← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[دَرْجُ الدُّرر في تَفِسيِر الآيِ والسُّوَر]ـ المؤلف: جرجاني، عبد القاهر بن عبد الرحمن محقق القسم الأول: طلعت صلاح الفرحان محقق القسم الثاني: محمد أديب شكور الناشر: دار الفکر - عمان عدد الأجزاء: ٢ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الله : ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] وقال رسول الله ﷺ : (خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه) [صحيح البخاري] وقال ابن الجزريّ: لذاك كان حاملو القرآن ... أشراف الامّة أولي الإحسان [طيبة النشر]

стр. 3

مقدّمة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤) والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمد سيّد الأوّلين والآخرين، وعلى آله الطّيّبين الطّاهرين، وصحابته الغرّ الميامين من الأنصار والمهاجرين، والتّابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدّين، أمّا بعد: فإنّ خير الكلام كلام الله، وإنّ خير العلوم ما اتّصل بخدمة هذا الكلام الذي احتواه القرآن الكريم. وقد كان من فضل الله ومنّه عليّ أن كان موضوع رسالتي في الماجستير متّصلا بخدمة هذا الكتاب العزيز، وأردت أن يكون من تمام هذا الفضل أن يأتي موضوع أطروحة الدكتوراه في السّياق نفسه، فاخترت موضوعا غير هذا له صلة بخدمة الكتاب الكريم، ولكنّ أستاذي المشرف ﵀ أشار عليّ في حينها أن أتابع مسيرة التّحقيق التي بدأتها في الماجستير، وأن يكون موضوعها ذا صلة بعلوم القرآن، وبعد استشارة كثير من أساتذتي الأجلاء، نصحني جلّهم بموافقة رأي أستاذي المشرف، فكان هذا الموضوع المتّصل بتحقيق أثر قيّم من كتب التّفسير هو (درج الدّرر في تفسير القرآن العظيم) الذي أجمعت نسخه المخطوطة على نسبته إلى إمام العربيّة في زمانه الشّيخ عبد القاهر الجرجانيّ. وبسبب كبر حجم المخطوط كان الرّأي أن يقتصر موضوع هذه الأطروحة على نصف الكتاب، وذلك من أول المصحف إلى آخر سورة يونس. وكان النّصف الثاني موضوع أطروحة دكتوراه أخرى لأخ فاضل في كلية العلوم الإسلامية، ولكنّ الظروف التي طرأت فيما بعد جعلت كلّيّته توافق على ما اقترحه أستاذه المشرف بحذف ما بعد سورة السّجدة من عمله. وقد حصلت على ثلاث من النّسخ المخطوطة للكتاب مصوّرة من مكتبة الجامعة الأردنية، لحقتها الرّابعة من مكتبة الأسكوريال بإسبانيا، وذلك كلّه كان بجهود كريمة مشكورة من الشّيخ المحقّق الدكتور محمد شكور امرير، وولده الأديب محمد أديب الذي يشاركني في تحقيق الكتاب، فمعظم الجزء الثاني منه هو موضوع أطروحته للدكتوراه التي توشك على الإنجاز بإذن الله. وبعد إقرار اللّجنة العلميّة في قسم اللّغة العربيّة الموضوع، بدأت متوكّلا على الله ، العمل الجادّ لإنجاز دراسة الكتاب وتحقيقه، وإخراجه بأفضل صورة ممكنة رغم الظّروف الصّعبة التي أدّت إلى قلّة المصادر التي أحتاج إليها في توثيق نصوص الكتاب، وتخريج الأقوال الكثيرة فيه،

стр. 4

ثمّ كانت الحرب وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجّم وبعد الحرب جاء الأصعب، فالمصادر التي كانت قليلة أو نادرة صارت مفقودة أو ضائعة، وإذا المكتبات دمّرت، وإذا المراجع نهبت، وإذا الكتب احترقت، فلا نامت أعين التّتار. وقد جاءت هذه الأطروحة في قسمين: أولهما للدّراسة، وثانيهما للنص المحقّق. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الدّراسة انصبّت أساسا على ما له صلة باللّغة والنّحو والصّرف، تاركا ما يتّصل بعلوم القرآن من تفسير وعلم كلام وحديث وفقه، باتّفاق مع الأخ الفاضل الذي يحقّق الجزء الثّاني من الكتاب، ليكون ذلك موضوع دراسته، فتتكامل الدّراستان بعون الله. وقد انقسمت الدراسة على أربعة فصول سبقتها مقدمة، وتلتها خاتمة تضمّنت أهمّ النّتائج المستخلصة من البحث. واختصّ الفصل الأول من الدّراسة بالحديث عن الجرجانيّ والكتاب، فجاء في مبحثين، تحدّثت في الأول منهما عن الجرجانيّ، حياته، وشيوخه، وتلاميذه، ومنزلته العلميّة، وآثاره، وتحدّثت في المبحث الثاني عن كتاب (درج الدّرر في تفسير القرآن العظيم)، اسمه وتوثيق نسبته إلى المؤلّف، ومنهجه، ومصادره، وأهمّيته، وما انفرد به من آراء وأقوال، وختمت هذا المبحث بالحديث عن المآخذ التي سجّلتها على الكتاب. وتحدّثت في الفصل الثاني عن موقف المؤلّف من أصول اللّغة والنّحو، وجاء في ثلاثة مباحث، تكلّمت في الأوّل منها على موقفه من الشّواهد، وفي المبحث الثّاني عرضت موقفه من السّماع والقياس، ثم بيّنت في المبحث الثّالث موقفه من الكوفيّين والبصريّين. وفي الفصل الثالث تناولت الظّواهر اللّغوية والصّرفية في الكتاب، فعرضت في المبحث الأول مجموعة من الظواهر اللغوية، وفي المبحث الثاني مجموعة من الظواهر الصرفية. وتكلمت في الفصل الرابع على نسخ الكتاب المخطوطة ومنهج التحقيق، وقد ضمّ ثلاثة مباحث: أولها للحديث عن نسخ الكتاب المخطوطة، وثانيها لبيان منهج التحقيق الذي اتّبعته، وثالثها لشرح المصطلحات المستعملة في التحقيق. وضمّ القسم الثاني من الأطروحة النصّ المحقّق من كتاب (درج الدّرر في تفسير القرآن العظيم) الذي يتناول تفسير عشر سور من القرآن الكريم هي: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، والنّساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتّوبة، ويونس. وبعد أن استقام هذا العمل على سوقه، ودنا قطافه بإذن الله، لا بدّ لي من أن أتقدّم بأصدق الشكر وأخلصه إلى الأستاذ عدنان سعد الدين الذي كان سببا في قبولي في الدراسات العليا، وهو

стр. 5

صاحب الفضل الكبير على كثير من طلبة العلم، وغيرهم. وأتقدم بوافر الشكر والامتنان إلى أستاذي المغفور له الدكتور محمد صالح التكريتي الذي تفضّل بقبوله الإشراف على هذه الأطروحة، وتلطّف برسم معالمها، وأردف بتقويم معوجّها، فأفدت من غزير علمه، واستهديت بسديد رأيه في سبيل الوصول إلى هذه الحصيلة العلميّة، رغم ما عاناه في مرضه العضال، إلى أن لقي وجه ربّه، صابرا محتسبا، فجزاه الله عني خير الجزاء، وأسكنه فسيح جنّاته مع الأنبياء والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين، وحسن أولئك رفيقا. وأتقدم بالشكر الجزيل إلى أستاذي الفاضل الدكتور هاشم طه شلاش الذي لم يتأخّر يوما في تقديم إرشاداته السّديدة، وآرائه القيّمة التي أغنت هذا البحث، وجعلته يرقى إلى الصّورة التي صار عليها، وكان خير مرشد لي في أثناء مرض أستاذي المشرف، فجزاه الله عني كلّ خير، وأمدّ في عمره، وكلّله بتاج الصّحّة والعافية، ووقاه من كلّ مكروه. والشكر الجزيل أقدّمه أيضا إلى أستاذي الجليل الدكتور عبد الجليل العاني لتوجيهاته الكريمة، وما أمدّني به من مصادر وكتب قيّمة من مكتبته العامرة التي لم يمنع عني شيء منها في حضوره أو غيابه. وأتقدم بوافر الشكر والامتنان إلى كلّ من مدّ إليّ يد العون، وساعدني على إنجاز هذا العمل، والوصول به إلى ما صار إليه، وأرجو الله تعالى أن يعينني على ردّ جميلهم، ويجزيهم عني خير الجزاء. ولا أجد من الكلمات ما يوفّي هذا البلد الكريم المصابر، وأهله الطيّبين، أزال الله عنهم هذه الغمّة، ودفع عنهم كيد الكائدين. وختاما هذا عمل ابتغيت به مرضاة الله ، وادّخرت ثوابه عنده، فإن كنت قد أحسنت فبتوفيقه وفضله ومنّه، وإن كانت الأخرى فحسبي أنّني بذلت من الجهد والصّبر والمصابرة في سبيل إنجازه ما الله وحده به أعلم. ﴿وَاِصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين الباحث طلعت صلاح الفرحان

стр. 6

الفصل الأول الجرجاني والكتاب المبحث الأول: الجرجاني أ-حياته ب-شيوخه ج-تلاميذه د-منزلته العلمية هـ-آثاره المبحث الثاني: الكتاب أ-اسمه وتوثيق نسبته إلى المؤلف ب-منهجه ج-مصادره د-أهميته هـ-ما انفرد به و-مآخذ على الكتاب

стр. 7

المبحث الأول الجرجاني (١) سأوجز الحديث عن الجرجانيّ لسببين: الأول: أنّه درس دراسة وافية من عدد من الباحثين الفضلاء، منهم الدكتور البدراوي زهران في كتابه (عالم اللغة عبد القاهر الجرجاني المفتنّ في العربية ونحوها)، والدكتور أحمد أحمد بدوي في كتابه (عبد القاهر الجرجاني وجهوده في البلاغة العربية)، والدكتور أحمد مطلوب في كتابه (عبد القاهر الجرجاني، بلاغته ونقده) والدكتور كاظم بحر المرجان في مقدمة تحقيق كتاب (المقتصد في شرح الإيضاح). والثاني: أنّ نسبة (درج الدّرر في تفسير القرآن العظيم) إلى عبد القاهر الجرجانيّ غير مسلّمة، بحسب ما تكشّف لي في أثناء التّحقيق، وهو ما سيأتي بيانه مفصّلا في المبحث الثاني من هذا الفصل إن شاء الله. ويمكن اختصار الحديث عن الجرجاني بالآتي: أ-حياته: لم تذكر المصادر السّنة التي ولد فيها أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجانيّ، ولا عمره حين وفاته، لنستدلّ منه على سنة ولادته. ولم يكن لعبد القاهر رحلة في طلب العلم في أثناء حياته، إذ ذكر أبو البركات الأنباري أنّه «لم يخرج عن جرجان في طلب العلم» (٢). أمّا وفاته فمعظم المصادر على أنّها كانت في سنة إحدى وسبعين وأربع مئة (٣)، وذكرت المصادر قولا آخر يساق في أكثرها بصيغة التّمريض (قيل)، وهو أنّ وفاته كانت في سنة أربع وسبعين وأربع مئة (٤). والأول هو الرّاجح. ب-شيوخه: ذكر ياقوت (٥) أنّ من شيوخه: القاضي أبا الحسن علي بن عبد العزيز بن الحسن الجرجاني،

стр. 8

المتوفّى في سنة ٣٩٢ هـ (١)، صاحب كتاب (الوساطة بين المتنبي وخصومه). كان قاضي جرجان، وولي قضاء قضاة الرّيّ، وكان من مفاخر جرجان. سمع الحديث الكثير، وترقّى في العلوم حتى برع في الفقه والشّعر والنّحو وغير ذلك من العلوم. وأكثر المصادر التي ترجمت لعبد القاهر الجرجانيّ لا تذكر غير شيخ واحد له هو: أبو الحسين، محمد بن الحسن بن محمد بن عبد الوارث الفارسي، المتوفّى في سنة ٤٢١ هـ (٢)، نزيل جرجان، وابن أخت أبي علي الفارسيّ. أحد أعيان العلم والفضل، وإمام النّحو بعد خاله الفارسيّ. ولم يأخذ عبد القاهر عن غيره، «وكان يحكي عنه كثيرا؛ لأنّه لم يلق شيخا مشهورا في علم العربيّة غيره؛ لأنّه لم يخرج عن جرجان في طلب العلم، وإنّما طرأ عليه أبو الحسين فقرأ عليه» (٣). ج-تلاميذه: رغم ما جاء في بعض مصادر ترجمة عبد القاهر الجرجانيّ من أنّه «لم يزل مقيما بجرجان يفيد الرّاحلين إليه والوافدين عليه» (٤) لا نجد في مصادر ترجمته إلا اسم تلميذ واحد من تلاميذه هو: عليّ بن أبي زيد محمد بن علي الفصيحيّ (ت ٥١٦ هـ) (٥). وقد سمّي بالفصيحيّ لكثرة إعادته ودرسه كتاب (الفصيح) لثعلب. كان نحويّا حاذقا، أخذ عن الشّيخ عبد القاهر الجرجانيّ، ودرّس الأدب بالمدرسة النّظاميّة. وقد تثقّف على الفصيحيّ جماعة، وأخذوا ما أخذه من عبد القاهر (٦). د-منزلته العلمية: أصاب عبد القاهر الجرجانيّ حظّا عظيما من الشّهرة، «وصار الإمام المشهور المقصود من جميع الجهات» (٧)، وهو «أول من دوّن علم المعاني» (٨). وذاع صيت نظريّته في النّظم التي وضّح من خلالها علاقة النّحو بالبلاغة، وأثارت آراؤه اهتمام المعنيّين بالدّراسات النّقديّة والبلاغيّة.

стр. 9

«وله شعر كثير» (١) أيضا، فهو أديب ناقد شاعر. والجرجانيّ من أئمّة النّحاة، «وله فضيلة تامّة في النّحو» (٢)، وقد «انتهت إليه رئاسة النّحو في زمانه» (٣)، فهو بالأساس، كما يقول د. كاظم بحر المرجان: «رجل نحوي، وهكذا كان يسمّى قديما، وأقواله بالأساس أيضا دفاع عن النحو، بل إنّ علم المعاني الذي قيل إنّه واضع أصوله لم يكن إلا إحياء لروح المعنى والحسّ والتّذوّق في علم النّحو بعد أن أجهز النّحاة على كلّ هذا بتعليلاتهم وتحليلاتهم وحججهم الدّائرة حول قضيّة الإعراب» (٤). ويتجلّى دفاع عبد القاهر الجرجانيّ عن النّحو وإعجابه به في ما ذهب إليه في (دلائل الإعجاز) حين عاب على قوم ظنّهم النّحو «ضربا من التكلّف وبابا من التّعسّف»، وغير ذلك من الظّنون والآراء التي بلغ من إنكار الجرجانيّ لها أن قال في معتقديها: إنّهم «لو علموا مغبّتها وما تقود إليه لتعوّذوا بالله منها، ولأنفوا لأنفسهم من الرّضا بها، ذاك لأنّهم بإيثارهم الجهل بذلك العلم في معنى الصّادّ عن سبيل الله والمبتغي إطفاء نور الله تعالى» (٥). وليس كتاب (المقتصد في شرح الإيضاح) وحده الذي تضمّن آراء عبد القاهر الجرجانيّ النّحويّة، ولكنّنا نجد له ملاحظات نحويّة كثيرة أيضا في (دلائل الإعجاز). هـ-آثاره: فصّل المرحوم الدكتور كاظم بحر المرجان القول في مؤلفات عبد القاهر الجرجاني في مقدمة تحقيقه لكتاب (المقتصد في شرح الإيضاح)، وصنّفها في مجموعات (٦)، وبلغ من تفصيله أنّه خصّ بالحديث «مجموعة من الكتب نشرت على أنّها له ولم تذكرها كتب التّراجم بين مصنّفاته» (٧)، ولكنّه مع ذلك أغفل الحديث عن (درج الدّرر). وسأكتفي هنا بذكر أهم تلك المؤلّفات من غير تفصيل: ١ - أسرار البلاغة. ٢ - الإيجاز: وهو شرح مختصر لكتاب (الإيضاح). ٣ - الجمل.

стр. 10

٤ - درج الدرر في تفسير القرآن العظيم، وهو موضوع البحث، وسيأتي الحديث عنه مفصّلا. ٥ - دلائل الإعجاز. ٦ - العوامل المئة. ٧ - المغني في شرح الإيضاح. ٨ - المفتاح في الصرف. ٩ - المقتصد في شرح الإيضاح. ١٠ - المقتصد في شرح التكملة.

стр. 11

المبحث الثاني الكتاب أ-اسمه وتوثيق نسبته إلى المؤلف: خلت نسخ الكتاب المخطوطة من مقدمة للمؤلف يذكر فيها اسم كتابه ومنهجه فيه. وقد ثبت على صفحة العنوان في نسخة الأصل أن اسم الكتاب: (درج الدّرر في تفسير القرآن العظيم)، والاسم المثبت على صفحتي العنوان في نسختي ك وب: (تفسير القرآن العظيم المسمى بدرج الدرر)، وفي نسخة ع: (درج الدرر تفسير القرآن العظيم)، وهي متقاربة جدّا. وأجمعت النّسخ الأربع على نسبة الكتاب إلى عبد القاهر الجرجانيّ. وأول من ذكر اسم الكتاب حاجي خليفة ولكنه لم يجزم بنسبته إلى عبد القاهر الجرجانيّ، قال (١): «درج الدرر في التّفسير، مختصر للشيخ عبد القاهر الجرجاني ظنّا»، وظنّ حاجي خليفة لا يبدو قائما على تثبّت أو اطّلاع على مادّة الكتاب؛ لأنّه كان قبل ذلك أدرج ضمن التّفاسير «تفسير عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني»، ولكنّه ذكر أنّه «مختصر في مجلد ولعلّه تفسير الفاتحة» (٢). وقوله هذا دليل على عدم اطّلاعه على الكتاب، إذ لو كان ذلك لعرف أنّه ليس تفسير الفاتحة. وذكر إسماعيل باشا البغداديّ ضمن تصانيف عبد القاهر الجرجانيّ «درج الدّرر في تفسير الآي والسّور، دلائل الإعجاز في المعاني والبيان، شرح الفاتحة في مجلّد» (٣)، وهذا يعني بوضوح أنّ (درج الدرر) غير تفسير الفاتحة. والعنوان الذي ذكره البغداديّ للكتاب يبدو الأقرب إلى طريقة كثير من القدماء في إطلاق تسميات مسجوعة على تآليفهم، ولكنّ نسخ المخطوطة الأربع لم تذكر العنوان بهذه الصّيغة، ولعلّ البغداديّ اطّلع على نسخة، أو نسخ أخرى من الكتاب لم تصل إلى خزائن مكتبات المخطوطات العامّة. وفي أثناء تحقيق الكتاب تكشّفت لي قرائن مهمّة تؤيّد الشّكّ في صحّة نسبة الكتاب إلى عبد القاهر الجرجانيّ، وتفصيلها على النحو الآتي:

стр. 12

من المعلوم أنّ الذين ترجموا لعبد القاهر ذكروا أنّه شافعيّ المذهب (١)، ولكنّ مؤلّف (درج الدّرر) حنفيّ، يشهد على ذلك تقديمه آراء الحنفيّة الفقهيّة، واقتصاره عليها في أحيان كثيرة، وربّما ذكر اختلاف أبي حنيفة وصاحبيه، ويذكر أحيانا آراء الحنفيّة في مقابلة آراء الشّافعيّة مبيّنا كونها خلافا لهم، وربّما قال عند عرض آرائهم: «وعندنا». ومن الأمثلة على ذلك ذكره رأي أبي حنيفة في أنّ (الصّابئين) أهل كتاب، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصّابِئِينَ﴾ [البقرة:٦٢] وذكر مخالفة صاحبيه له وعدّهما (الصّابئين) عبدة الكواكب، واكتفاؤه بذلك (٢). وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة:١٥٨] بيّن حكم ترك السّعي بينهما بقوله: «والسّعي سنّة يجب بتركه الدّم عندنا، وعند الشافعيّ واجب يلزمه العود لها» (٣). وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] بيّن رأي الحنفيّة في النّفي المذكور في الآية بقوله: «والنّفي عندنا بالحبس حيث يستصوبه الإمام»، وتحدّث عن الصّلب فقال: «والصّلب بعد القتل»، ثمّ نقل عن أبي حنيفة «أنّه يصلب حيّا ثمّ يطعن في نحره» (٤). وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] قال: ﴿وَالْمَساكِينِ:﴾ أهل التّرحّم والرّأفة، وهم أسوأ حالا من الفقراء عندنا» (٥)، وهذا الذي ذكره قول الحنفيّة. وعبد القاهر الجرجانيّ بصري، وقد بلغ من عنايته بكتاب الإيضاح لأبي عليّ الفارسيّ، أحد أئمّة البصريّين، أن شرحه شرحا مبسوطا في نحو ثلاثين مجلدا وسمّاه (المغني)، ثمّ لخّص هذا الشّرح في كتابه (المقتصد في شرح الإيضاح)، واختصر (الإيضاح) في كتابه (الإيجاز) (٦). أمّا مؤلّف (درج الدرر) فلم ينقل عن أبي عليّ إلا في موضع واحد من الجزء الذي حقّقته من الكتاب (٧). وهو أكثر ميلا إلى الكوفيّين، فهو يعتدّ بآرائهم، ويقدّمها في كثير من الأحيان على آراء البصريّين، وقد يكتفي بها. وثمّة تفصيل أوفى عن مذهبه النّحويّ في الكلام على موقفه من الكوفيّين والبصريّين في الفصل الثّالث من هذه الدراسة.

стр. 13

والكتاب يخلو من أيّ إشارة إلى نظريّة النّظم (١) التي عرف بها عبد القاهر الجرجانيّ، بل إنّ في الكتاب آراء مناقضة لها، إذ ورد في عدّة مواضع منه أنّه لم يقل كذا لوفق رؤوس الآي، منها في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة:٣٥] قال: «وإنّما لم يقل: ظالمين، لوفق رؤوس الآي» (٢). وفي قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥] قال: «وتقديره: خاسئين قردة، وإلا يقال: قردة خاسئة، لكن التقديم والتأخير لوفق رؤوس الآي» (٣). وفي قوله تعالى: ﴿بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاِتَّقى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٧٦) [آل عمران:٧٦] قال: «وإنّما لم يقل: فإنّ الله يحبّه لنظم الآي» (٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ [آل عمران:١٩٢] قال: «وإنّما قال: ﴿مِنْ أَنْصارٍ،﴾ ولم يقل: من ناصر، لنظم رؤوس الآي، أو مقابلة للظّالمين» (٥). ونظرية النّظم تناقض هذه الأقوال، ويتبيّن ذلك من قول الجرجانيّ: «واعلم أن ليس النّظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النّحو، وتعمل على قوانينه وأصوله» (٦). فالتّقديم والتّأخير، أو تغيير التّركيب لوفق رؤوس الآي لا يتّفق مع قوله: «أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النّحو». وقد يجاب عن كلّ ما سبق بأنّ عبد القاهر ربّما ألّف (درج الدرر) في بداية حياته العلميّة، وقبل أن يستوي في تفكيره مفهوم نظريّة النّظم، وأنّه كان حنفيّا ثمّ صار شافعيّا، وليس هذا بدعا بين العلماء قبله وبعده، وأنّه كان يميل إلى آراء الكوفيّين ثمّ استقرّ بعد ذلك على المذهب البصريّ. وأنّ هذا كلّه كان في المرحلة التي ينطبق عليه فيها ما وصفه به القفطيّ من أنّه «كان ضيّق العطن، لا يستوفي الكلام على ما يذكره مع قدرته على ذلك» (٧). ولا بدّ من الإشارة هنا إلى عبارة مهمّة أوردها المؤلف في القسم الثاني من الكتاب، ففي حديثه عن اسمه تعالى (البارئ) عند الكلام على قوله تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ﴾ [الحشر:٢٤] قال: «وقد استوفينا الكلام في الأسماء في مفتاح الهدى» (٨)، فهو يذكر هنا كتابا له اسمه (مفتاح الهدى)، ولم أقف على ذكر لهذا الكتاب في المصادر التي بين يدي. ومن المعلوم أنّ

стр. 14

لعبد القاهر كتابا اسمه (المفتاح في الصرف) (١)، ولم أجد فيه أيّ شيء عن اشتقاق أسماء الله الحسنى، وهذا يعني أنّه لا علاقة لمفتاح الهدى بمفتاح عبد القاهر الجرجانيّ. ولم يذكر المؤلّف (مفتاح الهدى) هذا في غير ذلك الموضع، ولم يشر إليه عند الحديث عن اشتقاق اسم الجلالة (الله) في بداية سورة الفاتحة (٢). وليس في الجزء الذي حقّقته من الكتاب ما يدلّ على اسم مؤلّفه، ولم يذكر المؤلّف أحدا من شيوخه ليستدلّ بذكره عليه. أمّا محمد بن الحسن الذي ذكر في أثناء حديثه عن اشتقاق اسم الجلالة في سورة الفاتحة (٣) فيبعد أن يكون شيخ عبد القاهر الجرجانيّ؛ لأنّ المصادر اختلفت في تسميته، ففي معظم مصادر ترجمة الجرجانيّ أنّه محمد بن الحسن، وفي مصادر ترجمة شيخه أنّه محمد بن الحسين، وقد أشرت إلى ذلك عند الحديث عن شيوخه. وثمّة سبب آخر يبعد أن يكون محمد بن الحسن المذكور شيخ عبد القاهر، وهو أنّه لم يذكر غير مرّة واحدة، وهذا يناقض ما قيل في مصادر ترجمة الجرجانيّ من أنّه «كان يحكي عنه كثيرا» (٤)، وهو قول يؤيّده ما نجده في كتاب (المقتصد في شرح الإيضاح) من كثرة نقله عن شيخه، وتسميته بالشّيخ أبي الحسين، أو شيخنا أو الشّيخ ﵀، وعدم ذكره باسمه فقط (٥). والأرجح أنّ المؤلّف من عصر عبد القاهر الجرجانيّ، أي أنّه من علماء القرن الخامس الهجريّ؛ لأنّ الكتاب خلا من أيّة نقول عن علماء بعد القرن الرّابع، فآخر علم ورد ذكره في الكتاب على وجه اليقين أحمد بن فارس (ت ٣٩٥ هـ) الذي لم يذكر في الجزء الذي حقّقته، ولكنّه ذكر بعد ذلك ستّ مرات: واحدة في الحديث عن الآية ٣٢ من سورة لقمان (٦)، وأخرى في الحديث عن الآية ٥٧ من سورة النجم (٧)، وذكر مرّتين في سورة الحاقّة عند الحديث عن الآيتين ٣٦ و ٤٦ منها (٨)، ومرّة عند الحديث عن الآية الثّامنة من سورة المدّثّر (٩)، والمرّة الأخيرة عند الكلام على الآية العاشرة من سورة الشّمس (١٠).

стр. 15

وكون مؤلّف الكتاب قريبا من عصر عبد القاهر ينفي ما يمكن أن يتوهّم من نسبته إلى الشّريف الجرجانيّ، عليّ بن محمد، المتوفّى في سنة ٨١٦ هـ (١). وهو وهم يمكن أن يستشفّ ممّا ذكره بروكلمان بعد قوله عن (درج الدرر): «وهو تفسير القرآن»، إذ نفى نسبته إلى الشّريف فقال: «وينسب خطأ للشّريف» (٢). ونفيه هذا يوحي أنّ هناك من يتوهّم النّسبة إليه. ويؤكّد النّفي الذي ذهب إليه بروكلمان أنّ الشريف الجرجانيّ توفّي في سنة ٨١٦ هـ، وقد أسلفت أنّ (درج الدرر) خلا من أيّة نقول عن علماء بعد القرن الرابع، ولو كان الشريف مؤلف الكتاب فلا يعقل ألا ينقل عن أعلام بعد ذلك القرن، ولا سيّما الزّمخشريّ الذي ألّف الشريف حاشية على أوائل كشّافه (٣). وثمّة عبارة وردت في النّصّ المحقّق مرّتين، وهي عبارة «قال الأمير» (٤). ولعلّها أهمّ إشارة يمكن الاستدلال بها على المؤلف. وقد يكون الأمير المؤلف نفسه، فليس بدعا في كتب القدماء أن يذكر المؤلف باسمه أو بلقبه في كتابه؛ لأنّ كثيرا من تلك الكتب كان إملاء من مؤلفيها على تلامذتهم الذين نشروا كتب شيوخهم فيما بعد، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها: (معاني القرآن) للفراء الذي ترد فيه كثيرا عبارة «قال الفراء»، أو «حدثنا الفراء» (٥)، ومثل هذا نجده أيضا في (إصلاح المنطق) لابن السّكّيت، أبي يوسف يعقوب بن إسحق (ت ٢٤٤ هـ)، إذ تكثر في الكتاب عبارة «قال أبو يوسف» (٦). ولأهميّة هذه العبارة بحثت في المصادر عمّن يلقّب بالأمير من علماء القرن الخامس، فلم أجد غير ابن ماكولا (٧)، الأمير سعد الملك أبي نصر عليّ بن هبة الله بن عليّ بن جعفر، صاحب (الإكمال) المتوفّى في سنة نيّف وسبعين، أو نيّف وثمانين وأربع مئة للهجرة، أي أنّه من عصر عبد القاهر الجرجانيّ، أو بعبارة أخرى، هو من عصر مؤلف (درج الدرر) الذي رجّحت آنفا أنّه من القرن الخامس. وهو من أسرة مقرّبة من الخلفاء، «ووزّره أبوه أبو القاسم هبة الله للإمام القائم بأمر الله، وتولّى عمّه أبو عبد الله الحسين بن علي قضاء بغداد» (٨). وهذا يعني أنّ الأمير ابن ماكولا نفسه

стр. 16

كان مقرّبا من الحكّام أيضا، إذ بعثه «المقتدي بالله رسولا إلى سمرقند وبخارى لأخذ البيعة له على ملكها» (١). وفي (درج الدرر) عبارة توحي بميل مؤلّفه إلى خلفاء عصره، ففي أثناء تفسيره الآية ١٥٠ من سورة الأعراف قال: «وفي الآية دلالة أنّ صبر الخليفة على جنايات قومه والتّغافل عنها جائز لابتغاء المصلحة كمنابذته ومضاجرته إيّاهم، ولذلك يصبر خلفاء نبيّنا ﷺ من آل عبّاس على قبائح هذه الأمّة وافتراق أهوائها» (٢). ولا بدّ هنا من العودة إلى عبد القاهر الجرجانيّ مرّة أخرى، إذ ليس في مصادر ترجمته ما يشير إلى قربه من حكام عصره، بل إنّ تلك المصادر تنقل عنه بيتين من الشّعر يظهر فيهما تبرّمه بزمانه الذي لم يعد فيه حظّ للعلماء والعقلاء، وإنّما صار زمان السّفهاء والجهّال، بحسب رأيه، يقول (٣): كبّر على العقل (٤) ... لا ترمه ومل إلى الجهل ميل هائم وعش حمارا تعش سعيدا ... فالسّعد في طالع البهائم وواضح أنّ مثل هذه السّخرية المرّة قد لا تصدر إلا عمّن رأى أنّ أولي الأمر يقرّبون الجهلة، وينبذون العلماء. وابن ماكولا «تتبّع الألفاظ المشتبهة في الأسماء والأعلام، وجمع منها شيئا كثيرا» (٥)، وهو «النّسّابة صاحب التّصانيف» (٦)، وكتابه (الإكمال) «في غاية الإفادة في رفع الالتباس، والضّبط والتّقييد، وعليه اعتماد المحدّثين وأرباب هذا الشّأن، فإنّه لم يوضع مثله، ولقد أحسن فيه غاية الإحسان» (٧). «ولا يحتاج هذا الأمير بعده إلى فضيلة أخرى، ففيه دلالة على كثرة اطّلاعه وضبطه وتحريره وإتقانه» (٨). ومؤلّف (درج الدّرر) كان مشغوفا بالرّوايات التاريخيّة، واستقصاء الأسماء إلى حدّ ذكر أسماء أبناء إبراهيم ويعقوب ﵉ وحتى توأمتي قابيل وهابيل (٩). ورغم أنّ مصادر ترجمة ابن ماكولا ذكرت أنّه «كان نحويّا مجوّدا وشاعرا مبرّزا» (١٠)، لم

стр. 17

أقف في هذه المصادر على تآليف له في النّحو. والأهمّ من ذلك كلّه أنّ مصادر ترجمة ابن ماكولا التي وقفت عليها لم تذكر له تفسيرا. وإلى أن يظهر دليل قطعيّ، ينفي أو يثبت، يظلّ (درج الدّرر في تفسير القرآن العظيم) منسوبا إلى عبد القاهر الجرجانيّ. ب-منهجه: يمكن أن نرسم صورة مجملة تجلّي لنا أهمّ السّمات التي ميّزت منهج (درج الدّرر في تفسير القرآن العظيم) على النّحو الآتي: ١ - يبدأ المؤلف بذكر ألفاظ الآية التي يتوخّى تفسيرها، على وفق ترتيبها في المصحف، ثم يذكر في كثير من الأحيان أسباب نزول الآية، وأقوال المفسّرين فيها، ومعاني الألفاظ واشتقاقها وبنيتها الصّرفيّة، ويذكر بعض وجوه الإعراب، وربّما استدلّ بالآية لبعض الأحكام الفقهيّة. ٢ - كانت له عناية بالقراءات القرآنيّة في مواضع مختلفة من الكتاب، فقد استشهد بها متواترة أو شادّة، وسأذكر أمثلة على ذلك عند الحديث عن القراءات في مبحث (موقفه من الشّواهد) في الفصل الثاني. وقد ابتعد عن الخوض في القراءات التي أثارت جدلا كثيرا بين النّحويّين، كقراءة حمزة: ﴿(وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ)﴾ (١)، وقراءة ابن عامر: (وكذلك زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم) (٢)، وقراءة: (معائش) التي رويت عن نافع (٣). ٣ - عني كثيرا بذكر معاني الألفاظ التي يعرض لتفسيرها، فحكى معنى (الرّبّ) في قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] فقال: «الرّبّ: السيّد والمولى، قال يوسف ﵇: ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف:٤٢]، وقال: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ [يوسف:٥٠]. وربما يراد به المالك، قال النّبيّ ﷺ : (أربّ إبل أنت أم ربّ غنم، فقال: من كلّ آتاني الله فأكثر وأطيب)» (٤). وفرّق بين معاني ألفاظ المحاجّة والحجّة والحجّ في أثناء كلامه على قوله تعالى: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ﴾ [البقرة:٧٦] فقال: «والمحاجّة هي المخاصمة بالحجّة، والحجّة: معنى تثبت به الدّعوى، وتقام مقام البيّنة، والحجّ هو الغلبة بالحجّة» (٥).

стр. 18

ولمّا تكلّم على قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ [البقرة:٧٨] بيّن معنى الأمّيّ فقال: «والأمّيّ: الذي لا يعرف الكتابة، وهو منسوب إلى الأمّ، والأمّ هو الأصل، قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ [الرعد:٣٩]، وإنّما نسب إلى الأصل لأنّه باق على أصل الفطرة» (١). وتحدّث عن معنى المحق حين كلامه على قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٦] فقال: «المحق: النّقص، يعني: ذهاب البركة، ومنه محاق القمر» (٢). وثمّة أمر يستحقّ الإشارة إليه في هذا الموضع وهو أنّ المؤلّف كثيرا ما كان يفسّر اللّفظ بضدّه أو نقيضه، ومن ذلك قوله: «والرّحمة منك إرادتك الخير بمن هو دونك في الرّتبة متّصلة بإنعامك عليه، وضدّه الفظاظة والجفاوة» (٣)، وقوله: «ونقيض الإيمان: الإنكار، ونقيض الغيب: الشهادة» (٤)، وقوله: «و (الطّوع): قريب من الرّضا، وهو ضدّ الكره» (٥)، وقوله: «و (المبارك): الذي بورك فيه أو عليه، وضدّه المشؤوم» (٦)، وقوله: «الميل: الجور، وهو نقيض الاستقامة» (٧)، وقوله: «و (العمارة): ضدّ التّخريب» (٨)، «و (الغلظة): ضدّ الرّقّة» (٩)، «والحرّ: ضدّ البرد» (١٠)، «والبكاء ضدّ الضّحك» (١١). ٤ - لم يخل الكتاب من العناية بلغات الألفاظ أيضا، وضبطها، وربّما عزاها إلى القبائل التي تنطق بها. ففي نهاية سورة الفاتحة تحدّث عن (آمين) فقال: «فيه لغتان: المدّ والقصر، كلاهما بالتّخفيف» (١٢). وفي أثناء حديثه عن (المرء) في قوله تعالى: ﴿ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢] قال: «ومرء وامرؤ لغتان، وفي التأنيث: مرأة وامرأة» (١٣). وعند كلامه على (السّلم) في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾

стр. 19

﴿كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] ذكر أنّ معناه الإسلام، وقال بعد ذلك: «وإذا أريد به الصّلح فالفتحة والكسرة لغتان» (١). وثمّة أمثلة أخرى عند الحديث عن لغات العرب في مبحث (من الظواهر اللغوية) في الفصل الثالث من هذه الدراسة. ٥ - كانت عنايته كبيرة بمسائل الصّرف. ولكنّه ظلّ على منهجه البعيد عن الخوض في الخلافات، كما فعل في حديثه عن (أشياء) (٢)، إذ اكتفى بتفسير قول الفراء: إنّ أصل (شيء) (شيّئ)، ولم يعرض لغيره. وستأتي أمثلة على عنايته بالظّواهر الصّرفيّة في أثناء الكلام على الظّواهر اللّغوية والصّرفية في الفصل الثالث من هذه الدراسة. ٦ - كانت له عناية غير قليلة بالشّواهد الشّعرية، وقد استشهد بها على المسائل النّحويّة والصّرفيّة واللّغويّة، واعتدّ بها. وبعض هذه الشّواهد لشعراء جاهليّين كامرئ القيس والنّابغة الذّبيانيّ، وبعضها لشعراء مخضرمين عاشوا في الجاهليّة والإسلام كحسّان بن ثابت، ولبيد بن ربيعة. وقد عزا بعض هذه الشّواهد إلى قائليها، وترك بعضها من غير عزو. وسنذكر أمثلة على ذلك عند الحديث عن (موقفه من الشّواهد) في الفصل الثاني من هذه الدّراسة بإذن الله. ٧ - كانت له عناية أحيانا بحروف المعاني، وقد يفصّل فيها، كما فعل عند قوله تعالى: ﴿حَتّى تَتَّبِعَ﴾ [البقرة:١٢٠]، فذكر أن ﴿(حَتّى)﴾ تدخل في الكلام لثلاثة معان: الغاية نحو (إلى)، والتّعليل نحو (كي)، والعطف بمعنى المبالغة» (٣)، ثم شرح بالتّفصيل هذه المعاني الثلاثة وأحكامها (٤). ٨ - لم يخل الكتاب من عناية بالبلاغة في بعض مواطنه، منها تفصيله القول في المعاني التي يخرج إليها. لفظ الأمر في أثناء كلامه على قوله تعالى: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٤٠] إذ قال في حديثه عن قوله: (اذكروا): «ولفظ (افعل) يحتمل عشرة معان منها: الإيجاب كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، والإرشاد كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢]، والإباحة كقوله: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة:١٠]، والإعجاز كقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، والتّهديد كقوله: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصّلت:٤٠]، والسّؤال كقوله: ﴿وَاُعْفُ عَنّا وَاِغْفِرْ لَنا﴾ [البقرة:٢٨٦]، والنّدب كقوله: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ [النور:٣٣]، والحثّ على الاعتبار كقوله: ﴿فَانْظُرْ﴾

стр. 20

﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف:٢٥]، والإكرام كقوله: ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف:٤٩]، والامتنان كقوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾ [الملك:١٥]» (١). وحين تكلّم على قوله تعالى: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٤٧) [البقرة:٤٧] ذكر أنّه «للإطناب والتأكيد»، ثمّ بيّن أهميّة تنوّع الأساليب في كلام العرب، ومجيء القرآن على نظم هو غاية الفصاحة عندهم فقال: «ومن البلاغة عند العرب العدول عن الإطناب إلى الإيجاز، وعن الإيجاز إلى الإطناب، وعن التجنيس إلى الإطباق، وعن الإطباق إلى التجنيس، وعن التصريح إلى التعريض، وعن التعريض إلى التصريح، وترك لزوم الفنّ الواحد من هذه الفنون. والله تعالى أنزل القرآن على نظم هو غاية الفصاحة عندهم على ما تعارفوه واعتادوه، بلسان عربيّ مبين» (٢). ٩ - اتّبع المؤلف في تفسير الآيات الكريمة منهج التّفسير بالمأثور، أي: تفسير القرآن بالقرآن، أو بالسّنّة، أو بأقوال الصّحابة والتابعين. فمن أمثلة تفسير القرآن بالقرآن ما ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] إذ قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ:﴾ وهم اليهود لقوله تعالى في شأنهم: ﴿فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ [البقرة:٩٠]. ﴿وَلا الضّالِّينَ:﴾ النصارى لقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧]» (٣). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً﴾ [البقرة:٥٩] بيّن المراد بالظّلم في الآية، واستدلّ لما ذهب إليه بآيتين أخريين، فقال: «و (الظلم) ههنا الكفر، كما في قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢]، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]» (٤). ومن أمثلة تفسير القرآن بالسّنّة: في قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً﴾ [البقرة:١١١] قال: «و (هود) جمع هائد، كما أنّ (عوذا) جمع عائذ، وهو الناقة إذا وضعت وبعد ما تضع أيّاما، وفي الحديث: (ومعهم العوذ المطافيل)» (٥). وفي قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى﴾

стр. 21

﴿التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التّوبة:١٠٨] بيّن أنّ المسجد المراد في الآية «مسجد رسول الله ﷺ »، واستدلّ بحديثين نبويّين شريفين، فقال: «وعن أبي سعيد الخدريّ أنّ النّبيّ ﷺ قال: هو مسجدي هذا، يدلّ عليه ما روى أبو أيّوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك أنّه لمّا أنزلت: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قال النّبيّ ﷺ : يا معشر الأنصار إنّ الله قد أثنى عليكم في الطّهور فما طهوركم هذا؟ قالوا: نتوضّأ للصّلاة ونغتسل من الجنابة ونستنجي بالماء، قال: هو ذلك فعليكموه» (١). ومن أمثلة تفسير القرآن بالأقوال المأثورة عن الصحابة والتابعين ما نقله من أقوال عن المراد بالشّجرة في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة:٣٥] إذ قال: «وهي شجرة السنبلة عن ابن عبّاس وأبي مالك وعطيّة ووهب وقتادة، وشجرة العنب عن ابن مسعود والسدّي وجعدة بن هبيرة وإحدى الروايات عن ابن عبّاس، وشجرة العلم عن الكلبيّ، يعني علم الخير والشرّ» (٢). وفي قوله تعالى: ﴿فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ [البقرة:٧٣] ذكر أنّ معنى ﴿بِبَعْضِها:﴾ ببعض البقرة»، ثمّ نقل الأقوال في المراد به فقال: «قال ابن عبّاس: إنّه العظم الذي يلي الغضروف، وعن الضحّاك أنّه لسانها، وعن قتادة وعكرمة أنّه فخذها، وخصّ الكلبيّ الفخذ اليمنى، وعن سعيد بن جبير أنّه عجب ذنبها الذي تركّب عليه الخلق ولا تأكله الأرض، وعن السدّي أنّه المضغة التي بين كتفيها، وقيل: هو الأذن» (٣). ١٠ - معظم الأحاديث التي ذكرها المؤلف صحيحة مرويّة في كتب الصّحاح والسّنن والمسانيد، وكثير منها في البخاريّ ومسلم، أو في أحدهما (٤). ١١ - لم يكتف المؤلّف بأن يكون مجرّد ناقل لآراء من سبقوه وأقوالهم، فكان يردّ في مواضع متفرّقة من كتابه على ما ينقله، مبيّنا وهما أو معترضا على رأي. ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره في أثناء عرضه الأقوال المختلفة في توجيه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠] إذ قال: «وقول أبي عبيدة وأبي عبيد: إنّ معنى قوله: (سفه نفسه): أهلكها وأوبقها، لا معنى له إلا أن يحمل قولهم: سفه الشراب، على معنى استهلك» (٥).

стр. 22

ومن ذلك أيضا بيانه وهم مجاهد في أنّ (رمضان) من أسماء الله في أثناء كلامه على قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] (١). وفي توجيه إعراب (أحياء) من قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ﴾ [آل عمران:١٦٩]، نقل عن الزجاج أنّه «لو كان منصوبا على تقدير: احسبهم أحياء، لكان جائزا»، واعترض عليه بقوله: «وليس كذلك؛ لأنّ الأمر من الحسبان غير جائز» (٢). ١٢ - كان للمؤلّف شغف كبير في مواضع غير قليلة من الكتاب بالرّوايات التّاريخيّة، ولا سيّما في سورة الأعراف، فذكر قصص عدد كبير من الأنبياء ﵈ وما جرى لهم مع أقوامهم، وهو منسجم بذلك مع موضوع السّورة وجوّها العامّ. وقد فصّل في هذه القصص في بعض تلك المواضع إلى حدّ أنّه ذكر لنا أسماء أبناء إبراهيم ويعقوب ﵉ وحتى توأمتي قابيل وهابيل (٣). وإذا كان هذا التّفصيل قد لا يعني دارسي اللّغة فهو مهمّ بلا شكّ للمعنّيين بالسّير والتّواريخ والأخبار. ج-مصادره: كتاب (درج الدّرر) زاخر بنقول مختلفة، وآراء كثيرة لأئمة التّفسير والحديث واللّغة والنّحو والفقه والقراءة تؤلّف مادّته العلميّة. وهذه النّقول والآراء تفصح عن المصادر التي اعتمد عليها المؤلّف في كتابه وإن خلا الكتاب من ذكر الكتب التي أخذ منها تلك النّقول. وسأذكر عددا من الأعلام الذين أكثر المؤلّف من الإفادة منهم والنّقل عنهم وفاقا لترتيب وفياتهم، وأجتزئ بأمثلة قليلة ممّا أورده عن كلّ واحد منهم، وأمّا الآخرون الذين أقلّ من نقل أقوالهم فسأكتفي بذكر أسماء عدد منهم بحسب ترتيب وفياتهم أيضا. أولا: الأعلام الذين أكثر من الثقل عنهم: أ-أئمة التفسير والحديث: عبد الله بن مسعود (ت ٣٢ هـ): وقد نقل عنه كثيرا من الآثار في التفسير والحديث والفقه، واستدلّ أحيانا بقراءات مرويّة عنه. فنقل عنه أنّ المراد بالحجارة في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾

стр. 23

[البقرة:٢٤] «حجارة الكبريت» (١). وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة:٣٥] ذكر أقوال المفسّرين في (الشّجرة)، ومنها قول ابن مسعود: إنّها «شجرة العنب» (٢). وحين تحدّث عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ [البقرة:٨٣] ذكر توجيهين للفراء، أحدهما أنّه «جواب القسم، إذ الميثاق هو العهد الموثّق باليمين»، واستدلّ له بقراءة ابن مسعود فقال: «يدلّ عليه قراءة ابن مسعود: (لا نعبد) بالنّون» (٣). ولما تكلم على قوله تعالى: ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة:٨٥] ذكر أنّ الإثم: الفجور، واستدلّ على ذلك بما نقل عن ابن مسعود فقال: «ولقّن ابن مسعود رجلا: ﴿طَعامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٤]: طعام الفاجر» (٤). ومما نقله عن ابن مسعود من الأحاديث النبوية ما ذكره عند كلامه على قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ (٤١) [النساء:٤١] إذ روى «عن ابن مسعود أنّ النّبيّ ﷺ قال له: اقرأ، قال: أعليك أقرأ يا رسول الله وعليك أنزل؟ قال: إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري، فقرأ سورة النّساء، فلمّا انتهى إلى هذه الآية دمعت عينا رسول الله ﷺ » (٥). أبو هريرة، عبد الرحمن بن صخر الدوسي (ت ٥٧ هـ): نقل عنه كثيرا من الآثار في الحديث والتفسير والفقه، منها ما أورده عند حديثه عن قوله تعالى: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ [البقرة:٢٣٨] إذ ذكر عن أبي هريرة قوله: «إنّها صلاة العصر» (٦). ولا غرابة في أن ينقل عن أبي هريرة كثيرا من الأحاديث النبوية الشريفة، ففي كلامه على قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران:٣٦] قال: «وعن أبي هريرة أنّ النّبيّ ﷺ قال: (ما من مولود إلا ويمسّه الشّيطان حين

стр. 24

يولد ولذلك يستهلّ صارخا إلا مريم وابنها)» (١). وعند حديثه عن أسباب نزول قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١] نقل عنه حديثين: أحدهما أنّه «لمّا نزل قوله: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧] قال رجل من الأعراب: أفي كلّ عام يا رسول الله؟ فسكت عنه، فأعاد عليه ثلاث مرّات، فاستغضب، فمكث طويلا ثمّ تكلّم فقال: من هذا السّائل، قال الأعرابيّ: أنا، فقال: ويحك ما يؤمنك أن أقول نعم، لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لكفرتم، فأنزل الله الآية» (٢). وفي الحديث الآخر «قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم غضبان قد احمرّ وجهه، فجلس على المنبر فقال: لا تسألوني عن شيء إلا أحدّثكم به، فقام رجل وقال: أين أبي؟ قال: في النّار، فقام عبد الله بن حذافة، وكان يطعن في نسبه، فقال: من أبي؟ فقال: أبوك حذافة، فقام عمر وقال: رضينا بالله ربّا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبمحمّد نبيّا، يا رسول الله كنّا حديثي عهد في الجاهليّة وشرك فالله أعلم من آباؤنا، قال: فسكن غضبه، ونزلت الآية» (٣). وفي تفسيره المراد بالحشر في قوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (٣٨) [الأنعام:٣٨] ذكر حديثا آخر فقال: «عن أبي هريرة عنه ﷺ قال: (تقتصّ الشّاة الجمّاء من القرناء)» (٤). ولما تكلم على قوله تعالى: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠٤) [الأعراف:٢٠٤] استدلّ لمذهب أبي حنيفة في ألا يقرأ المأموم خلف الإمام بحديث نقله عنه فقال: «وعن أبي هريرة عنه ﷺ أنّه قال: (إنّما جعل الإمام إماما ليؤتمّ به)» (٥). عبد الله بن عبّاس (ت ٦٨ هـ): وقد نقل عنه كثيرا من الأقوال في التفسير والحديث والفقه والقراءات وغيرها، ففي تفسير الآية الأولى من سورة البقرة نقل قولين عن ابن عباس في معنى قوله تعالى: ﴿الم،﴾ فقال: «قال ابن عبّاس ﵄: الألف: الله، واللام: جبريل، والميم: محمّد، أي: بعث الله

стр. 25

جبريل إلى محمّد بالقرآن. وعنه قال: معناه: أنا الله أعلم» (١). ونقل عنه أنّ المراد بقوله تعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٣] الزّكاة (٢). وفي حديثه عن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ [آل عمران:٩٧] نقل عن ابن عباس قوله: «لو وجدت قاتل أبي في الحرم لما هجته» (٣). وعند تفسير الآية الأولى من سورة الأعراف نقل عنه أنّ معنى ﴿المص:﴾ «أنا الله أعلم وأفصّل» (٤). ومن القراءات التي نقلها عنه ما ذكره عند كلامه على قوله تعالى: ﴿حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾ [الأعراف:٤٠] إذ قال: «وفي مصحف ابن عبّاس: (الجمّل) بضمّ الجيم وتشديد الميم، وهو حبل السّفينة» (٥). مجاهد بن جبر المكي (ت ١٠٣ هـ): وهو من أئمّة التفسير، وقد نقل عنه المؤلف كثيرا من الأقوال منها ما جاء عند حديثه عن اختلاف المفسّرين في المراد بالكلمات في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة:٣٧] إذ نقل عنه أنّها «قوله: اللهمّ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربّ إنّي ظلمت نفسي فاغفر لي فإنّك أنت خير الغافرين، اللهمّ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربّ إنّي ظلمت نفسي فارحمني فإنّك أنت خير الراحمين، اللهمّ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربّ إنّي ظلمت نفسي فتب عليّ إنّك أنت التوّاب الرحيم» (٦). وحين تكلم على المراد ب (الكتاب والفرقان) في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ﴾ [البقرة:٥٣] قال: «يعني: التوراة، عن مجاهد، ذكرها باسمين كما يقال: سحقا وبعدا» (٧). وربّما يبيّن وهم مجاهد في ما ينقله عنه كما فعل في أثناء كلامه على قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] إذ قال: «وكان مجاهد يتوهّم أنّ رمضان من

стр. 26

أسماء الله لاحتمال كونه اسما لفاعل الرّمضاء أو الرّمض أو الرّميض من حيث إنّه معدول» (١). ولمّا ذكر أقوال المفسرين في معنى (مسوّمين) في قوله تعالى: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران:١٢٥] نقل عنه قوله: «كانت أذناب خيلهم محزوزة» (٢). ونقل عنه سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران:١٩٩] فقال: «قال مجاهد: نزلت في عبد الله ابن سلام وأصحابه» (٣). الحسن البصري (ت ١١٠): في حديثه عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة:٦٥] نقل عنه أنّهم «كانوا يرسلون الشّصوص في آخر يوم الجمعة، وكانت الحيتان تعلق بها يوم السبت، فيأخذون يوم الأحد» (٤). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة:٢٤٣] نقل عنه أنه «حذر القتل في القتال» (٥). وعند قوله تعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً﴾ [آل عمران:٣٧] نقل عنه أنّ الرّزق «كان يأتيها من الجنّة» (٦). وفي كلامه على قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٩] نقل عنه «أنّ المأمورين بالخشية عوّاد المريض، كانوا يحرّضونه على إكثار الوصيّة ولا ينظرون للورثة، فحذّرهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم أن يخشوا على ذرّيّة هذا المريض كما لو كانت لهم ذرّيّة كيف يخافون عليهم» (٧). وفي عرضه أسباب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ﴾

стр. 27

﴿اِزْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ (١٣٧) [النساء:١٣٧] نقل عنه أنّها نزلت «في الذين آمنوا وجه النّهار وكفروا آخره» (١). قتادة بن دعامة السدوسي (ت ١١٧ هـ): ونقل عنه كثيرا من الروايات في التفسير والحديث والفقه، منها ما ذكره عند حديثه عن قوله تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤٢) [البقرة:٤٢] إذ نقل أقوال المفسرين في المراد بقوله: (وأنتم تعلمون)، ومنها: «قال قتادة: تعلمون أنّ الإسلام دين الله» (٢). وحين تحدّث عن سبب نزول قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة:٩٧] نقل عنه «أنّ السبب في ذلك أنّ عمر ﵁ قال لليهود ذات يوم: بالرّحمن الذي أنزل التوراة على موسى أتحدون محمّدا في كتابكم؟ فتمسّكوا ثمّ قالوا: نعم، ولكنّ صاحبه جبريل عدوّنا، وهو صاحب كلّ عذاب، ولو كان مكانه ميكائيل لآمنّا به فإنّه صاحب كلّ رحمة، فقال عمر: وأين مكانهما، أي: مكانتهما، من الله ؟ قالوا: أحدهما، أي: كأنّ أحدهما، عن يمينه، والآخر عن يساره، قال عمر: أشهد أنّ من كان عدوّا لهما كان عدوّا لله تعالى، وانصرف إلى رسول الله ﷺ ليخبره الخبر فإذا جبريل ﵇ قد سبقه بالوحي، وقرأ النبيّ ﷺ القرآن، فقال: والذي بعثك بالحقّ ما جئت إلا لأخبرك، قال ﷺ : لقد وافقك ربّك يا عمر، قال عمر: لقد رأيتني بعد ذلك في دين الله أصلب من الحجر» (٣). ولمّا تكلّم على عود الهاء في (يعرفونه) في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] نقل عنه «أنّ الهاء راجعة إلى البيت أو المسجد» (٤). وفي كلامه على المراد بالنّاس والفضل في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤] قال: «وقال قتادة: الناس: العرب، والفضل: النّبوّة» (٥). وعند حديثه عن المراد بالصّعق في قوله تعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً﴾ [الأعراف:١٤٣] قال: «والمراد بالصّعق الموت عند قتادة، والغشي عند غيره» (٦).

стр. 28

السّديّ، إسماعيل بن عبد الرحمن (ت ١٢٧ هـ): وقد نقل عنه روايات كثيرة في التفسير، فحين تحدّث عن استخبار الملائكة في قوله تعالى: ﴿قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة:٣٠] قال: «وإنّما علموا الفساد وسفك الدماء بإخبار الله تعالى في رواية السدّي» (١). وحين نقل رأي أبي حنيفة في الصّابئين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦٢) [البقرة:٦٢] ذكر بعد ذلك موافقة السدّي له فقال: «والصّابئون: أهل كتاب عند أبي حنيفة تحلّ مناكحتهم وذبائحهم، ووافقه السدّي» (٢). ولمّا نقل روايات المفسرين عن البقرة في قوله تعالى: ﴿قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١] روى عنهم أنّها وحدت عند غلام، ونقل عنه قوله: «كان الغلام بارّا بأبيه، جاءه رجل بلؤلؤ فابتاعه منه بسبعين ألفا، وكان في اللؤلؤ فضل، فقال: إنّ أبي نائم والمفتاح تحت وسادته، فأنظرني ولك عشرة آلاف زيادة، فقال الرجل: وأنا أحطّ عشرة آلاف على أن توقظ أباك، قال الغلام: وأنا أزيد عشرين على أن تنظرني ساعة، فلم يزل يزيد هذا ويحطّ ذلك حتى استيقظ أبوه، فأعقبه الله ببرّه بأبيه نفاسة تلك البقرة حتى اشتروها بوزنها عشر مرّات ذهبا» (٣). وفي حديثه عن سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٢] نقل «عن السدّيّ أنّ جابر بن عبد الله عضل ابنة عمّ له فأنزل الله الآية» (٤). وفي كلامه على قوله تعالى: ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران:٥٥] ذكر اختلاف المفسرين في المصلوب بدلا من عيسى ﵇ ومنها قول السدي: «المصلوب رئيس من رؤساء اليهود، دخل ليخرج عيسى ﵇ من بيته فألقى الله مثاله عليه، ورفعه ﵇» (٥).

стр. 29

عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدويّ (ت ١٨٢ هـ): عند حديثه عن الآية ١٢١ من سورة البقرة قال: «نزلت في مؤمني أهل الكتاب، عن ابن زيد، وهو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم» (١). وعند الكلام على (ألوف) في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة:٢٤٣] قال: «وزعم ابن زيد أنّه جمع آلف، أي: مؤتلفة القلوب» (٢). وعند تفسيره قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ [آل عمران:٦٤] نقل عنه أنّه «خطاب لوفد نجران» (٣). وحين تكلّم على قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] نقل عنه «أنّ هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ﴾ [التّغابن:١٦]» (٤). ولما حكى الأقوال التي دكرت في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء:٣٦] نقل عنه موافقته لما حكي عن ابن عباس من أنّ المراد به «هو المنقطع إليك يرجو خيرك ونفعك» (٥). وفي حديثه عن قوله تعالى: ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً﴾ [التّوبة:٤١] نقل كثيرا من الأقوال في تفسير الخفاف والثّقال، منها قول ابن زيد: «الثّقال: أصحاب الضّيعة، والخفاف: غيرهم» (٦). ب-أئمة اللغة والنحو: الفراء، أبو زكريا يحيى بن زياد (ت ٢٠٧ هـ): معلوم أنّ الفرّاء من أشهر أئمّة المدرسة الكوفيّة، ولأنّ المؤلّف يميل إلى الكوفيّين فقد أكثر من نقل آراء الفرّاء النّحويّة والصّرفيّة واللّغويّة، بل إنّه قد يكتفي برأيه ولا يذكر غيره، وكان يعزو هذه النّقول إلى الفرّاء في كثير من المواضع، ولكنّه نقل عنه آراء كثيرة أيضا بلا عزو. فعند حديثه عن أصل (صيّب) في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة:١٩] نقل رأي الفراء فقال: «وأصل الصيّب صيوب، وعند الفرّاء صويب» (٧).

стр. 30

وفي توجيه قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة:٤١] ذكر رأي الفراء فقال: «وقال الفرّاء: تقديره: أوّل من كفر به» (١). وقد يقدّم رأي الفراء، ويوحي بضعف غيره إذ يسوقه بصيغة التمريض: قيل، كما فعل في أثناء حديثه عن قوله تعالى: ﴿فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى﴾ [البقرة:٧٣] إذ قدّم رأي الفراء في أصل (ميّت) وبدا كأنّه يضعّف الرّأي الآخر فقال: «و (الموتى): جمع ميّت، وأصله عند الفرّاء: مويت، كصريع وصرعى، وجريح وجرحى، فاستثقلت الكسرة على الواو والخروج من الواو إلى الياء، فجعل ياء، فأدغمت الياء في الياء. وقيل: أصله: ميوت» (٢). وربّما نقل عنه أكثر من رأي في المسألة الواحدة، كما فعل في توجيه إعراب (لا تعبدون) في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ [البقرة:٨٣] إذ قال: «وفي أحد أقوال الفرّاء أنّه خبر بمعنى النهي، وكون الخبر بمعنى النهي ككونه بمعنى الأمر في قوله تعالى: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٣]، ولهذا قرأ أبيّ: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدوا إلا الله). وفي قوله الآخر: جواب القسم، إذ الميثاق هو العهد الموثّق باليمين، يدلّ عليه قراءة ابن مسعود: (لا نعبد) بالنون» (٣). وفي كلامه على قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ﴾ [الأعراف:١٤٥] نقل عن الفراء «أنّها كانت لوحين، ويجوز أن يعبّر عن الاثنين بلفظ الجماعة، كقوله: ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النّساء:١١]» (٤). أبو عبيدة، معمر بن المثنى (ت ٢١٣ هـ): صاحب (مجاز القرآن). وقد نقل عنه كثيرا من الآراء في اللّغة والنّحو، فعند حديثه عن توجيه إعراب (إذ) في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة:٣٤] قال: «و (إذ): صلة على قول أبي عبيدة» (٥). وقد يردّ عليه كما فعل في أثناء عرضه الأقوال المختلفة في توجيه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠] إذ قال: «وقول أبي عبيدة وأبي عبيد: إنّ

стр. 31

معنى قوله: (سفه نفسه): أهلكها وأوبقها، لا معنى له إلا أن يحمل قولهم: سفه الشراب، على معنى استهلك» (١). وحين نقل الأقوال المختلفة في معنى الحنف عند حديثه عن قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ [البقرة:١٣٥] ذكر رأيه فقال: «وقال أبو عبيدة: كان الحنيف في الجاهليّة من كان على دين إبراهيم، وسمّي من اختتن وحجّ البيت لمّا تناسخت السنون فكانوا يعبدون الأوثان ويقولون: نحن حنفاء على دين إبراهيم. والحنيف الذي نعرف اليوم هو المسلم» (٢). وحين تحدّث عن قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اِتَّقى﴾ [البقرة:١٨٩] نقل عن أبي عبيدة قوله: «هو في ترك طلب البرّ من وجهه وطلبه من غير وجهه» (٣). ولما تكلم على المراد ب (الذين يصلون) في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ [النساء:٩٠] نقل عنه قوله: «والمراد بالمتّصلين من رجع إلى هؤلاء في النّسبة؛ لأنّهم دخلوا في عموم أمانه لعشائرهم» (٤). الأخفش الأوسط، سعيد بن مسعدة (ت ٢١٥ هـ): عند حديثه عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ [البقرة:٤٨] ذكر رأي الأخفش فقال: «وإنّما لم يقل: (لا تجزي فيه نفس)؛ لأنّ اليوم إذا أضيف إلى الفعل حذف منه (فيه) كقوله: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ﴾ [الشعراء:٨٨]، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان:٢٧]، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ﴾ [إبراهيم:٤١]، وهذا قول الأخفش» (٥). وفي كلامه على قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى﴾ [البقرة:٥٧] شرح معنى السّلوى وذكر أنّه «لا واحد له من لفظه عند الأخفش» (٦). وعند كلامه على (مثابة) في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً﴾ [البقرة:١٢٥] قال:

стр. 32

«والهاء للمبالغة عند الأخفش كالنّسّابة والعلاّمة» (١). ولمّا تحدّث عن توجيه إعراب (يتربّصن) في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة:٢٣٤] ذكر أنّ «(الذين) اسم مبتدأ، وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ لا يكون إخبارا عنه، والوجه أنّك إذا ابتدأت باسم ثمّ ذكرت اسما مضافا إلى الأوّل أو منه بسبب أجزأك أن تبقي الأوّل وتخبر عن هذا الثاني»، وبيّن بعده رأي الأخفش فقال: «قال الأخفش: إنّما جاز أن يكون (يتربّصن) خبرا بتقدير ضمير عائد إلى المبتدأ تقديره: يتربّصن من بعدهم، والضمير في (يتربّصن) عائد إلى قوله: ﴿أَزْواجاً»﴾ (٢). ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم الدينوري (ت ٢٧٦ هـ): نقل عنه المؤلّف كثيرا من الآراء في اللّغة والتّفسير، منها ما ذكره حين تحدّث عن معاني (الحنف) في أثناء كلامه على قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ [البقرة:١٣٥] إذ قال: «والحنف: الاستقامة في قول القتبيّ، قال: سمّي الأعرج أحنف تفاؤلا كما سمّي الفلاة مفازة واللّديغ سليما» (٣). وحين تكلّم على قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:١٣٦] نقل عنه «أنّ ما أنزل على الأنبياء من الكتاب مئة كتاب وأربعة كتب؛ على شيث خمسون صحيفة، وعلى إدريس ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم عشرون صحيفة، وعلى موسى التوراة، وعلى داود الزّبور، وعلى عيسى الإنجيل، وعلى نبيّنا القرآن، صلوات الله عليهم أجمعين» (٤). ونقل عنه في الآية نفسها «عن وهب عن ابن عبّاس أنّ أوّل الأنبياء آدم وآخرهم محمّد ﵈» (٥). وحين نقل اختلاف المفسرين في المعنى المراد ب (مواراة سوءاتهما) في قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما﴾ [الأعراف:٢٠] قال: «وذكر القتبيّ أنّها كانت بجهلهما سوآتهما، فلمّا أكلا من شجرة العلم علما أنّهما عريانان فتواريا في الأشجار» (٦).

стр. 33

ولمّا تكلّم على معنى (سنستدرجهم) في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٨٢) [الأعراف:١٨٢] نقل عنه قوله: «هو أن يدنيهم من بأسه قليلا قليلا» (١). وفي كلامه على معنى (قدم صدق) في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس:٢] قال: «عن القتبيّ: ما قدّموه من عمل صالح» (٢). الزّجّاج، إبراهيم بن السّريّ (ت ٣١١ هـ): في نهاية تفسيره سورة الفاتحة نقل عن الزجاج أنّ (آمين) «معناه: اللهمّ اسمع واستجب» (٣). وفي أثناء حديثه عن هاء (مثابة) في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً﴾ [البقرة:١٢٥] نقل عنه رأيا موافقا للفراء فقال: «ولا معنى لها عند الزجّاج والفرّاء كالمقام والمقامة» (٤). وفي عرضه الأقوال المختلفة في توجيه (من سفه نفسه) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠] ذكر أربعة أقوال ثانيها ما ذهب إليه الزجاج فقال: «والثاني: أنّه جهل نفسه، ومنه قوله: ﴿عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً﴾ [البقرة:٢٨٢]، ويحتمل قوله ﷺ : (إلا من سفه الحقّ)، وقولهم: فلان سفه رأيه. وجهل النفس يؤدّي إلى جهل منشئها، قال الله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، وقال ﷺ : (من عرف نفسه فقد عرف ربّه)، وإلى هذا ذهب الزجّاج» (٥). وفي تفسيره قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران:١٣٧] ذكر رأي الزجاج فقال: «وقال الزّجّاج: قد خلت من قبلكم ذو سنن وطرائق» (٦). وقد يورد رأيه معترضا عليه، كما فعل في توجيه إعراب (أحياء) من قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ﴾ [آل عمران:١٦٩]، فبعد أن ذكر أنّ قوله: ﴿أَحْياءٌ:﴾ رفع؛ لأنّه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: بل هم أحياء»، نقل رأي الزجاج فقال: «وقال الزّجّاج: لو كان منصوبا على تقدير: احسبهم أحياء، لكان جائزا»، واعترض عليه بقوله: «وليس كذلك؛ لأنّ الأمر من الحسبان غير جائز» (٧).

стр. 34

ابن عرفة، إبراهيم بن محمد (ت ٣٢٣ هـ): المشهور بنفطويه. وقد نقل عنه المؤلّف كثيرا من الآراء في اللّغة ومعاني الألفاظ، ففي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ [الفاتحة:٢] نقل عنه أنّ «الحمد: الرّضا تقول (١): حمدت الشّيء إذا رضيته، وأحمدته إذا وجدته مرضيا» (٢). ولما تكلم على قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة:١٠] نقل عنه أنّ «مرض القلب فتوره عن الحق» (٣). وحين تفسيره قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ﴾ [النساء:٥١] نقل عنه أنّ «(الجبت): كلّ ما عبد من دون الله تعالى» (٤). وعند كلامه على قوله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] حكى عن ابن عرفة أن الوصيلة «ما كان البطن السّابع من ولد الشّاة ذكرا وأنثى توأمين، قالوا للأنثى: وصلت أخاها، فلا يذبح ويكون لحمها حراما على النّساء» (٥). ولمّا تحدّث عن معنى قوله تعالى: ﴿هُدْنا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٥٦] نقل عنه أنّ معناه «سكنّا إلى أمرك، ومنه الهوادة» (٦). هذه أمثلة على الأعلام الذين أكثر من النّقل عنهم، وهناك كثير غيرهم مثل أمّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصّدّيق ﵄ (ت ٥٧ هـ)، وعبد الله بن عمر ﵄ (ت ٧٣ هـ)، وأبو العالية رفيع بن مهران (ت ٩٣ هـ)، وسعيد بن المسيب (ت ٩٤ هـ)، وسعيد بن جبير (ت ٩٥ هـ)، وعامر بن شراحيل الشعبي (ت ١٠٤ هـ)، والضحاك بن مزاحم (ت ١٠٥ هـ)، وعكرمة بن عبد الله المدني (ت ١٠٧ هـ)، ووهب بن منبّه الصنعاني (ت ١١٠ هـ)، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت ١٢٤ هـ)، ومحمد بن السائب الكلبي (ت ١٤٦ هـ)، وابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز المكي (ت ١٥٠ هـ)، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت (ت ١٥٠ هـ)، ومقاتل بن سليمان (ت ١٥٠ هـ)، وعلي بن حمزة الكسائي (ت ١٨٩ هـ)، وأبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت ٣٧٠ هـ)، وغيرهم.

стр. 35

ثانيا: الأعلام الذين لم يكثر من النقل عنهم: ثمّة أعلام أفاد المؤلّف منهم في كتابه، ولكنّه لم يكثر من حكاية أقوالهم، وربّما لم ينقل عن بعضهم أكثر من الرّأي والرّأيين، ولا يجاوز ثلاثة آراء، وسأكتفي بسرد أسماء عدد من هؤلاء الأعلام بحسب سني وفياتهم: زيد بن أرقم (ت ٦٨ هـ) (١). المقبريّ، أبو سعيد، كيسان (ت ١٠٠ هـ) (٢). أبو رجاء العطاردي، عمران بن ملحان (ت ١٠٥ هـ) (٣). زيد بن علي (ت ١٢٠ هـ) (٤). رؤبة بن العجّاج (ت ١٤٥ هـ) (٥). مقاتل بن حيّان (ت قبل ١٥٠ هـ) (٦). أبو عمرو بن العلاء الحضرمي (ت ١٥٤ هـ) (٧). الثوري، سفيان بن سعيد بن مسروق (ت ١٦١ هـ) (٨). الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت ١٧٥ هـ) (٩). سيبويه، أبو بشر، عمرو بن عثمان بن قنبر (ت ١٨٠) (١٠). أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم (ت ١٨٢ هـ) (١١). يونس بن حبيب (ت ١٨٢ هـ) (١٢). مؤرج بن عمرو السّدوسيّ (ت ١٩٥ هـ) (١٣). النّضر بن شميل (ت ٢٠٣ هـ) (١٤).

стр. 36

يحيى بن كثير العنبري (ت ٢٠٥ هـ) (١). قطرب، محمد بن المستنير، (ت ٢٠٦ هـ) (٢). الأصمعي، عبد الملك بن قريب (ت ٢١٦ هـ) (٣). أبو عبيد، القاسم بن سلام (ت ٢٢٤) (٤). ابن الأعرابي، محمد بن زياد (ت ٢٣١ هـ) (٥). أبو حاتم، سهل بن محمد بن عثمان السّجستاني (ت ٢٥٥ هـ) (٦). أبو العباس المبرّد، محمد بن يزيد (ت ٢٨٥ هـ) (٧). ثعلب، أحمد بن يحيى الكوفي (ت ٢٩١ هـ) (٨). الطبري، محمد بن جرير (ت ٣١٠ هـ) (٩). ابن الأنباري، محمد بن القاسم بن بشار (ت ٣٢٨ هـ) (١٠). الخارزنجي، أبو حامد، أحمد بن محمد (ت ٣٤٨ هـ) (١١). أبو علي الفارسي، الحسن بن أحمد بن عبد الغفار (ت ٣٧٧ هـ) (١٢). د-أهميته: يعدّ كتاب (درج الدرر في تفسير القرآن العظيم) من كتب التفسير القيّمة، ويتميز الكتاب بأنّه ليس من المطوّلات المملّة، ولا من المختصرات المخلّة. وقد حوى الكتاب نقولا غزيرة عن عدد كبير من أعلام التفسير والحديث واللغة والنحو والفقه وعلم الكلام وغيرها من العلوم، وكثير من هؤلاء الأعلام أئمّة في تلك العلوم كابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس ومجاهد والفراء وأبي عبيدة والزجاج وابن عرفة والأزهري. فجمع كثيرا من أقوال هؤلاء الأعلام وآرائهم، ولمّ شعثها، وأسكنها في ثنايا كتابه.

стр. 37

وهذه النّقول الكثيرة دليل على سعة اطلاع المؤلّف، وغزارة علمه. وهي أيضا تعطي صورة واضحة عن مرحلة مهمّة من مراحل مسيرة التّأليف في تفسير القرآن الكريم، إذ انصرف اهتمام العلماء في تلك المرحلة التي عاش فيها المؤلّف إلى جمع أقوال العلماء المتقدّمين، وتدوين آرائهم، وقد يناقشون تلك الأقوال والآراء، ويردّون على أصحابها، ويرجّحون بعضها على بعض. وكتاب (درج الدرر) شاهد صدق على هذه المرحلة من مراحل التّأليف. هـ-ما انفرد به: ثمّة آراء وأقوال أوردها المؤلف في كتابه ولم أقف عليها في المصادر التي بين يدي، ولا سيما المصادر التي سبقت عصره، وسأسرد فيما يأتي عددا من الأمثلة على هذه الآراء والأقوال معتنيا بما له صلة باللغة والنحو: في توجيه (عليكم) في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٦٤] قال: «وإنّما قال: ﴿عَلَيْكُمْ؛﴾ لأنّه رجع إلى المعنى، أعني التّفضّل»، ثمّ انفرد برأي آخر فقال: «أو لأنّه نعمة عليهم» (١). وفي قوله تعالى: ﴿وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] ذكر أنّ (من) «زيادة»، وانفرد برأي آخر فقال: «أو لابتداء الغاية» (٢). وانفرد برأي آخر في توجيه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة:١٣٤] فقال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ:﴾ أي: تلك الأمّة أمّة» (٣). وفي توجيه ﴿(مَعَهُمُ)﴾ في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ﴾ [البقرة:٢١٣] نقل أنّ «(معهم) بمعنى: عليهم» (٤)، وهو قول لم أقف عليه. وفي كلامه على قوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [البقرة:٢٣٢] قال: ﴿أَزْكى:﴾ أدخل في باب التّزكية»، ثم نقل قولا لم أجده فقال: «وقيل: أزكى: أطهر لكم، فجمع بين اللّفظين تأكيدا» (٥). وفي قوله تعالى: ﴿يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اِسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ [آل عمران:٤٥] ذكر آراء متعدّدة في سبب تسمية المسيح مسيحا، منها اثنان لم أقف عليهما، أولهما «لأنّه تمسّح

стр. 38

بصنع يحيى بن زكريّا من ماء الأردن» (١)، والثاني «لأنّه كان يمسح التّراب فينام عليه بلا فراش ولا بساط» (٢). وفي قوله تعالى: ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] نقل أقوالا كثيرة للمفسرين عن المصلوب مكان المسيح ﵇، أحدها لم أجده وهو أنّ «المصلوب هو الموكّل الذي كان عليه رقيبا» (٣). وفي توجيه باء (بالله) في قوله تعالى: ﴿بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً﴾ [آل عمران:١٥١] ذكر رأيا لم أجده فقال: ﴿بِاللهِ:﴾ الباء بمعنى (مع)» (٤). وفي توجيه إعراب (جهد) من قوله تعالى: ﴿أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ [المائدة:٥٣] رأى أنّه «نصب بنزع (في)» (٥). وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ﴾ [المائدة:٧٢] قال: «قيل: من كلام عيسى، وقيل: استئناف كلام من الله »، ثم انفرد برأي في هاء (إنّه) فقال: «والهاء ضمير الأمر والشّأن» (٦). وانفرد برأي آخر في توجيه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] فقال: «هما صفتان للسّموات والأرض، فكأنّ التّقدير: وجعلهنّ مظلمة ومنيرة، كما قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النّحل:٧٨]» (٧). وفي قوله تعالى: ﴿قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩] انفرد برأي قال فيه: «وإنّما لم يقل: شهيد لي ولكم؛ لأنّ الشّهادة لم تكن لهم، وإنّما لم يقل: عليّ وعليكم؛ لأنّ الشّهادة لم تكن عليه» (٨). وفي توجيه (من إله) في قوله تعالى: ﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام:٤٦] رأى أنّ «فحوى الكلام يدلّ على أنّه جواب الشّرط وليس بمبتدأ» (٩)، ولم أقف على هذا الرأي.

стр. 39

وفي قوله تعالى: ﴿المص﴾ [الأعراف:١] نقل عن ابن عباس أنّ معناها: «أنا الله أعلم وأفصّل»، ثم ذكر رأيا لم أقف عليه فقال: «ويحتمل أن تكون الصّاد إشارة إلى الفصل، أي: إلى هذا الفصل، فإنّ السّور فصول لا محالة» (١). وفي قوله تعالى: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ [الأعراف:٥٠] انفرد برأي قال فيه: «وإنّما لم يقولوا: لا نفيض؛ لأنّ فيه شمّة بخل ولكنّهم ذكروا وجه المنع وعلّته» (٢). وفي تفسير الفئة في قوله تعالى: ﴿إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ﴾ [الأنفال:١٦] نقل عن ابن عباس قوله: «إنّها الكتيبة العظمى في المعركة» (٣)، ولم أجده. وفي بيان سبب تسمية المؤتفكات في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ﴾ [التوبة:٧٠] ذكر أنّها «سمّيت بهذا لانقلابها ظهرا على بطن»، ثم نقل قولا لم أقف عليه، وهو أنّها سمّيت بذلك «لإفك أهلها» (٤). وفي توجيه الضمير في (إنّها) في قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:٩٩] قال: «والضّمير في ﴿إِنَّها﴾ عائد إلى الصّدقات، وقيل: إلى الصّلوات، وقيل: إليهما جميعا» (٥)، والقول الأخير لم أقف عليه. و-مآخذ على الكتاب: لا بدّ من التنبيه منذ البداية على أنّ ما سيأتي ذكره من مآخذ على الكتاب لا يقلّل بأيّ حال من الأحوال من الجهد الذي بذله المؤلف، فلا يغضّ من شأنه هفوة هنا، أو زلّة هناك؛ لأنّ أيّ عمل بهذا الحجم الذي تصدّى له لا بدّ من أن يكون فيه ما يقال، وهذا شأن كلّ عمل بشري. ومن المهمّ القول أيضا إنّ بعض تلك الهفوات قد لا يتحمّل وزرها المؤلف؛ لأنّها ربّما كانت من عمل النّسّاخ. ويمكن إجمال هذه المآخذ بالآتي: ١ - خلوّ الكتاب من مقدّمة تبيّن اسم الكتاب، وسبب تأليفه، والمنهج الذي اتّبعه مؤلّفه.

стр. 40

٢ - ربّما ناقض قوله، فعند حديثه عن قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ [البقرة:٣٤] ذكر الخلاف في الاستثناء هل هو متّصل أو منقطع، وبيّن أنّ ذلك مترتّب على الخلاف في كون إبليس من الملائكة أو من الجنّ، وعقّب على ذلك بقوله: «ويجوز تناسل الممسوخ عند أكثر النّاس» (١)، ولكنّه عند ما تكلّم على قوله تعالى: ﴿فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥] ناقض ذلك فقال: «والأمّة الممسوخة لا تتناسل عند أكثرهم؛ لأنّهم لم يعيشوا فوق ثلاث» (٢). ٣ - ربّما كرّر قوله، مناقضا ميله إلى الاختصار، كما فعل في بيانه أنّ العلم «رؤية تنفي الجهالة»، فذكر ذلك في حديثه عن ﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩] (٣)، وكرّره عند حديثه عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا﴾ [البقرة:٦٥] (٤). ٤ - رغم عنايته بالأحاديث النّبويّة الشّريفة التي ضمّنها كتابه، وتحرّيه الصّحيح منها نقل حديثا موضوعا في أثناء كلامه على توجيه قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]، وهو قوله: (من عرف نفسه فقد عرف ربّه) (٥). ونقل حديثا عن النّبيّ ﷺ ، ذكر فيه أنّه أمر بهدم الآطام في المدينة، والذي وجدته في المصادر عكس ما رواه (٦). ٥ - عزا بيتا من الشّعر إلى الإمام الشّافعيّ والمصادر تعزوه إلى غيره (٧)، ووهم في عزو بيت آخر إلى حسّان (٨) مخالفا موضعين سابقين من كتابه عزاه في أولهما إلى جرير، وهو الصّواب (٩).
следующие страницы →