← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

لا يحكم بتحريمه إلا لمعنيين، إما لمعنى لا يسد باب القياس ويطرد في جميع المعلومات أو أكثرها، وإما للتوقيف بالوحي، وتحريم هؤلاء الكفار لم تكن على شيء من هذين الأصلين لأن علة الذكورة وعلة (١) الأنوثة منكسر ولا يطرد في الجميع، وكذلك علة اشتمال (٢) الأرحام وهو التحافها واحتواؤها وعلة كون الولد بطنًا سابعًا أو عاشرًا أو علة كون الولد توأمين كانت سقيمة لسد باب القياس ولكونها مما لا يتوصل إليه إلا بالتوقيف فبطلت المعاني كلها ووقع الإفحام واتضح الالتزام. ﴿الْإِبِلِ﴾ اسم جنس يتناول الجمل والناقة، وفائدة تكرار النظم الأول صحة السؤال واستئناف الالتزام، ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ مطالبة بالتوقيف الذي يكون بالوحي وفائدة المطالبة هو الإفحام فلم يجسروا على دعوى الوصية لخوفهم المطالبة بالبرهان فأفحموا عن الجواب وانقطعوا في الحال. ﴿لَا أَجِدُ﴾ إخبار عن الحال دون الاستقبال و (الميتة) اسم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، ووصف الدم بالمسفوح يفيد إباحة غيره كالكبد والطحال وما يتعلق باللحم والمخ، وذكر الخنزير بعد ذكر الميتة لئلا يظن ظان أنه يطهر بالذكاة بخلاف سائر السباع، ثم بين المعنى وقال: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ أي: نجس مكروه مستقذر تعافه النفوس غالبًا وأن يكون ﴿فِسْقًا﴾ وسائر المحرمات فغير محرم بالكتاب ولكنه مسكوت عنه. ﴿ظُفُرٍ﴾ اسم عام، قال ابن عباس: أنه كل ذي حافر ما ليس بمنفرج الأصابع كالبعير والإوزة والبط (٣)، وعن القتبي (٤) أنه كل ذي حافر، وقيل:

стр. 737

كل ذي برثن، ﴿شُحُومَهُمَا﴾ جمع شحم وهو ما يذوب دهنًا، ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ ما اختلط باللحم من البياض وقيل: الإلية، و ﴿الْحَوَايَا﴾ المباعر والمصارين، وهي معطوفة على المستثنى، وقيل: على المستثنى منه (١)، ﴿مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ ما على العظم من دسم. ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ يعني اليهود، وهم كانوا يأتون مكة تجارًا ويأتونها قاصدين رؤية النبي ﵇، وقيل: كذبته قريش وكذب الرحمة هو التنبيه على الإمهال لئلا يغترّوا بسلامة الحال، وكذلك ذكر اليأس بعد الرحمة. ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ لما علموا أن النبي ﵇ يثبت القدر خيره وشره من الله وينفي وجود الشيء من غير مشيئة الله، توهموا أن كل ما شاء الله رضيه (٢) كما ظنت القدرية (٣) فاحتجوا بالمشيئة وحسبوها عذرًا فبين أن لو أثبتوا المشيئة لأثبتوها على أنفسهم لا لأنفسهم، كذلك تشبيه بقوله ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ [يونس: ٤١]. ﴿الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ التي بلغت كل مبلغ في الصحة والبيان.

стр. 738

﴿هَلُمَّ﴾ تعال وأقبل (١)، وإذا قلت: هلم كذا فمعناه هاته يجري مجرى الحروف، ﴿شُهَدَاءَكُمُ﴾ أي: يأتوا بشهداء عدول من غير أنفسهم فإنهم مدعون، فلو قامت دعواهم مقام الشاهد لكان الشيء المشكوك فيه حجة لنفسه وهذا لا يكون إلا بالإعجاز، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾. ﴿إِمْلَاقٍ﴾ إعدام وإعسار، و ﴿الْفَوَاحِشَ﴾ جميع المعاصي، وقيل: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ نكاح المحرمات والزنا، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ اتخاذ الأخدان، وقيل: ﴿مَا ظَهَرَ﴾ فعل الجوارح، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ فعل القلب، ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ القصاص، قتله الولي وكذلك المرجوم. ﴿إِلَّا بِالَّتِي﴾ بالجهر التي هي أحوط، والخصلة التي هي أحسن ﴿أَشُدَّهُ﴾ جمع شد (٢) وأشد الرجال ما بين خمس عشرة إلى ثمان عشرة سنة حتى أربعين سنة و ﴿الْكَيْلَ﴾ اسم لوعاء مقدر يقدر به الحبوب، ورفع الجناح فيما يتعذر حفظه من الحبات والقراريط في الكيل والوزن، ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ﴾ أي: شهدتم، (عهد الله) شرائع الإسلام، وقيل: اليمين المعقودة باسمه.

стр. 739

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ قال ابن عباس: هذه الآيات المحكمات التي لم تنسخ في شريعة (١) وهي أم الكتاب لأنها إمام التوراة والإنجيل والقرآن، من أخذ بها أوصلته إلى الجنة، وقال ابن مسعود ﵁: "خط رسول الله خطًا" وقال: "وخط بجنبه الخطوط" (٢) ... الخبر وهو التمسك بالكتاب والسنة وطريق الفقهاء. ﴿ثُمَّ آتَيْنَا﴾ يعني: أنزل هذه الآيات على موسى ﵇ أولًا ثم آتاه الكتاب، أو التراخي في الإخبار كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، ﴿عَلَى الَّذِي﴾ على من أحسن معناه تتميمًا على المحسن دينه أو ثوابه أو النعمة عليه. ﴿مُبَارَكٌ﴾ نعت الكتاب. ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ متصل، ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: لأن تقولوا، وهذا خطاب لقريش وأمثالهم، ﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ﴾ اليهود والنصارى. ﴿أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ من الطائفتين. ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ دليل أن إتيان الرب صفة له لا يجوز حملها على إتيان الأمر إذ الشيء لا يعطف على نفسه (٣)، ﴿آيَاتِ﴾ الآيات الملجئة كخروج دابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها وفتح سدّ

стр. 740

يأجوج ومأجوج، ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا﴾ معطوف على قوله ﴿إِيمَانِهَا﴾ إذ هو فعل في الحقيقة، والمعنى لا ينفع إيمان كافر ولا عمل مؤمن بعد المعاينة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ يتناول اليهود وأرباب الأهواء والمصلين إلا المتمسكين بالكتاب والسنة، ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ﴾ أي: لا يجمعك وإياهم شيء من أسباب الموالاة، ثم أرجأ أمرهم إلى الله على سبيل التهديد. ﴿أَمْثَالِهَا﴾ ثوابها والمماثلة نفع بالحسن وبكونها فرضية. وإنما حسن عطف المحيا والممات على الصلاة والنسك لمعنيين؛ أحدهما: أن الإضافة إضافه ملك فكلها مملوك لله تعالى مخلوق له موجود بمشيئته وإنشائه وتسببه، والثاني: أراد بالمحيا ما يوجد في الحياة من نية صالحة وهمة محمودة، وما يوجد من التأهب للموت والاستعداد له. و (المحيا) يجوز أن يكون مصدرًا كالمركب والمشعر ويجوز أن يكون اسمًا كالملبس والمطعم. ﴿أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ في عصره. ﴿خَلَائِفَ﴾ جمع خليفة، ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ أي: في المعيشة، وقيل: في العلم والسيرة، وإنما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ لأن المخاطب هو رسول الله يدل عليه ما قبله ﴿قُلْ﴾ ثم ذكر الأحكام. وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ خارج عن ذلك الحكم صادر على أصل الخطاب والوصف بسريع العقاب لا يضاد الوصف بالحليم؛ لأن السرعة غير العجلة تدل عليه أن العجلة لا تدع الرجل أن يمهل من القلق والضجر، وأما السرعة فلا تمنعه من الإمهال ولكنه إذا ابتدأ بالأمر لم يبطئه شيء، والله أعلم. ***

стр. 741

سُورَةُ الأَعْرَافِ مكية، وعن ابن عباس وقتادة (١) إلا خمس آيات نزلت بالمدينة من قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، وهي مائتان وست آيات مدني كوفي وخمس بصري (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿المص (١)﴾ قال ابن عباس: أنا الله أعلم وأفصِل (٣)، ويحتمل أن يكون الصاد إشارة إلى الفصل أي إلى هذا الفصل (٤). ﴿كِتَابٌ﴾ فإنّ السور (٥) فصول لا محالة، ويحتمل إشارة إلى الصدق؛

стр. 742

أي أن الله أعلم أو أصدق أو (١) الرسول صادق أو الوحي صدق (٢) ﴿حَرَجٌ﴾ شك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي (٣) أي لا تشكن في ظهوره وانتشاره، أو في نفسه وعينه، وقال الفراء والزجاج: المراد بالحرج (٤) الخوف (٥)؛ أي لا تخافن من عجزك عن القيام به، فإنّك موفق لتبليغه، أو من ردّهم وإنكارهم فإنك منصور عليهم، والضمير في ﴿مِنْهُ (٦)﴾ عائد إلى الإنذار على سبيل التقديم والتأخير ﴿وَذِكْرَى﴾ عطف على (كتاب). ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ الفاء بمعنى الواو كقولك: أعطيتني فأحتسب إلى، وقيل: المراد بالإِهلاك خشية الإهلاك، وبمجيء البأس إمضاء الحكم وإتمامه فلذلك عقب، وفي قوله ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ واو مضمرة (٧) للحال أي: وهم قائلون، والقيلولة: النوم والاستراحة في نصف النهار، يقول (٨): قلت أقيل قائلة وقيلولة. ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾ قولهم وكلامهم الذي يكررونه ويتخذونه عادة كما

стр. 743

في قوله: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] وإنما ذكر دعواهم ليعلموا أن عاقبة أمرهم (١) الندامة والاعتراف. ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ ﴿فَعَمِيَتْ (٢) عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦]، وأما المرسلون فيقولون: لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب. (الغيبة): الزوال عن مكان، و (الموازاة) و (الوزن) تسوية الحساب ومقابلة الحسنة بالحسنة والسيئة بالسيئة كوزن الشَّعر عن قتادة ومجاهد والضحاك والأعمش (٣)، وفي الحديث: "إن العبد المؤمن يؤتى بتسع وتسعين سجلًا، كل واحد منها مدّ البصر، فيها خطاياه وذنوبه، فتوضع (٤) في كفّة الميزان، ثم يخرج له بطاقة من تحت العرش بمقدار الأنملة فيها شهادة ألا إله إلا الله فتوضع (٥) في كفة أخرى، فيقول: يا رب ما تزن هذه البطاقة مع هذه الصحف؟! فطاشت الصحف ورجحت البطاقة"، فيه دليل على أن الموزون هو الدواوين ونسخ الأعمال، هكذا روي عن ابن عمرو (٦)، من فحوى ظاهر قوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ [الفرقان: ٢٣] أن الأعمال تعاد وتقلب جواهر للوزن، وقوله ﵇: "ترى الرجل (٧) الطويل العظيم الأكول الشروب لا يزن عند الله يوم القيامة بجناح بعوضة" (٨) يدل على وزن أجسام العاملين،

стр. 744

ولا تنافي بين هذه الأقاويل لإمكان الجمع بين أن يحاسب العبد ثم يوزن بدواوينه ثم يوزن أعماله ثم يوزن نفسه كما يبتلى في الدنيا مرة بعد مرة وكذلك في القبر والقيامة ﴿الْحَقُّ﴾ العدل. ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ﴾ بالخير ﴿مَوَازِينُهُ﴾ جمع الميزان، إنما يوزن (١) كل جنس من عمله على حدة فيصير الميزان موازين في حقه، وأما لاعتبار طريقة العرب أنهم يجمعون الشيء بأجزائه. ﴿مَعَايِشَ﴾ جمع معيشة وهي ما يعاش به من القوت، والعيش امتداد الحياة. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ يعني خلق الطينة ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ (٢)﴾ يعني تصوير النفس الجامعة لصور (٣) الناس وهو نفس آدم ﵇، وقيل: ثم لترادف الأخبار دون الأشياء (٤) المخبر عنها، والتصوير إمالة الأشكال. قال الله (٥): ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ حبسك ﴿أَلَّا (٦) تَسْجُدَ﴾ أي عن أن تسجد، ويحتمل: ما حملك (٧) على أن لا تسجد ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ أي لم يسجد، وقيل: لم يكن من جنس الساجدين لأنه أدخل في جملة المخاطبين على (٨) طريق التتبع (٩) لكونه دخيلًا ملحقًا. قال: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ من وجه الزجر إلى المستنقعات من السواحل والجزائر، وعن مقاتل: من الجنة، وعن مجاهد: من السماء، وعن

стр. 745

أبي روق (١): من صورته لأنه مسخ لافتخاره بنفسه، وليس لأحد أن يتكبر في مواضع الملائكة ولا في سلطان غيره وفعل غيره. ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي﴾ أجِّلني وأمهلني، قال على وجه المكايدة (٢) وإرادة (٣) لتأخير العقوبة، فأمهله الله تعالى استدراجًا ليزداد إثمًا فيزداد عقوبة (٤)، وقيل: ظن اللعين أنه إن أمهل إلى ذلك الوقت أمهل عن الإماتة وسلم عن ذوق الموت من حيث إنه يوم حياة لا يوم موت، فألبسه الله تعالى وأبهم الإنطاق، وقيل: أجابه إثابة له على (٥) عبادته المتقدمة لئلا يبقى له في الآخرة إلا النار. قال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ فبإغوائك إياي، والباء للقسم والسبب أو المقارنة (٦) و (الإغواء) الإضلال عن ابن عباس (٧) ﴿لَأَقْعُدَنَّ﴾ جواب قسم ومعناه إعراضه عن شرائع الإسلام وسبيل الحق ليوسوس ويصد ويزل ويضل، قال الله تعالى: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] أي في كل مرصد. ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ الآخرة ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الدنيا ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ الدين ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ الشهوات (٨) ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ ظنًا منه

стр. 746

(...) (١) التي جعلها الله تعالى من موهومه وخلقه لها وسيرها عليه (٢). ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا﴾ يحتمل على سبيل التكرار (٣) ويحتمل خروج عن معنى آخر ﴿مَذْءُومًا﴾ معيوبًا ﴿مَدْحُورًا﴾ مطرودًا (٤) مبعدًا ﴿لَمَنْ (٥) تَبِعَكَ﴾ والله لمن تبعك وجوابه ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ (٦). ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا﴾ صوت لهما، ووسوس إليه أي ألقى إليه صوتًا خفيًا، واللام (٧) في ﴿لِيُبْدِيَ﴾ لام كي (٨)، واختلفوا في مواراة ﴿سَوْآتِهِمَا﴾ قيل: كانت بالحلي والحلل فطارت عنهما بالمعصية، وعن وهب (٩) أنها كانت بنور يغشى العيون ويمنع عن الإدراك (١٠) فلما عصيا ذهب النور (١١)، وذكر

стр. 747

القتبي أنها كانت بجهلهما ﴿سَوْآتُهُمَا﴾ فلما أكلا من شجرة العلم علما أنهما عريانان فتواريا في الأشجار أن يكونا كراهة أن يكونا عند البصريين ولئلا يكونا عند الكوفيين (١). ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ أقسم وحلف لهما باسم الله تعالى، والنصح ضد الخيانة. ﴿فَدَلَّاهُمَا﴾ قربهما من قوله "فتدلى" عن أبي الهيثم، وقيل: جرأهما من الدال والدالة فصيرت إحدى اللامات ياء، وقيل: دلاهما (٢) من الجنة إلى الأرض ﴿وَطَفِقَا﴾ أخذا في الفعل ﴿يَخْصِفَانِ﴾ يضمان ويجمعان أطباق، طاق على طاق، ومنه خصف النعل، روي أن الأشجار كلها امتنعت ولم يمكنهما من أخذ الورق إلا شجرة التين (٣)، وفي الآية دلالة على وجوب (٤) الفعل بالعقل، قيل: لما خاطب الله تعالى آدم بقوله: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ قال: بلى يا رب، ولكني لم أعلم أن أحدًا يحلف بك كاذبًا (٥).

стр. 748

﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ لما اعترفا بقبح أفعالهما وتعرضا للمغفرة واعتقدا الخسران لم يغفر الله (١) لهما وسكتا عن الاحتجاج بالمشيئة، والتقدير استوجبا المغفرة في حكم الله تعالى. ﴿قَالَ فِيهَا﴾ أي في الأرض (٢) ﴿تَحْيَوْنَ﴾. ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ﴾ لما ذكر الله تعالى قصة آدم ﵇ كيف بدت سوأته وكيف طفق يخصف عليه من ورق الجنة ذكر فتنة الجسمية على نبيه في ورق (٣) اللباس ليشكروه على ذلك وليستنوا بسُنّة أبيهم في ستر العورة، وإنما (٤) قال ﴿أَنْزَلْنَا﴾ لأن تركيب (٥) النبات والحيوان من الأصول الأربعة فالثلاثة منها منزلة في المشاهدة والحرارة والماء والريح أو المكان التقدير والكتابة في اللوح المحفوظ وذلك في السماوات كانت الأعيان في الأرض نظيره (٦)، قوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢] أو لمكان الإلهام بالنسج والاكتساء، والإلهام يجيء مجيء الروح وذلك من فوق أو لتفخيم شأن الإعطاء ولذلك سُميت يد المعطي اليد العليا ويد السائل اليد السفلى، (اللباس) كالمئزر الثخين و (الريش) هو لباس الرفاهية والتجمل، ومنه سمي الحدث الرايش رايشًا وهو من ملوك حمير (٧) ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ الريش لأن الإنسان يتعفف به ليحسب غنيًا، وقيل: ما يستر مواضع الشهوة

стр. 749

سوى السوأة (١)، وقيل: ثياب (٢) التواضع كالصوف والفرو (٣)، وقيل: الحياء الذي هو من الفطرة (٤)، وعن ابن عباس: العمل الصالح، وعنه: السمت الحسن (٥)، وعن قتادة والسدي: الإيمان (٦)، وعن الكلبي: العفاف والتوحيد، وعن زيد بن علي: الدرع وسائر ما يتقى به في الحرب، وعن عروة بن الزبير: قول الرجل حسبنا الله ونعم الوكيل، والخطاب في قوله ﴿ذَلِكَ﴾ راجع إلى النبي ﵇ بدليل ضمير الجماعة في قوله ﴿لَعَلَّهُمْ﴾. ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا﴾ للحال (٧) ومستقبل بمعنى الماضي وإبليس لم يفعل ولكن أسند الفعل إليه لحصوله بسببه كقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ (٨)﴾ [إبراهيم: ٣٦] و (النزع) كالسلخ، و (قبيله) حزبه وجماعته، من (٩) في قوله ﴿مِنْ حَيْثُ﴾ يقتضي كونهم مستترين عنا بشيء ولو لم يتستروا لرأيناهم (١٠)، قال ﵇: "من احتاج إلى كشف عورته (١١) فقال: بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله كان سترًا بينه وبين الجن" (١٢). ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ قيضناهم قرناء.

стр. 750

﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ وهو تعريهم عند الطواف (١) وقيل: هو عام ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ على وجه الاحتجاج إذا ناظرهم مؤمن وبين لهم قبحها، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ دليل أنها موجودة قبل الشريعة وهو ما جُبل الطبائع على ردها وذمها كالظلم والكذب والغدر والتحنث ونحوها, ولم يوجبها الله تعالى في كتاب ولا لسان نبي ولا ندب إليها ولا أباح. ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ فيه دليل أن القسط موجود قبل الشريعة وإلا لما صح الأمر به، وهو العدلى الذي يتعادلى به العقلاء ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أي أخلصوا عزائمكم ونياتكم وليَكن كل واحد منكم ذا (٢) وجه واحد ولا يكون ذا وجهين منافقًا مرائيًا ولا يكون معرضًا ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ في كل متعبد ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ تشبيه العود بالبدء (٣) من حيث التقليب والتركيب والإحياء والإنطاق، وعن ابن عباس (٤) أن التشبيه لكونهم حفاة عراة غُرلًا بهمًا، وإنما لم يقل: "يعيدكم" لاعتبار نظم رؤوس الآي عند الكوفيين ولاعتبار سائر الأفعال المسندة إليهم عند الباقين. ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ أي ثبت وظهر وتحقق بقولى، حقت الخيانة على فلان أي ظهرت وإنما قال: ﴿هَدَى﴾ ولم يقل أضل؛ لأن الله متصف بالهداية من جميع الوجوه غير متصف بالإضلال من جميع الوجوه. ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمر بستر العورة عند الطواف والصلاة عن ابن عباس وعطاء ومجاهد (٥)، ويجوز أن يكون حكم الترجيل والتطيّب ولبس الجدد

стр. 751

والألبسة الحسنة في الجُمَع والأعياد مأخوذًا منها على وجه الاستحباب، وكان المشركون قد سول لهَم الشيطان أن لا يطوفوا في ثياب يبتذلون فيها ويقولوا: لا نطوف (١) في ثوب عصينا الله فيه، فالغني منهم قد أعدّ لطوافه ثوبًا والمتوسط كان يكتري والفقير كان يطوف عريانًا، وربما لا يكرون للمرأة الحسناء ثوبًا لتطوف (٢) عريانة فينظروا إلى عورتها حتى طافت واحدة وقالت: اليوم يبدو (٣) بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله (٤) فبيّن الله أنه من تسويل الشيطان، وأنه فاحشة كحكم البحيرة والسائبة، فأمر بستر العورة واستحلال لحوم حرموها واستباحة ألبان حظروا عنها، ونهى عن مجاوزة الحدّ المعتاد في الأكل والشرب واللبس حتى يصير شهرة في الناس. ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ ما كان الكفار يحرمونه على أنفسهم مما (٥) سبق ذكره (٦) وكانت الحمس إذا أحرمت لم يتدسم بلحم ولا سمن ولا أقط فنفى الله تعالى أن يكون ذلك حكمه (٧). ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ أحكامهم وشرائعهم المبتدعة ﴿وَالْإِثْمَ﴾ ما اعترفوا بأنه منكر، وقيل: هو الخمر. قال الشاعر (٨): شربت الإثم حتى ضلّ عقلي ... كذاك (٩) الإثم يذهبُ بالعقول

стр. 752

﴿وَالْبَغْيَ﴾ استطالة بعضهم على بعض (١)، ولم يدخل في جملة الفواحش لأنهم لم يكونوا يستبيحونه، ولمْ يدخل في الإثم؛ لأنهم كانوا يفتخرون به، فلا (٢) يقطعون الحكم بأنه منكر، وقيل: الإثم والفواحش دخلا في الفواحش (٣) وإنما خصهما لتعظيم شأنهما، وإنما وصف البغي ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ لأن ظاهر الجهاد يتصور بغيًا وهو بالحق لمكان الدعوة إلى الإسلام بإذن الله تعالى ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ﴾ حرم عليكم أن تشركوا به شيئًا ﴿مَا﴾ (٤) وأي شيء فإن الله ﴿لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي أن تكذبوا على الله بأن تجعلوا الفواحش من أحكامه (٥). ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ أجل الموت، وعن مقاتل: أجل العذاب والإهلاك، هي خاصة على هذا القول اتصال الآية بما قبلها من حيث التهديد والإنذار بمجيء الآجل (٦) ودفعه لكي يبادروه إلى ما فيه الفلاح والنجاة، و"الاستقدام" المتقدم (٧) إلى الآجل عند دنوه و"الاستئخار" التأخر والتباعد عنه وهو غير ممكن. ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ العهد المأخوذ على آدم وبنيه وهو عطف على قوله ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥] وفصل ستر العورة وغيره كالعارض في الكلام. ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ما وعدوا من خير أو شر عن

стр. 753

ابن عباس (١)، فإن كان المراد به في الدنيا فجرت الغاية في موضعه، وإن كان المراد به في الآخرة فهو عارض، وعن الربيع وابن زيد: نصيبهم العمر والرزق (٢)، وعن مجاهد: أعمال لم يعملوها بعد لا شك أنهم يعملونه (٣)؛ أي على قضية العلم والمشيئة والتقدير ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ الملائكة ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ قيل: عن الدنيا إلى الآخرة، وقيل: عن عرصة القيامة إلى النار. قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي في عدادهم، والأخوة بين الاثنين في الدين أو من حيث اجتماعهما في النار ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا﴾ أي تداركوا وتلاحقوا ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ سَنّوا لنا السنن (٤) وأسّسُوا قاعدة الضلال ﴿عَذَابًا ضِعْفًا﴾ مضاعفًا، قال: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ عذاب مضاعف، قيل: هم الأولون دون الآخرين ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٥) ذلك لتجادلوا الآخرين فتكون مجادلتهم نوع مشقة وحزن وعذاب، وقيل: هم الأولون والآخرون لأن لكل أمة استئناف الضلالة وتأويل الفاسدة والرضا بأن تكون بدعتها سنة لمن بعدها. ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ مجادلته منهم عن القول الأول (٦) ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ ليس لكم عذر تتفضلون به علينا فإنكم دخلتم في الضلالة مختارين كما دخلنا من غير إكراه وإجبار، وكلامهم هذا اتباع لقوله ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ على القول الثاني.

стр. 754

﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ لا ترفع أرواحهم إلى عليين ولا أعمالهم إذ ليس لهم كلام طيّب ولا عمل صالح، وقيل: لا يبارك عليهم فإن البركات تنزل من السماء، وقيل: لا يرحمون ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾ وهو من الإبل كالرجل من الناس ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ ثقبة الإبرة وخرقها، وفي مصحف ابن عباس: ﴿الْجَمَلُ﴾ بضم الجيم وتشديد الميم وهو حبل السفينة (١)، وفي مصحف ابن مسعود ﴿في سم المخيط﴾ (٢)؛ وهو كالإزار والمئزر، وولوج الجمل في سم الخياط غير متصور إلا بتقليب أحدهما وتعسر التركيب وحينئذ لا يبقى الاسم وهي غاية الإياس كقول الشاعر: إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وصار القلب كاللّبن الحليب (٣) ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ جمع غاشية. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وفائدة العارض بين المبتدأ والخبر هو الأمن من التكليف بما فوق الطاقة من الأعمال الصالحات ووقوف الثواب (٤) عليه. ﴿مِنْ غِلٍّ﴾ تفسير لما في صدورهم، والغل الدخلة والضغن والحقد، والمراد بالهداية ما وعد الله المؤمنين بقوله ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الحديد: ١٢] وقيل: الوحي الكتاب لأن الإيمان قبل الدعوة لا يوجب الجنة وإن كان في نفسه مسقطًا للعقاب، والمراد بالرسل: الذين يدخلونهم الجنة

стр. 755

يومئذ ﴿وَنُودُوا﴾ أي ناداهم الله أو نادتهم الملائكة أو أصحاب الأعراف عند رفعهم أصواتهم بالتحميد (١). ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ المراد بالوعد في حق أهل النار الوعيد، وإنما وقعت العبارة عنه بالوعد لازدواج (٢) الكلام كقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] ويحتمل أن المراد بالوعد في حق الفريقين جميعًا هو البعث بعد الموت، قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨] وفائدة السؤال التقريع والتنكيل ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أعلم معلم وهو جبريل عن ابن عباس (٣) ﴿أَنْ﴾ أي بأن ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ ثم وصف الظالمين في الحياة الدنيا. ﴿وَبَيْنَهُمَا﴾ أي بين الجنة والنار ﴿حِجَابٌ﴾ حاجز وحائل وهو السّور الذي باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب وهو العذاب، وأعراف الرمال أشرفها، واحد الأعراف عُرف ومنه عرف الديك ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ الذين (٤) استوت حسناتهم وسيئاتهم عن ابن عباس وابن مسعود وحذيفة (٥)، وسئل ﵇ عنهم فقال: "هم الذين قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم" (٦)

стр. 756

وعن مجاهد: الذين رضي عنهم أحد الأبوين دون الآخر (١)، وروي عن ابن عباس: ولد الزنا (٢)، وقيل: أطفال المشركين (٣)، والضمير في قوله ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ أصحاب الأعراف، وقال علي (٤) ﵁: نحن الأعراف يعني بني هاشم نعرف كلًّا بسيماهم، كان الضمير على ﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ ويجوز إطلاق أصحاب الجنة قبل الدخول فيها. ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾ أبصار أهل الأعراف وأصحاب الجنة على قضية تأويل علي ﴿تِلْقَاءَ﴾ الشيء تجاهه ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا﴾ على قضية الروايات يدلس أن أصحاب الأعراف مرجون لأمر الله تعالى، ويخافون دخول النار، وعلى تأويل علي قال أصحاب الجنة عند المرور على الصراط، قبل دخول الجنة. ﴿رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ مثل أبي جهل والوليد وشيبة وعتبة يقول لهم أصحاب الأعراف على وجه اللوم والتقريع: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ مثل بلال وصهيب وسلمان (٥) والمقداد وغيرهم كانت قريش تستبعد وتنكر دخولهم الجنة ﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ لا تنالهم رحمة ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ قيل لأصحاب الجنة على سبيل الرضا بدخولهم عند دخولهم وهو شبيه بالدعاء، كما تقول للآكل: كل هنيئًا، وللشارب: أسقاك الله، وقيل

стр. 757

القول: مضمر وتقديره: قيل لأصحاب الأعراف ادخلوا الجنة بشفاعته. وقال ابن عباس: "أصحاب الأعراف قوم ينتهى بهم إلى نهر يقال له الحيوان جانباه قصب الذهب مكلّل بالدرّ فيغتسلون فيه ويخرجون وفي نحورهم شامة فيعودون فيغتسلون فيزدادون بياضًا وحسنًا، فيقال لهم: تمنوا، فيتمنون ما شاؤوا فيقال لهم: لكم سبعون ضعفًا، فهم مساكين أهل الجنة" (١) وعلى قضية تأويل عليّ هذا القول قول أصحاب الأعراف لأصحاب الجنة قبل دخول الجنة. ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من الأشربة والطعام، وإنما استعمل الإفاضة على الجميع وإن كان فيه ما لا يتصور إفاضته على سبيل الإشباع كقوله: ﴿أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦]. وقال الشافعي (٢): إذا ما الغانيات برزن يومًا ... وزججن الحواجب والعيونا وإنما لم يقولوا لا نفيض لأن فيه شمة بخل، ولكنهم ذكروا وجه المنع وعلته ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ من كلام الله مَسوق على قوله ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ في أول الفصل وكانوا أي ﴿وَمَا كَانُوا﴾. ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ﴾ أي (٣) آتيناهم، فصلناه عالمينَ به وبمعانيه ومجازه فصلناه على غير جهل ولا على جهل ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ يجوز أن

стр. 758

يكون مفعولًا له من فعل المجيء وأن يكون حالًا للضمير في ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ (١). ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ المراد بالتأويل مآل ما يشابه من الوعيد وعاقبته وبيانه كقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [الدخان: ١٠]. ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾ فيه (٢) معنى الطلب والإرادة ومثله قوله (٣): ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] ويحتمل أنه استفهام بمعنى النفي كقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٠] ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ [فاطر: ٣]. ﴿فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ جواب الاستفهام بالفاء ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ أو هل نرد، وإنما صيروا أنفسهم لكونها رهينة بما كسبت. ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ﴾ فصل في دلائل الربوبية ترتب على فصل الوعد والوعيد ليكون أنجع (٤) في القلوب وكذلك هو في أول سورة "البقرة" و ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ إنما لم يجمع سماء لأن الهمزة في واحداتها (٥) غير أصلية وهي واو قلبت همؤة لوقوفها طرفًا بعد ألف زائدة ﴿سِتَّةِ﴾ اسم عدد الثلاث مرتين أصله سدسَة والمراد به الأيام العقباوية كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا يدل عليه ما يروى من خلق آدم ﵇ ودخوله في الجنة وخروجه منها وبكائه على خطيئته وقبول توبته، كل ذلك في آخر يوم الجمعة، وقيل: والجمعة الثانية يوم القيامة. والحكمة في الخلق على المهلة مع كونه مقدورًا في أقل من لحظة وهو التنبيه على حسن الوقار.

стр. 759

وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يدل أن العرش (١) لم يكن مستوى عليه في هذه الأيام الستة مع كونه موجودأ من قبل لقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] وهذا الكلام يفيد كون العرش آية على الربوبية يوجبُ العلم بمن شاهده من غير استدلال فإن العيون تتجه إليه عند رؤيةِ من تعالى عن الجهات (٢)، وأن الأسماع تصغي إليه عند استماع كلام من تعالى عن المخارج واللهات، وهو سرير كما شاء الله فوق السموات السبع وهو سقف الفردوس فيما يروى (٣)، ولقد سأل إسرافيل ﵇ الرفيع عن عرش ربّ العزة قال: سألت اللوح (٤) عن عرش ربّ العزة قال: سألت القلم عن عرش ربّ العزة قال: إن للعرش ثلثمائة (٥) وستين ألف قائمة (٦) كل قائمة من قوائمه مثل الدنيا ستين ألف مرة، تحت كل قائمة ستون (٧) ألف مدينة في كل مدينة ستون ألف صحراء في كل صحراء ستون ألف عالم مثل الثقلين الإنس والجن ستين (٨) ألف مرة لا يعلمون أن الله تعالى خلق آدم ولا إبليس، ألهمهم الله أن يستغفروا لأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ويحبهم (٩)، ومصداق هذا الحديث قوله:

стр. 760

﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] وقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]. ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ﴾ يكسو (١) ظلمة الليل نور النهار ويسترها به، والنور هو المشبه باللباس لأنه عارض طارئ والظلمة هي (٢) الأصل ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ صفة النهار على سبيل التشبيه أيضًا كأنه طالب الليل مسرعًا في أثره والطلب لا محالة قبل التغشية فهو الإصباح وهو طلوع الشمس، و (التسخير) تصريف الشيء لا (٣) على اختياره ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ الفعل والقول ليس للخلق بأمر (٤) ولا الأمر بخلق. ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ الهاء عائدة إلى الأرض، وإصلاحها وضع الميزان فيها وإنزال الكتاب إلى أهلها، و (الخوف) من قضية الهيبة و (الطمع) من قضية حسن الظن بالله، فالله تعالى عزيز لا يوازيه عزيز، كريم لا يضاهيه كريم ليس يعرفه من لا يهابه خائفًا ولا يحسن الظن به راجيًا، كما لا يعرف السرور من لا يرضاه ولا يعرف الحزن من لا يكرهه، وإنما قال ﴿قَرِيبٌ﴾ لاعتبار المعنى وهو الفعل. ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ منتشرة في الآفاق فإن كانت فاعلة فإنها تنشر السحاب بإذن الله وبشارتها أداؤها حروف الكلم إلى الاستماع بإذن الله، ويحتمل أنها إيهام ما جرت به العادة في العلم من الحوادث السارة والضارة تتبع الرياح المختلفة ﴿أَقَلَّتْ﴾ استقلت وحملت، و (السحاب) اسم جنس واحدتها سحابة، و (الثقال) جمع الثقيل كالغلاظ جمع الغليظ، وإنما وصف السحاب الثقال على اعتبار الجمع وهو لغة

стр. 761

تميم ومثله قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ﴿سُقْنَاهُ﴾ الهاء عائدة إلى السحاب وهو لغة قريش ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ بلفظ الواحد أن كل جمع لا فرق بينه وبين واحدته إلا بالهاء ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ﴾ أي بالسحاب وبسببه أو بذلك البلد وفيه ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ كما أخرجنا النبات، قيل: إن الأرض تمطر بها كالمني أربعين صباحًا بعد الهمدة وهي الرقدة أربعين سنة فيما بين النفختين فينبت الموتى بإذن الله تعالى كما نبتوا في الأرحام (١) بإذنه تعالى ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ الأرض السهل المنبت الذي طبيعته كريمة ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ هي السبخة ونحوها ﴿لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ لا يخرج نباته إلا عسرًا قليل الخير، وهذا تنبيه على صفة المؤمن الكريم والكافر اللئيم. ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ذكر جماعة من أهل العلم بالإنساب والتواريخ أن آدم ﵇ (٢) لما قارب أجله أوحى الله إليه يأمره باستخلاف شيت ﵇ (٢) على ذريته، فقام فيهم خطيبًا بلغته فقال: الحمد لله الذي (٣) خلقني بيده ونفخ فيّ من روحه وأسجد لي ملائكته وعلّمني أسماءه وأسكنني جنته، فمضت مشيئته في معصيتي له وإخراجي من جوارِه، فله الحمد على إقالته عثرتي ورحمته ضعفي وتوبته عليّ ومغفرته لي ومعونته إياي على محاربتي عدوي إبليس وله المنّ في ذلك والطول، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الباقي بعد فنائي وانقراض عمري. عليكم يا بنيَّ بطاعة الله والإنابة إلى أمر الله والرضا بقضاء الله ﵎ تنالوا بذلك رضوان الله وتأمنوا به سخطه (٤) واجتنبوا طاعة النساء فبئس الشركاء هنّ ولا بدَّ منهن.

стр. 762

ثم أخبرهم بعذاب نازل بعد ألف سنة من وفاته وبعد ألفي سنة، وما يتبين في بعض الروايات وكلاهما ممكن لأن بعد الشيء لا يقتضي الاقتران به يجوز الاتصال والانفصال. وأمرهم (١) باحتفاظ جسده إلى أن ينجلي العذاب ثم يدفنوه إلى الأرض المقدسة. وبشر من يتولى حفظ التابوت في (٢) الأرض المقدسة بطول العمر وإرجائه إلى يوم القيامة. واستخلف عليهم شيت ﵇ وودعهم وفرغ من خطبته ومرض من يومه، وسمّى لشيت مكانًا أرسله إليه لعله يلقى الروح الأمين ﵇ (٣) فيستهديه شيئًا من ثمار الجنة، فمضى شيت إلى ثمّ فإذا هو بجبريل ﵇ (٣) ينعى إليه أباه ويعزيه ويخبر بأنهم نزلوا للصلاة عليه، فرجع معهم وغسل أباه وحنطه وكفنه بتعليم جبريل ﵇ (٣). ثم قدم جبريل شيت ليصلي على أبيه وقام جبريل مع الملائكة خلفه. ثم إن شيتًا أودع أباه تابوتًا (٤) من الساج وتولى الأمر وهو ابن ثلثمائة سنة وتوفي وهو ابن ثمان ماية سنة (٥) واستخلف على قومه قينين فتولى الأمر بعد أبيه وهو ابن خمسمائة سنة وحاربَ الجنّ وأثخن فيهم القتل وتوفي وهو ابن سبعمائة سنة، فمن وفاة آدم إلى وفاة قينين على هذا الحساب سبعمائة سنة، فكأنه كان قد ولد يوم وفاة آدم (٦)، والله أعلم أهذه السنون شمسية أم قمرية أم كان الناس يحسبون في ذلك الزمان مدة مسير

стр. 763

الشمس في البروج الشامية سنة كاملة على حدتها ومسيرها في البروج اليمانية كذلك كحساب طائفة من اليهود، ويحتمل أن حسابهم كان على حساب سائر النجوم السيّارة سوى النيرين (١). وهذه تواريخ قد فسدت باختلاف العبارات والعادات، فمن المخبرين من يذكر مدة ما بين ولادة الأول إلى ولادة الثاني ومنهم من يذكر مدة ما بين وفاة ذلك إلى ولادة هذا، ومنهم من يذكر ما بين خروج ذلك إلى خروج هذا، ومنهم من يذكر من وقت فلان إلى وقت فلان، لا يقف على مراده من الوقت. ومنهم من يترجم فيغلط في الترجمة ومنهم من يستدل على الحوادث الماضية بأمارات (٢) نجومية من اجتماعها واقترابها، فيقتضي بأن تلك الحادثة كانت عند تلك الإمارات ويقطع الحكم ثم يستخرج الحساب على هذه القضية، ومنهم من يتعَمَّد الكذب. فالواجب أن لا يعتمد على شيء من ذلك ما لم يكن ثابتًا بالتواتر والإعجاز. ثم قام بالأمر بعد قينين ابنه مهلاييل وقام في الناس خطيبًا بلغته وقال: الحمدُ لله الذي علا في سنائه وتلألأ في نهائه وتعظم في كبريائه ونفذ أمره في أرضه وسمائه، أحمده على ما ساق إلينا من نعمته وأفضل علينا من كرامته، أيها الناس عليكم بطاعة ربكم الذي بيده نواصيكم وإليه منقلبكم ومثواكم، اجتنبوا سخطه وتمسكوا بدينه تنالوا بذلك رحمته وتأمنوا به من عذابه ولا قوة إلا بالله (٣). وامتلأت أرض الحجاز ويمامة في أيامه من الناس ووقع بينهم

стр. 764

التباغي والتحاسد ففرقهم خمس فرق: أسكن (١) أولاد شيت بالعراق وسيّر الفِرَق الأربع (٢) إلى مهبّ الرياح الأربع وأمّر عليهم زعموا ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا وهم رجال صالحون، فلما درج مهلاييل ودرجوا من بعده، اتخذ الناس تماثيل على صورهم يسكنون إلى رؤيتها. ثم طال الزمان وانتشأت الذرية على ذلك فاعتادت وعبدت التماثيل وبقي الناس فوضى لم يملكوا أحدًا ولم يجمعوا أمرهم. وكان مهلاييل قد ولد له اليارد (٣) ولليارد لأخنوخ وهو إدريس النبي (٤) ﵇ (٥)، ولم يبلغنا كمية بقاء مهلاييل واليارد في الدنيا ولا سمعنا في ولد أخنوخ ﵇، قالوا وولد أخنوخ متوشالخ على رأس ثلثمائة سنة من عمره فلما بلغ ثلثمائة وخمسًا وستين رفعه الله مكانًا عليًا، وكيفية قصته تأتي في موضعها إن شاء الله. وولد لمتوشالخ لمك (٦) وللمك نوح ﵇ (٥) فأرسله الله إلى قومه وهو ابن مائتين وخمسين سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا بعد الدعوة أو مع ما مضى قبل الدعوة، وعاش ثلاثة قرون فيهم فلم يجبه إلا ثمانون شخصًا من رجل وامرأة، كان الرجل من الكفار يحمل ولده إلى نوح ﵇ (٥) فيريه إياه ويقول: يا بني لا يفتننك هذا الشيخ المجنون عن دينك ودين آبائك (٧)، فلما ضاق ذرعًا دعا على قومه ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] فاستجاب الله دعاءه وأمره بغرس الشجر شجر

стр. 765

الساج، فعلم نوح ﵇ أن في الأمر مهلة فأمر بغرس الأشجار (١) عشر سنين وأدركت القطع بعد أربعين سنة (٢)، ثم أمر الله بقطعها واتخاذ السفينة منها، وألهمه كيفيتها فعمل السفينة على خلقة البط وجعل لها رأسًا كرأس الديك وذنبًا كذنب الطاووس، وصيرها أربعة أطباق: طبقًا له ولأصحابه، وطبقًا للبهائم والوحوش، وطبقًا للسباع، وطبقًا كالسقف في بعض الروايات لئلا يصل المطر إليهم من نحو السماء، وقيرها داخلًا وخارجًا وسدّها بالمسامير، وفرغ من ذلك، فبينا امرأته وابنته تخبز (٣) إذ فار التنور بالماء وفجرت الأرض عيونًا فبادَرَت إلى أبيها تخبره فنادى نوح في أصحابه فاجتمعوا إليه ودخلوا السفينة، وحشر الله إليهم حيوان الأرض فأخذ من كل جنس زوجين وامتنع الحمار عن الدخول فزجره نوح وقال: ادخل يا شيطان فدخل إبليس معه، فلما أبصره نوح ﵇ قال: من أدخلك؟ قال: أنت وليس لك علي سلطان فإني من المنظرين، ودعا نوح ابنه يام (٤) فلم يجبه ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣]. واختلف الناس في عوج بن عنق (٥) قال بعضهم: لم تغمره الماء ولم تدركه دعوة نوح؛ لأنه لم يكن ديّارًا، أي صاحب دار، وقال بعضهم: شذّ عن عموم الدعوة واختصت الدعوة بالباقين، ويحتمل أنه كان من أصحاب السفينة ثم كفر بعد ذلك يهود وسائر الأنبياء، وقيل: إنه من ذرية آدم بن سام ولد بعد الطوفان فكانت أبواب السماء مفتحة ﴿بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١] والأرض متفجرة بالماء أربعين يومًا.

стр. 766

ثم قال: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] بعد سبعة وخمسين يومًا، وقيل: بعد مائة وخمسين يومًا، وقيل: بعد ستة أشهر، وقال وهب: وإنما استقرت لعشر خلون من رجب، وقيل: إنه خرج من السفينة لعشر خلون من المحرم، والجودي من جبال (١) الجزيرة فابتنى نوح ﵇ (٢) هناك (٣) مذبحًا لله تعالى وقرب قربانًا وأثنى الله تعالى على قربانه ربح الراحة وبارك عليه وعلى بنيه. وابتنى نوح هناك قرية الثمانين قالوا: وغرس ما كان حمل في السفينة من الفواكه وافتقد الكرم وكان إبليس قد استرقه فردّه على شرط أن يكون ثلثاه له. وزعموا أن أصحاب السفينة لم يعقبوا إلا ثلاثة منهم سام وحام ويافث بنو نوح ﵇ (٤)، ومن الناس من أنكر هذا القول وقال: لو كان كذلك لقال الله تعالى في سورة بني إسرائيل ذرية نوحٍ ولما قال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣] ويدل على هذا المعنى أيضًا قوله : ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] ويحتمل أن المراد بمن معه بنوه ونساؤهم دون غيرهم، وأرباب الملك كلهم في الأقاليم كلها ما خلا الهنود والمانوية، مقرون معترفون بالطوفان، ودلّتهم الدلائل النجومية على كونه أيضًا قبل إسكندر بألفي سنة وسبعمائة واثنين وتسعين سنة، وقالت النصارى: قبل إسكندر بألفي سنة وتسعمائة وستة وخمسين سنة، وقالت اليهود: قبل إسكندر بألف سنة وسبعمائة واثنتين وتسعين سنة، فتاريخ النصارى أقرب إلى القبول وهو يتقدم على تاريخ المنجمة بمائة وأربع وستين، وكذلك على تاريخ مولد باسديو الهند بتقدم على تاريخ الهند بألف كاملة ومائتي سنة، وإنما اخترنا تاريخ النصارى لأنهم أعرف بإسكندر،

стр. 767

وأضبط للحساب على مذهب اليونانية وعهدهم بالوحي السماوي أقرب من اليهود، وكتابهم أقل تحريفًا وتبديلًا؛ ولأن الطوفان ينبغي أن يكون متقدمًا على مولد باسديو الهند لا محالة فإن الهند تهندت وتبلبلت الألسن والله أعلم بالحقيقة. قالوا: وعاش نوح ﵇ (١) بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة ثم استخلفَ سام على ولده وتوفاه الله تعالى إلى (٢) رضوانه. وندب سام أصحاب السفينة إلى حمل تابوت آدم (٣) ﵇ (٤) إلى الأرض المقدسة بعد ما كثر الناس، وعاد إلى الأرض بهجتها وأُنسها، فانتدب الخضر ﵇ وحمله إلى بيت المقدس ودفنهُ هناك، فهو حي إلى اليوم، وهو صاحب موسى عليهما (٥) السلام، وهو من أولاد قابيل زعموا، وقيل: الخضر صاحب موسى بلبا (٦) بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام، وقيل: هو من ذرية قوم آمنوا بإبراهيم ﵇ (٤)، وهاجروا معه إلى الشام، والله أعلم بالحقيقة. قالوا: وولي الأمر سام بعد أبيه مائتي سنة كان يشتو بأرض جرعة (٧) ويصيف بالموصل، وقيل ممره على شط دجلة من الجانب الشرقي فسمي بسامراه وهو يدعى اليوم سَامِره وسرّ من رآه، ثم توفي سام واستخلف على ولده وسائر الناس ابنه أرفخشد، قيل: وهو الذي يسميه العجم إيران، فعمر أرض العراق عمارة تامة واختصها لنفسه وبقي ثلاثمائة سنة ثم توفي

стр. 768

واستخلف ابنه شالخ (١)، فولي شالخ الإمرة بحسن السيرة والعدل مائتي سنة، ثم توفي واستخلف ابن أخيه جم بن نوجهان بن أرفخشد، قالوا: وفي أيامه تبلبلت الألسن، هذه (٢) قصة نوحٍ بفاتحتها وخاتمتها على الإجمال والإيجاز، وقيل: إن الطوفان كان مختصًا بأرض العراق والجزيرة والحجاز، والمراد بالأرض في قوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [نوح: ٢٦] هذه البلاد دون غيرها من البلدان (٣). ﴿لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ أي لم يعرض في هذا المعنى كما يقال ما بي داء، وما بي آفة، ونصحته ونصحت له (٤)، بمعنى أعلم من الله من أمرهِ وحكمهِ. ﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ ألف استفهام دخلت على واو العطف، والتقدير: أكفرتم وعجبتم، والعجب استبعاد وجه جواز الشيء وإمكانه على سبيل اعتبار العادة، وإنما توجه عليهم الإنكار لمعنيين: يخطيء آدم وشيت وإدريس ﵈ من قبل، ولأن إجراء العادة على سننها غير واجب على الله .

стр. 769

﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ إن كان عوج من المكذبين فهذا عموم بمعنى الخصوص وإلا فهو عام (١) و"عم" على وزن فعل من عمي يعمى نقول هو (٢) عمٍ وهما عميان وهم عمون. ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ ذكر جماعة من أهل العلم بأن (٣) الأنساب والتواريخ أن جم بن نوجهان علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا فتنافرت القلوب وتبلبلت الألسن فخرج أولاد يافث إلى مهب الصبا والشمال وتفرقوا في تلك الديار وملكهم وزعموا فراسياب لن ياسر بن بوذاب بن الترك بن يافث حتى استولى عليه وعليهم غانم بن غلوان أخو (٤) الضحاك بن علوان بن عمليق بن عاد (٥) بأمر عمهما شديد بن عمليق بن عاد. ولما زال سلطان عاد عن ديار المشرق قام بملك أولاد يافث زعموا فراسياب بن ياسر بن بوذاب بن الترك بن يافث فكرَّ بجنوده إلى العراق واستولى عليها سنتين، وقيل منوشهر بن كنعان بن نمرود وكنعان هو المسمى أبزج ونمرود هو المسمى فريدون، وامتد ملك فراسياب على العراق إلى أن خرج عليه تراب بن بوذ كاب بن منوشهر مفترضًا أيام الشتاء وتفرق عسكره من أولاد يافث خلف أموالهم المواشي فانحاز فراسياب من العراق إلى ديار الهياطلة ثم التقت الفتيان بعد ذلك في أرض خراسان وأصاب فراسياب منهم غريب فلم يحظ فؤاده وانصرف أولاد يافث إلى ديارهم ومات تراب فجأة بعد ذلك بشهر. وأما أولاد حام إذ تبلبلت الألسن فقد خرجوا إلى مهب الديور والجنوب فتفرقوا في تلك الديار واستولى (٦) على المغاربة منهم الوليد بن

стр. 770

الريان بن عاد بأمر ابن عمه شديد بن عمليق بن عاد، واستولى على المشارق منهم غانم بن علوان الذي كان قد استولى على أولاد يافث وقيل كان فور ملك الهند الذي قتله إسكندر من ذريته. وخرج من بابل من ولاية جم أولاد آدم بن سام بعد خروج أولاد يافث وحام ومر سبعة إخوة عاد وثمود وصنجار وطسم وجديس وجاسم ووبار فكان عاد يمشي أمام ذريته (برغر) (١) فسار حتى نزل بأرض اليمن وثمود يمشي أمام قومه (برغر) (١) فسار حتى نزل بالبحر بين الحجاز والشام، وكان طسم يمشي أمام قومه (برغر) (١) فسار حتى نزل ببلاد عمان والبحرين، ونزل جديس بأرض اليمامة ووجه بعض ولده إلى هجر (٢) ونزل صنجار بتهامة والحجاز ونزل جاسم مع صنجار وتفرق ولده (٣) فيما بين الحرم إلى سفوان، وسار وبار إلى ما وراء رمل عالج فنزل هناك ومسخت أولاده فهؤلاء (٤) العمالقة كلهم يسمون الجبابرة العادية ينسبون إلى العم الأكبر. ولما خرج هؤلاء (٥) تحركت قلوب الباقين فخرج من بابل في يوم بابل (٦) في يوم واحد خراسان بن عسادة بن سام وفارس بن الأسور بن سام بن نوح والروم بن اليفر بن سام ورامين بن نارح بن سام وهيكل بن عالم بن سام وساروا إلى أن نزلوا ديارهم، فلما مات عاد باليمن استخلف عمليقًا ثم مات عمليق وقام بالأمر سديد بن عمليق، فحشد (٧) الجنود وملك الملوك وأرسل ابني أخيه ضحاكًا وغانمًا ابني علوان بن عمليق إلى بني سام ويافث كل واحد في عشرة آلاف من الجبابرة فقتل الضحاك جم

стр. 771

الملك وأخذ شيئًا من بطنه واسترطه وأرسل شديد ابن عمه الوليد بن الريان بن عاد إلى بني حام على ما سبق وقعد هو على سرير الملك باليمن فكان ملك الملوك. ولما مات هو خلفه شداد بن شديد من تحت يد هؤلاء الملوك الثلاثة فقهروا العباد وخربوا البلاد وامتد سلطانهم ألف سنة يجبى خراج الأرض كله إلى شداد باليمن وأمر شداد مائة قهرمان تحت يد كل واحد منهم ألف من الأعوان ليبنوا له جنة في بعض أقضية اليمن إلى الشام أطيبها طيبة ونسيمًا، فبنوا مدينة عظيمة من الذهب مفصصة بالدر والياقوت وبنى عرف أساطينها المها والجزع والفيروزج وأجرى فيها من المياه العذبة وجعل الأنهار مطلية بالذهب والفضة وجعل نزالها المسك (١) والجاري وصاغ من الذهب استبحارًا على حافات الأنهار، وعلق في أغصانها المنصوص كأنها مثمرة بها، قيل: من حين ابتدى له النبأ إلى ثمانمئة وخمسمائة سنة فبعث الله إليه هود بن خالد بن الخلود بن عيص بن عمليق ابن عاد يدعوه إلى العبادة والتوحيد فاستكبر عن الإيمان وخرج من حضرموت متوجهًا إلى جنة لينزلها في ثلاثين ألف رجل (٢) من أهل بيته وعشيرته الأقربين واثني عشر ألف رجل من العبد والخيول، فلما بقي بينه وبين جنته مسيرة يوم أرسل الله عليه وعلى من معه وعلى قهارمته وأعوانه لهذه الجنة صيحة من السماء فخروا جميعًا هامدين، وغيب تلك الجنة عن أعين الناس حتى دخلها عبد الله ابن قلابة في زمن معاوية كان قد خرج مع أصحابه في طلب الإبل وضل الطريق وانفرد عن أصحابه في بعض الأقضية فإذا هو بتلك المدينة فدخلها وأخذ فيها حاجته (٣) وخرج متوجهًا إلى معاوية ليخبره فأخفاه معاوية واستحضر كعبًا وسأله عن حال مدينة (٤) على وجه الأرض من صفتها (٥) كذا وكذا، فقال كعب: نعم يا أمير المؤمنين

стр. 772

جنة شداد وسيدخلها رجل من العرب صفته كذا وكذا، فالتفت فإذا هو بعبد الله بن قلابة فقال: هو هذا فدخلها أو سيدخلها، فعجب معاوية من ذلك ووجه مع الرجل سرية ليدلهم على تلك المدينة فلم يهتدوا وحيل (١) بينهم وبينها (٢). وكان من قصة الضحاك في العراق أن سام الناس سوء العذاب وأراد منهم الكفر والشرك فهرب منه لام بن عابر (٣) أخو قحطان حتى انتهوا إلى باب المعادن بأرض الروم فاستوطنه وبنى قبّة من رصاص وجعل فيه قبر نفسه وأوصى بنيه أن يدفنوه وسدوا الباب بالرصاص، ففعلوالأولما أهلك الله شداد بن شديد حُبس المطر وقحط الناس في الشرق والغرب وتضعضع أمر الجبابرة العادية وخرج أولاد يافث على غانم بن علوان وخرج أولاد أرفخشد على الضحاك بن علوان وزال سلطان عاد عن أقطار الأرض فلم يبقوا ظاهرين إلا في ديار اليمن على جهد وضرّ لهلاك مواشيهم وزروعهم ومع ذلك هم متحيزون مستكبرون عن الإيمان بهود ﵇ (٤) إلا أنهم يعظمون الحرم، فوفدوا (٥) إلى الحرم وفودًا للاستشفاء أحدهم مريد بن سعد بن عفير والثاني قيل ابن عمر وقيل ابن عمرو والثالث لقمان بن هزال وقيل لقمان بن عاد والرابع لقيم بن هزال والخامس جلهمة بن فلان، فمروا على معاوية بن بكر وهو من عاد أيضًا كان قد التجأ إلى الحرم واعتزل قومه فأضافهم شهرًا ثم خرجوا إلى بيت الله، فأما مريد بن سعد كان مؤمنًا يكتم إيمانه فشكا قومه ودعا عليهم بالهلاك، وأما لقمان فخص دعوته وخلا بعض الشعاب

стр. 773

ووقف سائر الوفود قبالة موضع البيت فبدت لهم ثلاث سحائب (١) بيضاء وحمراء وسوداء ونودوا تخيروا واحدة منهن واختاروا السوداء فسيقت نحو اليمن فلما رآها القوم تباشروا بالغيث فخرج منها ريح صرصر، فلما أحسوا بالريح تنادوا وصاحوا وكان لهم رئيس يسمى خلجان فذهب مع سبعين رجلًا من أشراف قومه مستقبل الريح وهبت عليهم مثل شرار النار (٢) فكانت (٣) تصيب هودًا والذين معه بردًا وسلامًا والريح تقلع الصخور العظام من رؤوس الجبال فتطير بها في الهواء ثم ترضخهم بها فتذوب أجسادهم وعظامهم. وكان ابتداء الريح يوم الأربعاء فلم يبق إلى الأربعاء (٤) الآخر غير الخلّجان فأقبل إليه هود ﵇ أخذ بعضادتي الفج ورأسه مع قلة الحبل وقال: أيها الغاثي المتمرد والجبار ارجع عن غيّك فإنما هو يومك، قال: فهل ربك محيي أصحابي إن آمنت؟ قال: لا يحييهم ولكن يبارك في الباقين، قال: أفيقيدني؟ قال: إن الله لا يقيد أهل معصيته من أهل طاعته، قال الخلجان: فلنا أسوة بمن هلك ولا أحب أن أظهر استكانة لربك. وعن ابن سلام أن الرمل بالأحقاف كانت صخورًا فصارت بتلك الريح رملأوتلا قوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات: ٤٢] قال ابن عباس: أرسل الله عليهم من الريح مقدار خاتم ولو أرسل أكثر لأهلك الأرض كلها (٥)، والريح ريح دبور وخلت ديار اليمن عن الأهل إلى أن سيّر نمرود إليها قحطان بن عابر أخا لام وفالغ ابنا عابر

стр. 774

فتزوج امرأة من العماليق فولدت له يعرب وجرهم وغيرهما، فعاد أخوال ولد قحطان أخوال ولد إسماعيل ﵇ (١)، وتحول هود ﵇ (١) إلى حضرموت بعد هلاك قومه ثم هاجر إلى مكة وتوفي فيها ﵇ (١) بالأحقاف من شجر قبر يقال هو قبر هود ﵇ (١). وبقي في الأرض من عاد بقايا إلى أن حاربهم يوشع بن نون بالشام وخيرهم في الحزم وكان فرعون منهم من أولاد الوليد بن الريان. ﴿نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ أي أهل لأن تأمنوني ولا تتهموني، وقيل: أمين عند الله في دينه، وقيل: أمين عندكم قبل الدعوة. (الآلاء) النعماء واحدها إلى وإلى (٢). وقوله ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا﴾ يدل على أن الدعوة (٣) كانت مؤخرة إلى أن مات الآباء على الكفر وانتساب الذرية عليه. ﴿قَدْ وَقَعَ﴾ وجب ﴿أَسْمَاءٍ﴾ مسميات التي لحقوها ونصبوها آلهة وأربابًا من عند أنفسهم، وفي الآية دلالة أن الاسم الحقيقي ذو معنى وإلا لما تبرأ الله تعالى من تسميتها بالأسماء والأعلام والحروف المصطلحة الجارية مجرى الألقاب. ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ عن ابن عباس (٤): أن يهلك ثمود، كان في ملك نمرود بن كنعان بن جم بعد ما ظهر إبراهيم وذلك بعد مهلك عاد بعد خمسمائة (٥) عام، وقصتهم فيما يروى أنهم حذوا حذو عاد في التمرد

стр. 775

والطغيان والإشراك بالله فبعث الله تعالى إليهم صالحًا وهو ابن أربعين سنة فكان يدعوهم إلى دين الله يقف عليهم في مجالسهم (١) ويهجم عليهم في أعيادهم ويذكرهم آلاء الله ونعماءه إلى أن شمط فلم يقبلوا منه وشكوه إلى رئيس عشيرته ليسلم لهم اغتياله أو يهاجره وينابذه ويكون معهم في معاداته فلم يفعل، وأنهم خرجوا ذات يوم إلى (٢) عيد لهم على سفح جبل لهم قالوا لصالح ﵇ (٣): إن أحببت (٤) أن نؤمن بك فأخرج لنا من هذه الصخرة الصماء (٥) ناقة كرماء ذات عرف وناصية، فاستحيا صالح أن يسأل الله تعالى ما يتمنونه حتى أجابه عزمة من الله تعالى وأذن له في السؤال فسأل واستجيب له وتزجرت الصخرة كما تزجر الناقة وتمخضت كما تمخض وخرجت (٦) منها ناقة من أحسن ما يكون أملاها النفس فأقبلت نحوهم حتى إذا أذنت منهم بركت ووضعت سقبًا مثلها ثم نهضت إلى الراعي وتبعها سقبها. فلما رأوا ذلك آمنوا بصالح ﵇ يومهم وفي اليوم الثاني أصبحوا كافرين لما عظم عليهم من ترك عادتهم، وقالوا: لا نترك آلهتنا لهذه الناقة، فقال لهم صالح ﵇: أما إذ نكصتم على أعقابكم فإياكم أن تمسوها بسوء فيأخذكم بعذاب أليم، وقسّم الشرب بينهما قالوا: لك يا صالح ذلك علينا، ومكثت الناقة ما شاء الله تستوعب الماء يوم شربها ثم ترجع وضرعها يسيل لبنًا وهم يستقبلونها بالمحالب والأواني فيأخذون حاجتهم من لبنها إلى أن تعشق عذار ومصرع صدوق وعنيزة (٧) فأتياهما ذات يوم فقدمتا إليهما طعامًا
следующие страницы →