← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

"لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحدًا عيشٌ، ولولا وعيده وعقابه لاتّكلَ كلُّ أحدٍ (١) " (٢). ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ ملجئة من ربه ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ قال قتادة: إنما أنت منذر وهادٍ (٣) لكل قوم ولست بملجىء قاهرٍ، وقال مجاهد: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ ولست بملجىء ولا قاهر (٤). ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ﴾ فيما مضى كان ﴿هَادٍ﴾ ومنذر مثلك، وقيل: إنما أنت منذر ولست بقادر على إنزال الآيات وخلق الهداية فيهم، ولكل قوم هادٍ واحد لا ثاني له اتصال ما بعدها بها من حيث تكرار التعريف والتنبيه على التوحيد. ﴿مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ ماهية وكيفية ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ كمية وتغيرًا (٥) ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ دليل أن الكمية متناهية إلى المقدار. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ قيل: خمس لا يعلمها إلا الله وهو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية. ﴿وَسَارِبٌ﴾ خارج، يقال: ضلَّ سربه أي طريقه. ﴿لَهُ﴾ عائد إلى الرجلين ممن أسر القول أو جهر أو من استخفى بالليل وسرب بالنهار. ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ جماعات من الملائكة تعقب جماعة جماعة وتعقيب بعضهم بعضًا ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ على الحالة الرضية، وعن الحسن:

стр. 1017

معقبات أمراء وولاة (١)، وقيل: كلمات الأمن والعافية (٢) ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ بأمر الله ﴿لَا يُغَيِّرُ (٣)﴾ ما اقترن بقوم من الثواب العاجل بالعقاب العاجل ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا﴾ بتغيير ما أسلفوه وقدموه، وذلك لسبق رحمته، ولو شاء لابتدأ الشر غير ظالم ولاستلب الخير غير جابر. ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ منصوبات على أنه مفعول لهما (٤)، فـ (الخوف): خوف المسافرين والنازلين في مجاز السبيل ومهابط (٥) الصواعق، و (الطمع): طمع أصحاب الزرع (٦) وأيدي الكلأ، ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ قيل: السحاب شيء متركب من غبار البر (٧) وبخار البحر فيلبد (٨) في الجو ومنه طبعه (٩) إلا أن الحرارة المنعكسة وقيل: الريح بعينها تنكدر وتتلبد في البعاد من الجو لبعدها عن حرارة الشمس، وإنما يكون هذا في النواحي الجنوبية والشمس في البروج الشامية حينئذ والزمان قيظ، ثم إذا جاوزت الشمس نقطة الاعتدال الميزاني الخريفي وانحدرت إلى البروج الجنوبية أثارت بحرارتها ما تكدرت هناك وساقته إلى نحو الشمال.

стр. 1018

﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ﴾ وقيل: الرعد اسم مَلك (١)، وقيل: صوت ملك (٢) يزجر السحاب (٣)، وهي اضطراب الرياح واضطرامها، وقيل: هي زفرات الشياطين في الهواء ﴿الْمِحَالِ﴾ الحوال (٤) والحيلة (٥)، والميم عند الأزهري أصلية وعند القتيبي غير أصلية (٦). ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ العبادة، كان النبي ﵇ يقول: "سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره" (٧)، وكان داود ﵇ يقول: "سجد وجهي متعفرًا في التراب لخالقي وحق له" (٨). ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ أي الداعي كباسط كفيه، وقال الفراء: هو الظمآن المشرف على الماء في البئر يدعوه بيديه وليس معه آلة الاستقاء (٩). وقال مجاهد: هو الذي يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيديه (١٠)، ويحتمل أنه الذي يعتمد بكفيه على الماء ﴿لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ فلا يتم له المقصود لتعذر الاعتماد، ويحتمل أنه الذي شلّت يده مبسوطة لا تنقبض عند الاغتراف. ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بمعنى الطاعة والانقياد. عن الأحنف بن قيس قال: مررت برجل يصلِّي يكثر السجود قلت: يا عبد الله

стр. 1019

على شفع انصرفت أم على وتر؟ فقال: إن (١) أك لا أدري فإن الله يدري، ثم حدثني حبيبي أبو القاسم ﷺ أنه "ليس عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة ورفع بها درجة وحط عنه بها سيئة" قال: قلت: من أنت يا عبد الله؟ قال: أبو ذر صاحب رسول الله، فتقاصرت إلى نفسي (٢). فائدة قوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الإفحام، وفائدة الإتيان بالجواب هو (٣) الإثبات بعد الزوال أو بمعنى الاستفهام، وهو متصل بما مضى ﴿شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ أي: خالقين مثله (٤) ﴿فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ أي التبس عليهم أقسام المخلوقات فأوجب ذلك الالتباس عبادتهم وإشراكهم بالله ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أخبرنا من طريق الوحي أنه خالق الظلمات والنور، والمنافع والمضار، والخير والشر، والحسن والقبيح، والصامت والناطق، وهو خالق أفعال العباد من الطاعة والمعصية، والمباح والمضطر إليه، وما يخطر ببالهم، لا خالق على سبيل الابتداء والإيجاد إلا هو الله (٥) الواحد القهار. ﴿أَوْدِيَةٌ﴾ جمع وادي، كنادٍ وأندية ﴿بِقَدَرِهَا﴾ (٦) بمقدارها الذي يسعه ويحتمله السيل، وما (٧) يسيل من الماء فوق عادته ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾ فالزبد ما يجتمع على وجه الماء من الوسخ والدرن، و (الربوّ) النمو، ونماء الزبد بانتفاخه وطفوه، ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ واو الاستئناف، أي: ومن الأشياء التي يذيبونها بالنار ليتخذوا منها حليًا وأمتعة زبد مثل زبد السيل

стр. 1020

﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أي المثل الحق والمثل الباطل ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ أي كل واحد من الزبدين يزول على وجه ما تربد (١) عليه متلاشيًا فيصفو ما تحته كما تصحو السماء إذا انقشع عنها الغيم. قال أبو عمرو بن العلاء (٢): أجفان القدر إذا غلت فعلاها الزبد فإذا سكنت لم يبق منه شيء، وقال أبو عبيد الهروي (٣): جفا الوادي (٤) وأجفى (٥) إذا لقي غثاء على جانبيه وأجفان القدر إذا ألقت زبدها فيمكث فيلبث، هذا هو المثل المضروب للحق والباطل، فالماء المنزل مثل القرآن والوحي والإلهام والرؤيا النبوية، والأودية مثل القلوب من هذه العلوم مقدار ما تسعه، والسيل مثل العلم الحاصل من هذه الجهات، وزبده مثل ما يلقي الشيطان في الأمنية أو يوسوس في التأويل، وما يذوب على النار من جواهر الحلي والأمتعة مثل العلم المكتسب بالقرائح وإعمال الفكر في الاعتبار والاجتهاد وزبده هو أحسن النفس الأمارة بالسوء ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] ويهدي الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، ويبطل الآراء المدخولة بالرأي المتين الحنيفي ليتم نوره ولو كره الكافرون (٦). ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ عليهم اللعنة، والسلام مكان على، ويحتمل أن اللام لازدواج الكلام واعتبار قوله: ﴿لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ويحتمل أن المراد به حظهم ونصيبهم ونعمتهم، وهذه الأشياء تضاف باللام. ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ يعطي الفضل ﴿وَيَقْدِرُ﴾ في عطي ما لا يكفي الأقل منه ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ في قياس الآخرة وإضافتها إليها.

стр. 1021

وجه الجواب في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية وهو أن إنزال الآية الملجئة المسخرة غير واجب عليه فإنه له أن يضل من يشاء بالخذلان واللبس ويوفق للهداية إلى دينه من وفقه الإنابة (١) إلى الاعتبار الصالح أول مرة. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في محل رفع (٢). ﴿أَلَا بِذِكْرِ﴾ عارض والذين آمنوا بدل من المبتدأ، والخبر قوله: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾، ويحتمل أن يكون الأول في محل النصب لوقوع الهداية عليه بدلًا عن قوله: ﴿مَنْ أَنَابَ﴾، واطمئنان القلب بذكر الله أن يسأم ذكر غيره، ﴿طُوبَى﴾: اسم على وزن فعلى وهو اسم جامع لكل ما يستطاب، فكأنها الحياة الطيبة بروح الاتحاد، وقيل (٣): هي شجرة (٤) الخلد أصلها في دار نبينا ﵇ (٥) ولا دار في الجنة إلا وفيها غصن منها فهي تثمر ما يشاؤون فيها (٦).

стр. 1022

﴿كَذَلِكَ﴾ إشارة إلى قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ أو إلى قوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ ويحتمل إلى ما بعده من البيان والكيفية، أي كما تقول ويتبين ﴿يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ الله تعالى، وقيل: هو إنكارهم تسميته وإلحادهم إلى كذاب اليمامة. ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾ جوابه متقدم والفعل المشروط مضمر اكتفاءً بدلالة الاسم عليه، تقديره: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾ موصوفًا بهذه الصفات (١) أنزل عليهم فالقرآن دالٌّ على الإنزال، مجازه أنهم يكفرون بالرحمن ويصرون (٢) على كفرهم وإن أنزل إليهم قرآن موصوف بهذه الصفات، وكذلك قوله. ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧،٩٦]. وقيل: جواب (لو) محذوف تقديره ولو أن قرآنًا موصوفًا بهذه الصفات قرئ عليهم آمنوا على سبيل الإلجاء لم يك ينفعهم إيمانهم (٣)، ويحتمل أن الكفار قالوا قبل النزول (٤) على سبيل الاقتراح: لو أن قرآنًا كذا وكذا أنزل علينا لآمنَّا، أو كان المؤمنون قالوا على سبيل الاستفهام والحرص: لو أن قرآنًا كذا وكذا أنزل إلى (٥) هؤلاء المشركين لآمنوا ﴿سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ نحيت عن مواضعها ليبرز ما تحت الأرض ﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ السير فيها على غير العادة، والتشديد (٦) للتكثير

стр. 1023

والتكرار، وقيل: تفجير الينابيع والقنوات والأنهار فيها ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ أفلم يعلم (١)، وقال الفراء: أفلم يقنط (٢) ﴿قَارِعَةٌ﴾ مصيبة (٣) وداهية مثل يوم بدر وهلاك المستهزئين والقحط ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ بدر الصغرى وافتتاح خيبر وفدك وغزوة المريسيع والحديبية ونحوها (٤)، ﴿وَعْدُ اللَّهِ﴾ فتح مكة (٥)، ويحتمل أن المراد بالقوارع إغارة خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة وسعد بن أبي وقاص على تخوم أرض العجم، وإغارة خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح وغيرهما على أطراف نواحي الروم، وإغارة سائر الغزاة على سائر أطراف بلاد الترك وحلولها قريبًا من دارهم، وشحن الثغور بترتيب الجيوش فيها ووعد الله أن يتم نوره ويظهر على الدين كله ولو كره المشركون. ﴿أَفَمَنْ هُوَ﴾ حذف جوابه اكتفاءً لأنه يدل على الخبر بصفته، تقديره: أفمن هذه صفته كمن ليست هذه صفته، أو فمن هذه صفته خير وأحق بأن يعبد أم من ليست هذه صفته (٦) كقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر: ٩] بالتخفيف

стр. 1024

﴿قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ هو تولى كل نفس بتمكينه من كسب ما خلق له وتيسيره ومده في ذلك على سبيل التوفيق أو الخذلان ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ يجوز أن يكون على سبيل التهديد كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] والاستفزاز، ويجوز أن يكون على سبيل التحدي بالتعين؛ لأن التعين إنما يكون بالإشارة إلى الذات أو إلى الفعل أو لتحذير الوصف، وكانوا لا يقدرون على شيء من ذلك؛ لأن إشارتهم لو وقعت إلى ذات لوقعت إلى جماد لا يستحق العبادة، ولو وقعت إلى فعل لوقعت إلى أفعال الله تعالى وهم معترفون بذلك، ولو قصدوا تحذيرًا بالوصف لأحالوا كلامهم إلى مجهول، ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ أم مكان ألف الاستفهام على سبيل الإنكار، أي أتنبئون الله بما خفي عليهم، وقيل: أم بمعنى بل (١)، أي بل تنبئون الله بلا شيء على سبيل الإحالة، ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ﴾ بترتيب على (أم) الأولى. ﴿أَشَقُّ﴾ أكثر مشقة وعناء. ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ صفة الجنة ﴿الَّتِي﴾ وعدها ﴿الْمُتَّقُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ عن ابن عباس أنهم عبد الله بن سلام وأصحابه فرحوا بنزول تسمية الرحمن، وكذلك إشارة ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ والضمير عائد إلى القرآن، وإنما وصف بأنه حكم لتضمنه الأحكام عربيًا بلغة العرب وعبارتهم، ويجوز أن يكون موصوفًا بأنه عربي لمكان الحج والغزو والنحر والحج والقصاص وبيعة الأمانة (٢) والأذان والخطبة، وهذه الأشياء شعار العرب وهم معينون والناس كالأتباع لهم. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ نزلت في تعجب المشركين من كون رسول الله بشرًا

стр. 1025

مثلهم، وفي تعجبهم من تأخير العذاب والآيات الملجئة، فنفى الله تعالى وجه تعجيبهم، أو خِبر (١) بسنته فيما مضى من المرسلين والرسل واتصال قوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ والمحو (٢) والإثبات عام في الأعيان والأحكام كلها و ﴿الْكِتَابِ﴾ هو ما قضى الله به من الحوادث في الأوهام أنها تكون أو تكاد تكون أو لا تكاد تكون و ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ كلمة الله التي لا تبديل لها (٣) لاختصاصها بحقيقة المراد في علم الله تعالى (٤). ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أي إن أريناك في حياتك بعض ما نتوعد به الكافرين ونعد للمسلمين، أو إن توفيناك قبل وجود ذلك ولم نرك شيئًا منه فأنت مخبر صادق ليس عليك إلا البلاغ، وكأنهم توهموا أن النبي ﷺ (٥) لو لم يأت بنفسه بهذه المواعيد لكان كاذبًا فبين أن صدقه (٦) غير متوقف على شيء. ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ إن كان المراد قريش فنقصان الأرض من أطرافها فتح القرى حول مكة (٧)، وإن كان الكفار فحيز الكفر إلى أقطار الأرض باتساع دولة الإسلام، وإن كان جميع الناس فتراجع الأعمار إلى القصر وعوفى القوي ضعيفًا وشيبة واستحالة الصلاح إلى الفساد وقلة نماء الحرث والنسل وذهاب الفقهاء والخيار، قال ﵇: "ما مات مسلم إلا

стр. 1026

أثلمت (١) في الإسلام ثلمة لا يسدها من بعده شيء" (٢) ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ أي لا رادَّ ولا راجع ولا مكرر ولا مستدرك له، ويحتمل لا مؤخر. ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ شهادة الله تعالى لنبينا ﵇ هو فعله الإعجاز له، وشهادة من ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ إظهار نعته ودلالتهم عليه واعترافهم به منهم عبد الله بن سلام. ...

стр. 1027

سُورَةُ إبرَاهِيَم مكية (١)، وعن ابن عباس وقتادة إلا اثنتين منها في قتلى (٢) بدر (٣) قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] الآيتين، وهي أربع وخمسون آية في عَدِّ أهل الحجاز (٤). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ﴾ استحباب الشيء اعتقاد محبته وإدخاله في عداد المحبوبات، والمراد به الاختيار والإيثار، ولذلك وقعت التعدية بـ"على". ﴿إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ بعبارة قوم الرسول عامة مشاهدته ومخاطبته ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ بالإعجاز ما يترجمون عنه على سبيل التواتر ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي فبعد البيان وقيام الحجة يخذل الله من يشاء ليصرّ على الضلالة (٥) ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ليعترف بالحق. ﴿أَنْ أَخْرِجْ﴾ ترجمة للوحي الذي في فحوى الإرسال أو ترجمة

стр. 1028

الآيات أو القول (١) مضمر، ﴿قَوْمَكَ﴾ أي بني إسرائيل، ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ من الشبهات إلى اليقين، ﴿بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ أيام إنجاء الله إياهم (٢). ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ومجاوزته بهم البحر وآيات أصابت القرون الماضية بأنواع العذاب على سبيل الانتقام، وفائدة التذكير بهذه الأيام هو التنبيه على استحقاق الشكر والخوف. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ﴾ واذكروا حالة إيذانه إياكم (٣)، والتأذن والإيذان واحد، كالتعود والإيعاد. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ قائم مقام الجزاء (٤) في هذه الحياة فلا يضرونه شيئًا فإنه غير مفتقر إلى إيمانكم وحمدكم. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ حكاية عن موسى، وقيل: خطاب لهذه الأمة ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الأمم المنقرضة في مشارق الأرض ومغاربها درست آثارهم وانقطعت أخبارهم، ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ عضوا أناملهم غيظًا (٥)، ويحتمل معنى التعجب على ما جرت به العادة في العامة كصك الوجه (٦)،

стр. 1029

ويحتمل معنى الأمر بالسكوت على سبيل الإشارة، ويحتمل معنى الامتناع عن الإقرار (١) على سبيل التشبيه، أي كأنهم (٢) أخذوا على أفواههم متناكبين عن الإيمان والإقرار (٣)، ويحتمل منعهم الرسل عن النطق على سبيل التشبيه، فكأنهم وضعوا أيديهم على أفواه الرسل وأسكتوهم، ويحتمل معنى ردهم الشيء القريب. ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي شيئًا أو كثيرًا أو الكل من ذنوبكم (٤)، ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: صرف العذاب العاجل عنهم وتعميرهم إلى الموت المعهود، ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ آية ملجئة التي توجب (٥) العلم مشاهدة. ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ سلموا للإنصاف في الجدال بما استدركوا الغلط في سائر دعاويهم بإثبات المشيئة لله في تفضيل بعض البشر على بعض بالخصال الحميدة، لإفحامهم في الجدال لعجزهم عن إنكار المشاهدة. ﴿خَافَ مَقَامِي﴾ أي مقامه بين يدي يوم العرض الأكبر، ولقد صدق وعده لرسله، وللخائفين مقامه، والخائفين وعيده أولياء رسول الله والخلفاء والأئمة. ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ أي الأنبياء ﵈ (٦) كقوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ [الأعراف: ٨٩]، وقوله: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقول موسى: ﴿رَبَّنَا

стр. 1030

اطْمِسْ﴾ [يونس: ٨٨]، وقول لوط: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ [المؤمنون: ٢٦]، وإليه ذهب مجاهد وقتادة، وعن ابن عباس ومقاتل: استفتاح الكفار (١) كقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨] فأتنا به، ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أي هو على شفا حفرة منها (٢) ومآله إليها ﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ ممتزج من القيح والدم (٣)، ووصف الماء به لمعنيين: التشبيه أنه ماء أنتن وتكدّر بالإحماء (٤) والغلي، والعرب تسمي الماء الحار بالشمس صديدًا، أو الثاني اعتبار حقيقة العنصر، فإن اسم الماء يشتمل على جنس المياهات بهذا (٥) الاعتبار، ألا ترى سمّوا النطفة ماء. ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يتكلف الشرب قليلًا قليلًا جُرْعَة جرعَة. ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ يستوجبه المتجرع ولا يكاد يستمرئه للتضاد وعدم الإيجاد، ثم تقبله الطبيعة قهرًا لعجزها (٦) عن دفعه فيفسد المزاج (٧) ولا علاج، ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ أي يعرض له أسباب الموت من كل جهة وفي كل عضو وعرق ولا يموت (٨) لوجود الخلود في النار ذات الوقود، ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ﴾ سوى هذا العذاب، ﴿عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ (٩) أي هذا مثل الذين كفروا على سبيل ترجمة والفصل في الكتاب كقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥]،

стр. 1031

وقيل: إنه مبتدأ وقوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ خبره (١) بإضمار أن (٢) أعمالهم الحسنة التي وقعت لا لوجه الله ﴿كَرَمَادٍ﴾ ما (٣) تفتت بالاحتراق (٤)، والمراد بالتشبيه حبوط الأعمال، وإنما يوصف اليوم بأنه ﴿عَاصِفٍ﴾ لأن اليوم يوصف بما يحدث فيه على سبيل المجاز، وقال الزاجر (٥): ... يومين غيمين ويومًا شمسًا (٦) يقال: يوم حار ويوم بارد، وإنما الحرارة والبرودة الجوهر (٧) في الحقيقة (٨) دون الأحوال والأيام (٩). ﴿جَدِيدٍ﴾ محدث وهو ضد القديم العتيق. ﴿بِعَزِيزٍ﴾ بصعب (١٠) ممتنع.

стр. 1032

﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ اعترضوا على (١) الله للحساب ﴿تَبَعًا﴾ جمع تابع كحرس (٢) وحارس ورصد وراصد، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا﴾ يحتمل الإنكار على سبيل التعجيز والاستفهام والطلب على سبيل نفاد الجهل واعتقاد الكفر. وجوابهم بأن ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ يحتمل معنيين: ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ في الدنيا إلى دين الإسلام ﴿لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ إليه وهذا على سبيل الاعتذار، والثاني: لو هدانا الله اليوم إلى محيص (٣) لهديناكم إليه، ولكنه لم يهدنا فنحن باقون في العذاب. عن أبي بن كعب (٤)، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦] قال: يقومون ثلثمائة عام لا يؤذن لهم فيقعدوا، وأما المؤمنون فيهون عليهم كما يهون المكتوبة. عن خيثمة قال: كنا عند ابن عمر فقلنا: إن عبد الله بن مسعود ﵄، قال: إن الرجل ليعرق حتى يسبح في عرقه يدفعه العرق حتى يلجمه، قال: وما ذلك إلا ما ترى الناس يفعل بهم، قال: فقال ابن عمر: هذا للكفار فما للمؤمنين؟ فقلنا: الله أعلم وما ندري، قال (٥): فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن حدثكم أول الحديث ولم يحدثكم آخره، إن للمؤمنين كراسي يجلسون عليها ويظل عليهم الغمام ويكون يوم القيامة عليهم كساعة من نهار أو أحد طرفيه (٦). ﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بمغيثكم وناصركم، ﴿بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ﴾ بمن أشركتموني به يعني الله، عن الفراء (٧). وقيل: بإشراككم إياي لم أعتقد في نفسي ما اعتقدتم في، وإنما يقيض الشيطان لهذا القول زيادة في التعيير واللوم والتقريع.

стр. 1033

﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ هذا مثل الإيمان (١)، وقيل: المراد بالشجرة الطيبة النخلة (٢)، وإنما شبه الإنسان من حيث يهلك بقطع رأسها، وإنما يحمل بالإلقاح. وقال ﵇: "أكرموا عمتكم النخلة" وروي أن النخلة خلقت من فضلة طينة آدم (٣)، وقيل: إن البعير خلق من تلك الفضلة أيضًا، وروي أنه ﵇ خرج على أصحابه وهم يذكرون الشجرة الطيبة فقال ﵇: "ذلك المؤمن أصله في الأرض وفرعه في السماء" (٤). ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ ستة أشهر.

стр. 1034

وقيل: ﴿كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ كلمة الكفر ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ (١) الحنظلة ﴿اجْتُثَّتْ﴾ اقتلعت وسقطت ليس لها أصل ثابت في الأرض ولا في السماء، وهي تتلاشى عن قريب، فكذلك كلمة الكفر. عن البراء عنه ﵇ في قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال (٢): في القبر إذا قيل لك من ربُّك وما دينك ومن نبيك (٣)، وعن عمر في هذه الآية قال: قال ﵇: "إذا دخل المؤمن قبره أتاه فتّانا القبر فأجلس في قبره وانه ليسمع خفق (٤) نعالهم إذا ولّوا مدبرين، فيقولان (٥) له: من ربك ما دينك ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمَّد ﵇، فيقولان: ثبتك الله نم قرير العين"، وهو قول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٦). ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ في القبر بالتوحيد الثابت للحق ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين، وقيل: إذا أدخل (٧) المنافق أو الكافر (٨) قبره قالا له: من ربك ومن نبيك؟ فيقول: لا أدري،

стр. 1035

فيقولان: لا دريت، ثم كما ينام المنهوش، ويضرب بمرزبة يسمعها من بين الخافقين إلا الجن والإنس، وهو قوله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ (١) المشركين ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ يثبت الله الذين آمنوا على القول الثابت أو يثبت الله قلوب الذين اَمنوا بسبب قولهم الثابت، أو بتمكنهم من القول الثابت. عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف بك يا عمر لو جاءك فتَّانا القبر منكر ونكير ملكان أسودان أزرقان يبحتان الأرض ويطاف في شعورهما أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف" قال: يا رسول الله أمعي عقيلي وأنا على ما أنا عليه اليوم؟ قال: "نعم"، قال: إذًا أكفيهما بإذن الله، فقال ﵇: "إن عمر موفق" (٢). وفائدة السؤال في القبر ما علمه الله تعالى كفائدة أخذ الميثاق، وقيل: في حق المؤمن تتمة ابتلائه بتمحيص إقراره وتوفير ثوابه، أو لتجليته على الملائكة أنه غير معرض عن الله ولا ناس إياه ولو عظمت بلواه، وفي حق الكافر تتمة ابتلائه لقطع أعذاره وتوكيد عقابه. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا﴾ نزلت في رؤساء بني أمية وبني المغيرة يوم بدر (٣)، ﴿وَأَحَلُّوا﴾ حملوهم على الحلول وهو النزول و ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ الهلاك. ﴿جَهَنَّمَ﴾ بدل من دار (٤) البوار.

стр. 1036

﴿لَا بَيْعٌ﴾ كسب الخير ﴿وَلَا خِلَالٌ﴾ شفاعة (١). ﴿دَائِبَيْنِ﴾ ملازمين للعادة. ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ قيل: بعض مقدار من المسؤول، وقيل: كل المسؤول مبذول للجماعة وإن تفاوت منه آحادها بالتخصيص، (الإحصاء) الطاقة، وقيل: إدراك العدد، ﴿الْإِنْسَانَ﴾ المخذول عن التوفيق الإلهامي الروحاني الموكول إلى الهيمان الإنعامي النفساني. أهل الحجاز يقولون: (جنبني) فلان شره بالتخفيف، وأهل نجد جنّبني وأجنبني بالتشديد والألف. ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ﴾ إن كان المراد بها الأرواح الخبيثة من الشياطين فإسناد الإضلال إليهن كإسناده إلى الناس، وإن كان المراد بها الصور المصورة، فإسناد الفعل إليهن كإسناده إلى الدراهم والدنانير، يُقال: أهلك الناس الدرهم والدينار (٢)، ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي﴾ في الإعراض عن الأصنام والطواغيت ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ فيما دون الشرك عن مقاتل بن حيان (٣) ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر للمشركين ويرحمهم إذا تابوا (٤)، عن الكلبي: ويحتمل أن إبراهيم ﵇ ذكر المغفرة والرحمة (٥) تنزيهًا لله عن أن يأخذه ومن تبعه (٦) بذنب من

стр. 1037

عصاه، ويحتمل أنه يعرض على قضية استخارة العقل قبل التوفيق السماعي مغفرة الكفار كما كان يستغفر لأبيه حتى علم أنه عدو لله فتبرأ منه. ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ بعضًا من ذريتي ﴿أَفْئِدَةً﴾ واحدها فؤاد ﴿تَهْوِي﴾ تميل وتسرع. ﴿يَقُومُ (١) الْحِسَابُ﴾ كما يقال: قام السوق والحرب والصلاة، ﴿تَشْخَصُ﴾ ترتفع عن مواضعها وتحيط الدهش. ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعين إلى الداعي وهو حالة سيلانهم (٢) عند الحشر ﴿هَوَاءٌ﴾ خالية عن الخواطر دهشًا واشتغالًا بالمشاهدات. ﴿وَسَكَنْتُمْ﴾ معطوف على ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾. ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ من الأمم (٣) الماضية الذين تسكن ديارهم وتشاهد آثارهم وتسمع أخبارهم ﴿لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ أمثال القرآن. ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ أراد المعاني المستفخمة العظيمة من (٤) الشرائع والسنن وقواعد الدين. ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أي مخلفًا وعده رسُله، وإنما قدم الوعد على الرسل لأنه أَلْيَق بالأخلاف والكلام يستقل به دون المفعول الثاني. ﴿يَوْمَ﴾ (٥) نصب لوقوع الانتقام فيه (٦) ﴿تُبَدَّلُ﴾ يقلب ظهرها بطنها وترفع الجبال عنها وتسطح من المشرق إلى المغرب ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ تغير

стр. 1038

هيئاتها بخسف الشمس والقمر وتناثر الكواكب والانفطار، وقرأت عائشة هذه الآية فقالت: يا رسول الله أين يكون الناس؟ قال: "على الصراط" (١). ﴿الْأَصْفَادِ﴾ جمع صفد وهو الغل والقيد. ﴿قَطِرَانٍ﴾ (٢) الجيران ما تطلى به الإبل، (السربال) يشتمل على القميص والجنة والدرع (٣) ﴿لِيَجْزِيَ﴾ بدل عن قوله: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] أو ليوم (٤) يجزي الله، وقيل: التعليل التفريق في الأصفاد هذه إشارة إلى القرار. ﴿بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ نهاية لهم في الوعظ. ...

стр. 1039

سُورَةُ الحِجْرِ مكّية (١)، وهي تسع وتسعون آية (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ مجاهد وقتادة (٣): التوراة والإنجيل، وقيل: الكتاب والقرآن واحد. ﴿رُبَمَا﴾ حرف جار (٤) لا يدخل إلّا على الأسماء المنكورة (٥)، فإن

стр. 1040

صرف إلى فعل كفّ عن العمل بـ (ما) الكافة، ولا تدخل إلّا على فعل ماض أو حال، وإنما دخل هاهنا (١) على الفعل المستقبل لأنه واجب لا محالة؛ فكأنّه ماض. ألا ترى أن أكثر أحوال القيامة مذكررة في القرآن على لفظ الماضي. عن ابن عبّاس: يأتي على الكافر يومٌ يودّ فيه (٢) لو كان مسلمًا (٣). أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم (٤): سألت عن قول الله : ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ قال: يعذّب الله قومًا ممّن كان يعبده ولا يعبد غيره، وقومًا ممن كان يعبد غيره ثم يجمعهم في النار، فيعيّر الذين كانوا يعبدون غير الله الذين (٥) كانوا يعبدون الله تعالى، فيقول: عذّبنا لأنا عبدنا غيرك، فما أغنى عبادتكم إياه وقد عذَّبكم معنا، فيأذن الربّ للملائكة والنبيّين فيتشفّعون فلا يبقى في النار أحد ممّن كان يعبده إلَّا أخرجه، حتى يتطاول للشفاعة إبليس -يعني لعبادته (٦) الأولى- يقول: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية (٧). ﴿وَيُلْهِهِمُ﴾ يشغلهم ﴿الْأَمَلُ﴾ الطمع. كانت أطماعهم الفاسدة تشغلهم عن التوبة والإنابة فيوعدهم على ذلك، أي (٨): أصابتهم بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين. ﴿إِلَّا وَلَهَا﴾ فذكر (٩) الواو بعد الاستثناء وقد يحذف إذا كان الكلام

стр. 1041

مستقبلًا (١) بنفسه مَعَ طرح الاستثناء، فأمّا إذا لم يستقل لا يجوز إلا بغير واو؛ كقولك: ما أنت إلا بشرًا (٢). ﴿كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ أجل مسمّى. ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ﴾ نزلت في عبد الله بن أبي (٣) أُمية والنضر بن الحارث وجماعة من قريش (٤)، قيل: على زعمك. وقيل على سبيل الاستهزاء المجنون المستور قلبه أو دماغه بما يضاد العقل من خيال الجن أو فساد الطبع، وإنما وصفوه بذلك (٥) لخرقه إجماعهم الفاسد وخلافه عادتهم القبيحة. ﴿لَوْ مَا﴾ بمنزلة (٦) لولا (٧) ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ ظاهرين يعرفون بسيماتهم ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الملجىء الذي يبطل الرأي والاجتهاد ﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ إذ (٨) أنزلناهم على هذا الوجه حقّت على قريش كلمة العذاب،

стр. 1042

وارتفع الإمهال ولم ينفع نفسًا إيمانها (١) لم تكن آمنت من قبل، واتّصالها بأن (الذكر) القرآن في قوله: ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ هاهنا. ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ قيل: حفظ الله كتابه عن (٢) الدروس، وقيل: حفظه عن الجنون والخبال والمجون (٣) والضلال. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ رسلًا. ﴿نَسْلُكُهُ﴾ السلك الإيغال والسلوك الوغول والمسلك شبه السرب (٤)، والضمير عائد إلى الاستهزاء، والآية ردّ على المعتزلة. ﴿فَظَلُّوا﴾ يقال: ظلّ يفعل إذا كان عامّة نهاره في فعله، وبات يفعل إذا كان عامّة ليله في فعله، وإذا لم يرد تخصيص ليل ولا نهار، قلت: طفق (٥) يفعل (٦). ﴿يَعْرُجُونَ﴾ يصعدون. ﴿سُكِّرَتْ﴾ حُبِست بالتخييل عن حقيقة المشاهدة. ﴿فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ بروج السماء: أقسامها وأجزاؤها الاثنا عشر (٧)، كل جزء بالمساحة على ثلاثين درجة، وهي ستّون دقيقة لا تفاوت بينها، وفي المشاهدة على كواكب من منازل القمر بينها تفاوت، ثم هذه السماء

стр. 1043

محدقة بالنار والريح والأرض إحداق قشر البيضة بما فيها، يدور على قطبين: قطب معلوم شمالي، وقطب موهوم جنوبي عند بعض الناس، وهي معلّقة بالقطب الشمالي من فوق الأرض كهيئة الكلية لا قطب لها من ناحية الجنوب عند بعض، وهي (١) مختصّة ببروج غير (٢) هذه البروج الاثني عشر الفلكية عند بعض، فمن تلك البروج الصراح وهو بيت المعمور وسائر البروج مساجد الملائكة ومقاماتهم ومقامات الأنبياء والصِّدِّيقين والشهداء. ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ حسّناها بصفاء لونها وبالشمس والقمر والكواكب. ﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾ بالكواكب المُنْقَضَّة التي هي رجوم للشياطين، قيل: ألم (٣) تزل السماء محفوظة محروسة بهذه الكواكب المُنَقَضَّة؟ عن ابن عباس: أنّ رجالًا من الأنصار (٤) أخبروه (٥) أنّه بَيْنما هم جلوس مع رسول الله ﷺ (٦) ليلةً من اللّيالي رمي بنجم فاستنار، فقال لهم (٧) رسول الله: "ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا رُمِي بمثل هذا"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، كنّا نقول: مات الليلة عظيم ووُلد الليلة عظيم، قال ﵇: "إنه لا يرمى لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربّنا ﵎ إذا قضى أمرًا سبّح حملة العرش ثم سبّح أهل السماء الذين يلونهم، ثم سبّح أهل السماء الذين يلونهم (٨)، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم يسأل أهل السماء السابعة حملة العرش: ماذا قال ربّكم؟ فيخبرونهم، ثم يسال أهل السماء السادسة أهل السماء السابعة، وكذلك حتى ينتهي الخبر إلى السماء الدّنيا فيحفظه الجني ليقذفه إلى (٩) صاحبه

стр. 1044

ويرمي به، فما جاؤوا به على وجهه فهو الحقّ، ولكنهم يرمون فيه ويزيدون" (١). وعن نافع بن جبير ومحمد بن كعب: أمسكت في أيام الفترة، فلما بُعِث نبيّنا عاد الأمر كهيئته (٢)، وقيل: لم تكن النجوم رميت قطّ حتى بُعِث نبيّنا ﵇ (٣). ﴿اسْتَرَقَ﴾ افتعال من السرقة ﴿شِهَابٌ﴾ شُعْلَة وقبس ﴿مَدَدْنَاهَا﴾ فرشناها بكليتها على وجه الأرض، وقيل: أراد به ضُرِّسَ أبعاضها إلا مكان التقليب فيها، وهي بكليتها كرة مضرّسة يعلو الماء بعضها ويعلو بعضها الماء لإمكان الحرث والنّسل. ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ تدلّ أن الجبال ثابتة ملتصقة بالأرض غير ثابتة متعلقة عنها، فكانت الرّياح إذا اضطربت اضطرابًا عنيفًا بإفراط ضغط من الفلك عند ابتداء دورة، فأثارت هذه الرياح المضطربة الأرض إثارة قريات (٤) لوط، فتحجّرت أجزاؤها المماسة للنار العلوية بالنفخ، ثم

стр. 1045

انحدرت من ثم بإذن الله فوقعت على وجه الأرض. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ مقدور، وقيل: متّزن لكونه مطبوعًا على الفعل والانحدار بخلاف الريح والنار. ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ﴾ في محل النصب عطفًا على ﴿مَعَايِشَ﴾ (١) هم الذراري والمماليك والسوائم، وقيل: في محل الخفض عطفًا على الضمير في (لكم)، وهم الأطفال والمجانين والبهائم عندنا في علمنا وحكمنا. (الرياح اللواقح) التي تحمل الندى والثرى ليتكون غيومًا في أثنائها بإذن الله. وقيل: الملقحات للغيوم والأشجار. وقيل: هي التي ينتفع بها لما ضمنها الله تعالى من النفع بخلاف العقيم، وهي الدبور، وقيل: اللّواقح ريح واحدة وهي الجنوب وحدها وإنما جمع على الجنس، وقيل: كل ريح أتى بالمطر النافع فهي من جملة اللواقح (٢).

стр. 1046

﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾ من (١) القرون الماضية و ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ القرون الباقين عن مجاهد (٢)، وهم المسارعون في الخيرات والمتثاقلون عنها عن الحسن (٣)، وهم من يسلم ومن لا يسلم عن سفيان بن عيينة (٤). وروى الكلبي عن ابن عباس: أنّها نزلت بالمدينة في الذين قصدوا بيع دُورهم القاصية عن المسجد، واشتروا دورًا قريبة من المسجد لازدحامهم على الصف الأول (٥)، فعلى هذا القول مكية إلاّ هذه الآية أو الآية نزلت مرّتين. وعن أبي الجوزاء، عن ابن عباس: نزلت في الذين كانوا يستأخرون في الصلاة إلى الصف الأخير لينظروا في سجودهم من تحت آباطهم إلى امرأة حسناء كانت تشهد الجماعة مع النساء (٦)، ورُوِيَ موقوفًا على أبي الجوزاء (٧). ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ اتّصالها بما جرى من ذكر العالم الأكبر حسن عطف العالم الأصغر والنفس عليها، وقيل: لما جرى ذكر المستقدمين والمستأخرين حسن ذكر ابتداء تخليقهم ليكون أوّل الأمر شاهد الآخرة.

стр. 1047

﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾ لمن شبّه الفخار (١) ﴿مَسْنُونٍ﴾ (٢) متغير، وقيل: مصبوب (٣)، قيل: خلق الله تعالى قالبًا من سلالة الأرض على صورة الإنسان، وكان مطروحًا على الأرض أربعين سنة، وكان قد صار صلصالًا كالفخار، فمرّ عليه إبليس يومًا فدخل جوفه ثم خرج منه وتفرّس فيه أنّه يكون ضعيفًا يتمكن فيه عدوّه بالغرور لمكان التخويف وكثرة الاحتياج، ثم نفخ الله فيه الروح، فلمّا حصل في رأسه واستحال رأسه (٤) دماغًا ولحمًا وعظمًا على صورته الأُولى عطس، فحمد الله تعالى بتلقين جبريل ﵇، فشمَّته الله تعالى بقوله: رحمك ربّك، فلما حصل الروح في صدره ومعدته وانحدر إلى سوأته واستحال كل ذلك لحمًا وعصبًا وعظمًا غلبه الجوع، فقصد النهوض وإن بعضه لطين بعد؛ ففي ذلك يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]، وقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، فقال: خُلِقت من الشر وخُلِقت من الرحمة، وقيل: العجل الطين، قاله الكلبي وغيره (٥). و (الجان) أبو الجنّ (٦) بمنزلة آدم منّا، ولم يذكروا مَنْ أُمّ الجنّ، وعن جعفر بن محمَّد الصادق أنّ الله تعالى بعد خلق الكلمة قدّد قددًا من أنواع الخلق، وذلك قوله: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١]، فلما خلق الأرض أهبط تلك القدد إلى (٧) الأرض فقدّة النار يسمون الجان، وقدّة الظلمة

стр. 1048

يسمون الجن، وأذن لهم الكلمة أن يفجروا في الأرض الأنهار، فطرح إليهم غرسًا فغرسوا [من الحبّ والنوى، فعمروا الأرض دهرًا، وكانت أصحاب الحواشي والجان أصحاب الزروع، ثم تحاسدوا فصاروا أحزابًا] (١)، واقتتلوا دهرًا طويلًا. ثمّ إنَّ الله تعالى خلق خلقًا يقال لهم النفر (٢)، وخلق خلقًا يقال لهم (٣) الرعب، فألقوا (٤) الرعب في قلوب الجن والجان وأيّد ملائكته فقال لهم الكروبيون (٥) بالنصر، وكانت الجنّ والجان تصعد إلى مقاعد السمع فيسترقون السمع فيلقون إلى الكهنة، وزعم بعض أهل النجوم أنّ الله قسم الدهر من البروج الاثني عشر، فخصّ العمل منه اثنا عشر ألف سنة، " وخصّ الثور أحد عشر ألفًا، والجوزاء عشرة آلاف، والسرطان تسعة آلاف، في كل واحدٍ من هذه الحصص لله تعالى عباد خلقهم من العنصر الذي إليه ينسب البروج، وخصّ الأسد ثمانية آلاف (٦)، وهو برج ناري زعموا، ففي هذه الحصة يخلق الله تعالى الجان من نار جهنَّم، وكان إليهم سلطان الأرض، وخصّ السنبلة سبعة آلاف سنة، وهو برج أرضي زعموا، ففي هذه السنبلة (٧) خلق الله آدم -﵇-، فانتقل سلطان الأرض إليه، وزالت دولة الجن وتفانى أكثرهم ولم يبق منهم إلَّا شيطان ممسوخ، ويزعم الهند أنّ (٨) بين الجنّ والإنس نفارًا متصلًا كالنفار بين الماء والدهن غير

стр. 1049

منفصل كالنفار بين الماء والنار، وأن التّناسل بين القبيلين ممكن، وأن هذين مع سائر الحيوان من مواليد برهم وبشن، وهما زوجان زوجان ألهمهما الله تعالى أن يتوالدا بمواضعة غير المباضعة، وبرهم أفضلهما وأطولهما عمرًا، وله نهار مشتمل على ألف حنزجول، وكل حنزجول مشتمل على (١) أربعة أقسام من الزمان، وكل قسم مشتمل على كذا وكذا ماية ألف سنة، وليله مثل نهاره، ثم تلاشى بإذن الله تعالى، قالوا: فيتوالد على هذه الصفة، فولد الملائكة وأهل الجنّة والجن والشياطين أولًا ثم ولدا سائر المواليد وتوالدت من مواليدهما كذلك، ويشهد لهذا القول مسمّيات العرب الحسن، وزعموا أنّه المتولّد بين الجن والإنس كبلقيس والعملوق بين الجن والآدمي، والسعلاة (٢) والغيلان بين الملك والإنسة (٣)، والنساس (٤) بين الشقّ والإنسان، وقيل: هم يأجوج ومأجوج والدواب بين بعض الحيوان والنبات، ولا يوجب شيئًا من هذه الأقاويل علماؤنا. ﴿السَّمُومِ﴾ الريح الحارة (٥)، فيه دليل على أنّهم لم يخلقوا من النار الخالصة (٦)، وقال: ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥]، وهي المختلط بغيرها من دخان أو ريح أو دهن، وذكر صاحب السنّة (٧) أنّ الملائكة مخلوقون

стр. 1050

من النور والماء والجنّ من النار والماء، قال الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، فعقوا فيه دلالة أنّهم كانوا مأمورين بالسجود لآدم ﵇ قبل وجوده على شريطة وجوده، وإن حرّف. ثم في هذه القصة وفي سورة "الأعراف" لترادف الأخبار، أو كرّر عليهم الأمر (١) بالسجود. ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ توكيد بعد توكيد. ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ من صورته الحسنة أو رتبته الرفيعة أو الجنّة أو السماء إلى يوم الدِّين غاية اللعنة على المجازية، يريد به زيادة على الموعود، أي يعاقب بمجرد اللّعنة ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ثمّ يزاد في عاقبة نار جهنّم وما فيها من أنواع العقوبات ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ إضافة إلى الوقت لإبهام أحدهما وكون الآخر منصوصًا عليه؛ كقولك يوم العيد: لأزيننّ لهم الأباطيل والمحظورات في الأرض. ﴿إِلَّا عِبَادَكَ﴾ خصّ الخبيث بهذا الاستثناء أكثرهم الذين قال فيهم: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]، هذه (٢) إشارة إلى دين الإسلام. ﴿بِسَلَامٍ﴾ بتسليم وتحيّة منّا لكم أو بتسليم بعضكم على بعض، وقيل: بسلامة. ﴿سُرُرٍ﴾ جمع سرير. ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ نصب لأنه من جنس القول ﴿وَجِلُونَ﴾ خائفون جمع لوجل. ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي﴾ على التعجّب، أتبشروني على حالتي هذه، أتؤملونني غير

стр. 1051

كائن على ظن أنّي قد مسّني الخوف أفرح بقولكم (١) أم بالحقّ من عند الله، وإنّما سألهم قبل أن يعرفهم. ﴿مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ الآيسين. ﴿قَدَّرْنَا﴾ أراد تقدير الله تعالى، فهو قضاؤه الحتم، وإنْ كان تقدير الملائكة فهو تخمين منهم. قال لوط: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ لأنّه (٢) لم يعرفهم، فظنّ أنهم لصوص. ﴿بِمَا كَانُوا فِيهِ﴾ الهلاك والعذاب (٣). ﴿وَقَضَيْنَا﴾ أوحينا ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ الشأن والقضية ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ﴾ برحمة للأمر المقضيّ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أي حالة إصباحهم. ﴿فَلَا تَفْضَحُونِ﴾ فلا تخزون. ﴿عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ عن إجارتهم وحمايتهم. ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [مرفوع على الابتداء تقديره: لعمرك] (٤) قسمي، والعمر: البقاء، وفي هذا القسم شرف لرسول الله (٥).

стр. 1052

﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ الهدّة عند انقلاب القريات من نحو السماء وانحدارها إلى الأرض، ويحتمل أن جبريل صاح بهم حينئذ، وقيل: الصيحة: الفزع والهلاك دون الصوت. ﴿مُشْرِقِينَ﴾ حالة الإشراق، وإنما وقعت العبارة بالإشراق والإصباح جميعًا لأنّ رفع القريات كان في وقت الإصباح، وانحدارها في وقت الإشراق. ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ المتبصرين (١) المستدلّين بالسِّمات والأمارات، قال ﵇: "اتّقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله"، ثم قرأ: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ (٢). ﴿وَإِنَّهَا﴾ أي المؤتفكات (٣) ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ طريق واضح بيّن أثره، كان أهل مكّة يمرّون بها في أسفارهم، وإنها الأيكة (٤) والمؤتفكات، وقيل: مدبرين والأيكة.

стр. 1053

﴿لَبِإِمَامٍ﴾ طريق (١)، وإنما قيل ذلك لأنّه يتبع إلى المقصد، قال ابن عمر: مررنا مع النبيّ ﵇ (٢) على الحجر، فقال لنا: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلاّ أن تكونوا باكين حذرًا أن يُصيبكم مثل ما أصابهم"، ثم زجر فأسرع حتى خلفها (٣)، وإنما أمرهم بالبكاء ليبالغوا في التفكّر والاعتبار، وإنّما حذَّرهم لأنّهم لو لم (٤) يعتبروا لكانوا مستخفّين بآيات الله في أرضه، فاستحقّوا العقاب. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (٥)﴾ اتّصالها من حيث نفي الجور في إهلاك هؤلاء الأُمم الماضية، ومن حيث نفي العبث في التخليق. ﴿الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ إن كان متاركة فهو منسوخ بآية السيف، وإن كان ما يضاد الإكراه فهو باقٍ في حق العرب لأنّهم إن قبلوا الجزية صفحنا عنهم، وإن كان المراد به ترك الفحش والشَّتم، فهو باقٍ في حق الكافة. ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ عن النبيّ ﵇ (٦) أن: "السبع المثاني هي سورة الحمد لله ربّ العالمين" (٧). ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ ابن عباس: نهى الله رسوله عن الرغبة في الدنيا (٨)،

стр. 1054

فحظر علينا النظر (١) إليها بعين الرغبة. رُوِيَ عنه ﵇ أنّه مرّت به غنم في أيّام الربيع، فغطّى كمّه على عينيه، فقيل له في ذلك، فقال: "بهذا أمرني ربّي" (٢) ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ رجالًا ونساءً، أو ذكورًا وإناثًا، أو سخيًّا وبخيلًا، أو المكتسبين والعاجزين. ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ لم يُؤمنوا ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ تواضع لهم وليّن جانبك لهم. ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا﴾ التشبيه عائد إلى قوله: ﴿آتَيْنَاكَ سَبْعًا﴾ مجاهد: أهل الكتاب اقتسموا الكتاب (٣) فيما بينهم، فحذفوا بعضًا وحرّفوا بعضًا (٤) واختلقوا في بعض ونقلوا على الوجه بعضًا، أي: آتيناك المذكور. ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا﴾ الكتاب ﴿عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ من قبل، وقال ابن زيد (٥): إنّ المقتسمين هم أصحاب الحجر قوم صالح. ﴿تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩]. وعن ابن عبّاس (٦): هم الذين اقتسموا وجوه القرآن فيما بينهم، وهم من قريش؛ فزعم بعضهم أنه شعر، وبعضهم أنه سِحر، وبعضهم (٧) ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾ [الأنعام: ٢٥]، وبعضهم أنه ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] (٨) تقديره: آتيناك المذكور كما أنزلنا العذاب على هؤلاء المقتسمين المستهزئين. ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ﴾ مجاهد: التوراة والإنجيل والقرآن، وقال ابن زيد:

стр. 1055

ما أتى به صالح، وهذا القول على إحدى (١) روايتي ابن عباس. ﴿عِضِينَ﴾ أجزاء واحدها عضّة أصلها عضوة (٢). ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال: عن لا إله إلاّ الله (٣)، وإنّما وقعت العبارة عن قول لا إله إلاّ الله بالعمل؛ لأن إظهاره من عمل اللّسان، وإنْ لم يكن القول في الحقيقة عملًا. ﴿فَاصْدَعْ﴾ الصدع: الفرق والفصل. ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ عن عروة بن الزبير: هم خمسة: الأسود بن عبد يغوث، وأبو زمعة الأسود بن المطلب، والعاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، وابن غَيطلة الحارث بن قيس السهمي؛ فجاء جبريل ﵇ إلى رسول الله (٤) ﷺ -وهو يطوف بالبيت، فقام (٥) إلى جنبه وهم يطوفون، فمرّ به الأسود بن المطلب، فرمى في وجهه بورقة خضراء فغمي، ومرّ به الأسود بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه فقام من الليل فشرب، فحبن بطنه فمات حبنًا، ومرّ به العاص بن وائل فأشار جبريل ﵇ إلى أخمص رجله، فخرج على حمارٍ له يريد الطائف فربض به حماره على شبرقة فدخلت منه شوكة في أخمص رجله منعت عليه فقتلته، ومرّ به الحارث بن قيس وهو ابن العيطلة، فأشار إلى رأسه، فامتحض بها، ومرّ به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعبه
следующие страницы →