← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ يقذف بذلك الكسب أو الإثم بريئًا غير جانٍ و (البراءة) المباينة والانفصال ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾ اقترف واكتسب. ثم ذكر لنبيه نعمة ليزيد فرحًا وشكرًا قال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ توفيقه وعصمته ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ كانوا يستزلونك في الحكم بأنْ يجري الأمر على ظاهره غير منتظر للوحي الممكن نزوله عليك ﴿الْكِتَابَ﴾ القرآن ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ الفقه ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ من الأشياء المستورة مما يجب الإيمان به عند السماع. ﴿مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ مصدر (١) ويطلق بمعنى الاسم. قال الله تعالى: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] وإذ هم نجوى متناجون فإن كان المراد هاهنا الاسم فهم بنو أُبيرق والاستثناء منقطع بمعنى لكن، وإن كان بمعنى المصدر، فالكناية ترجع إلى معنى المؤمنين والاستثناء متصل (٢)، وإنما أخبر بأنه ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ لأنّ المناجاة في الشرِّ شرٌّ، وفي المباح الذي لا يمكن إظهاره شر أيضًا، قال ﵇: "لا يتناجى اثنان دون ثالث فإن ذلك يحزنه" (٣). ﴿بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ ضيافة أو إقراض غيره ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾

стр. 632

تأليف بينهم، ذلك إشارة إلى التناجي بهذه الأشياء ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ معظم (١) قدره كثير الأجر أو لم يكن. ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ يخالفه في الكتاب والسنة بالاعتقاد ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ من بعد ما قامت الحجة عليه بالبيان والإعجاز ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يخالف بالاعتقاد إجماعهم بعد إنعقاده، وإنما صار إجماع هذه الأمة حُجّة بقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وقوله ﵇ (٢): "لا تجتمع أمتي على الضلالة" (٣). قوله: ﴿مَا تَوَلَّى﴾ نقلده ما تقلّد بخذلانه وتيسيره للعسرى. وهذا الجزاء إنما وجد حالة وجود الشرط، ثم لله المشيئة فيه بعد ذلك من لا يرى نسخ الوعيد، فللَّه أن لا يفعل الوعيد بمن شاء من خلقه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ﴾ نزلت في طعمة بن أُبيرق فتكون آية عذاب، والسابقة نزلت في وحشي فتكون آية رحمة (٤)، والمراد بهذه الآية عبدة الأصنام وبالأولى أهل الكتاب ﴿بَعِيدًا﴾ يبعد عن الحق وقصد الطريق، والبعيد: ضدّ القريب. ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ تقدير الآية: إن يدعون من دونه إلا إناثًا وشيطانًا، كقولك: لا أطيع إلا الأمير ولا أطيع إلا الوزير، أي: لا أطيع غيرهما، ولو أسقطت الواو أيضًا وكلامك بالإبدال على سبيل الاستدراك ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ جنيًا كوافر حللن في الصحراء، و (الإناث) كاللات والعزى ومنوة ونبواته وناميلة، ويحتمل بالإناث الأنفس المعبودة من دون الله على سبيل العموم (٥).

стр. 633

﴿إِلَّا شَيْطَانًا﴾ جنيًا كافرًا متمردًا وهو إبليس لعنه الله، ويحتمل أن النفي الثاني نفي المستثنى المثبت من قبل على سبيل التحقيق واعتبار الأصل كقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩]، وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى (١)﴾ [الأنفال: ١٧]، وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣] و (المريد): المتجرد بالشر، والصخرة المراد العاصي (٢) هي الملساء، والشجرة المراد التي تساقطت أوراقها، والجدار المملس الممرد، والرجل الأمرد: الذي لا لحية له. ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾ أي: بعزتك لأتخذن وهو في معنى قوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [ص: ٨٢] وإنما قال هذا: بعد زوال المعرفة وألا يعلم أنه ليس بمعجز لله لا بمعاند إياه، والمراد بالنصيب المفروض غير المخلصين، و (المفروض): المقطوع المحدود بالتقدير. ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ إضلاله تزيينه وتمنيته ووسوسته بالعمل وأمره ووسوسته وكلامه من حروف الأصنام ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾ يقطعن ﴿آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ أي: بحر البحيرة، ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ تغير الدين والفطرة؛ عن ابن عباس، الإخصاء؛ عن أنس وعكرمة (٣)، والوشم؛ عن ابن مسعود والحسن (٤)، وقيل: هو وصل الشعور، وقيل: هو اكتفاء الرجال بالرجال والنساء بالنساء.

стр. 634

﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ يحملهم على التمنِّي مختصًا معدلًا ومصرفًا قيلًا تقولًا، قال الله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ [الزخرف: ٨٨] أي: قوله، ويقول: هذا من قيل فلان، أي من قوله. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ نزلت في المنافقين والمشركين والخطاب لهم؛ عن مجاهد (١)، وقال غيره: خطاب للمؤمنين، أي: ليس إلا بمحكوم على ما يتمنون (٢)، وقوله (٣): ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ عام وبل مقدر فيه، أي: الوعيد شامل على اعتبار الأفعال من دون الذوات، إذ الذوات لا توجب ثوابًا ولا عقابًا. روي لما نزلت هذه الآية خاف أبو بكر الصدِّيق خوفًا شديدًا وأظهر ذلك لرسول الله فقال ﵇: "أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فيجزون بذلك في الدنيا، وأمّا الآخرون فيجمع ذلك عليهم حتى يجزوا به في الآخرة" (٤). وفي بعض الروايات: "ألست تمرض ألست تحزن ألست يصيبك البلاء؟ " (٥)، مصداق ذلك قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ اشتراط الإيمان يدل على أن غير المؤمن قد يعمل صالحًا وذلك ما يحمد في العقل كالسخاء والوفاء وصلة الأرحام والصدق، وإنما شرط الإيمان لأنَّ الجنة حرام على غير المؤمن وقد أحبط عمله بكفره وابتغائه غير وجه الله ومنّه على مَنْ أنعم عليه. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾ ليس أحد أحسَن دينًا ﴿أَسْلَمَ﴾ أخلصَ ﴿وَجْهَهُ﴾ أمره مقبلًا معترفًا بالتوحيد ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ يدلّ أن إحسان العمل فرع الإيمان والإِسلام ﴿حَنِيفًا﴾ حال لمن أسلم ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ أي:

стр. 635

جعله مخصوصًا بالولاية فيه ترغيب في الإسلام والإحسَان وزجر عن العمل السيء. ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ فصل مبتدأ في ذكر النساء مرتب على الفصل الأول في هذه السورة عائد إليه، والاستفتاء طلب الإفتاء وهو الإجابة ببيان الحكم. ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تَنْكِحُوهُنَّ﴾ في محل الجر معطوف على الضمير في ﴿فِيهِنَّ﴾ وتقديره: ويستفتونك في حكم البالغات وفيما يتلى عليكم من حكم اليتامى النساء غير البالغات أيضًا (١) ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ أي: اللواتي لا تؤتونهن ما أوجبَ لهن من مهر المثل ﴿وَتَرْغَبُونَ﴾ في نكاحهن بالمهر القليل. وهذا التفسير للإقساط المنفي المتقدم ما هو وإفتاؤه فيهن جميعًا ما بيّن من حكم أنكحتهن ومواريثهن صغائر وكبائر وبيَّن في حكم مواريث المستضعفين ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ أي: ويفتيكم في قيامكم لليتامى بالقسط أيضًا عند الوصية وقسم المواريث. ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ علمت ﴿نُشُوزًا﴾ ترفعًا وخروجًا عن الحد المحدود في حسن العشرة، والإعراض هاهنا في معنى الهجران والطلاق، والصلح المأذون فيه تركها القسمة على أن لا يطلقها. عن عروة (٢) عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ (٣) لا يفضل بعضنا على بعض في القسم وكان

стр. 636

قلّ يوم إلا هو يطوف علينا جميعًا فيصيب من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ التي هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت له سودة بنت زمعة حين أسنّت وخشيت أن يفارقها رسول الله: يومي الذي يصيبني فيك هو لعائشة" قالت: "فيها وفي أمثالها نزلت هذه الآية" (١). وعن سميّة قالت: "وجد رسول الله على صفية بعض الموجدة في شيء، فقالت صفية لعائشة: هل لك أن ترضي عني رسول الله ﷺ (٢) ولك يومي؟! قالت: نعم، فأخذت خمارًا لها مصبوغًا زعفران فرشته بالماء ليفوح رائحته واختمرت به وقعدت إلى جنب رسول الله ﷺ (٢) فقال: "إليك عني يا عائشة إنه ليس يومك"، قالت أم المؤمنين: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وأخبرته بالأمر فرضي عن صفية" (٣)، وعن رافع بن خديج وامرأته ابنة محمَّد بن مسلمة الأنصاري نحو من هذا (٤). ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ﴾ ألزمت إياه وقرنت به وجبلت عليه ﴿الشُّحَّ﴾ الضنّة وهي حب إمساك المال وسائر الحظوظ، والمراد به هاهنا ضنة المرأة بنصيبها من الرجل وضنة الرجل بنفسه، أي: قل ما يترك المرأة بحظها، وقيل: ما يعطيها الرجل ذلك إذا رغب ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾ معاشرتهن وتنفقدا بمحافظة الحدود ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تنبيه على الجزاء. ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾ نفي كل الاستطاعة، كل العدل بينهن؛ لأن الإنسان وإن سوى بينهن في القسم لم يقدر أن يسوي بينهن في الحب والمناكحة والمطايبة ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ تجوروا كل الجور بأن تقبلوا على

стр. 637

بعضهن وتعرضوا عن بعضهن ﴿فَتَذَرُوهَا﴾ تتركوها كالمعتدة أو كالمولى عليها. ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ وإن لم يصلحا وتفرقا بالطلاق ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا﴾ كل واحد منهما عن صاحبه ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾ وغناه إما بأن يبدله خيرًا منه، وإما أن يرزقه الصبر والقناعة الواسعة. وفي قوله: ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تهديد أي: لا مهرب لكم منه ﴿غَنِيًّا﴾ ينفي الحاجة ويثبت القدرة والوسع ﴿حَمِيدًا﴾ محمود الصفات لقدمه وإحسانه وأنه يثني على عباده المطيعين. ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ تضمنت الآية معنيين التهديد والإخبار عن القدرة ونفاذ المشيئة: إن يشأ إذهابكم يذهبكم، يفنيكم أو ينقلكم من الدنيا إلى الآخرة ﴿بِآخَرِينَ﴾ الرزية أو ما الله به أعلم. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ﴾ أي: من كان مريدًا عمل الشرط في معنى كان في دون لفظه؛ فإن لفظه ماض والماضي مبني غير معرب، ولذلك أتينا بالماضي إذا توسط بين حرف الشرط والشرط متوسط في نحو قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا (١)﴾ [النساء: ١٢٨] ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] ولو أتينا به والمتوسط بالفعل المستقبل لما حسن ذلك؛ لأنا إن أعملنا الشرط فيه بطل توسط المتوسط ولا بطل معنى الشرط ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: فليطلبه بطاعة الله فإنه عند الله دون ما يطلبونه من الطواغيت. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فصل آخر مبتدأ واتصالها بما قبلها من حيث المواريث والوصايا والأنكحة تحتاج إلى الشهادة وإقامة القسط ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ والشهادة على الأنفس الإقرار والاعتراف، قال الله مخبرًا عن الكفار: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٠] إن يكن (٢) المشهود عليه،

стр. 638

فالله أولى بكل واحد من الغني والفقير وهو يأمركم بالشهادة عليهما، أي: لا يحملنكم موالاتكم إياهما عن كتمان الشهادة؛ فإن من هو أولى منكم بما يأمركم بأدائها ويحتمل أن الكناية راجعة إلى المشهود عليه والمشهود له وتقديره فالله أولى به وبخصمه ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ لتعدلوا (١) وتقسطوا عند الزجاج والفراء (٢)، وقال ابن جرير: هذا من العدول فيكون ترجمة لاتباع الهوى. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ أي: آمنوا ببعض آمنوا بالكل لما تتلوه، وقيل: آمنوا بالنعت آمنوا بالمنعوت كقوله ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وقيل: آمنوا وجه النهار وآمنوا آخره لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ به (٣) وقيل: آمنوا بألسنتكم آمنوا بقلوبكم لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٤٠] وقيل: آمنوا فيما مضى وفي الحال وذاقوا على الإيمان في المستقبل لقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦] وقيل: آمنوا بألسنتهم أخلصوا بعقائدهم تحققوا في الإيمان بدوام مراقبتكم وتهذيب خواطركم لقوله ﵇ لحارثة: "كيف أصبحت؟ " قال: أصبحت مؤمنًا حقًا ... (٤) الخبر. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ عن قتادة: أنها نزلت في أهل الكتاب (٥)، وعن الحسن: في الذين آمنوا وجه النهار وكفروا آخره (٦)، وعن مجاهد وابن زيد: نزلت في المنافقين (٧)، وهذا أصح لأنهم تردّدوا في أمرهم وأصرّوا

стр. 639

على اعتقاد الكفر وماتوا عليه، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ شيئًا من كفرهم الأول والثاني والثالث لأن الكفر المتأخر أحبط العمل المتقدم ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ لا يوفقهم، و (التوفيق): هو التيسير لليسرى، وذلك غير واجب بعد التمكين الذي يلزم به الحجة، وقبول توبة هؤلاء مختلف فيه. ﴿أَيَبْتَغُونَ﴾ على الإنكار ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ﴾ أي: المنعة ﴿لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ يكرم بها من يشاء وقد وردها لرسوله وللمؤمنين. ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] وإن لترجمة المنزل ما هو، والتقدير: وقد نزل عليكم في الكتاب شيئًا وهو قوله: ﴿أَنْ (١) إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا (٢)﴾ بالقرآن وهو استخفافه ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ فطرد المعاشرة دون المجادلة والتقية، وإنما أباح القعود بعد الغاية لرفع الجناح ولاستمالتهم، والكناية في ﴿مَعَهُمْ﴾ راجعة إلى الكافرين والمستهزئين، والخوض في الحديث هو الشروع في الكلام وضده الإمساك عنه، ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ أي: إن قعدتم معهم موالين إياهم كنتم مثلهم في الكفر والنفاق ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ المضمرين الكفر و ﴿وَالْكَافِرِينَ﴾ المظهرين له. ﴿يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ أي: نزول الدوائر والحوادث ﴿فَتْحٌ﴾ نصرة ﴿نَصِيبٌ﴾ دولة ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ نشارككم في هذا الغزو ويطلبون الشركة في الغنيمة ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ﴾ ألم نغلبكم ونستول عليكم مع المؤمنين ونحكم ونُجرْكم، يذكرون أياديهم حالة الاستيلاء ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ﴾ يفصل الحكمة ﴿سَبِيلًا﴾ أي: حجة صحيحة، ويحتمل أن معناه إن ينصرهم عليهم فإنهم وإن غَلَبوا فهم المخذولون الأخسرون. ﴿كُسَالَى﴾ جمع كسلان، و (الكسل): التثبط والتبرم والقليل من الذكر ما ﴿يُرَاءُونَ﴾ ويسمعون به.

стр. 640

﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ مترددين مضطربين ومنه يقال لأسافل الثوب: ذباذب، ويحتمل من الذب، أي: يذبون كل فريق من أنفسهم بنوع من الخداع ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ أي: ليسوا مع هؤلاء في الإخلاص ولا مع هؤلاء في المحاربة ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾، أي: هم ضالون أضلهم الله ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ يأتيها. ﴿أَتُرِيدُونَ﴾ على سبيل (١) الإذكار ﴿أَنْ تَجْعَلُوا﴾ أي: تقيموا ﴿سُلْطَانًا﴾ أي: حجة، وهذا على المجاز، وحقيقته: أتريدون أن تكونوا من الذين لله عليهم سلطان بيِّن بالإعذار والإنذار. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾ لأنهم شر أصناف الكفرة لخبثهم وخداعهم، و (الدركات والإدراك): المنازل والمراتب إلى الأسفل. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ عن النفاق ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ عقائدهم ﴿وَاعْتَصَمُوا﴾ امتنعوا بالله عن الشيطان ووساوسه والكفار ومكائدهم ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ أي: نابذوا الكفار وحققوا موالاة المؤمنين، وإنما قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يصرح بإيمانهم تعظيمًا لشأن النفاق. ﴿مَا يَفْعَلُ﴾ ما يصنع به، وأي غرض له فيه استفهام بمعنى النفي. ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث إن الجهر (٢) بالسوء من خصال المنافقين، وفيهم قوله: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] وقد سبق ذكرهم، وعن عبد الرحمن بن زيد: أن الآية نزلت في أبي بكر الصدِّيق شتمه رجل مرارًا وهو ساكت ورسول الله ﷺ (٣)، ثم ردّ أبو بكر مرة فقام رسول الله كالمنكر عليه (٤)، ومعناه: لا يحب الله

стр. 641

الجاهر بالقول السيء ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ أي: الجاهر المظلوم مثل أبي بكر، ويحتمل: لا يحب الله جهر أحد بالقول السيء إلا جهر من ظلم (١)، والاستثناء على هذين متصل، وقيل: منقطع، أي: لكن من ظلم فله أن يجهر، وعن مجاهد: أن المظلوم هو الضيف المحتاج إذا مرّ بإنسان فلم يقريه فله أن يشكوه ويذمه. (العليم): يعلم الزجر عن جهر قول السيء وعن إسراره (٢). وفي قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ الآية ندب إلى الجهر بالقول الحسن وإلى إضماره وإلى العفو للمظلوم عفوًا يعني: فافعلوا فإن الله عفو بقدرته يحب أن يستنوا بسنته، أو فافعلوا فإنّ الله يجازيكم بعفوه قدير على مجازاتكم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ نزلت في أهل الكتاب. وفي الآية في ليل أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص (٣)، وأنه لا منزلة بين المنزلتين، وأن من اتخذ

стр. 642

من ذلك سبيلًا كان كافرًا حقًا؛ لأن الله يشهد بالصدق لجميعهم فمن كذب بالبعض فقد كذب بالكل. ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ نزلت في اليهود طالبوا النبي ﷺ (١) بكتاب مكتوب مثل التوراة تنزله من السماء متحكمين، فأنكر الله ذلك عليهم وبيَّن لهم (٢) أن موسى أتاهم بذلك فلم يقتنعوا به وطالبوه بما هو أجل شأنًا منه (٣)، وفيه دليل على جواز رؤية الله تعالى، ثم في قوله: ﴿اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ لترتيب الأخبار دون المخبر فيها؛ لأن مطالبة السبعين بالرؤية وعبادة الباقين العجل في آنٍ واحد ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾ ما أيد الله موسى بمصر حين عبر البحر قبل المتغلب. ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ عارض بين الأسباب المذكورة لتحريم الطيبات وبكفرهم وقولهم على مريم من الأسباب المحرمة للطيبات، لمَّا عَلِمَ الله أنهم سيأتونه لا محالة عجَّل المسبب، وليس هو كتقديم العقوبة على المذنب، ولكنه كخلقه آدم وإسجاد الملائكة له (يعلم ما لا يعلمون). ﴿وَقَوْلِهِمْ﴾ أي وبقولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا﴾ وهذا من الأسباب المحرمة للطيبات أيضًا، ويحتمل أن هذا وما قبله من البهتان سبَّبا الطبع على القلوب ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾ من اليهود والنصارى ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ استثناء منقطع عند البعض (٤) قالها في قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾ راجعة إلى العلم أو الظن، أي: لم يحكموه.

стр. 643

وقيل: إلى المقتول المصلوب، أي: قتلوه متوهمين لا بيقين أنه المسيح ﵇، وقيل: عائدة إلى المسيح ما قتلوه حقيقة ولكن على زعمهم، بل رد لكلامهم. ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ بعيسى، وعن عكرمة: بمحمد (١)، والجميع أنه عند معاينة العباس يؤمن بالجميع فلا ينفعه إيمانه ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ - موت عيسى [﵇] (٢) - يؤمنون به إذا أنزل من السماء. وإنما قيد أخذ الربا بالنهي؛ لأنه ليس بمذموم قبل النهي في العقل قبله إلا أن فيه نوع كراهة فيوقف الذم على النهي بخلاف الضد، وأكل أموالط الناس وخص الكافرين منهم لأنهم لم يكونوا سواء. والواو في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ للجمع بين صفتي القوم والمقيمين في محل الخفض عطفًا على الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ من حملة اليهود ومنِ غيرهم من المصلين، أو عطف على قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي هؤلاء [الراسخون يؤمنون بالمقيمين أيضًا وهم الأنبياء، وقيل: نصب على المدح (٣).

стр. 644

اتصال قوله ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾] (١) بما قبله من حيث مقابلة اليهود بتنزيل الكتاب المكنون نقول: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا﴾ إلى هؤلاء وإنما ابتدأ بنوح لأنه يعرفه الكل بالأخبار المتواترة، وهو المسمى آدمٍ الأصغر، ولا يعرف من قبله الأنبياء، وعطف إبراهيم على الأنبياء تشريفًا له كما قال: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأحزاب: ٧] ويحتمل النبيين هم الذين كانوا بين نوح وإبراهيم، وقدم عيسى على أيوب ويونس تشريفًا له لكونه من جملة أولي العزم، والواو لا توجب الترتيب. وأيوب ﵇ هو أيوب بن موص بن زَعّوِيل؛ عن وهب، وكان أبوه ممن آمن بإبراهيم وهاجر معه، وأمه بثينة بنت لوط ﵇ وتحته ليَّا بنت يعقوب وهي التي ضربها بالضغث، وكان أيامه أيام الأسباط. وبعدهم يونس ﵇ وهو يونس بن متّى أحد عباد بني إسرائيل وزهادهم بعثه الله بعد إلياس واليسع إلى أهل نينوى، وهو ذو النون، وإنما قدمه على هارون وداود وسليمان لأن الواو لا توجب الترتيب ﴿وَهَارُونَ﴾ هو هارون بن عمران أخو موسى أكبر منه بسنة أشركه الله في أمر موسى وأرسله إلى آل (٢) فرعون، وإنما قال: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ لينوّه بذكره تعويضًا عن تقديمه أو ليعلم أنه أتى بالزبور ولم يأت به مكتوبًا من السماء. ﴿وَرُسُلًا﴾ نصب عطف على داود أي: أعطيناهم زبرًا أو لوقوعٍ القصص عنيه، وإنما قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ لينوه بذكره تعويضًا عن تقديمه أو ليعلم أنه أتى بالتوراة ولمٍ يأت به مكتوبًا عامة للحجة بما أتى من الكلام المعجز هان لم يكن مكتوبًا من السماء، وأكد بالمصدر ليعلم أن الله كلمه حقيقة وخاطبه خطابًا وليحسم توهم المجاز، ونحو قولك: مال برأسه، وقال بيده، والتكلم صفة لله تعالى حقيقة من غير كيفية. ﴿رُسُلًا﴾ أي: أرسلنا رسلًا.

стр. 645

﴿لَكِنِ﴾ يدل على مستدرك نحو قولهم: لن يشهد لك بالنبوة حتى تنزل علينا كتابًا نقرأه، وشهادة الله هو هذا القرآن المعجز وما ذكر في التوراة والإنجيل والزبير من نعته وما آلم أولياءه من التصديق له ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي: أنزله وهو عالم غير ساهٍ ولا مخطئ، و (شهادة الملائكة): إيمانهم به، وإنما أخبر لتشريف النبي ﵇. (صدوا): صَرَفوا الناس. ﴿وَظَلَمُوا﴾ ما ضموه إلى كفرهم من سائر الخصال المذمومة ﴿لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ كفرهم ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ﴾ التوفيق لظلمهم في ﴿طَرِيقًا﴾ سبيلًا. ﴿طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ وهو الكفر ﴿خَالِدِينَ﴾ نصب على الحال للمهديين إلى النار ﴿خَيْرًا﴾ نصب على القطع عند الكوفيين وعلى المحل عند البصريين فكأنك قلت: أتيت خيرًا (١). ﴿لَا تَغْلُوا﴾ لا تجاوزوا الحد، و (الغالي): الفاحشبى، وغلوهم في دينهم: الإفراط في أمر المسيح ﵇، ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ أب أم وابن أو روح ونفس وعلم، ﴿إِنَّمَا اللَّهُ﴾ إنما هو خالق الأشياء كلها سبحانه تنزيهًا عن السوء. ﴿لَّنْ يَسْتَنْكِفَ﴾ لن يأنف أولًا رد على المخاطبين الذين يدعون لعيسى لنظم الكلام، ثم رد على من يشاكلهم كمن قال للأمير: لا تقاومني أنت ولا وزيرك ولا أتباعك، المراد بـ (البرهان): القرآن، وكذلك بـ (النور المبين). ﴿وَاعْتَصَمُوا﴾ بالله أو بالقرآن، ﴿فِي رَحْمَةٍ﴾: في نعمة وهي الجنة، ﴿وَفَضْلٍ﴾ ونعمة زائدة على الموعود. ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ نزلت في جابر بن عبد الله الأنصاري سأل ما يرث من

стр. 646

أخته وما ترث منه أخته، ﴿إِنِ امْرُؤٌ﴾ مرتفع بإسناد الفعل إليه، هلك: في محل الجزم، ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ لئلا تضلوا، حذف للاكتفاء. وعند البصريين بين كراهة أن تضلوا، والله أعلم. ***

стр. 647

سُورَةُ المَائِدَةِ مدنية إلى قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فإنّها نزلت بعرفات، وحكمها مدنية (١)، وهي ماية واثنتان وعشرون آية حجازي شامي. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ المواثيق الشرعيّة التي تكون عقدها طاعة عن ابن عباس (٢)، والحال تدل عليه وإنما ابتدأ بهذا الأمر لما أعقبه من الأوامر والنواهي وهي عقود وعهود كلها. ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث التمسك بعقد الإحرام في اجتناب الصيد. ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ الإبل والبقر والغنم (البهيمة) كل دابّة أبهمت عن العقل والتمييز واستبهمت عن الكلام وجمعه بهائم، و (الأنعام) جمع النعَم، وهي جمع لا واحدَ له من لفظه، ويقع هاهنا على البقر الوحشيّة والظباء والوعُول لقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْد [إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ استثنى من بهيمة

стр. 648

الأنعام والمراد به المشبه ونحوها ﴿مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾] (١) استثناء من حالِ المخاطبينَ تقديره غير محلين للصيد والواو في ﴿وَأَنْتُمْ﴾ للحالِ (٢) أيضًا. و (الصيد) اسم لما يصطاد والمراد هاهنا نعمَ الصيد أو كل ما يحل من الصيد في غير حالة الإحرام وإلا لما كان لتقييد الوصف بالإحرام فائدة. ﴿حُرُمٌ﴾ جمع إحرام (٣) قال الله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقال: ﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]. ﴿مَا يُرِيدُ﴾ تكون الإرادة بمعنى المشيئة فيدل على أنه ليس تحت حكم ولكنه متصرف على قضية مشيئة أو بمعنى المحبّة فيدل على أن الأحكام الشرعية كلها محبوبة مرضيّة محمودة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت في شريح بن ضبيعة بن شرحبيل أتى المدينة، وقال لرسول الله: إلى ما تدعو إليه؟ قال: "إلى (٤) شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة"، قال: إن ما تدعو إليه حسَن، ولكن لي قومًا لا أقطع الأمر دونهم، فقال: "لقد دخل هذا بوجه كافر وخرج بعقبى غادر، وما هو بمسلم" فمرَّ على سرح المدينة فاستاقها، فلما كان العام المقبل خرج هذا الرجل حاجًا في حجاج بكر بن وائل فاستأذن المسلمون رسول الله في التعرض لهم فأنزل. وعن السدي وابن جريج أن اسم الرجل حُطم (٥). ﴿شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ غير المعطوف عليه كالمواقيت التي لا

стр. 649

يجوز مجاوزتها بغير إحرام، وكالحرم لا يجوز القتال فيه ﴿الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ رجب، وعن عكرمة ذو القعدة (١) ﴿وَلَا (٢) الْقَلَائِدَ﴾ قال ابن عباس: حرم الله الهدايا (٣) المقلّدة وغير المقلّدة، وقيل: كان المشركون يقلّدون الإبل بلحاء الشجر تشبيهًا بالهدايا لئلا يُتعرض لها فأمر الله باجتنابها كالهدايا، وقيل: نهى الله عن إمساك القلائد بعد نحو البدن فإن سبيلها الصدقة وهي من صوف. قالت عائشة: كنت أفتل قلائد بدن رسول الله وهو في بيته يصنع ما يصنع الحلال (٤)، ﴿يَبْتَغُونَ﴾ حال ﴿آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ إنما نصب البيت لوقوع الفعل عليه ﴿فَضْلًا﴾ رزقًا ونعمة ﴿وَرِضْوَانًا﴾ على سبيل الظن كقولهم (٥): ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ إباحة ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يحملنكم ولا يستعملنكم، و (الاعتداء) أخذ البريء بالجاني؛ لأن الصدّ كان من جهة قريش، وهم كانوا يستحلون حجاج بكر بن وائل وقد قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. ﴿تَعْتَدُوا﴾ في محل النصب بأن يدل عليه سقوط النون ﴿وَتَعَاوَنُوا﴾ في محل الجزم على سبيل الأمر بدليل سقوط النون. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ﴾ الآية، لا بدّ من كون هذه المحرمات محرمة قبل نزول الآية، فإنها نزلت بعرفات عام حجة الوداع، وفائدة ذكرها التأكيد إذ ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ رأس آية تامّة حتى يكون النازل يوم عرفة قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٦) روي أن يهوديًا قال للفاروق: لو نزل علينا مثل هذه الآية يومًا لاتخذناه عيدًا، فقال: إنها نزلت يوم الجمعة وهو عيدنا ويوم عرفة وهو عيدنا، واستخرج بعض المنجمين أنه يوم دخول الشمس في برج

стр. 650

الحمل. قال ﵇: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض" (١) فكان هذا المستخرج يقول قوله ﵇ هذا حجة على جميع الفلاسفة حيث إنه علم ولم يكن منجمًا ولا صاحب منجم، ثم بين الله للمؤمنين محافظة حساب القمر دون الشمس؛ لأنه أحوط لأوقات العبادة. وروي أن اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية كان قد اتفق عند اليهود والنصارى والمجوس. ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ التي ماتت بالمنعِ عن التنفس ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ التي وُقذت بالعصا وضربت حتى ماتت ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ (٢) التي ماتت بالتردي (٣) من أعلى إلى أسفل ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ التي نطحتها صاحبتها فقتلتها. وذكر الأربع ليبين أن سبب الموت إذا كان ظاهًا لم يقم مقام الذكاة بخلاف السمك ﴿وَمَا أَكَلَ﴾ افترس السبع ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ ذبحتم، والتذكية: التطهير. وفي الحديث: "ذكاة الأرض يبسها" (٤) الاستثناء راجع إلى ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ وقيل إلى ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ فما بعدها، وشرط الاستدراك أن يكون حياتها واضطرابها أكثر من حياة المذبوح و ﴿النُّصُبِ﴾ ما نصب من الأوثان إلا أنه لا صورة له والصنم مصور (٥) ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ وذلك ما يتقامرون به، كانوا يجتمعون عشرة ويشترون جزورًا ويضربون بالأزلام -وهي القداح واحدها زلم وزُلم- يطلبون القسمة، فمنهم من ذهب باللحم ومنهم من غرم الثمن

стр. 651

لما وضعوا من الرسم، وربما كانوا يفعلون على وجه البر والصلة بزعمهم وصرفهم (١) ويصرفون ذلك إلى الفقراء (٢) مراءاة ومباهاة فحرّم الله ذلك على المسلمين ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى الاستقسام (٣) بالأزلام (٤). ﴿الْيَوْمِ﴾ اللام للمعهود وهو يوم عرفة، وقيل: المراد به الآن ﴿يَئِسَ﴾ قنط، كانوا من قبل يطمعون في رجوع المؤمنين لما يشاهدون من النسخ والتبديل فلما قرن الله الشرائع كلها ونفى المشركين عن الحرم وأبطل النسيء قنطوا ويئسوا، والكامل لا يحتمل الزيادة بخلاف التمام ﴿وَرَضِيتُ (٥)﴾ الواو ليس للعطف على العامل في اليوم؛ لأن الرضا لم يختص (٦) بذلك اليوم ﴿مَخْمَصَةٍ﴾ مجاعة، والأخمص: الضامر ﴿مُتَجَانِفٍ﴾ متمايل إلى الإثم (٧) كقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تقديره (فأكل غفر له) أو يدل على الرخصة في بيان المحرمات عند الضرورة ولذلك قام مقام الجزاء. ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ نزلت في زيد الخيل الذي سماه النبي ﵇ (٨) زيد الخير، وفي عدي بن حاتم الطائي سألا رسول الله عن حكم الصيد وما يحل من

стр. 652

الطيبات المذكيات أو غير الخبائث من السبع والحشرات (١) ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ من الشرط والجواب ﴿فَكُلُوا﴾ و ﴿الْجَوَارِحِ﴾ الكواسب من الفهود والكلاب و (التكليب) تعليم هذه الجوارح ونصب ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ حال (٢) ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حال أيضًا لمضارعته (٣). الاسم ﴿أَمْسَكْنَ﴾ جنس الصيد على الصائد ولا يأكلن منه بالتعليم لا بالإتقان إلا (٤) الدم المسفوح ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ على الصيد حالة إرسال الجوارح ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما أحل وحرّم، ذكر (سرعة الحساب) لتأكيد الزجر والتحذير في معنى الجزاء ومن نوقش في الحساب عُذِّب (٥). ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ذبائحهم، واذكروا عليه اسم الله وحده، وفائدة تحليل طعامنا لهم رفع الجناح عنا في إطعامهم ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ العفائف

стр. 653

غير الزانيات ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهنّ ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾ يجحد الإسلام وشرائعه، و (حبوط أعماله) (١) إنكاره الثواب ورضاه بأن يجازى على الإسلام. إنما قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ ليعلم أن الصلاة هي الصلاة المفتقرة إلى الوضوء دون القصد إليها وليعلم أنه شرط في صحة عبادته وليست بعبادة في نفسها (٢) ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ عن النوم (٣). عن ابن عباس وابن زيد: دلّت الآية (٤) الحال على أنهم محدثين، وممن خصّ المحدثين بالخطاب عن ابن عباس وسعد بن أبي وقاص وأبو موسى الأشعري وجابر بن عبدالله وابن عمر (٥). وصلَّى النبي ﵇ الصلوات كلها يوم فتح مكة بوضوء واحد فقال عمر: فعلت شيئًا يا رسول الله عمدًا؛ فقال: "لتبيين الشرع" (٦)،

стр. 654

ويجوز ترك الفضيلة لبيان الشرع، كتأخير المغرب عند تعليم المواقيت. و (الغسل) إمرار الماء على أعضاء الوضوء، فلولا قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ ماء لسقط الوجوب بالغسل بكل مائع و (إلى) بمعنى مع و ﴿الْمَرَافِقِ﴾ اسم لجميع الذراع (١) والعضد، (والمسح) إمساس الماء (والباء) للتبعيض كقولك أخذت بزمام الناقة، وقيل: للاستيعاب (٢) كقوله: ﴿وَلْيَطَوَّفُواْ بِاَلبيتِ العَتِيقِ﴾ [لحج: ٢٩]. وقد روي أنه ﷺ (٣) مسح على ناصيته (٤) و (الأرجل) الأقدام واحدها رجل ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ فاغتسلوا ﴿وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ لابتداء الغاية وهو أن يدفع يديه للمسح من الصعيد ويحتمل التبعيض. ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ إن أجريت الخطاب على العموم فالميثاق المذكرر ما التزمناه عند الدخول في الإسلام أو حين عقلنا الإسلام (٥) أو ما

стр. 655

أخذ الله بقوله علينا (١) قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقيل: الخطاب للمؤمنين من اليهود، و (الميثاق) ما أخذ الله عليهم في التوراة (٢)، وقيل: الخطاب لأصحاب الشجرة أو لأصحاب العقبة، والميثاق هي البيعة المأخوذة منهم ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ الضمائر، سمي للعرض هاهنا ذا جوهر، والجوهر في سائر المواضع ذا عرض فقال : ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] و ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] و ﴿ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾ لاتساع لفظ (ذا) وإطلاقه على جميع ما ينطلق عليه اسم الشيء؛ وهو إذا أضيف إلى شيء أعربه وخرج عن كونه مشارًا إليه، وهو عند الإضافة هو المضاف إليه في الحقيقة دون ما أضيف إليه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت في النبي ﵇ ذهب إلى اليهود يستقرضهم شيئًا في تحمل الدية فهمّوا بقتله فأنزل الله (٣)، وقيل: هي في صدّ قريش، و (العدل مع الكفار) أن لا يجاوزوا بالمثلة وقتل (٤) النساء والصبيان، والمقابلة بالبهتان ﴿هُوَ﴾ عائد إلى القتل، والتفضيل وقع على غير العدل مما ذكرنا. ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ المغفرة والأجر العظيم، وإنما ارتفع على الابتداء أو على أنه خبر اللام ولم ينتصب (٥) لأنه جاء محكيًا إذْ الوعد كالقول (٦).

стр. 656

﴿وَالَّذِينَ﴾ الواو للاستئناف ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ آخر مع خبره، خبر المبتدأ الأول. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عن جابر أن العرب همّوا (١) باغتيال رسول الله ﷺ ، فبعثوا إليه أعرابيًا ورسول الله نازلٌ تحت شجرة علّق فيها سلاحه وقد تفرق عنه أصحابه مستظلين تحت العضاة (٢)، ففجئه الأعرابي شاهرًا سيفه وقال: مَنْ يمنعك مني؟ قال: "الله"، وكرر الأعرابي كلامه ثالثًا وكرر النبي ﵇ (٣) جوابه، فصرف الله المخذول عنه فرجع خائبًا فأنزل (٤)، وعن ابن عباس: أن اليهود صنعوا طعامًا ودعوا رسول الله يريدون به القتل فأعلمه الله وصرف كيدهم (٥)، ثم ذكر منّته على المؤمنين بذلك، وعن مجاهد والسدي وأبي مالك وعكرمة أنه ﵇ كان صالح اليهود من قريظة والنضير على أن يقرضوه إذا استقرضهم فيما يحتاج إليهم من الديات، ثم إن عمرو بن أمية الضمري قتل قتيلين من الأسلميين خطأ، فذهب النبي ﵇ (٦) معه أبو بكر وعمر وعلي إلى بني قريظة يستقرضهم شيئًا في دية القتيلين، فقالوا: مرحبًا بأبي القاسم، ثم قالوا: إخواننا بنو النضير لا نقضي دونهم شيئًا ترجع اليوم وتأتينا يوم كذا، ثم تآمروا فيما

стр. 657

بينهم وأجمعوا على الفتك به يوم الميعاد، فلما أتاهم يوم الميعاد أجلسوه مع أصحابه في صفة وخرجوا يرفعون الأسلحة وينتظرون كعب بن الأشرف وكان غائبًا، فلما كاد يتم كيدهم أطلع الله نبيه على ذلك فخرج ولم يُعلم أحدًا من (١) أصحابه لئلا يقابلوهم بالشر، ثم (٢) خرج (٣) واحد بعد واحد في أثره فأنزل الله الآية (٤). وسبب اختلاف الرواة في مثل هذه الآية غيبتهم عن النبي ﵇ وقت النزول ومشاهدتهم إياه يتلوها في حادثة مثل ما نزلت فيه، وكانوا يظنون أنها نزلت في (٥) ابتداء ﴿هَمَّ﴾ أراد وقصد ﴿أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ أن يصيبوكم بمكروه ويبسطوا عليكم يقال: بسط يده بسطًا، ومنه قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٩٣] وقال هابيل لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ﴾ [المائدة: ٢٨]. (النقيب): فوق التعريف سمي نقيبًا لكونه بالمرصاد من قومه لا ينفذ لهم أمر دونه (٦)، والنقب الطريق (٧). والنقباء اثنا عشر الذين اختارهم موسى ﵇ وبعثهم عيونًا إلى العمالقة فنصح لله اثنان وخان عشرة، وقيل: هم كفلاء الأسباط وضمناؤهم، وكان لكل سبي كفيل وضمين، وقيل: هم ملوك بني إسرائيل منهم من أوفى بالعهد ومنهم من نقض العهد (٨) ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾

стр. 658

بالموالاة قبل التحريف والتبديل، والخطاب لبني إسرائيل، و (تعزير الرسل): موافقتهم ومظاهرتهم، وقيل: تعظيمهم وتوقيرهم. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ (١)﴾ جواب لقوله: ﴿لَئِنْ﴾. ﴿وَنَسُوا﴾ تركوا (٢)، وقيل: تغافلوا حتى خفي عليهم وذهب عنهم عمله. ﴿تَطَّلِعُ﴾ افتعال من الطلوع وهو الوقوف على الشيء، و (الخائنة): الخائن دخلت الهاء للمبالغة، وقيل: صفة للطائفة، وقيل: مصدر كالعاقبة والكاذبة، وخيانتهم مكرهم (٣) ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ عبد الله بن سلام وأصحابه ﴿فَاعْفُ﴾ اترك محاربتهم ما لم يظهروا عدوانهم، وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً (٤)﴾ [الأنفال: ٥٨] الآية. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ دليل أنهم لُقِّبُوا بهذا اللقب مبتدعين من عند أنفسهم (أغرينا) هيجنا وسلطنا بينهم؛ بين فرق النصارى، فتفرقوا اثنتين وسبعين فرقة، وقيل: بين اليهود والنصارى، وأسباب المودة والعداوة وغيرهما لا تنقطع إلا يوم القيامة فيومئذ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ [القصص: ٦٦]، وكانت أفئدتهم هواء ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ﴾ تهديد ﴿يَصْنَعُونَ﴾ يفعلون.

стр. 659

﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ترك بيان ما بدلوه من الفروع في شرائعهم لم نؤمر به ولا نهينا عنه في شريعتنا، وقيل: عفوه عن كثير كان معلقًا بشرط الإسلام فإن الإسلام يهدم ما قبله. ﴿نُورٌ﴾ نبينا (١)، وقيل: الكتاب. ﴿رِضْوَانَهُ﴾ نصب بـ (اتبع) و ﴿سُبُلَ (٢) السَّلَامِ﴾ بأنه مفعول ثان للهداية (٣) والمفعول الأول ﴿مَنِ اتَّبَعَ﴾، وذلك من ابتغى رضوان الله بمحافظة الواجبات العقلية هداه الله بالوحي طريق السلام وهي ما وعد الله عليه الجنة من الفروع السماعية مثل دار السلام، والسلام اسم الله، وقيل: السلامة عن الآفات، وإنما ذكر (ليخرجهم من الظلمات إلى النور) لينبه على التوفيق بعد الهداية، ثم بيّن أن سُبل (٤) السلام تؤدي إلى العدل والحق وذكر اللفظين تأكيدًا. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ (٥)﴾ دخل فيها كل نصراني اعتقد أن المسيح أو شيء فيه حادث (٦) غير محدث أو ادعى ثلاث أقنومات أو أقنومين ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: لا يقدر أحد صرف مشيئة الله وإرادته، وقيل: إن هلاك (٧) المسيح وأمه متصور. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وإنما خصّ لاستيعاب غاية جهات

стр. 660

فوق و (١) غاية جهات تحت ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من الحيوان والنبات وغيرهما (٢) ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ يدل على أنه يخلق اختيارًا واقتدارًا من غير احتياج واضطرار (٣). ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ إنما ادعوا البنوة لما رأوا أن الله قال ليعقوب ﵇: ولدك بكر ولدي، فإن صح فتأويله عندنا إضافة مُلك، كما يقول صاحب الماشية: تاجي ورسلي، ثم أن بعضهم قال: ولد الله وبعضهم قال: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] فكذب الله الطائفتين بكونهم بشرًا مدبرين مقهورين، ودعواهم المحبّة مبنية على دعواهم الأولى، والتعذيب بالذنب لا ينافي المحبّة لجواز أن يكون إرادة للخير، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] ﴿مِمَّنْ خَلَقَ﴾ من جنس سائر الناس. ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ على وجه الحال تبيينًا لكم ما لا يتبين بالعقل دون السماع ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ على حين فترة: يعني مدة ما بين عيسى ونبينا ﵉. ولد عيسى ﵇ في الشام في ولاية هوادش الإسرائيلي وهو والٍ من تحت يد قيصر، فخافته مريم فاحتملته إلى ناصرة فنشأ هناك وكان الزمان زمان الطوائف بعد الإسكندر، وقيل: أن جرجيس كان بعد عيسى وكان تلميذًا لبعض الحواريين، وقيل: الفترة ما بين جرجيس ونبينا ﵇ وهذا (٤) ليس بسديد لأن جرجيس لم يوصف بالرسالة واختلف في نبوته (٥)، وقيل: الفترة ما بين الثلاثة المرسلين الذين قصتهم في سورة يس ونبينا ﵇، وقيل: الفترة ما بين خالد بن سنان العبسي ونبينا ﵇، ولا

стр. 661

يعلم كميّة سنين الفترة أحد حقيقة إلا الله آمنا بالله وبجميع أنبيائه (١). أرسل نبينا ﵇ ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ختم به النبوة فلا نبي بعده ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ فإن الله تعالى حسم بإرسال الرسل احتجاجًا باطلًا، لو لم يرسل لما كانت للناس حجة صحيحة، والخطاب هاهنا لأهل الكتاب ولا خلاف في وجوب الإيمان عليهم. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ العامل في (إذ) قوله: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى﴾ والعامل في (إذ) (٢) الثانية ما في النعمة (٣) من معنى الإنعام ﴿فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ موسى وهارون ومن بعدهما من الأسباط ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ باستيلاء يوسف على مصر. ثم يردهم إلى ما ترك آل فرعون من جنات وعيون ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ابتلاء آل فرعون بأنواع من العذاب لألجهم وفرق البحر وأنزل التوراة في الألواح إليهم ومناجاة السبعين منهم والتوبة عليهم حين اتخذوا العجل. ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا﴾ حين خرج بهم (٤) من مصر غازيًا غير هاربٍ وهي الخرجة الثالثة له والثانية لقومه ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أوجب الله لكم ملكها ميراثًا من أبيكم إبراهيم، وقالوا بعد ما رجعت (٥) العيون إليهم وهم

стр. 662

اثنا عشر نقيبًا من اثني عشر سبطًا بعثهم موسى ﵇ ليأتوه (١) بأخبار (٢) الجبابرة وهم: العمالقة، وقيل: كانوا من ولد روم بن عيصو بن إسحاق وأوصاهم أن لا يقولوا إذا رجعوا إلا ما يزيدهم حرصًا وإقدامًا، فذهبوا وأقاموا بين الجبابرة أربعين يومًا يتعرفون مداخل الأمر ومخارجه، فلقيهم رجل من العمالقة فجعلهم في كساه وذهب بهم إلى مَلِكِهم فألقاهم بين يديه، فتعجب الملك منهم وحذرهم وصرفهم إلى موسى ﵇ وزودهم شيئًا من ثمارهم، قيل: أحمل أربعة (٣) منهم عنقودًا واحدًا من العنب، وأربعة منهم نصف رمان، فلما حصلوا في معسكر بني إسرائيل خالفوا موسى ﵇ وذكروا من عظم أجسام القوم وشأنهم (٤) ما هال بني إسرائيل إلا رجلان يوشع بن نون وكالوب بنيوفنا فإنهما ذكرا كثرة النعمة وشدة خوف العدو وما فيهم من الفشل والجبن، فتمكن الخوف في قلوب بني إسرائيل بقول العشرة وخرجوا عن أمر موسى ﵇ (٥). وقالوا ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ أقوياء عظام الأجسام. وقد يكون الجبار بمعنى العاتي وبمعنى القاهر (٦)، قيل: إنهم كفروا بذلك القول، وقيل: لم يكفروا لأنهم لم يمتنعوا عن الدخول (٧) أصلًا ولكن جادلوه على سبيل

стр. 663

المشاورة كما جادل المؤمنون نبينا ﵇ حين أراد الخروج إلى بدر يدل عليه قوله: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾. ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ يوشع بن نون وغالب بن يوفنا ﴿يَخَافُونَ﴾ أي يخافون الله في مخالفة أمره، مثل موسى وهارون ﵉ (١)، وقيل: من الذين يخافون العمالقة لم يتشككوا في وعد الله، وقيل: الرجلان رجلان من العمالقة آمنا بموسى في السرّ وكانا يخبرانه بأخبار قومهما ويحرضان بني إسرائيل عليهم وهذا من العمالقة كانوا يخافون بني إسرائيل. ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا﴾ نفي في المستقبل نظير (قط) في الماضي (٢) ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ يدل على جهلهم وكفرهم (٣) ﴿قَاعِدُونَ﴾ خبر ﴿إِنَّا﴾ ورفع الأنفس. ﴿وَأَخِي﴾ وإنما استثنى أخاه دون الرجلين المنعم عليهما؛ لأن أخاه كان رسولًا معصومًا ما فرق في الأحكام العقباوية، وقبل أن يخرجه من بينهم فأجاب الله دعوته وأخرجه من بينهم ومكنه (٤) من عوج بن عنق، وقيل (٥): لا

стр. 664

تحبسنا في التيه معهم (١)، ولذلك روي أنه وأخاه يقدران على الخروج ولكنهما كانا يلزمان قومهما لأنهما كانا مبعوثين إليهم. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا﴾ يعني (٢) الإرض المقدسة ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ تحريم كينونة لا تحريم شرع ﴿أَرْبَعِينَ سَنَة﴾ نصب على الظرف للتحريم ﴿يَتِيهُونَ﴾ يحارون (٣) ويضلون، قال: الأرض (٤) تنبيه وبلاد تيه (٥) ﴿فَلَا تَأْسَ﴾ فلا تحزن، وإنما سماهم (فاسقين) تصديقًا لموسى ﵇ وليكون أبلغ في تسليته. ﴿ابْنَيْ آدَمَ﴾ قابيل وهابيل، قال وهب: إن آدم كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، وكان الرجل منهم يتزوج أخته توأمته، فأبى قابيل أن يتزوج (٦) توأمته أخوه هابيل وقال: أنا أحق بها، فغضب آدم وقال: اذهبا وتحاكما إلى الله بالقربان فأيكم قُبل قربانه فإنه (٧) هو أحق بها، فقربا القربان (٨) بمنى، فنزلت نار فرفعت قربان هابيل ولم ترفع قربان قابيل، فازداد قابيل غيظًا وحسدًا فاغتال هابيل فرضخ رأسه بحجر وهو نائم واحتمل توأمته وذهب بها إلى واد من أودية اليمن في شرقي عدن، فكمن

стр. 665

فيه، ووجد آدم هابيل قتيلًا وقد نشقت الأرض دمه، فلعن الأرض، فمن أجل لعنته ﵇ تنشقت الأرض وأنبتت الشوك (١). وقيل: لما أراد آدم ﵇ أن يخرج إلى حج بيت الله تعالى استحفظ السماء أهله فأبت، واستحفظ الأرض فأبت، واستحفظ الجبال فأبين، وقبلهم قابيل على أمانة الله تعالى ثم خان الأمانة فاغتال هابيل، ورأى آدم ﵇ الشجر قد اشتاكت والماء قد ملح والأرض قد تغيرت عن بهجتها فأنكرها وأحسّ بشرِّ، فلما رجع إلى أهله لم يجد هابيل فعلم أنه مقتول. قال عمر لكعب: أي ابني آدم نسل؟ قال: ليس لأحدهما نسل أما المقتول (...) (٢)، وأما القاتل فهلك نسله في الطوفان، فالناس من بني نوح ونوح من بني شيت، وفي التوراة أن شيت بدل من هابيل وخلف منه، وقيل (٣): اسم توأمة قابيل أمليما واسم توأمة هابيل لبودا (٤). وكان قابيل صاحب حرث وقربانه شيء من شر زرعه، وهابيل كان راعي غنم وقربانه كان: حمل (٥) سمين ولبن وزبد، وقيل: الكبش العظيم الذي فداه ابن إبراهيم ﵇ به هو ذلك الحمل (٦) الذي كان يقرب به هابيل، وعن الحسن والضحاك أن ابني آدم رجلان من بني إسرائيل (٧) نسبهما إلى أبيهما الأعلى كما نسبنا إليه، وقال: يا ابني آدم قابيل ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ وهو يدل على قسم مضمر فقال هابيل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ﴾ من الذين يتقون مخالفة الله في التزويج.

стр. 666

﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ﴾ قال هابيل: وإنما لم يبسط إليه يده (١) لأنه توعده بالقتل ولم يقاتله جهرًا فأخبره بذلك ليستميله بذلك ويدعه إلى السلم وينبهه على عظم وبال القتل، وقيل: إنهم كانوا متعبدين بترك الدفع. ﴿بِإِثْمِي﴾ أي بإثم قتلي ﴿وَإِثْمِكَ﴾ أي: وإثم ما ارتكبته وعصيان في التزويج (٢) (والإثم) هاهنا: وبال الفجور، فلا إثم عليه، فلا وبال عليه. ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ﴾ أي: جعلت القتل فعلًا متأنيًا سهلًا طوعًا ﴿فَأَصْبَحَ﴾ صار، وكان ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ المغبونين (٣) بذهاب الدنيا والآخرة، روي أن آدم ﵇ دعا عليه وقال له: كن خائفًا لا يلقاك أحد إلا خفته، فصار يفر ويتوحش وكل من رآه رماه بحجر حتى قتله (٤) بعض ولد ولده، وعن علي بن الحسن بن علي قال: أوّل دم وقع على الأرض دم حواء من حيضها وقتل يومئذ سدس الدنيا يعني هابيل؛ لأنه كان أحد الستة من أبويه وأخيه وأختيه وكأنه لم يكن لآدم ﵇ يومئذ ولد غيرهم، قال: ووكل بقابيل ملكان يطلعان به مع الشمس ويغربان (٥) به مع الشمس وينضحانه بالماء الحار إلى يوم القيامة (٦). ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ قيل إن الله تعالى بعث غرابين وقيض أحدهما ليقتل الآخر فقتله ثم واراه في التراب و (البحث) رفع ظاهر الأرض

стр. 667

لكشف باطنها ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ ليدله وينبهه على قبر أخيه فإنه لم يقبر أحد قبل هابيل، عن ابن عباس: أنه بقي معه سنة (١)، وعن مجاهد أنه بقي معه مائة سنة (٢)، وقيل: مائة يوم لا يدري ما يصنع به وكيف يخفيه، وإن أجرينا على قول الحسن والضحاك فمعناه ليذكر قتل أخيه فإنه تحيّر ودهش ونسي (٣) القبر، والأول أصح. و (السوأة) (٤) العورة (٥) سميت سوأة لأنها تسوء الرائي وتوحشه، وأراد هاهنا: الجسد كله ﴿يَا وَيْلَتَا﴾ نداء للويلة، والويل والويلة بمعنى، والألف في ويلتى إما للندبة أصله يا ويلتاه، وإما بدلًا من الإضافة وأصله يا ويلتي بترقيق الياء، والمقصود بنداء ما لا يجب تنبيه للنفس أو السامعين على فوق ذلك الشيء وأوانه (٦) ﴿أَعَجَزْتُ﴾ استفهام بمعنى التعجب، والعجز عن القدرة كالموت من الحياة، قيل: هو عدمها، وقيل: هو معنى يضادها و (أصبح) صار ﴿مِنَ النَّادِمِينَ﴾ على قتله. وإنما لم ينفعه الندامة لقوله ﵇: "ثلاث لا تقبل توبتهم: إبليس رأس الكفرة، وقابيل رأس القتلة، ومن قتل نبيًا أو قتله نبي" (٧) والندامة لم تكن توبة لهم

стр. 668

كالذين اتخذوا العجل من بني إسرائيل، وقيل: ندم عند معاينة البأس وحلول العذاب. ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ من جراه وجرايته وجريرته وخيانته ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى القتل ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي: بغير قصاص عن نفس ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ يبيح الدم كزنا المحصن والارتداد ومحاربة الله ورسوله في التلصص أو الكفر ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ لأنه قد سبب قتلهم وسن بسنة القتل وقتل جميع المقتولين دون غيرهم ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ سبب حياتها بفداء ودواء أو نصرة أو عفو، وإنما قال أحيا الناس لئلا يكون الثواب أقل من العقاب ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يعني بني إسرائيل. ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث القتل. قال ابن عباس: نزلت في شأن المشركين وحكمها بتناول المسلمين إلا في خصلة واحدة (١)، وهي التوبة قبل القدرة فإنها مختصة بالكفار، عن ابن عباس: ﴿الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ تعني يحاربون أولياء الله، والعقوبات مرتب على الجزاء، ثم إن أخافوا (٢) الطريق نفوا من الأرض، وإن أخذوا المال (٣) ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا، وإن أخذوا المال (٤) وقتلوا قتلهم الإمام وصلبهم وله أن يقطعهم ثم يقتلهم ثم يصلبهم ليكون القطع ثأر الأخذ والقتل ثأر القتل والصلب للجمع بين المحظورين، والنفي عندنا بالحبس حيث (٥) يستصوبه الإمام، والصلب بعد (٦) القتل. وروى الحسن بن زياد وعن أبي حنيفة أنه

стр. 669

يصلب حيًا ثم يطعن في نحوه، وإن أخذوا مالًا ولم يخص كل واحد عشرة دراهم لم يقطعوا وضمنوا المال، ومن يغلب في الأمصار فقتل ونهب لم يكن حكمه حكم قطاع الطريق، قوله ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يدل على أن عقوبتهم [من غير توبة لم تقع طهرة له ولذلك لا يصلى عليهم. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الاستثناء رفع حكم قطاع الطريق دون غيره] (١) من الضمان والقصاص والأرش، وقيل: على توبة الحارث بن زيد، وقال أبو موسى الأشعري وأبو هريرة: توبة فلان الأسدي. ﴿إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ القربة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ وخبره جملة من شرط وجواب، فالشرط لواو الجواب واو اللام مقدرة. وروي عن أبي حنيفة عن يزيد بن صهيب عن جابر بن عبد الله قال: سألته عن الشفاعة قال: يعذب الله أقوامًا من أهل الإيمان ثم يخرجهم بشفاعة محمد ﵇، قلت: فأين قوله ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾؟ قال: هي (٢) في الذين كفروا وقرأ ما قبلها (٣) ﴿يُرِيدُونَ﴾ يتمنون ﴿أَنْ يَخْرُجُوا﴾، ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دائم مستمر. ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن

стр. 670

الآية نزلت في طعمة بن أُبيرق سارق الدرع (١)، فتحتمل أن امرأة كانت معه ﴿أَيديَهُمَا﴾ واحدة من كل واحد منهما لأن العضو الواحد إذا أضيف إلى اثنين جمع كقوله ﴿فَقَد صَغَت قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] يدل عليه قراءة ابن مسعود ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾ (٢) ولكل إنسان يمين واحد. [﴿فَمَنْ تَابَ﴾ من السارق والسارقة وألفاظ (٣) العموم (من) فيمن يعقل (٤) و (ما) فيما لا يعقل (٥)، وأي: وكل واحد] (٦) ومن أحد والذي إذا كان بمعنى الشرط ولام التعريف إذا لم تفد المعهود والتنكير في النفي. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث ذكر التصرف في المماليك بالقتل والقطع والصلب على سبيل المجازاة. ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ﴾ نزلت في المرجفين من اليهود والمنافقين منهم أبو لبابة مروان بن عبد المنذر الأنصاري قال لبني قريظة بلسانه: انزلوا، وأشار إلى حلقه (٧) بيده ينذرهم بالذبح حين استنزلهم (٨) رسول الله على حكم معاذ (٩)، وقال: تاب أبو لبابة هذا بعد ذلك وقال: ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله (١٠) ﴿لَا يَحْزُنْكَ﴾ لا يغمك، نهي
следующие страницы →