والقرى والمسالح من يقوم بحفظها ويذب عنها من أهل العطاء ثُمَّ جعلهم مع عماله.
وحدثني أَبُو حفص الشامي عن حَمَّاد بْن عَمْرو النصيبي قَالَ: كتب عامل نصيبين إِلَى معاوية وهو عامل عُثْمَان عَلَى الشام والجزيرة يشكو إليه أن جماعة منَ المسلمين ممن معه أصيبوا بالعقارب فكتب إليه يأمره أن يوظف عَلَى أهل كل حيز منَ المدينة عدة منَ العقارب مسماة في كل ليلة ففعل فكانوا يأتونه بها فيأمر بقتلها.
وحدثني أَبُو أيوب المؤدب الرقى عن أَبِي عَبْد اللَّهِ القرقساني عن أشياخه أن عمير بْن سَعْد لما فتح رأس العين سلك الخابور وما يليه حَتَّى أتى قرقيسيا وقد نقض أهلها فصالحهم عَلَى مثل صلحهم الأول، ثُمَّ أتى حصون الفرات حصنا حصنا ففتحها عَلَى ما فتحت عَلَيْهِ قرقيسيا ولم يلق في شيء منها كثير قتال، وكان بعض أهلها ربما رموا بالحجارة، فلما فرغ من تلبس وعانات أتى النأوسة وآلوسة وهيت فوجد عمار بْن ياسر وهو يومئذ عامل عُمَر بْن الخطاب عَلَى الكوفة وقد بعث جيشا يستغزي ما فوق الأنبار عَلَيْهِ سَعْد بْن عَمْرو بْن حرام الأنصاري، وقد أتاه أهل هَذِهِ الحصون فطلبوا الأمان فأمنهم واستثنى عَلَى أهل هيت نصف كنيستهم فانصرف عمير إِلَى الرقة.
وحدثني بعض أهل العلم، قَالَ: كان الَّذِي توجه إِلَى هيت والحصون الَّتِي بعدها منَ الكوفة مدرج بْن عَمْرو السلمي حليف بني عَبْد شمس وله صحبة فتولى فتحها وهو بنى الحديثة الَّتِي عَلَى الفرات وولده بهيت وكان منهم رجل يكنى أَبَا هارون باقي الذكر هناك، ويقال: أن مدلاجا كان من قبل سَعْد بْن عَمْرو بْن حرام والله أعلم.
قالوا: وكان موضع نهر سَعِيد بْن عَبْد الملك بْن مروان- وهو الذي
стр. 177
يقال له سَعِيد الخير وكان يظهر نسكا- غيضة ذات سباع فأقطعه إياها الوليد فحفر النهر وعمر ما هناك، وقال بعضهم: الَّذِي اقطعه ذلك عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ قَالُوا: ولم يكن للرافقة أثر قديم إنما بناها أمير الْمُؤْمِنِين المَنْصُور ﵀ سنة خمس وخمسين ومائة عَلَى بناء مدينته ببغداد، ورتب فيها جندا من أهل خراسان وجرت عَلَى يدي المهدي وهو ولي عهد، ثُمَّ أن الرشيد بنى قصورها فكان بَيْنَ الرقة والرافقة فضاء مزارع، فلما قدم علي بْن سُلَيْمَان بْن علي واليا عَلَى الجزيرة نقل أسواق الرقة إِلَى تلك الأرض، فكان سوق الرقة الأعظم فيما مضى يعرف بسوق هِشَام العتيق، ثُمَّ لما قدم الرشيد الرقة استزاد في تلك الأسواق فلم تزل تجتبي مع الصوافي، وأمار صافة هِشَام فإن هِشَام بْن عَبْد الملك أحدثها وكان ينزل قبلها الزيتونة وحفر الهنى والمرى، واستخرج الضيعة الَّتِي تعرف بالهنى والمرى، وأحدث فيها واسط الرقة، ثُمَّ إن تلك الضيعة قبضت في أول الدولة ثُمَّ صارت لأم جَعْفَر زبيدة بنت جَعْفَر بْن المَنْصُور فابتنت فيها القطيعة الَّتِي تنسب إليها وزادت في عمارتها، ولم يكن للرحبة الَّتِي في أسفل قرقيسيا أثر قديم إنما بناه وأحدثها مَالِك بْن طوق بْن عتاب التغلبي في خلافة المأمون. وكانت أذرمة من ديار ربيعة قرية قديمة فأخذها الْحَسَن بْن عَمْرو بْن الخطاب التغلبي من صاحبها وبنى بها قصرا وحصنها، وكانت كفرتوثا حصنا قديما فاتخذها ولد أَبِي رمثة منزلا فمدنوها وحصنوها.
حدثني معافى بْن طاوس عن أبيه، قَالَ: سألت المشايخ عن أعشار بلد وديار ربيعة والبرية، فقال: هي أعشار ما أسلمت عَلَيْهِ العرب أو عمرته من لموات الَّذِي ليس في يد أحد أو رفضه النصارى فمات وغلب عليها الدغل فأقطعه العرب.
حدثني أَبُو عَفَّان الرقى عن مشايخ من كتاب الرقة وغيرهم، قَالُوا: كانت
стр. 178
عين الرومية وماؤها للوليد بْن عقبة بْن أَبِي معيط فأعطاها أَبَا زبيد الطائي ثُمَّ صارت لأبي العَبَّاس أمير الْمُؤْمِنِين فأقطعها ميمون بْن حَمْزَة مولى عَلي بْن عَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاس ثُمَّ ابتاعها الرشيد من ورثته وهي من أرض الرقة، قَالُوا:
وكان بْن هبيرة أقطع غابة ابن هبيرة فقبضت وأقطعها بشر بْن ميمون صاحب الطاقات ببغداد بناحية باب الشام ثُمَّ ابتاعها الرشيد وهي من أرض سروج، وكان هِشَام أقطع عائشة ابنته قطيعة برأسكيفا تعرف بها فقبضت وكانت لعبد الملك وهِشَام قرية تدعى سلعوس ونصف قرية تدعى كفر جدا منَ الرها وكانت بحران للغمر بْن يزيد تل عفراء وأرض تل مذابا (كذا) وأرض المصلى وصوافي في ربض حران أو مستغلاتها، وكان مرج عَبْد الواحد حمى المسلمون قبل أن تبنى الحدث وزبطرة فلما بنيتا استغنى بهما فعمر، فضمه الْحُسَيْن الخادم إِلَى الأحواز في خلافة الرشيد ثُمَّ توثب الناس عَلَى مزارعه حَتَّى قدم عَبْد اللَّهِ بْن طَاهِر الشام فرده إِلَى الضياع، وقال أَبُو أيوب الرقى: سمعت أن عَبْد الواحد الَّذِي نسب المرج إليه عبد الواحد بن الحارث ابن الحكم بن أبى العاصي وهو ابْن عم عَبْد الملك كان المرج له فجعله حمى للمسلمين وهو الَّذِي مدحه القطامي فقال:
أهل المدينة لا يحزنك شأنهم ... إذا تخطأ عَبْد الواحد الأجل
أمر نصارى بن تغلب بْن وائل
حَدَّثَنَا شيبان بْن فروخ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عوانة عَنِ المغيرة عَنِ السفاح الشيباني، أن عُمَر بْن الخطاب ﵁ أراد أن يأخذ الجزية من نصارى بني تغلب فانطلقوا هاربين ولحقت طائفة منهم ببعد من الأرض، فقال النعمان ابن زرعة أو زرعة بْن النعمان: أنشدك اللَّه في بني تغلب فإنهم قوم منَ العرب
стр. 179
نائفون منَ الجزية وهم قوم شديدة نكايتهم فلا يغن عدوك عليك بهم فأرسل عُمَر في طلبهم فردهم وأضعف عليهم الصدقة.
حَدَّثَنَا شيبان، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيزِ بْن مُسْلِم، قَالَ: حَدَّثَنَا ليث عن رجل عن سَعِيد بْن جبير عَنِ ابْن عَبَّاس، قَالَ: لا تؤكل ذبائح نصارى بني تغلب ولا تنكح نساؤهم: ليسوا منا ولا من أهل الكتاب.
حَدَّثَنَا عَبَّاس بْن هِشَام عن أبيه عن عوانة بْن الحكم وأبي مخنف، قالا:
كتب عمير بْن سَعْد إِلَى عُمَر بْن الخطاب ﵁ يعلمه أنه أتى شق الفرات الشامي ففتح عانات وسائر حصون الفرات وأنه أراد من هناك من بني تغلب عَلَى الإِسْلام فأبوه وهموا باللحاق بأرض الروم وقبلهم ما أراد من في الشق الشرقي عَلَى ذلك فامتنعوا منه وسألوه أن يأذن لهم في الجلاء واستطلع رأيه فيهم فكتب إليه عُمَر ﵁ يأمره أن يضعف عليهم الصدقة الَّتِي تؤخذ منَ المسلمين في كل سائمة وأرض وإن أبوا ذلك حاربهم حَتَّى يبيدهم أو يسلموا فقبلوا أن يؤخذ منهم ضعف الصدقة، وقالوا: أما إذ لم تكن جزية كجزية الأعلاج فإنا نرضى ونحفظ ديننا.
حدثني عَمْرو الناقد، قَالَ: حدثني أَبُو معاوية عَنِ الشيبان عَنِ السفاح عن داود بْن كردوس، قَالَ: صالح عُمَر بْن الخطاب بني تغلب بعد ما قطعوا الفرات وأرادوا اللحاق بأرض الروم عَلَى أن لا يصبغوا صبيا ولا يكرهوه عَلَى دينهم وعلى أن عليهم الصدقة مضعفة، قَالَ: وكان داود بْن كردوس يقول: ليست لهم ذمة لأنهم قَدْ صبغوا في دينهم يعني المعمودية فحدثني الْحُسَيْن بْن الأسود قال: حدثنا يحيى بن آدم عن ابن المبارك عن يونس بن يزيد الأيلي عَنِ الزهري، قَالَ: ليس في مواشي أهل الكتاب صدقة إلا نصارى بني تغلب أو قَالَ نصارى العرب الَّذِينَ عامة أموالهم المواشي فإن عليهم ضعف ما عَلَى المسلمين.
стр. 180
حدثنا سعيد بن سليمان سعدويه: حدثنا هشيم عن مغيرة عن السفاح ابن المثنى عن زرعة بْن النعمان أنه كان كلم عُمَر في نصارى بني تغلب وقال قوم عرب نائفون منَ الجزية وإنما هم أصحاب حروث ومواش وكان عُمَر قَدْ هم أن يأخذ الجزية منهم فتفرقوا في البلاد فصالحهم عَلَى أن أضعف عليهم ما يؤخذ منَ المسلمين من صدقاتهم في الأرض والماشية، واشترط عليهم أن لا ينصروا أولادهم، قال مغيرة: فكان علي ﵇ يقول: لئن تفرغت لبنى تغلب ليكونن لي فيهم رأي لأقتلن مقاتلهم ولأسبين ذريتهم فقد نقضوا العهد وبرئت منهم الذمة حين نصروا أولادهم. وحدثني أَبُو نَصْر التمار، قَالَ: حَدَّثَنَا شريك بْن عَبْد اللَّهِ عَنِ إِبْرَاهِيم بْن مهاجر عن زياد بْن حدير الأسدي، قَالَ: بعثني عُمَر إِلَى نصارى بني تغلب آخذ منهم نصف عشر أموالهم ونهاني أن أعشر مسلما أو ذميا يؤدي الخراج.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أَبِي سبرة عن عَبْد الملك بْن نوفل عن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن الحارث: أن عُثْمَان أمر أن لا يقبل من بني تغلب في الجزية إلا الذهب والفضة فجاءه الثبت أن عُمَر أخذ منهم ضعف الصدقة فرجع عن ذلك، قال الواقدي، وقال سُفْيَان الثوري، والأوزاعي، ومالك بْن أَنَس، وابن أَبِي ليلى، وابن أَبِي ذئب، وأبو حنيفة، وأبو يوسف يؤخذ منَ التغلبي ضعف ما يؤخذ منَ المسلم في أرضه وماشيته وماله، فأما الصبي والمعتوه منهم فإن أهل العراق يرون أن يؤخذ ضعف الصدقة من أرضه ولا يأخذون من ماشيته شيئا، وقال أهل الحجاز يؤخذ ذلك من ماشيته وأرضه، وقالوا جميعا: أن سبيل ما يؤخذ من أموال بني تغلب سبيل مال الخراج لأنه بدل منَ الجزية.
غزو الثغور الجزرية
قَالُوا: لما استخلف عُثْمَان بْن عَفَّان ﵁ كتب إِلَى معاوية بولايته
стр. 181
الشام وولى عمير بْن سَعْد الأنصاري الجزيرة ثُمَّ عزله وجمع لمعاوية الشام والجزيرة وثغورهما وأمره يغزو شمشاط وهي أرمينية الرابعة أن يغزيها فوجه إليها حبيب بْن مسلمة الفهري وصفوان بْن معطل السلمي: ففتحاها بعد أيام من نزولهما عليها عَلَى مثل صلح الرها وأقام صفوان بها، وبها توفي في آخر خلافة معاوية ويقال بل غزاها معاوية نفسه وهذان معه فولاها صفوان فأوطنها وتوفي بها قالوا: وقد كان قسطنطين الطاغة أناخ عليها بعد نزوله في ملطية في سنة ثلاث وثلاثين ومائة فلم يمكنه فيها شيء فأغار عَلَى ما حولها ثُمَّ انصرف ولم تزل شمشاط خراجية حَتَّى صيرها المتوكل عَلَى اللَّه ﵀ عشرية أسوة غيرها من الثغور، وقالوا: أغزى حبيب بْن مسلمة حصن كمخ بعد فتح شمشاط فلم يقدر عَلَيْهِ وغزاه صفوان فلم يمكنه فتحه ثُمَّ غزاه في سنة تسع وخمسين وهي السنة الَّتِي مات فيها ومعه عمير بْن الحباب السلمي فعلا عمير سوره ولم يزل يجالد عَلَيْهِ وحده حَتَّى كشف الروم وصعد المسلمون ففتحه لعمير بْن الحباب وبذلك كان يفخر ويفخر له، ثُمَّ أن الروم غلبوا عَلَيْهِ ففتحه مسلمة بْن عَبْد الملك ولم يزل يفتح وتغلب الروم عَلَيْهِ فلما كانت سنة تسع وأربعين ومائة شخص المَنْصُور عن بغداد حَتَّى نزل حديثه الموصل، ثُمَّ أغزى منها الْحَسَن بْن قحطبة وبعده مُحَمَّد بْن الأشعث وجعل عليهما العَبَّاس بْن مُحَمَّد وأمره أن يغزو بهم كمخ فمات مُحَمَّد بْن الأشعث بآمد وسار العَبَّاس والحسن حَتَّى صار إِلَى ملطية فحملا منها الميرة ثُمَّ أناخ عَلَى كمخ، وأمر العَبَّاس بنصب المناجنيق عَلَيْهِ فجعلوا عَلَى حصنهم خشب العرعر لئلا يضربه حجارة المنجنيق، ورموا المسلمين فقتلوا منهم بالحجارة مائتي رجل فاتخذ المسلمون الدبابات وقاتلوا قتالا شديدا حَتَّى فتحوه، وكان مع العباس ابن مُحَمَّد بْن علي في غزاته هَذِهِ مطر الوراق، ثم أن الروم أغلقوا كمخ فلما كانت سنة سبع وسبعين ومائة غزا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد الرَّحْمَنِ بن أبى
стр. 182
عمرة الأنصاري وهو عامل عَبْد الملك بْن صالح عَلَى شمشاط ففتحه ودخله لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر من هَذِهِ السنة فلم يزل مفتوحا حَتَّى كان هيج مُحَمَّد بْن الرشيد فهرب أهله وغلبت عَلَيْهِ الروم، ويقال أن عَبْد اللَّهِ بْن الأقطع دفعه إليهم وتخلص ابنه وكان أسيرا عندهم، ثُمَّ أن عَبْد اللَّهِ بْن طَاهِر فتحه في خلافة المأمون فكان في أيدي المسلمين حَتَّى لطف قوم من نصارى شمشاط وقاليقلا وبقراط بْن أشوط بطريق خلاط في دفعه إِلَى الروم والتقرب إليهم بذلك بسبب ضياع لهم فى عمل شمشاط.
فتح ملطية
وقالوا: وجه عياض بْن غنم حبيب بْن مسلمة الفهري من شمشاط إِلَى ملطية ففتحها ثُمَّ أغلقت، فلما ولي معاوية الشام والجزيرة وجه إليها حبيب ابن مسلمة ففتحها عنوة ورتب فيها رابطة منَ المسلمين مع عاملها وقدمها معاوية وهو يريد دخول الروم فشحنها بجماعة من أهل الشام والجزبرة وغيرهما فكانت طريق الصوائف، ثُمَّ أن أهلها انتقلوا عنها فى أيام عبد الله ابن الزبير وخرجت الروم فشعثتها ثُمَّ تركها فنزلها قوم منَ النصارى منَ الأرمن والنبط.
وحدثني مُحَمَّد بْن سَعْد عَنِ الواقدي في إسناده،: قَالَ كان المسلمون نزلوا طرندة بعد أن غزاها عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد الملك سنة ثلاث وثمانين وبنوا بها مساكن وهي من ملطية عَلَى ثلاث مراحل واغلة في بلاد الروم وملطية يومئذ خراب ليس بها إلا ناس من أهل الذمة منَ الأرمن وغيرهم فكانت تأتيهم طالعة من جند الجزيرة في الصيف فيقومون بها إلى أن ينزل الشتاء وتسقط الثلوج فإذا كان ذلك قفلوا، فلما ولي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه
стр. 183
رحل أهل طرندة عنها وهم كارهون، وذلك لاشفافه عليهم من العدو واحتملوا فلم يدعوا لهم شيئا حتى كسروا خوابي الخل والزيت، ثم أنزلهم مطلية وأخرب طرندة وولى مطلية جعونة بن الحارث أحد بني عامر بن صعصعة.
قَالُوا: وخرج عشرون ألفا منَ الروم في سنة ثلاث وعشرين ومائة فنزلوا عَلَى ملطية فأغلق أهلها أبوابها وظهر النساء عَلَى السور عليهن العمائم فقاتلن، وخرج رَسُول لأهل ملطية مستغيثا فركب البريد وسار حَتَّى لحق بهِشَام بْن عَبْد الملك وهو بالرصافة فندب هِشَام الناس إلى ملطية ثُمَّ أتاه الخبر بأن الروم قَدْ رحلت عنها فدعا الرسول فاخبره وبعث معه خيلا ليرابط بها وغزا هِشَام نفسه، ثُمَّ نزل ملطية وعسكر عليها حَتَّى بنيت فكان ممره بالرقة دخلها متقلدا سيفا ولم يتقلده قبل ذلك في أيامه.
قَالَ الواقدي: لما كانت سنة ثلاث وثلاثين ومائة أقبل قسطنطين الطاغية عامدا لملطية وكمخ يومئذ في أيدي المسلمين وعليها رجل من بني سليم فبعث أهل كمخ الصريخ إِلَى أهل ملطية فخرج إِلَى الروم منهم ثمانمائة فارس فواقعهم خيل الروم فهزمتهم ومال الرومي فأناخ عَلَى ملطية فحصر من فيها والجزيرة يومئذ مفتونة وعاملها موسى بْن كعب بحران فوجهوا رسولا لهم إليه فلم يمكنه إغاثتهم وبلغ ذلك قسطنطين فقال لهم: يا أهل ملطية إني لم آتيكم إلا عَلَى علم بأمركم وتشاغل سلطانكم عنكم انزلوا عَلَى الأمان واخلوا المدينة وأخربها وأمضى عنكم فأبوا عَلَيْهِ فوضع عليها المجانيق فلما جهدهم البلاء واشتد عليهم الحصار سألوه أن يوثق لهم ففعل، ثُمَّ استعدوا للرحلة وحملوا ما استدق لهم وألقوا كثيرا مما ثقل عليهم فى الآبار والمخابي ثُمَّ خرجوا وأقام لهم الروم صفين من باب المدينة إِلَى منقطع آخرهم مخترطي السيوف ظرف سيف كل واحد منهم مع طرف سيف الَّذِي يقابله حَتَّى كأنها عقد قنطرة
стр. 184
ثُمَّ شيعوهم حَتَّى بلغوا مأمنهم وتوجهوا نحو الجزيرة فتفرقوا فيها، وهدم الروم ملطية فلم يبقوا منها إلا هريا فإنهم شعثوا منه شيئا يسيرا وهدموا حصن قلوذية، فلما كانت سنة تسع وثلاثين ومائة كتب المَنْصُور إِلَى صالح ابن علي يأمره ببناء ملطية وتحصينها، ثُمَّ رأى أن يوجه عَبْد الوهاب بْن إِبْرَاهِيم الإمام واليا عَلَى الجزيرة وثغورها، فتوجه في سنة أربعين ومائة ومعه الْحَسَن بْن قحطبة في جنود أهل خراسان فقطع البعوث عَلَى أهل الشام والجزيرة فتوافى معه سبعون ألفا فعسكر عَلَى ملطية وقد جمع الفعلة من كل بلد فأخذ في بنائها وكان الْحَسَن بْن قحطبة ربما جمل الحجر حتى يناوله البناء وجعل يغدي الناس ويعشيهم من ماله مبرزا مطابخه فغاظ ذلك عَبْد الوهاب فكتب إِلَى أَبِي جَعْفَر يعلمه أنه يطعم الناس وأن الْحَسَن يطعم أضعاف ذلك التماسا لأن يطوله ويفسد ما يصنع ويهجنه بالإسراف والرياء وأن له منادين ينادون الناس إِلَى طعامه، فكتب إليه أَبُو جَعْفَر يا صبي يطعم الْحَسَن من ماله وتطعم من مالي ما أتيت إلا من صغر خطرك وقلة همتك وسفه رأيك، وكتب إِلَى الْحَسَن إن أطعم ولا تتخذ مناديا فكان الْحَسَن يقول من سبق إِلَى شرفة فله كذا فجد الناس في العمل حَتَّى فرغوا من بناء ملطية ومسجدها في ستة أشهر، وبنى للجند الَّذِينَ أسكنوها لكل عرافة بيتان سفليان وعليتان فوقهما واصطبل، والعرافة عشرة نفر إِلَى خمسة عشر رجلا وبنى لها مسلحة عَلَى ثلاثين ميلا منها، ومسلحة عَلَى نهر يدعى قباقب يدفع في الفرات وأسكن المَنْصُور ملطية أربعة آلاف مقاتل من أهل الجزيرة لأنها من ثغورهم عَلَى زيادة عشرة دنانير في عطاء كل رجل ومعونة مائة دينار سوى الجعل الَّذِي يتجاعله القبائل بينها ووضع فيها شحنتها منَ السلاح وأقطع الجند المزارع، وبنى حصن قلوذية وأقبل قسطنطين الطاغية في أكثر من مائة ألف فنزل جيحان فبلغه كثرة العرب
стр. 185
فأحجم عنها، وسمعت من يذكر أنه كان مع عبد الوهاب فى هذه الغزاة نصر ابن مَالِك الخزاعي ونصر بْن سَعْد الكاتب مولى الأنصار فقال الشاعر:
تكنفك النصران نَصْر بْن مَالِك ... ونصر بْن سَعْد عز نصرك من نصر
وفى سنة إحدى وأربعين ومائة أغزى مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم ملطية في جند من أهل خراسان وعلى شرطته المسيب بْن زهير فرابط بها لئلا يطمع فيها العدو فتراجع إليها من كان باقيا من أهلها، وكانت الروم عرضت لملطية في خلافة الرشيد فلم تقدر عليها وغزاهم الرشيد ﵀ فأشجاهم وقمعهم.
وقالوا: وجه أَبُو عُبَيْدة بْن الجراح وهو بمنبج خَالِد بْن الوليد إِلَى ناحية مرعش ففتح حصنها عَلَى أن جلا أهله ثُمَّ أخربه، وكان سُفْيَان بْن عوف الغامدي لما غزا الروم في سنة ثلاثين رحل من قبل مرعش فساح في بلاد الروم وكان معاوية بنى مدينة مرعش وأسكنها جندا فلما كان موت يزيد بْن معاوية كثرت غارات الروم عليهم فانتقلوا عنها وصالح عَبْد الملك الروم بعد موت أبيه مروان بْن الحكم وطلبه الخلافة عَلَى شيء كان يؤديه إليهم، فلما كانت سنة أربع وسبعين غزا مُحَمَّد بْن مروان الروم وانتقض الصلح، ولما كانت سنة خمس وسبعين غزا الصائفة أيضا مُحَمَّد بْن مروان وخرجت الروم في جمادى الأولى من مرعش إِلَى الأعماق فزحف إليهم المسلمون وعليهم أبان بْن الوليد بْن عقبة بْن أَبِي معيط ومعه دينار بْن دينار مولى عَبْد الملك بْن مروان، وكان عَلَى قنسرين وكورها فالتقوا بعمق مرعش فاقتتلوا قتالا شديدا فهزمت الروم واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، وكان دينار لقي في هَذَا العام جماعة منَ الروم بجسر يغرا، وهو من شمشاط عَلَى نحو من عشرة أميال فظفر بهم، ثُمَّ أن العَبَّاس بْن الوليد بْن عَبْد الملك صار إِلَى مرعش فعمرها وحصنها ونقل الناس إليها وبنى لها
стр. 186
مسجدا جامعا كان يقطع في كل عام عَلَى أهل قنسرين بعثا إليها، فلما كانت أيام مروان بْن مُحَمَّد وشغل بمحاربة أهل حمص خرجت الروم وحصرت مدينة مرعش حَتَّى صالحهم أهلها عَلَى الجلاء فخرجوا نحو الجزيرة وجند قنسرين بعيالاتهم ثُمَّ أخربوها وكان عامل مروان عليها يومئذ الكوثر بْن زفر بْن الحارث الكلابي، وكان الطاغية يومئذ قسطنطين بْن اليون، ثُمَّ لما فرغ مروان من أمر حمص وهدم سورها بعث جيشا لبناء مرعش فبنيت ومدنت فخرجت الروم فى قتلته فأخربتها فبناها صالح بْن علي في خلافة أَبِي جَعْفَر المَنْصُور وحصنها وندب الناس إليها عَلَى زيادة العطاء واستخلف المهدي فزاد في شحنتها وقوى أهلها.
حدثني مُحَمَّد بْن سَعْد عَنِ الواقدي، قَالَ: خرج ميخائيل من درب الحدث في ثمانين ألفا فأتى عمق مرعش فقتل وأحرق وسبى منَ المسلمين خلقا وصار إِلَى باب مدينة مرعش وبها عِيسَى بْن علي، وكان قَدْ غزا في تلك السنة فخرج إليه موالى عِيسَى وأهل المدينة ومقاتلتهم فرشقوه بالنبل والسهام فاستطرد لهم حَتَّى إذا نحاهم عَنِ المدينة كر عليهم فقتل من موالى عِيسَى ثمانية نفر واعتصم الباقون بالمدينة فأغلقوها فحاصرهم بها ثُمَّ انصرف حَتَّى نزل جيحان، وبلغ الخبر ثمامة بْن الوليد العبسي وهو بدابق، وكان قَدْ ولى الصائفة سنة إحدى وستين ومائة فتوجه إليه خيلا كثيفة فأصيبوا إلا من نجا منهم فاحفظ ذلك المهدي واحتفل لإغزاء الْحَسَن بْن قحطبة في العام المقبل وهو سنة اثنتين وستين ومائة. قالوا: وكان حصن الحدث مما فتح أيام عُمَر فتحه حبيب بْن مسلمة من قبل عياض بْن غنم وكان معاوية يتعهده بعد ذلك، وكان بنو أمية يسمون درب الحدث السلامة للطيرة لأن المسلمين كانوا أصيبوا به فكان ذلك الحدث فيما يقول بعض الناس، وقال قوم: لقي المسلمين غلام حدث عَلَى الدرب فقاتلهم في أصحابه فقيل درب
стр. 187
الحدث، ولما كان زمن فتنة مروان بْن مُحَمَّد خرجت الروم فهدمت مدينة الحدث وأجلت عنها أهلها كما فعلت بملطية، ثُمَّ لما كانت سنة إحدى وستين ومائة خرج ميخائيل إِلَى عمق مرعش ووجه المهدي الْحَسَن بْن قحطبة ساح فى بلاد الروم فتقلت وطأته عَلَى أهلها حَتَّى صوروه في كنائسهم، وكان دخوله من درب الحدث فنظر إِلَى موضع مدينتها فأخبر أن ميخائيل خرج منه فارتاد الْحَسَن موضع مدينته هناك فلما انصرف كلم المهدي في بنائها وبناء طرسوس فأمر بتقديم بناء مدينة الحدث، وكان في غزاة الْحَسَن هَذِهِ مندل العنزي المحدث الكوفي ومعتمر بْن سُلَيْمَان البصري فأنشأها عَلي بْن سُلَيْمَان ابن علي وهو عَلَى الجزيرة وقنسرين وسميت المحمدية، وتوفي المهدي مع فراغهم من بنائها فهي المهدية والمحمدية، وكان بناؤها باللبن، وكانت وفاته سنة تسع وستين ومائة واستخلف موسى الهادي ابنه فعزل عَلي بْن سُلَيْمَان وولى الجزيرة وقنسرين مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن علي، وقد كان علي بْن سُلَيْمَان فرغ من بناء مدينة الحدث وفرض مُحَمَّد لها فرضا من أهل الشام والجزيرة وخراسان في أربعين دينارا منَ العطاء وأقطعهم المساكن وأعطى كل امرئ ثلاثمائة درهم، وكان الفراغ منها في سنة تسع وستين ومائة، وقال أَبُو الخطاب: فرض علي بْن سُلَيْمَان بمدينة الحدث لأربعة آلاف فأسكنهم إياها ونقل إليها من ملطية وشمشاط وسميساط كيسوم ودلوك ورعبان ألفي رجل.
قَالَ الواقدي: ولما بنيت مدينة الحدث هجم الشتاء والثلوج وكثرت الأمطار، ولم يكن بناؤها بمستوثق منه ولا محتاط فيه فتثلمت المدينة وتشعثت ونزل بها الروم فتفرق عنها من كان فيها من جندها وغيرهم، وبلغ الخبر موسى فقطع بعثا مع المسيب بْن زهير وبعثا مع روح بْن حَاتِم وبعثا مع حَمْزَة بْن
стр. 188
مَالِك فمات قبل أن ينفذوا. ثُمَّ ولى الرشيد الخلافة فأمر ببنائها وتحصينها وشحنتها وإقطاع مقاتلتها المساكن والقطائع.
وقال غير الواقدي: أناخ بطريق من عظماء بطارقة الروم في جمع كثيف عَلَى مدينة الحدث حين بنيت وكان بناؤها بلبن قَدْ حمل بعضه عَلَى بعض وأضرت به الثلوج وهرب عاملها ومن فيها ودخلها العدو فحرق مسجدها وأخربها واحتمل أمتعة أهلها فبناها الرشيد حين استخلف.
وحدثني بعض أهل منبج، قَالَ: إن الرشيد كتب إِلَى مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بإقراره عَلَى عمله فجرى أمر مدينة الحدث وعمارتها من قبل الرشيد عَلَى يده ثُمَّ عزله.
قَالُوا: وكان مَالِك بْن عَبْد اللَّهِ الخثعمي الَّذِي يقال له مَالِك الصوائف وهو من أهل فلسطين غزا بلاد الروم سنة ست وأربعين وغنم غنائم كثيرة، ثُمَّ قفل: فلما كان من درب الحديث عَلَى خمسة عشر ميلا بموضع يدعى الرهوة أقام فيها ثلاثا فباع الغنائم وقسم سهام الغنيمة فسميت تلك الرهوة رهوة مَالِك.
قالوا: وكان مرج عَبْد الواحد حمى لخيل المسلمين فلما بنى الحدث وزبطرة استغنى عنه فازدرع، قَالُوا: وكانت زبطرة حصنا قديما روميا ففتح مع حصن الحدث القديم فتحه حبيب بْن مسلمة الفهري، وكان قائما إِلَى أن أخربته الروم في أيام الوليد بْن يزيد فبنى بناء غير محكم فأناخت الروم عَلَيْهِ في أيام فتنة مروان بْن مُحَمَّد فهدمته فبناه المَنْصُور، ثُمَّ خرجت إليه فشعثته فبناه الرشيد عَلَى يدي مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم وشحنه، فلما كانت خلافة المأمون: طرقه الروم فشعثوه وأغاروا عَلَى سرح أهله فاستاقوا لهم مواشي فأمر المأمون بمرمته وتحصينه، وقدم وفد طاغية الروم في سنة عشر ومائتين يسأل الصلح فلم يجبه إليه وكتب إِلَى عمال الثغور فساحوا في بلاد الروم فأكثروا فيها
стр. 189
القتل ودوخوها وظفروا ظفرا حسنا إلا أن يقظان بْن عَبْد الأعلى بْن أَحْمَد بْن يزيد بْن أسيد السلمي أصيب، ثُمَّ خرجت الروم إِلَى زبطرة في خلافة المعتصم بالله أَبِي إِسْحَاق بْن الرشيد فقتلوا الرجال وسبوا النساء وأخربوها فأحفظه ذلك وأغضبه، فغزاهم حَتَّى بلغ عمورية وقد أخرب قبلها حصونا فأناخ عليتها حَتَّى فتحها فقتل المقاتلة وسبى النساء والذرية ثُمَّ أخربها وأمر ببناء زبطرة وحصنها وشحنها فرامها الروم بعد ذلك فلم يقدروا عليها.
وحدثني أَبُو عَمْرو الباهلي وغيره، قَالُوا: نسب حصن مَنْصُور إِلَى مَنْصُور بْن جعونة بْن الحارث العامري من قيس، وذلك أنه تولى بناءه ومرمته، وكان مقيما به أيام مروان ليرد العدو ومعه جند كثيف من أهل الشام والجزيرة وكان مَنْصُور هَذَا عَلَى أهل الرها حين امتنعوا في أول الدولة فحصرهم المَنْصُور وهو عامل أَبِي العَبَّاس عَلَى الجزيرة وأرمينية، فلما فتحها هرب منصور ثم أو من فظهر، فلما خلع عَبْد اللَّهِ بْن علي أَبَا جَعْفَر المَنْصُور ولاه شرطته فلما هرب عَبْد اللَّهِ إِلَى البصرة استخفى فدل عَلَيْهِ في سنة إحدى وأربعين ومائة فأتى المَنْصُور به فقتله بالرقة منصرفه من بيت المقدس، وقوم يقولون: أنه أو من بعد هرب ابْن علي فظهر، ثُمَّ وجدت له كتب إِلَى الروم بغش الإِسْلام فلما قدم المَنْصُور الرقة من بيت المقدس سنة إحدى وأربعين ومائة وجه من أتاه به فضرب عنقه بالرقة ثُمَّ انصرف إِلَى الهاشمية بالكوفة.
وكان الرشيد بنى حصن مَنْصُور وشحنه في خلافة المهدي.
نقل ديوان الرومية
قَالُوا: ولم يزل ديوان الشام بالرومية حَتَّى ولي عَبْد الملك بْن مروان، فلما كانت سنة إحدى وثمانين أمر بنقله وذلك أن رجلا من كتاب الروم احتج أن
стр. 190
يكتب شيئا فلم يجد ماء فبال في الدواة، فبلغ ذلك عَبْد الملك فأدبه، وأمر سُلَيْمَان بْن سَعْد بنقل الديوان فسأله أن يعينه بخراج الأردن سنة ففعل ذلك، وولاه الأردن فلم تنقض السنة حَتَّى فرغ من نقله وأتى به عَبْد الملك فدعا بسرجون كاتبه فعرض ذلك عَلَيْهِ فغمه وخرج من عنده كثيبا فلقيه قوم من كتاب الروم، فقال: اطلبوا المعيشة من غير هَذِهِ الصناعة فقد قطعها اللَّه عنكم، قَالَ: وكانت وظيفة الأردن الَّتِي قطعها معونة مائة ألف وثمانين ألف دينار ووظيفة فلسطين ثلاثمائة ألف خمسين ألف دينار ووظيفة دمشق أربعمائة ألف دينار ووظيفة حمص مع قنسرين والكور الَّتِي تدعى اليوم العواصم ثمانمائة ألف دينار، ويقال: سبعمائة ألف دينار.
فتوح أرمينية
حدثني مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل من ساكني برذعة وغيره عن أَبِي براء عنبسة ابن بحر الأرمني، وحدثني مُحَمَّد بْن بشر القالي عن أشياخه، وبرمك بْن عَبْد اللَّهِ الديلي، وَمُحَمَّد بْن المخيس الخلاطي وغيرهم عن قوم من أهل العلم بأمور أرمينية، سقت حديثهم ورددت من بعضه عَلَى بعض، قَالُوا: كانت شمشاط وقاليقلا وخلاط وأرجيش وباجنيس تدعى أرمينية الرابعة: وكانت كورة البسفرجان ودبيل وسراج طير وبغروند تدعى أرمينية الثالثة وكانت جرزان تدعى أرمينية الثانية، وكانت السيسجان وأران تدعى أرمينية الأولى ويقال كانت شمشاط وحدها أرمينية الرابعة، وكانت قاليقلا وخلاط وأرجيش وباجنيس تدعى أرمينية الثالثة، وسراج طير وبغروند ودبيل والبسفرجان تدعى أرمينية الثانية، وسيسجان وأراد وتفليس تدعى أرمينية الأولى وكانت جرزان وأران فى أيدى الخزر وسابر أرمينية في أيدي الروم يتولاها صاحب
стр. 191
أرمنياقس، وكانت الخزر تخرج فتغير وربما بلغت الدينور فوجه قباذ بْن فيروز الملك قائد من عظماء قواده في اثني عشر ألفا فوطئ بلاد أران وفتح ما بَيْنَ النهر الَّذِي يعرف بالرس إِلَى شروان، ثُمَّ أن قباذ لحق به فبنى بأران مدينة البيلقان، ومدينة برذنة، وهي مدينة الثغر كله، ومدينة قبله، وهي الخزر ثُمَّ بنى سد اللبن فيما بَيْنَ أرض شروان وباب اللان، وبنى عَلَى سد اللبن ثلاثمائة وستين مدينة خربت بعد بناء الباب والأبواب، ثُمَّ أن ملك بعد قباذ ابنه أنوشروان كسرى بْن قباذ فبنى مدينة الشابران ومدينة مسقط، ثُمَّ بنى مدينة الباب والأبواب، وإنما سميت أبوابا لأنها بنيت عَلَى طريق في الجبل وأسكن ما بنى من هَذِهِ المواضع قوما سماهم السياسيجين، وبنى بأرض أران أبواب شكن والقميبران وأبواب الدودانية، وهم أمة يزعمون أنهم من بنى دودان بْن أسد بْن خزيمة وبنى الدرذوقية وهي اثنا عشر بابا كل باب منها قصر من حجارة وبنى بأرض جرزان مدينة، يقال لها. سغدبيل وأنزلها قوما منَ السغد وأبناء فارس وجعلها مسلحة، وبنى مما يلي الروم في بلاد جرزان قصرا يقال له باب فيروز قباذ، وقصرا يقال له. باب لاذقة، وقصرا يقال له، باب بارقة وهو عَلَى بحر طرابزندة، وبنى باب اللان، وباب سمسخى، وبنى قلعة الجردمان وقلعة سمشلدى، وفتح أنوشروان جميع ما كان في أيدي الروم من أرمينية وعمر مدينة دبيل وحصنها، وبنى مدينة النشوى وهي مدينة كورة البسفرجان، وبنى حصن ويص، وقلاعا بأرض السيسجان، منها قلعة الكلاب، وساهيونس وأسكن هَذِهِ الحصون والقلاع ذوي البأس والنجدة من سياسجية، ثُمَّ أن أنوشروان كتب إلى ملك الترك يسأله الموادعة والصلح وأن يكون أمرهما واحدا وخطب إليه ابنته ليؤنسه بذلك وأظهر له الرغبة في صهره وبعث إليه بأمة كانت تبنتها امرأة من نسائه وذكر أنها ابنته، فهدى التركي ابنته إليه، ثُمَّ قدم عَلَيْهِ فالتقيا بالبرشلية
стр. 192
وتنادما أياما وأنس كل واحد منهما بصاحبه وأظهر بره، وأمر أنوشروان جماعة من خاصته وثقاته أن يبيتوا طرفا من عسكر التركي ويحرقوا فيه ففعلوا فلما أصبح شكا ذلك إِلَى أنوشروان فأنكر أن يكون أمر به أو علم أن أحدا من أصحابه فعله، ولما مضت لذلك ليالي أمر أولئك القوم بمعاودة مثل الَّذِي كان منهم ففعلوا فضج التركي من فعلهم حَتَّى رفق به أنوشروان واعتذر إليه فسكن ثُمَّ أن أنوشروان أمر فألقيت النار في ناحية من عسكره لم يكن بها إلا أكواخ قَدِ اتخذت من حشيش وعيدان فلما أصبح ضج أنوشروان إِلَى التركي، وقال: كاد أصحابك يذهبون بعسكري وقد كافأتني بالظنة فحلف أنه لم يعلم بشيء مما كان سببا فقال أنوشروان: يا أخي جندنا وجندك قَدْ كرهوا صلحنا لانقطاع ما انقطع عنهم منَ النيل في الغارات والحروب الَّتِي كانت تكون بيننا ولا أمن أن يحدثوا أحداثا يفسد قلوبنا بعد تصافينا وتخالصنا حَتَّى نعود إِلَى العداوة بعد الصهر والمودة، والرأي أن تأذن لي في بناء حائط يكون بيني وبينك ونجعل عَلَيْهِ بابا فلا يدخل إليك من عندنا وإلينا من عندك إلا من أردت وأردنا، فأجابه إِلَى ذلك فانصرف إِلَى بلاده وأقام أنوشروان لبناء الحائط فبناه وجعله من قبل البحر بالصخر والرصاص وجعل عرضه ثلاثمائة ذراع وألحقه برؤوس الجبال وأمر أن تحمل الحجارة في السفن وتغريقها في البحر حَتَّى إذا ظهرت عَلَى وجه الماء بنى عليها فقاد الحائط في البحر ثلاثة أميال، فلما فرغ من بنائه علق عَلَى المدخل منه أبواب حديد ووكل به مائة فارس يحرسونه بعد أن كان موضعه يحتاج إِلَى خمسين ألفا منَ الجند، وجعل عَلَيْهِ دبابة فقيل لخاقان بعد ذلك إنه خدعك وزوجك غير ابنته وتحصن منك فلم يقدر عَلَى حيلة.
وملك أنوشروان ملوكا رتبهم وجعل لكل امرئ منهم شاهية ناحية فمنهم خاقان الجبل، وهو صاحب السرير ويدعى وهرارزانشاه، ومنهم ملك
стр. 193
فيلان وهو فيلان شاة، ومنهم طبرسرانشاة وملك اللكز ويدعى جرششانشاه وملك مسقط وقد بطلت مملكته، وملك ليران ويدعى ليرانشاه، وملك شروان ويدعى شروانشاه، وملك صاحب بخ عَلَى بخ وصاحب زريكران عليها وأقر ملوك جبل القبق عَلَى ممالكهم وصالحهم عَلَى الإوتاوة فلم تزل أرمينية في أيدي الفرس حَتَّى ظهر الإِسْلام فرفض كثير منَ السياسيجين حصونهم ومدائنهم حَتَّى خربت وغلب الخزر والروم عَلَى ما كان في أيديهم بديا.
قَالُوا: وقد كانت أمور الروم تستب في بعض الأزمنة وصاروا كملوك الطوائف فملك أرمنياقس رجل منهم، ثُمَّ مات فملكتها بعده امرأته وكانت تسمى قالى فبنت مدينة قاليقلا وسمتها قاليقاله، ومعنى ذلك إحسان قالى، قَالَ:
وصورت عَلَى باب من أبوابها فأعربت العرب قاليقاله فقالوا قاليقلا.
قَالُوا: ولما استخلف عُثْمَان بْن عَفَّان كتب إِلَى معاوية وهو عامله عَلَى الشام والجزيرة وثغورها يأمره أن يوجه حبيب بْن مسلمة الفهري إِلَى أرمينية وكان حبيب ذا أثر جميل في فتوح الشام وغزو الروم. قَدْ علم ذلك منه عُمَر ثُمَّ عُثْمَان ﵄ ثُمَّ من بعده.
ويقال: بل كتب عُثْمَان إِلَى حبيب يأمره بغزو أرمينية وذلك أثبت، فنهض إليها في ستة آلاف ويقال في ثمانية آلاف من أهل الشام والجزيرة فأت ى قاليقلا فأناخ عليها وخرج إليه أهلها فقاتلهم ثُمَّ ألجأهم إِلَى المدينة فطلبوا الأمان عَلَى الجلاء والجزية فجلا كثير منهم فلحقوا ببلاد الروم، وأقام حبيب بها فيمن معه أشهرا، ثُمَّ بلغه أن بطريق أرمنياقس قد جمع للمسلين جمعا عظيما وانضمت إليه أمداد أهل اللان وأفخاز وسمندر منَ الخزر فكتب إِلَى عُثْمَان يسأله المدد فكتب إِلَى معاوية يسأله أن يشخص إليه من أهل الشام والجزيرة قوما ممن يرغب في الجهاد والغنيمة فبعث إليه
стр. 194
معاوية ألفي رجل أسكنهم قاليقلا وأقطعهم بها القطائع وجعلهم مرابطة بها ولما ورد عَلَى عُثْمَان كتاب حبيب كتب إِلَى سَعِيد بْن العاصي بن سعيد بن العاصي بْن أمية وهو عامله عَلَى الكوفة يأمره بإمداده بجيش عَلَيْهِ سلمان بْن ربيعة الباهلي وهو سلمان الخيل، وكان خيرا فاضلا غزاء فسار سلمان الخيل إليه في ستة آلاف رجل من أهل الكوفة، وقد أقبلت الروم ومن معها فنزلوا عَلَى الفرات، وقد أبطأ عَلَى حبيب المدد فبيتهم المسلمون فاجتاحوهم وقتلوا عظيمهم وقالت أم عَبْد اللَّهِ بنت يزيد الكلبية امرأة حبيب ليلتئذ له أين موعدك، قَالَ: سرادق الطاغية أو الجنة، فلما انتهى إِلَى السرادق وجدها عنده قَالُوا: ثُمَّ أن سلمان ورد وقد فرغ المسلمون من عدوهم فطلب أهل الكوفة إليهم أن يشركوهم في الغنيمة فلم يفعلوا حَتَّى تغالظ حبيب وسلمان في القول وتوعد بعض المسلمين سلمان بالقتل قَالَ الشاعر:
إن تقتلوا سلمان نقتل حبيبكم ... وإن ترحلوا نحو ابن عفان ترحل
وكتب إِلَى عُثْمَان بذلك فكتب: أن الغنيمة باردة لأهل الشام، وكتب إِلَى سلمان يأمره بغزو أران، وقد روى بعضهم: أن سلمان بْن ربيعة توجه إِلَى أرمينية في خلافة عُثْمَان فسبى وغنم وانصرف إِلَى الوليد بْن عقبة وهو بحديثة الموصل سنة خمس وعشرين فأتاه كتاب عُثْمَان يعلمه أن معاوية كتب يذكر أن الروم قَدْ أجلبوا عَلَى المسلمين بجموع عظيمة يسأل المدد ويأمره أن يبعث إليه ثمانية آلاف رجل فوجه بهم وعليهم سلمان بْن ربيعة الباهلي ووجه معاوية حبيب بْن مسلمة الفهري معه في مثل تلك العدة فافتتحا حصونا وأصابا سبيا وتنازعا الإمارة وهم أهل الشام بسلمان فقال الشاعر:
إن تقتلوا «البيت» .
والخبر الأول أثبت. حدثني به عدة من مشايخ أهل قاليقلا وكتب إِلَى به العطاف بْن سُفْيَان أَبُو الأصبغ قاضيها.
стр. 195
وحدثني مُحَمَّد بْن سَعْد عَنِ الواقدي عن عَبْد الحميد بْن جَعْفَر عن أبيه قَالَ: حاصر حبيب بْن مسلمة أهل دبيل فأقام عليها فلقيه الموريان الرومي فبيته وقتله وغنم ما كان في عسكره، ثُمَّ قدم سلمان عَلَيْهِ، والثبت عندهم أنه لقيه بقاليقلا.
وحدثني مُحَمَّد بْن بشر وابن ورز القالياني عن مشايخ أهل قاليقلا قَالُوا: لم تزل مدينة قاليقلا مذ فتحت ممتنعة بمن فيها من أهلها حَتَّى خرج الطاغية في سنة ثلاث وثلاثين ومائة فحصر أهل ملطية وهدم حائطها وأجلى من بها منَ المسلمين إِلَى الجزيرة ثُمَّ نزل مرج الحصى فوجه كوسان الأرمني حَتَّى أناخ عَلَى قاليقلا فحصرها وأهلها يومئذ قليل وعاملها أَبُو كريمة فنقب إخوان منَ الأرمن من أهل مدينة قاليقلا ردما كان في سورها وخرجا إِلَى كوسان فأدخلاه المدينة فغلب عليها فقتل وسبى وهدمها وساق ما حوى إِلَى الطاغية وفرق السبي عَلَى أصحابه.
وقال الواقدي: لما كانت سنة تسع وثلاثين ومائة فادى المَنْصُور بمن كان حيا من أساري أهل قاليقلا وبنى قاليقلا وعمرها ورد من فادى به إليها وندب إليها جندا من أهل الجزيرة وغيرهم، وقد كان طاغية الروم خرج إِلَى قاليقلا في خلافة المعتصم بالله فرمى سورها حَتَّى كاد يسقط فأنفق المعتصم عليها خمسمائة ألف درهم حَتَّى حصنت.
قَالُوا: ولما فتح حبيب مدينة قاليقلا سار حَتَّى نزل مربالا فأناه بطريق خلاط بكتاب عياض بْن غنم، وكان عياض قَدْ أمنه عَلَى نفسه وماله وبلاده وقاطعه عَلَى إتاوة فأنفذه حبيب له ثُمَّ نزل منزلا بَيْنَ الهرك ودشت الورك فأتاه بطريق خلاط بما عَلَيْهِ منَ المال وأهدى له هدية لم يقبلها منه ونزل
стр. 196
خلاط ثم سار منها إلى الصسابه فلقيه بها صاحب مكس، وهى ناحية من نواحي البسرجان فقاطعه عَلَى بلاده ووجه معه رجلا وكتب له كتاب صلح وأمان ووجه إِلَى قرى أرجيش وباجنيس من غلب عليها وجبى جزية رؤس أهلها وأتاه وجوههم فقاطعهم على خراجها، فأما بحيرة الطريخ فلم يعرض لها ولم تزل مباحة حَتَّى ولى مُحَمَّد بْن مروان بْن الحكم الجزيرة وأرمينية فحوى صيدها وباعه فكان يستغلها، ثُمَّ صارت لمروان بْن مُحَمَّد فقبضت عنه، قَالَ:
ثُمَّ سار حبيب وأتى ازدساط وهي قرية القرمز وأجاز نهر الأكراد ونزل مرج دبيل فسرب الخيول إليها، ثُمَّ زحف حتى نزل على بابها فتصحن أهلها ورموه فوضع عليها منجنيقا ورماهم حَتَّى [١] طلبوا الأمان والصلح فأعطاهم إياه وجالت خيوله فنزلت جرنى وبلغت أشوش وذات اللجم والجبل كونتة (؟) ووادي الأحرار وغلبت عَلَى جميع قرى دبيل ووجه إِلَى سراج طير وبغروند فأتاه بطريقه فصالحه عنها عَلَى إتاوة يؤديها وعلى مناصحة المسلمين وقراهم ومعاونتهم عَلَى أعدائهم وكان كتاب صلح دبيل.
بسم اللَّه الرَّحْمَنِ الرحيم: هَذَا كتاب من حبيب بْن مسلمة لنصارى أهل دبيل ومجوسها ويهودها شاهدهم وغائبهم: إني أمنتكم عَلَى أنفسكم وأموالكم وكنائسكم وبيعكم وسور مدينتكم فأنتم آمنون وعلينا الوفاء لكم بالعهد ما وفيتم وأديتم الجزية والخراج شهد اللَّه «وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً» ٤: ٧٩ وختم حبيب بْن مسلمة.
ثُمَّ أتى حبيب النشوى ففتحها عَلَى مثل صلح دبيل وقدم عَلَيْهِ بطريق البسفرجان فصالحه عن جميع بلاده وأرضى هصابنه (كذا) وأفارستة (كذا) عَلَى خرج يؤديه في كل سنة، ثُمَّ أتى السيسجان فحاربهم أهلها فهزمهم وغلب على
стр. 197
ويص وصالح أهل القلاع بالسيسجان عَلَى خرج يؤدونه ثُمَّ سار إِلَى جرزان.
حدثني مشايخ من أهل دبيل منهم برمك بْن عَبْد الله، قالوا، سار حبيب ابن مسلمة بمن معه يريد جرزان فلما انتهوا إِلَى ذات اللجم سرحوا بعض دوابهم وجمعوا لجمها فخرج عليهم قوم منَ العلوج فأعجلوهم عَنِ الألجام فقاتلوهم فكشفوهم العلوج وأخذا تلك اللجم وما قدروا عَلَيْهِ منَ الدواب ثُمَّ إنهم كروا عليهم فقتلوهم وارتجعوا ما أخذوا منهم فسمي الموضع ذات اللجم، قالوا: وأتى حبيبا رَسُول بطريق جرزان وأهلها وهو يريدها فأدى إليه رسالتهم وسأله كتاب صلح وأمان لهم فكتب حبيب إليهم.
«أما بعد» فإن نقلي رسولكهم قدم علي وعلى الَّذِينَ معي منَ الْمُؤْمِنِين فذكر عنكم أنا أمة أكرمنا اللَّه وفضلنا، وكذلك فعل الله وله الحمد كثيرا، صلى اللَّه عَلَى مُحَمَّد نبيه وخيرته من خلقه وعليه السلام، وذكرتم أنكم أحببتم سلمنا وقد قومت هديتكم وحسبتها من جزيتكم وكتب لكم أمانا واشترطت فيه شرطا فإن قبلتموه ووفيتم به وإلا فأذنوا بحرب منَ اللَّه ورسوله والسلام عَلَى منَ اتبع الهدى.
ثُمَّ ورد تفليس وكتب لأهلها صلحا.
بسم اللَّه الرَّحْمَنِ الرحيم: هَذَا كتاب من حبيب بْن مسلمة لأهل طفليس من منجليس من جرزان القرمز بالأمان عَلَى أنفسهم وبيعهم وصوامعهم وصلواتهم ودينهم عَلَى إقرار بالصغار والجزية عَلَى كل أهل بيت دينار وليس لكم أن تجمعوا بَيْنَ أهل البيوتات تخفيفا للجزية ولا لنا أن نفرق بينهم استكثارا منها ولنا نصيحتكم وضلعكم عَلَى أعداء اللَّه ورسوله ﷺ ما استطعتم وقرى المسلم المحتاج ليلة بالمعروف من حلال طعام أهل
стр. 198
الكتاب لنا وان انقطع برجل منَ المسلمين عندكم فعليكم أداؤه إِلَى أدنى فئة منَ الْمُؤْمِنِين إلا أن يحال دونهم وإن أنبتم وأقمتم الصلاة فإخواننا في الدين وإلا فالجزية عليكم، وإن عرض للمسلمين شغل عنكم فقهركم عدوكم فغير مأخوذين بذلك ولا هُوَ ناقض عهدكم، هَذَا لكم وهذا عليكم شهد اللَّه وملائكته وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ٤: ٧٩.
وكتب الجراح بْن عَبْد اللَّهِ الحكمي لأهل تفليس كتابا نسخته بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من الجراح بْن عَبْد اللَّهِ لأهل تفليس من رستاق منجليس من كورة جرزان أنه أتوني بكتاب أمان لهم من حبيب بْن مسلمة عَلَى الإقرار بصغار الجزية وأنه صالحهم عَلَى أرضين لهم وكروم وأرحاء يقال لها وارى، وسابينا من رستاق منجليس وعن طعام وديدونا من رستاق قحويط من جرزان عَلَى أن يؤدوا عن هَذِهِ الأرحاء والكروم في كل سنة مائة درهم بلا ثانية فأنفذت لهم أمانهم وصلحهم وأمرت الأيراد عليهم فمن قرئ عَلَيْهِ كتابي فلا يتعد ذلك فيهم إن شاء اللَّه وكتب، قَالُوا: وفتح حبيب حوارح وكسفربيس وكسال وخنان وسمسخى والجردمان وكستسجى وشوشت وبازليت صلحا عَلَى حقن دماء أهلها وإقرار مصلياتهم وحيطانهم وعلى أن يؤدوا إتاوة عن أرضهم ورؤسهم وصالح أهل قلرجيت وأهل ثرياليت وخاخيط وخوخيط وأرطهال وباب اللال وصالح الصنارية والدودانية عَلَى إتاوة، قَالُوا وسار سلمان بْن ربيعة الباهلي حين أمره عُثْمَان بالمسير إِلَى أران ففتح مدينة البيلقان صلحا عَلَى أن أمنهم عَلَى دمائهم وأموالهم وحيطان مدينتهم واشترط عليهم أداء الجزية والخراج ثُمَّ أتى سلمان برذعة فعسكر عَلَى الثرثور وهو نهر منها عَلَى أقل من فرسخ فأغلق أهلها دونه أبوابهم فعاناها أياماوشن الغارات في قراها، وكانت زروعها مستحصدة
стр. 199
فصالحوه عَلَى مثل صلح البيلقان وفتحوا له أبوابها فدخلها وأقام بها ووجه خيله ففتحت شفشين والمسفوان وأود والمصريان والهرحليان وتبار وهي رساتيق وفتح غيرها من أران، ودعا أكراد البلاسجان إِلَى الإسلام فقاتلوه فظفر بهم فأقر بعضهم بالجزية وأدى بعض الصدقة وهم قليل.
وحدثني جماعة من أهل برذعة، قَالُوا: كانت شمكور مدينة قديمة فوجه سلمان بْن ربيعة الباهلي من فتحها فلم تزل مسكونة معمورة حَتَّى أخربها الساوردية وهم قوم تجمعوا في أيام انصرف يزيد بْن أسيد عن أرمينية فغلظ أمرهم وكثرت نوائبهم ثُمَّ أن بغا مولى المعتصم بالله ﵀ عمرها في سنة أربعين ومائتين وهو والى أرمينية وأذربيجان وشمشاط وأسكنها قوما خرجوا إليه منَ الخزر مستأمنين لرغبتهم في الإِسْلام ونقل إليها التجار من برذعة وسماها المتوكلية، قالوا: وسار سلمان إِلَى مجمع الرس والكر خلف برديج فعبر الكر ففتح قبلة وصالحه صاحب شكن والقميبران عَلَى إتاوة وصالحه أهل خيزان وملك شروان وسائر ملوك الجبال وأهل مسقط والشابران ومدينة الباب ثُمَّ أغلقت بعده ولقيه خاقان في خيوله خلف نهر البلنجر فقتل ﵀ في اربعة آلاف منَ المسلمين فكان يسمع في مأزقهم التكبير، وكان سلمان بْن ربيعة أول منَ استقضى بالكوفة أقام أربعين يوما لا يأتيه خصم، وقد روى عن عُمَر بْن الخطاب، وفي سلمان وقتيبة بْن مُسْلِم يقول ابْن جمانة الباهلي:
وإن لنا قبرين قبر بلنجر ... وقبر بصين استان يا لك من قبر
فذاك الَّذِي بالصين عمت فتوحه ... وهذا الَّذِي يسقى به سبل القطر
وكان مع سلمان ببلنجر قرظة بْن كعب الأنصاري وهو جاء بنعيه إِلَى عُثْمَان، قَالُوا: ولما فتح حبيب ما فتح من أرض أرمينية كتب به إِلَى عُثْمَان بْن عَفَّان فوفاه كتابه وقد نعي إليه سلمان فهم أن يوليه جميع أمينية، ثُمَّ رأى أن
стр. 200
يجعله غازيا بثغور الشام والجزيرة لغنائه فيما كان ينهض له من ذلك فولى ثغر أرمينية حذيفة بْن اليمان العبسي فشخص إِلَى برذعة ووجه عماله عَلَى ما بينها وبين قاليقلا وإلى خيزان فورد عَلَيْهِ كتاب عُثْمَان يأمره بالانصراف وتخليف صلة بْن زفر العبسي، وكان معه فخلفه وسار حبيب راجعا إِلَى الشام وكان يغزو الروم ونزل حمص فنقله معاوية إِلَى دمشق فتُوُفِّيَ بها سنة اثنتين وأربعين وهو ابْن خمس وثلاثين سنة، وكان معاوية وجه حبيبا في جيش لنصرة عُثْمَان حين حوصر، فلما انتهى إِلَى وادى القرى بلغه مقتل عُثْمَان فرجع، قَالُوا: وولى عُثْمَان المغيرة بْن شعبة أذربيجان وأرمينية، ثُمَّ عزله وولى القاسم بن ربيعة ابن أمية بْن أَبِي الصلت الثقفي أرمينية ويقال: ولاها عَمْرو بْن معاوية بْن المنتفق العقيلي، وبعضهم يقول وليها رجل من بنى كلاب بعد المغيرة خمس عشرة سنة ثُمَّ وليها العقبلى وولى الأشعث بْن قيس لعلي بْن أَبِي طالب ﵁ أرمينية وأذربيجان ثُمَّ وليها عَبْد اللَّهِ بْن حَاتِم بْن النعمان بْن عَمْرو الباهلي من قبل معاوية فمات بها فوليها عَبْد الْعَزِيزِ بْن حَاتِم بْن النعمان أخوه فبنى مدينة دبيل وحصنها وكبر مسجدها وبنى مدينة النشوى ورم مدينة برذعة ويقال: أنه جدد بناءها وأحكم حفر الفارقين حولها وجدد بناء مدينة البيلقان، وكانت هَذِهِ المدن متشعثة مستهدمة، ويقال أن الَّذِي جدد بناء برذعة مُحَمَّد بْن مروان في أيام عَبْد الملك بْن مروان، وقال الواقدي: بني عَبْد الملك مدينة برذعة عَلَى يد حَاتِم بْن النعمان الباهلي أو ابنه، وقد كان عَبْد الملك ولى عُثْمَان بْن الوليد بْن عقبة بْن أَبِي معيط، أرمينية، قَالُوا: ولما كانت فتنة ابْن الزبير انتقضت أرمينية وخالف أحرارها وأتباعهم فلما ولى مُحَمَّد بْن مروان من قبل أخيه عَبْد الملك أرمينية حاربهم فظفر بهم فقتل وسبى وغلب عَلَى البلاد، ثُمَّ وعد من بقى منهم أن يعرض لهم في الشرف فاجتمعوا لذلك في كنائس من عمل خلاط فأغلقها عليهم
стр. 201
ووكل بأبوابها ثم خوفهم، وفي تلك الغزاة سبيت أم يزيد بْن أسيد منَ السيسجان وكانت بنت بطريقها، قَالُوا: وولى سُلَيْمَان بْن عَبْد الملك أرمينية عدي بْن عدي بْن عميرة الكندي، وكان عدي بْن عميرة ممن نزل الرقة مفارقا لعلي بْن أَبِي طالب ثُمَّ ولاه إياها عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ وهو صاحب نهر عدي بالبيلقان، وروى بعضهم أن عامل عُمَر كان حَاتِم بْن النعمان، وليس ذلك بثبت، ثُمَّ ولى يزيد بْن عَبْد الملك معلق بْن صفار البهراني ثُمَّ عزله وولى الحارث بْن عَمْرو الطائي فغزا أهل اللكز ففتح رستاق حسمدان، وولى الجراح بْن عَبْد اللَّهِ الحكمي من مذحج أرمينية فنزل برذعة فرفع إليه اختلاف مكاييلها وموازينها فأقامها عَلَى العدل والوفاء واتخذ مكيالا يدعى الجراحي فأهلها يتعاملون به إِلَى اليوم، ثُمَّ أنه عبر الكر وسار حَتَّى قطع النهر المعروف بالسمور وصار إِلَى الخزر فقتل منهم مقتلة عظيمة وقاتل أهل بلاد حمزين، ثُمَّ صالحهم عَلَى أن نقلهم إِلَى رستاق خيزان وجعل لهم قريتين منه وأوقع بأهل غوميك وسبى منهم، ثُمَّ قفل فنزل شكى وشتا جنده ببرذعة والبيلقان وجاشت الخزر وعبرت الرس فحاربهم في صحراء ورثان، ثُمَّ انحازوا إِلَى ناحية أردبيل فواقعهم عَلَى أربعة فراسخ مما يلي أرمينية فاقتلوا ثلاثة أيام فاستشهد ومن معه فسمى ذلك النهر نهر الجراح ونسب جسر عَلَيْهِ إِلَى الجراح أيضا، ثُمَّ أن هِشَام بْن عَبْد الملك ولى مسلمة بْن عَبْد الملك أرمينية ووجه عَلَى مقدمته سَعِيد بن عمروا بْن أسود الحرشي ومعه إِسْحَاق بْن مُسْلِم العقيلي وأخوته وجعونة بْن الحارث بْن خَالِد أحد بني عَامِر بْن ربيعة بْن صعصعة وذفافة وخالد أبنا عمير بْن الحباب السلمي والفرات بْن سلمان الباهلي والوليد بْن القعقاع العبسي فواقع الخزر وقد حاصروا ورثان فكشفهم عنها وهزمهم فأتوا ميمذ من عمل أذربيجان، فلما تهيأ لقتالهم أتاه كتاب مسلمة بْن عَبْد الملك يلومه عَلَى قتاله الخزر قبل قدومه ويعلمه أن قَدْ
стр. 202
ولى أمر عسكره عَبْد الملك بْن مُسْلِم العقيلي، فلما سلم العسكر أخذه رَسُول مسلمة فقيده وحمله إِلَى برذعة فحبس في سجنها وانصرف الخزر فاتبعهم مسلمة وكتب بذلك إِلَى هِشَام فكتب إليه:
أتتركهم بميمذ قَدْ تراهم ... وتطلبهم بمنقطع التراب
وأمر بإخراج الحرشي منَ السجن، قَالُوا: وصالح مسلمة أهل خيزان وأمر بحصنها فهدم واتخذ لنفسه به ضياعا وهي اليوم تعرف بحوز خيزان وسالمه ملوك الجبال فصار إليه شروانشاه وليرانشاه وطبرسرانشاه وفيلانشاه وخرشا خرشانشاه وصار إليه صاحب مسقط وصمد لمدينة الباب ففتحها وكان في قلعتها ألف أهل بيت منَ الخزر فحاصرهم ورماهم بالحجارة ثُمَّ بحديد اتخذه عَلَى هيئة الحجارة فلم ينتفع بذلك، فعمد إليه العين الَّتِي كان أنوشروان أخرى منها الماء إِلَى صهريجهم فذبح البقر والغنم وألقى فيه الفرث والحلتيت فلم يمكث ماؤهم إلا ليلة حَتَّى دود وأنتن وفسد، فلما جن عليهم الليل هربوا وأخلوا القلعة وأسكن مسلمة بْن عَبْد الملك مدينة الباب والأبواب أربعة وعشرين ألفا من أهل الشام عَلَى العطاء فأهل الباب اليوم لا يدعون عاملا يدخل مدينتهم إلا ومعه مال يفرقه بينهم، وبنى هريا للطعام وهريا للشعير وخزانة للسلاح وأمر بكبس الصهريج ورم المدينة وشرفها، وكان مروان بْن مُحَمَّد مع مسلمة وواقع معه الخزر فأبلى وقاتل قتالا شديدا، ثُمَّ ولى هِشَام بعد مسلمة سَعِيد الحرشي فأقام بالثغر سنتين ثُمَّ ولى الثغر مروان بْن مُحَمَّد فنزل كسال وهو بنى مدينتها وهي من برذعة عَلَى أربعين فرسخا ومن تفليس عَلَى عشرين فرسخا ثُمَّ دخل أرض الخزر مما يلي باب اللان وأدخلهما أسيد بْن زافر السلمي أَبَا يزيد ومعه ملوك الجبال من ناحية الباب والأبواب فأغار مروان عَلَى صقالبة كانوا بأرض الخزر فسبى منهم عشرين ألف أهل بيت فأسكنهم خاخيط ثُمَّ أنهم
стр. 203
قتلوا أميرهم وهربوا فلحقهم وقتلهم، قَالُوا: ولما بلغ عظيم الخزر كثرة من وطئ به مروان بلاده منَ الرجال وما هم عَلَيْهِ في عدتهم وقوتهم نخب ذلك قلبه وملأه رعبا، فلما دنا منه أرسل إليه رسولا يدعوه إِلَى الإِسْلام أو الحرب فقال: قَدْ قبلت الإِسْلام فأرسل إِلَى من يعرضه علي ففعل فأظهر الإِسْلام ووادع مروان عَلَى أن أقره في مملكته وسار مروان معه بخلق منَ الخزر فأنزلهم ما بَيْنَ السمور والشابران في سَهْل أرض اللكز، ثُمَّ أن مروان دخل أرض السرير فأوقع بأهلها وفتح قلاعا فيها ودان له ملك السرير وأطاعه فصالحه عَلَى ألف رأس خمسمائة غلام وخمسمائة جارية سود الشعور والحواجب وهدب الأشفار في كل سنة وعلى مائة ألف مدى تصب في أهراء الباب وأخذ منه الرهن وصالح مروان أهل تومان عَلَى مائة رأس خمسين جارية وخمسين غلاما خماسيين سود الشعور والحواجب وهدب الأشفار وعشرين ألف مدى للأهراء في كل سنة، ثُمَّ دخل أرض زريكران فصالحه ملكها عَلَى خمسين رأسا وعشرة آلاف مدى للأهراء في كل سنة ثُمَّ أتى أرض حمزين فأبى حمزين أن يصالحه فافتتح حصنهم بعد أن حاصرهم فيه شهرا فأحرق وأخرب وكان صلحه إياه عَلَى خمسمائة رأس يؤدونها دفعة واحدة ثُمَّ لا يكون عَلَيْهِ سبيل وعلى أن يحمل ثلاثين ألف مدى إِلَى إهراء الباب فى كل سنة، ثم أتى سدان فافتتحها صلحا على مائة رأس يعطيه إياها صاحبها دفعة ثم لا يكون عليه سبيل فيما يستقبل وعلى أن يحمل فى كل سنة إِلَى إهراء الباب خمسة آلاف مدى، ووظف عَلَى أهل طبرسرانشاه عشرة آلاف مدى في كل سنة تحمل إِلَى إهراء الباب، ولم يوظف عَلَى فيلانشاه شيئا، وذلك لحسن غنائه وجميل بلائه وإحماده أمره، ثُمَّ نزل مروان عَلَى قلعة اللكز وقد امتنع من أداء شيء من الوظيفة وخرج يريد صاحب الخرز فقتله راع بسهم رماه به وهو لا يعرفه
стр. 204
فصالح أهل اللكز عَلَى عشرين ألف مدى تحمل إِلَى الإهراء، وولى عليهم خشرما السلمي وسار مروان إِلَى قلعة صاحب شروان وهي تدعى خرش وهي عَلَى البحر فأذعن بالطاعة والانحدار إِلَى السهل وألزمهم عشرة آلاف مدى في كل سنة وجعل عَلَى صاحب شروان أن يكون في المقدمة إذا بدأ المسلمون بغزو الخزر وفي الساقة إذا رجعوا وعلى فيلانشاه أن يغزو معهم فقط وعلى طبرسرانشاه أن يكون فى الساقة إذا بدءوا وفي المقدمة إذا انصرفوا، وسار مروان إِلَى الدودنية فأوقع بهم، ثُمَّ جاءه قتل الوليد بْن يزيد وخالف عَلَيْهِ ثابت بْن نعيم الجذامي وأتى مسافر القصاب وهو ممن مكنه بالباب الضحاك الخارجي فوافقه عَلَى رأيه وولاه أرمينية وأذربيجان، وأتى أردبيل مستخفيا فخرج معه قوم منَ الشراة منها وأتوا باجروان فوجدوا بها قوما يرون رأيهم فانضموا إليهم فأتوا ورثان فصحبهم من أهلها بشر كثير كانوا عَلَى مثل رأيهم وعبروا إِلَى البيلقان فصحبتهم منهم جماعة كثيرة كانوا عَلَى مثل رأيهم ثُمَّ نزل يونان، وولى مروان بْن مُحَمَّد إِسْحَاق بْن مُسْلِم أرمينية فلم يزل يقاتل مسافرا وكان فى قلعة الكلاب بالسيسجان.
ثُمَّ لما جاءت الدولة المباركة وولى أَبُو جَعْفَر المَنْصُور الجزيرة وأرمينية في خلافة السفاح أَبِي العَبَّاس ﵀ وجه إِلَى مسافر وأصحابه قائدا من أهل خراسان فقاتلهم حَتَّى ظفر بهم وقتل مسافرا، وكان أهل البيلقان متحصنين في قلعة الكلاب ورئيسهم قدد بْن أصفر البيلقاني فاستنزلوا بأمان.
ولما استخلف المَنْصُور ﵀ ولى يزيد بْن أسيد السلمي أرمينية ففتح باب اللان ورتب فيه رابطة من أهل الديوان ودوخ الصنارية حَتَّى أدوا الخراج فكتب إليه المَنْصُور يأمره بمصاهرة ملك الخزر ففعل، وولدت له ابنته منه ابنا فمات ومانت في نفاسها وبعث يزيد إِلَى نفاطة أرض شروان
стр. 205
وملاحاتها فجباها ووكل به وبنى يزيد مدينة أرجيل الصغرى ومدينة أرجيل الكبرى وأنزلهما أهل فلسطين.
حدثني مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل عن جماعة من مشايخ أهل برذعة، قَالُوا الشماخية الَّتِي في عمل شروان نسبت إِلَى الشماخ بْن شجاع فكان ملك شروان في ولاية سَعِيد بْن سالم الباهلي أرمينية.
وحدثني مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل عَنِ المشيخة أن أهل أرمينية انتقضوا في ولاية الْحَسَن بْن قحطبة الطائي بعد عزل بْن أسيد وبكار بْن مُسْلِم العقيلي وكان رئيسهم موشائيل الأرمني فبعث إليه المَنْصُور ﵀ الأمداد وعليهم عَامِر بْن إِسْمَاعِيل فواقع الْحَسَن موشائيل فقتل وفضت جموعه واستقامت له الأمور، وهو الَّذِي نسب إليه نهر الْحَسَن بالبيلقان والباغ الَّذِي يعرف بباغ الْحَسَن ببرذعة والضياع المعروفة بالحسنية، وولى بعد الْحَسَن بْن قحطبة عُثْمَان بْن عمارة بْن خريم، ثُمَّ روح بْن حَاتِم المهلبي، ثُمَّ خزيمة بْن خازم، ثُمَّ يزيد بْن مزيد الشيباني، ثُمَّ عُبَيْد اللَّه بْن المهدي، ثُمَّ الْفَضْل بْن يَحْيَى، ثُمَّ سَعِيد بْن سالم، ثُمَّ مُحَمَّد بْن يزيد بْن مزيد، وكان خزيمة أشدهم ولاية وهو الَّذِي سن المساحة بدبيل والنشوى ولم يكن قبل ذلك، ولم يزل بطارقة أرمينية مقيمين في بلادهم يحمي كل واحد منهم ناحيته فإذا قدم الثغر عامل من عماله داروه فإن رأوا منه عفة وصرامة وكان في قوة وعدة أدوا إليه الخراج وأذعنو له بالطاعة وإلا اغتمزوا فيه واستخفوا بأمره، ووليهم خالد ابن يزيد بْن مزيد في خلافة المأمون فقبل هداياهم وخلطهم بنفسه فأفسدهم ذلك من فعله وجرأهم عَلَى من بعده من عمال المأمون.
ثُمَّ ولى المعتصم بالله الْحَسَن بْن علي الباذغيسي المعروف بالمأموني الثغر فأهمل بطارقته وأحراره ولان لهم حَتَّى ازدادوا فسادا عَلَى السلطان وكلبا على
стр. 206
من يليهم منَ الرعية، وغلب إِسْحَاق بْن إِسْمَاعِيل بْن شعيب مولى بني أمية عَلَى جرزان، ووثب سَهْل بْن سنباط البطريق عَلَى عامل حيدر بْن كاوس الأفشين عَلَى أرمينية فقتل كاتبه وأفلت بحشاشة نفسه ثُمَّ ولى أرمينية عمال كانوا يقبلون من أهلها العفو ويرضون من خراجها بالميسور.
ثُمَّ أن أمير الْمُؤْمِنِين المتوكل عَلَى اللَّه ولى يوسف بْن مُحَمَّد بْن يوسف المروزي أرمينية لسنتين من خلافته، فلما صار بخلاط أخذ بطريقها بقراط ابن أشوط فحمله إِلَى سر من رأى فأوحش البطارقة والأحرار والمتغلبة ذلك منه ثُمَّ أنه عمد عامل له يقال له العلاء بْن أحمد إلى دير بالسيسجان يعرف بدير الأقداح لم تزل نصارى أرمينية تعظمه وتهدي إليه فأخذ منه جميع ما كان فيه وعسف أهله فأكبرت البطارقة ذلك وأعظمته وتكاتبت فيه وحض بعضها عَلَى بعض عَلَى الخلاف والنقض ودسوا إِلَى الخويثية وهم علوج يعرفون بالأرطان في الوثوب بيوسف وحرضوهم عَلَيْهِ لما كان من حمله بقراط بطريقهم ووجه كل امرئ منهم ومن المتغلبة خيلا ورجالا ليؤيدوهم عَلَى ذلك فوثبوا به بطرون، وقد فرق أصحابه فى القرى فقتلوه واحتووا عَلَى ما كان في عسكره فولى أمير الْمُؤْمِنِين المتوكل عَلَى اللَّه بغا الكبير أرمينية فلما صار إِلَى بدليس أخذ موسى بْن زرارة، وكان ممن هوى قتل يوسف وأعان عَلَيْهِ غضبا لبقراط وحارب الخويثية فقتل منهم مقتلة عظيمة وسبى سبيا كثيرا، ثُمَّ حاصر أشوط بْن حَمْزَة بْن جاجق بطريق البسفرجال وهو بالبلق فاستنزله من قلعته وحمله إِلَى سر من رأى وسار إِلَى جرزان فظفر بإِسْحَاق بْن إِسْمَاعِيل فقتله صبرا وفتح جرزان وحمل من بأران وظاهر أرمينية من بالسيسجان من أهل الخلاف والمعصية منَ النصارى وغيرهم حَتَّى صلح ذلك الثغر صلاحا لم يكن عَلَى مثله ثُمَّ قدم سر من رأى في سنة إحدى وأربعين ومائتين
.
стр. 207
فتوح مصر والمغرب
قَالُوا: وكان عَمْرو بْن العاصي حاصر قيسارية بعد انصراف الناس من حرب اليرموك ثُمَّ استخلف عليها ابنه حين ولى يزيد بْن أَبِي سُفْيَان ومضى إِلَى مصر من تلقاء نفسه في ثلاثة آلاف وخمسمائة، فغضب عُمَر لذلك وكتب إليه يوبخه ويعنفه عَلَى افتتانه عَلَيْهِ برأيه وأمره بالرجوع إِلَى موضعه إن وافاه كتابه دون مصر، فورد الكتاب عَلَيْهِ وهو بالعريش، وقيل أيضا: إن عمر كتب إلى عمرو بن العاصي يأمره بالشخوص إِلَى مصر فوافاه كتابه وهو محاصر قيسارية وكان الَّذِي أتاه شريك بْن عبدة فأعطاه ألف دينار فأبى شريك قبولها فسأله أن يستر ذلك ولا يخبر به عُمَر.
قَالُوا: وكان مسير عَمْرو إِلَى مصر في سنة تسع عشرة فنزل العريش ثُمَّ أتى الفرماء وبها قوم مستعدون للقتال فحاربهم فهزمهم وحوى عسكرهم ومضى قدما إِلَى الفسطاط فنزل جنان الريحان وقد خندق أهل الفسطاط، وكان اسم المدينة اليونة فسماها المسلمون فسطاطا لأنهم قَالُوا: هَذَا فسطاط القوم ومجمعهم، وقوم يقولون: إن عمرا ضرب بها فسطاطا فسميت بذلك.
قالوا: ولم يلبث عمرو بن العاصي وهو محاصر أهل الفسطاط أن ورد عَلَيْهِ الزبير بْن العوام بْن خويلد في عشرة آلاف، ويقال: في اثني عشر ألفا فيهم خارجة بْن حذافة العدوي وعمير بْن وهب الجمحي، وكان الزبير قَدْ هم بالغزو وأراد إتيان انطاكية فقال له عُمَر: يا أَبَا عَبْد اللَّهِ هل لك في ولاية مصر، فقال: لا حاجة لي فيها ولكني أخرج مجاهدا وللمسلمين معاونا فإن وجدت عمرا قَدْ فتحها لم أعرض لعمله وقصدت إِلَى بعض السواحل فرابطت به وإن وجدته في جهاد كنت معه فسار عَلَى ذلك.
стр. 208
قَالُوا: وكان الزبير يقاتل من وجه وعمرو بن العاصي من وجه، ثُمَّ أن الزبير أتى بسلم فصعد عَلَيْهِ حَتَّى أوفى عَلَى الحصن وهو مجرد سيفه فكبر وكبر المسلمون واتبعوه ففتح الحصن عنوة واستباح المسلمون ما فيه وأفر عَمْرو أهله عَلَى أنهم ذمة موضع عليهم الجزية في رقابهم والخراج في أرضهم وكتب بذلك إِلَى عُمَر بْن الخطاب ﵁ فأجازه واختط الزبير بمصر وابنتى دارا معروفة، وإياها نزل عَبْد اللَّهِ بْن الزبير حين غزا أفريقية مع ابْن أَبِي سرح وسلم الزبير باق في مصر.
وَحَدَّثَنَا عَفَّان بْن مُسْلِم، قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سلمة عن هِشَام بْن عُرْوَة أن الزبير بْن العوام بعث إِلَى مصر فقيل له أن بها الطعن والطاعون، فقال:
إنما جئنا للطعن والطاعون، قَالَ: فوضعوا السلاليم فصعدوا عليها.
وحدثني عَمْرو الناقد، قَالَ: حدثني عَبْد اللَّهِ بْن وهب المصري عَنِ ابْن لهيعة عن يزيد بْن أَبِي حبيب: أن عَمْرو بْن العاصي دخل مصر ومعه ثلاثة آلاف وخمسمائة، وكان عُمَر بْن الخطاب قَدْ أشفق لما أَخْبَرَ به من أمرها فأرسل الزبير بْن العوام في اثني عشر ألفا فشهد الزبير فتح مصر واختط بها.
وحدثني عَمْرو الناقد، عن عَبْد اللَّهِ بْن وهب المصري عَنِ ابْن لهيعة عن يزيد بْن أَبِي حبيب عن عَبْد اللَّهِ بْن المغيرة بْن أَبِي بردة عن سُفْيَان بْن وهب الخولاني، قَالَ: لما فتحنا مصر بغير عهد قام الزبير فقال: أقسمها يا عَمْرو فأبى فقال الزبير: والله لتقسمنها كما قسم رسول ﷺ خيبر:
فكتب عَمْرو إِلَى عُمَر في ذلك فكتب إليه عُمَر أقرها حَتَّى يغزو منها حبل الحبلة، قال: وقال عَبْد اللَّهِ بْن وهب: وحدثني ابْن لهيعة عن خَالِد بْن ميمون عن عَبْد الله ابن المغيرة عن سُفْيَان بْن وهب بنحوه.
وحدثني الْقَاسِم بْن سلام، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأسود عن ابن لهيعة عن يزيد
стр. 209
ابن أَبِي حبيب أن عَمْرو بْن العاصي دخل مصر في ثلاثة آلاف وخمسمائة، وكان عُمَر قَدْ أشفق من ذلك فأرسل الزبير بْن العوام في اثني عشر ألفا فشهد معه فح مصر، قَالَ: فاختط الزبير بمصر والإسكندرية خطتين.
وحدثني إِبْرَاهِيم بْن مُسْلِم الخوارزمي، عن عَبْد اللَّهِ بْن المبارك عَنِ ابْن لهيعة عن يزيد بْن أبي حبيب عن أَبِي فراس عن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو بْن العاص، قَالَ: اشتبه عَلَى الناس أمر مصر، فقال قوم: فتحت عنوة، وقال آخرون:
فتحت صلحا، والثلج في أمرها أن أَبِي قدمها فقاتله أهل اليونة ففتحها قهرا وأدخلها المسلمين وكان الزبير أول من على حصنها، فقال صاحبها لأبي:
أنه قَدْ بلغنا فعلكم بالشام ووضعكم الجزية عَلَى النصارى واليهود وإقراركم الأرض في أيدي أهلها يعمرونها ويؤدون خراجها فإن فعلتم بنا مثل ذلك كان أرد عليكم من قتلنا وسبينا وإجلائنا، قَالَ: فاستشار أَبِي المسلمين فأشاروا عَلَيْهِ بأن يفعل ذلك إلا نفر منهم سألوا أن يقسم الأرض بينهم فوضع عَلَى كل حالم دينارين جزية إلا أن يكون فقيرا وألزم كل ذي أرض مع الدينارين ثلاثة أرادب حنطة وقسطي زيت وقسطي عسل وقسطي خل رزقا للمسلمين تجمع في دار الرزق وتقسم فيهم، وأحصى المسلمون، فألزم جميع أهل مصر لكل رجل منهم جبة صوف وبرنسا أو عمامة وسراويل وخفين في كل عام أو عدل الجبة الصوف ثوبا قبطيا وكتب عليهم بذلك كتابا وشرط لهم إذا وفوا بذلك أن لا تباع نساؤهم وأبناؤهم ولا يسبوا وأن تقر أموالهم وكنوزهم في أيديهم، فكتب بذلك إِلَى أمير الْمُؤْمِنِين عُمَر فأجازه وصارت الأرض أرض خراج إلا أنه لما وقع هَذَا الشرط والكتاب ظن بعض الناس أنها فتحت صلحا، قال: ولما فرغ ملك اليونة من أمر نفسه ومن معه في مدينته صالح عن جميع أهل مصر عَلَى مثل صلح اليونة فرضوا به، وقالوا هؤلاء الممتنعون قَدْ رضوا وقنعوا بهذا فنحن به
стр. 210
أقنع لأننا فرش لا منعة لنا، ووضع الخراج عَلَى أرض مصر فجعل عَلَى كل جريب دينارا وثلاثة أرادب طعاما وعلى رأس كل حالم دينارين وكتب بذلك إِلَى عُمَر بْن الخطاب ﵁.
وحدثني عَمْرو الناقد عن عَبْد اللَّهِ بْن وهب المصري عَنِ الليث عن يزيد ابن أَبِي حبيب: أن المقوقس صالح عَمْرو بْن العاصي عَلَى أن يسير منَ الروم من أراد ويقر من أراد الإقامة منَ الروم عَلَى أمر سماه، وأن يفرض عَلَى القبط دينارين فبلغ ذلك ملك الروم فتسخطه وبعث الجيوش، فأغلقوا باب الإسكندرية وآذنوا عمرا بالحرب فخرج إليه المقوقس، فقال: أسألك ثلاثا أن لا تبذل للروم مثل الَّذِي بذلت لي فإنهم قَدِ استغشوني وأن لا تنقض بالقبط فإن النقض لم يأت من قبلهم وإن مت فمر بدفني في كنيسة بالإسكندرية ذكرها، فقال عمرو: هذه أهونهن علي وكانت قرى من مصر قاتلت فسبى منهم والقرى بلهيت والخيس وسلطيس فوقع سباؤهم بالمدينة فردهم عُمَر بْن الخطاب وصيرهم وجماعة القبط أهل ذمة وكان لهم عهد لم ينقضوه وكتب عَمْرو بفتح الإسكندرية إِلَى عُمَر.
«أما بعد» فإن اللَّه فتح علينا الإسكندرية عنوة قسرا بغير عهد ولا عقد وهي كلها صلح في قول يزيد بْن أَبِي حبيب.
حدثني أَبُو أيوب الرقي عن عَبْد الغفار عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قَالَ: جبى عَمْرو خراج مصر وجزيتها ألفي ألف وجباها عَبْد اللَّهِ بْن سَعْد بْن أَبِي سرح أربعة آلاف ألف، فقال عُثْمَان لعمرو: إن اللقاح بمصر بعدك قَدْ درث ألبانها، قَالَ: ذاك لأنكم أعجفتم أولادها.
قال: وكتب عُمَر بْن الخطاب في سنة إحدى وعشرين إلى عمرو بن العاصي يعلمه ما فيه أهل المدينة منَ الجهد ويأمره أن يحمل ما يقبض منَ الطعام
стр. 211
في الخراج إِلَى المدينة في البحر فكان ذلك يحمل ويحمل معه الزيت فإذا ورد الجار تولى قبضه سَعْد الجار، ثُمَّ جعل في دار بالمدينة وقسم بَيْنَ الناس بمكيال فانقطع ذلك في الفتنة الأولى، ثُمَّ حمل في أيام معاوية ويزيد ثُمَّ انقطع إِلَى زمن عَبْد الملك بْن مروان ثُمَّ لم يزل يحمل إِلَى خلافة أَبِي جَعْفَر وقبيلها.
وحدثني بكر بْن الهيثم، قَالَ: حدثني أَبُو صالح عَبْد اللَّهِ بْن صالح عَنِ الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب: أن أهل الجزية بمصر صولحوا في خلافة عُمَر بعد الصلح الأول مكان الحنطة والزيت والعسل والخل عَلَى دينارين دينارين، فألزم كل رجل أربعة دنانير فرضوا بذلك وأحبوه.
وحدثني أَبُو أيوب الرقى، قَالَ: حدثني عَبْد الغفار الحراني عَنِ ابْن لهيعة عن يزيد بْن أَبِي حبيب عَنِ الجيشاني، قَالَ سمعت جماعة ممن شهد فتح مصر يخبرون أن عَمْرو بن العاصي لما فتح الفسطاط وجه عَبْد اللَّهِ بْن حذافة السهمي إِلَى عين شمس فغلب عَلَى أرضها وصالح أهل قراها عَلَى مثل حكم الفسطاط، ووجه خارجة بْن حذافة العدوي إِلَى الفيوم والأشمونين وأخميم والبشر ودات وقرى الصعيد ففعل مثل ذلك، ووجه عمير بْن وهب الجمحي إِلَى تنيس ودمياط وتونة [١] ودميرة وشطا ودقهلة وبنا وبوصير ففعل مثل ذلك ووجه عقبة بْن عَامِر الجهني، ويقال: وردان مولاه صاحب سوق وردان بمصر إِلَى سائر قرى أسفل الأرض ففعل مثل ذلك، فاستجمع عَمْرو بن العاصي فتح مصر فصارت أرضها أرض خراج.
وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم بْن سلام، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الغفار الحراني عَنِ ابْن لهيعة عَنِ إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد عن أيوب بْن أَبِي العالية عن أبيه، قال: سمعت عمرو
стр. 212
ابن العاصي يقول عَلَى المنبر: لقد قعدت مقعدي هَذَا وما لأحد من قبط مصر علي عهد ولا عقد إن شئت قتلت وإن شئت خمست وإن شئت بعت إلا أهل انطابلس فإن لهم عهدا يوفى لهم به.
وحدثني الْقَاسِم بْن سلام قَالَ: حدثني به عَبْد اللَّهِ بْن صالح عن موسى بْن علي بْن رباح اللخمي عن أبيه، قَالَ: المغرب كله عنوة.
حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْد عن سَعِيد بن أبي مريم عن ابن لهيعة عن الصلت بْن أَبِي عاصم كاتب حيان بْن شريح أنه قرأ كتاب عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ إِلَى حيان وكان عامله عَلَى مصر: أن مصر فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد.
وحدثني أَبُو عُبَيْد، قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيد بْن أبي مريم عن يَحْيَى بْن أيوب عن عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر، قَالَ: كتب معاوية إلى وردان مولى عمرو أن زد عَلَى كل امرئ منَ القبط قيراطا، فكتب إليه كيف أزيد عليهم وفي عهدهم أن لا يزاد عليهم.
وحدثني مُحَمَّد بْن سَعْد عَنِ الواقدي عن عَبْد الحميد بْن جَعْفَر عن أبيه، قَالَ: سمعت عُرْوَة بْن الزبير يقول: أقمت بمصر سبع سنين وتزوجت بها فرأيت أهلها مجاهيد قَدْ حمل عليهم فوق طاقتهم وإنما فتحها عَمْرو بصلح وعهد وشيء مفروض عليهم.
وحدثني بكر بْن الهيثم عن عَبْد اللَّهِ بْن صالح عَنِ الليث بْن سَعْد عن يزيد بْن أَبِي علاقة عن عقبة بْن عَامِر الجهني، قَالَ: كان لأهل مصر عهد وعقد كتب لهم عَمْرو: أنهم آمنون عَلَى أموالهم ودمائهم ونسائهم وأولادهم لا يباع منهم أحد وفرض عليهم خراجا لا يزاد عليهم، وأن يدفع عنهم خوف عدوهم، قَالَ عقبة: وأنا شاهد عَلَى ذلك.
وحدثني الحسين بن الأسود قال: حدثني يحيى بْن آدم عن عَبْد اللَّهِ بْن
стр. 213
المبارك عن ابن لهيعة عن يزيد بن أَبِي حبيب عمن سمع عَبْد اللَّهِ بْن المغيرة ابن أَبِي بردة، قَالَ سمعت سُفْيَان بْن وهب الخولاني يقول: لما افتتحنا مصر بلا عهد قام الزبير بْن العوام فقال: يا عَمْرو اقسمها بيننا، فقال عَمْرو: لا والله لا أقسمها حَتَّى أكتب إِلَى عُمَر، فكتب إِلَى عُمَر فكتب إليه في جواب كتابه أن أقرها حَتَّى يغزو منها حبل الحبلة، أو قَالَ يغدو.
وحدثني مُحَمَّد بْن سَعْد عَنِ الواقدي مُحَمَّد بْن عُمَر عن أسامة بْن زيد بْن أسلم عن أبيه عن جده، قال: فتح عمرو بن العاصي مصر سنة عشرين ومعه الزبير فلما فتحها صالحه أهل البلد عَلَى وظيفة وظفها عليهم وهي ديناران عَلَى كل رجل وأخرج النساء والصبيان من ذلك، فبلغ خراج مصر في ولايته ألفي ألف دينار فكان بعد ذلك يبلغ أربعة آلاف ألف دينار.
حدثني أَبُو عُبَيْدة، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن صالح عن الليث عن يزيد ابن أَبِي حبيب: أن المقوقس صاحب مصر صالح عمرو بن العاصي عَلَى أن فرض عَلَى القبط دينارين دينارين، فبلغ ذلك هرقل صاحب الروم فسخط أشد السخط وبعث الجيوش إِلَى الإسكندرية وأغلقها ففتحها عمرو بن العاصي عنوة.
حَدَّثَنِي ابْنُ الْقَتَّاتِ وَهُوَ أَبُو مَسْعُودٍ عَنِ الْهَيْثَمِ عَنِ الْمُجَالِدِ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ أَوِ الْحُسَيْنَ نَفْسَهُ كَلَّمَ مُعَاوِيَةَ فِي جِزْيَةِ أَهْلِ قَرْيَةِ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِصْرَ فَوَضَعَهَا عَنْهُمْ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوصِي بِالْقِبْطِ خَيْرًا.
حَدَّثَنِي عَمْرٌو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَاللَّيْثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنٍ لِكْعَبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: إِذَا افْتَتَحْتُمْ مِصْرَ فَاسْتَوْصُوا بِالْقِبْطِ خَيْرًا فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا، وَقَالَ اللَّيْثُ: كَانَتْ أم إسماعيل منهم. أَبُو الْحَسَن المدائني عن عَبْد اللَّهِ بْن المبارك، قَالَ: كان عُمَر بْن الخطاب
стр. 214
يكتب أموال عماله إذا ولاهم ثُمَّ يقاسمهم ما زاد عَلَى ذلك وربما أخذه منهم، فكتب إلى عمرو بن العاصي أنه قَدْ فشت لك فاشية من متاع ورقيق وآنية وحيوان لم يكن حين وليت مصر، فكتب إليه عَمْرو: أن أرضنا أرض مزدرع ومتجر فنحن نصيب فضلا عما نحتاج إليه لنقتنا، فكتب إليه: إني قَدْ خبرت من عمال السوء ما كفى وكتابك إِلَى كتاب من قَدْ أقلقه الأخذ بالحق وقد سؤت بك ظنا وقد وجهت إليك مُحَمَّد بْن مسلمة ليقاسمك مَالِك فأطلعه طلعة وأخرج إليه ما يطالبك بها واعفه منَ الغلظة عليك فإنه برح الخفاء، فقاسمه ماله، المدائني عن عِيسَى بْن يزيد، قَالَ: لما قاسم محمد بن مسلمة عمرو بن العاصي. قَالَ عَمْرو إن زمانا عاملنا فيه حنتمة هذه المعاملة لزمان سوء، لقد كان العاصي يلبس الخز بكفاف الديباج، فقال مُحَمَّد: مه لولا زمان ابن حنتمة هَذَا الَّذِي تكرهه ألفيت معتقلا عنزا بفناء بيتك يسرك غزرها ويسوءك بكاؤها، قَالَ: أنشدك اللَّه أن لا تخبر عُمَر بقولي فإن المجالس بالأمانة، فقال: لا أذكر شيئا مما جرى بيننا وعمر حي.
وحدثني عَمْرو الناقد عن عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة عن عبد الله ابن هبيرة أن مصر فتحت عنوة.
وحدثني عَمْرو عَنِ ابْن وهب عَنِ ابْن لهيعة عن ابْن أنعم عن أبيه عن جده وكان ممن شهد فتح مصر، قَالَ: فتحت مصر عنوة بغير عهد ولا عقد.
فتح الإسكندرية
قالوا: لما افتتح عمرو بن العاصي مصر أقام بها ثُمَّ كتب إِلَى عُمَر بْن الخطاب يستأمره في الزحف إِلَى الإسكندرية، فكتب إليه يأمره بذلك فسار إليها في سنة إحدى وعشرين واستخلف عَلَى مصر خارجة بْن حذافة بْن غانم بْن
стр. 215
عَامِر بْن عَبْد اللَّهِ بْن عُبَيْد بْن عويج بْن عدي بْن كعب بْن لؤي بْن غالب، وكان من دون الإسكندرية منَ الروم والقبط قَدْ تجمعوا له، وقالوا: نغزوه بالفسطاط قبل أن يبلغنا ويروم الإسكندرية فلقيهم بالكريون فهزمهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، وكان فيهم من أهل سخا وبلهبت والخيس وسلطيس وغيرهم قوم رفدوهم وأعانوهم، ثُمَّ سار عَمْرو حَتَّى انتهى إِلَى الإسكندرية فوجد أهلها معدين لقتاله إلا أن القبط في ذلك يحبون الموادعة، فأرسل إليه المقوقس يسأله الصلح والمهادنة إِلَى مدة فأبى عَمْرو ذلك، فأمر المقوقس النساء أن يقمن عَلَى سور المدينة مقبلات بوجوههن إِلَى داخله، وأقام الرجال في السلاح مقبلين بوجوههم إِلَى المسلمين ليرهبهم بذلك، فأرسل إليه عَمْرو إنا قَدْ رأينا ما صنعت وما بالكثرة غلبنا من غلبنا فقد لقينا هرقل ملككم فكان من أمره ما كان، فقال المقوقس لأصحابه: قَدْ صدق هؤلاء القوم أخرجوا ملكنا من دار مملكته حَتَّى أدخلوه القسطنطينية فنحن أولى بالإذعان، فأغلظوا له القول وأبوا إلا المحاربة، فقاتلهم المسلمون قتالا شديدا وحصروهم ثلاثة أشهر، ثم أن عمرا فتحها بالسيف وغنم ما فيها واستبقى أهلها ولم يقتل ولم يسب وجعلهم ذمة كأهل اليونة، فكتب إِلَى عُمَر بالفتح مع معاوية بْن خديج الكندي ثُمَّ السكوني وبعث إليه معه بالخمس.
ويقال: أن المقوقس صالح عمرا عَلَى ثلاثة عشر ألف دينار عَلَى أن يخرج منَ الإسكندرية من أراد الخروج ويقيم بها من أحب المقام وعلى أن يفرض عَلَى كل حالم منَ القبط دينارين فكتب لهم بذلك كتابا، ثُمَّ أن عَمْرو بْن العاصي استخلف عَلَى الإسكندرية عَبْد اللَّهِ بْن حذافة بْن قيس بْن عدي بْن سَعْد بْن سهم بْن عَمْرو بْن هصيص بْن كعب بْن لؤي في رابطة منَ المسلمين وانصرف إِلَى الفسطاط، وكتب الروم إِلَى قسطنطين بْن هرقل، وهو كان