← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الملك وأخذ شيئًا من بطنه واسترطه وأرسل شديد ابن عمه الوليد بن الريان بن عاد إلى بني حام على ما سبق وقعد هو على سرير الملك باليمن فكان ملك الملوك. ولما مات هو خلفه شداد بن شديد من تحت يد هؤلاء الملوك الثلاثة فقهروا العباد وخربوا البلاد وامتد سلطانهم ألف سنة يجبى خراج الأرض كله إلى شداد باليمن وأمر شداد مائة قهرمان تحت يد كل واحد منهم ألف من الأعوان ليبنوا له جنة في بعض أقضية اليمن إلى الشام أطيبها طيبة ونسيمًا، فبنوا مدينة عظيمة من الذهب مفصصة بالدر والياقوت وبنى عرف أساطينها المها والجزع والفيروزج وأجرى فيها من المياه العذبة وجعل الأنهار مطلية بالذهب والفضة وجعل نزالها المسك (١) والجاري وصاغ من الذهب استبحارًا على حافات الأنهار، وعلق في أغصانها المنصوص كأنها مثمرة بها، قيل: من حين ابتدى له النبأ إلى ثمانمئة وخمسمائة سنة فبعث الله إليه هود بن خالد بن الخلود بن عيص بن عمليق ابن عاد يدعوه إلى العبادة والتوحيد فاستكبر عن الإيمان وخرج من حضرموت متوجهًا إلى جنة لينزلها في ثلاثين ألف رجل (٢) من أهل بيته وعشيرته الأقربين واثني عشر ألف رجل من العبد والخيول، فلما بقي بينه وبين جنته مسيرة يوم أرسل الله عليه وعلى من معه وعلى قهارمته وأعوانه لهذه الجنة صيحة من السماء فخروا جميعًا هامدين، وغيب تلك الجنة عن أعين الناس حتى دخلها عبد الله ابن قلابة في زمن معاوية كان قد خرج مع أصحابه في طلب الإبل وضل الطريق وانفرد عن أصحابه في بعض الأقضية فإذا هو بتلك المدينة فدخلها وأخذ فيها حاجته (٣) وخرج متوجهًا إلى معاوية ليخبره فأخفاه معاوية واستحضر كعبًا وسأله عن حال مدينة (٤) على وجه الأرض من صفتها (٥) كذا وكذا، فقال كعب: نعم يا أمير المؤمنين

стр. 772

جنة شداد وسيدخلها رجل من العرب صفته كذا وكذا، فالتفت فإذا هو بعبد الله بن قلابة فقال: هو هذا فدخلها أو سيدخلها، فعجب معاوية من ذلك ووجه مع الرجل سرية ليدلهم على تلك المدينة فلم يهتدوا وحيل (١) بينهم وبينها (٢). وكان من قصة الضحاك في العراق أن سام الناس سوء العذاب وأراد منهم الكفر والشرك فهرب منه لام بن عابر (٣) أخو قحطان حتى انتهوا إلى باب المعادن بأرض الروم فاستوطنه وبنى قبّة من رصاص وجعل فيه قبر نفسه وأوصى بنيه أن يدفنوه وسدوا الباب بالرصاص، ففعلوالأولما أهلك الله شداد بن شديد حُبس المطر وقحط الناس في الشرق والغرب وتضعضع أمر الجبابرة العادية وخرج أولاد يافث على غانم بن علوان وخرج أولاد أرفخشد على الضحاك بن علوان وزال سلطان عاد عن أقطار الأرض فلم يبقوا ظاهرين إلا في ديار اليمن على جهد وضرّ لهلاك مواشيهم وزروعهم ومع ذلك هم متحيزون مستكبرون عن الإيمان بهود ﵇ (٤) إلا أنهم يعظمون الحرم، فوفدوا (٥) إلى الحرم وفودًا للاستشفاء أحدهم مريد بن سعد بن عفير والثاني قيل ابن عمر وقيل ابن عمرو والثالث لقمان بن هزال وقيل لقمان بن عاد والرابع لقيم بن هزال والخامس جلهمة بن فلان، فمروا على معاوية بن بكر وهو من عاد أيضًا كان قد التجأ إلى الحرم واعتزل قومه فأضافهم شهرًا ثم خرجوا إلى بيت الله، فأما مريد بن سعد كان مؤمنًا يكتم إيمانه فشكا قومه ودعا عليهم بالهلاك، وأما لقمان فخص دعوته وخلا بعض الشعاب

стр. 773

ووقف سائر الوفود قبالة موضع البيت فبدت لهم ثلاث سحائب (١) بيضاء وحمراء وسوداء ونودوا تخيروا واحدة منهن واختاروا السوداء فسيقت نحو اليمن فلما رآها القوم تباشروا بالغيث فخرج منها ريح صرصر، فلما أحسوا بالريح تنادوا وصاحوا وكان لهم رئيس يسمى خلجان فذهب مع سبعين رجلًا من أشراف قومه مستقبل الريح وهبت عليهم مثل شرار النار (٢) فكانت (٣) تصيب هودًا والذين معه بردًا وسلامًا والريح تقلع الصخور العظام من رؤوس الجبال فتطير بها في الهواء ثم ترضخهم بها فتذوب أجسادهم وعظامهم. وكان ابتداء الريح يوم الأربعاء فلم يبق إلى الأربعاء (٤) الآخر غير الخلّجان فأقبل إليه هود ﵇ أخذ بعضادتي الفج ورأسه مع قلة الحبل وقال: أيها الغاثي المتمرد والجبار ارجع عن غيّك فإنما هو يومك، قال: فهل ربك محيي أصحابي إن آمنت؟ قال: لا يحييهم ولكن يبارك في الباقين، قال: أفيقيدني؟ قال: إن الله لا يقيد أهل معصيته من أهل طاعته، قال الخلجان: فلنا أسوة بمن هلك ولا أحب أن أظهر استكانة لربك. وعن ابن سلام أن الرمل بالأحقاف كانت صخورًا فصارت بتلك الريح رملأوتلا قوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات: ٤٢] قال ابن عباس: أرسل الله عليهم من الريح مقدار خاتم ولو أرسل أكثر لأهلك الأرض كلها (٥)، والريح ريح دبور وخلت ديار اليمن عن الأهل إلى أن سيّر نمرود إليها قحطان بن عابر أخا لام وفالغ ابنا عابر

стр. 774

فتزوج امرأة من العماليق فولدت له يعرب وجرهم وغيرهما، فعاد أخوال ولد قحطان أخوال ولد إسماعيل ﵇ (١)، وتحول هود ﵇ (١) إلى حضرموت بعد هلاك قومه ثم هاجر إلى مكة وتوفي فيها ﵇ (١) بالأحقاف من شجر قبر يقال هو قبر هود ﵇ (١). وبقي في الأرض من عاد بقايا إلى أن حاربهم يوشع بن نون بالشام وخيرهم في الحزم وكان فرعون منهم من أولاد الوليد بن الريان. ﴿نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ أي أهل لأن تأمنوني ولا تتهموني، وقيل: أمين عند الله في دينه، وقيل: أمين عندكم قبل الدعوة. (الآلاء) النعماء واحدها إلى وإلى (٢). وقوله ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا﴾ يدل على أن الدعوة (٣) كانت مؤخرة إلى أن مات الآباء على الكفر وانتساب الذرية عليه. ﴿قَدْ وَقَعَ﴾ وجب ﴿أَسْمَاءٍ﴾ مسميات التي لحقوها ونصبوها آلهة وأربابًا من عند أنفسهم، وفي الآية دلالة أن الاسم الحقيقي ذو معنى وإلا لما تبرأ الله تعالى من تسميتها بالأسماء والأعلام والحروف المصطلحة الجارية مجرى الألقاب. ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ عن ابن عباس (٤): أن يهلك ثمود، كان في ملك نمرود بن كنعان بن جم بعد ما ظهر إبراهيم وذلك بعد مهلك عاد بعد خمسمائة (٥) عام، وقصتهم فيما يروى أنهم حذوا حذو عاد في التمرد

стр. 775

والطغيان والإشراك بالله فبعث الله تعالى إليهم صالحًا وهو ابن أربعين سنة فكان يدعوهم إلى دين الله يقف عليهم في مجالسهم (١) ويهجم عليهم في أعيادهم ويذكرهم آلاء الله ونعماءه إلى أن شمط فلم يقبلوا منه وشكوه إلى رئيس عشيرته ليسلم لهم اغتياله أو يهاجره وينابذه ويكون معهم في معاداته فلم يفعل، وأنهم خرجوا ذات يوم إلى (٢) عيد لهم على سفح جبل لهم قالوا لصالح ﵇ (٣): إن أحببت (٤) أن نؤمن بك فأخرج لنا من هذه الصخرة الصماء (٥) ناقة كرماء ذات عرف وناصية، فاستحيا صالح أن يسأل الله تعالى ما يتمنونه حتى أجابه عزمة من الله تعالى وأذن له في السؤال فسأل واستجيب له وتزجرت الصخرة كما تزجر الناقة وتمخضت كما تمخض وخرجت (٦) منها ناقة من أحسن ما يكون أملاها النفس فأقبلت نحوهم حتى إذا أذنت منهم بركت ووضعت سقبًا مثلها ثم نهضت إلى الراعي وتبعها سقبها. فلما رأوا ذلك آمنوا بصالح ﵇ يومهم وفي اليوم الثاني أصبحوا كافرين لما عظم عليهم من ترك عادتهم، وقالوا: لا نترك آلهتنا لهذه الناقة، فقال لهم صالح ﵇: أما إذ نكصتم على أعقابكم فإياكم أن تمسوها بسوء فيأخذكم بعذاب أليم، وقسّم الشرب بينهما قالوا: لك يا صالح ذلك علينا، ومكثت الناقة ما شاء الله تستوعب الماء يوم شربها ثم ترجع وضرعها يسيل لبنًا وهم يستقبلونها بالمحالب والأواني فيأخذون حاجتهم من لبنها إلى أن تعشق عذار ومصرع صدوق وعنيزة (٧) فأتياهما ذات يوم فقدمتا إليهما طعامًا

стр. 776

كثيرًا وخمرًا عتيقًا فطلبتا الماء ليمزجا الخمر به فأتتاهما بلبن الناقة وقالتا: لا ماء لنا اليوم فإنه لشرب الناقة، قالا: فما لنا إن عقرناها لتسبغ لكم الشرب، قالتا: أنفسنا فتسطا (١) لذلك فسوَّل لهما الشيطان والنفس ذلك وشربا من ذلك الخمر حتى سكرا فخرجا إلى الناقة واتبعهما سبعة من السفهاء فاستقبلوها وهي تصدر عن الماء، فبدا أقدار وضرب عرقوبها بسيف وثنى مصرع فضرب عرقوبها الآخر ثم لم يزالوا يرمونها حتى وجبت وصاحت برغاءٍ شديد نحو سقبها فرجع السقب إلى صخرة مرتفعة ورغى إلى السماء فأقبلوا نحوه يرمونه بسهم حتى سقط، وتسامعت ثمود لذلك فخرج منهم قيام بأيديهم السكاكين واقتسموا لحومهما. وبلغ ذلك صالح ﵇ فأقبل نحوها باكيًا حزينًا حيران يقول: يا قوم عقرتم عن (٢) ناقة الله التي أخرجها لكم آية وحجة عليكم فتوقعوا العذاب فقد أضلكم، قالوا: وما علامة ذلك؟ قال: تتلون وجوهكم ثلاثة أيام أظنها (٣) يومًا دبار وهو الأربعاء ويوم مونس وهو الخميس والعروبة وهي الجمعة ثم يُصبحكم العذاب يوم شياد وهو السبت، فكان كما قال. وهاجر صالح إلى مكة وقبره بها في المسجد الحرام بين زمزم والمقام على ما يروى، ولم ينزل ديار ثمود أحد إلى اليوم فهي موحشة وبئرها معطلة وفي بيوتهم المنقورة في الجبال عظام كعظام الفيلة والجمال إذا أرادت العرب أن تجتاز تلك الديار رفعت الزاد والماء وسدت أفواه الإبل لئلا ترتعي من حشيش ذلك الوادي. ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ "ذه" إشارة إلى المؤنث وهي في الأصل ذي، فأبدلت الياء هاء ثم زيدت بالإشباع الهاء عند الحركة، (الناقة) الأنثى من الإبل. ﴿خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ وكانت قد استولت على الناس كلهم فلما

стр. 777

درجوا انفردت ثمود في تلك النواحي بالعدد والشوكة، و (السهل) ضد الحزن من الأرض و (القصر) كالحصن النحت أخذ وجه الحجر والخشبة ونحوهما، وهذا تنبيه على تسوية سقوفها وجدرانها إن شاء الله أو لأنها كانت على وجه الأرض كالبيوت المبنيّة ولم تكن الأرض كالأخاديد. (عقروا) قتلوا البعير ﴿وَعَتَوْا﴾ تردوا وطغوا. ﴿الرَّجْفَةُ﴾ الحركة الشديدة وهي الزلزلة في أرضهم والرعدة في أبدانهم عند الصيحة، و (الجثوم) للناس والطير كالبروك للبعير والربوض للغنم. ﴿لَا تُحِبُّونَ﴾ خطاب لجنس الكفرة ماضيهم وتاليهم أخبر عن عاداتهم. ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أ﴾ وأرسلنا لوطًا لأن هذه الأقاصيص كلها منسوقة (١) على قوله ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ وقوم لوط ﵇ هم سدوم وأدوما وعمورا وصعودا وصابورا يرجعون في النسب إلى بعض أولاد حام أو من وقع في تلك الديار من العمالقة إن شاء الله، وهم أجهل خلق الله وأخبث الناس كانوا كالأنعام بل هم أضل ولهم أحكام وسير عجيبة لا تطرد على قضية وحي إلهي ولا عقل منطقي ولا دعاء صالح ولا شهوة (٢) طبيعية، منها ما زعموا أن غريبًا دخل مدينتهم فرماه أحدهم ببندقة فشجه ثم تعلق يطالبه بدرهم، قال الغريب: رميتني فشججتني ثم تطالبني بدرهم؟ قال: نعم، هذا حكم الملك، وشهد له رجال منهم فقال الغريب: حتى أرى الملك فجره إليه فاحتال الغريب ليحصل ثلاث بنادق قبل أن أدخل على الملك، فلما أدخل عليه رماه بهن وشجه فلم يجد بدًا من أن يعطيه ثلاثة دراهم إمضاء لحكمه، فأخذ الغريب الدراهم الثلاث (٣) ودفع منها واحدًا إلى خصمه، وأضمر الملك له حقدًا وحاول عليه سبيلًا ليقتله فاستضافه (٤) على أجناس اللحمان، فلما جلس الغريب على المائدة وبدأ بالسمك

стр. 778

فارتفعت الأصوات بوجوب القتل عليه وأن له قبل القتل حاجة مقضية، فقال الغريب: حاجتي أيها الملك أن تنادي في البلدان: من شهد على غريب يأكل السمك كانت عقوبته كذا وكذا، فنودي بذلك. ثم عقد الملك مجلس القضاء واستحضر هذا الرجل ليقتله واستشهد الناس عليه فلم يشهد عليه أحد فخلى سبيله (١). ومن خصالهم المذمومة الملاعبة والمراودة برمي البنادق والتضارط في الأندية وإبداء السوأة والتفل بالبزاق في الوجوه واللواطة، وسبب ذلك أنهم كانوا أبخل الناس على ثمارهم وكانت ثمارهم كثيرة وقحط ما حولهم من البلدان. فكانت الغرباء يأتون ديارهم ويصيبون من ثمارهم وذلك يشق عليهم فيستقبلونهم بالشتم والضرب والمحتاجون لا ينزجرون، فتصور إبليس لشقي منهم في صورة صبي وضيء مشتهى وتسور حائط بستانه ليأخذ شيئًا من ثمارهم (٢) فقصده ليضربه فعرض عليه إبليس (٣) نفسه ووسوس إليه حتى أوقعه، ثم دلّ الملعون أصحابه عليه واستفاض الفاحشة فيهم وتعودوا ذلك (٤). ﴿مَا سَبَقَكُمْ﴾ ذلك يدلّ أنها لم تكن قبلهم و (قبل) يدل على مبالغتهم فيها ولا يدل على ابتداعهم إياها (٥) ولم يبين الله فيها أحدًا ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنَ﴾ للتفسير والتأكيد النفي (٦) ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ لتبيين الجنس وإنما لم يقل من الناس لتعظيم الأمر باللفظ الأعم.

стр. 779

﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ يدل على تعليق الحكم بالجنس فإنه لا تفيد في هذا الموضع إباحة ولا رخصة ولا شبه والشهوة داعية النفس وأراد لما فيها من اللذة ﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ أي من دون أن تأتوا النساء، أراد صرف الشهوة عن وجهها والاقتصار عليها ﴿بَلْ أَنْتُمْ﴾ استفهام (١) إنكم ما صرفتم شهوتكم إلى الرجال دون النساء على سبيل الإلجاء والاضطرار بل أنتم محرفون فيه باختياركم وقدرتكم وقيل: جواب كلامهم نحن نريد بذلك حفظ الأموال وحفظ العيال فقال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ في هذه الفعلة وفي سائر الخصال. ﴿أَخْرِجُوهُمْ﴾ لوطًا وابنته زعورا وربثا وقيل: زبّة وعروبة، وقيل: لوط وابنته والملائكة المرسلين، وقيل: كانوا ثلاثة عشر نفسًا مع لوط وابنته والرابع عشر امرأته ولذلك قالوا لإبراهيم لا تهلك قرية فيها أربعة عشر مؤمنًا يتطهرون يتجنبون عن القاذورات، وكان ذلك عيبًا عندهم كالختان عند الهنود (٢) والاستنجاء عند المشركين والاتزار في الحمام عند أصحاب داود الأصفهاني. ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ وروي أن الملائكة لما نزلوا جاء على هيئة الضيفان فمضت امرأته إلى قومها تخبرهم بحاجتها إلى الطعام فتسارعوا إليه، وفزع لوط ﵇ فبشره جبريل بأنهم مرسلون لإهلاكهم، فقال مستعجلًا: وما يمنعكم إذا قالوا ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] وأخرج جبريل ﵇ ريشة من جناحيه فاختطف أبصارهم فرجعوا عميًا يقولون: جاءنا لوط بسحره، ولما حسن عليهم الليل مشى لوط ﵇ إلى رجل منهم كان يذب عنه ويحسن جواره فنذره بالهلاك ودعاه ليخرج معه فلم يلتفت إلى قوله وأصرّ

стр. 780

على كفره. وخرج (١) لوط وقت الصبح مع أهله وخرجت معه امرأته، فلما سمعت الهزة التفتت فمسخها الله حجرًا ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ من الباقين في العذاب، وهاجر لوط إلى حضرة إبراهيم ﵇ (٢) فآواه وشاطره بماله ولم يزل معه إلى أن توفاه الله تعالى. ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ أراد الرجم بالحجارة من سجيل، قيل: أن اقتلع جبريل تلك القريات، وقيل: بعد ما اقتلعها وقلبها وجعل عاليها سافلها وكأن تلك الحجارة كانت من تربة تلك الأرض نصحت في الهواء حرارة الشمس أو بما شاء الله، وكان جبريل ﵇ (٢) رفعهما فيما يروى إلى غاية سمعت ملائكة السماء نبح كلابهم وصياح ديكهم من غير أن ينصب (٣) لهم كوز (٤) أو تزلزل بهم مكان ثم قلبها من ثم وتبعتهم (٥) الحجارة إلى أن (٦) رسخوا في الأرض واستولت على تلك الناحية عيون فتنة من ماء أسود، وكل من كان منهم في سفر (٧) أصابه حجر (٨) فقتله ﴿فَانْظُرْ﴾ أي تفكر واعتبر (المجرم) الذي يأتي الجريمة وهي الجريرة والجناية. ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ قيل: اسم شعيب بالعربية يثرون وبالعبرية شعيب، وهو ابن شمعون بن عيف ابن ثابت بن إبراهيم (٩) وأمّه من أولاد لوط، وقيل: هو ابن ميكيل وأم ميليك ابنة لوط، وقيل (١٠): إن مدين بن

стр. 781

إبراهيم ﵇ (١) كان قد تزوج [وبنا بنت لوط وهو وذريته من ذرية لوط وعن محمد بن إسحاق أنه شعيب بن] (٢) يثرون والله أعلم أرسله الله إلى مدين وهم بنو مديان بن إبراهيم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وقيل: التقدير إلى أهل مدين فإن مدين اسم البلدة (٣) مشتق اسمها من اسم مديان كما سميت (٤) مصر مصرًا باسم مصر بن قيط بن كنعان بن حام، قيل: أصحاب مدين هم أصحاب الأيكة سمى الله تعالى بلدهم أيكة لالتفاف شجرها وإحداق الغياض بها، يدل عليه دعوته القوم في الموضعين جميعًا إلى إيفاء الكيل والوزن. وقيل: أصحاب مدين غير أصحاب الأيكة لكن كانت إحدى البلدتين قريبة من الأخرى وكان قد تواطأ أهلها على بخس الكيل والوزن، ألا ترى وصف الله تعالى بأخوة أصحاب مدين لأنه كان من قبيلتهم ولم يصفه بأخوة أصحاب الأيكة لأنه لم يكن من قبيلتهم. وقال القتبي: إن شعيبًا لم يكن من ولد إبراهيم ﵇، ولكنه من نسل رهط آمنوا بإبراهيم وهاجروا معه إلى الشام والله أعلم، وأجمعوا أنه كان عربيًا ولم يذكروا إلى من يرجع، وكان مكفوفًا وكان أفصح الناس في زمانه وأبينهم لما يريد، وكان النبي ﵇ يسمي شعيبًا ﵇ خطيب الأنبياء. ﴿جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ﴾ أي ما ثبت في العقول من دلائل التوحيد وحسن الاتصاف وقبح الخيانة أو ما وصَل إليهم من سبيل التواتر من أخبار عاد ونمرود والمؤتفكات أو ما أكرم الله به شعيبًا من الفصاحة المعجزة والأخبار من المشاهدات مع كونه أعمى، والعصا التي كانت

стр. 782

لموسى ﵇ (١) وكان شعيب قد أعطاها إياه أو شيء لم يبلغنا خبره ﴿الْكَيْلَ﴾ تقدير الشيء بالظروف ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ ما يقدر به ثقلًا أشياءهم وأموالهم وحقوقهم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الخيانة ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إنصافكم الناس خير لكم بعد أن تؤمنوا، ويحتمل أنهم يدعون الإيمان ببعض الأنبياء كادعاء أهل الكتاب. وكانوا يعترضون لمن قصد شعيبًا ﵇ ويخوفونه بالقتل والأذى إن آمن به فنهاهم عن ذلك وقال ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ الآية، وعن السدي أنهم كانوا يقطعون الطريق (٢) ﴿وَتَصُدُّونَ﴾ معطوف على ﴿تُوعِدُونَ﴾ ﴿فَكَثَّرَكُمْ﴾ بالعدد، وتعليق الصبر بإيمان البعض دون البعض يحتمل ثلاثة أوجه: أحدهما: أنكم إن اختلفتم في أمري فانتظروا حكم الله ولا يحملنكم ذلك على الاقتتال. والثاني: أن المؤمنين لما استضعفوا ورأوا بسطة الكفار كادوا يرتدون على أدبارهم فقال (٣) إن كنتم آمنتم وكفر غيركم فاشطروا حكم الله في العاجلة. والثالث: أن المؤمنين منهم شكوا إليه فعزّاهم وأمرهم بالصبر إلى أن يأتي الفرج من عند الله. وقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ و ﴿خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠] و ﴿أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤] و ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] كله على سبيل المجاز واعتبار التسمية واللفظ دون المعنى تعالى الله أن يجانس شيئًا (٤) من خلقه علوًا كبيرًا.

стр. 783

﴿لَتَعُودُنَّ﴾ يحتمل ثلاثة معان: أحدها: أن شعيبًا وقومه كانوا على ملة واحدة من الإيمان والتوحيد، فلما أبدعوا بدعًا نبأ الله شعيبًا وأحدث له ما شاء من أمره، وأمره بدعوة قومه كما أمر عيسى بدعوة اليهود، فلذلك دعوا شعيبًا إلى العود. والثاني: أن ملتهم كانت كفرًا ولم يكن شعيب في ملتهم قط ولكن أدخلوه في حكم سائر المخاطبين من قومه المؤمنين على سبيل المجاز. والثالث: أنهم ادعوا الكفر عليه وموافقته إياهم من قبل ظنًا منهم أو وقاحة وبهتانًا كما قالت قريش صبأ محمد أي: كان على ديننا. فقال شعيب ﵇: أتكلفوننا العود ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ ينبئهم على أن العودة لا تصح مع الإكراه. ﴿بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ يحتمل ثلاثة معانٍ: أحدها: أن الإيمان والتوحيد كان ملتهم ولكن الله تعالى نسخ الأمر بالتخفيف فقال شعيب: لو عدت إلى الأمر بعد ما عما الله لكنت مفتريًا على الله. والثاني: أجاب عن قومه المؤمنين وأدخل نفسه فيهم على المجاز. والثالث: عني نجاة قبل الابتلاء كقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] وذلك قبل أن تمسهم النار ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: حالة نسخ الشرائع أو حالة التقية في الأصل ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بحكمك الحق حذف الاسم وأقيم الصلة مقامه. ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ لمؤمنيهم قيل: أهلك الله أصحاب مدين بالرجفة وأصحاب الأيكة بالظلمة، وقيل: البلدة واحدة، جمع الله عليهم بين حرارة الظلمة وبين الرجفة كما جمع على ثمود بين الرجفة والصيحة.

стр. 784

﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ وخبره ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ (١) ويحتمل أن ﴿الَّذِينَ﴾ بدل عن الضمير في (أصبحوا)، ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي لم ينزلوا أو لم يقيموا أو لم يعيشوا أو لم يكونوا فيها (٢). ﴿فَتَوَلَّى﴾ أعرض عن دعوتهم عند معاينتهم البأس أو عند هلاكهم، وخاطبهم بهذا الخطاب فأسمعهم تعالى ذلك كما أسمع ثمود كلام صالح بعد هلاكهم، وأصحاب القليب كلام نبينا ﵇ (٣)، وهذا دليل على جواز عذاب القبر ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾ أحزن (٤) على سبيل النفي والإنكار. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ﴾ لما ذكر الله تعالى بعض الأنبياء على التفصيل ذكرهم على سبيل الإجمال ليعمّهم بالإخبار عنهم وليزيد وعظًا وعبرة، والآية مختصة بالذين كذبوا الأنبياء والحال تدل عليه ﴿لَعَلَّهُمْ [يَضَّرَّعُونَ﴾ أي جعلنا البأساء والضراء من دواعي التضرع والإذعان في الظاهر المعقول دون المعلوم] (٥) والمقدور.

стр. 785

﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ (١)﴾ فائدة التبديل شيئان؛ أحدهما: فتنة الامتحان بالحالتين لئلا يبقى لهم عذر. والثاني: فتنة اللبس والخذلان ليظن الجاهل المخذول أن صُروف الدهر وتقلب الأيام عادة ولا يتضمن معنى الدعوة والإنذار ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي إلى أن كثروا (٢) ونموا. ﴿بَرَكَاتٍ﴾ أبواب البركات، والبركة النماء والسعة وكثرة الخير، وأبوابها مصادرها التي تتولد منها كالأمطار النافعة والرياح لوقتها. ﴿أَفَأَمِنَ﴾ الفاء لتعقيب أمنهم الإنذار والاستفهام على سبيل اللوم والتقريع. ﴿أَوَأَمِنَ﴾ قيل على الاستفهام وقيل على التخيير، من أمن مكر الله كان معتقدًا لعجز في صفاته تعالى ودخول فعله تحت الحظر والإباحة أو نفي سبيله على عباده من حيث ذنبهم وتقصيرهم، وكل هذه الثلاثة كفر ولذلك توجه الإنكار على من أمن مكر الله تعالى. الذين ﴿يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ هم الموجودون وقت الإنكار والإنذار ﴿وَنَطْبَعُ﴾ كلام مستأنف، وقيل: معطوف على قوله ﴿أَصَبْنَاهُمْ﴾ كقوله ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] فنذر الذين لا يسمعون الشيء النافع إن شاء الله وإنما قال ﴿لَا يَسْمَعُونَ﴾ ولم يقل لا يفقهون للمبالغة في النفي، فإن الإنسان ربما يسمع ولا يفقه وإما أن يفقه ولا يسمعه، ويحتمل أن المراد به نفي الاستماع. ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ في الحالة الثاثية بما عدّوه كذبًا في الحالة الأولى لترجح اختيارهم الفعل الكفر على الإسلام في قلوبهم وآرائهم بخذلان الله تعالى ﴿بِمَا كَذَّبُوا﴾ بالسبب وليست بالتي يتعدى الإيمان بها

стр. 786

فتقديره إذًا: فما كانوا ليصيروا مؤمنين بسبب تكذيبهم له (١) وأمره (٢)، والآية مختصة بالمصرّين على الكفر دون الذين تداركهم الله برحمته. ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾ من محافظة عهد، وقال ابن مسعود: من إيمان. ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ لما شدّد فرعون علي بني إسرائيل الأمر وكاد يفنيهم لذبحه المواليد أبى الله أن ينشأ موسى إلا (٣) في حجره فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا، وكان فرعون قد تبنّاه فلما شب موسى ﵇ حمله حُب إقامة القسط وإدحاض الجور وموالاة العشيرة على أن وكز القبطي فقضى عليه. ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ إلى قوله ﴿لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] لمداومته على الجدال وملازمته الخصومة، فلما أن ﴿أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ [القصص: ١٩] قال الغوي: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص: ١٩] وشنّع عليه لجهله وحمقه، واستفاض الخبر في المدينة فجاء خربيل النجار وكان من قوم فرعون إلا أنه قدرت له السعادة ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] فخرج منها خائفًا يترقب، ولما توجه تلقاء مدين ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] فأكرمه الله بصحبة شعيب ﵇ وبمصاهرته، وكان شعيب قد عمر بمدين مع المؤمنين من قومه إلى ذلك الزمان بعد هلاك الكافرين من قومه، وكانت هذه القصة (٤) قبل هلاك الكافرين والله أعلم. ثم رجع من عند شعيب بعد عشر سنين وقيل بعد ثنتي عشرة سنة مع أهله واتفقت له في الطريق أسباب النبوة بإذن الله تعالى ونودي من الشجرة ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا

стр. 787

﴿يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾ [طه:١٤ - ١٦] وشاهد من عصاه ويمينه ما شاهد وأرسله إلى فرعون وغفرت له خطيئته في قتل القبطي الكافر قبل إباحته، وألهم وأمر أن يستشفع في الرسالة فاستشفع وأجيب إلى ذلك وشفع بهارون ﵇ (١) وهارون بمصر، فرد موسى أهله إلى شعيب وتجرّد للرسالة متوكلًا على الله مطمئنًا على وعده ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] فلما انتهى إلى مصر وجد أباه قد توفي ووجد أمه في الأحياء وكذلك أخاه وأخته، فنزل كهيئة الضيف فقدموا إليه طبيخًا من خلّ وعدس بلحم ثم تفرس فيه هارون على المائدة فعرفه وتباشروا به، وبشر موسى أخاه بالرسالة فقال: سمعًا وطاعة، وأصبحا على باب فرعون من ساعتهما فأذن لهما بالدخول، وقيل: بقيا على بابه سنتين حتى انتهى أمرهما إليه واستحضرهما وكان من قصتهما معه ما سنذكره. ﴿بِآيَاتِنَا﴾ اليد والعصا وانحلال اللسان وغير ذلك، وكانت العقدة وقعت في لسانه من جهة وإنما أخذ بلحية فرعون وهو رضيع فهمّ فرعون بقتله متخوفًا أنه عدوه الذي سيهلكه، فتشفعت امرأته وقالت: طفل لا يميز فامتحنه فرعون بطبقين طبق من ياقوت وطبق من جمرة (٢) فكاد موسى يلتقط ياقوتة لما جبله الله عليه من حسن الاختيار، ولو فعل ذلك لعلم فرعون علمه، فلبس الله الأمر على فرعون فقرب يد موسى إلى جمرة والتقطها ووضعها في فيه على عادة الصبيان فانزوى طرف لسانه إلى أن أحلَّه الله إكرامًا له وآية على صدق دعواه ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ أي كفروا وكذبوا وذهبوا بها غير المذهب فقالوا: هي سحر. ﴿حَقِيقٌ﴾ واجب، وقيل: جريء ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي خلّ سبيلهم وأمسك عن قتلهم واستعبادهم. ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ إنما قال هذا إنكارًا للدعوة ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ولم يرد بهذا السؤال استرشادًا واستبانة.

стр. 788

﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ الحيّة اسم جنس ما ينساب على بطنه، والله شبّه الحية المنقلبة من عصا موسى بالثعبان في عظم خبثها والجان في سرعة انسيابها، وقيل: إن عصاه انقلبت مرة ليلة البعث عند الشجرة ومرة عند فرعون في داره ومرة يوم الزينة بين يديه في عرصَاته على أعين الناس في مقابلة السحرة، فاختلفت الأوصاف لاختلاف الأحوال. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ كان لون موسى إلى السمرة ما هو وكان عليه مدرعة صوف فضربه فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها إليهم بيضاء دريّة يغلب ضوؤها ضوء الشمس ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ أي فحيث مضى لأجل الناظرين. ﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾ أشراف قومه وخاصته الذين كانوا سفراء بينه وبين العامة سمعوا هذه المقامة ثم خرجوا من عنده وقالوا للعامة تبليغًا عن فرعون، فالله تعالى ذكر مقالتهم ههنا ومقالته لهم في سورة "الشعراء". قال الملأ للعامة تبليغًا عن فرعون ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠)﴾ استأمرهم لاستمالتهم ولاجتماع الكلمة لئلا ينكر عليه بعضهم فعله فيقع بينهم التجادل بالتجادل ويتمكن بنو إسرائيل من قهرهم وإعجازهم. ﴿أَرْجِهْ﴾ الإرجاء التأخير والإمهال، وإنما أشاروا عليه بذلك إما للتثبت والاستبانة وإما للهُدنة وخوف المعاجلة وإما لصرف الله إياهم عن هذا الجواب الجاد كي يتم مقدوره في السحرة وفيهم. ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ قيل: إن فرعون كان عنده رجلان مجوسيان ساحران من أهل نينوى، وكان قد دفع (١) إليهما رجالًا من قومه يعلمانهم السحر فمهر في ذلك منهم سبعون رجلًا وبلغوا النهاية، وكان فرعون قد شحت بهم مدائنه (٢) حوالي مصر ورتبهم فيها وأجرى عليهم الجرايات

стр. 789

وليزينوا أمره إلى العامة بالتمويهات، فحضروا عنده لما استحضرهم واستشرطوه لئن غلبوه ليعطيهم الأموال وإنما استشرطوه بمشهد الناس لما علموا من خبثه أنه لا يعرف لهم حقوقهم من غير ضمان، وعن عكرمة أنهم كانوا ثلاثة وسبعين، وعن ابن إسحاق أنهم كانوا خمسة عشر ألف رجل، قال نعم وأجابهم إلى سؤالهم ووعد لهم التقريب (١) ورفعه الإقرار لشدة الاضطرار وخوف الفضيحة. ﴿إِمَّا﴾ للشك والتخيير ولم يعقب كلامًا مستقلًا بنفسه بخلاف "أو"، واعلم أن ﴿إِمَّا﴾ ربما وُصلت بالفعلين بـ "أن" كهاهنا وقوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦] وربما وصلت بالفعلين بغير "أن" كقوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] فإن وصلت بـ "أن" حل الفعلان محل المصدر وكان فيهما معنى الأمر على سبيل التخيير، وإن وصلت بغير أن كانا خبرين (٢) والواجب من الخبرين أحدهما لا بعينهِ وفائدة الآخر الإيهام واللبس، والتقدير ههنا: إما إلقاء منك وإما تسليم لنا لنُلقي، وإنما خيروا موسى لجرأتهم ولاستواء (٣) الأمرين عندهم ولقصدهم قطع عذر موسى ﵇ من كل وجه. ﴿قَالَ أَلْقُوا﴾ سلم لهم الابتداء ليتمكنوا من سحرهم على طمأنينة وجراءة عقل فيكون إبطاله بعد إتمامه أدل على الحق وأوقع في القلوب، ولو ابتدأ موسى لما تمكنوا من سحرهم دهشًا وحيرة ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أرهبوهم واستدعوا رهبتهم، وإنما وصف سحرهم بالعظم لأنهم حرّكوا الحِبال والعصيّ في الرمضاء بالحيل، شبهوا الجماد بالحيوان لفعل أنفسهم في مقابلة الإعجاز من غير استعانةٍ بالأرواح الخبيثة من الشياطين مستبدين فكان يصغر بجنبه كل سحر.

стр. 790

﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ أي: فألقاها فإذا هي تلقف، وإنما قيل على لفظ الاستقبال لأنها تلقفت شيئًا بعد شيء (١)، قال الكلبي: عظمت عصا موسى حتى كادت تسد الأفق وفتحت فاها سبعين ذراعًا وأقبلت على فرعون فطوقت رقبته بذنبها ثم فتحت فاها لتبتلعه فاستعاذ فرعون بموسى فصاح موسى وأخذها فإذا هي عصا كما كانت، وعن السدي أنّ (٢) فرعون هرب منها وأحدث، وقيل: ابتلعت الصخور العظام وكانت نار تخرج من فيها (٣). ﴿فَوَقَعَ﴾ أي وجب ولزم وثبت مشاهدة وعيانًا. ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ أي ألجئوا من غير اختيارهم (٤) وذلك لعلمهم أن ما أتى به موسى ﵇ شيء إلهي ليس من حيلة الجن والإنس بانفراد ولا مشاركة، فإن تقليب الأعيان والإيجاد والإفناء من فعل الله تعالى وإنما علموا ذلك لتناهيهم في علمهم، ولو كان مبتدئًا لتوهموا أنه أسحر منهم ولهذا يحمد التناهي في كل علم ولو كان باطلًا، ومن سنة الله تعالى أن يجعل آيات أنبيائه أشياء تلتبس بالغالب من دعاوي أهل العصر لتكون الحجة اللازمة، فبعث موسى ﵇ في عصر التمويهات وعيسى ﵇ في زمن الطبّ، ومحمد ﷺ (٥) في عصر الفصاحة والكهانة. ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ يحتمل إلجاء كالسجود ويحتمل اختيارًا. ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ لما رجعت العصا كهيئتها رجع إلى فرعون

стр. 791

قدرته (١) وعاد إلى عادته الخبيثة من الكفر والطغيان وأنكر على السحرة إيمانهم بغير إذنه، يري العالم أنهم (٢) حيث لم ينظروا إذنه (٣) ويريهم أنهم كانوا قد واطؤوا موسى ﵇ في السرّ من قبل وأن دعوتهم واحدة، وهدّد السحرة بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ثم أتبعه التصريح بالوعيد، فقال: لأقطعن أيديكم لعلهم يخافونه، وإنما اجترأ على السحرة لما شاهد من عجزهم، أو لأنه علم أنهم لا يسحرونه بعد إيمانهم، أو لأنه كان يعلم من قبل أنهم مموّهون. ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥)﴾ في مجادلتهم فرعون دلالة على أن قدرتهم رجعت إليهم فآمنوا اختيارًا بعد ما سجدوا اضطرارًا، وإنما علموا أنهم صائرون إلى الله تعالى لما ألقى الله في قلوبهم من الإلهام. ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ﴾ الأشراف ﴿مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لما شاهدوا الآيات ورأوا إيمان السحرة وسمعوا مقالة خربيل النجار خافوا الانتشار من رعاياهم فأنكروا على فرعون تركه موسى وقومه مطلقين سالمين فقالوا: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ ... وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ أي ويخلعك نصب عطفًا على التفسير وفي مصحف أُبي ﴿وقد تركوك وآلهتك﴾ (٤) أصنامك التي نصبتها ليتقرب الأقاصي بها إليها يدل عليه قوله ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وقرأ ابن عباس ﴿وإلاهتك﴾ (٥) يعني عبادتك، فقال فرعون: ﴿سَنُقَتِّلُ﴾ سنستمر فيهم على عادتنا قتل البنين وترك البنات، ولم يتجاسر على أكثر (٦) من ذلك لما يتخوف من تحريك الساكن في تغيير العادة ﴿قَاهِرُونَ﴾ متسلطون عليهم.

стр. 792

﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾ على الائتمار بأوامره واصبروا على أذى فرعون وقومه ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا﴾ تنبيه منه إياهم على التسليم والرضا بالقدر ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ عاقبة الخير دون الشر ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ بشارة وحث على التقوى. ﴿قَالُوا أُوذِينَا﴾ عن وهب أن فرعون صنّف بني إسرائيل أصنافًا، فأما ذوو (١) القوة منهم فيحملون إليه السواري من الجبال وهم يتولون قلعها ونحتها ونقلها، وأما من دونهم في القوة فينقلون إليه الحجارة والتراب للبناء، وأما الضعفة منهم فيضربون اللبن ويطبخون الآجر، ومن لم يستطع من ذلك شيئًا كانت على رأسه ضريبة يؤديها كل يوم قبل أن تغرب الشمس فإن غربت قبل أن يؤديها غلّت (٢) يداه إلى عنقه شهرًا، فضجروا لذلك وضاقوا به ذرعًا وشكوا إلى موسى فصرح لهم البشارة بإذن الله تعالى (٣) ليطمئنوا إليها ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصر، وقيل: الأرض المقدسة لأن بني إسرائيل لم يرجعوا إلى مصر بعد ما هربوا من فرعون وليس بسديد. ﴿بِالسِّنِينَ﴾ القحوط، قال ﵇: "اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف" (٤). ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى﴾ التطير التشاؤم بالمقدر الموهوم من الشيء (٥)

стр. 793

﴿طَائِرُهُمْ﴾ حظهم المقدر من خير أو شر، وكأنه سمي الطائر لسرعة وجوده ومجيئه كما يقال: طارت الكلمة والصبح المستطير. ﴿مَهْمَا﴾ حرف شرط ولا بد من أن يكون كله أو بعضه اسمًا موصولًا، وهي حرف على صيغة تلك، وقيل: أصلها ماما (١) الأولى للشرط والثانية للتأكيد دخلت على الأولى، وقيل: حرفان، مه للزجر وما للشرط (٢). ﴿الطُّوفَانَ﴾ جمع واحدتها طوفانة كالرمان والحصبان، وقيل: مصدر كالرجحان والخسران، وقال ابن عباس: الطوفان أمر من الله تعالى طاف بهم ثم قرأ ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٣) [القلم: ١٩]، وقال عطاء ومجاهد: أنه الموت الذريع (٤)، وقال وهب: هو الطاعون بلغة اليمن (٥)، وعن

стр. 794

أبي قلابة: الجدري (١)، وعن الكلبي (٢): المطر الدائم من السماء من سبت إلى سبت لم يروا فيه شمسًا ولا قمرًا ولم يقدر أحد أن يخرج إلى ضيعته فكادت مصر تكون بحرًا واحدًا فاستغاثوا إلى موسى ﵇ ووعدوا له تسريح بني إسرائيل، فدعا الله ليصرف ذلك عنهم فصرف وأنبت الأرض في أثره من الزروع والثمار والعنب ما لم يروه قط، فقالوا: كان المطر خيرًا لنا ولم نشعر به، فرجعوا إلى تعذيب بني إسرائيل، فابتلاهم الله بالجراد وهو الذي ركبتاه من فوق الظهر يحل أكله من غير ذبح، فصار عليهم كالسحاب فأكل عامة زروعهم وثمارهم فاستغاثوا إلى موسى ﵇ ووعدوا له تخلية بني إسرائيل فصرف الله الجراد عنهم بالريح فرجعوا إلى إيذاء بني إسرائيل وقهرهم، فأرسل عليهم (القمل) قال الكلبي وإحدى الروايتين عن ابن عباس: الدَّبى (٣)، وهي صغار الجراد لا أجنحة لها، فغشيت وجه الأرض وأكلت ما أفضلت الجراد فلم تترك في مصر عُودة خضرة ولا حبّة فاستغاثوا إلى موسى ﵇ (٤) فأهلكها الله بالحرّ (٥)، وعن ابن عباس وابن جبير: القمل دويبة (٦) تأكل الحنطة والحبوب (٧) تخرج منها، قال الأمهر (٨): كأنها السوس (٩)، وعن عطاء أنها دابة لها سن تأكل شعور النساء (١٠)، وقيل:

стр. 795

هي الحكة، وقال الأحمر: واحدة القمل قملة (١)، وقال الفراء: لا واحد لها. ثم عادوا إلى عادتهم الخبيثة فابتلاهم الله بالضفادع خرجت إليهم من البحر وزاحمتهم في مجالسهم ومضاجعهم، كان الرجل يستيقظ فيجد على سريره ذراعًا من الضفادع بعضها فوق بعض، و (الضفدع) الذي صوته النقيق، فشكوا إلى موسى فأمات الله الضفادع وقال لموسى ﵇ (٢): خلينا بني إسرائيل فاذهب بهم حيث شئت مجردين ولا تذهب بأموالهم ومواثيقهم، قال موسى ﵇: أمرني الله أن أخرج بهم وبأموالهم ولا أخلف لهم بقرة ولا حمارًا (٣) ولا فضة ولا ذهبًا، قالوا: والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل، فابتلاهم الله بإحالة مياههم دمًا فكانت عيونهم وأنهارهم دمًا وأنهار بني إسرائيل صافية عذبة، فاستقوا من أنهار بني إسرائيل فصار الماء في أوانيهم دمًا، فركب فرعون إلى أنهارهم وأمر أناسًا من قومه ليخوضوا في أنهار بني إسرائيل ويكرعوا في الماء فإذا الماء تنقلب في أفواههم دمًا، فكلف أناسًا من بني إسرائيل ليسقوا أناسًا من قومه بأفواههم، فكان الماء إذا خرج من فم الإسرائيلي إلى فم القبطي صار دمًا. ومات الأبكار من كل شيء فعجز فرعون وحلف بأيمانه لموسى (٤): ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فدعا موسى فصرف الله ذلك عنهم فلم يزد فرعون إلا تمردًا وعنادًا، وكانت المهلة بين كل عذابين شهرين شهرين، وقيل: شهرًا واحدًا وقيل أسبوعًا، ﴿عَهِدَ﴾ العهد الشريطة. ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ﴾ أي على سبيل التمثيل والإرجاء على سبيل العفو، و (النكث) هو نقص العهد.

стр. 796

﴿الْيَمِّ﴾ البحر، وقيل: اسم البحر إساف (١) خاصة، ولما تم معلوم الله تعالى من فرعون وقومه في مجادلة موسى ﵇ أوحى إلى موسى ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣)﴾ [الدخان: ٢٣] وكان الميعاد ساحل البحر، وتأهب موسى للخروج وكان لا يتفق له ذلك، فشاور قومه فذكروا وصية من جهة يوسف ﵇ وهو أن يخرجوا بتابوته إذا خرجوا، فطلبوا من يدلهم فلم يجدوا إلا عجوزًا قبطية دلتهم عليه على شريطة أن يخرج بها موسى ﵇ مع نفسه ويدخل الجنة معها، فضمن موسى ﵇ لها ذلك فدلتهم على صخرة مضمرة في قعر الوادي فاستخرجوه. ثم استعاروا من حليّ قوم فرعون يستدرجونهم بها وخرجوا ليلة الأحد التاسع من المحرم وكانت علامتهم لطخ الأبواب بدماء الذبائح، من انتهى إلى باب أخيه ورأى تلك العلامة تيقن بخروجه ولم ينتظره، فلما اجتمعوا بالبرية اعترضهم موسى ﵇ فكانوا ستمائة ألف وعشرين ألف فارس مقاتل سوى الرجالة والنساء والمشائخ والصبيان، وجعل موسى هارون ﵇ (٢) على مقدمتهم وأمره بأن يقودهم إلى البحر فإنه ميعاد جبريل ﵇ (٢) وكان هو في ساقتهم يسوق سبطًا سبطًا. وانتبه قوم فرعون وقت السحر فلم يحسّوا بأصوات بني إسرائيل فقصدوهم فوجدوهم قد خرجوا فأخبروا فرعون بذلك، فأراد فرعون أن يتغافل عنهم قالوا: كيف وقد استعاروا أموالنا وحلينا وذهبوا بها؟! فحملهم ذلك على أن خرجوا في أثر بني إسرائيل غداة يوم الأحد، وقيل: غداة يوم الاثنين والزمان زمان الصيف، وكان هامان على مقدمتهم في ألف ألف فارس فلحقوهم وقت الهاجرة ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٣] قيل: وكان موسى مأمورًا بأن يخاطب البحر ويكنّيه بأبي خالد، قالوا: وكان جبريل على روكه تلقاه فرعون على

стр. 797

حصان فتقدم جبريل بين يدي فرعون والروكة كأنها تستودق (١) فَصَال عليها الحصان ولم يستطع فرعون أن يمسكه حتى اقتحم البحر ولم يلتطم (٢) فظن العسكر أن البحر إنما انفلق بأمر فرعون فاتبعوه كلهم، فلما خرجت بنو إسرائيل ودخل فرعون مع قومه كلهم في البحر أتم الله مقدوره فيه. ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ﴾ أرض فرعون ﴿بَارَكْنَا فِيهَا﴾ (٣) أي بالخصب، وقيل الأرض المقدسة، وقيل: كلتاهما (٤) و (الكلمة الحسنى) العِدَة الجميلة (٥) وإنما قال ﴿عَلَى﴾ لأنها نعمة. ﴿وَدَمَّرْنَا﴾ أهلكنا، وفائدة إهلاك قصورهم وعروشهم هو آثارهم ليعتبر به غيرهم لقوله ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا (٦)﴾ [النمل: ٥٢] أو لأنها كانت لا تصلح للمسلمين فهدموها ونقضوها وبنوا أبنية إسلامية، وكان نبينا ﵇ (٧) يأمر بهدم الأطام (٨) بالمدينة (٩).

стр. 798

﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ﴾ أي وقفوا واطلعوا وانتهوا إليهم وهم قوم من العمالقة من عشيرة فرعون وقيل: من قبط وهم قوم فرعون ورعيته، وقيل: هم قوم من بني لخم بن عدي بن عمرو بن سبأ بن شحب بن يعرب بن قحطان كانوا نزولًا على ساحل البحر يعبدون الأصنام، فلما عاينت بنو إسرائيل وكانوا قد عاينوا قوم فرعون نصب آلهة يتقربون بها إلى فرعون توهموا جوازه في أهل التوحيد تقربًا إلى الله ولم يعلموا أنه شرك، فحملتهم محاكاة على أن قالوا لموسى ﵇ ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ وهذه القصة قبل إيراث الأرض. ﴿مُتَبَّرٌ﴾ مهلك (١)، والتبار الهلاك ﴿مَا كَانُوا﴾ أي ما هم يعملون. وقوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ﴾ إنكار منه عليهم وتذكيرهم نعم الله. ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى﴾ قيل أن موسى ﵇ كان وعد قومه أن يرجع إليهم بعد ثلاثين ولم يعلم أن الله تعالى يزيده في الميقات عشرة، فلما لم يرجع إليهم على رأس ثلاثين، قيل: أنه كان أخبرهم بأنه قد زيد في ميقاته الثلاثين عشرة لكنهم عدوا عشرين يومًا وعشرين ليلة أربعين. وفائدة قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ نفي إيهام أن يكون التتمة بالعشرة، ومن جملة الثلاثين، وكان بين الميقات وبين غرق فرعون عشرة أشهر لأنه غرق (٢) يوم عاشوراء وكان الميقات شهر ذي القعدة وعشر من ذي الحجة و (الميقات) مفعال من الوقت. قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ قال بعض أهل الزيغ: سأل عن

стр. 799

قومه حيث قالوا: أرنا الله جهرة وهذه أفسد؛ لأنه قال: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ولم يقل أرنا ننظر ولا أرهم ينظرون وإنما قال ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ ولما ابتلي بالصعق. وقال بعضهم: سأل رؤية الآيات وهذا باطل لمخالفته ظاهر الآيات وفحواها، ومشاهدته الآيات، والقول الصحيح أن موسى ﵇ كان عارفًا به متيقنًا بأنه ﷻ يُرى ولكن خفي عليه أمر نفسه أنها لا تحتمل معاينة صانعها في التركيب الدنيوي فاستزلته سكرة الاشتياق عن محافظة آداب (١) العبودية حتى جاوز (٢) حد تقليب الوجه والتعريض إلى النطق والتصريح فابتلي بـ ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ وشغل بالنظر إلى الجبل على شريطة أن التركيب الدنيوي من الجبل إن احتمل المعاينة احتملها موسى ﵇ (٣) وأنى للجبل ذلك، ثم رفع عن الجبل شيء من حجاب الآنية المتكونة فأشرق بنور الآنية المتكونة وتلاشى لجلالة بمرأى من موسى ﵇ وهو المقصود فصار الروح من موسى مختطفًا مغلوبًا كالسراج في الشمس. ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ بإذن الله سبح لله، وتاب إليه عن سؤال ما لا ينال بالسؤال وكان أول المؤمنين يتقطع الجبال لتجلي ذي الجلال، يروى أن الجبل تقطع قطعًا فصارت قطعة منهن هباء منثورًا وطارت أربع قطع في الهواء فوضعن بمكة، وطارت أربع فوقعن بالمدينة، وروي أن المياه كلها عذبت تلك الساعة وظهرت المعادن والكنوز وزال الشوك عن الشجر وخمدت النيران وسقطت الأصنام، ويروى أن ملائكة السماء نزلوا من السماء بإذن الله تعالى وكانوا يقولون له: أطلبت رؤية ربّ العزة يا ابن النساء الحيّض؟! وأرسل الله على الجبل الضباب والصواعق والظلمات فأرعدت فرائص موسى وهم يقولون: اصبر لما سألت (٤) فإنما رأيت قليلًا

стр. 800

من كثير، ثم كان التجلي بعد هذه المقدمات (١) (٢). والمراد بـ (الصعق) الموت عند قتادة (٣) والغشي عند غيره (٤)، وقيل: ورجع موسى متبرقعًا ببرقع ومكث كذلك أربعين صباحًا لئلا يخطف نور وجهه بالأبصار. ﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي على أهل عصرك ﴿وَبِكَلَامِي﴾ ما أسمعه من كلامه من غير وساطة سفير. ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ وفي الحديث: "إن الله تعالى كتب التوراة بيده وخلق آدم بيده وخلق جنة الفردوس وغرس شجرة طوبى بيده فقال لسائر المرادات كوني فكانت" (٥) و ﴿الْأَلْوَاحِ﴾ قال الكلبي: كانت من زبرجدة خضر أو ياقوتة حمراء طولها عشرة أذرع (٦)، وعن وهب: من

стр. 801

صخرة صماء لينها الله تعالى لموسى ﵇ (١) فقطعها بيده وشقفها بأصابعه، وعن الحسن: من خشبة نزلت من السماء. وذكر الزجاج والفراء (٢) أنها كانت لوحين، ويجوز أن يعبر عن الاثنين بلفظ الجماعة كقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] وعن ابن جريج أن الله تعالى كتبها بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور (٣) ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي علمًا وخبرًا من كل شيء إما مجملًا وإما مفسَّرًا ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من الحلال والحرام والحسن والقبح والمباح والمكره ﴿بِأَحْسَنِهَا﴾ بحسنها لأن الله تعالى قد بين فيه الخير والشر والحسن والقبيح فالأحسن هو الحسن، وقيل: بأحسنها بحسنِهَا لأن الله تعالى قد بين (٤) أي أحسن قصصها وسيرها وتعبدهم الله بذلك دون ما دونه من الحسَن ﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ منازل آل فرعون (٥) ووعدهم الله أن يردهم إليها ويريهم إياها، وقيل: ما أراهم الله من منازل قوم لوط وأمثالهم ليعتبروا. ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ تقديره: تكبروا أي كانوا يتكبرون لاقتضاء أن تكون الجريمة مقدمة على الجرائم، ويحتمل أن الآية منزلة على موسى ﵇ (٦)، والمراد بهؤلاء السامري وقارون والذين قالوا لموسى اجعل لنا إلهًا، ويحتمل أنها مبتدأة الإنزال على نبينا ﵇ (٦) والمراد بهؤلاء اليهود. ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا﴾ قيل إن هارون قال لقومه: معكم حلي آل فرعون

стр. 802

وهي لا تحل لكم فادفنوها في موضع من الأرض، واحتال السامري حتى جعل في تلك الحفرة (١) قالب عجل، فلما ألقوا الحلي فيها وواروها بالتراب أوقد السامري عليها النار فصارت عجلًا منه شبه خوار بالطلسم، وقيل إنه كان رأى فرس جبريل ﵇ (٢) لا يضع حافره على الأرض (٣) إلا اخضرّ بإذن الله تعالى، فأخذ من موقع حافره كفًا من التراب ويقول: ليكونن لهذا شأن، وذلك بإلهام من الله قال الله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس: ٨] فلما أخرج العجل ألقى التراب في فيه فصار الجسد لحمًا ودمًا ذا روح له خوار، وقيل: لم يحصل الخوار من حيلته ولكن الله ابتلاهم به ليمدهم في طغيانهم عقوبة لسوء اختيارهم، وخوار البقرة كرغاء الإبل وثغاء الضأن ويعار الماعز وفي قراءة علي: ﴿له جؤار﴾ بالجيم وهو الصوت (٤)، قال الله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤]. ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي ندموا، هذه لفظة موضوعة للندامة (الأسيف) الممتلئ غضبًا (٥)، وقيل إن الألواح تكسرت إلا سدسها، (برأس أخيه) بلحيته، وقيل: قبض على ناصيته، وقيل: أخذ برأسه كما يأخذ المصارع، وهذه الفعلة يحتمل أن تكون جائزة من موسى ﵇ لأنه كان متبوعًا وهارون تابعًا وإن كانا نبيين، ويحتمل أن يكون زلّة ولكن الله لم يؤاخذه بها لزوال التمالك ولأنها كانت في ذاته، وفي الآية دلالة أن صبر الخليفة على جنايات قومه والتغافل عنها جائز لابتغاء المصلحة كمنابزته ومضاجرته

стр. 803

إياهم، ولذلك يصبر خلفاء نبينا ﵇ (١) من آل عباس على قبائح هذه الأمة وافتراق أهوائها. و (الشماتة) سرور العدو بما يسوء عدوه، و (الإشمات) إنالة العدو ذلك. ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ لأخذه برأس أخيه ﴿وَلِأَخِي﴾ لما ظنّ به من التقصير. وقيل: الاستغفار عبادة وإن لم تكن الزلة معلومة ﴿رَحْمَتِكَ﴾ جنتك. وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ الآية دلالة على نسخ الوعيد لأنه تعالى عفا عنهم وجعل القتل توبة لهم (٢). ﴿عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا﴾ هي ما تاب عنها أصحاب الصوامع وأمثالهم من التهتك والمجون، وقيل: التوبة والإيمان واحد جمع بين اللفظين للتأكيد، وقيل: التوبة ترك اعتقاد الكفر والإيمان ابتداء اعتقاد (٣) الإسلام وهما شيئان لا محالة ﴿سَكَتَ﴾ سكن ومنه السكنة، والسكوت الكف عن النطق. ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ أي أعيد له ما تكسر في لوحين، وقيل: أخذ الباقي وكانت فيه كفاية لأن الأحكام كانت فيه وإنما ذهب الأخبار والأمثال والمواعظ ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ لأمر وعيده يخافون، وقيل: اختار (٤)

стр. 804

موسى ﵇ (١) من قومه (٢) ستين شيخًا لم يجد من الشيوخ المرضيين غيرهم فأمر الله بإذنه أن يختار من كل سبط شابين فاختار فأصبحوا شيوخًا ثم أراد موسى أن يخلف منهم اثنين ويذهب بالسبعين فتشاجروا في ذلك فقال موسى: من قعد منكم كان له أجر من انطلق معي فقعد يوشع بن نون وكالوب وذهب موسى إلى الجبل، فلما انتهى إلى سفحه تركهم هناك وصعد موسى الجبل وكلمه الله تكليمًا وشاهد ما شاهد ثم رجع إليهم كالشمس الطالعة، فقالوا: نحب أن نسمع كلام الله كما سمعته، فأسمعهم الله كلامه (٣) فقالوا: نحب أن نرى الله جهرة كما رأيته، قال: إني لم أر الله جهرة، ولم تسكن قلوبهم إلى قوله فأخذتهم الرجفة، فقال موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ فإنك قادر على ما تشاء ولك السبيل والحجة، ثم قال: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ﴾ كما قالت الملائكة ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] وقال نبينا ﵇: "أتعذبهم وأنا فيهم أتعذبهم وهم يستغفرون؟ " وإنما علم موسى ﵇ فعل السفهاء بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥] ثم أثنى عليه فقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ أي ما هي إلا ابتلاؤك

стр. 805

وامتحانك فإنه لا طير إلا طيرك ولا إله غيرك ﴿تُضِلُّ بِهَا﴾ بالفتنة ﴿مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ أي بها وبغيرها. ﴿وَاكْتُبْ﴾ وأوجب ﴿هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ تبنا إليك (١)، وقال ابن عرفة (٢): مكنا إلى أمرك، ومنه الهوادة قيل: من هذا اللفظ اشتقاق لقب اليهود، وقيل: بل اللفظة من لقبهم. ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ أي يسع كل شيء إن شئت ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ بالآلاء والنعماء ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ أي الحسنة في الدارين والرحمة أو الآخرة نفسها للمذكورين خالصة يوم القيامة ﴿بِآيَاتِنَا﴾ كلها. ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾ يحتمل أنها نزلت على موسى ﵇ ويحتمل أنها نزلت على نبينا ﵇ (٣) مستأنفة ليقطع دعاوي (٤) اليهود والنصارى عن الإيمان بالآيات، وإنما وصف بالأمّي لأنه لم يكن يتلو قبله من كتاب ولا يخطّه بيمينه (٥)، ولأنه كان من أم القرى ولأنه لم يكن من (٦) نسل أهل الكتاب ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ دليل أن اسم

стр. 806

الشيء لا يغاير الأمر وما كلفهم الله من الأحكام الثقيلة والأغلال فألزمهم من الضيق والحرج عقوبة لجرائمهم لقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ أمثال ورقة وبحيرا الراهب ﴿وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ أمثال عبد الله بن سلام والقسيسين والرهبان والذين اتبعوا ﴿النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ أمثال كعب الأحبار إلى يوم القيامة. ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ﴾ أمة منقرضة (١) في سالف الزمان، تقديره: ومن الأمة ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ قال: ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] ثم قال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩] وقيل: الأمة الهادية قوم استقاموا على شرائع التوراة قبل نسخها بقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقيل: المراد بها عبد الله بن سلام وأصحابه الذين يتبعون الرسول النبي الأمي، وقيل: المراد بها قوم وقعوا بأرض وراء الصين رآهم نبينا ﵇ (٢) ليلة المعراج ودعاهم إلى الإسلام وتحويل السبت إلى الجمعة على سنة الإسلام فأجابوه وآمنوا به، وقيل: هؤلاء القوم على شريعة التوراة بعد، وهم معذورون لأنهم لم يروا نبينا ﵇ (٢) ولم يسمعوا القرآن ولم يبلغهم خبر الإسلام على سبيل الاستفاضة فإن جهة الوصول إليهم جهة واحدة وهي وادٍ من رمل جارٍ يخسف بمن اجتازه (٣) إلا يوم السبت، ولا يستنكر أن يكونوا قد غيروا وبدلوا في أيامنا وكانوا كما وصفهم الله تعالى حالة نزول الآية ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ أي يهدون من يصل إليهم من كفار نواحيهم ويهدون صبيانهم بالقول الحق والأمر الحق ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ فيما بينهم. ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ انفجرت. ﴿وَاسْأَلْهُمْ﴾ وفائدة السؤال التقرير عن القرية عما أصاب أهلها إذ

стр. 807

اعتدوا في أمر السبت ﴿حِيتَانُهُمْ﴾ جمع حوت كغيلان جمع غول، والحوت السمكة، ﴿شُرَّعًا﴾ قال أبو عبيدة معمر: شوارع في الماء بادية، قال الليث حسان: شوارع رافعة رؤوسها ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ لا يفعلون السبت، والسبت (١) مصدر، وكذلك يحتمل معنيين: التشبيه بالإتيان أي لا تأتيهم شرعًا والثاني أن يبتدىء كما أخبرناك ﴿نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ﴾ قيل: الأمة السائلة المبالغون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قالوا هذه المقابلة بمسمع من المعتدين لتأكيد الزجر، وقيل: هم المداهنون، وقيل: هم المعتدون أنفسهم سألوا على وجه الاستهزاء. ﴿فَلَمَّا عَتَوْا﴾ الآية كالبدل عن الآية الأولى ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ كالبيان للعذاب البئيس. ﴿تَأَذَّنَ﴾ وأذن بمعنى كتوعّد وأوعد، وعن الزجاج (٢): معناه تألَّى ربك و (المبعوثون) هم المسلطون عليهم من كافر ومسلم، وفي فحوى الآية بشارة لنا بالاستيلاء على الدجال وأتباعه ودلالة على بقاء بقية من هؤلاء الأرجاس إلى انتهاء الدنيا مقهورين مسخرين. ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ﴾ فرقناهم في أيام بخت نصر وبعده ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ الوصف ﴿يَرْجِعُونَ﴾ يتوبون.

стр. 808

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ نزلت في يهود (١) عصر الوحي ومن يجانسهم (٢)، وقيل: نزلت في الجائرين من فقهاء الأمة وقضاتها، (الخلف) بسُكون اللام (٣): العقب السوء ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ أي وجدوه عن آبائهم ومقدميهم ﴿يَأْخُذُونَ﴾ على إظهار ما في الكتاب وكتمانه منافع هذا الزمان ﴿الْأَدْنَى﴾ رشوة ﴿سَيُغْفَرُ﴾ أي يغفر لنا أخذ هذه الرشوة الواحدة وهم مصرّون وفي عزمهم أنه يأتيهم عرض مثله يأخذونه، وهذا القول منهم كفر وافتراء على الله وتأتًّ عليه لأن الله تعالى لم يعد ولم يوجب لمصرًّ على الصغيرة مغفرة فكيف لمصرًّ على الكبيرة ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ قيل: مستأنف والواو لعطف جملة على جملة (٤) كقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ [الضحى: ٦] أي وجدك يتيمًا وضالًا وعائلًا فآوى وهدى وأغنى. ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ﴾ عطف على (الذين) في الآية المتقدمة ويجوز أن

стр. 809

يكون مبتدأ وخبره نوفيهم أجورهم مضمرًا بدليل المضمر وقيل خبره ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ﴾ على اعتبار أن الذين يمسكون بالكتاب والمصلحين شيء واحد (١). ﴿نَتَقْنَا﴾ النتق رفع المظل على ما تحته، في حديث: "على البيت المعمور نتاق الكعبة من فوقها" (٢)، ومنه نتق السقاء وهو أن يرفعه فينفضه، ومنه المرأة الناتق وهي كثيرة (٣) الولد لأنها كالمظلة على أولادها، وفي حديث: "عليكم بالأبكار فإنهن أطيب أفواهًا وأنتق أرحامًا" (٤). ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ عن أبي العالية عن أبيّ بن كعب قال: جمعهم يومئذ جميعًا ما هو كائن منه إلى يوم القيامة فجعلهم أزواجًا في صورهم ثم استنطقهم وأخذ عليهم العهد والميثاق وأشهدهم على أنفسهم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ قال: فإني أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم أن يقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري فلا تشركوا بي شيئًا فإني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي، قالوا: شهدنا بأنك إلهنا وربنا (٥) لا ربّ لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك، فأقروا له يومئذ بالطاعة ورفع عليهم أباهم آدم فنظر إليهم فرأى الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: رب لو سويت بين عبادك، فقال: إني أحِبُّ أن أُشكر، ورأى فيهم

стр. 810

الأنبياء مثل السرج عليهم النور وخصّوا بميثاق آخر في الرسالة والنبوة وهو الذي يقول الله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧] الآية، وهو الذي يقول ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وفي ذلك [قال: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النّجم: ٥٦] أي أخذ عليه الميثاق مع النذر الأولى، وفي ذلك] (١) و ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ وفي ذلك قال: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يونس: ٧٤] فكان في علمه يوم أمروا به من يكذب ومن يصدق به، قال: فكان روح عيسى ﵇ (٢) من تلك الأرواح التي أخذ الله عليها العهد والميثاق من زمان آدم ﵇ (٢) فأرسل ذلك الروح إلى مريم حين انتبذت (٣) من أهلها مكانًا شرقيًا فحملته أي فحملت (٤) الذي خاطبها وهو روح عيسى ﵇ دخل في فيها (٥)، وروي في إخراج الذرية من صلب آدم ﵇ أمثال الذر روايات كثيرة عن ابن عباس (٦)، وإلى هذا القول ذهب أكثر أهل السنة قالوا: أخرج ذلك اليوم أولاد صلبه من صلبه أولاد أولاده من أولاده وأولاد أولادهم من أولادهم وكذلك إلى انقطاع النسل، وكانوا أقل وأصغر وأخفى من الذر لا محالة فإن الذر مركب من أجزاء كثيرة فلا شك أنهم كانوا أصغر وأخفى حين كانوا كمني، إلا أن الله تعالى أتاهم بعد الإخراج
следующие страницы →