← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

قال: وكانت كذلك حتى قرأت التوراة والإنجيل وكانت مع ذلك لا تفتر (١) من القنوت والسجود في الليل والنهار (٢). وفي قوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا﴾ دليل على كون ذلك الهدهد عاقلًا مخاطبًا مكلفًا، وفي قوله: ﴿لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ دليل على وجوب قبول العذر على الإمام والرئيس. وعن فروة بن مسيك المرادي، قال: أتيت النبي ﵇ فقلت: يا رسول الله ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؟ فأذن لي في قتالهم فأمرني عليهم، فلما خرجت من عنده سأل عني وأرسل الغطيفي فأخبرني وقد سرت فأرسل في أثري فردّني فأتيته وهو في نفر من أصحابه فقال: "ادعُ القوم فمن أسلم فأقبل ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث لك"، قال: وأنزل في سبأ ما أنزل فقال رجل: يا رسول الله وما سبأ أرض أم امرأة؟ قال: "ليس بأرض ولا امرأة ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم (٣) ستة وتشاءم منهم (٤) أربعة، فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسّان وعاملة، وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعرون وحميرة وكندة ومذحج وأنمار" فقال رجل: يا رسول الله وما أنمار؟ قال: "الذين منهم خثعم وبجيلة" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب (٥) (٦) وروى عن النبي نحوه. وقوله: "منهم خثعم وبجيلة" يحتمل النسبة الحقيقية ويحتمل الموالاة

стр. 1332

كما في قوله: "سلمان منا أهل البيت" (١) ثم يحتمل أن يكون وحيًا، ويحتمل أن يكون مسموعًا على سبيل الاستفاضة. وقوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ لأن سليمان ﵇ (٢) كان مصروفًا عنه فيما ذكر (٣). و (الصرفة) هو كاحتباس بني إسرائيل في التيه وكونهم مصروفين عما حواليه أربعين سنة. و ﴿الْخَبْءَ﴾ المخبوء وهو المستور، وفائدته أن عبدة الشمس إنما يعبدون لتبيينها المحسوسات وإظهارها المستورات، والله تعالى هو المبين لكل محسوس ومعقول فعبادته أولى. وعن معدان بن طلحة قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله فقلت له: دلَّني على عمل ينفعني الله به أو يدخلني الجنة، فسكت عني ثلاثًا ثم التفت إلى فقال: عليك بالسجود فإني سمعت رسول الله ﷺ (٤) يقول:"ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة" قال معدان: فلقيت أبا الدرداء فسألته عما سالت ثوبان، فقال: عليك بالسجود فإني سمعت رسول الله ﵇ يقول: "ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة" (٥). ﴿نَنْظُرْ﴾ سنمتحن ونختبر.

стр. 1333

﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي اعتزلهم وانصرف عنهم، وقيل: ما فيه تقديم وتأخير: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾. عن ابن عباس عن النبي ﵇ (١) قال: "كرامة الكتاب ختمه" (٢). وفي قوله: ﴿أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ دليل (٣) على حسن المشاورة، وقولها: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ أي ممضية حكمًا. وفي قولهم: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ دليل على حسن إظهار الجند بأسهم، وفي قولهم: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ دليل على حسن طاعة الرعية للإمام. وفي قولها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ دليل على وجوب حسن النظر في عواقب الأمور وتركهم قضية السورة والفورة ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ يجوز أن يكون أمر لكلام بلقيس على سبيل التأكيد، ويجوز أن يكون كلامًا مبتدأ من جهة الله على سبيل التصديق (٤)، وعن بعض الملوك أنها احتج بها على بعض النساك فقال: اقرأ الآية التاسعة عشرة من هذه ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾. ففي قوله: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ دلالة على صحة امتحان رجال الآخرة ورجال الدنيا بالدنيا. ﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ﴾ لا طاقة ﴿بِهَا﴾ ولا يقابلونها بشدة وبأس.

стр. 1334

﴿عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ نافر قوي معه حيث وردها، يقال: رجل عفر وعفريت (١). ﴿نَكِّرُوا﴾ غيِّروا، وإنما يوجب نكره وفائدة الامتحان ظهور الفطنة وذكاء القريحة، وإن من كان أخرق في معيشته وعاجلته فأخلق به أن يكون أخرق في ديانته وآجلته، وليس يميز السفيه بين البرهان والتمويه، وعلى هذا تأول الجاحظ قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ [الإسراء: ٧٢] في كتاب المعاش والمعاد غير أنه فاسد لأن من شغله السعير عن الشعير والآخرة عن الأولى وأصبح متألهًا لم يعرف قيم السلع في السوق، وله في التوحيد والفقه رتبة لا يدري مداها ولا يبلغ أعلاها. ﴿وَصَدَّهَا﴾ يعني من شؤم إشراكها صدّها عن صواب القول، وقيل: صدّ سليمان، وهذا خلاف الظاهر. ﴿الصَّرْحَ﴾ البناء العالي كالقصر ﴿مُمَرَّدٌ﴾ ملس، وقيل: مطول ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ جمع قارورة وهو الزجاج. ولو شاء سليمان ﵇ (٢) لاطَّلع على ساقيها من غير هذه الكلفة لكن أمر بالاحتيال إكرامًا لها واحتراما إياها وتنبيهًا لها على ما آتاه الله من البسطة والتمكين. وفي الآية دليل على جواز النظر إلى الأجنبية على نية النكاح.

стр. 1335

﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ﴾ المؤمنون والكافرون ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ يختلفون (١) في أمر صالح ﵇. ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ بنزول العذاب قبل أن تتم العافية المقدرة في الكتاب. ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ كانوا يتطيرون بصالح وبالمؤمنين ويسندون الأمراض والآفات إليهم لكراهتهم مكانهم، فأخبر صالح ﵇ (٢) أن الشؤم من عند الله تعالى كما أن البركة من عند الله، لا خَيْر إلَّا خَيْره ولا طير إلا طيره ولا إله غيره، بل رد عليهم؛ أي لستم تصابون بالشر من جهتنا تختبرون بالشر لشقوتكم. ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ قدار وأصحابه من بني عمير ﴿وَأَهْلَهُ﴾ وهم المؤمنون (٣). ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ عصبته المتعصب له مئل أي طالب ﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ مهلكه ومهلك أهله. ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ وقتلوا الناقة ﴿وَمَكَرْنَا﴾ دمرناهم، وقيل: مكرهم تقاسم هؤلاء التسعة الرهط، ومكر الله إرسال الجبل عليهم وهم في غار من الجبل قتل هؤلاء التسعة غير قدار وأصحابه خلوا به خالية. ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ كونها مخالفة لفطرة الله تعالى، وقيل: إن بعضهم كان يأتي بعضًا في الأندية.

стр. 1336

﴿بَلْ﴾ للإضراب (١). (أم) مرتبة على ألف الاستفهام وفيما بعدها بمعنى بل ﴿حَدَائِقَ﴾ جمع حديقة وهي البستان الذي أحدق به البناء، والبناء الذي أحدقت به الأشجار ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ حسن ونضارة الأرض. ﴿قَرَارًا﴾ موضع قرار كقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، وقيل: وجعل الأرض مستقرة كقوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]. ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ أم أدرك على سبيل الاستفهام ثم الشك، حقيقة حالهم، ثم العمى لنفي توهم الشك علمًا، فإن الشك جهل وليس بعلم، وقيل: هو كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩] ثم الشك (٢) والعمى، وقيل: ﴿ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ إيمان أكثرهم بها على سبيل الإجمال، والشك شك بعضهم والعمى عمى، و ﴿بَلْ﴾ للإضراب دون الاستدراك، وقيل: الكلام على ظاهره والتناقض في أحوالهم المخبر عنها دون الخبر؛ لأنهم أيقنوا بانتهاء الدنيا في أول فكرهم ونظرهم على سبيل البديهة التي هي من قضية الفطرة، ثم شكوا فيها لتمكينهم الشبهات من قلوبهم، ثم عموا عنها باتباع الشهوات بقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] و (بل) للإضراب. وقيل: ﴿ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ حصل لهم بتواتر الأخبار والآيات النبوية، يدل عليه قولهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ وشكهم يشككهم على سبيل المكابرة، وعماهم اعتقادهم خلاف العلم الضروري باعتقاد السوفسطائية (٣) (٤) في العالم واعتقاد الروافض في القرآن.

стр. 1337

﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ أي ردفكم، والسلام مقحمة كما في قوله: ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٦] تكن تخفى. ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ أي بنو إسرائيل ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ إنه كان نبيًا مرضيًا أم ملكًا مقارنًا للمعصية وقد زكاه الله وأثنى عليه. ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ولكن الله أسمعهم كلامه على سبيل التقريع وهم في قليب بدر. ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ﴾ وجب العذاب الموعود عليهم، والضمير عائد إلى غاية المحجوجين المخالفين بكفر أم ببغي ﴿دَابَّةً﴾ جنس من الحيوان لم يعرف بعد تكلمهم بلسان معهود معروف فيما بين الناس. عن أنس بن مالك قال في دابة الأرض: أن فيها من كل أمة سيماها من هذه الأمة أنها تتكلم بلسان عربي مبين (١) قابل، والظاهر من هذه الدابة أنها آية ملجئة غير ملتبسة لاعتبار وقوع. عن أبي هريرة أن النبي ﵇ (٢) قال: "تخرج الدابة معها خاتم سليمان وعصى موسى ﵇ فتجلو وجه المؤمن وتختم أنف الكافر بالخاتم حتى أن أهل الخوان يجتمعون فيقول هذا ها يا مؤمن ويقول هذا ها يا كافر" قال عيسى: هذا حديث حسن صحيح (٣)، قال إبراهيم: تخرج دابة الأرض من مكة (٤)، وقال ابن عباس: الدابة التي يخرج الله تعالى للناس يكلمهم

стр. 1338

أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون هو الثعبان الذي كان في البيت فأرسل الله عقابًا فاختطفه (١). وقال مجاهد: اختطف العقاب الثعبان فألقاه نحو المخسف العماليق بقية عاد (٢). وقال مجاهد عن ابن عباس: ألقته العقاب بأجياد فمن أجياد تخرج الدابة. وعن مجاهد عن (٣) عبد الله بن عمرو قال: تخرج الدابة من تحت الصفا فتستقبل المشرق فتصرخ صرخة يبلغ صوتها منقطع الأرض من المشرق، ثم تستقبل المغرب فتصرخ صرخة يبلغ صوتها منقطع الأرض من المغرب، ثم تستقبل اليمن فتصرخ صرخة كذلك، ثم تستقبل الشام وكذلك، ثم تغدو فتقيل بعسفان (٤). عكرمة عن ابن عباس: إنما جعل المسبق من أجل الدابة فإنها تخرج قبل التروية بيوم أو يوم التروية أو يوم عرفة أو يوم النحر، أو الغد من يوم النحر (٢). وعن أبي هريرة قال: قال رسول (٥) الله ﷺ : "خمس ينذرن الساعة لا أدري أيتهن قبل، وأيتهن جاءت لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: الدابة ويأجوج ومأجوج والدجال وطلوع الشمس من مغربها وعيسى ابن مريم" (٦).

стр. 1339

﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ﴾ واذكر يوم نحشرهم يوم جمعهم. ﴿دَاخِرِينَ﴾ صاغرين. ﴿جَامِدَةً﴾ ضد سائلة، والجماد ضد الحيوان تكون هذه يوم القيامة كقوله: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ [التكوير: ٣] ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ [القارعة: ٥] وذلك الحسبان لقصور الرؤية عن الاحتواء بأطرافها. ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي (١) الملجئة. وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ (٢): "من قرأ طس سليمان أعطاه الله عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشرون درجة، تعداد كل من كذب موسى وصدق داود وسليمان وصالحًا ولوطًا وخرج يوم القيامة وهو ينادي بشهادة أن لا إله إلا الله" (٣). ...

стр. 1340

سُورَةُ القَصَصِ مكية (١)، وروى المعدل عن ابن عباس أن آية واحدة نزلت بالجحفة ورسول الله مهاجر إلى المدينة (٢) قوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] وهي ثمان وثمانون آية (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَهَامَانَ﴾ رجل من آل فرعون كان عزيز مصر في زمانه مثل قوطفير ولم يبلغنا من نسبته ما نعتمد عليه (٤). ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ جواريه، والسلام لام العاقبة (٥) ﴿وَحَزَنًا﴾ أي سبب حزن ﴿امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ آسية، ولم يبلغنا أنها كانت من العمالقة أم

стр. 1341

من القبط، أوزعها الله محبة موسى ﵇، وأكرمها بالإيمان ورزقها الشهادة وهي التي قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]، وكانت لها ماشطة إسرائيلية فهي التي كانت توحي إليها علم التوحيد والإِسلام فيما يروى، وهي امرأة حزقيل النجار مؤمن آل فرعون. قيل: وجلب كهنة فرعون صلات عظيمة ليلبسوا أمر موسى على فرعون. ﴿فَارِغًا﴾ ضد شاغل، وإنما فرغ قلبها بعد التقاطهم، وإنما ﴿كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ حين ألقته في اليم، أو حين دعيت لتكفله وترضعه، واسم أم موسى يوخابذ بنت لاوي واسم أخته مريم (١). عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ قال: وهم قائلون قبل المدينة عن الشمس (٢)، وقال مقاتل: هي قرية تدعى خانين على فرسخين من مصر ﴿فَوَكَزَهُ﴾ فضربه بجمع كفه ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ فأمضى موسى ﵇ (٣) القتل بوكزه ﴿قَالَ هَذَا﴾ إشارة إلى قتل النفس بغير إذن الله. ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ أي استر الجناية على آل فرعون لئلا يؤاخذوني عاجلًا ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ أراد إنشاءه في حجر عدوه، وقيل: ستر الجناية وترك المؤاخذة عاجلًا ﴿عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ﴾ معطوف (٤) على مقدر أي تبت ﴿فَلَنْ أَكُونَ﴾ قال ابن عباس: إن موسى ﵇ (٣) لم يستثن في كلامه فابتلي بالبطش ثانيًا (٥).

стр. 1342

﴿بِالْأَمْسِ﴾ اليوم الماضي مبني على كسرة آخره. قال الكسائي: بني على الأمر من أمسى يمسي فإذا دخلته لام التعريف أعرب، وإنما قال للمستصرخ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ لاستنصاره موسى ﵇ وترك البقية والرفق، وهو يعلم ما ابتلي به موسى ﵇ بالأمس من جهته. ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ بوجوب إغاثة الملهوف والذب عن المؤمنين، وإنما قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ لخوفه بجهله وحماقته، وقيل: الصديق الجاهل شر من العدو العاقل. ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ أي خربيل النجار مؤمن آل فرعون من الجانب الآخر من المدينة من جهة باب فرعون ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ لأن القبطي حيث سمع قول الإسرائيلي خلاه ومضى على وجهه يخبر فرعون بالقصة. ﴿امْرَأَتَيْنِ﴾ هما ابنتا شعيب ﵇، وقال الكلبي: هما ابنتا يثرون ابن أخي شعيب رجل صالح شاخ وعمي في آخر عمره ﴿تَذُودَانِ﴾ تجلسان عن الماء ﴿الرِّعَاءُ﴾ جمع راعي وليس بالقياس. عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قال: ما سأل إلا الطعام (١). ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ متسترة بكمها (٢) وذيلها. وإنما قالت: ﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ لاستقائه وحده بدلو ما كان يطيقها، ولغضِّه البصر فإنه قال للمرأة: تخلَّفي عني فإن ضللت الطريق فناديني من ورائي. شرط المنفعة لولي المرأة غير المميز (٣) وجعل ما يستحق على الولي مهرًا للمرأة ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا﴾ دليل على جواز الزيادة بالمهر، وذلك إشارة إلى كلامه جملة أو إلى قوله ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾.

стр. 1343

﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾ سئل ابن عباس: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أكثرهما (١)، وعن النبي ﵇ (٢) قال: "سألت جبريل: أي الأجلين قضى؟ قال: أتمهما وأكملهما" (٣). ﴿بِخَبَرٍ﴾ أي خبر الطريق فإنهم كانوا محتاجين إليه ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾ يشعل فيها النار. ﴿شَاطِئِ الْوَادِ﴾ وشاطئه شقه (٤) ﴿الْأَيْمَنِ﴾ ضد الأشأم، وهو نعت الشاطئ، أو أيمن الوادي من يسلكه ويعبره ﴿الْبُقْعَةِ﴾ القطعة المتميزة من الأرض، جمع بقع كتحفة وتُحَف ونطفة ونطف، والبقاع جمع بَقعة بفتح الباء كقصعة وقصاع. ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ يحتمل معنيين: التجمع والقبض لاستدراك القوة وإزالة الرهبة من الحية، والثاني: التضاؤل والتواضع من رهب الله تعالى يحتمل قوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ متصلًا بقوله ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢]، وقوله: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ عائد إلى قوله: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. وعن مقاتل: الرهب: الكم، قال: وضعت الشيء في الرهب أي في الكم، وهذا تأويل بعيد. ﴿أَفْصَحُ﴾ أقدر على البيان. ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يجوز أن يتصل بما قبله وأن يتصل بما بعده. ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ لنتخذ آجرًّا فبنى الصرح منه وصعد به

стр. 1344

للاطلاع نحوه ﴿لَعَلِّي﴾ أراد أن يلبس الأمر على الجهال من قومه أو لجهالته وسفهه (١)، وكأنه كان يتوهم (٢) كون السماء مقرونة بالسحاب دون الأفلاك ودون النار. ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾ المطرودين المبعدين، وفي حديث عمار: "اسكت مقبوحًا مشقوحًا منبوحًا" (٣). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ فائدة النفي التنبيه على كونه ﵇ مخبرًا عن الغيب الذي لا يعلمه مثله إلا بوحي إلهي (٤). ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا﴾ وجه العطف تبعيد ما بين موسى ونبينا ﵇ (٥) بامتداد الزمان وتطاول العمر واستطالته وطوله (٦) بمعنى، قال الله تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ [الحديد: ١٦]. ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ أي ما أنت بالذي كان فيما بينهم ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ فرجعت إلى عادتك ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ إياه كما أرسلنا. عن الضحاك [عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ قال: لما أخذ موسى الألواح ونظر فيها قال: إلهي لقد أكرمتني] (٧) بكرامة لم تكرم بها أحدًا قبلي، فأوحى الله إليه: يا موسى إني اطلعت على قلوب عبادي فلم أجد أشد تواضعًا من قلبك، اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك بجد ومحافظة وكن من الشاكرين، يعني

стр. 1345

شهادة أن لا إله إلا الله، ومت على التوحيد يعني محمَّد ﵇ (١)، قال موسى ﵇ (١): إلهي وما محمَّد؟ فأوحى الله تعالى إليه: محمَّد مكتوب على ساق العرش من قبل أن أخلق السماء والأرض بألفي عام، إنه نبيي وصفيي وخيرتي من خلقي، وهو أحب إلى من جميع خلقي ومن ملائكتي. فقال موسى: إلهي إن كان محمَّد أكرم عليك من جميع خلقك وجميع ملائكتك فهل خلقت أمة أكرم من أمتي؟ ظللت عليهم الغمام وأنزلت عليهم المن والسلوى، فأوحى ﵎: يا موسى إن فضل أمة محمَّد ﵇ على سائر الأمم كفضلي على خلقي، قال موسى: يا ليتني رأيت أمة محمَّد ﵇، قال: يا موسى لن تراهم ولكن تحب أن تسمع كلامهم؟ قال: نعم يا رب، فنادى ربنا : يا أمة محمَّد، فأجابوه بالتلبية: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك لا شريك لك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، فجعل تلك الإجابة شعائر الحج، ثم نادى: يا أمة محمَّد إن رحمتي سبقت غضبي قد غفرت لكم من قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم من قبل أن تعصوني، فمن جاء منكم بشهادة أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه أدخلته الجنة (٢) وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر (٣). ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي ولكن أخبرناك بالغيب رحمة عليك وعلى المتذكرين من قومك. ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾ جواب مضمر في آخر الآية إنا أرسلناك إليهم ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ﴾ هلا أرسلت. قالوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ المراد بالكتابين التوراة

стр. 1346

والقرآن وبالنبيين موسى ومحمد ﵈[وقيل التوراة والإنجيل وموسى وعيسى ﵈، وقيل: إنه موسى وهارون والنبيين هما ﵈] (١). ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ المراد بالكتاب الذي وقع فيه التحدي بالإتيان به، كتاب مخالف لهما، غير كتاب مصدق لهما، وفحوى الخطاب دالة عليه. ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ أهل الكتاب يؤتون أجرهم مرتين لإيمانهم. ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ يدفعون الكفر بالإيمان والإنكار بالإقرار. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇ (٢) لعمه: "قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة" قال: لولا أن تعيرني قريش بهما لحمله عليه الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (٣). وعن عمر قال: نزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ في أبي طالب (٤)، عن سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ (٥) فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة (٦) وقال: "أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله"، فقال أبو جهل وعبد الله (٧) بن أبي أمية: أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله يعرضها عليه ويعاودانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، قال رسول الله: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ

стр. 1347

وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] فأنزل الله بأبي طالب فقال رسول الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (١) إيمانه، مثل أبي طالب ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ مثل حمزة وعباس وأروى وصفية وعاتكة. ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى﴾ كانوا يعتذرون إلى رسول الله بأنهم لا يقاومون العرب قاطبة حواليهم إن طلقوا دينهم فرد الله عليهم عذرهم بأنه هيأ لهم أسباب الحرمة وهم (٢) كفار جهال فكيف لو اعتصموا بالعروة الوثقى ﴿يُجْبَى﴾ يجمع، ويحمل. ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ إلا سكونًا (٣) قليلًا. ﴿الْمُحْضَرِينَ﴾ في النار. ﴿الَّذِينَ حَقَّ (٤) عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ المتبوعين في الضلالة دون المعبودين. ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ وودوا أي وتمنوا أنهم لو كانوا يهتدون، ويحتمل أن المراد به رؤية العذاب عن الذين يحشرون على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًا. ﴿وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ الخِيَرة والخِيرة كالطِّيَرة والطِّيرة، والآية في ردّ قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فيها دلالة أن المختار للإمامة من ميَّزه الله تعالى بالتوفيق دون من ميَّزه بالتخليق، وعلى فساد اختيار الناس إمامًا غير موافق للسنة والجماعة. ﴿سَرْمَدًا﴾ دائمًا أبدًا.

стр. 1348

﴿شَهِيدًا﴾ أي يشهد عليهم ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ يجوز أن يكون خطابًا للشهداء على سبيل التوفيق، ويجوز أن يكون خطابًا للمشهود عليه على سبيل التحدي والتقريع. ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ ذكر الحدادي (١) في تاريخه أن قارون ابن عم موسى وكان فرعون قد ملَّكه علي بني إسرائيل حين كان بمصر، فلما قطع موسى البحر ببني إسرائيل ومعه قارون أغرق الله فرعون وجنوده وجعلت الجنود لهارون وهو الرئيس الذي يقرب القربان وبيده المذبح، وجعلت الرسالة لموسى ﵇ (٢). وجد قارون في ذلك من نفسه فلم يزل كذلك حتى دخل التيه فقال قارون لموسى: يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة ولست في شيء من ذلك لا أصبر على هذا، قال موسى: والله ما أنا صنعت ذلك لهارون بل جعله الله له، قال: لا والله لا أصدقك أبدًا حتى تريني آية أعرف بها أن الله جعل ذلك لهارون. قال: فأمر موسى رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كل رجل منهم بعصًا ثم يلحوا بها ثم ألقي في التيه التي كان يوحى إليه فيها، ودعا موسى ربه أن يريهم بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هارون يهتز لها وفرق (٣) مكان (٤) من شجرة اللوز، قال موسى: يا قارون [أترى أنّ الله صنعه لهارون، قال قارون لموسى: ما هذا بأعجب مما يصنع من السحر.

стр. 1349

واعتزل قارون على] (١) حدة وولي هارون الحبورة فكان معه القربان والمذبح، فكان بنو إسرائيل يأتون بهديهم إلى هارون فيضعها على المذبح فتنزل نار من السماء فتأكلها، فقال قارون: والله ما هذه النار إلا مثل نارنا فإن شئت يا موسى جئتك بنار فإن لم تفعل مثلما تفعل هذه فأنا كذاب، فقال موسى: فأبعث إذًا بنار، فانتدب لقارون خمسون ومايتا رجل يأخذون نارًا من أول نارهم ثم يجعلونها في مجامرهم، فجاؤوا بها إلى القربان فلما انتهوا إلى القربان نزلت نار من السماء فأكلتهم كلهم، فجعل ابنان لهارون (٢) يسكنان النار، فلما انتهيا إلى النار أحرقتهما، فقيل لأبيهما: إني قد قضيت أن لا يجيء رجل بنار عربية إلا أحرقته وإني قد جعلتهما شهيدين. واعتزل قارون ومن تبعه وكان كثير المال والتبع من بني إسرائيل، فاعتزل موسى فلم يكن يأتيه ولا يجالسه، فقال موسى: يا رب إن قارون قد أفسد عليّ بني إسرائيل فمر الأرض أن تطيعني فيه وفيمن معه، فأمرت أن تطيعه، فأقبل موسى إلى قارون ومن معه حتى انتهى إليهم قال: يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فإن مات بغير ما يموت الناس أو تغيرت به الأرض عن حالها فإني صادق فيما قلت، فمن كان معي فليعتزل ومن كان معه فليثبت مكانه. فلما سمعوا ذلك عرفوا أن موسى صادق فاعتزلوا غير رجلين من بني روبيل فقال موسى ﵇ (٣): يا أرض القميهم (٤) فابتلعيهم، فقال: يا موسى أنشدك والرحم، فلم يرق لهم فقال الله: أما وعزّتي لو إياي دعا لنجيته، ثم دعا أيضًا موسى على ماله فخسف به؛ قال: فهو يتجلجل بها كل يوم قدر قامته إلى أن تقوم الساعة.

стр. 1350

وعن الحسن البصري قال: أول من شرف الشرف قارون، وأنه لما بنى داره وفرغ منها وشرفها صنع للناس طعامًا سبعة أيام يجمعهم كل يوم فيطعمهم، ثم أرسل إلى بغيّ من بني إسرائيل لم يكن في بني إسرائيل امرأة أجمل منها فقال لها قارون: لك عندي كل شيء نطقت به وأردته على أن تفعلي ما آمرك، فقالت له: ما هو؟ قال: إذا جلست للناس غدًا وأذنت لك فأتيني فاستعدي على موسى وقولي: إنه أرادني، قالت: نعم. فلما كان الغد واجتمع الناس في داره حتى ملأوها أبطأت عليه فلم تجبه فأرسل إليها فجيء بها، ثم أرسل إلى موسى، فقال له قارون: ما لهذه المرأة تشكوك؟ قال له موسى: ما أدري ما لها، قال لها قارون: أخبريه، فقالت المرأة: يا موسى إن هذا جعل لي ما نطقت (١) به وما أردته على أن أزعم على رؤوس الناس أنك تراودني عن نفسي، وإني والله ما كنت لأفعل، معاذ الله لقد برأك الله من ذلك، فغضب موسى ﵇ واشتدَّ غضبه، ثم قال: يا عدو الله قد بلغ جرأتك على هذا، وقال له قولًا غليظًا. فخرج من عنده مغضبًا فدعا الله تعالى فقال: عبدك قارون الذي عبد دونك وجحدك وأنكر ربوبيتك ثم قد أراد أن يرميني به حتى متى تمهله يا رب؟! فأوحى الله إلى موسى أن قد أمرت الأرض أن تطيعك فمرها بما شئت، فجاء موسى وهو فرح فدخل على قارون حين اجتمع الناس في داره وملأوها فقال: يا عدو الله كذبتني وجحدت الله وعبدت من دونه في كلام غليظ حتى غضب قارون وأقبل عليه بكلام شديد وهمّ به، فلما رأى ذلك موسى ﵇ (٢) فقال: يا أرض خذيهم، وكان قارون على فرش على سرير مرتفع في السماء، فأخذت الأرض بأقدامهم وغاب سريره ومجلسه في الأرض، وأخذت الأرض بقدميه وقد دخل من الدار في الأرض مثل ما أخذت منهم على قدرها، وأقبل موسى يوبخهم ويغلظ لهم المقالة.

стр. 1351

فلما رأى القوم ما نزل بهم عرفوا أن هذا أمر ليس لهم به قوة، قال: فنادوا يا موسى ارحمنا وكف عنا، وجعلوا يتضرعون ويطلبون إليه وهو لا يزداد إلا غضبًا وتوبيخًا لهم، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أوساطهم، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى آباطهم، فمدوا أيديهم على وجه الأرض رجاء أن يمتنعوا بها، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أعناقهم فلم يبق على وجه الأرض إلا رؤوسهم ولم يبق من الدار إلا شرفها، وكانت الأرض تأخذ من الدار كل مرة مثل ما تأخذه منهم، وهم يتضرعون في ذلك إلى موسى ﵇ ويسألونه. ثم قال: يا أرض خذيهم، فاستوت الأرض عليهم وعلى الدار. فانطلق موسى وهو فرح بذلك فأوحى الله إليه: أن يا موسى تضرع (١) عبادي إليك ودعوك وسألوك (٢) فلم ترحمهم، أما وعزتي وجلالي وكرمي لو أن إياي دعوا واستغاثوا لأخرجتهم منها ولكنهم تركوا أن يجعلوا رغبتهم ومقالهم إلي ومسألتهم مني وجعلوها إليك فتركتهم. ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ لتنوء بالعصبة أي لا ينهض إلا بنهوضهم، وقيل: ليميل بهم من ثقلها (٣). وذكر الكلبي (٤) أن خزائنه (٥) كانت أربعمائة ألف يحملها أربعون رجلًا (٦) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ بما يلهي عن الحق. ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ في معنى قوله: "يقول ابن آدم:

стр. 1352

مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت" (١) وقوله: ﴿وَأَحْسِنْ﴾ في معنى قوله ﵇ (٢): "إذا أنعم الله على عبد نعمة أحب أن يرى أثرها عليه" (٣). ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قيل: إن قارون كان يقرأ التوراة كلها فادعى أنه إنما أوتي ما أوتي كرامة له على علمه، وقيل: إنه كان يقول أوتيته على علم فلذلك أكرمني بهذا المال، وقيل: إن الله تعالى علم موسى ﵇ (٢) الكيمياء فعلم موسى ثلث ذلك العلم هارون ﵇ (٢) وثلثه يوشع ﵇، وثلثه قارون لعنه الله، لا يقدر أحد الثلاثة إلا بإعانة صاحبيه، فاحتال قارون في تحصيل العلم فذلك العلم الذي ادعاه ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي ولا يسأل المجرمون عن ذنوبهم، ولكنهم يعرفون بسيماهم، وهذه إحدى حالتيهم يوم القيامة. ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ ركوبه الخيل الشهب في ثلثماية من الجواري والغلمان لباسهم الأرجواني وتحت كل واحد منهم قطيفة حمراء. ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ معناه ويلك إن الله، أي: اعلم أن الله، وأنكر الفراء (٤) وقال: لا يجوز إضمار الإعلام في أول الكلام وليس يبعد كون لفظه ويلك قائمة مقام قوله: اعلم لما (٥) في الدعاء بالويل من التنبيه، وقيل: "وي" منفصلة من كان على سبيل التعجب والتخمين، وقيل: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ كله على

стр. 1353

حدتها ومعناها: التقدير إلى معاد ﴿الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ وهي الفردوس منها خرج وإليها يعود. قال ابن عباس: من قبلنا طيب في الظلال وفي مستودع حيث يخصف الورق. وقال ابن عباس: أراد بـ (المعاد) مكة (١)، هاجر منها متخفيًا ثم عاد إليها يوم الفتح ظاهرًا مستوليًا بفضل من الله ورحمته. ﴿إِلَّا رَحْمَةً﴾ استثناء منقطع. ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ من الأعمال الصالحة كقوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف: ٤٦] وقيل: كل شيء يجوز عليه الهلاك والفساد إلا هو، ويجوز دخول الآخرة في عموم هذه الآية لأنها مما يتوهم هلاكها لولا تبقية الله إياها، فالبقاء في الحقيقة لله الذي يبقيها. عن أبي بن كعب عنه ﵇ (٢): "من قرأ طسم القصص كان له من الأجر بعدد من صدق موسى وكذبه ولم يبق ملك في السماوات والأرض إلا شهد له يوم القيامة أنه كان صادقًا في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ " (٣). ...

стр. 1354

سُورَةُ العَنكبُوتِ (١) مكية (٢)، وعن الحسن: أن عشر آيات من أولها مدنيات (٣)، وعن المعدل عن ابن عباس أن هذه السورة مدنية (٤) وهي تسع وستون آية (٥). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ بيان للترك الذي حسبوه، وهذه كقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ما ذكر في أثناء القرآن من الأقاصيص العجيبة عن عبد الله عنه ﵇ (٦): "يكون في هذه الأمة أربع فتن في آخرها الفناء" (٧).

стр. 1355

عبد الله بن عمر: كنا قعودًا عند رسول الله فذكر الفتن فأكثر في ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس فقال قائل: وما فتنة الأحلاس يا رسول الله؟ قال: "هي هرب وحرب، ثم فتنة السراء دخنها من تحتي قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني إنما أوليائي المتقون، ثم يصلح الناس على رجل كورك على ضلع، ثم فتنة الدهيماء لا تدع (١) أحدًا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة، فإذا قيل انقضت تمادت يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، إذا كان ذلكم فانتظروا الدجال من يومه أو من غداته (٢) " (٣). ﴿أَمْ حَسِبَ﴾ مترتبة على ألف الاستفهام وفي الآية ما يدل على وجوب الرهبة والرغبة جميعًا، وذكر الكلبي أن الآية نزلت في عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة (٤) (٥) وهي عامة. ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ بشارة (٦) لأولياء الله خاصة ولأهل السنة والجماعة، واتصالها من حيث اعتبار صبر المؤمنين على الفتنة ابتغاء وجه ربهم. مصعب بن سعد يحدث عن أبيه سعد قال: أنزلت فيَّ أربع آيات، فذكر قصته فقالت أم سعد (٧): أليس قد أمر الله بالبرّ؟ والله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أموت أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها فتحوا فاها فنزل: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (٨).

стр. 1356

عن عمرو بن دينار عن عكرمة: خرج من مكة ناس يريدون المدينة فأدركهم المشركون يفتنونهم فأعطوهم الفتنة فنزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا﴾ (١). وذكر الكلبي أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وهو ابن عم أبي جهل والحارث بن هشام وأخوهما لأمهما، وكان قد أسلم مع النبي ﵇ (٢) فخرج من مكة هاربًا منهم إلى المدينة، وذلك قبل قدوم النبي ﵇ المدينة، وبلغ أمهم الخبر فجزعت من ذلك جزعًا شديدًا فقالت لأبي جهل والحارث: لا والله لا يأويني بيت ولا يدخل بطني طعام ولا شراب حتى تأتوني به، فخرجوا في طلبه فظفروا به، فلم يزالوا به حتى تابعهم فحملوا به إلى أمه فعمدت إليه وقيدته وقالت: لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بمحمد ﵇ (٣)، ثم أقبلت تجلده بالسياط وتعذبه حتى كفر بمحمد ﵇ جزعًا من ضرب أمه فنزلت، وبقي محبوسًا هو ورهط من المسلمين إلى أن هاجر رسول الله. فلما بلغهم نزول هذه الآية أظهروا الإيمان وناصحوا الله ورسوله، وكان رسول الله دعا لهم ليالي كلما قنت فقال: "اللهم نجِّ المستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك (٤) على مضر، اللهم سنين كسني يوسف" ثم هاجر عياش بن أبي ربيعة وحسن (٥) إسلامه، إنما لم يكونوا معذورين في التقية لأنهم لا يخافون بذلك على أنفسهم (٦). ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وذكر الكلبي أن أبا سفيان بن حرب وأمية بن خلف وعتبة وشيبة ابني ربيعة هم الذين قالوا هذه المقالة لعمر بن الخطاب

стр. 1357

وخباب ابن الأرت وجماعة من المؤمنين، فمنهم من لم يقبل قولهم وثبت على دينه ومنهم من افتتن بقولهم ورجع عن الإسلام (١). ﴿وَلْنَحْمِلْ﴾ أمر منهم لأنفسهم ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ﴾ نفي عزمهم وقدرتهم أو نفي تحقيقهم عن تابعيهم. ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ في معنى قوله ﵇ (٢): "من سنَّ سنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ سنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" (٣) ﴿وَأَثْقَالًا﴾ جمع ثقل وهو الوزر. ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (ما) الكافة. ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ يحتمل إغارتهم على مارة الطريق، ويحتمل الطريق، ويحتمل قطع سبيل الولادة باللواطة (٤). عن أم هانئ عنه ﵇ في قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: "كانوا يخذفون أهل الأرض ويسخرون منهم" (٥)، ونادي القوم: مجلسهم الذي يجتمعون فيه. ﴿مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ (من) قائمة مقام كما تقدم. ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾ مستيقظين، وقال قتادة: متعجبين بضلالتهم يرون أنها بصيرة. ﴿الْعَنْكَبُوتِ﴾ بوزن فعللول كالغنزروت والعضرفوط، وتصغيره عنيكب

стр. 1358

وعناكب، والعنكبوت دويبة تنسج نسجًا طبيعيًا وتنصب الحبائل للذباب، وإن كان بيته أوهن البيوت لمعان خمسة؛ إما لكونه (١) شيئًا طبيعيًا غير كسبي فيه من أمارات الفطنة والذكاء شيء، إما لخسة صورته كالهباء، وإما لخسة قيمته وقلة منفعته فإنه لا يساوي شيئًا، وإما لسوء اختيارها مواضع البناء وسوء تهدبها في ذلك، وإما لكون بيته غير ظل ظليل ولا كن كبير ولا حصن حصين. ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ كونها منافية لهما وجودها، فإنها موقوفة على شرائط فيها: الإيمان المضاد للكفر، والعقد مضاد للكسر، والطهارة المضادة للجنابة المتصورة من الزنا واللواطة، والإنصات للكلام المتصور بهتانًا وغيبة وشتمًا وجدالًا، وترك الأكل المتصور حرامًا، والسترة المضادة للكشف، وترك الفعل المتصور قتالًا. وفيما روى أبو أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده صلاته عند الله إلا مقتًا" (٢). قيل لسلمان (٣): أي العمل أفضل؟ قال: ذكر الله أكبر (٤). وعن ابن عباس قال: ذكر الله عند طعامك ومنامك، فقيل له: إن فلانًا يقول غير ذلك (٥)، قال: فأي شيء يقول؟ قال: قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] فلذكر الله أكبر من ذكرنا إياه، قال: صدق (٦).

стр. 1359

عن عبد الله بن ربيعة قال: سئل ابن عباس عن قول الله : ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ فقلت: هو التسبيح والتهليل والتقديس فقال: لو قلت شيئًا عجيبًا، قال: وإنما ذكر الله العباد أكبر من ذكر العباد إياه (١). ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ هو بيان البيان وهو تقييد العلم بالقلم، والعرب تسمي كل أثر طويل خطًا. ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ عن يحيى بن جعدة أن النبي ﵇ (٢) أتي بكتب قد كتبوها فقال: "كفى بقوم حمقًا أو ضلالًا أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى نبي غير نبيهم أو كتاب غير كتابهم" فنزلت (٣)، وإنما عدَّ الاشتغال بسائر (٤) الكتب مكروهًا؛ لأن علم القرآن فريضة والاشتغال بسائر الكتب يمنع عن القيام بالفريضة ولاستغنائهم به عنه. ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ تشبيه بعشي السحاب الشمس أو لاعتبار الإحاطة. عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "من فرّ بدينه إلى أرض وإن كان شبرًا استوجب الجنة وكان رفيق أبيه إبراهيم ﵇" (٥) (٦). وفي قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾ ردّ (٧) على القدرية. ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ لأن اعتدال طبائعها على ضعف وتفاوتها إلى حتف ومسارها مضارها وانتظامها احترامها قال:

стр. 1360

يبشرني الهلال بهدم عمري ... وأفرح كلما طلع الهلال (١) والمراد بـ ﴿الْحَيَوَانُ﴾ (٢) الحياة، قال الفراء: كل فعل فيه ذهاب ومجيء أو حركة، فأنت في إثبات الألف والنون في مصدره بالخيار كالضربان واللهبان والحدثان (٣). ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ المجاهدة افتقرت إلى التوفيق كالاهتداء يفتقر إلى الهداية والجهد غير متقدم عن التوفيق ولا متأخر عنه. وعن أبي بن كعب عنه ﵇ (٤): "من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المؤمنين والمنافقين" (٥). ...

стр. 1361

سُورَةُ الرُّومِ مكية (١)، وعن الحسن: إلا آية وهي قوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] (٢) وهي ستون آية وغير المكي والمدني الأخير (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ قال: غلبت وغَلَبت، كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم وإياهم أهل الأوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكر أبو بكر لرسول الله فقال: "أما إنهم سيَغْلِبون" فذكره أبو بكر لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلًا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل الأجل خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك لرسول الله (٤) فقال: "ألا جعلته إلى دون العشرة" قال: قال سعيد: والبضع ما دون العشرة، ثم ظهرت الروم بعده فذلك قوله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾، قال

стр. 1362

سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر من بعد غلبتهم (١)، قال الفراء (٢): غلبتهم سقطت الهاء للإضافة. ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ في معنى قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ويحتمل أن معناه لتمكين دين الله كلا الأمرين فإنه شغل بعضهم ليظهر الإسلام ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇ (٣): "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لينفقن كنوزهما في سبيل الله" (٤). ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ يتميزون. ﴿رَوْضَةٍ﴾ مرج، وهي البقعة التي قلَّما يفارقها الماء والعشب، وقيل للحوض: روضة، قال: وروضة سقيت فيها نضوتي (٥) واستراض المكان أي اتسع. ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يسرُّون، رجل محبور ويحبور: مسرور.

стр. 1363

﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ (١) نصب على المصدر، وأراد بالتسبيح الصلاة المكتوبة (٢). سأل نافع بن الأزرق ابن عباس فقال: أخبرني بالصلوات الخمس في القرآن، قال ابن عباس: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ المغرب ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الصبح ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظهر (٣)، قال: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨] دلَّ أن لكل صلاة وقتًا. وقيل: المراد التسبيح في أدبار الصلوات الخمس على سبيل الندب. عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله: "خلتان هما يسير ومن يعملهما قليل ولا يواظب عليهما مسلم إلا دخل الجنة؛ يسبح دبر كل صلاة عشرًا ويكبر عشرًا ويحمد عشرًا فذلك خمسون ومائة على اللسان وألف وخمسمائة في الميزان، وإذا أوى إلى فراشه حمد الله وسبحه وكبره مائة فذلك مائة على اللسان وألف في الميزان". قال عبد الله بن عمرو: فلقد رأيت رسول الله (٤) يعقدهن ويقول: "أيكم يعمل في اليوم والليلة ألفي وخمسمائة سيئة" (٥). ﴿وَعَشِيًّا﴾ معطوف على ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾، ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ كالعارض في أثناء الكلام. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ أقام خلقنا من تراب مقام المشاهدات في كونه آية الإلهية بعلمنا الضروري؛ أي أنفسنا هي خلاصة أجسادنا، وأجسادنا خلاصة الأرض من الأرض.

стр. 1364

﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أقام الخروج مقام المشاهدات لاعتبار كونه مشاهدًا يومئذ، ولاعتبار ما دخل في حيز المشاهدات أو من رجعة الطيور وعاميل وقوم حزقيل ومن أحياه عيسى بإذن الله. ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي هين عليه. قال الشاعر: تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد (١) والضمير عائد إلى البداءة أو الإعادة جميعًا، وقيل: إلى الإعادة ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي أيسر عليه من البداءة (٢) في خواطركم وأوهامكم، وإن كلا الأمرين عنده واحد، وقيل: الضمير عائد إلى الخلق الذي هو المخلوق، وأهون من الهوان، أي المخلوق أهون على الله من أن يعتدم في صفاته العلى ونتعرف به إلى من قدر له الهدى (٣). ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾ في مجادلة العرب، وهم يقولون: العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الملامة (٤)، وفي مجادلة سائر الأقوياء ﴿فَأَنْتُمْ﴾ أي أنتم عبيدكم ﴿سَوَاءٌ﴾ أي بالتملك والتصرف دون الاستمتاع ﴿تَخَافُونَهُمْ

стр. 1365

كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي تخافون العيب عليهم كخوفكم (١) العيب على أنفسكم. ﴿فِطْرَتَ﴾ انتصابه كانتصاب ﴿صِبْغَةَ﴾ [البقرة: ١٣٨] و (الفطرة) الخلقة المستوية والطبيعة المعتدلة التي فطر الله عليها آدم وحواء وأولادهما إلى أن أفسد قابيل ما أفسد. ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا﴾ بمعنى الاستفهام ﴿سُلْطَانًا﴾ كتابًا معجزًا ناطقًا بإباحة الترك المضاد للقرآن وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء ﵈ وهكذا عن الضحاك. ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ مجازه: من يؤت منكم ﴿لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ ومن يؤت منكم زكاة يريد بها وجه الله، ولاعتبار هذا المجاز، قيل: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الظاهر من فساد البر خرابه وغور مياهه وقلة بنائه وخيره وكثرة السباع العادية والحشرات المؤذية فيه، والظاهر من فساد البحر كثرة الرياح القاصفة وقلة السلامة وكثرة الحيوان العادية فيه، وكلا الفسادين لسوء ما كسبت أيدي الناس من المعاصي والذنوب ظهر في الأرض بكسب أيدي الناس إياها، وقيل: بالبر البوادي وبالبحر الأمصار (٢). ﴿لَا مَرَدَّ﴾ لا رد له معنيان: أحدهما: يأتي يوم قضاه الله وأمضاه وأنفذه، ليس في حكمه ردّ لذلك اليوم، الثاني: ﴿يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ من حكم الله وقضائه وقدره ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ﴾ عند واحد، ولا تنافي بين المعنيين؛ فإنّ ما ردّه الله لم ينفذه أحد وما نفذه الله لم يرده أحد ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ يتصدعون ويتفرقون.

стр. 1366

﴿يَمْهَدُونَ﴾ المهد والتمهيد بمعنى، وهي توطئة المسير، وأصله من توثير الفراش. ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ﴾ قال قطرب (١): قيل: التنزيل ومن قبله للمطر، وقيل: تكرار للتأكيد (٢). ﴿فَرَأَوْهُ﴾ أي أثر رحمة الله وهو الزرع والثمر مصفرًا جافًا قبل أوانه، وقيل: مصفرًا مدركًا ﴿يَكْفُرُونَ﴾ يزرعون (من ضعف) من ضعيف كقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨]، وقيل: هو كقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] وضعف الطرفين دليل على الحدوث والفناء والابتداء والانتهاء. ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ كقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] واستخفاف الإنسان ضد توقيره. عن أبي بن كعب عنه ﵇ (٣): "من قرأ سورة (٤) الروم كان له الأجر عشر حسنات بعدد كل من يسبح الله بين السماء والأرض وأدرك ما صنع من ليلته" (٥). ...

стр. 1367

سُورَةُ لُقْمَانَ مكية (١)، وعن ابن عباس: ما خلا ثلاث آيات (٢) وهن قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] الآيات، وهي ثلاث وثلاثون آية في عدد أهل الحجاز (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عن ابن عباس (٤) في قوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: الغناء، وزاد ابن فضيل: الاستماع إليه. عن أبي أمامة عن رسول الله (٥): "لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن، ولا خير في التجارة فيهن وثمنهن حرام، في مثل هذا نزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الآية" (٦)، ومن قرأ قوله ﵇ (٧):

стр. 1368

"لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يديه خير له من أن يمتلئ شعرًا" (١) وكل شعر يلهي عن ذكر الله حرام وعن الصلاة؛ لأن النبي ﵇ (٢) استمع الشعر وقال: "إن من الشعر حكمة" (٣). ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ كما خلقها الله تعالى. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ كان لقمان عبدًا حبشيًا لرجل من بني إسرائيل فأعتقه وأعطاه مالًا، واسم ابنه ثاران (٤)، ولم يكن نبيًا في قول أكثرهم. وعن سعيد بن المسيب: كان لقمان النبي ﵇ خياطًا (٥)، قال طاووس: الحكمة التي أوتيها، فمن كان عاقلًا فهو عند الله حكيم. عن أنس أن النبي ﵇ (٢) قال: "رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس" (٦). وعن أنس عنه ﵇ (٧) أنه قال: "من أعطي (٨) أربع خصال فقد

стр. 1369

أعطي الدنيا والآخرة: قلب شاكر ولسان ذاكر وبدن صابر وزوجة صالحة" (١). إنما خص لقمان ابنه من بين سائر الناس لاعتبار الأهم فالأهم، ألا ترى قال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] وقال ﵇: "ما نحل والد ولدًا أحسن من أدب حسن" (٢). وقال ﵇: "لآن يؤدب ولده خير من أن يتصدق كل يوم بصاع" (٣)، وعن علقمة (٤) وعن عبد الله قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقَّ ذلك على أصحاب النبي ﵇ فقالوا: أينا لم يظلم نفسه، فقال رسول الله (٥): "ليس كما تظنون (٦) إنما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ كفر برسول الله فإن الشرك أخفى في هذه الأمة من أثر النملة في الصخرة الصماء" ولهذا كره هذا (٧) للإمام الراكع إذا سمع خفق نعل أن ينتظره. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ نزلت في شأن سعد ابن أبي وقاص (٨) وحسن كونه عارضًا في أثناء الكلام من ثلاثة أوجه: أحدها: اعتبار ما يجري بين لقمان الوالد وولده. والثاني: اعتبار النهي عن الشرك.

стр. 1370

والثالث: الأمر بالشكر الذي هو حكمة لقمان. وإنما لم يكن للوالدين إلا حق المصاحبة في الدنيا بمعروف لأن الولد ليس بفرع للوالدين إلا على حكم المشاهدة، فأما في المعقول فكل مخلوق مفرد بالإنشاء، يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون: ١٠١]. الضمير في ﴿إِنَّهَا﴾ عماد كما في قوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] وما ثبت قوله ﴿إِنْ تَكُ﴾ (١) لاعتبار الحبة وهذه الآية كقوله: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٤٨] ﴿فِي صَخْرَةٍ﴾ من الصخور، وفي التفسير: المراد بالصخرة السجين وهي تحت (٢) وفيها نسخ أعمال الفجار. ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من العلماء بالقول، ألا ترى أن نوحًا وهودًا وصالحًا وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق (٣) ولوطًا وشعيبًا وغيرهم من الأنبياء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بألسنتهم. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇ (٤): "مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه" (٥) ولأنهم لو لم يفعلوا إلى أن يهذبوا أنفسهم لسقطت الأحكام وخربت دار الإسلام. ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ ولا تتكبر على الناس ولا تعرض عنهم تكبرًا ﴿خَدَّكَ﴾ يعني ما تحت الوجنة العارض، ﴿مَرَحًا﴾ شرًا وبطرًا.
следующие страницы →