عن المسير فوجه رجلا من خثعم، فكان الخثعمي يجهد نفسه في السير والسرى وهو يقول:
أرق عيني أخو جذام ... أخي جشم وأخو حرام
كيف أنام وهما أمامي ... إذ يرحلان والهجير طام
فسبقهما ودخل عَلَى عُمَر فكبر عُمَر. وحدثني هِشَام بْن عمار في إسناد له لم أحفظه أن قيسارية فتحت قسرا في سنة تسع عشرة فلما بلغ عُمَر فتحها نادى أن قيسارية فتحت قسرا وكبر وكبر المسلمون، وكانت حوصرت سبع سنين وفتحها معاوية.
قالوا: وكان موت يزيد بْن أَبِي سُفْيَان في آخر سنة ثمان عشرة بدمشق فمن قَالَ: أن معاوية فتح قيسارية في حياة أخيه قَالَ: إنما فتحت في آخر سنة ثمان عشرة ومن قَالَ: أنه فتحها في ولايته الشام قَالَ. فتحت في سنة تسع عشرة وذلك الثبت. وقال بعض الرواة أنها فتحت في أول سنة عشرين.
قَالُوا. وكتب عُمَر بْن الخطاب ﵁ إِلَى معاوية يأمره بتتبع ما بقي من فلسطين ففتح عسقلان صلحا بعد كيد. ويقال. إن عمر بن العاصي كان فتحها ثُمَّ نقض أهلها وأمدهم الروم ففتحها معاوية وأسكنها الروابط وكل بها الحفظة.
وحدثني بكر بْن الهيثم قَالَ: سمعت مُحَمَّد بْن يوسف الفريابي يحدث عن مشايخ من أهل عسقلان أن الروم أخربت عسقلان وأجلت أهلها عنها فى أيام من الزبير، فلما ولى عَبْد الملك بْن مروان بناها وحصنها ورم أيضا قيسارية. وحدثني مُحَمَّد بْن مصفى، قَالَ حدثني أَبُو سُلَيْمَان الرملي عن أبيه أن الروم خرجت في أيام ابْن الزبير إِلَى قيسارية فشعثتها وهدمت مسجدها، فلما استقام لعبد الملك بْن مروان الأمر رم قيسارية وأعاد مسجدها وأشحنها
стр. 142
بالرجال وبنى صور وعكا الخارجة، وكانت سبيلهما مثل سبيل قيسارية.
وحدثني جماعة من أهل العلم بأمر الشام، قَالُوا: ولى الوليد بْن عَبْد الملك سُلَيْمَان بْن عَبْد الملك جند فلسطين فنزل لد، ثُمَّ أحدث مدينة الرملة ومصرها وكان أول ما بنى منها قصره والدار الَّتِي تعرف بدار الصباغين، وجعل في الدار صهريجا متوسطا لهائم اختط للمسجد خطة وبناه، فولى الخلافة قبل استتمامه ثُمَّ بنى فيه بعد في خلافته، ثُمَّ أتمه عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ ونقص منَ الخطة، وقال:
أهل الرملة يكتفون بهذا المقدار الَّذِي اقتصرت بهم عَلَيْهِ.
ولما بنى سُلَيْمَان لنفسه أذن للناس في البناء فبنوا، واحتفر لأهل الرملة قناتهم الَّتِي تدعى بردة واحتفر آبارا وولى النفقة عَلَى بنائها بالرملة ومسجد الجماعة كاتبا له نصرانيا من أهل لد يقال له البطريق بْن النكا، ولم تكن مدينة الرملة قبل سُلَيْمَان، وكان موضعها رملة.
قَالُوا: وقد صارت دار الصباغين لورثة صالح بن علي بن عبد الله بن العَبَّاس لأنها قبضت مع أموال بني أمية قَالُوا: وكان بنو أمية ينفقون عَلَى آبار الرملة وقناتها بعد سُلَيْمَان بْن عَبْد الملك فلما استخلف بنو العَبَّاس أنفقوا عليها، وكان الأمر في تلك النفقة يخرج في كل سنة من خليفة بعد خليفة، فلما استخلف أمير الْمُؤْمِنِين أَبُو إِسْحَاق المعتصم بالله أسجل بتلك النفقة سجلا فانقطع الاستثمار وصارت جارية يحتسب بها العمال فيحسب لهم قَالُوا:
وبفلسطين فروز بسجلات منَ الخلفاء مفردة من خراج العامة، وبها التخفيف والردود، وذاك إن ضباعا رفضت في خلافة الرشيد وتركها أهلها فوجه أمير الْمُؤْمِنِين الرشيد هرثمة بْن أعين لعمارتها، فدعا قوما من مزارعيها وأكرتها إِلَى الرجوع إليها عَلَى أن يخفف عنهم من خراجهم ولين معاملتهم فرجعوا، فأولئك
стр. 143
أصحاب التخافيف، وجاء قوم منهم بعد فردت عليهم أرضهم عَلَى مثل ما كانوا عَلَيْهِ فهم أصحاب الردود.
وحدثني بكر بْن الهيثم، قَالَ: لقيت رجلا منَ العرب بعسقلان فأخبرني أن جده ممن أسكنه إياها عَبْد الملك وأقطعه بها قطيعة مع من أقطع منَ المرابطة قَالَ، وأراني أرضًا فقال: هَذِهِ من قطائع عُثْمَان بْن عَفَّان. قَالَ بكر: وسمعت مُحَمَّد بْن يوسف الفريابي يقول بعسقلان ههنا قطائع أقطعت بأمر عُمَر وعُثْمَان لو دخل فيها رجل لم أجد بذلك بأسا.
أمر جند قنسرين والمدن الَّتِي تدعى العواصم
قَالُوا: سار أَبُو عُبَيْدة بْن الجراح بعد فراغه من أرض اليرموك إِلَى حمص فاستقراها، ثُمَّ أتى قنسرين وعلى مقدمته خَالِد بْن الوليد فقاتله أهل مدينة قنسرين، ثُمَّ لجأوا إِلَى حصنهم وطلبوا الصلح فصالحهم أَبُو عُبَيْدة عَلَى مثل صلح حمص وغلب المسلمون عَلَى أرضها وقراها، وكان حاضر قنسرين لتنوخ مذ أول ما تنخوا بالشام نزلوه وهم في خيم الشعر، ثُمَّ ابتنوا به المنازل: فدعاهم أَبُو عُبَيْدة إِلَى الإِسْلام فأسلم بعضهم وأقام عَلَى النصرانية بنو سليح بْن حلوان ابن عِمْرَان ابن الحاف بْن قضاعة، فحدثني بعض ولد يزيد بْن حنين الطائي الأنطاكي عن أشياخهم: أن جماعة من أهل ذلك الحاضر أسلموا في خلافة أمير الْمُؤْمِنِين المهدي فكتب عَلَى أيديهم بالحضرة قنسرين، ثُمَّ سار أَبُو عُبَيْدة يريد حلب فبلغه أن أهل قنسرين قَدْ نقضوا وغدروا فوجه إليهم السمط بْن الأسود الكندي فحصرهم ثُمَّ فتحها.
حدثني هِشَام بْن عمار الدمشقي، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن حَمْزَة عن أَبِي عَبْد الْعَزِيزِ عن عبادة بْن نسى عن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن غنم، قَالَ: رابطنا مدينة قنسرين مع
стр. 144
السمط- أو قَالَ شرحبيل بْن السمط- فلما فتحها أصاب فيها بقرا وغنما، فقسم فينا طائفة وجعل بقيتها في المغنم، وكان حاضر طيء قديما نزلوه بعد حرب الفساد الَّتِي كانت بينهم حين نزلوا الجبلين من نزل منهم وتفرق باقوهم في البلاد، فلما ورد أَبُو عُبَيْدة عليهم أسلم بعضهم وصالح كثير منهم عَلَى الجزية ثُمَّ أسلموا بعد ذلك بيسير إلا من شذ عن جماعتهم، وكان بقرب مدينة حلب حاضر تدعى حاضر حلب يجمع أصنافا منَ العرب من تنوخ وغيرهم فصالحهم أَبُو عُبَيْدة عَلَى الجزية، ثُمَّ أنهم أسلموا بعد ذلك فكانوا مقيمين وأعقابهم به إِلَى بعيد وفاة أمير الْمُؤْمِنِين الرشيد، ثُمَّ إن أهل ذلك الحاضر حاربوا أهل مدينة حلب وأرادوا إخراجهم عنها، فكتب الهاشميون من أهلها إِلَى جميع من حولهم من قبائل العرب يستنجدونهم فكان أسبقهم إِلَى إنجادهم وإغاثتهم العَبَّاس ابن زفر بن عاصم الهلالي بالخؤولة، لأن أم عبد الله ابن العَبَّاس لبابة بنت الحارث بْن حزن بْن بحير بْن الهزم هلالية، فلم يكن لأهل ذلك الحاضر به وبمعن معه طافة فأجلوهم عن حاضرهم وأخربوه، وذلك في أيام فتنة مُحَمَّد بْن الرشيد، فانتقلوا إِلَى قنسرين فتلقاهم أهلها بالأطعمة والكسى فلما دخلوها أرادوا التغلب عليها فأخرجوهم عنها فتفرقوا في البلاد، فمنهم قوم بتكريت قَدْ رأيتهم ومنهم قوم بأرمينية وفي بلدان كثيرة متباينة.
وأخبرني أمير الْمُؤْمِنِين المتوكل ﵀ قَالَ: سمعت شيخا من مشايخ بني صالح بْن علي بْن عَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاس يحدث أمير الْمُؤْمِنِين المعتصم بالله ﵀ سنة غزا عمورية، قَالَ لما ورد العَبَّاس بن زفر الهلالي حلب لاغاثة الهاشمين ناداه نسوة منهم: يا خال نحن بالله ثم بك، فقال: لا خوف عليكم إن شاء اللَّه خذلني اللَّه إن خذلتكم، قَالَ: وكان حيار بني القعقاع بلدا معروفا قبل الإِسْلام، وبه كان مقيل المنذر بْن ماء السماء اللخمي ملك الحيرة فنزله
стр. 145
بنو القعقاع بْن خليد بْن جزء بْن الحارث بْن زهير بْن جذيمة بْن رواحة بْن ربيعة بْن مازن بْن الحارث بْن قطيعة بن عبس بن بغيض أوطنوه لنسب إليهم.
وكان عَبْد الملك بْن مروان أقطع القعقاع به قطيعة وأقطع عمه العباس ابن جزء بْن الحارث قطائع أوغرها له إِلَى اليمن فأوغرت بعده، وكانت أو أكثرها موانا، وكانت ولادة بنت العَبَّاس بْن جزء عند عَبْد الملك فولدت له الوليد وسُلَيْمَان. قَالُوا ورحل أَبُو عُبَيْدة إِلَى حلب وعلى مقدمته عياض ابن غنم الفهري، وكان أبوه يسمى عَبْد غنم، فلما أسلم عياض كره أن يقال عَبْد غنم فقال: أنا عياض بْن غنم فوجد أهلها قَدْ تحصنوا فنزل عليها فلم يلبثوا أن طلبوا الصلح والأمان عَلَى أنفسهم وأموالهم وسور مدينتهم وكنائسهم ومنازلهم والحصن الَّذِي بها فأعطوا ذلك فاستثنى عليهم موضع المسجد، وكان الَّذِي صالحهم عَلَيْهِ عياض فأنفذ أَبُو عُبَيْدة صلحه، وزعم بعض الرواة أنهم صالحوا على حقن دمائهم وأن يقاسموا أنصاف منازلهم وكنائسهم، وقال بعضهم: أن أَبَا عُبَيْدة لم يصادف بحلب أحدا وذلك أن أهلها انتقلوا إِلَى انطاكية وأنهم إنما صالحوه عن مدينتهم وهم بانطاكية راسلوه في ذلك فلما تم صلحهم رجعوا إِلَى حلب، قَالُوا: وسار أَبُو عُبَيْدة من حلب إِلَى انطاكية وقد تحصن بها خلق من أهل جند قنسرين فلما صار بمهروية وهي عَلَى قريب فرسخين من مدينة انطاكية لقيه جمع للعدو ففضهم وألجأهم إِلَى المدينة وحاصر أهلها من جميع أبوابها، وكان معظم الجيش عَلَى باب فارس والباب الَّذِي يدعى باب البحر، ثُمَّ أنهم صالحوه عَلَى الجزية والجلاء فجلا بعضهم وأقام بعضهم فأمنهم ووضع عَلَى كل حالم منهم دينارا وجريبا ثُمَّ نقضوا العهد فوجه إليهم أَبُو عُبَيْدة عياض بْن غنم وحبيب بْن مسلمة ففتحاها عَلَى الصلح الأول، ويقال: بل نقضوا بعد رجوعه إِلَى فلسطين فوجه عمرو بن
стр. 146
العاصي من إيليا ففتحها ثُمَّ رجع فمكث يسيرا حَتَّى طلب أهل إيليا الأمان والصلح والله أعلم.
وحدثني مُحَمَّد بْن سهم الأنطاكي، عن أَبِي صالح الفراء قَالَ، قَالَ مخلد بْن الْحُسَيْن سمعت مشايخ الثغر يقولون: كانت انطاكية عظيمة الذكر والأمر عند عُمَر وعُثْمَان فلما فتحت: كتب عُمَر إِلَى أَبِي عُبَيْدة أن رتب بانطاكية جماعة منَ المسلمين أهل نيات وحسبة وأجعلهم بها مرابطة ولا تحبس عنهم العطاء، ثُمَّ لما ولي معاوية كتب إليه بمثل ذلك ثُمَّ أن عُثْمَان كتب إليه يأمره أن يلزمها قوما وأن يقطع قطائع ففعل، قال ابْن سهم: وكنت واقفا عَلَى جسر انطاكية عَلَى الأرنط فسمعت شيخا مسنا من أهل انطاكية وأنا يومئذ غلام يقول: هَذِهِ الأرض قطيعة من عُثْمَان لقوم كانوا في بعث أَبِي عُبَيْدة أقطعهم إياها أيام ولاية عُثْمَان معاوية الشام، قَالُوا: ونقل معاوية ابْن أَبِي سُفْيَان إِلَى انطاكية في سنة اثنتين وأربعين جماعة منَ الفرس وأهل بعلبك وحمص ومن المصرين فكان منهم مُسْلِم بْن عَبْد اللَّهِ جد عَبْد اللَّهِ بْن حبيب بْن النعمان بْن مُسْلِم الأنطاكي وكان مُسْلِم قتل عَلَى باب من أبواب أنطاكية يعرف اليوم بباب مُسْلِم، وذلك أن الروم خرجت منَ الساحل فأناخت عَلَى انطاكية فكان مُسْلِم عَلَى السور فرماه علج بحجر فقتله.
وحدثني جماعة من مشايخ أهل انطاكية منهم ابْن برد الفقيه. أن الوليد ابن عَبْد الملك أقطع جندا بانطاكية أرض سلوقية عند الساحل وصير الفلثر وهو الجريب- بدينار ومدى قمح فعمروها، وجرى ذلك لهم وبنى حصن سلوقية، قالوا: وكانت أرض بغرلمس لمسلمة بْن عَبْد الملك فوقفها في سبيل البر، وكانت عين السلور وبحيرتها له أيضا، وكانت الإسكندرية له ثُمَّ صارت لرجاء مولى المهدي إقطاعا يورثه مَنْصُور وإِبْرَاهِيم ابنا المهدي، ثم صارت لإبراهيم ابن سَعِيد الجوهري، ثُمَّ لأحمد بْن أَبِي داود الأيادى ابتياعا، ثم
стр. 147
انتقل مليكها إِلَى أمير الْمُؤْمِنِين المتوكل عَلَى اللَّه ﵀ فحدثني ابْن برد الأنطاكي وغيره قَالُوا: أقطع مسلمة بْن عَبْد الملك قوما من ربيعة قطائع فقبضت وصارت بعد للمأمون وجرى أمرها عَلَى يد صالح الخازن صاحب الدار بأنطاكية، قَالُوا: وبلغ أَبَا عُبَيْدة أن جمعا للروم بَيْنَ معرة مصرين وحلب فلقيهم وقتل عدة بطارقة وفض ذلك الجيش وسبى وغنم وفتح معرة مصرين عَلَى مثل صلح حلب وجالت خيوله فبلغت بوقا وفتحت قرى الجومة وسرمين ومرتحوان وتيزين وصالحوا أهل دير طايا ودير الفسيلة عَلَى أن يضيفوا من مر بهم منَ المسلمين، وأتاه نصارى خناصرة فصالحهم وفتح أَبُو عُبَيْدة جميع أرض قنسرين وأنطاكية.
حدثني العَبَّاس بْن هِشَام عن أبيه، قَالَ: خناصرة نسبت إِلَى خناصر بْن عَمْرو بْن الحارث الكلبي: ثُمَّ الكناني، وكان صاحبها وبطنان حبيب نسب إِلَى حبيب بْن مسلمة الفهري، وذلك أن أَبَا عُبَيْدة أو عياض بْن غنم وجهه من حلب ففتح حصنا بها فنسب إليه، قَالُوا: وسار أَبُو عُبَيْدة يريد قورس وقدم أمامه عياضا فتلقاه راهب من رهبانها يسأل الصلح عن أهلها، فبعث به إِلَى أَبِي عُبَيْدة وهو بَيْنَ جبرين وتل أعزاز فصالحه ثُمَّ أتى قورس فعقد لأهلها عهدا وأعطاهم مثل الَّذِي أعطى انطاكية وكتب للراهب كتابا في قرية له تدعى شرقينا وبث خيله فغلب عَلَى جميع أرض قورس إِلَى آخر حد نقابلس، قَالُوا: وكانت قورس كالمسلحة لأنطاكية يأتيها في كل عام طالعة من جند انطاكية ومقاتلتها ثُمَّ حول إليها ربع من أرباع انطاكية وقطعت الطوالع عنها ويقال: أن سُلَيْمَان بْن ربيعة الباهلي كان في جيش أَبِي عُبَيْدة مع أَبِي أمامة الصدى بْن عجلان صاحب رَسُول اللَّهِ ﷺ فنزل حصنا بقورس فنسب إليه وهو يعرف بحصن سلمان، ثُمَّ قفل منَ الشام فيمن أمد به سَعْد بْن أَبِي وقاص وهو بالعراق، وقيل: سلمان بْن ربيعة كان غزا
стр. 148
الروم بعد فتح العراق وقبل شخوصه إِلَى أرمينية فعسكر عند هَذَا الحصن وقد خرج من ناحية مرعش فنسب إليه، وسلمان وزياد منَ الصقالبة الَّذِينَ رتبهم مروان بْن مُحَمَّد فى الثغور، وسمعت من يذحر أن سلمان هذا رجل من الصقالبة نسب إليه الحصن والله أعلم.
قَالُوا: وأتى أَبُو عُبَيْدة حلب الساجور وقدم عياضا إِلَى منبج ثُمَّ لحقه وقد صالح أهلها عَلَى مثل صلح انطاكية فأنفذ أَبُو عُبَيْدة ذلك وبعث عياض ابن غنم إِلَى ناحية دلوك ورعبان فصالحه أهلها عَلَى مثل صلح منبج واشترط عليهم أن يبحثوا عن أخبار الروم ويكاتبوا بها المسلمين وولى أَبُو عُبَيْدة كل كورة فتحها عاملا وضم إليه جماعة منَ المسلمين وشحن النواحي المخوفة، قَالُوا: ثُمَّ سار أَبُو عُبَيْدة حَتَّى نزل عراجين وقدم مقدمته إِلَى بالس، وبعث جيشا عَلَيْهِ حبيب بْن مسلمة إِلَى قاصرين وكانت بالس وقاصرين لأخوين من أشراف الروم أقطعا القرى الَّتِي بالقرب منهما وجعلا حافظين لما بينهما من مدن الروم بالشام، فلما نزل المسلمون بها صالحهم أهلها عَلَى الجزية والجلاء فجلا أكثرهم إِلَى بلاد الروم وأرض الجزيرة وقرية جسر منبح، ولم يكن الجسر يومئذ إنما اتخذ في خلافة عُثْمَان بْن عَفَّان ﵁ للصوائف، ويقال: بل كان له رسم قديم قَالُوا: ورتب أَبُو عُبَيْدة ببالس جماعة منَ المقاتلة وأسكنها قوما منَ العرب الَّذِينَ كانوا بالشام فأسلموا بعد قدوم المسلمين الشام وقوما لم يكونوا منَ البعوث نزعوا منَ البوادي من قيس وأسكن قاصرين قوما ثُمَّ رفضوها أو أعقابهم وبلع أَبُو عُبَيْدة الفرات ثُمَّ رجع إِلَى فلسطين وكانت بالس والقرى المنسوبة إليها في حدها الأعلى والأوسط والأسفل أعذاء عشرية.
فلما كان مسلمة بْن عَبْد الملك بْن مروان: توجه غازيا للووم من نحو الثعور الجزرية عسكر ببالس فأتاه أهلها وأهله بوبلس وقاصرين وعابدين
стр. 149
وصفين، وهي قرى منسوبة إليها فأتاه أهل الحد الأعلى فسألوه جميعا أن يحفر لهم نهرا منَ الفرات يسقي أرضهم عَلَى أن يجعلوا له الثلث من غلاتهم بعد عشر السلطان الَّذِي كان يأخذه ففعل فحفر النهر المعروف بنهر مسلمة ووفوا له بالشرط ورم سور المدينة وأحكمه.
ويقال: بل كان ابتداء الغرض من مسلمة وأنه دعاهم إِلَى هَذِهِ المعاملة فلما مات مسلمة صارت بالس وقراها لورثته فلم تزل في أيديهم إِلَى أن جاءت الدولة المباركة وقبض عَبْد اللَّهِ بْن عَلي أموال بني أمية فدخلت فيها فأقطعها أمير الْمُؤْمِنِين أَبُو العَبَّاس سُلَيْمَان بْن علي بْن عَبْد اللَّهِ بْن العَبَّاس فصارت لابنه مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان، وكان جَعْفَر بْن سُلَيْمَان أخوه يسعى به إِلَى أمير الْمُؤْمِنِين الرشيد ﵀ ويكتب إليه فيعلمه أنه لا مال له ولا ضيعة إلا وقد اجتاز أضعاف قيمته وأنفقه فيما يرشح له نفسه وعلى منَ اتخذ منَ الخول وأن أمواله حل طلق لأمير الْمُؤْمِنِين، وكان الرشيد يأمر بالاحتفاظ بكتبه، فلما تُوُفِّيَ مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان أخرجت كتبه إِلَى جَعْفَر واحتج عَلَيْهِ بها ولم يكن لمحمد أخ لأبيه وأمه غيره فأقر بها وصارت أمواله للرشيد فأقطع بالس وقراها المأمون ﵀ فصارت لولده من بعده.
حدثني هِشَام بْن عمار، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن حَمْزَة عن تميم بْن عطية عن عَبْد اللَّهِ بْن قيس الهمداني، قَالَ: قدم عُمَر بْن الخطاب ﵁ الجابية فأراد قسمة الأرض بَيْنَ المسلمين لأنها فتحت عنوة، فقال معاذ بْن جبل:
والله لأن قسمتها ليكونن ما نكره ويصير الشيء الكثير في أيدي القوم ثُمَّ يبيدون فيبقى ذلك لواحد ثُمَّ يأتي من بعدهم قوم يسدون الإِسْلام مسدا فلا يجدون شيئا فانظر أمرا يسع أولهم وآخرهم فصار إِلَى قول معاذ.
حدثني الْحُسَيْن بْن علي بْن الأسود العجلي، عن يَحْيَى بْن آدم عن مشايخ
стр. 150
منَ الجزريين عن سُلَيْمَان بْن عطاء عن سلمة الجهني عن عمه أن صاحب بصرى ذكر أنه كان صالح المسلمين عَلَى طعام وزيت وخل فسأل عُمَر أن يكتب له بذلك وكذبه أَبُو عُبَيْدة، وقال إنما صالحناه على شيء يتبع به المسلمون لمشتاهم ففرض عليهم الجزية عَلَى الطبقات والخراج عَلَى الأرض.
وحدثني الْحُسَيْن قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الأحدب، قال: أخبرنا عبد الله ابن عُمَر عن نافع عن أسلم مولى عُمَر أن عُمَر كتب إِلَى أمراء الجزية أن لا يضربوها إلا عَلَى من جرت عَلَيْهِ الموسى وجعلها عَلَى أهل الذهب أربعة دنانير وجعل عليهم لأرزاق المسلمين منَ الحنطة لكل رجل مدين ومن الزيت ثلاثة أقساط بالشام والجزيرة مع إضافة من نزل بهم ثلاثًا. وحدثني أَبُو حفص الشامي، عن مُحَمَّد بْن راشد عن مكحول، قَالَ: كل عشري بالشام فهو مما جلا عنه أهله فأقطعه المسلمون فأحيوه وكان مواتا لا حق فيه لأحد فأحيوه بإذن الولاة.
أمر قبرص
قالوا الواقدي وغيره: غزا معاوية بْن أَبِي سُفْيَان في البحر غزوة قبرس الأولى، ولم يركب المسلمون بحر الروم قبلها وكان معاوية استأذن عُمَر في غزو البحر فلم يأذن له، فلما ولى عُثْمَان بْن عَفَّان كتب إليه يستأذنه في غزوة قبرس ويعلمه قربها وسهولة الأمر فيها، فكتب إليه أن قَدْ شهدت مارد عليك عُمَر- ﵀ حين استأمرته في غزو البحر. فلما دخلت سنة سبع وعشرين كتب إليه يهون عَلَيْهِ ركوب البحر إِلَى قبرس، فكتب إليه عُثْمَان، فإن ركبت البحر ومعك امرأتك فأركبه مأذونا لك وإلا فلا، فركب البحر من عكا ومعه مراكب كثيرة وحمل امرأته فاختة بنت قرظة بْن عَبْد
стр. 151
عمرو بن نوفل بن عبد مناف ابن قصي وحمل عبادة بْن الصامت امرأته أم حرام بنت ملحان الأنصارية وذلك في سنة ثمان وعشرين بعد انحسار الشتاء ويقال في سنة تسع وعشرين فلما صار المسلمون إِلَى قبرس فأرقوا إِلَى ساحلها- وهي جزيرة في البحر يكون فيما يقال ثمانين فرسخا في مثلها- بعث إليهم أركونها يطلب الصلح وقد أذعن أهلها به فصالحهم عَلَى سبعة آلاف ومائتي دينار يؤدونها في كل عام، وصالحهم الروم عَلَى مثل ذلك فهم يؤدون خراجين واشترطوا أن لا يمنعهم المسلمون أداء الصلح إِلَى الروم واشترط عليهم المسلمون أن لا يقاتلوا عنهم من أرادهم من ورائهم وأن يؤذنوا المسلمين بسير عدوهم منَ الروم، فكان المسلمون إذا ركبوا البحر لم يعرضوا لهم ولم ينصرهم أهل قبرس ولم ينصروا عليهم.
فلما كان سنة اثنتين وثلاثين أعانوا الروم عَلَى الغزاة في البحر بمراكب أعطوهم إياها فغزاهم معاوية سنة ثلاث وثلاثين في خمسمائة مركب ففتح قبرس عنوة فقتل وسبى، ثُمَّ أقرهم عَلَى صلحهم وبعث إليها باثني عشر ألفا كلهم أهل ديوان فبنوا بها المساجد، ونقل إليها جماعة من بعلبك وبنى بها مدينة وأقاموا يعطون الأعطية إِلَى أن تُوُفِّيَ معاوية وولى بعده ابنه يزيد فاقفل ذلك البعث وأمر بهدم المدينة وبعض الرواة يزعم أن غزوة معاوية الثانية قبرس في سنة خمس وثلاثين.
وحدثني مُحَمَّد بْن مصفى الحمصي عَنِ الوليد، قَالَ: بلغنا أن يزيد بْن معاوية رشا مالا عظيما ذا قدر حَتَّى أقفل جند قبرس، فلما قفلوا هدم أهل قبرس مدينتهم ومساجدهم. وحدثني مُحَمَّد بْن سَعْد عَنِ الواقدي عن عَبْد السلام بْن موسى عن أبيه، قَالَ: لما غزيت قبرس الغزوة الأولى ركبت أم حرام بنت ملحان مع زوجها عبادة بْن الصامت فلما انتهوا إِلَى قبرس خرجت منَ المركب وقدمت إليها دابة لتركبها فعثرت بها فقتلتها فقبرها بقبرس يدعى قبر المرأة
стр. 152
الصالحة، قالوا: وغزا مع معاوية، أَبُو أيوب خَالِد بْن زيد بْن كليب الأنصاري وأبو الدرداء، وأبو ذر الغفاري، وعبادة بْن الصامت، وفضالة بْن عُبَيْد الأنصاري وعمير بْن سَعْد بْن عُبَيْد الأنصاري، وواثلة بْن الأسقع الكناني وعبد اللَّه بْن بشر المازني، وشداد بْن أوس بْن ثابت، وهو ابْن أخي حسان ابن ثابت، والمقداد، وكعب الحبر بْن ماتع، وجبير بْن نفير الحضرمي.
وحدثني هِشَام بْن عمار الدمشقي، قَالَ: حَدَّثَنَا الوليد بْن مُسْلِم عن صفوان ابن عمرو: أن معاوية بْن أَبِي سُفْيَان غزا قبرس بنفسه ومعه امرأته ففتحها اللَّه فتحا عظيما وغنم المسلمين غنما حسنا، ثُمَّ لم يزل المسلمون يغزونهم حَتَّى صالحهم معاوية في أيامه صلحا دائما عَلَى سبعة آلاف دينار وعلى النصيحة للمسلمين وإنذارهم عدوهم منَ الروم هَذَا أو نحوه. قالوا: وكان الوليد بْن يزيد بْن عَبْد الملك أجلى منهم خلقا إِلَى الشام لأمر اتهمهم به فأنكر الناس ذلك فزدهم يزيد بْن الوليد بْن عَبْد الملك إِلَى بلدهم وكان حميد معيوف الهمداني غزاهم في خلافة الرشيد لحدث أحدثوه فأسر منهم بشرا، ثُمَّ أنهم استقاموا للمسلمين فأمر الرشيد برد من أسر منهم فردوا.
حدثني مُحَمَّد بْن سَعْد عَنِ الواقدي في إسناده، قَالَ: لم يزل أهل قبرس عَلَى صلح معاوية حَتَّى ولى عَبْد الملك بْن مروان فزاد عليهم ألف دينار فجرى ذلك إِلَى خلافة عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ فحطها عنهم، ثُمَّ لما ولى هِشَام بْن عَبْد الملك ردها فجرى ذلك إِلَى خلافة أَبِي جَعْفَر المَنْصُور، فقال: نحن أحق من أنصفهم ولم نتكثر بظلمهم فردهم إِلَى صلح معاوية.
وحدثني بعض أهل العلم منَ الشاميين وأبو عُبَيْد الْقَاسِم بْن سلام، قَالُوا:
أحدث أهل قبرس حدثا في ولاية عَبْد الملك بْن صالح بْن علي بن عبد الله ابن عَبَّاس الثغور فأراد نقض صلحهم والفقهاء متوافرون: فكتب إلى الليث
стр. 153
ابن سَعْد، ومالك بْن أَنَس، وسُفْيَان بْن عيينة، وموسى بْن أعين، وإِسْمَاعِيل بْن عياش، ويحيى بْن حَمْزَة، وأبي إِسْحَاق الفزاري، ومخلد بْن الْحُسَيْن في أمرهم فأجابوه، وكان فيما كتب به الليث بْن سَعْد: أن أهل قبرس قوم لم نزل نتهمهم بغش أهل الإِسْلام ومناصحة أعداء اللَّه الروم، وقد قَالَ اللَّه تعالى «وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ» ٨: ٥٨ ولم يقل لا تنبذ إليهم حَتَّى تستيقن خيانتهم، وإني أرى أن تنبذ إليهم وينظروا سنة يأتمرون، فمن أحب منهم اللحاق ببلاد المسلمين عَلَى أن يكون ذمة يؤدي الخراج قبلت ذلك منه، ومن أراد أن ينتحى إِلَى بلاد الروم فعل، ومن أراد المقام بقبرس عَلَى الحرب أقام فكانوا عدوا يقاتلون ويغزون، فإن فى إنظار سنة قطعا لحجتهم ووفاء بعهدهم.
وكان فيما كتب به مَالِك بْن أَنَس: إن أمان أهل قبرس كان قديما متظاهرا منَ الولاة لهم، وذلك لأنهم رأوا أن إقرارهم عَلَى حالهم ذل وصغار لهم وقوة للمسلمين عليهم بما يأخذون من جزيتهم ويصيبون به منَ الفرصة في عدوهم، ولم أجد أحدا منَ الولاة نقض صلحهم ولا أخرجنهم عن بلدهم، وأنا أرى: أن لا تعجل بنقض عهدهم ومنابذتهم حَتَّى تتجه الحجة عليهم، فإن اللَّه يقول «فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ» ٩: ٤ فإن هم لم يستقيموا بعد ذلك ويدعوا غشهم ورأيت أن العذر ثابت منهم أوقعت بهم، فكان ذلك بعد الأعذار فرزقت النصر، وكان بهم الذل والخزي إن شاء اللَّه تعالى.
وكتب سُفْيَان بْن عيينة: أنا لا نعلم النَّبِيّ ﷺ عاهد قوما فنقضوا العهد إلا استحل قتلهم غير أهل مكة فإنه من عليهم وكان نقضهم أنهم نصروا حلفاءهم عَلَى حلفاء رَسُول اللَّهِ ﷺ من خزاعة، وكان فيما أخذ عَلَى أهل نجران أن لا يأكلوا الربا فحكم فيهم عُمَر- ﵀ حين أكلوه بإجلائهم فإجماع القوم أنه من نقض عهدا فلا ذمة له.
стр. 154
وكتب موسى بْن أعين: قَدْ كان يكون مثل هَذَا فيما خلا فيعمل الولاة فيه النظر، ولم أر أحدا ممن مضى نقض عهد أهل قبرس ولا غيرها ولعل عامتهم وجماعتهم لم يمالئوا عَلَى ما كان من خاصتهم، وأنا أرى الوفاء لهم والتمام عَلَى شرطهم وإن كان منهم الَّذِي كان، وقد سمعت الأوزاعي يقول في قوم صالحوا المسلمين ثم أخبروا المشركين بعورتهم ودلوهم عليها: إنهم إن كانوا ذمة فقد نقضوا عهدهم وخرجوا من ذمتهم، فإن شاء الوالي قتل وصلب، وإن كانوا صلحا لم يدخلوا في ذمة المسلمين نبذ إليهم الوالي عَلَى سواء (أَنَّ اللَّه لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ) ١٢: ٥٢.
وكتب إِسْمَاعِيل بْن عياش: أهل قبرس أذلاء مقهورون يغلبهم الروم عَلَى أنفسهم ونسائهم فقد يحق علينا أن نمنعهم ونحميهم.
وقد كتب حبيب بْن مسلمة لأهل تفليس في عهده أنه إن عرض للمسلمين شغل عنكم وقهركم عدوكم فإن ذلك غير ناقض عهدكم بعد أن تفوا للمسلمين وأنا أرى أن يقروا عَلَى عهدهم وذمتهم، فإن الوليد بْن يزيد قَدْ كان أجلاهم إِلَى الشام فاستقطع ذلك المسلمون واستعظمه الفقهاء، فلما ولى يزيد بْن الوليد بْن عَبْد الملك ردهم إِلَى قبرس فاستحسن المسلمون ذلك من فعله ورأوه عدلا.
وكتب يَحْيَى بْن حَمْزَة: إن أمر قبرس كأمر عربسوس فإن فيها قدوة حسنة وسنة متبعة وكان من أمرها أن عمير بْن سَعْد قَالَ لعمر بْن الخطاب وقدم عَلَيْهِ: إن بيننا وبين الروم مدينة يقال لها عربسوس، وأنهم يخبرون عدونا بعوراتنا ولا يظهرونا عَلَى عورات عدونا، فقال عُمَر: فإذا قدمت فخيرهم أن تعطيهم مكان كل شاة شاتين، ومكان كل بقرة بقرتين، ومكان كل شيء شيئين فإذا رضوا بذلك فأعطهم إياه وأجلهم وأخربها فإن أبوا فانبذ إليهم وأجلهم سنة ثُمَّ أخربها، فانتهى عمير إِلَى ذلك فأبوا فأجلهم سنة ثُمَّ أخربها، وكان لهم
стр. 155
عهد كعهد أهل قبرس وترك أهل قبرس عَلَى صلحهم والاستعانة بما يؤدون عَلَى أمور المسلمين أفضل، وكل أهل عهد لا يقاتل المسلمون من ورائهم ويجرون عليهم أحكامهم في دارهم فليسوا بذمة ولكنهم أهل فدية يكف عنهم ما كفوا ويوفي لهم بعهدهم ما وفوا ورضوا ويقبل عفوهم ما أدوا.
وقد روى عن معاذ بْن جبل: أنه كره أن يصالح أحد منَ العدو عَلَى شيء معلوم إلا أن يكون المسلمون مضطرين إِلَى صلحهم لأنه لا يدري لعل صلحهم نفع وعز للمسلمين.
وكتب أَبُو إِسْحَاق الفزاري، ومخلد بْن الْحُسَيْن: إنا لم نر شيئا أشبه بأمر قبرس من أمر عربسوس وما حكم به فيها عُمَر بْن الخطاب فإنه عرض عليهم ضعف ما لهم عَلَى أن يخرجوا منها أو نظرة سنة بعد نبذ عهدهم إليهم فأبوا الأولى فأنظروا ثُمَّ أخربت، وقد كان الأوزاعي يحدث: أن قبرس فتحت فتركوا عَلَى حالهم وصولحوا عَلَى أربعة عشر ألف دينار، سبعة آلاف للمسلمين، وسبعة آلاف للروم عَلَى أن لا يكتموا الروم أمر المسلمين، وكان يقول: ما وفى لنا أهل قبرس قط وإنا لنرى أنهم أهل عهد وأن صلحهم وقع عَلَى شيء فيه شرط لهم وشرط عليهم ولا يستقيم نقضه إلا بأمر يعرف فيه غدرهم ونكثهم.
أمر السامرة
حدثني هِشَام بْن عمار عَنِ الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو: أن أَبَا عُبَيْدة بْن الجراح صالح السامرة بالأردن وفلسطين، وكانوا عيونا وأدلاء للمسلمين على جزية رؤوسهم وأطعمهم أرضهم فلما كان يزيد بْن معاوية وضع الخراج عَلَى أرضهم.
стр. 156
وأخبرني قوم من أهل المعرفة بأمر جندي الأردن وفلسطين: أن يزيد ابن معاوية وضع الخراج عَلَى أراضي السامرة بالأردن وجعل عَلَى رأس كل امرئ منهم دينارين ووضع الخراج أيضا عَلَى أرضهم بفلسطين وجعل عَلَى رأس كل امرئ منهم خمسة دنانير. والسامرة يهود وهم صنفان يقال لهم:
الدستان وصنف يقال لهم: الكوشان.
قَالُوا: وكان بفلسطين في أول خلافة أمير الْمُؤْمِنِين الرشيد- ﵀ طاعون جارف ربما أتى عَلَى جميع أهل البيت فخربت أرضهم وتعطلت فوكل السلطان بها من عمرها وتألف الأكرة والمزارعين إليها فصارت ضياعا للخلافة وبها السامرة فلما كانت سنة ست وأربعين ومائتين رفع أهل قرية من تلك الضياع تدعى بيت ماما من كورة نابلس وهم سامرة يشكون ضعفهم وعجزهم عن أداء الخراج عَلَى خمسة دنانير فأمر المتوكل عَلَى اللَّه بردهم إِلَى ثلاثة دنانير ثلاثة دنانير.
حدثني هِشَام بْن عمار، قَالَ: حَدَّثَنَا الوليد بْن مُسْلِم عن صفوان بْن عَمْرو وسعيد بْن عَبْد الْعَزِيزِ: أن الروم صالحت معاوية عَلَى أن يؤدي إليهم مالا وارتهن معاوية منهم رهناء فوضعهم ببعلبك، ثُمَّ أن الروم غدرت فلم يستحل معاوية والمسلمون قتل من في أيديهم من رهنهم وخلوا سبيلهم، وقالوا: وفاء بغدر خير من غدر بغدر، قَالَ هِشَام: وهو قول العلماء الأوزاعي وغيره.
أمر الجراجمة
حدثني مشايخ من أهل انطاكية: أن الجراجمة من مدينة عَلَى جبل اللكام عند معدن الزاج فيما بَيْنَ بياس وبوقا، يقال لها الجرجومة وأن أمرهم كان في أيام استيلاء الروم عَلَى الشام وأنطاكية إِلَى بطريق انطاكية
стр. 157
وواليها، فلما قدم أَبُو عُبَيْدة انطاكية وفتحها لزموا مدينتهم وهموا باللحاق بالروم إذ خافوا عَلَى أنفسهم، فلم ينتبه المسلمون لهم ولم ينبههم عليهم، ثم أن أهل انطاكية نقصوا وغدروا فوجه إليهم أَبُو عُبَيْدة من فتحها ثانية وولاها بعد فتحها حبيب بْن مسلمة الفهري فغزا الجرجومة فلم يقاتله أهلها ولكنهم بدروا بطلب الأمان والصلح فصالحوه عَلَى أن يكونوا أعوانا للمسلمين، وعيونا ومسالح في جبل اللكام وأن لا يؤخذوا بالجزية وأن ينفلوا أسلاب من يقتلون من عدو المسلمين إذا حضروا معهم حربا في مغازيهم ودخل من كان في مدينتهم من تاجر وأجير وتابع منَ الأنباط وغيرهم وأهل القرى في هَذَا الصلح فسموا الرواديف لأنهم تلوهم وليسوا منهم، ويقال: أنهم جاءوا إِلَى عسكر المسلمين وهم أرداف لهم فسموا رواديف فكان الجراجمة يستقيمون للولاة مرة ويعرجون أخرى فيكاتبون الروم ويمالئونهم، فلما كانت أيام ابْن الزبير وموت مروان بْن الحكم وطلب عَبْد الملك الخلافة بعده لتوليته إياه عهده واستعداده للشخوص إِلَى العراق لمحاربة المصعب ابن الزبير خرجت خيل للروم إِلَى جبل اللكام، وعليها قائد من قوادهم ثُمَّ صارت إِلَى لبنان وقد ضوت إليها جماعة كثيرة منَ الجراجمة وأنباط وعُبَيْد أباق من عُبَيْد المسلمين فاضطر عَبْد الملك إِلَى أن صالحهم عَلَى ألف دينار في كل جمعة، وصالح طاغية الروم عَلَى مال يؤديه إليه لشغله عن محاربته وتخوفه أن يخرج إِلَى الشام فيغلب عَلَيْهِ، واقتدى في صلحه بمعاوية حين شغل بحرب أهل العراق فإنه صالحهم عَلَى أن يؤدى إليهم مالا وارتهن منهم رهناء [١] وضعهم ببعلبك ووافق ذلك أيضا طلب عَمْرو بْن سعيد بن العاصي الخلافة وإغلاقه أبواب دمشق حين خرج عَبْد الملك عنها فازداد شغلا وذلك في سنة سبعين [١] ثُمَّ أن عَبْد الملك وجه إِلَى الرومي سحيم بن المهاجر
стр. 158
فتلطف حَتَّى دخل عَلَيْهِ متنكرا فأظهر الممالأة له وتقرب إليه بذم عَبْد الملك وشتمه وتوهين أمره حَتَّى أمنه واغتر به ثُمَّ أنه انكفى عَلَيْهِ بقوم من موالى عَبْد الملك وجنده كان أعدهم لمواقعته ورتبهم بمكان عرفه فقتله ومن كان معه منَ الروم ونادى في سائر من ضوى إليه بالأمان فتفرق الجراجمة بقرى حمص ودمشق ورجع أكثرهم إِلَى مدينتهم باللكام وأتى الأنباط قراهم فرجع العُبَيْد إِلَى مواليهم، وكان ميمون الجرجماني عبدا روميا لبنى أم الحكم أخت معاوية بْن أَبِي سُفْيَان وهم ثقفيون، وإنما نسب إِلَى الجراجمة لاختلاطه بهم وخروجه بجبل لبنان معهم فبلغ عَبْد الملك عنه بأس وشجاعة فسأل مواليه أن يعتقوه ففعلوا وقوره عَلَى جماعة منَ الجند وصيره بانطاكية فغزا مع مسلمة بْن عَبْد الملك الطوانة وهو عَلَى ألف من أهل انطاكية فاستشهد بعد بلاء حسن وموقف مشهود فغم عَبْد الملك مصابه وأغزى الروم جيشا عظيما طلبا بثأرة.
قَالُوا: ولما كانت سنة تسع وثمانين اجتمع الجراجمة إِلَى مدينتهم وأتاهم قوم منَ الروم من قبل الاسكندرونة وروسس، فوجه الوليد بْن عَبْد الملك إليهم مسلمة بْن عَبْد الملك فأناخ عليهم في خلق منَ الخلق فافتتحها عَلَى أن ينزلوا بحيث أحبوا منَ الشام ويجري عَلَى كل امرئ منهم ثمانية دنانير وعلى عيلاتهم القوت منَ القمح والزيت وهو مدان من قمح وقسطان من زيت، وعلى أن لا يكرهوا ولا أحد من أولادهم ونسائهم عَلَى ترك النصرانية، وعلى أن يلبسوا لباس المسلمين ولا يؤخذ منهم ولا من أولادهم ونسائهم جزية وعلى أن يغزوا مع المسلمين فينفلوا أسلاب من يقتلونه مبارزة وعلى أن يؤخذ من تجاراتهم وأموال موسريهم ما يؤخذ من أموال
стр. 159
المسلمين فأخرب مدينتهم وأنزلهم فأسكنهم جبل الحوار وسنح اللولون وعمق تيزين وصار بعضهم إِلَى حمص ونزل بطريق الجرجومة في جماعة معه انطاكية ثُمَّ هرب إلى بلاد الروم، وقد كان بعض العمال ألزم الجراجمة بأنطاكية جزية رؤسهم فرفعوا ذلك إِلَى الواثق بالله ﵀ وهو خليفة فأمر بإسقاطها عنهم.
وحدثني بعض من أثق به منَ الكتاب: أن المتوكل عَلَى اللَّه ﵀ أمر بأخذ الجزية من هؤلاء الجراجمة وأن يجرى عليهم الأرزاق إذ كانوا ممن يستعان به في المسالح وغير ذلك، وزعم أَبُو الخطاب الأزدي: أن أهل الجرجومة كانوا يغيرون في أيام عَبْد الملك عَلَى قرى انطاكية والعمق وإذا غزت الصوائف قطعوا عَلَى المتخلف واللاحق ومن قدروا عَلَيْهِ ممن في أواخر العسكر وغالوا في المسلمين فأمر عَبْد الملك ففرض لقوم من أهل أنطاكية وأنباطها وجعلوا مسالح وأردفت بهم عساكر الصوائف ليؤذنوا الجراجمة عن أواخرها فسموا الرواديف، وأجرى عَلَى كل امرء منهم ثمانية دنانير:
والخبر الأول أثبت.
وحدثني أَبُو حفص الشامي عن مُحَمَّد بْن راشد عن مكحول، قَالَ: نقل معاوية في سنة تسع وأربعين أو سنة خمسين إِلَى السواحل قوما من زط البصرة والسباتجة وأنزل بعضهم انطاكية، قال أبو حفص فبانطاكية محلة تعرف بالزط وببوقا من عمل انطاكية قوم من أولادهم يعرفون بالزط.
وقد كان الوليد بْن عَبْد الملك نقل إِلَى أنطاكية قوما منَ الزط السند ممن حمله مُحَمَّد بْن الْقَاسِم إِلَى الحجاج فبعث بهم الحجاج إِلَى الشام.
وحدثني مُحَمَّد بْن سَعْد عَنِ الواقدي، قَالَ: خرج بجبل لبنان قوم شكوا عامل خراج بعلبك، فوجه صالح بْن عَلي بْن عَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاس من قتل
стр. 160
مقاتلتهم وأقر من بقي منهم عَلَى دينهم وردهم إِلَى قراهم وأجلى قوما من أهل لبنان. فَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ كَثِيرٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ الأَوْزَاعِيَّ:
كَتَبَ إِلَى صَالِحٍ رِسَالَةً طَوِيلَةً حَفِظَ مِنْهَا، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَجِلاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ جَبَلِ لُبْنَانَ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مُمَالِئًا لِمَنْ خَرَجَ عَلَى خُرُوجِهِ مِمَّنْ قَتَلْتُ بَعِضَهُمْ وَرَدَدْتُ بَاقِيهِمْ إِلَى قُرَاهُمْ مَا قَدْ عَلِمْتُ فَكَيْفَ تُؤْخَذُ عَامَّةٌ بِذُنُوبِ خَاصَّةٍ حَتَّى يُخْرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وحكم الله تعالى (أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) ٥٣: ٣٨ وهو أحق ما وقف عنده واقتدى به، وأحق الوصايا أَنْ تُحْفَظَ وَتُرْعَى وَصِيَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ قَالَ: «مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا وَكَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ فَأَنَا حَجِيجُهُ» ثُمَّ ذَكَرَ كَلامًا.
حدثني مُحَمَّد بْن سهم الأنطاكي، قَالَ: حدثني معاوية بْن عَمْرو عن أَبِي إِسْحَاق الفزاري، قَالَ: كانت بنو أمية تغزو الروم بأهل الشام والجزيرة صائفة وشاتية مما يلي ثغور الشام والجزيرة وتنيم للراكب الغزو وترتب الحفظة في السواحل ويكون الإغفال والتفريط خلال الحزر والتيقظ فلما ولى أَبُو جَعْفَر المَنْصُور تتبع حصون السواحل ومدنها فعمرها وحصنها وبنى ما احتاج إِلَى البناء منها وفعل مثل ذلك بمدن الثغور، ثُمَّ لما استخلف المهدي استتم ما كان بقي منَ المدن والحصون وزاد في شحنها، قال معاوية ابن عَمْرو: وقد رأينا منَ اجتهاد أمير الْمُؤْمِنِين هارون فى الغزو نفاذ بصيرته في الجهاد أمرًا عظيما أقام منَ الصناعة ما لم يقم قبله وقسم الأموال في الثغور والسواحل وأشجى الروم وقمعهم وأمر المتوكل عَلَى اللَّه بترتيب المراكب في جميع السواحل وأن تشحن بالمقاتلة وذلك في سنة سبع وأربعين ومائتين
.
стр. 161
فتح الثغور الشامية
حدثني مشايخ من أهل انطاكية وغيرهم، قَالُوا: ثغور المسلمين الشامية أيام عُمَر وعُثْمَان ﵄ وما بعد ذلك أنطاكية وغيرها منَ المدن الَّتِي سماها الرشيد عواصم، فكان المسلمون يغزون ما وراءها كغزوم اليوم ما وراء طرسوس، وكان فيما بَيْنَ الاسكندرونة وطرسوس حصون ومسالح للروم كالحصون والمسالح الَّتِي يمر بها المسلمون اليوم فربما أخلاها أهلها وهربوا إِلَى بلاد الروم خوفا وربما نقل إليها من مقاتلة الروم من تشحن به، وقد قيل: إن هرقل أدخل أهل هَذِهِ المدن معه عند انتقاله منَ انطاكية لئلا يسير المسلمون في عمارة ما بَيْنَ أنطاكية وبلاد الروم والله أعلم:
وحدثني ابْن طسون [١] البغراسي عن أشياخهم أنهم قَالُوا: الأمر المتعالم عندنا أن هرقل نقل أهل هَذِهِ الحصون معه وشعثها فكان المسلمون إذا غزوا لم يجدوا بها أحدا وربما كمن عندها القوم منَ الروم فأصابوا غرة المتخلفين عَنِ العسكر والمنقطعين عنها، فكان ولاة الشواتي والصوائف إذا دخلوا بلاد الروم خلفوا بها جندا كثيفا إِلَى خروجهم [١] .
وقد اختلفوا في أول من قطع الدرب وهو درب بغراس، فقال بعضهم:
قطعة ميسرة بْن مسروق العبسي وجهه أَبُو عُبَيْدة بْن الجراح فلقي جمعا للروم ومعهم مستعربة من غسان وتنوخ وإياد يريدون اللحاق بهرقل فأوقع بهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، ثُمَّ لحق به مَالِك الأشتر النخعي مددا من قبل أَبِي عُبَيْدة وهو بانطاكية، وقال بعضهم: أول من قطع الدرب عُمَر بْن سَعْد الأنصاري حين توجه في أمر جبلة بْن الأيهم وقال أَبُو الخطاب الأزدي: بلغني أن أبا
стр. 162
عُبَيْدة نفسه غزا الصائفة فمر بالمصيصة وطرسوس وقد جلا أهلها وأهل الحصون الَّتِي تليها فأدرب فبلغ في غزاته زندة، وقال غيره: إنما وجه ميسرة بْن مسروق فبلغ زندة.
حدثني أَبُو صالح الفراء عن رجل من أهل دمشق يقال له عَبْد اللَّهِ بْن الوليد بن هِشَام بْن الغاز عن عبادة بْن نسى فيما يحسب أَبُو صالح، قَالَ: لما غزا معاوية غزوة عمورية في سنة خمس وعشرين وجد الحصون فيما بَيْنَ أنطاكية وطرسوس خالية فوقف عندها جماعة من أهل الشام والجزيرة وقنسرين حَتَّى انصرف من غزاته، ثُمَّ أغزى بعد ذلك بسنة أو سنتين يزيد ابن الحر العبسي الصائفة وأمره ففعل مثل ذلك، وكانت الولاة تفعله، وقال هَذَا الرجل: ووجدت في كتاب مغازي معاوية أنه غزا سنة إحدى وثلاثين من ناحية المصيصة فبلغ درولية فلما خرج جعل لا يمر بحصن فيما بينه وبين أنطاكية إلا هدمه.
وحدثني مُحَمَّد بْن سَعْد عَنِ الواقدي وغيره، قَالَ، لما كانت سنة أربع وثمانين غزا عَلَى الصائفة عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد الملك بْن مروان فدخل من درب انطاكية وأنى المصيصة فبنى حصنها عَلَى أساسه القديم ووضع بها سكانا من الجند فيهم ثلاثمائة رجل انتخبهم من ذوي البأس والنجدة المعروفين ولم يكن المسلمون سكنوها قبل ذلك وبنى فيها مسجدا فوق تل الحصن ثُمَّ سار في جيشه حَتَّى غزا حصن سنان ففتحه ووجه يزيد بْن حنين الطائي الأنطاكي فأغار ثُمَّ انصرف إليه، وقال أَبُو الخطاب الأزدي: كان أول منَ ابتنى حصن المصيصة في الإسلام عَبْد الملك بْن مروان عَلَى يد ابنه عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد الملك في سنة أربع وثمانين عَلَى أساسها القديم فتم بناؤها وشحنها في سنة خمس وثمانين وكانت في الحصن كنيسة جعلت هريا وكانت الطوالع منَ انطاكية تطلع عليها في كل عام فتشتو بها ثُمَّ تنصرف وعدة من كان يطلع إليها ألف وخمسمائة إلى الألفين،
стр. 163
قال: وشخص عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ حَتَّى نزل هرى المصيصة وأراد هدمها وهدم الحصون بينها وبين أنطاكية، وقال: أكره أن يحاصر الروم أهلها فاعلمه الناس أنها إنما عمرت ليدفع من بها منَ الروم عَنِ انطاكية وأنه إن أخربها لم يكن للعدو ناحية دون انطاكية فأمسك وبنى لأهلها مسجدا جامعا من ناحية كفربيا واتخذ فيه صهريجا وكان اسمه عَلَيْهِ مكتوبا، ثُمَّ إن المسجد خرب في خلافة المعتصم بالله وهو يدعى مَسْجِد الحصن، قال: ثُمَّ بنى هِشَام بْن عَبْد الملك الربض ثُمَّ بنى مروان بْن مُحَمَّد الخصوص في شرقي جيحان وبنى عليها حائطا وأقام عَلَيْهِ باب خشب وخندق خندقا فلما استخلف أَبُو العَبَّاس فرض بالمصيصة لأربعمائة رجل زيادة في شحنتها وأقطعهم، ثُمَّ لما استخلف المَنْصُور فرض بالمصيصة لأربعمائة رجل ثُمَّ لما دخلت سنة تسع وثلاثين ومائة أمر بعمران مدينة المصيصة، وكان حائطها متشعثا منَ الزلازل وأهلها قليل في داخل المدينة فبنى سور المدينة وأسكنها أهلها سنة أربعين ومائة وسماها المعمورة وبنى فيها مسجدا جامعا في موضع هيكل كان بها وجعله مثل مَسْجِد عُمَر مرات، ثُمَّ زاد فيه المأمون أيام ولاية عَبْد اللَّهِ بْن طَاهِر بْن الْحُسَيْن المغرب وفرض المَنْصُور فيها لألف رجل، ثُمَّ نقل أهل الخصوص وهم فرس وصقالبة وأنباط نصارى، وكان مروان أسكنهم إياها وأعطاهم خططا في المدينة عوضا عن منازلهم عَلَى ذرعها ونقض منازلهم وأعانهم عَلَى البناء وأقطع الفرض قطائع ومساكن، ولما استخلف المهدي فرض بالمصيصة لألفي رجل ولم يقطعهم لأنها قَدْ كانت شحنت منَ الجند والمطوعة، ولم تزل الطوالع تأتيها منَ انطاكية في كل عام حَتَّى وليها سالم البرلسى وفرض موضعه لخمسمائة مقاتل عَلَى خاصة عشرة دنانير عشرة دنانير فكثر من بها وقووا وذلك في خلافة المهدي.
وحدثني مُحَمَّد بْن سهم عن مشايخ الثغر، قَالُوا: ألحت الروم على أهل
стр. 164
المصيصة في أول أيام الدولة المباركة حَتَّى جلوا عنها فوجه صالح بْن علي جبريل بْن يَحْيَى البجلي إليها فعمرها وأسكنها الناس في سنة أربعين ومائة وبنى الرشيد كفربيا ويقال بل كانت ابتدئت في خلافة المهدي ثُمَّ غير الرشيد بناءها وحصنها بخندق ثُمَّ رفع إِلَى المأمون في أمر غلة كانت عَلَى منازلها فأبطلها وكانت منازلها كالخانات وأمر فجعل لها سور فرفع فلم يستتم حَتَّى تُوُفِّيَ فأمر المعتصم بالله بإتمامه وتشريفه، قَالُوا: وكان الَّذِي حصن المثقب هِشَام بْن عَبْد الملك عَلَى يد حسان بْن ماهويه الأنطاكي، ووجد في خندقه حين حضر ساق مفرط الطول فبعث به إِلَى هِشَام، وبنى هِشَام حصن قطر غاش عَلَى يدي عَبْد الْعَزِيزِ بْن حيان الأنطاكي، وبنى هِشَام حصن مورة عَلَى يدي رجل من أهل انطاكية وكان سبب بنائه إياه أن الروم عرضوا لرسول له في درب اللكام عند العقبة البيضاء ورتب فيه أربعين رجلا وجماعة منَ الجراجمة وأقام ببغراس مسلحة فى خمسين رجلا وابنتى لها حصنا وبنى هشام حصن يوقا من عمل انطاكية ثم جدد وأصلح حديثا، وبنى مُحَمَّد بْن يوسف المروزي المعروف بأبي سَعِيد حصنا بساحل أنطاكية بعد غارة الروم عَلَى ساحلها في خلافة المعتصم بالله ﵀.
حدثني داود بْن عَبْد الحميد قاضي الرقة عن أبيه عن جده أن عمر بن عبد العزيز ﵁ أراد هدم المصيصة ونقل أهلها عنها لما كانوا يلقون منَ الروم فتُوُفِّيَ قبل ذلك.
وحدثني بعض أهل انطاكية وبغراس: أن مسلمة بْن عَبْد الملك لما غزا عمورية حمل معه نساءه وحمل ناس ممن معه نساءهم وكانت بنو أمية تفعل ذلك ارادة الجد في القتال للغيرة عَلَى الحرم فلما صار في عقبة بغراس عند الطريق المستدقة الَّتِي تشرف عَلَى الوادي سقط محمل فيه امرأة إلى الحضيض
стр. 165
فأمر مسلمة أن تمشي سائر النساء فمشين فسميت تلك العقبة عقبة النساء، وقد كان المعتصم بالله ﵀ بنى عَلَى حد تلك الطريق حائطا قصيرا من حجارة وقال أَبُو النعمان الأنطاكي: كان الطريق فيما بَيْنَ انطاكية والمصيصة مسبعة يعترض للناس فيها الأسد، فلما كان الوليد بن عبد الملك شكا ذلك إليه فوجه أربعة آلاف جاموسة وجاموس فنفع اللَّه بها، وكان مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الثقفي عامل الحجاج عَلَى السند بعث منها بألوف جواميس فبعث الحجاج إِلَى الوليد منها بما بعث منَ الأربعة آلاف وألقى باقيها في آجام كسكر، ولما خلع يزيد بْن المهلب فقتل وقبض يزيد بْن عَبْد الملك أموال بني المهلب أصاب لهم أربعة آلاف جاموسة كانت بكور دجلة وكسكر فوجه بها يزيد بْن عَبْد الملك إِلَى المصيصة أيضا مع زطها فكان أصل الجواميس بالمصيصة ثمانية آلاف جاموسة وكان أهل انطاكية وقنسرين قَدْ غلبوا عَلَى كثير منها واختاروه لأنفسهم في أيام فتنة مروان بْن مُحَمَّد بْن مروان، فلما استخلف المَنْصُور أمر بردها إِلَى المصيصة وأما جواميس انطاكية فكان أصلها ما قدم به الزط، معهم وكذلك جواميس بوقا، وقال أَبُو الخطاب بني الجسر الَّذِي عَلَى طريق أذنة منَ المصيصة وهو عَلَى تسعة أميال منَ المصيصة سنة خمس وعشرين ومائة ويدعى جسر الوليد وهو الوليد بْن يزيد بْن عَبْد الملك المقتول، وقال أَبُو النعمان الأنطاكي وغيره: بنيت أذنة في سنة إحدى وأربعين ومائة أو اثنتين وأربعين ومائة والجنود من أهل خراسان معسكرون عليها مع مسلمة بْن يحيى البجلي ومن أهل الشام بن مَالِك بْن أدهم الباهلي ووجههما صالح بْن علي.
قَالُوا: ولما كانت سنة خمس وستين ومائة أغزى المهدي ابنه هارون الرشيد بلاد الروم فنزل عَلَى الخليج ثُمَّ خرج فرم المصيصة ومسجدها وزاد في شحنتها وقوى أهلها وبنى القصر الَّذِي عند جسر أذنة عَلَى سيحان، وقد كان
стр. 166
المَنْصُور أغزى صالح بْن علي بلاد الروم فوجه هلال بْن ضيغم في جماعة من أهل دمشق والأردن وغيرهم فبنى ذلك القصر ولم يكن بناؤه محكما فهدمه الرشيد وبناه ثُمَّ لما كانت سنة أربع وتسعين ومائة بنى أَبُو سليم فرج الخادم أذنة فأحكم بناءها وحصنها وندب إليها رجالا من أهل خراسان وغيرهم عَلَى زيادة في العطاء وذلك بأمر مُحَمَّد بْن الرشيد فرم قصر سيحان وكان الرشيد تُوُفِّيَ سنة ثلاث وتسعين ومائة وعامله عَلَى أعشار الثغور أَبُو سليم فأقره مُحَمَّد وأبو سليم هَذَا هُوَ صاحب الدار بأنطاكية.
وحدثني مُحَمَّد بْن سَعْد عَنِ الواقدي، قَالَ: غزا الْحَسَن بْن قحطبة الطائي بلاد الروم سنة اثنتين وستين ومائة في أهل خراسان وأهل الموصل والشام وأمداد اليمن ومطوعة العراق والحجاز خرج مما يلي طرسوس فأخبر المهدي بما في بنائها وتحصينها وشحنتها بالمقاتلة من عظيم الغناء عن الإسلام والكبت العدو والوقم له فيما يحاول ويكيد. وكان الْحَسَن قَدْ أبلى في تلك الغزاة بلاء حسنا ودوخ أرض الروم حتى سموه الشيتن، وكان معه في غزاته مندل العنزي المحدث الكوفي ومعتمر بْن سُلَيْمَان البصري.
وحدثني مُحَمَّد بْن سَعْد، قَالَ: حدثني سَعْد بْن الْحَسَن، قَالَ لما خرج الْحَسَن من بلاد الروم نزل مرج طرسوس فركب إِلَى مدينتها وهي خراب فنظر إليها وأطاف بها من جميع جهاتها وحزر عدة من يسكنها فوجدهم مائة ألف فلما قدم عَلَى المهدي وصف له أمرها وما في بنائها وشحنتها من غيظ العدو وكبته وعز الإِسْلام وأهله وأخبره في الحدث أيضا بخبر رغبه في بناء مدينتها فأمره ببناء طرسوس وأن يبدأ بمدينة الحدث فبنيت وأوصى المهدي ببناء طرسوس.
فلما كانت سنة إحدى وسبعين ومائة بلغ الرشيد أن الروم ائتمروا
стр. 167
بينهم بالخروج إِلَى طرسوس لتحصينها وترتيب المقاتلة فيها فأغزى الصائفة في سنة إحدى وسبعين ومائة هرثمة بْن أعين وأمره بعمارة طرسوس وبنائها وتمصيرها ففعل وأجرى أمرها عَلَى يد فرج بْن سليم الخادم بأمر الرشيد فوكل فرج ببنائها وتوجه أَبُو سليم إِلَى مدينة السلام فاشخص الندبة الأولى من أهل خراسان وهم ثلاثة آلاف رجل فوردوا طرسوس ثُمَّ أشخص الندبة الثانية وهم ألفا رجل ألف من أهل المصيصة وألف من أهل انطاكية عَلَى زيادة عشرة دنانير عشرة دنانير لكل رجل في أصل عطائه فعسكروا مع الندبة الأولى بالمدائن عَلَى باب الجهاد في مستهل المحرم سنة اثنتين وسبعين ومائة إِلَى أن استتم بناء طرسوس وتحصينها وبناء مسجدها ومسح فرج ما بَيْنَ النهر إِلَى النهر فبلغ ذلك أربعة آلاف خطة كل خطة عشرون ذراعا في مثلها وأقطع أهل طرسوس الخطط وسكنتها الندبتان في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين ومائة.
قَالُوا: وكان عَبْد الملك بْن صالح قَدِ استعمل يزيد بْن مخلد الفزاري عَلَى طرسوس فطرده بها من أهل خراسان واستوحشوا منه للهبيرية فاستخلف أبا الفوارس فأقره عَبْد الملك بْن صالح وذلك في سنة ثلاث وسبعين ومائة.
قَالَ مُحَمَّد بْن سَعْد حدثني الواقدي، قَالَ: جلا أهل سيسية ولحقوا بأعلى الروم في سنة أربع وتسعين ومائة أو ثلاث وتسعين ومائة وسيسية مدينة تل عين زربة وقد عمرت في خلافة المتوكل عَلَى اللَّه عَلَى يدي عَلي بْن يَحْيَى الأرمني ثُمَّ أخربتها الروم. قَالُوا: فكان الَّذِي أحرق انطاكية المحترقة ببلاد الروم عَبَّاس بْن الوليد بْن عَبْد الملك.
قَالُوا: وتل جبير نسبت إِلَى رجل من فرس انطاكية كانت له عنده وقعة وهو من طرسوس عَلَى أقل من عشرة أميال، قَالُوا: والحصن المعروف بذي الكلاع إنما هُوَ الحصن ذو القلاع لأنه عَلَى ثلاث قلاع فحرف اسمه
стр. 168
وتفسير اسمه بالرومية الحصن الَّذِي مع الكواكب، وقالوا: سميت كنيسة الصلح لأن الروم لما حملوا صلحهم إِلَى الرشيد نزلوها، ونسب مرج حسين إِلَى حسين بْن مُسْلِم الأنطاكي، وذلك أنه كانت له به وقعة ونكاية في العدو قَالُوا. وأغزى المهدي ابنه هارون الرشيد في سنة ثلاث وستين ومائة فحاصر أهل ضمالو وهي الَّتِي تدعوها العامة سمالو فسألوا الأمان لعشرة أهل أبيات فيهم القومس فأجابهم إِلَى ذلك، وكان في شرطهم أن لا يفوق بينهم فأنزلوا ببغداد عَلَى باب الشماسية فسموا موضعهم سمالو فهو معروف، ويقال بل نزلوا عَلَى حكم المهدي فاستحياهم وجمعهم بذلك الموضع وأمر أن يسمى سمالو وأمر الرشيد فنودي عَلَى من بقي في الحصن فبيعوا وأخذ حبشي كان يشتم الرشيد والمسلمين فصلب عَلَى برج من أبراجه.
وحدثني أَحْمَد بْن الحارث الواسطي عن مُحَمَّد بْن سَعْد عَنِ الواقدي، قَالَ: لما كانت سنة ثمانين ومائة أمر الرشيد بابتناء مدينة عين زربة وتحصينها وندب إليها ندبة من أهل خراسان وغيرهم فأقطعهم بها المنازل ثُمَّ لما كانت سنة ثلاث وثمانين ومائة أمر ببناء الهارونية فبنيت وشحنت أيضا بالمقاتلة ومن نزح إليها منَ المطوعة ونسبت إليه، ويقال أنه بناها في خلافة المهدى ثم أنمت في خلافته، قَالُوا: وكانت الكنيسة السوداء من حجارة سود بناها الروم عَلَى وجه الدهر، ولها حصن قديم أخرب فيما أخرب فأمر الرشيد ببناء مدينة الكنيسة السوداء وتحصينها وندب إليها المقاتلة في زيادة العطاء.
وأخبرني بعض أهل الثغر عزون بْن سَعْد: أن الروم أغارت عليها والْقَاسِم بْن الرشيد مقيم بدابق فاستاقوا مواشي أهلها وأسروا عدة منهم فنفر إليهم أهل المصيصة ومطوعتها فاستنقذوا جميع ما صار إليهم وقتلوا منهم بشرا ورجع الباقون منكوبين مفلولين، فوجه القاسم من حصن المدينة
стр. 169
وزمها وزاد في شحنتها، وقد كان المعتصم بالله نقل إِلَى عين زربة ونواحيها بشرا منَ الزط الَّذِينَ قَدْ كانوا غلبوا عَلَى البطائح بَيْنَ واسط والبصرة فانتفع أهلها بهم.
حدثني أَبُو صالح الأنطاكي، قَالَ: كان أَبُو إِسْحَاق الفزاري يكره شراء أرض بالثغر، ويقول غلب عَلَيْهِ قوم في بدء الأمر وأجلوا الروم عنه فلم يقسموه وصار إِلَى غيرهم وقد دخلت في هَذَا الأمر شبهة العاقل حقيق بتركها.
وكانت بالثغارات قَدْ تحيفت ما يرتفع من أعشاره حَتَّى قصرت عن نفقائه فأمر المتوكل في سنة ثلاث وأربعين ومائتين بإبطال تلك الإيغارات فأبطلت.
فتوح الجزيرة
حدثني داود بْن عَبْد الحميد قاضي الرقة عن أبيه عن جده عن ميمون ابن مهران، قال: الجزيرة كلها فتوح عياص بْن غنم بعد وفاة أَبِي عُبَيْدة ولاه إياها عُمَر بْن الخطاب وكان أَبُو عُبَيْدة استخلفه على الشام فولى عمر ابن الخطاب يزيد بْن أَبِي سُفْيَان ثُمَّ معاوية من بعده الشام وأمر عياضا بغزو الجزيرة وحدثني الحسين بن الأسود، قال: حدثنا يحيى بْن آدم عن عدة منَ الجزريين عن سُلَيْمَان بْن عطاء القرشي، قَالَ: بعث أَبُو عُبَيْدة عياض بْن غنم إِلَى الجزيرة فمات أَبُو عُبَيْدة وهو بها فولاه عُمَر إياها بعد.
وحدثني بكر بْن الهيثم، قَالَ: حَدَّثَنَا النفيلي عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن عطاء، قَالَ: لما فتح عياض بْن غنم الرها وكان أَبُو عُبَيْدة وجهه وقف عَلَى بابها عَلَى فرس له كميت فصالحوه عَلَى أن لهم هيكلهم وما حوله وعلى أن لا يحدثوا كنيسة إلا ما كان لهم وعلى معونة المسلمين عَلَى عدوهم فإن تركوا شيئا
стр. 170
مما شرط عليهم فلا ذمة لهم ودخل أهل الجزيرة فيما دخل فيه أهل الرها.
وقال مُحَمَّد بْن سَعْد، قَالَ الواقدي: أثبت ما سمعنا في أمر عياض أن أَبَا عُبَيْدة مات في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، واستخلف عياضا فورد عَلَيْهِ كتاب عُمَر بتوليته حمص وقنسرين والجزيرة: فسار إِلَى الجزيرة يوم الخميس للنصف من شعبان سنة ثماني عشرة في خمسة آلاف وعلى مقدمته ميسرة بْن مسروق العبسي وعلى ميمنته سَعِيد بْن عَامِر بْن حذيم الجمحي وعلى ميسرته صفوان بن المعطل السلمى، وكان خَالِد بْن الوليد عَلَى ميسرته، ويقال: إن خالدا لم يسر تحت لواء احد بعد أَبِي عُبَيْدة ولزم حمص حَتَّى توفي بها سنة إحدى وعشرين وأوصى إِلَى عُمَر: وبعضهم يزعم أنه مات بالمدينة وموته بحمص أثبت.
قَالُوا: فانتهت طليعة عياض إِلَى الرقة فأغاروا عَلَى حاضر كان حولها للعرب وعلى قوم منَ الفلاحين فأصابوا مغنما وهرب من نجا من أولئك فدخلوا مدينة الرقة، وأقبل عياض في عسكرة حَتَّى نزل باب الرها وهو أحد أبوابها في تعبئة فرمى المسلمون ساعة حَتَّى جرح بعضهم ثُمَّ إنه تأخر عنهم لئلا تبلغه حجارتهم وسهامهم وركب فطاف حول المدينة ووضع عَلَى أبوابها روابط ثُمَّ رجع إِلَى عسكره وبث السرايا فجعلوا يأتون بالأسرى منَ القرى وبالأطعمة الكثيرة وكانت الزروع مستحصدة، فلما مضت خمسة أيام أو ستة وهم عَلَى ذلك أرسل بطريق المدينة إِلَى عياض يطلب الأمان فصالحه عياض عَلَى أن أمن جميع أهلها عَلَى أنفسهم وذراريهم وأموالهم ومدينتهم، وقال عياض: الأرض لنا قَدْ وطئناها وأحرزناها فأقرها في أيديهم عَلَى الخراج ودفع منها ما لم يرده أهل الذمة فرفضوه إِلَى المسلمين عَلَى العشر ووضع الجزية عَلَى رقابهم فألزم كل رجل منهم دينارا في كل سنة وأخرج النساء والصبيان ووظف عليهم مع الدينار أقفزة من قمح وشيئا من
стр. 171
زيت وخل وعسل، فلما ولى معاوية جعل ذلك جزية عليهم ثُمَّ أنهم فتحوا أبواب المدينة وأقاموا للمسلمين سوقا عَلَى باب الرها فكتب لهم عياض.
بسم اللَّه الرَّحْمَنِ الرحيم: هَذَا ما أعطى عياض بْن غنم أهل الرقة يوم دخلها أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم لا تخرب ولا تسكن إذا أعطوا الجزية الَّتِي عليهم ولم يحدثوا مغيلة وعلى أن لا يحدثوا كنيسة ولا بيعة ولا يظهروا ناقوسا ولا باعوثا ولا صليبا شهد الله «وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً» ٤: ٧٩ وختم عياض بخاتمه.
ويقال: إن عياضا ألزم كل حالم من أهل الرقة أربعة دنانير والثبت أن عُمَر كتب بعد إِلَى عمير بْن سَعْد وهو واليه أن ألزم كل امرئ منهم أربعة دنانير كما ألزم أهل الذهب.
قَالُوا: ثُمَّ سار عياض إِلَى حران فنزل بأجدى وبعث مقدمته فأغلق أهل حران أبوابها دونهم ثُمَّ اتبعهم، فلما نزل بها بعث إليه الحرنانية من أهلها يعلمونه أن فى أيديهم طائفة من المدينة ويسئلونه أن يصير إِلَى الرها فما صالحوه عَلَيْهِ من شيء قنعوا به وخلوا بينه وبين النصارى حَتَّى يصيروا إليه وبلغ النصارى ذلك فأرسلوا إليه بالرضى بما عرض الحرنانية وبذلوا فأتى الرها وقد جمع له أهلها فرموا المسلمين ساعة، ثُمَّ خرجت مقاتلتهم فهزمهم المسلمون حتى ألجئوهم إِلَى المدينة فلم ينشبوا إن طلبوا الصلح والأمان، فأجابهم عياض إليه وكتب لهم كتابا نسخته.
بسم اللَّه الرَّحْمَنِ الرحيم: هَذَا كتاب من عياض بْن غنم لأسقف الرها إنكم إن فتحتم لي باب المدينة عَلَى أن تؤدوا إلي عن كل رجل دينارا ومدي قمح فأنتم آمنون عن أنفسكم وأموالكم ومن تبعكم وعليكم إرشاد الضال وإصلاح الجسور والطرق ونصيحة المسلمين «شهد اللَّه وكفى بالله شهيدا» .
стр. 172
وحدثني داود بْن عَبْد الحميد عن أبيه عن جده، إن كتاب عياض لأهل الرها:
بسم اللَّه الرَّحْمَنِ الرحيم: هَذَا كتاب من عياض بْن غنم ومن معه منَ المسلمين لأهل الرها أني أمنتهم عَلَى دمائهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم ومدينتهم وطواحينهم إذا أدوا الحق الَّذِي عليهم، ولنا عليهم أن يصلحوا جسورنا ويهدوا ضالنا شهد اللَّه وملائكته والمسلمون.
قَالَ: ثُمَّ أتى عياض حران ووجه صفوان بْن المعطل وحبيب بْن مسلمة الفهري إِلَى سميساط فصالح عياض أهل حران عَلَى مثل صلح الرها وفتحوا له أبوابها وولاها رجلا، ثُمَّ سار إِلَى سميساط فوجد صفوان بْن المعطل، وحبيب بْن مسلمة مقيمين عليها وقد غلبا عَلَى قرى وحصون من قراها وحصونها فصالحه أهلها عَلَى مثل صلح أهل الرها، وكان عياض يغزو منَ الرها ثُمَّ يرجع إليها.
وحدثني مُحَمَّد بْن سَعْد عَنِ الواقدي عن معمر عَنِ الزهري، قَالَ: لم يبق بالجزيرة موضع قدم إلا فتح عَلَى عهد عُمَر بْن الخطاب ﵁ عَلَى يد عياض بْن غنم فتح حران، والرها، والرقة، وقرقيسيا، ونصيبين، وسنجار.
وحدثني مُحَمَّد عَنِ الواقدي عن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مسلمة عن فرات بْن سلمان عن ثابت بْن الحجاج، قَالَ: فتح عياض الرقة وحران والرها ونصيبين وميافارقين وقرقيسيا وقرى الفرات ومدائنها صلحا وأرضها عنوة وحدثني مُحَمَّد عَنِ الواقدي عن ثور بْن يزيد عن راشد بْن سَعْد أن عياضًا افتتح الجزيرة ومدائنها صلحا وأرضها عنوة.
وقد روى: أن عياضا لما أتى حران منَ الرقة وجدها خالية قَدِ انتقل أهلها إِلَى الرها فلما فتحت الرها صالحوه عن مدينتهم وهم بها وكان صلحهم مثل صلح الرها.
стр. 173
وحدثني أَبُو أيوب الرقي المؤدب، قَالَ: حدثني الحجاج بْن أَبِي منيع الرصافي عن أبيه عن جده، قَالَ: فتح عياض الرقة ثُمَّ الرها ثُمَّ حران ثُمَّ سميساط عَلَى صلح واحد، ثم أتى سروج وراسكيفا والأرض البيضاء فغلب عَلَى أرضها وصالح أهل حصونها عَلَى مثل صلح الرها. ثُمَّ إن سميساط كفروا فلما بلغه ذلك رجع إليهم فحاصرها حَتَّى فتحها وبلغه أن أهل الرها قَدْ نقضوا فلما أناخ عليهم فتحوا له أبواب مدينتهم فدخلها وخلف بها عامله في جماعة ثم أتى قرايات الفرات وهي جسر منبج وذواتها ففتحها عَلَى ذلك وأتى عين الوردة وهي رأس العين فامتنعت عَلَيْهِ فتركها وأتى تل موزن ففتحها عَلَى مثل صلح الرها وذلك في سنة تسع عشرة، ووجه عياض إِلَى قرقيسيا حبيب ابن مسلمة الفهري ففتحها صلحا عَلَى مثل صلح الرقة وفتح عياض آمد بغير قتال عَلَى مثل صلح الرها، وفتح ميافارقين عَلَى مثل ذلك وفتح حصن كفرتوثا، وفتح نصيبين بعد قتال عَلَى مثل صلح الرها، وفتح طور عبدين وحصن ماردين ودارا عَلَى مثل ذلك، وفتح قردى وبازبدى عَلَى مثل صلح نصيبين وأتاه بطريق الزوزان فصالحه عن أرضه عَلَى إتاوة وكل ذلك في سنة تسع عشرة وأيام منَ المحرم سنة عشرين، ثم سار إلى أوزن ففتحها عَلَى مثل صلح نصيبين ودخل الدرب فبلغ بدليس وجازها إلى خلاط وصلح بطريقها وانتهى إِلَى العين الحامضة من أرمينية فلم يعدها ثُمَّ عاد فضمن صاحب بدليس خراج خلاط وجماجمها وما عَلَى بطريقها، ثُمَّ إنه انصرف إِلَى الرقة ومضى إِلَى حمص وقد كان عُمَر ولاه إياها فمات سنة عشرين. وولى عُمَر سَعِيد بْن عَامِر بْن حذيم فلم يلبث إلا قليلا حَتَّى مات فولى عُمَر عمير بْن سَعْد الأنصاري ففتح عين الوردة بعد قتال شديد.
وقال الواقدي: حدثني من سمع إِسْحَاق بْن أَبِي فروة يحدث عن أَبِي
стр. 174
وهب الجيشاني ديلم بْن الموسع أن عُمَر بْن الخطاب ﵁ كتب إِلَى عياض يأمره أن يوجه عمير بْن سَعْد إِلَى عين الوردة فوجهه إليها فقدم الطلائع أمامه فأصابوا قوما منَ الفلاحين وغنموا مواشي من مواشي العدو ثُمَّ إن أهل المدينة غلقوا أبوابها ونصبوا العرادات عليها فقتل منَ المسلمين بالحجارة والسهام بشر واطلع عليهم بطريق من بطارقتها فشتمهم وقال:
لسنا كمن لقيتم ثُمَّ أنها فتحت بعد عَلَى صلح.
حدثني عَمْرو بْن مُحَمَّد عَنِ الحجاج بْن أبي منيع عن أبيه عن جده، قَالَ:
امتنعت رأس العين على عياض بْن غنم ففتحها عمير بْن سَعْد وهو والى عُمَر عَلَى الجزيرة بعد أن قاتل أهلها المسلمين قتالا شديدا فدخلها المسلمون عنوة، ثُمَّ صالحوهم بعد ذلك عَلَى أن دفعت الأرض إليهم ووضعت الجزية على رؤسهم عَلَى كل رأس أربعة دنانير ولم تسب نساؤهم ولا أولادهم، وقال الحجاج: وقد سمعت مشايخ من أهل رأس العين يذكرون أن عميرا لما دخلها قَالَ لهم: لا بأس لا بأس إلى إلي فكان ذلك أمانا لهم، وزعم الهيثم بْن عدي: أن عُمَر بْن الخطاب ﵁ بعث أَبَا موسى الأشعري إِلَى عين الوردة فغزاها بجند الجزيرة بعد وفاة عياض، والثبت أن عميرا فتحها عنوة فلم تسب وجعل عليهم الخراج والجزية ولم يقل هَذَا أحد غير الهيثم، وقال الحجاج بْن أَبِي منيع: جلا خلق من أهل رأس العين واعتمل المسلمون أراضيهم وازدرعوها بإقطاع.
وحدثني مُحَمَّد بْن المفضل الموصلي عن مشايخ من أهل سنجار، قَالُوا:
كانت سنجار في أيدي الروم ثُمَّ إن كسرى المعروف بأبرويز أراد قتل مائة رجل منَ الفرس كانوا حملوا إليه بسبب خلاف ومعصية، فكلم فيهم فأمر أن يوجهوا إِلَى سنجار وهو يومئذ يعاني فتحها فمات منهم رجلان ووصل إليها
стр. 175
ثمانية وتسعون رجلا فصاروا مع المقاتلة الَّذِينَ كانوا بإزائها ففتحوها دونهم وأقاموا بها وتناسلوا، فلما انصرف عياض من خلاط وصار إِلَى الجزيرة بعث إِلَى سنجار ففتحها صلحا وأسكنها قوما منَ العرب، وقد قَالَ بعض الرواة أن عياضا فتح حصنا منَ الموصل وليس ذلك بثبت. قَالَ ابْن الكلبي:
عمير بْن سَعْد عامل عُمَر هُوَ عمير بْن سَعْد بْن شهيد بْن عَمْرو أحد الأوس، وقال الواقدي: هُوَ عمير بْن سَعْد بْن عُبَيْد وقتل أبوه سَعْد يوم القادسية، وسعد هَذَا هُوَ الَّذِي يروي الكوفيون إنه احد من جمع القرآن عَلَى عهد رَسُول اللَّهِ ﷺ ، قَالَ الواقدي: وقد روى قوم أن خَالِد بْن الوليد ولى لعمر بعض الجزيرة فاطلى في حمام بآمد أو غيرها بشيء فيه خمر فعزله عُمَر: وليس ذلك بثبت.
وحدثني عَمْرو الناقد، قَالَ: حدثني الحجاج بن أبي منيع عن أبيه عن جده عن ميمون بْن مهران، قَالَ: أخذ الزيت والخل والطعام لمرفق المسلمين بالجزيرة مدة ثُمَّ خفف عنهم واقتصر بهم عَلَى ثمانية وأربعين درهما وأربعة وعشرين واثني عشر نظرا من عُمَر للناس وكان عَلَى كل إنسان مع جزيته مدا قمح وقسطان من زيت وقسطان من خل.
وحدثني عدة من أهل الرقة، قَالُوا: لما مات عياض وولى الجزيرة سعيد ابن عَامِر بْن حذيم بنى مَسْجِد الرقة ومسجد الرها ثُمَّ توفي فبنى المساجد بديار مضر وديار ربيعة عمير بْن سَعْد، ثُمَّ لما ولي معاوية الشام والجزيرة لعُثْمَان بْن عَفَّان ﵁ أمره أن ينزل العرب بمواضع نائية عَنِ المدن والقرى ويأذن لهم في اعتمال الأرضين الَّتِي لا حق فيها لأحد فأنزل بني تميم الرابية وأنزل المازحين والمديبر أخلاطا من قيس وأسد وغيرهم وفعل ذلك في جميع نواحي ديار مضر ورتب ربيعة في ديارها عَلَى ذلك، وألزم المدن
стр. 176
والقرى والمسالح من يقوم بحفظها ويذب عنها من أهل العطاء ثُمَّ جعلهم مع عماله.
وحدثني أَبُو حفص الشامي عن حَمَّاد بْن عَمْرو النصيبي قَالَ: كتب عامل نصيبين إِلَى معاوية وهو عامل عُثْمَان عَلَى الشام والجزيرة يشكو إليه أن جماعة منَ المسلمين ممن معه أصيبوا بالعقارب فكتب إليه يأمره أن يوظف عَلَى أهل كل حيز منَ المدينة عدة منَ العقارب مسماة في كل ليلة ففعل فكانوا يأتونه بها فيأمر بقتلها.
وحدثني أَبُو أيوب المؤدب الرقى عن أَبِي عَبْد اللَّهِ القرقساني عن أشياخه أن عمير بْن سَعْد لما فتح رأس العين سلك الخابور وما يليه حَتَّى أتى قرقيسيا وقد نقض أهلها فصالحهم عَلَى مثل صلحهم الأول، ثُمَّ أتى حصون الفرات حصنا حصنا ففتحها عَلَى ما فتحت عَلَيْهِ قرقيسيا ولم يلق في شيء منها كثير قتال، وكان بعض أهلها ربما رموا بالحجارة، فلما فرغ من تلبس وعانات أتى النأوسة وآلوسة وهيت فوجد عمار بْن ياسر وهو يومئذ عامل عُمَر بْن الخطاب عَلَى الكوفة وقد بعث جيشا يستغزي ما فوق الأنبار عَلَيْهِ سَعْد بْن عَمْرو بْن حرام الأنصاري، وقد أتاه أهل هَذِهِ الحصون فطلبوا الأمان فأمنهم واستثنى عَلَى أهل هيت نصف كنيستهم فانصرف عمير إِلَى الرقة.
وحدثني بعض أهل العلم، قَالَ: كان الَّذِي توجه إِلَى هيت والحصون الَّتِي بعدها منَ الكوفة مدرج بْن عَمْرو السلمي حليف بني عَبْد شمس وله صحبة فتولى فتحها وهو بنى الحديثة الَّتِي عَلَى الفرات وولده بهيت وكان منهم رجل يكنى أَبَا هارون باقي الذكر هناك، ويقال: أن مدلاجا كان من قبل سَعْد بْن عَمْرو بْن حرام والله أعلم.
قالوا: وكان موضع نهر سَعِيد بْن عَبْد الملك بْن مروان- وهو الذي
стр. 177
يقال له سَعِيد الخير وكان يظهر نسكا- غيضة ذات سباع فأقطعه إياها الوليد فحفر النهر وعمر ما هناك، وقال بعضهم: الَّذِي اقطعه ذلك عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ قَالُوا: ولم يكن للرافقة أثر قديم إنما بناها أمير الْمُؤْمِنِين المَنْصُور ﵀ سنة خمس وخمسين ومائة عَلَى بناء مدينته ببغداد، ورتب فيها جندا من أهل خراسان وجرت عَلَى يدي المهدي وهو ولي عهد، ثُمَّ أن الرشيد بنى قصورها فكان بَيْنَ الرقة والرافقة فضاء مزارع، فلما قدم علي بْن سُلَيْمَان بْن علي واليا عَلَى الجزيرة نقل أسواق الرقة إِلَى تلك الأرض، فكان سوق الرقة الأعظم فيما مضى يعرف بسوق هِشَام العتيق، ثُمَّ لما قدم الرشيد الرقة استزاد في تلك الأسواق فلم تزل تجتبي مع الصوافي، وأمار صافة هِشَام فإن هِشَام بْن عَبْد الملك أحدثها وكان ينزل قبلها الزيتونة وحفر الهنى والمرى، واستخرج الضيعة الَّتِي تعرف بالهنى والمرى، وأحدث فيها واسط الرقة، ثُمَّ إن تلك الضيعة قبضت في أول الدولة ثُمَّ صارت لأم جَعْفَر زبيدة بنت جَعْفَر بْن المَنْصُور فابتنت فيها القطيعة الَّتِي تنسب إليها وزادت في عمارتها، ولم يكن للرحبة الَّتِي في أسفل قرقيسيا أثر قديم إنما بناه وأحدثها مَالِك بْن طوق بْن عتاب التغلبي في خلافة المأمون. وكانت أذرمة من ديار ربيعة قرية قديمة فأخذها الْحَسَن بْن عَمْرو بْن الخطاب التغلبي من صاحبها وبنى بها قصرا وحصنها، وكانت كفرتوثا حصنا قديما فاتخذها ولد أَبِي رمثة منزلا فمدنوها وحصنوها.
حدثني معافى بْن طاوس عن أبيه، قَالَ: سألت المشايخ عن أعشار بلد وديار ربيعة والبرية، فقال: هي أعشار ما أسلمت عَلَيْهِ العرب أو عمرته من لموات الَّذِي ليس في يد أحد أو رفضه النصارى فمات وغلب عليها الدغل فأقطعه العرب.
حدثني أَبُو عَفَّان الرقى عن مشايخ من كتاب الرقة وغيرهم، قَالُوا: كانت
стр. 178
عين الرومية وماؤها للوليد بْن عقبة بْن أَبِي معيط فأعطاها أَبَا زبيد الطائي ثُمَّ صارت لأبي العَبَّاس أمير الْمُؤْمِنِين فأقطعها ميمون بْن حَمْزَة مولى عَلي بْن عَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاس ثُمَّ ابتاعها الرشيد من ورثته وهي من أرض الرقة، قَالُوا:
وكان بْن هبيرة أقطع غابة ابن هبيرة فقبضت وأقطعها بشر بْن ميمون صاحب الطاقات ببغداد بناحية باب الشام ثُمَّ ابتاعها الرشيد وهي من أرض سروج، وكان هِشَام أقطع عائشة ابنته قطيعة برأسكيفا تعرف بها فقبضت وكانت لعبد الملك وهِشَام قرية تدعى سلعوس ونصف قرية تدعى كفر جدا منَ الرها وكانت بحران للغمر بْن يزيد تل عفراء وأرض تل مذابا (كذا) وأرض المصلى وصوافي في ربض حران أو مستغلاتها، وكان مرج عَبْد الواحد حمى المسلمون قبل أن تبنى الحدث وزبطرة فلما بنيتا استغنى بهما فعمر، فضمه الْحُسَيْن الخادم إِلَى الأحواز في خلافة الرشيد ثُمَّ توثب الناس عَلَى مزارعه حَتَّى قدم عَبْد اللَّهِ بْن طَاهِر الشام فرده إِلَى الضياع، وقال أَبُو أيوب الرقى: سمعت أن عَبْد الواحد الَّذِي نسب المرج إليه عبد الواحد بن الحارث ابن الحكم بن أبى العاصي وهو ابْن عم عَبْد الملك كان المرج له فجعله حمى للمسلمين وهو الَّذِي مدحه القطامي فقال:
أهل المدينة لا يحزنك شأنهم ... إذا تخطأ عَبْد الواحد الأجل
أمر نصارى بن تغلب بْن وائل
حَدَّثَنَا شيبان بْن فروخ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عوانة عَنِ المغيرة عَنِ السفاح الشيباني، أن عُمَر بْن الخطاب ﵁ أراد أن يأخذ الجزية من نصارى بني تغلب فانطلقوا هاربين ولحقت طائفة منهم ببعد من الأرض، فقال النعمان ابن زرعة أو زرعة بْن النعمان: أنشدك اللَّه في بني تغلب فإنهم قوم منَ العرب
стр. 179
نائفون منَ الجزية وهم قوم شديدة نكايتهم فلا يغن عدوك عليك بهم فأرسل عُمَر في طلبهم فردهم وأضعف عليهم الصدقة.
حَدَّثَنَا شيبان، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيزِ بْن مُسْلِم، قَالَ: حَدَّثَنَا ليث عن رجل عن سَعِيد بْن جبير عَنِ ابْن عَبَّاس، قَالَ: لا تؤكل ذبائح نصارى بني تغلب ولا تنكح نساؤهم: ليسوا منا ولا من أهل الكتاب.
حَدَّثَنَا عَبَّاس بْن هِشَام عن أبيه عن عوانة بْن الحكم وأبي مخنف، قالا:
كتب عمير بْن سَعْد إِلَى عُمَر بْن الخطاب ﵁ يعلمه أنه أتى شق الفرات الشامي ففتح عانات وسائر حصون الفرات وأنه أراد من هناك من بني تغلب عَلَى الإِسْلام فأبوه وهموا باللحاق بأرض الروم وقبلهم ما أراد من في الشق الشرقي عَلَى ذلك فامتنعوا منه وسألوه أن يأذن لهم في الجلاء واستطلع رأيه فيهم فكتب إليه عُمَر ﵁ يأمره أن يضعف عليهم الصدقة الَّتِي تؤخذ منَ المسلمين في كل سائمة وأرض وإن أبوا ذلك حاربهم حَتَّى يبيدهم أو يسلموا فقبلوا أن يؤخذ منهم ضعف الصدقة، وقالوا: أما إذ لم تكن جزية كجزية الأعلاج فإنا نرضى ونحفظ ديننا.
حدثني عَمْرو الناقد، قَالَ: حدثني أَبُو معاوية عَنِ الشيبان عَنِ السفاح عن داود بْن كردوس، قَالَ: صالح عُمَر بْن الخطاب بني تغلب بعد ما قطعوا الفرات وأرادوا اللحاق بأرض الروم عَلَى أن لا يصبغوا صبيا ولا يكرهوه عَلَى دينهم وعلى أن عليهم الصدقة مضعفة، قَالَ: وكان داود بْن كردوس يقول: ليست لهم ذمة لأنهم قَدْ صبغوا في دينهم يعني المعمودية فحدثني الْحُسَيْن بْن الأسود قال: حدثنا يحيى بن آدم عن ابن المبارك عن يونس بن يزيد الأيلي عَنِ الزهري، قَالَ: ليس في مواشي أهل الكتاب صدقة إلا نصارى بني تغلب أو قَالَ نصارى العرب الَّذِينَ عامة أموالهم المواشي فإن عليهم ضعف ما عَلَى المسلمين.
стр. 180
حدثنا سعيد بن سليمان سعدويه: حدثنا هشيم عن مغيرة عن السفاح ابن المثنى عن زرعة بْن النعمان أنه كان كلم عُمَر في نصارى بني تغلب وقال قوم عرب نائفون منَ الجزية وإنما هم أصحاب حروث ومواش وكان عُمَر قَدْ هم أن يأخذ الجزية منهم فتفرقوا في البلاد فصالحهم عَلَى أن أضعف عليهم ما يؤخذ منَ المسلمين من صدقاتهم في الأرض والماشية، واشترط عليهم أن لا ينصروا أولادهم، قال مغيرة: فكان علي ﵇ يقول: لئن تفرغت لبنى تغلب ليكونن لي فيهم رأي لأقتلن مقاتلهم ولأسبين ذريتهم فقد نقضوا العهد وبرئت منهم الذمة حين نصروا أولادهم. وحدثني أَبُو نَصْر التمار، قَالَ: حَدَّثَنَا شريك بْن عَبْد اللَّهِ عَنِ إِبْرَاهِيم بْن مهاجر عن زياد بْن حدير الأسدي، قَالَ: بعثني عُمَر إِلَى نصارى بني تغلب آخذ منهم نصف عشر أموالهم ونهاني أن أعشر مسلما أو ذميا يؤدي الخراج.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أَبِي سبرة عن عَبْد الملك بْن نوفل عن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن الحارث: أن عُثْمَان أمر أن لا يقبل من بني تغلب في الجزية إلا الذهب والفضة فجاءه الثبت أن عُمَر أخذ منهم ضعف الصدقة فرجع عن ذلك، قال الواقدي، وقال سُفْيَان الثوري، والأوزاعي، ومالك بْن أَنَس، وابن أَبِي ليلى، وابن أَبِي ذئب، وأبو حنيفة، وأبو يوسف يؤخذ منَ التغلبي ضعف ما يؤخذ منَ المسلم في أرضه وماشيته وماله، فأما الصبي والمعتوه منهم فإن أهل العراق يرون أن يؤخذ ضعف الصدقة من أرضه ولا يأخذون من ماشيته شيئا، وقال أهل الحجاز يؤخذ ذلك من ماشيته وأرضه، وقالوا جميعا: أن سبيل ما يؤخذ من أموال بني تغلب سبيل مال الخراج لأنه بدل منَ الجزية.
غزو الثغور الجزرية
قَالُوا: لما استخلف عُثْمَان بْن عَفَّان ﵁ كتب إِلَى معاوية بولايته