← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

يشهدوا لك أنك رسوله، فوالله لا أؤمن لك حتى تسند سلمًا إلى السماء ثم تصعد عليه وأنا انظر، ثم تأتي بكتاب منشور من عند الله أقرأه، وتأتي بأربعة من الملائكة يشهدون لك أنه من الله، وأيم الله أن لو فعلت لظننت أني لا أصدقك. ثم قال العاص بن وائل السهمي وقريش معه: قد تعلم يا محمَّد أنه لا بلاد أضيق من بلادنا ولا أقل أنهارًا وزرعًا ولا أشد عيشًا، فادعُ ربَّك أن يسيِّر عنا هذه الجبال التي في أرضنا فقد ضيقت علينا لينفسح بلادنا فنعرف فضلك عند ربك، وابعث لنا من مضى من آبائنا لنسألهم عما تقول فيصدقوك أو يكذبوك، وليكن ممن يبعث قصي بن كلاب وإنه كان شيخًا صدوقًا، وقد جئتنا بذكر الرحمن ونحن لا نعرف إلا الله، فأما الرحمن فقد علمنا أنه كذاب باليمامة يعلِّمك هذه الأحاديث. فقال رسول الله ﷺ (١): "الرحمن اسم من أسمائه (٢) كريم شريف ولم أبعث بما سألتموني وإنما بعثت داعيًا إلى الله". قالوا: فخذ لأهل بيتك بعض ما سألناك لنعرف فضلهم أو فليكن لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرًا. قال: "لا أقدر على ذلك وليس ذلك إليَّ". قال: فخذ حذرك فإنا نراك يصيبك من الزلازل ما يصيبنا ونراك تمشي في الأسواق معنا تبتغي من يسير العيش فاسأل الله أن يجعل لك جنانًا وقصورًا وكنوزًا من ذهب وليبعث معك من يصدقك ويكلمنا دونك. فقال رسول الله: "ما ذلك إليّ إنما أدعو إلى الله عزوجل يصنع فيه ما يشاء". قالوا: يا محمَّد إنا ناظروك بسحرك هذا ثلاث ليالٍ ففكِّر بينك وبين

стр. 1297

نفسك فلا تبقين إلا عليها، إما أن نتخذك لنا عدوًا، وإما أن نجعلك من المهلكين، وإما تأتينا بأمر شاف نرضاه. فرجع رسول الله مهتمًا حزينًا قد شقَّ عليه ما قال له قومه وما ردوا عليه من أمره فأنزل (١). ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ جمع سوق، و (السوق) موضع البيع والشراء يذكَّر ويؤنث. ﴿ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ ضربهم الأمثال لرسول الله وصفهم إياه بأنه ساحر أو (٢) مسحور وشاعر ومجنون (٣) ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ضربت (٤) على الضلالة أي (٥) ما داموا مصرين على الضلالة لم يستطيعوا أن يصدقوا في وصفك فقال: لا يستطيعون حيلة في أمرك أي في قهرك. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا﴾ عن حبيب قال: قيل للنبي ﵇ (٦): نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها لم نعطها أحدًا قبلك لا ينقصك ذلك عند الله شيئًا فقال: "أجمعها لي في الآخرة" فقال الله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ﴾ (٧). وعن ابن عباس قال: بينما رسول الله جالس وجبريل معه قال جبريل: هذا ملك قد نزل من السماء لم ينزل قط استأذن ربه في زيارتك، فلم يمكث إلا قليلًا حتى جاء الملك وقال: السلام عليك يا رسول الله

стр. 1298

إن الله يخبرك أن يعطيك خزائن كل شيء ومفاتيح كل شيء لم يعطه أحدًا قبلك ولا يعطيه أحدًا بعدك من غير أن ينقص لك مما ادخر لك شيئًا، فقال النبي ﵇ (١): "بل يجمعها لي جميعًا يوم القيامة" فنزلت (٢). وعن ابن عباس قال: قال النبي ﵇ (١): "عرض علي جبريل بطحاء مكة ذهبًا فقلت: بل شبعة وثلاث جوعات" (٣) وذلك أكثر لذكري ومسألتي تقول: ذلك الجبل ينظر إلينا ويحتمل أن الله تعالى يحدث للنار رؤية كما يحدث لها نطقًا، وسماع التغيظ لغليان صدر المتغيظ واحتقانه وتتابع أنفاسه. ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ أي في مكان ضيق ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مسلسلين أيمانهم عند أعناقهم، وقيل: يجمع بين ناصية الكافر وعقبيه (٤)، وقيل: يجمع بينه وبين شيطانه وقرينه. ﴿ثُبُورًا﴾ هلاكًا وحرمانًا، ودعاؤهم: واثبوراه، والثبور مصدر ولذلك لم يجمع. ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ دليل على أن أهل الجنة مخيرون في أنواع ما يخطر ببالهم من الخير. ﴿نَسُوا الذِّكْرَ﴾ تغافلوا وأعرضوا عن الاتعاظ بالموعظة ﴿بُورًا﴾ بسائر وهو الهالك (٥). ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ﴾ بالإصرار على الشركاء والزيادة على الكفر، وقيل:

стр. 1299

جحودهم يوم القيامة بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ليكون العذاب الكبير الختم على الأفواه وإنطاق الجلود. ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ أمر كقوله: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤]، وقيل: على سبيل الاختصار أي فتصبرون فنثيبكم عليها أم لا تصبرون فيهلككم ويستخلف قومًا غيركم. ﴿لَا يَرْجُونَ﴾ لا يخافون، ويحتمل أنه حقيقة الرَّجاء لأن ضده الإياس، والإياس كفر. ﴿يَوْمَ﴾ نصب على الظرف، ﴿لَا بُشْرَى﴾ لكم بالإياس ودخول الجنة ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ حرامًا محرمًا (١) على سبيل الإيجاب والدعاء. عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا﴾ (٢) أي وعهدنا إلى ما عملوا من عمل لغير الله في الدنيا فجعلناه في الآخرة هباء (٣)، نقول: بطلت أعمالهم فلم تقبل جعلت كالهباء المنثور, والهباء: ما يدخل من شعاع الشمس من الكوة مقبلًا وقت قيلولة في نصف النهار (٤). ﴿تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ (٥)، قال الفراء: بالغمام وعن الغمام، كقولك: رميت بالقوس وعن القوس (٦)، فهذا الغمام فوق السماء.

стр. 1300

﴿يَعَضُّ﴾ يمضغ وهو الكدم من ذوي الخف، واللسع من الحية، والمراد به التأسف، والمراد بـ ﴿الظَّالِمُ﴾ الجنس أي كل ظالم كقوله: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ﴾ [النبأ: ٤٠]. وقال ابن عباس (١) [في رواية الكلبي: نزلت في عقبة بن أبي معيط (٢) وذلك أنه لا يقدم من سفر إلا صنع طعامًا فدعا عليه جيرانه وأهل مكة كلهم، قال: فكان (٣) كثر مجالسة النبي ﵇ (٤) ويعجبه حديثه ويغلب عليه الشقاء، فقدم ذات يوم من سفره فصنع طعامًا ثم دعا رسول الله إلى طعامه فقال: "ما أنا بالذي أفعل حتى تقول" فشهد بذلك، قال: وطعم من طعامه، قال: وبلغ ذلك أُبَي بن خلف، فأتاه فقال له: صبوت يا عقبة، وكان خليله، فقال: لا والله ما صبوت ولكن دخل عليَّ رجل فأبى أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له، واستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم، فقال أبي بن خلف: ما أنا بالذي أرضى عنك أبدًا حتى تأتيه فتبزق في وجهه وتطأ على عنقه، قال: ففعل عقبة ذلك فأخذ رحم دابة فألقاها بين كتفيه، فقال رسول الله: "لا ألقاك خارجًا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف" فأنزل. ثم أسر عقبة بن أبي معيط يوم بدر فقتله ثابت بن الأفلح صبرًا، ولم يقتل من الأسارى يومئذ غيره وغير النضر بن الحارث بن كلدة، ذكره الواقدي. وعن ابن عباس قال: كان أمية بن خلف صديقًا لعقبة بن أبي معيط وخليلًا، وكان عقبة قد غشي رسول الله حتى كاد يسلم، فلقيه أمية بن خلف فقال: بلغني أنك صبوت واتبعت دين محمَّد، فقال عقبة: ما فعلت، قال

стр. 1301

أمية: وجهي من وجهك حرام إلا أن تأتيه فتتفل في وجهه وتبرأ من دينه وتعلم قومك أنك عدو لمن عاداهم وفرق جماعتهم، قال: فخرج عقبة فلما خر نظر في وجهه تفل في وجهه ولم يصب وجه النبي ﵇ (١)، ثم رجع إلى أمية فأخبره فسرَّ بذلك، فأنزل (٢): ﴿فُلَانًا خَلِيلًا﴾ أي ابن خلف (٣). وقال الزجاج: أبي بن خلف على ما ذكره الواقدي، والظاهر أن ﴿فُلَانًا﴾ اسم مبهم (٤) ينطبق على قرين سر مضل. ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ أي الشهادة بالتوحيد والرسالة. ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ﴾ قيل: قاله رسول الله حين أَيِس من قومه فأخبر الله عنه ﴿مَهْجُورًا﴾ متروكًا، وقال مجاهد: مهجورًا فيه (٥) لأنه قال: والغوا فيه، ويحتمل أنه سيقوله رسول الله في القيامة حين يشهد على أمته بالكفر والإيمان. ﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ والجملة تأليف الأجزاء المتفرقة، تقديره: بل ننزله متفرقًا، أو تقديره: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ﴾ أي كالتوراة بل ننزله متفرقًا ﴿وَرَتَّلْنَاهُ﴾ فصلناه. ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ اتصالها من حيث اعتبار (٦) وصفهم ما يتمنونه من القرآن أن ننزله جملة واحدة واعتبار ذلك عليهم ردّ الله بعلة معقولة، وهي تثبيت الفؤاد بحفظ القرآن؛ لأن التوراة أنزلت مكتوبة ولم يكن إعجاز

стр. 1302

موسى في كونه أميًا، وكان هذا معجزة نبينا ﵇ (١)، فهيأ الله له أسباب الحفظ منها أن يتلقن شيئًا بعد شيء على سبيل التراخي. أي: كيف المراد عن اللفظ المشكل مأخوذ من الفسر وهو الكسف، وقيل: مقلوب من قوله سفرت البيت أي كنست. ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ وقع التفضيل على زعم الكفار من إضافة الشر والضلالة إلى المؤمنين. ﴿اذْهَبَا﴾ يعني أنت وأخوك. ﴿وَقَوْمَ﴾ نصب بالتدمير، وقيل: بالإغراق المضمر (٢). ﴿الرَّسِّ﴾ البئر الذي لم (٣) يطو (٤)، وقال عكرمة: أصحاب الرس رموا (٥) نبيهم في بئر (٦)، وقال الكلبي: قوم كانوا باليمامة بفلج (٧). ﴿وَكُلًّا﴾ نصب بضربنا، وقيل: على سبيل اتباع اللفظ. ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ﴾ أي قرية لوط. ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ اتخاذهم ذلك عبادتهم للخواطر التي يتوهمونها بالشبهات فيتمنونها بالشبهات.

стр. 1303

﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ هو أن يمشي (١) بالليل جوف كل وادٍ ويغيب الأفق، قال (٢) الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ [القصص: ٧١] الآية ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ هو انفلاق الصبح ليبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، والصبح من مقدمات ضياء الشمس لا محالة فلا يزال ينبسط وينتشر هذا وينزوي ويستتر هذا إلى أن يفيض الليل كله. ﴿قَبْضًا﴾ سهلًا رفيقًا من غير فزع ولا خطر، وقد بدت الشمس على ظلال الأشخاص بالنهار أيضًا ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ إلى حكمنا الغيب. ﴿اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ التشبيه من حيث وقوع التستر به ﴿سُبَاتًا﴾ استراحة في استرخاء ﴿نُشُورًا﴾ أي وقت نشور وانتشار. ﴿مِمَّا خَلَقْنَا﴾ مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى لاعتبار نظم الآي ورؤوس الآي ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ قال الفراء: أصل إنْسَان إنْسيَان لأن تصغيره أنيسيان (٣)، فالأناسي في الأصل أناسين أبدلوا من نونًا كزبرقان وزباريق، وقيل: جمع إنسان كقرطاس وقراطيس، وقيل: جمع إنسي على النسبة ككرسي وكراسي. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ أي القرآن، وقيل: الماء الطهور (٤).

стр. 1304

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ (١) أي بالقرآن والكلام دون السيف لأن الآية مكية. ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ مرج إشارة إلى ما يتصوره المخاطب في قلبه كأنه ينظر إليه، قال الله تعالى: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] ﴿مِلْحٌ﴾ ماء فيه ملوحة ﴿أُجَاجٌ﴾ ماء في غاية الملوحة. و (العذب): الماء الطيب، و (الفرات) في غاية العذوبة ﴿بَرْزَخًا﴾ يعني الحواجز الواسعة، ويحتمل أن المراد بالبحرين بحر مجاور للساحل وبحر كمين في الساحل، وقيل: بحر بحرا وبحر قلزم فإن سواحلهما غير محاط بها، وفيه إشارة إلى الدمع الذي فيه ملوحة واللعاب الذي فيه عذوبة، والمملوح الذي فيه قرارة، والحام الذي سخ فلم يفسد شيء بمجاورة غيره، وإلى اللبن الحليب ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ [النحل: ٦٦]. ﴿نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ أي مناسبًا ومصاهرًا يناسب بعضه، لتبقية الألفة وحفظ الأصل وتظاهر بعضه (٢) بعضًا لاستفادة الألفة، وإنشاء النسل. ﴿ظَهِيرًا﴾ معيبًا لمثله على إنكار ربه وتبديل دينه ومعاداة نبيه. ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ﴾ استثناء كقوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] لأن ذلك يوجب حسن الظن به، وقوله: (وما سألتكم من أجر فهو لكم) أي على زعمكم فهو مردود عليكم ما أريد منكم ذلك، وقيل: المودة في القربى هو لكم أي حظكم ونصيبكم، وقيل: طالبهم بالمودة في القربى ثم ترك واقتصر على المودة في الله. ﴿الرَّحْمَنُ﴾ رفع بإسناد الاستواء إليه أو لتقديره مبتدأ (٣) ﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾

стр. 1305

أي عنه، والضمير عائد إلى خلق السماوات والأرض أو إلى الاستواء على العرش (١) أو اسم الرحمن، قال ﵇ (٢): "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار" (٣). ﴿سِرَاجًا﴾ مصباحًا. وفي قوله: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ دلالة على جواز قضاء صلاة الليل بالنهار وقضاء صلاة النهار بالليل (٤). ﴿وَعِبَادُ﴾ مبتدأ ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ خبره، والمراد بهم أولياؤه وخاصته ﴿هَوْنًا﴾ متواضعين ﴿سَلَامًا﴾ أي قولًا يؤدي إلى المسالمة والمتاركة، وقيل: منسوخة بآية السيف. ﴿غَرَامًا﴾ لزومًا، وقال بعضهم: هلاكًا (٥) وهو غير مشهور. الإقتار والقتر والتقتير لضيق النفقة ﴿وَكَانَ﴾ إنفاقهم ﴿بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ عدلًا، وقيل: قوام الأمر قوامه ونظامه وملاكه. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ﴾ عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أي وحشيًا لما قتل حمزة مكث زمانًا ثم وقع في قلبه الإسلام،

стр. 1306

فأرسل إلى رسول الله يعلم أنه وقع في قلبه الإسلام ويقول: سمعتك تقول: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ﴾ الآية، وإني فعلتهن فهل من رخصة؟. فنزل جبريل فقال: قل له يا محمَّد ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية، فأرسل بها إليه، فلما قرئت عليه قال: أرى في هذه الآية شروطًا أخشى أن لا آتي بها ولا أجدني أطيق أن أعمل صالحًا، فهل عندك شيء ألين من هذا؟ فأنزل جبريل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فأرسل بها رسول الله إليه فقرئت عليه فقال: إنه يقول لمن يشاء (١) وأنا لا أدري لعلي لا أكون مما يشاء، فنزل جبريل بقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآية، فأرسل بها رسول الله إليه فقرئت عليه، فأسلم وأرسل إلى رسول الله أني أسلمت فأذن لي في إتيانك فأرسل إليه أن لا أر وجهك فإني لا أستطيع أن أملأ عيني من قاتل عمي حمزة (٢). . . الخبر. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى جميع ما تقدم أو إلى الإشراك أو إلى فعل شيء متقدم على سبيل الاستحلال. ﴿أَثَامًا﴾ جزاء الإثم، يقال: أثمه يأثمه إذا جازاه جزاء إثمه. ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ لها وجوه؛ منها إقامة الندامة مقام ما كانت الندامة منه، ومنها التوفيق للكفارات والأعمال الصالحة، ومنها الابتلاء بالمصائب والمكاره الممحصة للذنوب الموجبة للثواب، ومنها تقلب المباحات من أفعاله المقترنة بالكفر طاعات بعد التوبة، كالأكل والشرب، ولهذا قال علي: بقية عمر المرء لا ثمن له يصلح فيه ما أفسد وبستدرك به ما فات. ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ﴾ إنما كرر التوبة التوبة لاتصالهما بزيادة وهي ذكر الله، كأنه قيل: ومن يتب عن المعاصي فإنه يتوب إلى الله.

стр. 1307

﴿الزُّورَ﴾ الشرك عن الضحاك (١)، وعن محمَّد ابن الحنفية وأبي الجحّاف: أي اللغو والغناء (٢). عن إبراهيم بن ميسرة: أن ابن مسعود مرّ بلهو فلم يقف عليه فقال رسول الله: "لقد أصبح ابن مسعود كريمًا إذا مشى كريمًا إذا أمسى" (٣). لم يستقروا ولم يصروا على تكذيبها. ﴿صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ لأن الاستقرار غاية غاية (٤) السقوط، وقضيته كالوجوب. ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ عبارة عن المرضى وضده سخنة العين وسخين العين ﴿وَاجْعَلْنَا (٥) لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي وفِّقنا للتقوى وأتبعنا ذرياتنا بالتقوى، وإنما لم يقل لاعتبار كل واحد من الراعين أو لاعتبار المصدر أو لاعتبار كون الاسم مشتقًا من القول، كقوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]. ﴿الْغُرْفَةَ﴾ الغرفة: العلية، وهي المنزل الرفيع. ﴿يَعْبَأُ﴾ يبالي، فكأنه قيل: هل يبالي الله بكم وهل يراعي جانبكم بإصلاح المعيشة ورفع الآفات ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ دعاء بعضكم، (٦) يعني المؤمنين، قال النبي ﵇: "لولا رجال خشع وصبيان رضع وبهائم رتع لصبّ عليكم العذاب صبًا" (٧)، وقيل: لولا دعاء بعضكم الذي سيدعو في علم الله أنه سيؤمن، وقيل: معناه لولا دعاؤه إياكم إلى التوحيد على سبيل

стр. 1308

الوعظ والتمكين من الاختيار، قاله الفراء (١). وقال القتبي: معناه ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم من دونه شركًا. ﴿لِزَامًا﴾ هلاكًا، والعذاب لازمًا يعني يوم بدر. أبي بن كعب عنه ﵇ (٢): "من قرأ الفرقان بعثه الله يوم القيامة وهو موقن أن الساعة آتية لا ريب فيها ودخل الجنة بغبر حساب" (٣). ... (١) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ٢٧٥). (٢) (السلام) ليست في "ي". (٣) هذا جزء من الحديث الموضوع عن أبي.

стр. 1309

سُورَةُ الشُّعَراءِ مكية (١)، وعن ابن عباس: سوى أربع آيات من آخرها (٢)، وهي مائتان وسبع وعشرون آية كوفي شامي ومدني (٣) الأول. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿طسم (١)﴾ (٤) قال ابن عباس: عمي على العلماء علمه (٥)، وعن قتادة وأبي روق: اسم من أسماء القرآن (٦)، وعن الأنماري: أنه الظاهر المطلع على الغيوب، السميع الساتر للعيوب المجيد بإعطاء السيوب، وقيل: هو قسم بطول الله وسنائه (٧)، وقيل: قسم بطور سينين ومكة، وهي البلد الأمين (٨)، وقيل: إنها الطاهر السعيد المجيد.

стр. 1310

﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ﴾ الشرط والجزاء على لفظ الاستقبال، والمنسوخ على لفظ الماضي لاعتبار المعنى، إذ المعنى واحد في نحو قولك: إن أكرمتني أكرمك ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ﴾ وجوههم وأشرافهم عن مجاهد (١)، وقال الفراء (٢): الطوائف العصائب من قولهم رأيت الناس إلى فلان عنقًا، وقال الكسائي: الأعضاء التي عليها الرؤوس وإنما جمعت بـ ﴿خَاضِعِينَ﴾ لاعتبار الأعناق أو لما وصفت العقلاء وهو الخضوع، الآيات جمعت جمع العقلاء. ﴿كَرِيمٍ﴾ طيب، يقال: نخلة كريمة وشاة كريمة. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى القرآن أو إلى الآيات (٣). ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ أكثر المستمعين للذكر أو المشاهدين المذكورين. ووصف الله بأنه ﴿الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ للدعوة على سبيل الترهيب والترغيب. ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ استفهام بمعنى الإنكار على المستفهم عن حالهم كقوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٧]. ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ أيضًا ليؤازرني ويعينني، والرسول يقع على الواحد والجماعة كالعدو. و ﴿نُرَبِّكَ﴾ ننميك ونصلحك ﴿وَلِيدًا﴾ مولدًا وهو الطفل المربى. وقال القتيبي: الوليد الذي ولد في بلاد العجم ونشأ (٤) في بلاد العرب، والمولد

стр. 1311

الذي ولد في الإسلام، وقال ابن شميل: هما واحد وهو الذي ولد عندك (١). ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي كفران النعمة. ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا﴾ أي يومئذ ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ الجاهلين، من الجهالة في شرائع دين الله لا الجهالة في الله ولا الجهالة (٢) في دين فرعون. ﴿خِفْتُكُمْ﴾ أن تصيبوني بشر ويكون سبب مكروه قضاه الله وقدره، وتلك إشارة إلى تربيته وليدًا, لأنه لم يكن يربِّي أولاد (٣) بني إسرائيل إلا لتعبيدهم وإذلالهم، وهو على وجه الاستفهام تقديره: أوتلك نعمة تمنها المن: تذكير المنعم نعمته، ولا يحسن ذلك إلا من الله تعالى لأنه هو المنعم على الحقيقة، وأما غيره إذا منّ على أحد فقد تخلق بما ليس له، إذ هو سبب في تلك النعمة والمنعم في الحقيقة هو الله سماه به للزومه جوابًا واحدًا مع تفنن فرعون في السؤال، وإنما فعل موسى ذلك ليقرر عندهم التسمية وتوقعها في قلوبهم بالمبالغة في التعريف. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تعريض بأنهم أولى بصفة الجنون منه لأنهم لم يكونوا يعقلون ما يلهمهم عليه من المشاهدات من الأفاعيل الإلهية، فلما فرّ فرعون من الجدال إلى التهديد قابله موسى بالبرهان العتيد. ﴿ثُعْبَانٌ﴾ حية بين الأفعوان والتنين. ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ استفهام بمعنى الأمر. ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ في طاعة فرعون. ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ قسم السحرة، و (عزته): قلة إذنه للناس أن يدخلوا عليه واحتجابه عنهم.

стр. 1312

﴿لَا ضَيْرَ﴾ لا بأس. ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ لقطعة (١) وفرقة، وثوب شراذم: أي مقطع قطعًا، ووجه الجمع بالقليلين حسن وصف كل بعض من أبعاض الجملة بالقليل. ﴿لَغَائِظُونَ﴾ (٢) لمغضبون (٣). ﴿حَاذِرُونَ﴾ مخلوقون على صفة الحذر، والحاذر: حامل السلاح والذي يحذر في الحال. ﴿مُشْرِقِينَ﴾ (٤) مصبحين، ﴿كَلَّا﴾ ردّ لكلام قومهم ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. ﴿سَيَهْدِينِ﴾ (٥) إلى طريق النجاة (٦). ﴿فَانْفَلَقَ﴾ فانشقَّ ﴿كَالطَّوْدِ﴾ كالجبل. ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾ قربنا ﴿ثَمَّ﴾ إشارة إلى بقعة يتوهمها المقصوص عليه ضرورة. ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ استثناء متصل على اعتبار الظاهر وهو المجاز، أو منقطع على اعتبار الناظر وهو الحقيقة. وقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ فيه أدب حسن حيث لم يقل: والذي يمرضني (٧) وليس كذلك. ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي﴾ لأن الإماتة قد تكون إراحة وقد تكون إبادة.

стр. 1313

﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ هو الذكر الجميل، وإنما تمنى ذلك ليؤمنوا به فيسعدوا ويصلوا عليه فيزداد بصلاتهم خيرًا ورحمة. و ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ﴾ أي لا ينفع المال والبنون أحدًا، والاستثناء يدل على هذا المضمر. ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مخلص ليس فيه مرض الكفر والنفاق، ويسمى المسلم الذي فيه بلاهة سليم القلب لبعده عن الجدال والشقاق والخبث وسوء الأخلاق، وإنما ينفع سليم القلب ماله وبنوه ليصرف ماله إلى الصدقات والقربات (١) وكون أولاده تابعين له بإيمان داعين له بخير. ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ عطف على ﴿يَوْمَ﴾ وهو ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ﴾، ويجوز أن يكون استئنافًا بتقدير يومئذ أي: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ يومئذ. ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ فكبوا على الوجوه، وتكرار الحرف للمبالغة كالذبذبة والحثحثة (٢). ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ خليل خاص وحامة الرجل خاصته. ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ جواب "لو" مضمر وتقديره ﴿فَنَكُونَ﴾ لكنا مفلحين (٣)، و (الكرة): الرجعة، وذلك إشارة إلى القرآن، أو إلى شأن إبراهيم ﵇ (٤).

стр. 1314

﴿قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ إنكارهم رسالة رسولهم المرسل إليهم تكذيب للجميع، فإن سائر المرسلين يشهدون لا محالة برسالته وهم ينكرونها، فهم مخالفون لهم يكذبون بهم أجمعين ﴿أَخُوهُمْ﴾ للنسبة أو لطول المجاورة. ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ مأمون في نفسه بصفات يستحق بها أن تؤتمن من الأمارات الدالة على صدقه والبراهين الموجبة لدعواه. ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فيما مضى من أعمارهم قبل الإسلام والتوبة، ويحتمل أن لفظة (كانوا) صلة أي: بما يعملون. ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ المملوء (١)، وذلك إشارة إلى القرآن أو إلى شأن نوح ﵇ (٢). ﴿رِيعٍ﴾ طريق مشرف، قاله ابن عباس، وقيل: ما ارتفع من الأرض (٣). ﴿مَصَانِعَ﴾ جمع مصنع وهو البناء المحكمة صنعته بتشييد الحجارة والتخصيص ونحوهما يتخذ للماء وغيره. ﴿بَطَشْتُمْ﴾ أخذتم على سبيل القهر. ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ هو إلزام حجة فإن التذكير لو وقع بإمدادهم بالهواء الذي فيه يتنفسون وما بالقرى التي لها يتحركون وبالحر والبرد اللذين بهما يتنعَّمون، وبالليل والنهار اللذين فيهما يتقلبون لما كادوا يفهمون. ﴿إِنْ هَذَا﴾ إن كان إشارة إلى رسومهم وعاداتهم فهو كقولهم ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٤] وإن كان إشارة إلى قول هود ﵇ (٤) فهو كقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]، وذلك إشارة إلى القرآن أو إلى شأن هود ﵇ (٤).

стр. 1315

﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ إنذار بعذاب الله إن لم يؤمنوا أو تزهيد في الدنيا والآخرة. ﴿طَلْعُهَا﴾ طلع النخلة كفراها، وهو أول ما يبدو من ثمرها ﴿هَضِيمٌ﴾ منضم لم يتقشر عنه جلده، يقال: اهضم الكسخين، وقيل: يتهشهش وذلك إشارة إلى القرآن أو إلى شأن صالح ﵇ (١). ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾ الكارهين الماقتين، قال الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ وفي حديث أبي الدرداء: "وجدت الناس أخبر تَقْلَه" (٢). ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي من عموم عذاب ما يعملون، وقيل: يجني مشاهدة ما (٣) يعملون، وذلك إشارة إلى القرآن أو إلى شأن لوط ﵇ (٤). ﴿وَالْجِبِلَّةَ﴾ الخلق (٥). ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي القرآن. ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ جبريل ﵇ (٤)، ائتمنه الله على تبليغ رسالته ولم يأتمنه الروافض لعنهم الله. ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ دليل على أن القرآن هو هذا المعنى المنظوم المكتسي بلفظ موسوم سواء كان عربيًا أو غير عربي، معجزًا أو غير معجز، وإنما أنزله الله في ألفاظ عربية ليكون أبين للمخاطبين في عصر النزول، وإنما جعله معجزًا ليكون برهانًا كاليد والعصا وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى.

стр. 1316

﴿يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لأنهم وجدوه مصدقًا لما بين يديه من التوراة وموعود على سبيل التعريض والتصريح. ﴿بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ إن أراد الذين لا يحسنون تأدية حروف الهجاء أقامه الأعراب لآفة في ألسنتهم فهو كقوله: ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الأنعام: ١١١]، وإن أراد الأعجميين الذين لا يحسنون العربية والنطق والحروف المختصة بها كالصاد وحروف الإطباق فهو كقوله: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦]. ﴿مَا أَغْنَى﴾ نفي على سبيل الاستفهام والسؤال. ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ يدل على أن مشارق الأرض ومغاربها لم تخل من منذر وحجة لله تعالى على خلقه إلى أن ختم النبوة بمحمد ﵇ (١) وجعل دعوة الإسلام شائعة سابقة مستفيضة. ﴿ذِكْرَى﴾ في محل النصب؛ أي منذرون تذكرة أو في محل الرفع بإضمار مبتدأ (٢). ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ﴾ نفي الكهانة. ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ (٣) في نفي استئهالهم (٤) استغواء محمد ﵇ (١) لطهارته وأمانته وعفته وصدق لهجته. ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ في نفي قدرتهم وذلك لعصمة الله تعالى وكونها حائلة بينه وبينهم.

стр. 1317

﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ مصروفون بالرجم بالثواقب إذا أراد استراق السمع. ﴿عَشِيرَتَكَ﴾ عشيرة رسول الله (١) ولد عدنان ثم ولد مضر منهم، ثم الحُمس، ثم قريش، ثم الأباطيح، ثم المطَّلبيون، ثم بنو عبد مناف، ثم بنو هاشم لا أقرب منهم. وعن ابن عباس قال: لما أنزل الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢)﴾ أتى رسول الله الصفا فصعد عليه ثم نادى: "يا صباحاه! " فاجتمع الناس إليه فبين رجل يجيء وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله (٣): "يا بني عبد المطلب يا بني عبد مناف أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل يريدون أن يغيروا عليكم مصدقي أنتم؟ "، قالوا: نعم، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو لهب: تبًا لكم سائر البرية إنما دعوتمونا لهذا؟! فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ [المسد: ١] (٤). ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ للصلاة كقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ٢]، وقيامه للجهاد والجدال كقوله: ﴿يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، وقوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ٢] وقيامه للدعاء والوعظ كقوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]، وفائدة التنبيه على رؤية قيامه هي البشارة بأن سعيه (٥) مقبول. ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ أي في جملة المصلين معه من حال إلى حال ومن ركن إلى ركن، أو تقلبه لمعاشه فيما بين المؤمنين بعد رجوعه (٦)

стр. 1318

عن مجاهدة (١) المشركين ومجادلتهم وإنذارهم، وأراد حركاته في مدة حياته، وأراد تقلبه من صلب إلى صلب، وسجود آبائهم كسجود الظلال يصرفونها. ﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾ جمع شاعر كعلماء وعالم. ﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ في كل فن من المدح والهجاء وغير ذلك، ﴿يَهِيمُونَ﴾ يخوضون ولا يبالون، هام الرجل يهيم إذا مضى على وجهه راكبًا رأسه لا يثنيه شيء. ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية في معنى قوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ [النساء: ١٤٨] الآية. روي أن عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت أتيا رسول الله حين نزلت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ فقال ﵇ (٢) وهو يقرأها عليهم ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ حتى إذا بلغ المقولة ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال: "أنتم" ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قال: "أنتم" ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ قال: "أنتم" (٣) (٤). ...

стр. 1319

سُورَةُ النَّملِ مكية (١)، وهي خمس وتسعون آية في عدد أهل الحجاز (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿مَنْ فِي (٣) النَّارِ﴾ من (٤) في طلب النار، وقيل: المراد به روح من أمر الله، وفي مصحف عبد الله وأبي بن كعب (٥): ﴿بوركت النار ومن حولها﴾ والعرب تقول: باركك الله وبارك فيك وبارك عليك. ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ﴾ عائد إلى المنادي أو إلى جاعل النار في الشجرة، وقال الفراء: هو (٦) عماد. ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ (٧) أي لم يكن على ما وراءه، قال شمر: كل راجع

стр. 1320

معقب، وعن سفيان: لم يمكث، وفي الحديث: "من عقب في صلاة" (١) أي من أقام بعد ما يفرغ من الصلاة في مجلسه ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ نفي الخوف عنهم على سبيل الإطلاق لزوال قدرتهم واختيارهم، ولا يحلوا بروح الله تعالى لنزول الوحي عليهم، أو لاستبقائهم الكرامة وإرادة الخير كأهل الجنة في الجنة، ويحتمل نفي الخوف عنهم على سبيل التفنيد أي لا يهابون في مراقبته شيئًا من مخلوقاته. ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾ استثناء متصل، والمراد بالظلم الخوف نفسه لا غير، وقيل: استثناء منقطع، والمراد به الأنبياء ﵇ وغيرهم، وفائدة اللفظ تنبيه موسى ﵇ (٢) على الاستغفار من خطيئته ﴿جَيْبِكَ﴾ وهو الشق في القميص يخرج الإنسان منه رأسه. ﴿وَجَحَدُوا﴾ الجحود ضد الإقرار، والتقدير: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ ظلمًا وعلوًا ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ عرفتها وتيقنت بكونها معجزة إلهية، ألا ترى قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]. ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ قيل: كان لداود ﵇ (٢) تسعة عشر ابنًا فلم يرثه إلا سليمان ﵇ ﴿مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ أخص من القول وأعم من التكلم، فظاهر الاستعمال لأن القول يوصف به الجماد، والنطق لا يوصف به إلا ذوات الأرواح، والتكلم لا يوصف به إلا القادر على تصميمه مقولة حروف التهجي. ﴿يُوزَعُونَ﴾ يحبسون، يحبس أولهم على آخرهم لئلا ينقطع بعضهم عن بعض، وقيل: فهم يحبسون في طاعته أي يسخرون له. ﴿وَادِ النَّمْلِ﴾ كان معروفًا في ذلك الزمان أو ذكره معروفًا فيما بين

стр. 1321

العرب (١)؛ لأن الله تعالى سلط النمل على كثير من الأمم فجلاهم عن ديارهم، وإنما خاطبت خطابًا لتكليفها إياهنّ تكليف العقلاء، ﴿مَسَاكِنَكُمْ﴾ قراهن وجحرهن ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسرنكم ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ تمهيد لعذر سليمان وجنوده أو تحقيق للإنذار كي لا يقول واحد لا تظلمنا، وهو تبرؤ وتقبيح لتركهن الحذر؛ فإن من تعرض لسهم عزب كان أجهل وأشد لومًا ممن تعرض لمتعهد (٢) القتال. وعن الشعبي أن النملة التي فقه سليمان ﵇ (٣) كلامها كانت ذات جناحين (٤). ﴿فَتَبَسَّمَ﴾ أظهر الضواحك من الأسنان فرحًا للشكر على تفهيم الله إياه كلام النملة، أو على إلهام الله النملة عذر سليمان، أو لتعجيبه على قضية الطبيعة ﴿أَوْزِعْنِي﴾ ألهمني واجعلني مولعًا بشكرك (٥) وبالعمل الصالح، وفي الحديث: "كان موزعًا بالسواك" (٦) أي مولعًا به. ﴿وَتَفَقَّدَ﴾ طلب المفقود بجواز أن يكون مترتبًا على مقدار؛ أي صرفت (٧) عن رؤيته ﴿أَمْ (٨) كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ وقيل: أم بمعنى الاستفهام، وقيل: بمعنى بل، وفي الآية دليل على وجوب التفقد والتيقظ على الإمام والرئيس. و ﴿الْهُدْهُدَ﴾ جنس من الطير ملون في حجم الفاختة، له عرف

стр. 1322

ورائحة منتنة، وكان الهدهد معجزة لسليمان كغراب نوح وورد إبراهيم وحمار عزير. روى الشعبي عن عبد الله بن سلام قال: أعطي سليمان ﵇ (١) من عظيم الملك ما كان يخبز له في مطبخه كل يوم ستمائة كرّ حنطة ويذبح له كل غداة ستة آلاف ثور وعشرون ألف شاة، فكان يطعم الناس ويجلس معه على مائدته خاصة اليتامى والمساكين وأبناء (٢) السبيل ويقول: مسكين بين مساكين. قال: ولما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس ومسجدها تجهز فسار يحمله وجنوده الريح ويظلهم الطير، فوغل في البادية حتى وراء أرض تهامة واد في الحرم، فذبح للبيت طول مقامه بمكة كل يوم خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة، وقال لمن حوله من أشراف قومه: إن هذا مكان يخرج منه نبي عربي صفته كذا وكذا، يعطى النصر على جميع من ناوأه ويكون سيفه سطوة على من خالفه، ويبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده سواء في الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم. قالوا: فبأيّ دين يخرج؟. قال: بدين الحنيفية، فطوبى لمن أدركه وآمن به وصدقه. قالوا: وكم بيننا وبينه؟. قال: زُهاء ألف عام، فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيّد الأنبياء وخاتم الرسل، وإن اسمه لمكتوب في زبر الأنبياء الماضين ﵈ (٣). فأقام بمكة أيامًا حتى قضى حجه. ثم سار نحو أرض اليمن يوم نجم سهيل، فخرج من مكة صباحًا فوافى أرض صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ التي كانت تظله وجميع من كان معه من أصحابه، فرأى مكان الهدهد خاليًا

стр. 1323

ليمس فيه الهدهد فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ إلى آخر الآيتين قال: وكان تعذيبه الطير نتفه ريشه لئلا يقدر على الطيران. وكانت قصة الهدهد أنه نظر إلى هدهد ساقطًا على شجرة فانقض نحوه ليسأله عن خبر تلك الأرض، فقال له: أية أرض هذه؟ قال: هذه أرض سبأ، قال: فمن هذا الملك الذي سخر له ما أرى من الريح والشياطين والطير فإني لم أر من الناس أعطي مثل ما أعطي هذا، قال: هذا سليمان بن داود ﵇، قال: وإنه لهو؟ قال: نعم، قال: فأين هو من ملكة هذه الأرض؟ فقال هُدهُد سليمان (١): ومن هي؟ قال: هي بلقيس بنت الهداهد الحميرية (٢) فإنها قد أعطيت من الملك والسلطان ما لم يعط أحد ممن مضى من ملوك هذه الأرض. قال: فانطلق حتى ترينيها، فانطلق معه فأراها إياه وهي في قصر لها بصنعاء أمرت ببنائه على رؤوس الأساطين من الرخام، كل أسطوانة طولها خمسون ذراعًا قد نصبت فوق وحملتها خمسمائة، وبين كل أسطوانتين عشرة أذرع وعليها سقف من ألواح الرخام طُعِّم (٣) بعضها إلى بعض بالرصاص، والقصر فوق ذلك السقف فيه مجالس مطلية بالذهب والفضة مفصصة بألوان الجواهر، وللقصر شرف مطلية بماء الذهب الأحمر مفصصة بألوان الجوهر، وباب القصر مما يلي المدينة وله درج من الرخام الأبيض والأخضر والأحمر، كانت الشمس إذا طلعت على ذلك القصر التهب ذلك الذهب وتلك الجواهر كالتهاب النيران، تكاد تغشى العيون وتحار منها الأبصار، وبني لها في أسفل التل من قرار الأرض حائط بالصخور المنحوتة، حتى أرجع ذلك الحائط إلى ذروة التل، فكان ارتفاع باب القصر من القرار مائة ذراع، وهي حول التل

стр. 1324

قصر مشيد (١) مقطع بالحجر، ولكل قطعة باب يسير إلى التل يسكن فيها أحراسها وخدمها، فكان إذا دخل عليها قوادها ورؤساء أهل مملكتها من وراء حجاج، فإذا حزبها أمر أسفرت لهم عن وجهها. وكان لها أربعة وعشرون قائدًا تحت كل قائد ثلاثون ألف رجل، وكان اثنان وعشرون وزيرًا، فقالت لوزرائها: ما كان يعبد آبائي الماضون؟ قالوا: كانوا يعبدون إله السماء، قالت: وأين هو؟ قالوا: هو في السماء وعلمه في جميع الأرض، فقالت: كيف أعبده وأنا لا أراه ولست أعرف شيئًا أنور نورًا من الشمس فهي أولى بالعبادة، ثم عبدت الشمس من دون الله وحملت قومها على عبادتها، فكانوا يسجدون لها إذا طلعت وإذا غربت. فانصرف الهدهد إلى سليمان ﵇ فأخبره بأمرها فكتب إليها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾، فحمل الهدهد الكتاب وأقبل به حتى دخل عليها وهي في مجلسها بينها وبين قومها ستارة وتكلمهم من ورائها، فكان دخوله عليها من كوة في جدار ذلك المجلس، فقذف الكتاب في حجرها ففزعت منه، فلما قرأته قالت للهدهد: من أرسلك بهذا الكتاب؟ قال: أرسلني نبي الله سليمان بن داود ﵇، قالت: وأين هو؟ قال: معسكر بجنوده من الجن والإنس والطير على تخوم أرضك. فعندها قالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ إلى قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ فأهدت سليمان ألفي فرس مجللة بالحرير، وألف وصيف وألف وصيفة، وركبوا تلك الخيول منها ألف فرس ذكور وعليها الوصفاء، وألف إناث وعليهن الوصائف مسورين بأسورة الذهب مكللين بالتيجان، وأرسلت إليه بحُقِّ مصمت (٢) لا ثقب فيه وفي جودها مائة ياقوتة (٣)، فانبرت للحق دودة - تكون اليوم في

стр. 1325

الخشب- فثقبته بأسنانها، وذلك أنها قالت للرسل: سلوه أن يثقبه بغير حديد. وأهدت إليه درة على عظم البيضة لم يكن في ذلك العصر مثلها وكانت غير مثقوبة، فقالت للرسل (١): سلوه أن يثقبها بغير حديد، فانبرت دودة حمرة تكون في الماء، فقالت: يا نبي الله أنا أثقبها على أن تسأل الله أن يجعل رزقي في الماء، قال: ذلك لك، فثقبتها بأسنانها. وأرسلت إليه بدرة لها ثقب معوج، وقالت للرسل: سلوه أن يدخل في الثقب خيطًا، فانبرت دودة فقالت: أنا أدخل فيه خيطًا على أن تسأل الله أن يجعل رزقي في الفواكه، قال: فإن ذلك لك، فلوت خيطًا على رأسها ودخلت في ذلك الذي في الدرة تتخلل حتى خرجت من الجانب الآخر. فلما أتته الهدية قال (٢): ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ إلي قوله: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فلما ردّ عليها الهدية عزمت على إتيانه وقالت لقومها: إني صائرة إليه وممتحنة إياه بمسائل، فإن أصابها فهو نبيّ ولا طاقة لنا به، وإن كان ملكًا عزمنا على محاربته. فسارت إليه في مائة وعشرين رجلًا من عظماء قومها ومع كل واحد منهم مائة رجل من حشمه وغلمانه. وبلغ سليمان توجهها إليه، فعند ذلك قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ قال الشعبي: فسألت ابن عباس ﵄ عن الذي عنده علم الكتاب قال: كان ذلك آصف (٣) وكان يعرف اسم الله الأعظم.

стр. 1326

فقال سليمان: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ فجعلوا مكان الذهب فضة ومكان الفضة ذهبًا وكذلك بدلوا الجواهر. ونزلت بلقيس على علوة من معسكر سليمان ﵇ (١) ورأت ما أعطي سليمان من عظم الملك فتقاصر إليها ملكها، وأقامت ثلاثة أيام لا تبرح من مكانها فقال لها قومها: ألا تأتين هذا الملك فتنظري ما عنده؟ قالت: أنا صائرة إليه اليوم (٢) لأعرف عنه أمره، قالوا: وبم تعرفين ذلك؟ قالت: إن الملوك لا يجلس إليهم إلا بإذنهم، فإن أمرني بالجلوس إليه فإنه ملك وأمره هين، وإن لم يأمرني بالجلوس إليه ولم ينهني عن القيام فهو نبي ولا طاقة لي به، وسأمتحنه بثلاث مسائل فإن أصابهن لم أشك في نبوته وإن لم يصبهن علمت أنه ملك صاحب دولة. وإن سليمان ﵇ (١) أمر الجن فبنوا عن يمين مجلسه وشماله رواقًا بلبن الذهب مفروشًا به وتركوا من فرشه موضع لبنة، ثم أقبلت ومعها خادم لها على عنقه لبنة من ذهب لتجلس بلقيس عليها، فلما دخلت الرواق فأبصرت ما أبصرت ونظرت إلى موضع اللبنة التي ليست بمكانها كرهت أن يظن القوم أن اللبنة المنزوعة التي هي معها، وأمرت الخادم بوضع اللبنة التي كانت معها في ذلك الموضع فاستوى مرسى الرحى بتلك اللبنة، ثم وقفت أمام سليمان فحيَّته بتحية الملوك، وقامت ساعة لا يأمرها بالجلوس ولا ينهاها عن القيام. ثم رفع طرفه إليها وقال: يا هذه! إن الأرض بساط الله وإن العباد عباد الله فمن شاء فليقم ومن شاء فليقعد، فقعدت أمامه على كرسي من ذهب والإنس على يمين سليمان والجن على شماله ما يلفظ أحد منهم بكلمة، ونظرت إلى عرشها فأنكرته فقيل لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾.

стр. 1327

فقال لها سليمان: يا أمة الله أدعوك إلى توحيد الله وتعظيمه وخلع ما تعبدين من دونه فيكون لك ما لنا وعليك ما علينا، فإن أبيت فأذني بحرب من الله ورسوله ولن يعجز بهما، فقالت: قد فهمت مقالتك أيها الملك ولست أعرف عنه أمرك إنك نبي أم ملك، وإني سائلتك عن ثلاثة أمور (١) فإن أخبرتني بها علمت أنك نبي ودخلت في دينك، وإن لم تعرفها علمت أنك ملك ثم انظر في محاربتك ومسالمتك. قال: سلي ما بدا لك لأخبرك بما يوحي إلي فيه ربي. قالت: فأخبرني عن شبه الولد بأبيه وآخر بأمه، وائتني بماء ليس من أرض ولا سماء، وصف لي صفة ربك لأعرفه. فقال: أما صفة الولد وشبهه فإن نطفة المرأة إذا سبقت نطفة الرجل أشبه الولد أمه، وإذا سبقت نطفة الرجل نطفة المرأة أشبه الولد أباه. وأما الذي سألت أن ليس من أرض ولا سماء فإني آتيك به الساعة، فأمر راضة الخيل فأجروا الخيل حتى عرقت فملؤوا من ذلك العرق قلة فأتوها بها. فأما الثالثة قالت: فأخبرني عن المسألة، قال: حتى يوحى إليَّ فيها، قال: فأوحى الله تعالى إليه أني قد أنسيتها المسألة الثالثة فقل لها: ما كانت مسألتك الثالثة؟ قالت: ما سألتك غير هاتين المسألتين وقد أجبت عنهما وأنا ناظرة يومي هذا في أمري وعائدة عليك غدًا بما أرى. ثم قامت فيمن كان معها من عظماء قومها فانصرفت إلى معسكرها فجمعت إليها من كان معها فقالت: إن هذا الرجل نبي مكرّم فما الذي ترون؟ قالوا: أنت أفضلنا رأيًا فافعلي ما بدا لك وفيه صلاحك وصلاح قومك، قالت: قد رأيت أن أسالمه (٢) وأدخل في طاعته لئلا يستبيح بلدتي ولا يسبي الذراري ولا يقتل المقاتلين قالوا: الرأي ما رأيت.

стр. 1328

قال: ثم إن الجن الذين كانوا مع سليمان كرهوا أن يتزوجها سليمان لأنها كانت منتسبة من جهة أمها إلى الجن، واحتالوا وقالوا لسليمان: يا نبي الله إن هذه المرأة من جنية، وإن الجنية لم تلد إنسية وكان قدم الولد كحافر الحمار. فأمر سليمان الجن فاتخذوا أمام مجلسه صرحًا من قوارير تحته الماء، وفي الماء سمك، ففعلوا ذلك واعتذروا إلى سليمان مما قالوا في بلقيس وأقروا أنهم كذبوا عليها، فأعجب سليمان ذلك الصرح وقال لهم: أحسنتم، قد عفوتكم عما قلتم فلا تعودوا إلى مثله. قال (١): وأقبلت بلقيس حتى قربت من الصرح وسليمان قاعد في ذلك الجانب من الصرح فنظرت إليه وقالت لقومها: هذا الرجل إنما دعانا ليغرقنا في هذه اللجة، فقال لها قومها: مرينا بأمرك فإنا لا نبالي أفي الماء غرقنا أم بالسيوف قتلنا، ثم سلَّ القوم سيوفهم، فقال آصف لبعض العفاريت: أصح بهم صيحة، فصاح بهم ذلك العفريت فخروا على وجوههم ثم وثبوا وهم فزعون. قال: وتقدمت بلقيس إلى الصرح لتعبر (٢) وهي تظن أنه ماء جار، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ لتخوضه، ونظر سليمان إلى قدميها فإذا هما أحسن قدم يكون على (٣) امرأة، فأمر مناديًا فناداها أن غطي ساقيك فإنه ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ فاستحيت بلقيس وأرسلت ثوبها على ساقيها ثم قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وأقبلت حتى جلست على كرسي أمام سرير سليمان وقالت: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وحملت الريح صوتها إلى قومها قالوا بأجمعهم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. قال: ونظر سليمان إليها وتأملها لحسنها وجمالها فقال لها: ويحك يا بلقيس أفنيت شبابك في عبادة الشمس من دون الله.

стр. 1329

قالت: يا نبي الله دع ما مضى فالآن قد دخلت في دينك وقلت بمقالتك وشهدت بشهادتك غير أني أرى خاتمك (١) منقوشًا بلا حفر ولا كتابة فما الذي على خاتمك؟. قال سليمان ﵇: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله. قالت بلقيس: من محمَّد؟. قال سليمان: محمَّد رسول الله يكون في آخر الزمان. قالت بلقيس: فلم صار اسمه على خاتمك دون اسمك؟. فقال: لأنه أكرم على الله مني، ولن ينفعك الإيمان ولن يقبل الله منك صرفًا ولا عدلًا حتى تؤمني بمحمد ﷺ (٢). فآمنت بلقيس ومن معها بنبينا محمَّد ﵇ (٣) من قبل أن يولد بدهر طويل. قال: وهمّ سليمان أن يتزوجها وكره ما رأى من تلك الشعر وعرفت ذلك منه فقالت: يا نبي الله إن الرمانة لا تدري ما طعمها حتى تكسر. فقال سليمان: ما لا يحلو في العين لا يحلو في القلب. فقال بعضهم من نصحاء سليمان من الجن: يا نبي الله هل كرهت منها إلا هذا الشعر؟ أنا أحتال لها حتى يكون كالفضة البيضاء، قال: دونك، فعمل لها (٤) عند ذلك النورة، فتنورت فخرجت بيضاء نقية وكان ذلك أول ما اتخذت النورة، فأما الحمامات فقد كانت قبل ذلك بزمان (٥) ودهر طويل في ملك جم بن نوجهان وكان قد سخر له الجن والشياطين ولم يسخر له الريح والطير.

стр. 1330

قال: فتزوج بها سليمان ﵇ (١) ووقعت من قلبه موضع محبته فأقرها على ملكها وأمر الجن فابتنوا له بأرض اليمن ثلاث حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعًا وحسنًا ومجالس وقنادل مانظر من الخلق في سالف الدهر إلى مثله، قال: وجعلوا لهذا البنيان وهذه (٢) القبات أبوابًا من ألوان الجواهر، واتخذوا بين تلك الأبنية نخيلًا وأشجارًا وكرومًا من الذهب والفضة ثمرها الزبرجد والياقوت. قال: ونظرت بلقيس إلى ذلك البنيان فبقيت متحيرة لا تقدر على الكلام ساعة ثم قالت: إن هذه القدرة لقدرة جبار عظيم لا تدركه العيون ولا تصفه الألسن، ولكنه له الملك والقدرة والسلطان لا تدركه الأبصار ولا تحيط به الأفكار والأقطار، ثم أقبلت على سليمان فقالت: يا نبي الله أشهد لقد فضلك رب السماء والأرض على جميع خلقه فضيلة لا يطفأ نورها ولا يبيد ذكرها آخر الأبد ولن أصلح إلا لمثلك. وكانت أسامي ما كانت تتولاه بأرض اليمن سليحين وبينون وغمدان، فكان سليمان ﵇ (٣) يزورها في كل شهر مرة فيقيم عندها ثلاثًا ثم يبتكر فيمسي بالشام. قال الشعبي: وحكي لنا أن بلقيس ﵂ لم تجلس على سرير الملك بعد إيمانها بالله ولا لبست حريرًا ولا ديباجًا ولا تحلَّت بالذهب، وكانت تقول: حسبي من الحسن والجمال والنور والبهاء توحيدي واسلامي وإيماني بربي (٤) وسجودي له، وحسبي من الفخر تزويجي لسليمان نبي الله ورسوله، لا جلست إلا مثل جلوس سليمان، ولا أكلت إلا مثل أكله، ولا لبست إلا مثل لباسه، ولا نظرت إلى السماء حياء من ربي إذ عبدت الشمس من دونه.

стр. 1331

قال: وكانت كذلك حتى قرأت التوراة والإنجيل وكانت مع ذلك لا تفتر (١) من القنوت والسجود في الليل والنهار (٢). وفي قوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا﴾ دليل على كون ذلك الهدهد عاقلًا مخاطبًا مكلفًا، وفي قوله: ﴿لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ دليل على وجوب قبول العذر على الإمام والرئيس. وعن فروة بن مسيك المرادي، قال: أتيت النبي ﵇ فقلت: يا رسول الله ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؟ فأذن لي في قتالهم فأمرني عليهم، فلما خرجت من عنده سأل عني وأرسل الغطيفي فأخبرني وقد سرت فأرسل في أثري فردّني فأتيته وهو في نفر من أصحابه فقال: "ادعُ القوم فمن أسلم فأقبل ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث لك"، قال: وأنزل في سبأ ما أنزل فقال رجل: يا رسول الله وما سبأ أرض أم امرأة؟ قال: "ليس بأرض ولا امرأة ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم (٣) ستة وتشاءم منهم (٤) أربعة، فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسّان وعاملة، وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعرون وحميرة وكندة ومذحج وأنمار" فقال رجل: يا رسول الله وما أنمار؟ قال: "الذين منهم خثعم وبجيلة" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب (٥) (٦) وروى عن النبي نحوه. وقوله: "منهم خثعم وبجيلة" يحتمل النسبة الحقيقية ويحتمل الموالاة

стр. 1332

كما في قوله: "سلمان منا أهل البيت" (١) ثم يحتمل أن يكون وحيًا، ويحتمل أن يكون مسموعًا على سبيل الاستفاضة. وقوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ لأن سليمان ﵇ (٢) كان مصروفًا عنه فيما ذكر (٣). و (الصرفة) هو كاحتباس بني إسرائيل في التيه وكونهم مصروفين عما حواليه أربعين سنة. و ﴿الْخَبْءَ﴾ المخبوء وهو المستور، وفائدته أن عبدة الشمس إنما يعبدون لتبيينها المحسوسات وإظهارها المستورات، والله تعالى هو المبين لكل محسوس ومعقول فعبادته أولى. وعن معدان بن طلحة قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله فقلت له: دلَّني على عمل ينفعني الله به أو يدخلني الجنة، فسكت عني ثلاثًا ثم التفت إلى فقال: عليك بالسجود فإني سمعت رسول الله ﷺ (٤) يقول:"ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة" قال معدان: فلقيت أبا الدرداء فسألته عما سالت ثوبان، فقال: عليك بالسجود فإني سمعت رسول الله ﵇ يقول: "ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة" (٥). ﴿نَنْظُرْ﴾ سنمتحن ونختبر.

стр. 1333

﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي اعتزلهم وانصرف عنهم، وقيل: ما فيه تقديم وتأخير: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾. عن ابن عباس عن النبي ﵇ (١) قال: "كرامة الكتاب ختمه" (٢). وفي قوله: ﴿أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ دليل (٣) على حسن المشاورة، وقولها: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ أي ممضية حكمًا. وفي قولهم: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ دليل على حسن إظهار الجند بأسهم، وفي قولهم: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ دليل على حسن طاعة الرعية للإمام. وفي قولها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ دليل على وجوب حسن النظر في عواقب الأمور وتركهم قضية السورة والفورة ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ يجوز أن يكون أمر لكلام بلقيس على سبيل التأكيد، ويجوز أن يكون كلامًا مبتدأ من جهة الله على سبيل التصديق (٤)، وعن بعض الملوك أنها احتج بها على بعض النساك فقال: اقرأ الآية التاسعة عشرة من هذه ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾. ففي قوله: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ دلالة على صحة امتحان رجال الآخرة ورجال الدنيا بالدنيا. ﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ﴾ لا طاقة ﴿بِهَا﴾ ولا يقابلونها بشدة وبأس.

стр. 1334

﴿عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ نافر قوي معه حيث وردها، يقال: رجل عفر وعفريت (١). ﴿نَكِّرُوا﴾ غيِّروا، وإنما يوجب نكره وفائدة الامتحان ظهور الفطنة وذكاء القريحة، وإن من كان أخرق في معيشته وعاجلته فأخلق به أن يكون أخرق في ديانته وآجلته، وليس يميز السفيه بين البرهان والتمويه، وعلى هذا تأول الجاحظ قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ [الإسراء: ٧٢] في كتاب المعاش والمعاد غير أنه فاسد لأن من شغله السعير عن الشعير والآخرة عن الأولى وأصبح متألهًا لم يعرف قيم السلع في السوق، وله في التوحيد والفقه رتبة لا يدري مداها ولا يبلغ أعلاها. ﴿وَصَدَّهَا﴾ يعني من شؤم إشراكها صدّها عن صواب القول، وقيل: صدّ سليمان، وهذا خلاف الظاهر. ﴿الصَّرْحَ﴾ البناء العالي كالقصر ﴿مُمَرَّدٌ﴾ ملس، وقيل: مطول ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ جمع قارورة وهو الزجاج. ولو شاء سليمان ﵇ (٢) لاطَّلع على ساقيها من غير هذه الكلفة لكن أمر بالاحتيال إكرامًا لها واحتراما إياها وتنبيهًا لها على ما آتاه الله من البسطة والتمكين. وفي الآية دليل على جواز النظر إلى الأجنبية على نية النكاح.

стр. 1335

﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ﴾ المؤمنون والكافرون ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ يختلفون (١) في أمر صالح ﵇. ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ بنزول العذاب قبل أن تتم العافية المقدرة في الكتاب. ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ كانوا يتطيرون بصالح وبالمؤمنين ويسندون الأمراض والآفات إليهم لكراهتهم مكانهم، فأخبر صالح ﵇ (٢) أن الشؤم من عند الله تعالى كما أن البركة من عند الله، لا خَيْر إلَّا خَيْره ولا طير إلا طيره ولا إله غيره، بل رد عليهم؛ أي لستم تصابون بالشر من جهتنا تختبرون بالشر لشقوتكم. ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ قدار وأصحابه من بني عمير ﴿وَأَهْلَهُ﴾ وهم المؤمنون (٣). ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ عصبته المتعصب له مئل أي طالب ﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ مهلكه ومهلك أهله. ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ وقتلوا الناقة ﴿وَمَكَرْنَا﴾ دمرناهم، وقيل: مكرهم تقاسم هؤلاء التسعة الرهط، ومكر الله إرسال الجبل عليهم وهم في غار من الجبل قتل هؤلاء التسعة غير قدار وأصحابه خلوا به خالية. ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ كونها مخالفة لفطرة الله تعالى، وقيل: إن بعضهم كان يأتي بعضًا في الأندية.
следующие страницы →