذته في بدنه، فأمّا صاحب اليدين فمرّ برجل يرمي فتعلق سهم بردائه فقطع أكحله، فمات. وعن عكرمة: أخذ جبريل بظهر الأسود بن عبد يغوث فحناه حتى استوقف، فقال ﵇: "خالي خالي"، فقال جبريل ﵇: دَعْه عنك فقد كفيتك. وذكر الكلبي: أنّهم ماتوا جميعًا في يوم إلا أبا زمعة، فإنه عمِي يومئذ، ثمّ خرج إلى الصَّحراء ذات يوم ومعه غلام فأتاه جبريل ﵇ وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك، فاستغاث بغلامه فقال غلامه: ما أرى أحد يصنع بك شيئًا غير نفسك، حتى مات وهو يقول: قتلني ربّ محمَّد، قال: وأكل الحارث بن قيس السهمي حوتًا مالحًا، ويقال: طريًا، فلم يزل (٢) ليشرب (٣) عليه الماء حتى انقدّ فمات، وهو يقول: قتلني ربّ محمّد. قال: وخرج العاص بن وائل في يوم مطير وابنان له، فنزل شعبًا من الشّعاب، فلما وضع قدمه على

стр. 1057

الأرض قال: لُدغت، قال: فطلبوا فلم يجدوا شيئًا، وانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير، فمات مكانه. وأصاب الأسود بن عبد يغوث سموم فاسودّ حتى عاد حبشيًّا، فأتى أهله فلم يعرفوه، فأغلقوا دونه الباب حتى مات، وهو يقول: قتلني ربّ محمد لضيق صدري (١). عن الحسن: كان عند النبيّ (٢) رجل فجعل يعرض عليه الإسلام، قال: فقال: والله إني لكاره لما تدعوني إليه، قال: "وأنا والله، لقد (٣) كنت كارهًا، ولكني أكرهت عليه أنّ الله بعثني بالرسالة، فضقت به ذرعًا ووعدني فيها لأبلغن أو ليعذّبنني"، فقال الحسن: فبلغ والله رسول الله حتى عذره الله، فقال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾ [الذاريات: ٥٤]. ﴿مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ كن ساجدًا، وإنما جمع لوقف رؤوس الآي، ويحتمل أن المراد بالساجدين الأنبياء ﵈ اللهمّ. ﴿يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ الموت (٤). ...

стр. 1058

سُوْرَةُ النّحْلِ مكية، عن ابن عباس وعطاء وابن المبارك (١) وجماعة إلا قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ [النحل: ١٢٦]، الآية فأنزلت في منصرف النبي ﵇ من أحد (٢)، وروى همام ومعمر عن قتادة أنها مدنية (٣)، وكذا عن أُبي، وعن الحسن أن (٤) أربعين آية من أولها مكية والباقي مدني (٥)، وعن ابن عباس وقتادة أن من أول السورة إلى قوله: ﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ٩٤]، مكي، ومن قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾ [النحل: ٩٥]، إلى قوله: ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦]، مدني (٦)، وهي مائة وثمان وعشرون آية (٧) والله أعلم. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ﴾ ابن عباس قال: لما نزلت (٨) هذه الآية ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ

стр. 1059

حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] الآية ثم نزلت ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١]، ثم أميلت (١) قالت كفار قريش: يا محمَّد تزعم أنه قد اقترب للناس حسابهم والله ما يرى (٢) مما تقول شيئًا، قال: فنزل ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ﴾ فوثب رسول الله ﵇ (٣) لا يشك أن العذاب قد أتاهم حتى قال له جبريل ﵇: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فجلس رسول الله ﷺ (٤). ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ المشركين (٥)، فإن إعلامهم بتوحيد (٦) الله هو الموجب للخوف لما هم فيه من الباطل. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ عن ابن عباس: أن النبي ﵇ ذكر لقريش القرون الماضية وماذا أهلكوا به وقال: ثم يعيدهم الله خلقًا جديدًا بعد الموت يوم القيامة، فأخذ أُبي بن خلف عظمًا باليًا نخرًا يتحات بلى فجعل يفته بيده ويذريه في الرياح ويقول: عجبًا لمحمد يزعم أنه يعيدنا إذا كنا عظامًا ورفاتًا بمنزلة هذا العظم البالي، وإنما يعاد خلقًا جديدًا إلى الدنيا فتنفخ الروح! هذا والله لا يكون أبدًا، فنزل في ذلك: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [يس: ٧٧] ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ بالعظم ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨]، الأول (٧). ﴿دِفْءٌ﴾ نسل كل دابة، عن ابن عباس (٨)، وقيل: نتاج الإبل وألبانها (٩)، وقيل: سخونة أوبارها وأشعارها يستدفئونها.

стр. 1060

﴿جَمَالٌ﴾ حسن المنظر ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ تردون الإبل إلى بيوتكم ومنازلكم رواحًا (١) ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ بالغداة إلى المرعى. ﴿إِلَى بَلَدٍ﴾ قيل: مكة حرسها الله (٢)، وفي الحديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد رسول الله والمسجد الأقصى" (٣). والظاهر أنه أي بلد كان. ﴿وَالْبِغَالَ﴾ ما يولد من الحمار والفرس، وفي الآية دليل على كراهية لحم الفرس (٤) ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ عام، وعن قتادة أنه السوس في النبات (٥) والدود في الفواكه (٦).

стр. 1061

﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ أي إلى الله الهداية ﴿وَمِنْهَا﴾ ومن السبيل ﴿جَائِرٌ﴾ زائغ مائل شجر كله ما ينبت من الأرض. ﴿تُسِيمُونَ﴾ تزرعون (١). ﴿وَمَا ذَرَأَ﴾ في محل النصب عطفًا على ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ (٢) وقيل: في محل الخفض عطفًا على قوله: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ﴾ وقيل: في محل رفع بالابتداء وخبره الجملة، و (الذرء): الخلق (٣)، و (الألوان) الأجناس مجازًا أو الأصباغ حقيقي (٤). ﴿طَرِيًّا﴾ جديد (٥)، وقيل: أراد الطبري والمالح جميعًا، اقتصر على أحد طرفي الكلام كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، ﴿حِلْيَةً﴾ يعني اللؤلؤ والياقوت والمرجان والعنبر ﴿مَوَاخِرَ﴾ فواعل (٦) يقال: مَخَرَت السفينة إذا شقت الماء بصدرها ﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾ الواو مقحمة، وقيل: للعطف على مضمر (٧)، أي لتتفكروا ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾.

стр. 1062

﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ أي لئلا وكراهة أن تميد تميل وتتحرك ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا﴾ وجعلنا فيها أنهارًا سبلًا. ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يعني أهل البادية المتحرين للقبلة بضوئها وبتيامنها وتياسرها في الليالي، وأصحاب الزروع بطلوعها وغروبها، والمحاسين بطوالعها وغواربها إذ لم يكن معهم آلة يقدرون بهذا ظل الشمس بالنهار. ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ يعني الطواغيت كلها من الجن والإنس والأصنام. ﴿أَمْوَاتٌ﴾ أي الذين تدعونهم من دون الله وهم الشيطان والفراعنة ﴿أَمْوَاتٌ﴾ بقلوبهم ليست لهم حياة الإيمان, ويحتمل أن المدعوين قوم درجوا وانقرضوا من هؤلاء الشياطين والفراعنة، ويحتمل الأصنام على سبيل الحقيقة عند من يجعل الموت والجحود شيئًا واحدًا، وعلى سبيل المجاز عند من يجعل الموت معنى تعقب الموت (١) ﴿أَيَّانَ﴾ أوان. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ عن ابن عباس: نزلت في المقتسمين وذلك أن المشركين بعثوا ستة عشر رجلًا إلى عقبات مكة على طريق الناس أيام الحج، على كل عقبة أربعة ليصدوا (٢) الناس عن رسول الله وقالوا لهم: من أتاكم يسألكم عن محمَّد فليقل بعضكم: هو شاعر، وبعضكم: هو كاهن، وبعضكم: هو مجنون، وبعضكم: هو يتلو علينا أساطير الأولين، وأن لا تروه ولا يراكم خير لكم، فإذا انتهوا إلينا صدقناكم. وبلغ ذلك رسول الله ﷺ فبعث إلى كل أربعة أربعة من المسلمين ليكذبوهم ويقولوا: "هو يهدي إلى الحق ويأمر بصلة الرحم ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى الخير"، فكان الناس يسألونهم: ما

стр. 1063

هذا الخير الذي يدعو إِليه؟ فكانوا يقولون: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ فكانوا يسألون ما هذه الحسنة؟ فكانوا يقولون: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ الآية (١). ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ في التفسير أن نُمرود بن كَنعانَ كان بني صرحًا ببابل يمكر به ويسخر ويهمس (٢)، عن ابن وهب: كان طولهُ في السماء خمسة آلاف ذراع (٣)، وعن كعب: كان فرسخين، فهبت ريح فألقت رأسه وخرّ عليهم الباقي من فوقهم (٤)، ويحتمل أن ذكر البنيان وهدمه على وجه التمثيل والاستعارة كنقض الغزل. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هم الراسخون من جملة المؤمنين يستدلون بهذا الخطاب يوم القيامة أن الكفار المخصوصون بالزجر والإنكار وإدخال النار. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ استفهام بمعنى اللوم والتقريع. ﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ (٥)﴾ دون أمره وإذنه ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي هكذا احتج بالتقدير عند التذكير ولزوم النكير لرفع التعيير الذين كانوا من قبلهم. وإنما جاز قوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي﴾ جزاء الشرط المذكور لما فيه من الإعلام، أي فاعلم أن الأمر على هذه الصورة وبعد هذه الفترة، أي ليبعث الموتى وليبين على طريق المشاهدة. ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا في اللهِ﴾ عن ابن عباس نزلت في ستة نفر من أصحاب رسول الله ﷺ أسرهم أهل مكة بلال بن رباح المؤذن وعمار بن

стр. 1064

ياسر وصهيب بن سنان وخباب بن الأرت وعايش (١)، وحين أسروهم وعذبوهم ليردوهم عن الإسلام، فأما صهيب فابتاع نفسه بماله وفيه نزل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٠٧] الآية، وأما سائر أصحابه فنالوا بعض ما أرادوا ثم هاجروا بعد ذلك إلى المدينة ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي كانت قلوبهم مطمئنة بالإيمان. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي أرسلنا هؤلاء الرسل بالبينات ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ يدل أن القرآن ما لا يعلم إلا بالتوقيف النبوي، وقوله: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يدل أن فيه ما يعلم بالتفكر والتدبر، فأما ما لا يعلم تأويله إلا الله فذلك جنس ثالث. وقد بين ذلك في أثناء المحكمات على طريق الإجمال دون اليقين، وما يعلم معناه عند ورود الخطاب من غير توقيف ولا تدبر (٢) ولا تفكر جنس رابع، وهو (٣) الحجة على جميع العقلاء. ﴿أَنْ يَخْسِفَ الله بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ خسف سوحها بما فيها ويحتمل تقليب الأعيان وإفساد الأبنية، وكان المراد بالخسف حالة القرار (٤) والسكون، ولذلك انعطف عليها حالة التقلب (٥). ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ فالمتقدم حالة الأمن فانعطف حالة الخوف عليها، وإن أراد الحالتين فمعناه يتخوف وهو بأن يلقي الرعب في قلوبهم فلا يزالون يتخوفون من كل شيء لا يطيب لهم.

стр. 1065

﴿دَاخِرُونَ﴾ صاغرون، عدي بن أرطأة قال: ألا أحدثكم بحديث (١) ما بيني وبين رسول الله إلا رجل قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله (٢) ملائكة في السماء السابعة سجود منذ خلقهم إلى يوم القيامة ترعد فرائصهم لا تقطر من دموعهم قطرة إلا صار ملكًا قائمًا، فإذا كان يوم القيامة رفعوا رؤوسهم فقالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك" (٣). ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ قيل: من جهته فوقهم فهم يخافون نزول عذاب ربهم من تلك الجهة، وقيل: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾ الذي ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ بلا كيفية (٤). ﴿اثْنَيْنِ﴾ للتأكيد لا لتعليق الحكم بعدد (٥) محصور، يدل عليه ما بعده وهو قوله (٦): ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. ﴿وَاصِبًا﴾ قال أبو عبيدة: دائمًا (٧)، وقال ابن عرفة: ثابتًا دائمًا ﴿تَجْأَرُونَ﴾ ترفعون أصواتكم بتلبية واستغاثة، والمراد به حوارهم حالة الاضطرار.

стр. 1066

﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا﴾ كقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦]. ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ عن ابن عباس أن بني خزاعة وبني كنانة كانوا يزعمون أن الملائكة إناث وأنهم بنات الله (١)، تعالى الله (٢) عما يقولون، ﴿وَلَهُمْ﴾ قيل: الواو للاستئناف، وقيل: للعطف (٣). ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ لكراهتهم البنات فكانت تجمع همومهم في قلوبهم وتتزايد أنفاسهم في صدورهم فيكظمون بها، والمخنوق يسود وجهه باجتماع الدم المخنوق الكثير في بشرته. ﴿يَتَوَارَى﴾ يختفي بما يواري ﴿أَيُمْسِكُهُ﴾ وترتب (أم) عليها لإثبات إحدى الحالتين حقيقة وضرورة لا بعضها، ومجازة. إما ليفعلن (٤) كذا وإما ليفعلن كذا (٥)، ﴿هُونٍ﴾ هوان، والهاء عائدة إلى ما بشر به، و (الدّس): إدخال الشيء في الشيء، كانوا يقتلون أولادهم خشية إملاق فأنزل ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾ [التكوير: ٨]. ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ نسبة البنات إلى الله تعالى، أو وأد البنات وقيل لسوء وصفهم الباطل والدون (٦). ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ (٧) وصفة الصدق والحق، قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤] الآية.

стр. 1067

﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ الذين يصفونه بالتعطيل عن الصفات (١). ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ صور الجهل عقلًا والأماني براهين ووسوس بالملاذ العاجلة حتى يؤثرها على المصالح الآجلة ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ لانعقاد أسباب الاتحاد (٢) بينه وبينهم بعد انحدارهم عن التوفيق إلى الخذلان. ﴿الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ هو قيام الساعة، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ [الذاريات: ٨,٧]، وقال: ﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)﴾ [النبأ: ٢ , ٣] وقيل: هو القرآن، فقيل: إنه سحر وشعر وكهانة يدل عليه قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، ثم ترتب عليه بفعل آخر فيه التعرف بصفات الفعل والوجدان لاعتبار أن الجمع والجنس قريبين. ﴿فَرْثٍ﴾ رجيع (٣) في الكرش والأمعاء ودم في العروق (٤). ﴿لَبَنًا﴾ هو الحليب الطيب لا يشبه المجاورين الخبيثين في طعم ولا لون ولا رائحة ولا طبيعة مع لطافته وسرعة استحالته، وأنه يجري من الطعام والشراب ويتخذ منه الحلو والحامض والمالح والرقيق والخاثر والمنعقد، ينفع كل واحد لشيء ويستلذ بكل شيء. وقال ﵇: "إن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل معه دواء فعليكم بألبان البقر فإنها ترم من كل الشجر" (٥).

стр. 1068

قال ابن عباس: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ (١) على ميمونة فجاءتنا بإناء من لبن فشرب النبي ﵇ وأنا على يمينه وخالد على شماله فقال لي: "الشربة لك فإن شئت آثرت بها خالدًا" (٢)، فقلت (٣): ما كنت لأؤثر على سؤرك أحدًا، ثم قال ﵇: "من أطعمه الله طعامًا فليقل اللهمَّ بارك لنا فيه وأطعمنا خيرًا منه، ومن سقاه الله لبنًا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه" (٤). وعن أبي هريرة عنه ﵇: "نزل عليّ ملكان بأربعة أقداح لبن وعسل وخمر وماء فقالا: إن يشرب الخمر يغو وتغو أمته، وإن يشرب العسل يسفه وتسفه أمته، وإن يشرب الماء يغرق وتغرق أمته، وكنت رجلًا أحب اللبن فأخذت قدح (٥) اللبن فشربت منه ثلاثة أنفاس، فصعد الملكان وهما يقولان: رشد ورشدت أمته الحمد لله الذي هداه للفطرة لشرب إبراهيم ﵇ (٦). ﴿سَكَرًا﴾ خمرًا وهو نقيع التمر والزبيب إذا اشتد قبل الطبخ، عن ابن مسعود أن رجلًا به صفار أتاه فسأله عن السكر فنهاه (٧) ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ هو المطبوخ من نبيذ التمر والزبيب التي من عصير العنب، وقيل: نزلت قبل تحريم الخمر.

стр. 1069

(وأوحى إليهم) كقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١]، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧]. ﴿النَّحْلِ﴾ بين الذباب والزنبور يذكَّر ويؤنث ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ قيل: بعضها كقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وقيل: الجميع كقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] لأنها تجنب شيئًا من الثمرات. ﴿سُبُلَ رَبِّكِ﴾ الوصول إلى اتخاذ العسل دون سبل الشريعة ﴿ذُلُلًا﴾ حال للسبل، وقيل: حال للنحل (١)، ﴿مِنْ بُطُونِهَا﴾ وهي الأفواه، وقيل: من بطونها حقيقة، ﴿فِيهِ﴾ في العسل (٢)، وقيل: في القرآن (٣) ﴿شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ من كل داء، وقيل: هو خاص، والعسل يعجن بها (٤) الترياقات والمسهلات الحواريات (٥)، وقالت عائشة: "كان أحب الشراب إلى رسول الله ﷺ (٦) الحلو البارد" (٧)، وقال القتبي: يعني العسل، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (٨): "من لعق العسل ثلاث غدوات في كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء أبدًا" (٩).

стр. 1070

﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ الهرم ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ﴾ لا يعقل (١)، وقيل: العلم الكسبي. ﴿وَاللهُ فَضَّلَ﴾ ابن عباس: نزلت في نصارى نجران (٢) أنهم استقبحوا إشراك مماليكهم معهم في الأموال فكان إشراكهم عيسى ﵇ (٣) بالله تعالى أقبح. ابن عباس في قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قال: البنون الصغار والحفدة ما قد أعان والده على عمله (٤)، وقال ابن مسعود: البنون الأولاد والحفدة الأختان (٥)، وقيل: الحفدة أولاد الأولاد (٦)، وقيل: الخدَم (٧). ﴿رِزْقًا﴾ مصدر نصب بالملك و ﴿شَيْئًا﴾ اسم نصب بالرزق (٨)، وإنما وحِّد الفعل في أول الآية وجمع في آخرها. الإبهام ما كالذي. ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ قالوا: هي (٩) منا بمنزلة الوالد من الولد ووصفوه بالكيفية.

стр. 1071

﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ على انفاق شيء، تقديره: من كان عبد كل شيء (١) ثقل وعيا واشتقاقه من الكلال وهو العي. ﴿كَلَمْحِ﴾ كلحظ وهو أيسر فعل وأسرعه، فوقع التشبيه به لتعلموا إنما هو آت آت وكأن قد وقع، وقيل: التنبيه على أن الساعة متصلة بأيام الدنيا ليس بينهما زمان. ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ أراد نفي الفعل والعلم الكسبي. ﴿جَوِّ السَّمَاءِ﴾ الهواء مجملة تفسيرها ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]. ﴿سَكَنًا﴾ موضع سكون وقرار للحاضرة ﴿مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ وهي القباب والقشوع من الأديم ﴿ظَعْنِكُمْ﴾ ارتحالكم و ﴿إِقَامَتِكُمْ﴾ لبثكم في المنازل ﴿أَصْوَافِهَا﴾ شعر الغنم ﴿وَأَوْبَارِهَا﴾ شعر الإبل ﴿وَأَشْعَارِهَا﴾ ما لا يتلبد، و (الأثاث) أمتعة البيت حين زمان الخلوقة (٢) والبلى. ﴿ظِلَالًا﴾ هي ظلال الغيوم والأشجار والأخبية ونحوها. ﴿سَرَابِيلَ﴾ قمص، وهذا مقتصر على أحد طرفي الكلام ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ وهو الدروع والجواشن والجباب المحشوة من القز ونحوه. ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ﴾ بأنها منه ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ ويسندون اتصالها إلى الأصنام. ﴿وَيَوْمَ﴾ واذكر يوم شهد الأنبياء والأئمة ﴿لَا يُؤْذَنُ﴾ حالة الختم على الأفواه كقوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥] والاستعتاب طلب العتبى وهو الرضا. (إلقاء القول): صرفه. ﴿السَّلَمَ﴾ الاستسلام والخضوع. ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ أي فوق ما هم فيه.

стр. 1072

﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ شهادة أن لا إله إلَّا الله ﴿وَالْإِحْسَانِ﴾ القيام بالفرائض ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ صلتهم ﴿عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ما لا يعرف في شريعة ولا سنة، وقيل: ما وعد الله عليه النار ﴿وَالْبَغْيِ﴾ الاستطالة توكيدها تشديدها وتوثيقها. ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ أي كامرأة تنقض غزلها، ومن شرط الأمثال التصور دون الوجود، وزعم الكلبي أنها امرأة قرشية حمقاء كانت في قديم الدهر تسمى ريطة (١) وتلقب جعراء، كانت تغزل بمغزل مثل غلظ الذراع والصدارة مثل الإصبع وفلكة عظيمة فأبرمته وأمرت جاريتها فنقضته ﴿أَنْكَاثًا﴾ فنهى الله هذه الأمة أن تكون مثلها، والأنكاث جمع نكث (٢) ﴿دَخَلًا﴾ دَغْلًا ومكرًا وخديعة (٣) ﴿أَنْ تَكُونَ﴾ أو بأن تكون أو كراهة أن تكون قبيلة أكثر عَددًا أو عِددًا من قبيلة. قال ابن عباس: كان بين كندة وبين مراد (٤) قتال حتى كلّ الظهر، ثم تواعدوا ستة أشهر حتى يصلح الظهر وتجم الخيل، فلما مضت خمسة أشهر أمر قيس بن معدي كرب قومه بالتوجه إليهم فقالوا: قد بقي من الأجل شهر، فمكث حتى علم أنه بايتهم بعد انقضاء الأجل ثم سار إليهم فإذا هو يوم انقضاء الأجل فقتلوه

стр. 1073

وهزموا قومه. بين كيفية زلل الأقدام بنقض الأيمان بعد التوثيق والإبرام لأنها نزلت من الفريقين. ﴿مَا عِنْدَكُمْ﴾ هو ما استعرضنا الله تعالى من العاجل ﴿وَمَا عِنْدَ اللهِ﴾ هو ما وعدناه من الآجل ﴿يَنْفَدُ﴾ يفنى (١) ﴿بِأَحْسَنِ﴾ الذي لم يختلط به ما يفسده ويحبط أجره وهو الإيمان. قال ابن عباس أن وفدًا من كندة وحضرموت قدموا على رسول الله فأسلموا ولم يهاجروا وأقروا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم إن رجلًا من حضرموت يقال له عبدان بن أشوع قال: يا رسول الله إن امرأ القيس الكندي (٢) جاورني في أرضي فاقتطع أرضي فذهب بها وغلبني عليها، فأنكر الكندي فأنزل ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ﴾ الآيتان، فقرأهما رسول الله على امرئ القيس فقال: أما ما عندي فينفد، وأما صاحبي فيجزى بأحسن ما كان يعمل، اللهم إنه صادق فيما قال، يا رسول الله لقد اقتطعت أرضه والله ما أدري كم هو ولكنه يأخذ من أرضي ما شاء ومثلها معها بما أكلت من ثمرها، فنزل في (٣) امرئ القيس (٤). ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ ﴿حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ في الجنة (٥)، وقيل: في الدنيا بكسب الحلال (٦)، وقيل: بالقناعة (٧)، وقيل: بأن لا تحوج إلى أحد.

стр. 1074

﴿فَإِذَا قَرَأْتَ﴾ قصدت قراءة القرآن، اتصالها من حيث إن الاستعاذة من الأعمال الصالحة. ﴿لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ﴾ واستثناء إنما كان له (١) عليهم سلطان لتمكينهم إياه من أنفسهم أول مرة. ﴿بَدَّلْنَا آيَةً﴾ ابن عباس (٢): كان ﵇ إذا نزل عليه آية فيها شدة أخذ الناس بها وعملوا لها ما شاء الله أن يعملوا فيشق ذلك عليهم، فينسخ الله هذه الشدة ويأتيهم بما هو ألين منها وأهون عليهم رحمة من الله لهم، فيقول كفار قريش: والله ما محمَّد إلا يسخر بأصحابه: يأمرهم اليوم بأمر وغدًا بأمر ويأتيهم بما هو أهون عليهم منه، وإنه ليتكذبه ويأتيهم به من عند نفسه، وما يعلمه إلا عياش غلام حُويطب بن عبد العزى ويسار أبو فكيهة مولى ابن الحضرمي وكانا قد أسلما، وكان ﵇ يأتيهما ويحدثهما ويكلمهما وكانا يقرآن كتابهما بالعبرانية فأنزل ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ﴾ الآية يزيد بن رومان: كان بمكة نصراني يقال له جبر، وكان يجلس عند المروة يبيعه له وكان ﵇ يتحدث عنده فتقول قريش: ما يعلِّم محمدًا مما يأتي به إلا جبر النصراني، وقيل: كان يهوديًا (٣) فأنزل ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾. ﴿يَوْمَ﴾ نصب بالغفران والرحمة (٤) ﴿تُجَادِلُ﴾ تدافع وتذب عن نفسها. عن ابن عباس في قوله: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً

стр. 1075

مُطْمَئِنَّةً (١)﴾ قال: هي مكة (٢)، أي هي مثل مكة كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾ [قريش: ٣] الآية وإنما كانت ﴿آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ حين تفرست فيها قريش إلى أن ألحد فيها عمرو بن لحي، ثم ابتلوا بالقحوط مدة بعد مدة وابتلوا بالفجار الأول والفجار الثاني والفيل ويوم بدر ويوم الفتح. (أَنْعُم) جمع (نِعَم) وفي الحديث: نادى منادي رسول الله (٣) أنها أيام طعم ونعم فلا تصوموا (٤)، (إذاقةُ اللباس) كإذاقة العذاب والوبال، وفي الحديث: "لا حتى تذوقي عسيلته وبذوق عسيلتك" (٥). ﴿الْكَذِبَ﴾ نصب بنصب (٦) المضمر أي يصف ألسنتكم الوصف (٧) الكذب (٨). ﴿قَانِتًا﴾ بدل من الخبر الأول (٩) ولو كان صفة للخبر الأول.

стр. 1076

﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾ قال ابن عباس (١): أمرهم موسى ﵇ بيوم الجمعة فقال يفرغون إلى الله في كل سبعة أيام يومًا واحدًا، فاعبدوه في يوم الجمعة ولا تعملوا فيه شيئًا من صنيعكم وستة أيام بصناعتكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا ينبغي إلا اليوم الذي فرغ فيه من الخلق يوم السبت، فجعل ذلك عليهم وشدد عليهم، ثم جاءهم عيسى ابن مريم ﵇ بالجمعة بعده فقالوا: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا يعنون به اليهود، فاتخذوا اليهود بقول الله: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾ وقيل: الضمير عائد إلى إبراهيم ﵇ (٢) ﴿اخْتَلَفُوا﴾ أنه كان يهوديًا أو نصرانيًا. ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ الآية منسوخة بآية السيف وليس فيها ما يوجب كونها منسوخة (٣). ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ عن أبي بن كعب: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلًا ومن المهاجرين ستة منهم حمزة فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم مثل هذا لنربينَّ عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ الآية فقال رجل: لا قريش بعد اليوم، فقال ﵇: "كفوا عن القوم إلا أربعة" (٤).

стр. 1077

عن الفراء (١): لما مثَّل المشركون بحمزة يوم أحد قال ﵇: "لأمثلن به سبعين شيخًا من قريش" فأنزل ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ الآية (٢)، ثم أمره بالصبر فقال: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ ثم أمره بما يصبر عزيمة (٣) فقال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ﴾. ...

стр. 1078

سُوْرَةُ الإسْرَاءِ سورة بني إسرائيل: مكية، إلا ثماني آيات نزلت بالمدينة (١) في وفد ثقيف وهو قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣]، إلى الآيات الثاني (٢)، وعن ابن عباس قوله: ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي﴾ [الإسراء: ٨٠] [نزلت بين مكة والمدينة (٣)، وعن ابن المبارك قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٦]، وقوله: ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي﴾] (٤) نزل في اليهود حيث قالوا لرسول الله: ليست هذه الدار بدار الأنبياء (٥)، وعن الحسن: أن خمس آيات نزلت بالمدينة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي﴾ [الإسراء: ٣٣]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الإسراء: ٥٧]، ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾ [الإسراء: ٢٦] (٦).

стр. 1079

وهي ماية وعشر آيات في غير عدد أهل الكوفة (١)، والله أعلم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: أُسري برسول الله ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول، وذلك قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا (٢)، وقيل: كان الإسراء قبل الهجرة باثني عشر أو ثلاثة عشر شهرًا، وإن الذي كان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا إنما هو المعراج لسبع عشرة من رمضان على ما ذكره الواقدي (٣)، وسنذكر المعراج في سورة "النجم" إن شاء الله تعالى، وقيل: إن ليلة الإسراء وليلة المعراج واحد، وعن أم هانئ بنت أبي طالب: أسري بالنبي ﵇ من شِعب أبي طالب (٤)، وعن ابن عباس: المسجد الحرام، الحرم كله (٥). وعن أم هانئ قالت: ما أسري رسول الله إلا من بيتي (٦)، عن الكلبي عن أبي صالح عن أم هانئ بنت أبي طالب أنها حدثت: أن النبي ﵇ صلَّى في بيتها تلك الليلة العشاء الأخيرة، قالت: فصليت معه ثم قمت وتركته في مصلاه فلم أنتبه حتى نبهني (٧) لصلاة الغداة ثم قال: "قومي يا أم هانئ أحدثك العجب"، قالت: قلت: كل حديثك عجيب، وصلَّى وصلَّيت معه، قالت (٨): فلما انصرف، قال: "أتاني جبريل وأنا في مصلاي، فقال:

стр. 1080

يا محمَّد، اخرج، فخرجت إلى الباب" ثم ذكر الحديث بطوله (١). وعن محمَّد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله: "بينما أنا نائم في الحجر أتاني جبريل ﵇ فغمزني برجله [فقمت فلم أر شيئًا فقعدت فغمزني فقمت فلم أر شيئًا فقعدت فغمزني الثالثة] (٢) فقمت معه إلى باب المسجد فإذا دابة بيضاء بين الحمار والبغل في فخذيها جناحان تجربهما رجلاها فلمّا دنوت لأركبها شمست فوضع جبريل ﵇ يده على معرفتها، ثم قال: ألا تستحين يا براق بما تصنعين؟ والله ما ركب عليك عبد لله قبل محمَّد أكرم على الله منه، فاستحيت حتى انصبت عرقًا ثم أقرت حتى ركبتها فحملني عليها ثم خرج معي جبريل لا يفوتني ولا أفوته (٣)، كان منتهى وقع حافرها طرفها" قالوا: وكانت طويلة الظهر طويلة الأذنين، قالوا: قال رسول الله: "فإذا منادٍ ينادي عن يميني أربع: أسألك فلم أعرج عليه، وإذا منادٍ ينادي عن شمالي يقول: يا محمَّد، أربع أسألك فلم أعرج عليه، ثم استقبلتني امرأة عليها من كل ما زين الله به نساء أهل الدنيا قد وليّ من سنها، فقالت: يا محمَّد، على رسلك أسألك فلم أعرج عليها، فكادت تغشاني. فأخبرت جبريل بما رأيت، فقال: الذي على يمينك داعية اليهود لو ربعت حتى يكلمك تهودت أمتك، وأما الذي عن يسارك فداعية النصارى ولو ربعت عليه حتى يكلمك تنصرت أمتك، وأما المرأة التي استقبلتك فهي الدنيا ولو ربعت عليها حتى تكلمك اخترت الدنيا على الآخرة" (٤). وعن عكرمة قال: قالت أم الفضل: أتى آت (٥)، فقال: إن محمدًا ليس في بيته فما يراه إلا وقد قيل، قالت: فأيقظت العباس وكان نائمًا، فقال: مالك؟ فقلت: هذا ابن أخيك لا تدري (٦) أين هو؟ فخرج العباس

стр. 1081

في بني عبد المطلب، وعن أبي رافع قال: لما كانت تلك الليلة فقد رسول الله (١)، وتفرقت بنو عبد المطلب ليلتمسوه، فخرج العباس حتى بلغ ذا طوى فجعل يصيح: يا محمَّد، فأجابه رسول الله: "لبيك" فقال: يا ابن أخي عَنَّيتَ قومك منذ الليلة فأين كنت؟ قال: "أتيت من بيت المقدس"، قال: أفي ليلتك؟ قال: "نعم"، قال: فهل أصابك إلا خير؟ فقال ﵇: "ما أصابني إلا خير"، وذكر القصة بطولها (٢) (٣). ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ اتصالها من حيث ذكر المسجد الأقصى الذي هو قبلة بني إسرائيل، ومن حيث قوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾، قال: رؤية موسى. وآتينا بني إسرائيل ﵈ ليلتئذٍ من الآيات: ﴿ذُرِّيَّةَ﴾ لنريه ذرية ﴿مَنْ حَمَلْنَا﴾ وهم الأنبياء الذين أراه الله إياهم ليلته، والثاني: أنه بدل من موسى أو كالصفة له، فإنه كان من ذرية نوح ﵇، فعلى هذا الضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ عائد إلى موسى ﵇، والثالث: الاتخاذ يقتضي مفعولين فكان (٤) الذرية من دوني أن لا يتوكلوا علي من نحافتهم في الخلقة والحاجة، والرابع: اسم مضاف فانتصب بحرف النداء (٥). وعن عمران بن سليم: إنما (٦) سمي نوح عبدًا شكورًا لأنه كان إذا

стр. 1082

أكل طعامًا، قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني، وإذا شرب شرابًا، قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني، وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني، وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني (١) ولو شاء أحفاني، وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه (٢). ﴿وَقَضَيْنَا﴾ أوحينا وأعلمنا كقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦] ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ أي: لتعتُنَّ عتوًا كبيرًا، ومنه قوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ [النمل: ٣١]، وقوله: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٨٣] ﴿وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ وعد أولى المرتين، ﴿فَجَاسُوا﴾ تخللوا فعتوا، و (الوعد المفعول) هو الضمان المأتي. ﴿لَكُمُ الْكَرَّةَ﴾ إليكم المنعة والقوة لتكروا عليهم فتخرجوهم من دياركم، ﴿نَفِيرًا﴾ عشيرة ورهطًا. ﴿فَلَهَا﴾ أي: فعليها، (إذا) ظرف زمان والعامل مضمر فيه تقديره: فإذا وعد الآخرة أنجزناه وحققناه وبعثناهم ليكونوا كذا وكذا، ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ وليهلكوا ما علوه إهلاكًا أو ليهلكوكم (٣) ما داموا عالين إهلاكًا. لم يختلف أهل العلم في الموعود الأول: بخت نصر وأصحابه، ولكنهم اختلفوا في تعريفه ونسبته وعاقبة أمره، واختلفوا في الموعود الثاني: الكلبي (٤)، أنه كان ملك بابل غزا بيت المقدس وقتل أربعين ألفًا من قراء التوراة وسبق الباقين، فمكثوا في تلك المحنة تسعين سنة حتى

стр. 1083

مات بخت نصر واستولى على بابل ملك من همدان اسمه كورس، وأنه تزوج من بني إسرائيل امرأة (١) اسمها مسحت بنت روبيل فهي التي تشفعت إلى زوجها وسعت في إصلاح قومها وفي ردهم إلى أوطانهم، فأجابها زوجها إلى ذلك. وذُكِرَ أن الموعود الثاني ملك من ملوك الروم اسمه أنطياخوس سار فيهم سيرة بخت نصر البابلي. بعد مائتين وعشرين سنة قالوا: ثم رحمهم الله تعالى وأمتهم في ديارهم وبعث فيهم أنبياء حتى عادوا إلى الكفر والطغيان وقتل الأنبياء وكفروا بالمسيح فعاد الله عليهم بالعقوبة ثالثًاَ وسلط أسفيانوس الرومي وابنه ططوس بن أسفيانوس بعد أبيه فخرب بيت المقدس ولم يزل خرابًا إلى أن بناه المسلمون في خلافة عمر بن الخطاب (٢). وحكى الشعبي في كتاب "سير الملوك" أن بخت نصر إنما هو بخت برسي، وهذه كلمة نبطية ومعناها كثير البكاء والأنين، واسمه بالفارسية لهواسف بن فنوخي بن كهمشن بن (٣) كنابية بن كيقباذ. كان كيقيا (٤) بوس (٥) بن ليقبا (٦) طرد أخاه وجفاه وأقصاه وسيره إلى مدينة سوس (٧) وهو كنابية بن كيقباد فنزلها ولم يزل بها عقبه إلى أن انتشاء بخت برسي وهو لهواسف، وكان قد مرّ به يهودي على عهد سليمان ﵇ وهو صبي بعد يلعب بالتراب ويصور فيه، فوقف عليه اليهودي وكان عالمًا فتأمل فيما يصور فإذا هو يصور بيت المقدس ومسجده وشوارعه وسككه لا يغادر منها شيئًا، فقال اليهودي في نفسه: والله هذا هو الموعود، ثم انتظر ساعة هل يدع الصبي هذه

стр. 1084

الصورة بحالها أم يفسدها، فلما تمت الصورة مسح الصبي عليها بكفيه فطمسها، فتيقن اليهودي أنه هو الموعود المخرب لبيت المقدس، فاستخبر الصبي هل له (١) من يكفله (٢)، فأخبره بأن له أمًّا وبيتًا، فانتهى اليهودي إلى بيته ونزل عندهم ضيفًا، ثم تشفع إلى الصبي بأمه أن يعطيه الذمة والأمان وبشَّره بأنه سيملك ويكون شأنه كذا وكذا، فتمكن ذلك الحديث في قلب بخت نصر [ودخل ذلك في دماغه ولم يزل ذلك همته إلى أن توفي سليمان ورجع أمر بني إسرائيل إلى رُجيعم بن سليمان وهلك كيكسرى بن سياوش بن كيقابوس ورجع أمر العجم إلى بخت] (٣). فلما ملك الأمر وانتظمت أحواله جمع المرادنة (٤) والجنود وذكرهم ما كان من استيلاء سليمان ﵇ وحذرهم من جهة رجيعم مثله وندبهم إلى قتاله وأجابوه، فسار في مائتي ألف فارس حتى أوغل في الشام، ولما سمع ذلك رجيعم وجعل من قلبه من بني إسرائيل في المسجد وخطب لهم خطبته هذه: الحمد لله الذي تفرد بالعظمة وتوحد بالكبرياء وتردى بما اصطنع إلينا من أياديه وأسبغ علينا من نعمه وأنقذنا من الهلكة والكفر، أيها الناس عليكم بتقوى ربكم (٥) الذي بيده نواصيكم وإليه متقلبكم، حافظوا على صالح سنتكم وجاهدوا في سبيل ربكم، هذا عدوكم قد أظلكم فخافوا عن دينكم وامنعوا بيضتكم وتوكلوا على ربكم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. فبطروا عما دعاهم إليه وخذلوه ورفضوه وتفرقوا عنه، فلما رأى رجيعم ذلك منهم هاجرهم ونجا بنفسه إلى فلسطين، وأقبل بخت نصر حتى

стр. 1085

ورد بيت المقدس لا يمنع عليه صغير ولا كبير، فوضع في بني إسرائيل السيف وأقام بينهم ميزان الحيف وأذاقهم لباس الخوف وسبق منهم سبيًا كثيرًا، وكان من جملة السبايا دانيال ﵇، ثم رجع بالغنائم والأسارى إلى بابل. وأتى على هذا زمان، ثم إنه رأى رؤيا هائلة فأخبر بها أهل العلم، فقالوا: هذا علم لا يتوصل إليه إلا نبي يوحى إليه، فبعث إلى السجن واستحضر دانيال ﵇، فلما دخل عليه دانيال لم يسجد له، قال بخت نصر: لِمَ لم تسجد كسائر العبيد؟ قال: لأن الله تعالى خصني بالنبوة وأمرني أن لا أسجد إلا له، فأيقن بخت نصر أنه نبي وأعجبه كلامه، ثم ذكر له حديث الرؤيا، فقال دانيال ﵇: رأيت صنمًا عظيمًا رجلاه في (١) الأرض ورأسه في السماء، رأسه من ذهب وصدره من فضة وبطنه من نحاس وفخذاه من حديد وساقاه إلى قدميه من فخار، فبينما أنت متأمله وتتعجب منه إذ سقط عليه حجر من السماء فهشمه وجعل الحجر يعظم وينبسط حتى ملأ الأرض فصرت لا يُرى غير الحجر والسماء شيئًا، قال بخت نصر: صدقت وبررت فما تأويلها؟ قال دانيال: أما الصنم فبيتكم أيها العجم، وأما الذهب فملوككم، وأما الفضة فأشرافكم، وأما النحاس فأوساطكم، وأما الحديد فمن دونهم، وأما الفخار فسفلتكم (٢)، وأما الحجر فنبي آخر الزمان يخرج من تهامة ويهاجر إلى طيبة اسمه محمد وأحمد يطحن الله به الكفر ويفرق به بين الحق والباطل، ويعزّ به الذليل ويقوى به الضعيف ويغنى به الفقير ويؤمن به الخائف، فلا يزال أمره يعظم وأمته تزداد ودينه يعلو ويملأ الأرض ذات العرض ويبقى الملك في قومه إلى يوم القيامة، قال بخت نصر: ومتى يكون ذلك؟ قال: بعدك بألف عام، فلما سمع ذلك بخت نصر منه أطلقه من السجن وأذن له في الدخول عليه ولم يأل في إكرامه والإحسان إليه

стр. 1086

حتى حسده على ذلك مرازبة بخت نصر، فأنكروا ذلك عليه فاتهموه في ذلك ورموا دانيال ﵇ بالسحر فلم يلتفت بخت نصر إلى شيء من قولهم حتى قالوا: إنه يعبد غير معبودك، فأمر بخت نصر أن يحضر صنمه على رؤوس الناس ودعا له دانيال ﵇، فقال: إذا رأيتني وقومي نسجد لهذا فاسجد معنا، ثم خرّ بخت نصر ساجدًا مع قومه أجمعين وأبى دانيال ﵇ أن يسجد وقال: قد أعلمتك أيها الملك أول مرة أن الله تعالى (١) نهاني أن أسجد لغيره، فغضب عليه لمخالفته وبنى له بنيانًا فألقاه في الجحيم فجعلها الله عليه (٢) بردًا وسلامًا. فلما رأى ذلك بخت نصر منه دعاه واستصفاه واعتذر إليه وأطلق جميع من كان عنده من بني إسرائيل في السجن فأحسن إليهم. ثم إن الله تعالى ابتلاه ثانية برؤيا هائلة وأنساها إياه فذكر ذلك لدانيال ﵇، قال دانيال: رأيت شجرة لفاء عظيمة أصلها في الأرض ورأسها في السماء ذات فروع باسقة وأغصان أنيقة، ورأيت عليها كل طير في الأرض معششة مع فراخها حتى امتلأت تلك الشجرة وما ولاها، فبينا أنت تنظر (٣) إليها وتتعجب من عظمها وكثرة ما اكتنفها من الطير إذ أقبل ملك من السماء ليجتثها من أصلها فنودي من السماء أن اجتث بعضها ودع بعضها فإنها نفاسة، فأبان أغصانها وبقي ساقها على حالها ونفرت ما كان عليها من الطير، قال بخت نصر: صدقت هذه رؤياي ما خرمت منها شيئًا فما تأويلها؟ قال دانيال ﵇: أما الشجرة فملكك الواسع العظيم، وأما الطير فجنودك، وأما الاجتثاث فذهاب ملكك وإبادة سلطانك، وأن الله تعالى ماسخك سبع سنين على صورة (٤) كل طائر (٥) ودابة عقوبة لك على ما كان من هدمك بيت المقدس ونقلك منبر سليمان واستخفافك بالأنبياء

стр. 1087

والأولياء (١) وسفكك دماء المسلمين، غير أنك لا تمسخ في صورة إلا كنت ملك ذلك الجنس فتقهر ذلك الجنس بقوتك كقهرك بني آدم ثم تعود إنسانًا، قال بخت نصر: وهل يقبل ربك توبتي؟ قال: أما دون هذه العقوبة فلا. فقام بخت نصر ودخل دار نسائه، فبينا هو جالس إذ نظر إلى الريش قد نبت عليه، فكان أول ما مسخ عُقابًاَ وآخر ما مسخ بعوضة، ثم عاد إلى مملكته. وكان ابنه كليماوس تخلفه في قومه في هذه الفترة، فلما عاد إنسانًا وعاد إلى مملكته اغتسل ولبس المسوح وسل سيفه وكسر جفنه وخرج إلى جنوده يدعوهم إلى توحيد الله (٢) ويحذرهم العذاب الأليم، فلما هجم عليه الليل قبض الله روحه وكان ملكه سبعين عامًا، وهو بهراسف بلغة الفرس. وولي الأمر (٣) بعده كليماوس وأساء السيرة في بني إسرائيل وردهم إلى السجن، فبينا هو ذات يوم في مجلسه مع مرازبته وعظماء قومه إذ نظر إلى كف بدت من الحائط بلا معصم وكتبت له (٤) ثلاثة أحرف: [لا كفرت، هذا حكم بالكفر، وأنكر عليه خراب الدنيا والتحول إلى العقبى، ويحتمل أنه لم يحكم به ولكن استفهم واستعلمه أهو كافر حيث رآه ينكر البعث والنشور ولا يعترف بأن النعمة من الله إن شاء] (٥) بالعبرانية ثم غابت فاضطره الخوف إلى دعاء دانيال ﵇ وألطف له (٦) القول وأراه تلك الكتابة واستفسره، فقرأها عليه دانيال: بسم الله العلي الأعظم عزّ هذا الملك فذل، ووزن فخفّ، وجمع فتفرق.

стр. 1088

وابتلاه الله بعد هذا بملك اليمن يأسر ابن ينعم، قصده من صنعاء اليمن حتى نزل في تخوم أرضه ثم استولى عليها، وكان على دين سليمان ﵇ (١)، وأنه غزا ديار بخت نصر منتقمًا لبني إسرائيل، قال الزهري: ثم ابتلاه الله ببعوضة كبعوضة (٢) نمرود وكانت سبب موته وكان ملكه خمسين سنة، وملك من بعده أخوه يستاسف ثم همن بن إسفنديار بن يستاسف وهو الذي رد بني إسرائيل إلى أوطانهم، والسبب في ذلك أنه تزوج بنت سالمال بن رجيعم بن سليمان ﵇ وكانت تسمى أبراخت، فلما تزوج بها ملك أخاها روبابيل بن سمالمال بن رجيعم وسيَّره إلى أرض الشام. ثم ذكر الشعبي أن الموعود الثاني ملك من ملوك الأهواز كان يسمى بخت نصر أيضًا سلَّطه الله بعد قتل يحيى بن زكريا ﵇ وكان من نسل (٣) بخت نصر الأول، قال: وكان بين المرتين خمسماية عام. وذكر محمَّد بن جرير الطبري أن بخت نصر كان قائدًا من قواد سنحاريب الملك ملك بابل، وكان قد غزا بيت المقدس مع سنحاريب الملك في عهد حزقيا بن أحاب وهو ملك من ملوك بني إسرائيل، وكان بعد رجيعم بن سليمان بزمان طويل ورجع خائبًا خاسرًا، فلما هلك سنحاريب تحول بخت نصر إلى بهراسف الملك وهو سلح حينئذٍ فذكر له حديث الشام وطلب منه أن يوجهه إلى تلك النواحي وضمن له أن يفتحها له فأجابه بهراسف إلى ذلك وأمدَّه بالأموال والرجال، وكان من أمر بخت نصر ما كان ورجع إلى بابل فاتخذها دار مملكته في طاعة بهراسف ولم يكن بهراسف. ثم إن بهراسف هلك وخلفه ابنه تشتاسف ورفع إليه حديث الشام وما كان من فساد بخت نصر في تلك النواحي، فاستقبح ذلك فكتب إليه يأمره (٤) بالرجوع إلى بابل وصرفه بكورش وهو قائد من قواده، فلما انتهى

стр. 1089

كورس إلى بابل أحسن السيرة في بني إسرائيل وردَّهم إلى أوطانهم وأمر بعمارة بيت المقدس. وبقي الأمر على ذلك حتى أرسل إليهم بهمن (١) إسفنديار بنيستاسف رسولًا يدعوهم إلى تجديد العهد وإظهار الطاعة وأداء الخراج، وقتلوا (٢) رسوله فغضب، وكان بخت نصر يعيش بعد (٣) فوجهه إليهم وأمره بإساءة السيرة فيهم، فهو الموعود الأول والثاني (٤). ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ قال الضحاك: كانت الرحمة الموعودة هو أن يبعث محمدًا ﵇ (٥)، قال ابن عباس: سجنًا محصورًا فيه (٦) (٧) كهيئة الزرب زرب الغنم. ﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ أي: إلى الخصلة التي هي أصوب الخصال وهي ملة الإسلام. ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ﴾ وبشر الذين ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا﴾ ويحتمل أنها بشارة المؤمنين أيضًا فإنهم يفرحون بعذاب المخالفين لا محالة. ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ﴾ نزلت في النضر بن الحارث (٨) حيث قال: إن

стр. 1090

كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، وقيل: هي عامة (١) في كل من يدعو على نفسه أو على ولده وأهله في حالة الضمير والغضب فيجتهد في دعائه بالشر كجهده في دعائه بالخير (٢)، واتصالها من حيث ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ فمن التي هي أقوم هو التنبيه على هذه الخصلة المذمومة وهو الدعاء بالشر، ويدعو بغير واو (٣) في محل الرفع: ﴿يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ [العلق: ١٨] ﴿وَيَمْحُ الله الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] لاعتبار حالة الوصل بين سائر الهجاء على اعتبار حالة الوقف لاستحباب الجمع بين الطريقتين، وقيل: المراد بالإنسان ها هنا آدم ﵇ و (العجول) المستعجل (٤). ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ (٥) في أنفسهما وآية الليل والنهار الشمس، والقمر ليلة البدر، ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ قال: هو اللطخ الذي هو في القمر، وروي أنه أثر مسحة جبريل، وزعم المنجمون أن جرم القمر كروي ليلي مائي مظلم مصقول وفيه حرارة عرضية بتسخين الشمس إياها (٦).
следующие страницы →