← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ﴾ قال هابيل: وإنما لم يبسط إليه يده (١) لأنه توعده بالقتل ولم يقاتله جهرًا فأخبره بذلك ليستميله بذلك ويدعه إلى السلم وينبهه على عظم وبال القتل، وقيل: إنهم كانوا متعبدين بترك الدفع. ﴿بِإِثْمِي﴾ أي بإثم قتلي ﴿وَإِثْمِكَ﴾ أي: وإثم ما ارتكبته وعصيان في التزويج (٢) (والإثم) هاهنا: وبال الفجور، فلا إثم عليه، فلا وبال عليه. ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ﴾ أي: جعلت القتل فعلًا متأنيًا سهلًا طوعًا ﴿فَأَصْبَحَ﴾ صار، وكان ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ المغبونين (٣) بذهاب الدنيا والآخرة، روي أن آدم ﵇ دعا عليه وقال له: كن خائفًا لا يلقاك أحد إلا خفته، فصار يفر ويتوحش وكل من رآه رماه بحجر حتى قتله (٤) بعض ولد ولده، وعن علي بن الحسن بن علي قال: أوّل دم وقع على الأرض دم حواء من حيضها وقتل يومئذ سدس الدنيا يعني هابيل؛ لأنه كان أحد الستة من أبويه وأخيه وأختيه وكأنه لم يكن لآدم ﵇ يومئذ ولد غيرهم، قال: ووكل بقابيل ملكان يطلعان به مع الشمس ويغربان (٥) به مع الشمس وينضحانه بالماء الحار إلى يوم القيامة (٦). ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ قيل إن الله تعالى بعث غرابين وقيض أحدهما ليقتل الآخر فقتله ثم واراه في التراب و (البحث) رفع ظاهر الأرض

стр. 667

لكشف باطنها ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ ليدله وينبهه على قبر أخيه فإنه لم يقبر أحد قبل هابيل، عن ابن عباس: أنه بقي معه سنة (١)، وعن مجاهد أنه بقي معه مائة سنة (٢)، وقيل: مائة يوم لا يدري ما يصنع به وكيف يخفيه، وإن أجرينا على قول الحسن والضحاك فمعناه ليذكر قتل أخيه فإنه تحيّر ودهش ونسي (٣) القبر، والأول أصح. و (السوأة) (٤) العورة (٥) سميت سوأة لأنها تسوء الرائي وتوحشه، وأراد هاهنا: الجسد كله ﴿يَا وَيْلَتَا﴾ نداء للويلة، والويل والويلة بمعنى، والألف في ويلتى إما للندبة أصله يا ويلتاه، وإما بدلًا من الإضافة وأصله يا ويلتي بترقيق الياء، والمقصود بنداء ما لا يجب تنبيه للنفس أو السامعين على فوق ذلك الشيء وأوانه (٦) ﴿أَعَجَزْتُ﴾ استفهام بمعنى التعجب، والعجز عن القدرة كالموت من الحياة، قيل: هو عدمها، وقيل: هو معنى يضادها و (أصبح) صار ﴿مِنَ النَّادِمِينَ﴾ على قتله. وإنما لم ينفعه الندامة لقوله ﵇: "ثلاث لا تقبل توبتهم: إبليس رأس الكفرة، وقابيل رأس القتلة، ومن قتل نبيًا أو قتله نبي" (٧) والندامة لم تكن توبة لهم

стр. 668

كالذين اتخذوا العجل من بني إسرائيل، وقيل: ندم عند معاينة البأس وحلول العذاب. ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ من جراه وجرايته وجريرته وخيانته ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى القتل ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي: بغير قصاص عن نفس ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ يبيح الدم كزنا المحصن والارتداد ومحاربة الله ورسوله في التلصص أو الكفر ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ لأنه قد سبب قتلهم وسن بسنة القتل وقتل جميع المقتولين دون غيرهم ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ سبب حياتها بفداء ودواء أو نصرة أو عفو، وإنما قال أحيا الناس لئلا يكون الثواب أقل من العقاب ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يعني بني إسرائيل. ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث القتل. قال ابن عباس: نزلت في شأن المشركين وحكمها بتناول المسلمين إلا في خصلة واحدة (١)، وهي التوبة قبل القدرة فإنها مختصة بالكفار، عن ابن عباس: ﴿الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ تعني يحاربون أولياء الله، والعقوبات مرتب على الجزاء، ثم إن أخافوا (٢) الطريق نفوا من الأرض، وإن أخذوا المال (٣) ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا، وإن أخذوا المال (٤) وقتلوا قتلهم الإمام وصلبهم وله أن يقطعهم ثم يقتلهم ثم يصلبهم ليكون القطع ثأر الأخذ والقتل ثأر القتل والصلب للجمع بين المحظورين، والنفي عندنا بالحبس حيث (٥) يستصوبه الإمام، والصلب بعد (٦) القتل. وروى الحسن بن زياد وعن أبي حنيفة أنه

стр. 669

يصلب حيًا ثم يطعن في نحوه، وإن أخذوا مالًا ولم يخص كل واحد عشرة دراهم لم يقطعوا وضمنوا المال، ومن يغلب في الأمصار فقتل ونهب لم يكن حكمه حكم قطاع الطريق، قوله ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يدل على أن عقوبتهم [من غير توبة لم تقع طهرة له ولذلك لا يصلى عليهم. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الاستثناء رفع حكم قطاع الطريق دون غيره] (١) من الضمان والقصاص والأرش، وقيل: على توبة الحارث بن زيد، وقال أبو موسى الأشعري وأبو هريرة: توبة فلان الأسدي. ﴿إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ القربة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ وخبره جملة من شرط وجواب، فالشرط لواو الجواب واو اللام مقدرة. وروي عن أبي حنيفة عن يزيد بن صهيب عن جابر بن عبد الله قال: سألته عن الشفاعة قال: يعذب الله أقوامًا من أهل الإيمان ثم يخرجهم بشفاعة محمد ﵇، قلت: فأين قوله ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾؟ قال: هي (٢) في الذين كفروا وقرأ ما قبلها (٣) ﴿يُرِيدُونَ﴾ يتمنون ﴿أَنْ يَخْرُجُوا﴾، ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دائم مستمر. ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن

стр. 670

الآية نزلت في طعمة بن أُبيرق سارق الدرع (١)، فتحتمل أن امرأة كانت معه ﴿أَيديَهُمَا﴾ واحدة من كل واحد منهما لأن العضو الواحد إذا أضيف إلى اثنين جمع كقوله ﴿فَقَد صَغَت قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] يدل عليه قراءة ابن مسعود ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾ (٢) ولكل إنسان يمين واحد. [﴿فَمَنْ تَابَ﴾ من السارق والسارقة وألفاظ (٣) العموم (من) فيمن يعقل (٤) و (ما) فيما لا يعقل (٥)، وأي: وكل واحد] (٦) ومن أحد والذي إذا كان بمعنى الشرط ولام التعريف إذا لم تفد المعهود والتنكير في النفي. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث ذكر التصرف في المماليك بالقتل والقطع والصلب على سبيل المجازاة. ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ﴾ نزلت في المرجفين من اليهود والمنافقين منهم أبو لبابة مروان بن عبد المنذر الأنصاري قال لبني قريظة بلسانه: انزلوا، وأشار إلى حلقه (٧) بيده ينذرهم بالذبح حين استنزلهم (٨) رسول الله على حكم معاذ (٩)، وقال: تاب أبو لبابة هذا بعد ذلك وقال: ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله (١٠) ﴿لَا يَحْزُنْكَ﴾ لا يغمك، نهي

стр. 671

إلى غير المنهي كقوله ﴿تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥] والمقصود من النهي التسلية و ﴿مِنَ﴾ الأولى لتبيين الجنس و ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ قيل لتبيين الجنس، وقيل أنها مستأنفة (١) ﴿سَمَّاعُونَ﴾ مبتدأ أو خبر، وقيل: صفة للذين (٢) ﴿يُسَارِعُونَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ﴾ صفة للآخرين ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ في معنى الحال للذين (٣) ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ من يشأ ابتلاه بتقدير أنه معصية أو عقوبة ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ﴾ يدل على ثبوت الخذلان وإرادة الكفر مع التكليف بالتقصي عنه وذلك من الله عدل وحكمة واقتدار لسبقه الذم والعيب وانتهائهما دونه ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ الجزية أو القتل والإجلاء. (السحت) المال الحاصل بالكسب الخبيث وأصله من الهلاك قال الله تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١] وإنما أخذ منه لأنه لا يبارك فيه. والتخيير بين الحكم والإعراض منسوخ بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ (٤) بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وقيل: ليس بمنسوخ فإذا رفعنا إلينا لا (٥) يسعنا أن نحكم بينهم بحكم الإسلام إلا في النكاح بغير شهود، ونكاح المعتدة (٦).

стр. 672

﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾؟ وكيف (١) أداة تعجب (٢) وهو استبقاء درجة وجودة تحكيمهم النبي ﵇ (٣) وتسليمهم له وهم به (٤) منكرون مع (٥) مخالفتهم التوراة وهم به مقرُّون. ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ إنما وصفهم بالإسلام ليميز بينهم وبين الذين هادوا فإن الأنبياء ﵇ بقوا على محض الفطرة المجردة وهي الإسلام (٦) ولم يقبلوا بسنن (٧) ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ يدل على أن (٨) شريعة التوراة كانت مختصة باليهود دون غيرهم في زمانهم إلى أن خوطبنا باتباع شرائعهم فيما لم ينسخ، و (الأحبار): العلماء، واحدهم حبر ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ بدل من قوله لها، و (الاستحفاظ): المطالبة بالحفظ. وقد منّ الله علينا بأن ضمن حفظ كتابنا ولم يكله إلينا حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. ﴿مِنْ كِتَابِ﴾ ليتبين له الجنس و ﴿عَلَيْهِ﴾ الهاء عائدة إلى (ما استحفظوا) أو إلى ﴿كِتَابِ اللَّهِ﴾.

стр. 673

﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ فداء أو جزاء أو قصاص (١) وكذلك ما بعده النفس بالنفس عام بالذكر والأنثى والحر والعبد والمسلم والذمي ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ خاص في الأحرار، والعين: العضو الذي فيه الحدقة المختص بالنظر إلى الألوان ﴿وَالْأَنْفَ﴾: العضو الحاجر بين العينين المختص بشم الروائح ﴿وَالسِّنَّ﴾: واحد الأسنان وهي العظام المهيأة للمضغ، ﴿وَالْجُرُوحَ (٢)﴾ التي يجري فيه القصاص فهو ما يمكن المماثلة فيه كالموضحة (٣) والسمحاق (٤) فهو (٥) كفارة المتصدق بالعفو. قال ابن مسعود: منه يهدم الله من (٦) ذنوب مثل ما تصدق به. وعن ابن عمر نحوه (٧). وقال ابن عباس: الكفارة للجاني (٨) أي: كما سقط عنه الحكم الدنيوي بالعفو فكذلك العقبوي، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ المعتدون في شأن القصاص. ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال للمقفى به وهو عيسى والتاء للموتى ﴿هُدًى﴾ الإنجيل، والتكرار للإطناب في المدح والوصف.

стр. 674

﴿الْفَاسِقُونَ﴾ فسق المجانة دون فسق الديانة أن لا يقبل شهادة النصراني الماجن على النصراني المستور، والمراد بالظلم والفسق هو الكفر (١). ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ شاهدًا أو قاضيًا ﴿مِنْكُمْ﴾ يعني النبي ﵇ ومن معه، ويحتمل الأنبياء ويحتمل المتمسكون بالكتب المنزلة، ﴿شِرْعَةً﴾ طريقة واضحة كذلك منهاجًا وجمع بينهما للتأكيد ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ لتعبدكم شريعة كما دعاكم إليه دين واحد ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ولكن لم يجمعكم للابتلاء في مخالفة الهوى، فالابتلاء يتفاوت بتفاوت (٢) الطباع والعادات والمصالح، ثم قال: إن الله (٣) ابتلى الناس بشريعتنا ونسخ بها سائر (٤) الشرائع فقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقال: ﴿وَأَنَّ (٥) هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقال: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] وما في معناها من السنة والإجماع. ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ يعني ومما نأمرك من استباق الخيرإت (أن احكم بينهم) ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ أي يستزلوك، قالوا: وإنْ كادوا ليستفزوك، وفيه دليل أن النبي ﵇ مع كونه مأمون العاقبة كان متعبدًا بالحزن عن الموهومات ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ (٦)﴾ أي: بأكلها، وقيل: البعض صِلة، وقيل ﴿يُصِيبَهُمْ﴾ ببعضها في الدنيا وببعضها في العقبى، وقيل: إنما ذكر البعض ليبين أن الكل لا غاية له على حسب عزائمهم ونياتهم.

стр. 675

﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ (١)﴾ نزلت في بني النضير كانوا يتشرفون على بني قريظة وكانوا يأخذون منهم على الرجل الواحد ديتين ويدفعون إليهم عن الرجل الواحد دية امرأة فشكت بنو قريظة إلى رسول الله فقال ﵇: "أنتم وإخوانكم شرع سواء". فلم يرض بنو النضير بحكمه وقالوا: لا نبطل رسمًا رسمه أولونا فأنزل الله الآية (٢) ﴿أَفَحُكْمَ (٣)﴾ استفهام كما في قوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ استفهام بمعنى النفي، والحكم يتصف بالحسن والقبح كالقول والرأي ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ يرونه حسنًا ويتبين لهم حسنه دون المتشككين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يحتمل أنها نزلت في المنافقين ويحتمل في المؤمنين (٤) الذين والوا الكفار قبل النهي، ويحتمل المؤمنين الذين كادوا أن يتخذوا ولم يتخذوا، وروي أن عبادة بن الصامت وابن أُبي كانا يواليان اليهود قبل النهي فتبرأ منهم عُبادة، ولم يتبرأ منهم ابن أُبي فنزلت فيه وفي أمثاله (٥). ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قال عطية: نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول (٦) كان يتشفع لأسارى بني قينقاع فقال ﵇: "لا بارك الله لك فيه"، فلم يبق (٧) منهم فالح إلا صرمه لدعوته ﵇ (٨)، وعن مجاهد

стр. 676

والسدي: نزلت في جماعة من المنافقين يوالون نصارى نجران ويهود المدينة لما يرتفقون (١) بمعاملاتهم ويرجون بنصرهم (٢)، والفاء في ﴿فَتَرَى﴾ جواب شرط مقدر يعني إن نهيتهم عن الموالاة ﴿فَتَرَى﴾ يحتمل لتعقيب وصفهم النهي ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ في موالاتهم و ﴿دَائِرَةٌ﴾ نكبة ضد الدولة ﴿أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ فتح قريات اليهود والاستيلاء على نجران، وعن السدي: أنه فتح (٣) مكة ويحتمل أنه الحكم الموعود بإهلاكهم وإن لم يؤمنوا ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ وهو إظهار نفاقهم، وقيل: موتهم، وعن أنه وضع الجزية (٤) على اليهود والنصارى (٥) ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ عطف على قوله ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بعضهم لبعض على سبيل التعجب من أكاذيب المنافقين وأيمانهم الفاجرة ﴿أَقْسَمُوا﴾ حلفوا، قوله: أقسم يمينًا سواء أضمر المحلوف به أو أظهره ﴿جَهْدَ﴾ توكيد (٦) والجهد المبالغة والمشقة نصب بنزع في، وقيل: على المصدر لما في القسم من معنى الجهد كقوله: ﴿تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨] ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ [العاديات: ١]. ﴿يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أول ارتداد عام في أيام أبي بكر ارتد العرب ﴿فَسَوْفَ (٧) يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ وهم ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة وثلاثة آلاف من أثناء الناس فجاهدوا ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حتى قهروهم فسبوا

стр. 677

منهم ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ هيّنين ليّنين على إخوانهم ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ متجبرين عليهم. اللوم واللومة: الذم والتعيير. والواو في قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ واو الجمع أي يتصدقون في الركوع. كما روي أن عليًا تصدّق بخاتمه (١) وهو راكع (٢) وهذا يدلّ على ولاية علي، وقيل: للعطف والمراد به التنفل بالنوافل. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ﴾ جواب الشرط فقد غلب أو كان غالبًا ﴿حِزْبَ﴾ القتيل والجماعة والجند. وفائدة تكرار النهي بالاتحاد واتصال النهي الأول بأنهم سيهزمون وأن موالاتهم لا تورث إلا حسرة، واتصال هذا النهي بالإخبار على (٣) اتخاذهم الدِّين ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ وفيه نوع تحريض على المعاداة، إذ العاقل (٤) يعادي من يستهزئ به، واللعب: العبث، وفي الحديث: "كل لعب حرام إلا ثلاثة" (٥) و (الكفار) جميع أصناف الكفرة (٦). ﴿نَادَيْتُمْ﴾ النداء: الدعاء. روي أن يهوديًا تاجرًا كان (٧) كلما سمع المنادي (٨) يتشهد بالرسالة قال: أحرق الله الكاذب، فجاء خادمه ليلة بنار

стр. 678

فتطاير منها شرر فأحرق البيت والرجل (١) ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ نفي لسفاهتهم وحمقهم (٢) وخفَّتهم أو لمكابرتهم العقل وتركهم استعماله. ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ نزلت في اليهود حيث عابوا المؤمنين (٣) الإيمان بعيسى ﵇ (٤) وقيل: نزلت في النصارى حيث عابوا المؤمنين الإيمان بسليمان ﵇ وببعض شرائع التوراة، وبقولهم أن عيسى عبد وافتخروا بجحود ذلك، نقول: ولستم تنقمون وتنكرون علينا إلا إيماننا بالكل وذلك منقبة وليس بمنقصة (٥) وأنتم تتفضلون علينا بأن جحدتم بعض (٦) الأنبياء ودينكم فسق (٧) ونقيصة، وأراد بالأكثر الكل أو الرفق في الخطاب أو إخراج بني سلام وأصحابه من الوصف. ﴿قُلْ (٨) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ استفهام على سبيل التهديد والتوبيخ ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ وقيل: شبّان (٩) أيلة قردة ومشايخها مسخوا خنازير (١٠)، وقيل: هم الذين كفروا من أصحاب مائدة عيسى ﵇ (١١)، وعن أبي أيوب الأنصاري كانت امرأة مسلمة من بني إسرائيل نابذت ملكهم (١٢) حين نبذ

стр. 679

الدين وحاربته، فنال الملك من عسكرها ثلاث مرات فأمست محزونة، ولما أصبحت وجدت عسكر الملك قد مسخوا خنازير (١). ويمكن الجمع بين الأقوال لأنهم مسخوا غير مرة والتفصيل وقع على زعمهم، كقولك: إذا خطاك رجل بل أنت أضل وأخطأ. ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ نزلت في المنافقين من اليهود ودخولهم بالكفر وخروجهم (٢) به عبارة عن دوام حالهم به، أي لا ينفكون عن الكفر داخلين لا خارجين. ﴿لَوْلَا (٣) يَنْهَاهُمُ﴾ هلا ينهاهم على وجه الحث والتحريض. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ نزلت في فنحاص بن عازور اليهودي (٤) كانوا مخاصيب الرجال فلما كفّروا نبينا ﵇ ابتلاهم الله تعالى بالقحط وقَدَر عليهم الرزق وأذهب بركة أموالهم فضاقت صدورهم (٥)، فقالوا ذلك جزاء وإنما قالوا على سبيل المجاز والتشبيه؛ كقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ [الإسراء: ٢٩] ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ويحتمل (٦) الدعاء، ويحتمل الإخبار، ولذلك قالوا: أبخل الناس، (بسط اليد) نفاذ التصرف آمنًا بما أخبر الله من غير تأويل ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا﴾ كقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ [لبقرة: ٢٦] وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا﴾ [التوبة: ١٢٥]، ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾ بين (٧) فرق اليهود ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ﴾ أي: هيجوا فتنة وشرًا من ذلك إرجافهم بخروج الدجال كل أوان سيطفئ الله شره.

стр. 680

﴿آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ ندبهم إلى الإيمان والاتقاء (١) بعد اللوم ليوفق بعضًا ويؤكد الحجة على الباقين. ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أعطتهم السماء مطرها ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ والأرض نباتها بإذن الله كقوله: ﴿بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وقوله: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]. ﴿أُمَّةٌ مُقْتَصِدَة﴾ معتدلة متوسطة في السيرة، قيل: هم أصحاب النجاشي، وقال مجاهد وقتادة (٢): هم مؤمنو أهل الكتاب، قيل: قوم تمسكوا بكتبهم من غير تبديل وتحريف قبل نسخها، وقيل: خروج نبينا ﵇. ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ قال محمد بن كعب القرظي: رأى أعرابي رسول الله وحده مستظلاًّ تحت شجرة فأخذ السيف وصاح: يا رسول الله يا محمد من يمنعك مني؟ قال: "الله"، فسقط سيفه، وروي صار يضرب رأسه بالشجرة حتى انتثر دماغه (٣)، وفي الحديث: كان الصحابة يحرسون النبي ﵇، فلما نزلت هذه الآية طلع عليهم وقال لهم (٤): "ارجعوا فقد كفيتم" (٥)، وهذا التكليف لاستحقاق الثواب، وفي الآية دليل أنه لم يكتم

стр. 681

شيئًا من الوحي لقيه (١) ولا يجوز للأنبياء ذلك خلاف ما قالت الروافض (٢)، قالت عائشة: لو كتم رسول الله شيئًا لكتم قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] (٣) وقيل: لو كتم شيئًا لكتم قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] الآية، وقيل: لو كتم شيئًا لكتم قوله في حمزة ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقيل: لو كتم شيئًا لكتم قوله في أبي (٤) طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ لم تبلغ كل ما أنزل إليك ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ شيئًا من الرسالة أي تحبط (٥) عملك ﴿يَعْصِمُكَ﴾ قال: ليزيده جرأة وتيسيره لتبليغ الكافرين في الحال أو قوم ماتوا على الكفر أو لا يهديهم طريق الوصول إلى استئصال أمر النبوة. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس: قالت جماعة من اليهود (٦) للنبي ﵇: يا محمد هل تقر بأن (٧) التوراة حق؟ قال: "نعم"، قالوا: فنحن نؤمن بها ولا نؤمن بغيرها (٨) لأنه متفق عليه (٩)،

стр. 682

فرد الله (١) عليهم بالمنع في ضمن قوله: ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ﴾ أي: لستم آخذين بها ولا مقيمين إياها وبالتنبيه على فساد أصل المقالة في ضمن (٢) قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: ما ثبت من القول الجابر بالإعجاز والأمر والنهي؛ فإن الموجب لقبول الكتاب هذا المعنى دون الإجماع، وإذا كان الموجب هذا لزم الحكم بوجوده وزال لعدمه. ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ ارتفع عطفًا على الضمير في ﴿هَادُوا﴾ لأن الفعل لا يخلو عن ضمير تقديره: والذين هادوا وهم الصابئون، وقيل بالابتداء على تقدير التأخير أو على تقدير إلغاء حكم إنّ (٣). ﴿أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ﴿أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ استيلاء بخت نصر والروم عليهم ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (٤) أعاد الأمن والرخاء، وقيل: فتنة ابتلائهم بنسخ الشرائع وقبول توبتهم إن تابوا ﴿كَثِيرٌ﴾ رفع بالابتداء (٥) وخبره أو بإسناد الفعل أو بالتأكيد (٦). ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ قيل: من كلام عيسى استئناف كلام الله من الله

стр. 683

والهاء ضمير الأمر والشأن، قالت: ثلاثة أحدهم وما في (١) الاثنين أحدهما. ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ من مقالة هؤلاء على سبيل وصفهم بتناقض قولهم (٢) كلامهم، وقيل: ابتداء كلام من الله تعالى ودخول من للتأكيد، والانتهاء التمسك بالنهي والامتناع عن النهي عنه أحسن والله ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾. ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ﴾ استفهام (٣) على سبيل الحث والتحريض فدخلت من قبله عارض ينبه على فناء المسيح ومضيّه لسبيله. ولا بدّ للنبي من إمامة مطلقة، والمرأة لا تقدر عليها فلذلك لم يصف أمه بالنبوة ووصفها بالصدق ﴿يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ تنبيه على احتياجهما والاحتياج آية للحدوث والعبودية (٤) ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ يصرفون و (الإفك): ما صرف من الكلام إلى الباطل ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ استفهام بمعنى الإنكار وفيه دليل أن العبد وإن اتصف بالقدرة لم يملك لأحد ﴿ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ إلا بمشيئة الله تعالى وتقديره: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا﴾ في شأن النصارى، وقيل: في اليهود والنصارى جميعًا ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ قيل: استثناء منقطع وقيل متصل (٥) ﴿ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ سلفهم ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ من إخوانهم. ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾ هم الذين ناصبُوه مع طالوت ماتوا على ذلك من غير توبة وأصحاب إيلة وأمثالهم والذين لعنوا على لسان عيسى هم اليهود والذين قامت عليهم الحجة بعيسى ﵇. (التناهي): تفاعل من النهي أي: لم ينه بعضهم بعضًا ﴿يَتَوَلَّوْنَ

стр. 684

الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المشركون ﴿أَنْ (١) سَخِطَ اللَّهُ﴾ بيان لما قدمت ﴿لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: إن حلوا محل المسخوط عليهم بكسبهم خصالًا لا يرضاها الله تعالى و (السخط): الغضب وفيه معنى الكراهية ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ﴾ نزلت في المنافقين من أهل الكتاب لأنه نفي إيمانهم به وبالنبي ﵇ وما في شأن الجميع والشعبي موسى ﵇ أو عيسى ﵇. ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ في اليهود والمشركين على العموم ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ النصارى على العموم وقيل: جماعة مخصوصة من النصارى وهم أصحاب النجاشي. عن ابن عباس وابن جبير ومجاهد والسدي (٢)، وقال قتادة (٣): هم قوم كانوا على دين عيسى ﵇ آمنوا بنبينا ﵇ اثنان وثلاثون من الحبشة قدموا مع جعفر الطيار وثمانية من الشام وأربعون من نجران، ﴿مَوَدَّةً﴾ محبة ذلك إشارة إلى وجودهم وقربهم ﴿قِسِّيسِينَ﴾ جمع قسيس وهو العالم (٤) بلغة الروم، والقس في لغة العرب تتبع الخير والقساس التمام (٥) ﴿وَرُهْبَانًا﴾ جمع راهب وأنهم أي النصارى. ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ صفة الذين قدموا على النبي ﵇ وأسلموا ويجوز أن يجاب إذا بفعل المستقبل. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾ [الصافات: ١٤] ﴿تَفِيضُ﴾ تمتلىء مع السيلان، يقال للخبر الفاشي فائض ومستفيض و ﴿الدَّمْعِ﴾ ماء العين من فرحٍ كان أم حزن، ويحتمل (٦) أنهم بكوا فرحًا لإدراك النبي ﵇ ويحتمل خوفًا على إفراطهم.

стр. 685

﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾ استفهام على سبيل التعجب توجه إلى من أنكر عليهم إيمانهم ﴿لَا نُؤْمِنُ﴾ في الحال وما وبما جاءنا ونطمع عطف على لا نؤمن وقيل استئناف كلام، الإثابة جزاء الخير. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾ قيل: أن علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون والمقداد وسالمًا مولى أبي حذيفة وأبا ذرّ تذاكروا القيامة فيما بينهم فتعاقدوا وتعاهدوا في بيت عثمان بن مظعون على لبس المسوح وإخصاء الأنفس وترك الشهوات والسياحة في الجبال (١). وقيل: إن أبا بكر وعمر كانا معهم (٢)، وقيل: إن ابن مسعود وعمار وسلمان (٣) الفارسي معهم فأنزل الله هذه الآية، فجاء رسول الله بيت عثمان فلم يجده واستخبر امرأته فقالت: إن أخبر الله رسوله (٤) بشىء فهو الحق فقال: "إذا رجع زوجك فقولي لا تحدث شيئًا حتى تراني"، فلما رجع أخبرته فجاء إلى رسول الله ﷺ وأظهر عليه ضميره فأنكر عليه رسول الله ﷺ (٥) وقال: "لكنّي أصوم وأفطر وأصلي وأنكح النساء فمن أخذ بسنتي فهو مني ومن لم يأخذ بسنتي (٦) فليس مني" (٧). ﴿وَكُلُوا﴾ إباحة وهاهنا أمر باعتقاد الاستباحة بدليل النهي عن اعتقاد التحريم قبله. (الأيمان المعقودة) هي التي محافظتها موهومة، ويجوز أن يؤمر بها وينهى عنها، و (الكفارة) (٨) مختصة بها دون اللغو والغموس، وحقيقة

стр. 686

الإيمان ما يكون بأسماء الله تعالى وبصفاته التي يوسف بها ولا يوصف بضدها. كفارة الحنث، وقيل: العقد، وعلى هذا إيمانكم كفارة حنث أيمانكم، ولا يجوز التكفير قبل الحنث خلافًا للشافعي ﵀، و (الإطعام): لكل مسكين نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو صاع من شعير، وإن عشاهم (١) وغدّاهم جاز خلافًا للشافعي، وإن أطعم واحدًا عشرة أيام جاز خلافًا للشافعي، ويجوز دفع القيمة خلافًا له، و (الكسوة) إزار ورداء وقميص أو قبا، وعن محمد أجازه السراويل أو المئزر، ويجوز فيه الكافرة (٢) والمسلمة (٣) إذا لم تكن مستهلكة المنفعة أو السن أجمع، ولا يجوز صوم الكفارة إلا متتابعًا خلافًا للشافعي (٤) كما روي في قراءة ابن مسعود وأبي ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ (٥). ﴿رِجْسٌ﴾ قبيح مستقذر وفاعله يسمى رجسًا والعقوبة عليه يسمى رجساَّ ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ من رسومه وموضوعاته ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أي: الرجس أو عمل الشيطان أو الشيطان بعينه. إيقاعه العداوة بين الشرب وسوسته بالعربدة وبين المقامرين وسوسته بالمشاجرة وصدهم و (٦) إلهاؤهم ﴿مُنْتَهُونَ﴾ أمر بالانتهاء كقوله: ﴿هَل أَنتُم مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] إنما (ما) الكافة ولولاها لانتصب البلاغ وهذا تعريض بالتهديد أي: هو لا يؤاخذ بإعراضكم وأنتم المؤاخذون بذلك. ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقال سعيد بن جبير: لما نزلت قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] تأثم بعض الناس إلى أن نزل

стр. 687

قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فامتنع آخرون عن الشرب بالنهار وشربوا بالليالي (١)، فلما نزل هذه الآية قال عمر: بعدًا (٢) لكِ يا خمر وسحقًا قرنت بالأنصاب والأزلام، وتركها جميع الناس ووقع في صدور الناس شيء وأتوا رسول الله وسألوه عن حمزة ومصعب ابن عمير وعبد الله بن جحش وأمثالهم أليسوا في الجنة؟ قال: "بلى"، قالوا: إنهم ماتوا يشربون الخمر فما بالنا لا نشرب؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ﴾ الآية وفي حمزة وأصحابه هذه الآية (٣). وحدّ الشرب ثمانون جلدة وعند الشافعي أربعون جلدة، قال علي: إنه إذا شرب سكر وإذا سكر (٤) هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون جلدة (٥)، إبقاء الأول إبقاء عن الكفر (٦)، والثاني بقاء على إبقاء الأول وإبقاء عن الارتداد بعد الإيمان، والإيمان بقاء على الإيمان السابق، والأحكام الناسخة المستقبلة كقوله: ﴿زَادَتهُم إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢] والثالث: إبقاء عن السيئات والإحسان الذي قال ﵇: "هو أن تعبد الله كأنك تراه (٧) فإن لم تكن تراه فهو يراك" (٨). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ نزلت عام الحديبية وهم كانوا محرمين فحشر الله الصّيد إليهم وابتلاهم بكثرتها وتيسير تناولها مع الحظر عنها، وتقديره: والله ليبلونكم ﴿مِنَ الصَّيْدِ﴾ لتبيين الجنس ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ البيض

стр. 688

والفراخ التي لا يمتنع، وما تناله الرماح: المتوحش الممتنع كالظباء والحبالة والنعامة وغيرها. و (الرماح): جمع رمح ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ أي ليعلمه وقد خاف بعدما علمه سيخاف ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هو: التعزير والتأديب، وقيل: وعيد عقباوي. وكفارة الصيد (١) تجب على القاتل عمدًا بنص الكتاب وعلى القاتل خطأ بالسنة والاستدلال؛ لأن النبي ﵇ أوجب في الضبع كبشًا مسنًا (٢) ولم يفصّل، وعن عمر: تمرة خير من جرادة (٣). ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ تبيينًا لجنس الجزاء أو لجنس (٤) ما قتل من الصيد (٥) ﴿النَّعَمِ﴾ نعم المواشي الأهلية والصيد جزاء ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ أي القيمة لأنها علامة متأتية في الصيد (٦) كله ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ بالمثل وهو القيمة، ثم ينظر المحكوم عليه إن لم يجد بها ما يصح في المتعة والقران أطعم أو صام، وإن وجد اختار من الكفارات الثلاث ما شاء. ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ يدل أن (٧) الكفارة تجري مجرى العقوبات وبال الخصلة السيئة (٨) ﴿أَمْرِهِ﴾ فعله وشأنه ﴿عَفَا اللَّهُ﴾ عن المكفر (٩) ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ وعيد لا يرفع الكفارة لأن القاتل بدأ قبل القود فقد هتك الحرمة ثم الكفارة لازمة، وعن سعيد بن جبير وعطاء: إن عاد (١٠) أعيد عليه (١١).

стр. 689

﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ خطاب للمحرمين وطعامه ليس مصيدًا (١) في الظاهر وطعامه ما قذفه البحر من السمك فمات عطشًا أو بسبب دون الطافي. وعن ابن عباس في رواية وابن جبير ومجاهد وقتادة أن الطري من السمك دخل في اسم الصيد والمملح منه دخل في اسم الطعام (٢) ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ وإنما خص لأن المخاطبين محرمين كانوا سيارة فذكر في مثل حالهم من الناس ولأنهم هم المحتاجون إليه في الغالب، ويحتمل أنه من باب اقتصار أحد طرفي الكلام كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] وقيل: الآية خطاب للمقيمين فذكر السيّارة ليعم الحكم عامة الناس ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ كل ما كان جنسه متوحشًا مأكول اللحم أو غيره، قال ﵇: "خمس تقتلهن في الحل والحرم: الغراب والحداة والفأرة والحية والكلب العقور" (٣) حصره بعدد، ويلحق غيرها بها حالة وجود العدوان. ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث إمساك المناسك و ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ هي الكعبة حرسها الله، والمكعب في المساحات ما له طول وعرض وسُمك ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ يكون (٤) آمنًا لمن التجأ إليها، ويتوجه العالم إليها في يوم وليلة خمس مرات في أقطار الأرضين متحرمين بالصلاة جموعًا وفرادى وبإحجاج المحتاجين عن الموتى وذوي الأعذار وبحفر الآبار واستخراج المياه في طريقها واختلاف السفر إليها وتوقير زائريها أبدًا ما عاشوا مع ما (٥) انضم إليه بيان سمت القبلة وبناء المساجد والمنارات ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ كان ﴿قِيَامًا﴾ لهم لتركهم القتال فيه وتقلبهم آمنين ﴿وَالْهَدْيَ﴾

стр. 690

قيامًا لهم لانتفاع المحتاجين والفقراء، وكذلك ﴿وَالْقَلَائِدَ﴾ لامتناعهم عن الغارة على أصحاب القلائد (١)، ذلك إشارة إلى الجعل أو الخبر عنه، وإنما كان علّة لعلمنا لوجودنا المصالح فيما جعل إذا اعتبرنا الغالب ولا يكون ذلك إلا فعل حكيم عليم. ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ نبه على العقاب للحث على محافظة ما هي قيام للناس، ثم ذكر أنه ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لئلا يؤدي بهم التخويف إلى القنوط. وقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ يفيد خلوص الحجة على المخاطبين وخروج المبلغ عن الملام، وفيه نوع تنبيه كما قال: ﴿فَإِنَمَا عَلَيكَ اَلْبَلَغ وَعَلَينَا اَلِحْسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ زجرًا عن النفاق والعقائد المذمومة. ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ نزلت في المؤمنين حيث أرادوا أن يُغِيرُوا على حجاج اليمامة فنهاهم الله عن ذلك وزهدهم فيه (٢)، (الخبيث): الكافرون، و (الطيب): المؤمنون (٣)، ذكرهم لعموم الخطاب ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ﴾ على سبيل المبالغة ولذلك لم يقتض جوابًا كقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] وقال: فقلت يمين الله أبرح قاعدًا ... ولو قطعوا لديك رأسي وأوصالي (٤)

стр. 691

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا﴾ قال أبو أمامة (١) وأبو هريرة: لما نزل قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى اَلنَّاسِ حِجُّ اَلبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قال رجل من الأعراب: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت عنه، فأعاد عليه ثلاث مرات فاستغضب، فمكث (٢) طويلًا ثم تكلم فقال: "من هذا السائل؟ " قال الأعرابي: أنا، فقال: "ويحك! ما يؤمنك أن أقول نعم! لو قلت نعم لوجب ولو وجب لكفرتم" فأنزل الله الآية (٣)، وإنما أنكر السؤال؛ لأن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار إلا بقرينة ولم يقع سؤاله للضرورة. أبو صالح عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ذات يوم غضبان قد احمرّ وجهه فجلس (٤) على المنبر فقال: "لا تسألوني (٥) عن شيء إلا أحدثكم (٦) به" فقام رجل وقال: أين أبي؟ قال: "في النار"، فقام عبد الله بن حذافة وكان يطعن في نسبه فقال: من أبي؟ قال: "أبوك حذافة" فقام عمر وقال: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبالقرآن إمامًا وبمحمد نبيًا، يا رسول الله كنا حديث عهد في الجاهلية وشرك فالله أعلم من آباؤنا، قال: فسكن غضبه، ونزلت الآية (٧). وعن سعيد بن جبير نزلت في السائل عن البحيرة والسائبة والوصيلة (٨) يعني

стр. 692

عن (١) أسلافهم الذين ماتوا في الجاهلية متدينين بذلك في الحياة (٢)، البحيرة والسائبة عن مقسم على حكم سعد بن معاذ وقال: [تاب أبو لبابة هذا (٣) بعد ذلك وقال: ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله ﴿لَا يَحزُنكَ﴾ [المائدة: ٤١] لا يغمك نهي إلى غير المنهي كقوله: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥] والمقصود من النهي التسلية ومن الأولى لتبيين الجنس ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤١] قيل: لتبيين الجنس وقيل إنها مستأنفة ﴿سَمَّاعُونَ﴾ [المائدة: ٤١] مبتدأ أو خبر. وقيل: صفة للذين يسارعون أو السماعين إذ الآخرين وتحريفهم ما سبق ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ [المائدة: ٤١] ابتلاه بتقدير أنه معصية أو عقوبة] (٤) نزلت في الطالبين بالآيات الملجئة، وهذه السؤالات مذمومة لعدم الفائدة و ﴿أَشْيَاءَ﴾ جمع شيء، وشيء في الأصل شيء على وزن شفيع فلينت الهمزة الأولى وأدغمت كما في ميت وهين فصار شيًا ثم استخف بحذف المدغم ﴿تَسُؤْكُمْ﴾ تحزنكم ﴿عَفَا اللَّهُ﴾ أمهل الله، وقيل: عفا الله عن أمواتكم الماضية. ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ﴾ هم المضيقون عليهم أمر البقرة والمطالبون بالرؤية جهرة والمستنزلون مائدة وأمثالهم، (البحيرة) للخامس (٥) من ولد الناقة إن كان أنثى بحروا أذنها وحرموا ركوبها ولحومها على النساء إن قتلت، وإن ماتت حلّت للنساء (٦)، و (السائبة) ما كانوا يخرجونه عن الملك إلى مالك

стр. 693

ويحرمون الانتفاع به من كل وجه ولا يرون ذوده عن المرعى، و (الحمى والوصيلة) قال ابن عرفة: ما كان البطن السابع من ولد الشاة ذكرًا أو أنثى توأمين (١) قالوا للأنثى: وصلت أخاها فلا يذبح ويكون لحمها حرامًا على النساء، قال ابن الأنباري: كانت الشاة إذا ولدت ستة أبطن عناقين عناقين وولدت في السابعة عناقًا وجديًا قالوا: وصلت أخاها حلّوا لبنها للرجال دون النساء، و (الحامي) الفحل الذي ركب ولد ولده، وقيل: إذا كان من ولده عشرة أبطن، قالوا: حمى (٢) ظهره فلا يركب ولا يمنع عن (٣) مرعى. نفى الله أن تكون هذه الأحكام دينًا له وأمر أمته، والمبتدع لهذه الأحكام عمرو بن لحي وهو الذي نصبَ الأنصاب وبدّل الحنيفية وأدخل الإشراك في التلبية (٤). ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ تقديره: حفظ أنفسكم وإصلاحها دون التعليق بما كان عليه الآباء فإنهم لا يضرونكم إذا اهتديتم، وفيه ما يدل على نسخ الأمر بالمعروف خطبة أبي بكر الصديق وقال: يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية وتعتقدونها رخصة الله، والله ما نزلت آية أشد من هذه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ وإني سمعت أن (٥) رسول الله ﷺ يقول: "إنّ

стр. 694

الناس (١) إذا رأوا منكرًا فلم يغيّروه يوشك أن يعمهم الله بعذاب" (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ابن جبير عن ابن عباس كان تميم الداري وعدي بن نبدي نصرانيان يختلفان إلى مكة بالتجارة، فخرج مسلم من بني سهم فتوفي بأرض ليس بها مسلم فأوصى إليهما فلما رجعا من سفرهما دفعا تركته إلى أهله وحبسا (٣) جامًا من فضة مخوّصًا بذهب فاستحلفهما رسول الله ﷺ ما كتما ولا اطّلعا، ثم عرف الجام بمكة فقال الذين اشتروه: اشتريناه من عدي وتميم، فقام رجلان من أولياء السهمي وأخذا الجام وفيهم نزلت الآية (٤)، دليل أن الورثة صدقوهما في الوصاية واتهموهما في الأمانة ولذلك استحلفهما على الكتمان والاطلاع، وفيه دليل أن المراد بالشهادة اليمين وإنما وجب عليهما اليمين لأن الورثة يدّعون عليهما الزيادة. وفي أيمان الورثة وجهان: فإن ادعى الوصيان وصية أو ملكًا في الجام يخرجان به عن حكم الميراث والورثة ينكرون ذلك فهذا حكم قائم، وإن كان يمينهم قائمة مقام البينة وإبطال اليمين الأولين فهذا حكم منسوخ، وعن زيد بن أسلم (٥) قال: كان ذلك في رجل توفي في أرض حرب والناس كفار وليس عنده أحد من أهل الإسلام وكان الناس يتوارثون بالوصيّة، ثم نسخت (٦) الوصية وفرضت الفرائض وعمل المسلمون بها والمراد بقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الإخبار أو الأمر (٧) ﴿إِذَا حَضَر﴾ توقيت

стр. 695

﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ بدل (١) عن التوقيت اثنان أي شهادة اثنين فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ صفة للخبر أي ذوا عدالة ﴿أَوْ آخَرَانِ﴾ أو شهادة آخرين عدلين ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، والعدالة كون الإنسان مرضي السيرة في دينه، والشهادة في العدالة (٢) شرط واليمين ليس بشرط ولكنه احتياط فإن المنكرين إذا كانوا جماعة فيستحلف عدولهم كما في القسامة ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ صلاة العصر، وفائدة ما بعدها لأن أهل الذمة يوافقدننا في حرمة ذلك الوقت واجتناب الإثم فيه، وقيل: استحلاف المؤمنين كانوا في تلك الساعة أشد تورعًا منهم في غيرها (٣) ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾ يعني الوصي والأمين لا يحلفان إلا عند الريبة والتهمة ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ باسم الله وقوله ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ دليل أن الوصيين كانا قريبين للميت ﴿وَلَا نَكْتُمُ﴾ ما تحملناه عن الميت من وصية ﴿إِنَّا إِذًا﴾ أي إن (٤) اشترينا وكتمنا. ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ العثور الاطلاع والإعثار: أن تطلع غيرك على شيء، قال: وكذلك اعترافًا، (الاستحقاق): الاستحباب، وهذا يدل على أن قضاء القاضي ينفذ في الظاهر، ثم بين وجه الاحتياط الحبس للاستحلاف بعد الصلاة. ﴿أَنْ يَأْتُوا (٥) بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ والثاني أن يبطل الخوف (٦) من أن يبطل (٧)

стр. 696

إيمانهم بإيمان غيرهم إذا عثر على خيانتهم، وقيل: أو بمعنى الواو أي الاحتياط أحد المعنيين. ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ﴾ العامل في الظرف ﴿وَاتَّقُوا﴾ وقيل: لا علم وفائدة السؤال توبيخ الأمم وتقريعهم وثناء الرسل على الله وتبريهم عن علم الغيب، وفيه دليل أن السؤال يكون عن الصادفة والصادرة عن (١) العقائد. (إذ) بدل عن ﴿يَومَ﴾ وهما للماضي، ولكن عني بهما زمان مستقبل، وإنما جاز ذلك لتحقيق وجوبه فكأنه كان ومضى كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤]. (عيسى): اسم في محل النصب و (مريم) لعيسى بمنزلة الأب كمحمد ابن الحنفيّة ومحمد بن زبيدة. النعم (٢) المنعم بها على عيسى ما نطقت به الآية، والنعمة المنعم بها على والدته كلامه في إظهار شهادة ببراءة والدته وفي اكتهاله على مسرّة والدته (٣) و ﴿الْكِتَابَ﴾ القدرة على القراءة، وقيل: الزبور، و ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ (٤) الفقه وسائر ما آتى الله من الحجج والبيان، و (كف بني إسرائيل): صدّهم عنه حين أرادوا قتله وصلبه. ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ﴾ الوحي هاهنا الإلهام (٥)، وقال السدي: قذف في قلوبهم (٦)، وقال الزجاج: أمرهم الله تعالى على لسان عيسى (٧).

стр. 697

و (المائدة): الخوان (١) حالة (٢) كون الطعام عليه مشتق من الميد وهو العطاء والنفع والعون، تقول: مادني ويميدني، وإنما أنكر عليهم إما للمطالبة والإعجاز على وجه التمني والشهوة وإما لجهالة قدرة القديم الفاعل. ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ﴾ إما للحرص الطبيعي الذي هو في نفس الحيوان وإما للتشرف (٣) والتبرك وإما لكسب العلم الضروري وحسم توهم السحر واللبس، فالذوق والمضغ والابتلاع ويحتمل أنهم تنوّعوا في هذه المعاني أنواعًا وافترقوا فرقًا على حسب همهم. ﴿قَالَ عِيسَى﴾ في الحال دلالة أنه استنزل المائدة بعد الإذن في السؤال والدعاء ﴿تَكُونُ﴾ أي كانت لنا عيدًا أو هي على سبيل المجاز؛ لأن المائدة لا يتصور أن تكون عيدًا ولكن زمانها من السنة عيد مأخوذة (٤) من عاد يعود، وقيل: نزلت المائدة يوم الأحد فاتخذوه عيدًا، فيوم الأحد (٥) لهم كيوم السبت لليهود ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ بدل عن (٦) ﴿لَنَا﴾. قال الله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ عن الحسن ومجاهد (٧) أن القوم لما سمعوا هذا الوعيد ندموا وتابوا ولم ينزل المائدة (٨)، والأكثرون على أنها نزلت فيما روى الكلبي عن بعضهم أن عيسى ﵇ سأل شمعون

стр. 698

- وهو أفضل الحواريين -: هل معك طعا؟ قال: نعم معي سمكتان وستة أرغفة، فقال: عليَّ بها فجاء فقطعها (١) قطعًا صغارًا ثم قال للقوم: اقعدوا وترفّقوا رفاقًا كل رفقة عشرة، ثم قام عيسى ودعا الله تعالى فاستجاب له بالبركة فيها، فجعل عيسى ﵇ يلقي إلى كل رفقة ما تحمل أصابعه ويقول: كلوا باسم الله والطعام ينمى حتى بلغ ركبهم، فأكلوا ما شاء الله وفضل خمسة وثلاثون مكيلًا، وقيل: أربعة وعشرون مكيلًا، وكان الناس خمسة آلاف ونيفًا، فقالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله. ثم سألوا مرة أخرى فأنزل الله خمسة أرغفة وسمكتين فصنع لها مثل ما صنع في المرة الأولى، فلما رجعوا إلى قراهم (٢) ونشروا الحديث ضحكوا وقالوا: إنما سحر أعينكم، فمن أراد الله به الخير ثبته على بصيرته ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، فمكثوا ثلاثة أيام ثم مسخوا خنازير. وفي هذه الرواية (٣) النزول هو النموّ والبركة، وعن عمار بن ياسر وقتادة: أن المائدة كانت عليها من ثمار الجنة كانت تنزل عليهم بكرة وعشيًا كال منّ والسلوى (٤). وعن باذان وأبي ميسرة: كان عليها كل شيء إلا اللحم (٥)، وعن عطية: وجدوا في السمك طعم كل شيء (٦)، وعن عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي قال: لما سألوا المائدة لبس (٧) صوفًا وبكى وسأل الله (٨)

стр. 699

فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها وغمامة تحتها وهم ينظرون إليها (١) وهي تهوي حتى سقطت بين أيديهم، فبكى ﵇ وقال: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها فتنة، ثم قام وتوضأ وصلَّى صلاة طويلة ثم كشف المنديل عنها فإذا تحته سمكة مشوية ليس عليها فلوسها ولا شوك (٢) وعند رأسها ملح وعند ذنبها خلّ وحولها من أنواع البقل ما خلا الكراث، وروي إلا الخمس (٣) والكراث، وإذا (٤) خمسة أرغفة على (٥) واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس زبيب أو شيء آخر، فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال عيسى: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة فكلوا ما سألتم، فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى، فقال عيسى ﵇: يا سمكة احيي بإذن الله، فاضطربت السمكة وعاد عليها فلوسها وشوكها ففزعوا منها، ثم قال: يا سمكة عودي كما كنت بإذن الله فعادت مشوية كما كانت، وقالوا (٦): يا رسول الله كن أنت أول آكل منها (٧)، فقال عيسى: معاذ الله أن آكل منها ولم يأكل من سألها، فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا عيسى (٨) ﵇ أهل الفاقة والمرضى وأهل البرص والجذام والمقعدين فأكلوا وصحّوا كلهم، وإذا السمكة كما كانت، ثم طارت المائدة إلى السماء وهم ينظرون (٩).

стр. 700

فلبث أربعين صباحًا تنزل عليهم المائدة ضحى فلا تزال منصوبة يأكلون منها فوجًا فوجًا حتى إذا فاء الفي طارت وهم ينظرون في ظلها حتى توارت، وكان ينزل غبًّا، فأوحى الله إلى عيسى اجعل ما ترى رزقي للفقراء دون الأغنياء، فعظم ذلك على الأغنياء (١) وتشككوا (٢) الناس وقالوا: أترون (٣) أنها تنزل من السماء حقًا؟ فقال عيسى: تشمروا لعذاب الله، فمسخ منهم ثلثمائة وثلاث وثلاثون رجلًا خنازير في ليلة واحدة ولم يبيتوا (٤) الدواب ولم يأكلوا ولم يشربوا ولكنهم كانوا يبعدون (٥) الطريق ويترددون ثم ماتوا بعد ثلاثة أيام (٦). ﴿أُعَذِّبُهُ﴾ عائد إلى (من يكفر) ﴿لَا أُعَذِّبُهُ﴾ عائد إلى الفعل المفعول وهو العذاب وذلك ما خصّهم من الألم المخصوص بهم حالة المسخ أو ما خصهم به من عذاب الآخرة. ﴿وَإِذْ﴾ بمعنى إذا، لتحقق الوجوب (٧)، وعن السدي (٨) أنه للماضي وذلك عند رفعه إلى السماء، فالسؤال سؤال لوم وتقريع للنصارى عند الجمهور وسؤال الابتلاء والاختيار أي (٩) عند السدي روى أن عيسى ﵇

стр. 701

لما سئل (١) هذا السؤال أُرعِد كل مفصل منه وانفجرت من تحت كل شعرة عين دم ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ تأكيد للنفي إذ لا يصح شيء من الأشياء لا يعلمه الله تعالى والعلم أعم من السر (٢) قال: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ [طه: ٧]، ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي (٣)﴾ مضمر ما في قلبي ولا أعلم ما هو مستور في غيبك، وإنما ذكر النفس لمردوح الكلام ولا يحل نفس الله شيء من الحوادث تعالى الله (٤) أن يكون ظرفًا للإنسان (٥). ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ترجمة للمستثنى المقول (٦) ﴿عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أي شهدت عليهم وعلمت خيرهم وشرهم، (الرقيب) الشهيد. ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ قول عيسى ﵇ إرجاء منه الأمر إلى الله وترك للتحكم والتالي عليه كما قال نوح: ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ [هود: ٣١] الآية، وقال إبراهيم ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] الآية، وإنما قال العزيز الحكيم ليبين أن مغفرته لم تقع عن جهل ولا عجز ولكنه يعفو مع القدرة على الانتقام، حكيم فيما فعل، وقيل: إنما وصف بالعزيز الحكيم (٧) دون الغفور الرحيم ليبين أنه غير متشفع (٨) لهم هذا أي الأمر والحكم أو الشأن. ﴿يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾ عيسى ومن شهد من الأنبياء والصدّيقين ﴿رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ صرف عنهم موجبات سخطه بوجود المرضي عنهم وهو الصدق ﴿وَرَضُوا﴾ صرفوا الكراهة عن نعم الله تعالى بوجودها مرضية في الحال والمال مأمونة الخبال والوبال، واللَّه أعلم.

стр. 702

سُوْرَةُ الأَنْعَامِ مكية عند ابن عباس وعطاء إلا (١) ثلاث آيات ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ [الأنعام: ١٥١] أنزلت بالمدينة أو بين مكة والمدينة (٢)، وعند ابن المبارك والكلبي عن ابن عباس هذه مدنيات وآيتان (٣) ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]، و ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى﴾ [الأنعام: ٢١]، وعن الحسن ثلاث آيات نزلت بالمدينة ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٣]، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ﴾ نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] نزلت في ثابت بن قيس (٤)، وعن أبي أنها مكيّة كلها نزلت جملة (٥) واحدة، شيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد (٦).

стр. 703

وهي ماية وسَبع (١) وستون آية حجازي (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ هما صفتان للسماوات والأرضِ، والتقدير: جعلهن [مظلمة ومنيرة كما قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨] وإنما قدم الظلمات لأنها هي المخلوقات أولًا] (٤) فيما يروى عن ابن عباس (٥)، وقيل: لكونها مجموعة كالسماوات، ثم بعد هذه النعم كلها والدلائل بأسرها طفق هؤلاء الكافرون بربهم يشركون ويجعلون لله عديلًا وشريكًا. وعن النضر بن شميل أن الباء بمعنى عن (٦)، أي: عن ربهم يعرضون ويحرفون. ثم خاطب جميع بني آدم ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ والمراد به خلقه آدم من

стр. 704

الطين المبلول (١) بالماء المهيج للروح (٢) المولد حرارة بالهيجان، والدليل على أن أصل الخلقة من الطين هو الرجوع إلى الطين عند فسخ البنية، والأجل المقضي أجل الدنيا والأجل المسمى أجل الآخرة (٣)، وقيل: الأجل المقضي أجل اليقظة إلى النوم والأجل المسمى أجل الحياة إلى الموت (٤) وهذا كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وقيل: الأجلان واحدة، والتقدير: ثم قضى أجلًا وذلك (أجل مسمى عنده)، وقيل: الأجل المقضي ما جعله من قضيته الطبيعية، والأجل المسمى عنده ما لا يتوصل إلى علمه من الحوادث. (الامتراء) من المرية وهي الشك. ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ﴾ مختصة بمن أصرّ على الكفر من قريش. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ التكذيب من توابع الإعراض، وإثبات (٥) العذاب من توابع التكذيب، فلذلك دخلت الفاء، ﴿أَنْبَاءُ﴾ الأخبار العظيمة وهي العذاب كما يقال في التهديد سيبلغك الخبر، و ﴿مَا كَانُوا بِهِ﴾: ﴿بِالْحَقِّ﴾ وهو القرآن. (القَرْن) مدة من الزمان مختلف في مقداره وحقيقته مدة استقامة بقاء العالم غالبًا على رسم واحد مشتق من اقتران أهل العصر واجتماعهم، والمراد بالقرن أهله، (التمكين) كالتسليط، يقال: مكنته ومكنت له، ﴿السَّمَاءَ﴾ المطر (٦)، و (المدرار) من الدر على وزن مفعال

стр. 705

لا يؤنث، تقول (١): رجل مذكار ومئناث وامرأة مذكار ومئناث (٢)، ﴿مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ من تحت مساكنهم (أهلكناهم) بالخسف والمسخ والطاعون، ونقل الدول والولايات دون الموت الذي لا بدّ منه، و (الإنشاء): الابتداء. ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ﴾ مختصة بكفار قريش (٣) الذين قالوا: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ١٩٠]، و (القرطاس) الصحيفة من أي شيء كان، وإنما قال: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ لتأكيد العلم الضروري فإن الرؤية يقع فيها على طريق المشاهدة [التخيل ولا يقع لحاسة المس، وقال: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ﴾ طالبوا رسول الله بآية توجب العلم الضروري] (٤) دون الاستدلال والاجتهاد، فبيَّن الله أن ذلك يوجب الإهلاك ورفع الإمهال. ولو جعلنا الرسول ﴿مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ﴾ في صورة البشر ولجعلنا الأمر ملتبسًا للامتحان والابتلاء وترجية الثواب والعقاب.
следующие страницы →