← История

История · id 12222

كتاب الردة للواقدي

الواقدي

Полный текст (224 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَسِرْ نَحْوَ بَنِي حَنِيفَةَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ لَمْ تَلْقَ قَوْمًا قَطُّ يُشْبِهُونَ بَنِي حَنِيفَةَ فِي الْبَأْسِ وَالشِّدَّةِ، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَيْهِمْ فَلا تَبْدَأْهُمْ بِقِتَالٍ حَتَّى تَدْعُوهُمْ إِلَى دَاعِيَةِ الإِسْلامِ، وَاحْرِصْ عَلَى صَلاحِهِمْ، فَمَنْ أَجَابَكَ مِنْهُمْ فَاقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَمَنْ أَبَى فَاسْتَعْمِلْ فِيهِ السَّيْفَ، وَاعْلَمْ يَا خَالِدُ فَإِنَّكَ إِنَّمَا تُقَاتِلُ قَوْمًا كُفَّارًا باللَّه وَبِالرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﵌، فَإِذَا عَزَمْتَ عَلَى الْحَرْبِ فَبَاشِرْهَا بِنَفْسِكَ وَلا تَتَّكِلْ عَلَى غَيْرِكَ، وَصُفَّ صُفُوفَكَ وَاحْكُمْ تَعْبِيَتَكَ وَاحْزِمْ عَلَى أَمْرِكَ، وَاجْعَلْ عَلَى مَيْمَنَتِكَ رَجُلا تَرْضَاهُ، وَعَلَى مَيْسَرَتِكَ مِثْلَهُ، وَاجْعَلْ عَلَى خَيْلِكَ رَجُلا عَالِمًا صَابِرًا، وَاسْتَشِرْ مَنْ مَعَكَ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ مُوَفِّقُكَ بِمَشُورَتِهِمْ، وَاعْرِفْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ حَقَّهُمْ وَفَضْلَهُمْ، وَلا تَكْسَلْ وَلا تَفْشَلْ، وَأَعِدَّ السَّيْفَ لِلسَّيْفِ، وَالرُّمْحَ لِلرُّمْحِ، وَالسَّهْمَ لِلسَّهْمِ، وَاسْتَوْصِ بِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، وَلَيِّنِ الْكَلامَ وَأَحْسِنِ الصُّحْبَةَ وَاحْفَظْ وَصِيَّةَ نبيك محمد ﵌ فِي الأَنْصَارِ خَاصَّةً، وَأَنْ تُحْسِنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ وَتَتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَقُلْ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّه» . قَالَ: فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، جَمَعَ أَصْحَابَهُ ثُمَّ أَقْرَأَهُمُ الْكِتَابَ، وَقَالَ: (مَا الَّذِي تَرَوْنَ مِنَ الرَّأْيِ) ، فَقَالُوا: (الرَّأْيُ رَأْيُكَ، وَلَيْسَ فِينَا أَحَدٌ يُخَالِفُكَ) ، قَالَ: فَعِنْدَهَا عَزَمَ خَالِدٌ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ وَأَصْحَابِهِ. وَكَتَبَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى مُحْكَمِ بْنِ الطُّفَيْلِ وَزِيرِ مُسَيْلِمَةَ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ [١] : (مِنَ الْبَسِيطِ) ١- يَا مُحْكَمُ بْنَ طُفَيْلٍ [٢] قَدْ نَصَحْتُ لَكُمْ ... أَتَاكُمُ اللَّيْثُ لَيْثُ الحضر والبادي

стр. 107

٢- يَا مُحْكَمُ بْنَ طُفَيْلٍ قَدْ أُتِيحَ لَكُمْ ... للَّه دَرُّ أَبِيكُمْ حَيَّةِ الْوَادِي [١] ٣- يَا مُحْكَمُ بْنَ طُفَيْلٍ إِنَّكُمْ نَفَرٌ ... كَالشَّاءِ أَسْلَمَهَا الرَّاعِي لآسَادِ ٤- مَا فِي مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ مِنْ عِوَضٍ ... مِنْ دَارِ قَوْمٍ وَأَمْوَالٍ [٢] وَأَوْلادِ ٥- فَاكْفُفْ حَنِيفَةُ عَنْهُمْ قَبْلَ نَاعِيَةٍ [٣] ... تَنْعَى فَوَارِسَ حَرْبٍ شَجْوُهَا بَادِ ٦- وَيْلُ الْيَمَامَةِ [٤] وَيْلٌ لا قَوَامَ لَهُ ... إِنْ حَالَتِ الْخَيْلُ فِيهَا بِالْقَنَا الصَّادِي [٥] ٧- وَاللَّهِ وَاللَّهِ لا تُثْنَى أَعِنَّتُهَا [٦] ... حَتَّى تَكُونُوا كَأَهْلِ الْحِجْرِ أَوْ عَادِ [٧] ٨- لا تَأْمَنُوا خَالِدًا بِالْبَرْدِ مُلْتَثِمًا [٨] ... وَسْطَ الْعَجَاجَةِ مِثْلَ الضَّيْغَمِ الْعَادِي ٩- تَعْدُو بِه سَرِحَ [٩] الرِّجْلَيْنِ طَاوِيَةٌ ... قُبٌّ مُشَرَّفَةُ الْمَتْنَيْنِ والهادي [١٩ ب] قَالَ: فَلَمَّا وَصَلَ هَذَا الشِّعْرُ إِلَى مُحْكَمِ بْنِ الطُّفَيْلِ وَزِيرِ مُسَيْلِمَةَ/ قَرَأَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى وُجُوهِ الْيَمَامَةِ فَجَمَعَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: (يَا بَنِي حَنِيفَةَ، هَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَدْ سَارَ إِلَيْكُمْ فِي جَمْعِ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّكُمْ تَلْقَوْنَ غَدًا قَوْمًا يَبْذُلُونَ أَنْفُسَهُمْ دُونَ صَاحِبِهِمْ، فَابْذُلُوا أَنْفُسَكُمْ دُونَ صَاحِبِكُمْ) . قَالَ: فَقَالَتْ بَنُو حَنِيفَةَ: (سَيَعْلَمُ خَالِدٌ غَدًا إِذَا نَحْنُ الْتَقَيْنَا بِخِلافِ مَنْ لَقِيَ مِنَ الْعَرَبِ) ، فَقَالَ مُحْكَمُ بْنُ الطُّفَيْلِ: (فَهَذَا الَّذِي أُرِيدُ مِنْكُمْ) ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى خالد بن الوليد بهذه الأبيات:

стр. 108

(من المتقارب) ١- (أيا) [١] ابن الوليد ويا خالد ... ويا أيّها الأَسَدُ اللابِدُ ٢- لَرُبَّ أُنَاسٍ قَدْ أَفْنَيْتَهُمْ ... وَأَنْتَ إِلَى مِثْلِهَا عَائِدُ ٣- وَرُبَّ أُنَاسٍ لَهُمْ سَوْرَةٌ [٢] ... قَصَدْتَ وَأَنْتَ لَهُمْ عَائِدُ ٤- فَأَنْتَ تَدُلُّ عَلَى حَرْبِهِ ... وَأَنْتَ عَلَى فِعْلِهِمْ حَاقِدُ ٥- وَأَمَّا الْيَمَامَةُ فَاشْدُدْ لَهَا ... حَيَازِمَكَ [٣] الْيَوْمَ يَا خَالِدُ ٦- سَتَلْقَى الْيَمَامَةَ مَمْنُوعَةً ... بِصُمِّ الْقَنَا عِزُّهَا تَالِدُ ٧- وَبِيضُ السُّيُوفِ بِأَيْدِي الرِّجَالِ ... يَحِنُّ لَهَا الْكَفُّ وَالسَّاعِدُ ٨- وَهَامٌ يَطِيرُ بِأَقْفَائِهَا ... وَشُدَّ عَلَيْكَ لَهُمْ وَاحِدُ ٩- فَإِنْ تَلْقَهُمْ تَلْقَهُمْ مَعْشَرًا ... مَتَى يَنْزِلُوا بِكَ يَسْتَأْسِدُوا [٤] ١٠- إِذَا مَا قَضَى الْقَوْمُ حَقَّ الرِّمَاحِ ... وَقَالُوا الطِّعَانُ بِهَا جَالَدُوا [٥] ١١- فَإِنْ أَنْتَ قَارَبْتَهُمْ قَارَبُوا ... وَإِنْ أَنْتَ بَاعَدْتَهُمْ بَاعَدُوا ١٢- بِهِ يَأْمَنُ الْقَوْمُ أَمْوَالَهُمْ ... كَمَا أَمِنَ الْجَدُّ وَالْوَالِدُ قَالَ: فأجابه حسان بن ثابت الأنصاري يقول [٦] :

стр. 109

(مِنَ الْمُتَقَارِبِ) ١- حَنِيفَةُ قَدْ كَادَكَ الْكَائِدُ ... وَبَعْدَ غَدٍ جَمْعُهُمْ هَامِدُ ٢- فَوَيْلُ الْيَمَامَةِ وَيْلٌ لَهَا ... إِذَا مَا أَنَاخَ بِهِمْ خَالِدُ ٣- فَلا تَأْمَنُوهُ عَلَى غِرَّةٍ ... وَهَلْ يُؤْمَنُ الأَسَدُ اللابِدُ ٤- هُوَ الْقَاتِلُ الْقَوْمَ يَوْمَ الْبُزَاخِ [١] ... وَقَدْ طَاعَنُوهُ وَقَدْ جَالَدُوا ٥- وَأَوْطَا بَنِي [٢] أَسَدٍ ذِلَّةً ... وَذُبْيَانُ أَوْطَا [٣] وَقَدْ عَانَدُوا ٦- فَوَلَّى طُلَيْحَتُهُمْ هَارِبًا ... وَمَا مِثْلُهُ مِنْكُمْ وَاحِدُ ٧- وَقَادَ عُيَيْنَةُ [٤] فِي غِلِّهِ ... فَسُبَّ بِهِ الْجَدُّ وَالْوَالِدُ ٨- وَأَمْكَنَهُ اللَّهُ مِنْ قُرَّةَ [٥] ... وَمَالِكٍ إِذْ [٦] كُفْرُهُ تَالِدُ ٩- وَأَنْتُمْ غَدًا مِثْلُهُ بِهَلَّةٍ [٧] ... يُعْنَى بِهَا الصَّادِرُ وَالْوَارِدُ قَالَ: وَبَلَغَ بَنِي حَنِيفَةَ أَنَّ خَالِدًا قَدْ سَارَ إِلَيْهِمْ فِي الْحَدِّ وَالْحَدِيدِ، وَالْخَيْلِ وَالْجُنُودِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَكَابِرِهِمْ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أثال [٨] ، وكان ذا

стр. 110

عَقْلٍ وَفَهْمٍ وَرَأْيٍ، وَكَانَ مُخَالِفًا لِمُسَيْلِمَةَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: (يَا أَبَا عَامِرٍ، إِنَّهُ قَدْ سَارَ هَذَا الرَّجُلُ إِلَى مَا قَبْلَنَا يُرِيدُ قَتْلَنَا وَبَوَارَنَا وَاسْتِئْصَالَنَا عَنْ جَدِيدِ الأَرْضِ، فَهَذَا مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَقَدِ ادَّعَى مَا قَدْ عَلِمْتَ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَهَاتِ الَّذِي عِنْدَكَ مِنَ الرَّأْيِ) . قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ ثُمَامَةُ: (وَيْحُكُمْ يَا بَنِي حَنِيفَةَ، اسْمَعُوا قَوْلِي تَهْتَدُوا وَأَطِيعُوا/ أَمْرِي تَرْشُدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ محمد بن عبد الله نبي [٢٠ أ] مُرْسَلٌ [١] لا شَكَّ فِي نُبُوَّتِهِ، وَهَذَا مُسَيْلِمَةُ رَجُلٌ كَذَّابٌ، فَلا تَغْتَرُّوا بِهِ وَلا بِقَوْلِهِ وَكَذِبِهِ، فَإِنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمُ الْقُرْآنَ الَّذِي أَتَى به محمد ﵌ عَنْ رَبِّهِ إِذْ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، حم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ٤٠: ٠- ٣ [٢] ، فَأَيْنَ هَذَا الْكَلامُ مِنْ كَلامِ مُسَيْلِمَةَ، فَانْظُرُوا فِي أُمُورِكُمْ وَلا يَذْهَبَنَّ هَذَا عَنْكُمْ، أَلا وَإِنِّي خَارِجٌ إِلَى ابْنِ الْوَلِيدِ فِي لَيْلَتِي هَذِهِ، وَطَالِبٌ مِنْهُ الأَمَانَ عَلَى نَفْسِي وَمَالِي وَأَهْلِي وَوَلَدِي) . فَقَالَ الْقَوْمُ: (نَحْنُ مَعَكَ يَا أَبَا عَامِرٍ [٣] ، فَكُنْ مِنْ ذَلِكَ عَلَى عِلْمٍ) . ثُمَّ خَرَجَ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، حَتَّى صَارَ إِلَى خَالِدٍ فَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ، فَأَمَّنَهُ خَالِدٌ وَأَمَّنَ أَصْحَابَهُ. قَالَ: وَكَتَبَ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ بهذه الأبيات [٤] إلى مسيلمة [٥] :

стр. 111

(مِنَ الْمُتَقَارِبِ) ١- مُسَيْلِمَةُ ارْجِعْ وَلا تَمْحَكْ [١] ... فَإِنَّكَ فِي الأَمْرِ لَمْ تُشْرَكْ ٢- كَذَبْتَ عَلَى اللَّهِ فِي وَحْيِهِ ... وَكَانَ هَوَاكَ هَوَى الأَنْوَكْ [٢] ٣- وَمَنَّاكَ قَوْمُكَ أَنْ يَمْنَعُو ... كَ وَإِنْ يَأْتِهِمْ خَالِدٌ تُتْرَكْ ٤- فَمَا لَكَ فِي الْجَوِّ مِنْ مَصْعَدٍ ... وَمَا لَكَ فِي الأَرْضِ مِنْ مَسْلَكْ [٣] ٥- سَحَبْتَ الذُّيُولَ إِلَى سَوْأَةٍ ... عَلَى مَنْ يَقُلْ مِثْلَهُ يُهْلَكْ قَالَ: وَسَارَ خَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، حَتَّى إِذَا تَقَارَبَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَامَةِ نَزَلَ إِلَى جَنْبِ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَتِهَا، ثُمَّ بَعَثَ بِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَزِيدُونَ عَلَى مِائَتَيْ فَارِسٍ، وَقَالَ لَهُمْ: (سِيرُوا فِي هَذِهِ الْبِلادِ فَأْتُونِي بِكُلِّ مَنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ) . فَسَارُوا فَإِذَا هُمْ بِرَجُلٍ مِنْ أَشْرَافِ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ [٤] وَمَعَهُ ثَلاثَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلا مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ. قَالَ: فَدَنَا منهم المسلمون،

стр. 112

قَالُوا: (مَنْ أَنْتُمْ) ، قَالُوا: (نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ) ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: (فَلا أَنْعَمَ اللَّهُ بِكُمْ عَيْنًا يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ) ، ثُمَّ أَحَاطُوا بِهِمْ فَأَخَذُوهُمْ، وَجَاءُوا بِهِمْ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، حَتَّى أَوْقَفُوهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ خَالِدٌ: (يَا بَنِي حَنِيفَةَ، مَا تَقُولُونَ فِي صَاحِبِكُمْ مُسَيْلِمَةَ) ، فَقَالُوا: (نَقُولُ إِنَّهُ شَرِيكُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي نُبُوَّتِهِ) . فَقَالَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ سَارِيَةُ بْنُ عَامِرٍ [١] : (يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، وَلَكِنِّي لا أَقُولُ ذَلِكَ) ، قَالَ خَالِدٌ: (يَا مُجَّاعَةُ، مَا تَقُولُ فِيمَا يَقُولُ أَصْحَابُكَ هَؤُلاءِ) ، فَقَالَ مُجَّاعَةُ: (أَقُولُ إِنِّي قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ [٢] وبها رسول الله ﵌، فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُهُ أَنا وَصَاحِبِي هَذَا سَارِيَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَلا وَاللَّهِ مَا غَيَّرْنَا وَلا بَدَّلْنَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَنَا بُدٌّ مِنْ مُدَارَاةِ مُسَيْلِمَةَ خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِنَا وَأَمْوَالِنَا وَأَوْلادِنَا) . قَالَ: فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: (فَاعْتَزِلْ أَنْتَ وَصَاحِبُكَ/ هَذَا نَاحِيَةً مِنْ هَؤُلاءِ الْكُفَّارِ) ، ثم قدم خالد بقية القوم [٢٠ ب] فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ صَبْرًا، ثُمَّ عَمِدَ إِلَى مُجَّاعَةَ، فَقَالَ مُجَّاعَةُ: (أَيُّهَا الأَمِيرُ، إِنِّي لَمْ أَزَلْ مُسْلِمًا، وَأَنَا الْيَوْمَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ أَمْسِ، وَقَدْ رَأَيْتُكَ عَجِلْتَ عَلَى هَؤُلاءِ الْقَوْمِ بِالْقَتْلِ، وَأَنَا وَاللَّهِ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِي مِنْكَ، وَلَكِنْ أَيُّهَا الأَمِيرُ إِنْ كَانَ رَجُلٌ كَذَّابٌ خَرَجَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَادَّعَى مَا ادَّعَى، فَلَيْسَ يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَأْخُذَ الْبَرِيءَ بِأَمْرِ السَّقِيمِ، فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ٦: ١٦٤ [٣] ، ثُمَّ أَنْشَأَ مُجَّاعَةُ يَقُولُ [٤] : (مِنَ الْخَفِيفِ) ١- أَتَرَى خَالِدًا يَقْتُلُنَا الْيَوْ ... مَ بِذَنْبِ الأُصَيْفِرِ [٥] الْكَذَّابِ

стр. 113

٢- عِنْدَنَا الْيَوْمَ فِي مُسَيْلِمَةَ الرَّ ... دِّ لِتِلْكَ الْقُرَى وَطُولِ الْعِتَابِ ٣- لَمْ نَدَعْ مِلَّةَ النَّبِيِّ وَلا نَحْ- ... - نُ رَجَعْنَا عَنْهَا عَلَى الأَعْقَابِ [١] ٤- إِنْ يَكُنْ خَالِدٌ يُرِيدُ دِمَى الْيَوْ ... مَ فَمَا إِنْ أَرَادَهُ [٢] بِصَوَابِ ٥- وَلَسَفْكُ الدِّمَا [٣] أَخَفُّ عَلَيْهِ ... يَا لَكَ الْخَيْرُ مِنْ طَنِينِ الذُّبَابِ ٦- قُلْتُ لِلنَّفْسِ إِنْ تَعَاظَمَكِ الْمَوْ ... تُ فَعُدِّي مَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِي ٧- مِنْ عَدِيٍّ وَعَامِرٍ وَمَنَاةَ ... وَبَنِي الدُّوَلِ تِلْكُمُ أَحْبَابِي ٨- وَلَنَا أُسْوَةٌ بمن أكل الدّه- ... - ر [٤] وليس الرؤوس كَالأَذْنَابِ قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ سَارِيَةُ بْنُ عَامِرٍ، فَقَالَ: (أَيُّهَا الأَمِيرُ، مَنْ خَافَ سَيْفَكَ رَجَاَ عَدْلَكَ، وَمَنْ رَجَا عَدْلَكَ، رَجَا أَمَانًا مُنَعَّمًا، وَقَدْ خِفْتُكَ وَرَجَوْتُكَ، وَأَنَا بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى دِينِ الإِسْلامِ مَا غَيَّرْتُ وَلا بَدَّلْتُ، فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَسْتَقِيمَ لَكَ أَمْرُ بَنِي حَنِيفَةَ [٥] فَاسْتَبْقِنِي وَاسْتَبْقِ هَذَا الشَّيْخَ فَإِنَّهُ سَيِّدُ أهل اليمامة، ولا تؤاخذنا بِمَا كَانَ مِنْ تَخَلُّفِنَا عَنْكَ وَالسَّلامُ) . ثُمَّ أنشأ يقول: (من البسيط) ١- يا ابن الْوَلِيدِ لَقَدْ أَسْرَعْتَ فِي نَفَرٍ ... مِنْ عَامِرٍ وَعَدِيٍّ أَوْ مِنَ الدُّوَلِ ٢- فَاسْتَبْقِ مُجَّاعَةَ الْمَأْمُولِ إِنَّ لَهُ ... خَطْبًا عَظِيمًا وَرَأْيًا غَيْرَ مَجْهُولِ ٣- إِنْ تُعْطِهِ مِنْكَ عَهْدًا لا تَجِيشُ بِهِ [٦] ... تقطع به عنك عيب القال والقيل

стр. 114

٤- وَيْلُ الْيَمَامَةِ وَيْلٌ لا ارْتِجَاعَ لَهُ ... إِنْ كَانَ مَا قُلْتُ فِيهِ غَيْرَ مَقْبُولِ قَالَ خَالِدٌ: (فَإِنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْكُمَا، وَلَكِنْ أَقِيمَا فِي عَسْكَرِي وَلا تَبْرَحَا حَتَّى أَنْظُرَ عَلَى مَا يَنْصَرِمُ أَمْرِي وَأَمْرُ بَنِي حَنِيفَةَ) . ثُمَّ أَمْرُ خَالِدٍ بِمُجَّاعَةَ [١] وَسَارِيَةَ فَأُطْلِقَا مِنْ حَدِيدِهِمَا فَأَنْشَأَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ [٢] : (مِنَ الْمُتَقَارَبِ) ١- بَنِي عَامِرٍ أَنْتُمُ عُصْبَةٌ ... لِعَالِي الْمَكَارِمِ مُتْبَاعَهْ ٢- وَقَدْ زَانَ مَجْدَكُمُ خَالِدٌ ... بِإِطْلاقِهِ غُلَّ مجَّاعه ٣- وَسَارِيَةٍ (ذَاكَ) [٣] قَدْ فَكَّهُ ... وَكَانَ رَهِينَةَ مُجَّاعَهْ ٤- بِعَضْبٍ حُسَامٍ رَقِيقِ الذُّبَابِ ... بكفِّ فَتًى غَيْرِ جَعْجَاعَهْ [٤] ٥- فإنَّ [٥] الْمُخَالِفَ لابْنِ الْوَلِيدِ ... أَذَلَّ مِنَ الْفَقْعِ في القاعة [٦] ٦- فيا ابن الْوَلِيدِ وَأَنْتَ امْرُؤٌ/ ... تُقَاتِلُ مَنْ شَكَّ فِي السّاعه [٢١ أ] ٧- وَمَنْ مَنَعَ الْحَقَّ مِنْ مَالِهِ ... وَنَفْسُكَ لِلذُّلِّ مَنَّاعَهْ ٨- وَكَفَّاكَ كَفٌّ تَضُرُّ [٧] الْعِدَى ... وَكَفٌّ لِمَنْ شئت نفّاعه

стр. 115

٩- فَمَا لِلْيَمَامَةِ [١] مِنْ مَلْجَإٍ ... سِوَى السَّمْعِ للَّه وَالطَّاعَهْ قَالَ: وَسَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِالْمُسْلِمِينَ حَتَّى نَزَلَ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ عَقْرُبَاءَ [٢] مِنْ أَرْضِ الْيَمَامَةِ، فَضَرَبَ عَسْكَرَهُ هُنَاكَ، وَسَارَ مُسَيْلِمَةُ فِي جَمِيعِ بَنِي حَنِيفَةَ حَتَّى نَزَلَ حِذَاءَ خَالِدٍ، فَأَقَامُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ وَثَبَ خَالِدٌ [٣] يُعَبِّئُ [٤] أَصْحَابَهُ، فَكَانَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ [٥] ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ [٦] مَوْلَى رسول الله ﵌، وَعَلَى الْجَنَاحِ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ [٧] أَخُو أنس بن مالك.

стр. 116

قَالَ: وَسَلَّتْ بَنُو حَنِيفَةَ سُيُوفَهَا مِنْ أَجْفَانِهَا وَأَبْرَقُوا بِهَا، ثُمَّ إِنَّهُمْ ضَجُّوا ضَجَّةً، وَنَفِرُوا نَفْرَةً مُنْكَرَةً، فَقَالَ خَالِدٌ: أَيُّهَا الْقَوْمُ، أَبْشِرُوا، فَإِنَّ الْقَوْمَ مَخْذُولُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنَّمَا سَلُّوا هَذِهِ السُّيُوفَ لِيُرْهِبُوكُمْ، وَلَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ إِلا جَزَعًا وَفَشَلا. قَالَ: فَسَمِعَ رَجُلٌ من بني حنيفة فقال: (هيهات والله يا ابن الْوَلِيدِ، وَلَكِنْ أَبْرَزْنَاهَا لَكُمْ مِنْ أَغْمَادِهَا لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا لَيْسَتْ كَسُيُوفِكُمُ الْخَشِنَةِ الْكَلِيلَةِ) . قَالَ: وَدَنَا الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَتَقَدَّمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي أَوَائِلِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ يَقُولُ [١] : (مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ) ١- لا تُوعِدُونَا بِالسُّيُوفِ الْمُبْرَقَهْ ... ٢- إِنَّ السِّهَامَ بِالرَّدَى مُفَوَّقَهْ [٢] ٣- وَالْحَرْبُ خُلْوٌ مِنْ عِقَالٍ مُطْلَقَهْ [٣] ... ٤- لا ذَهَبَ يُنْجِيكُمْ وَلا رِقَهْ [٤] ٥- وَخَالِدٌ مِنْ دِينِهِ عَلَى ثِقَهْ ثُمَّ حَمَلَ سَاعَةً وَرَجَعَ. وَتَقَدَّمَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ [٥] وَفِي يَدِهِ صفيحة يمانية، وهو يرتجز ويقول:

стр. 117

(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ) ١- إِنِّي أَبُو الْيَقْظَانِ شَيْخِي يَاسِرُ ... ٢- مِنْ مَعْشَرٍ آبَاؤُهُمْ أَخَايِرُ ٣- وَفِي يَمِينِي ذُو وَمِيضٍ بَاتِرُ ... ٤- صَفِيحَةٌ وَرِثْتُهَا يَا عَامِرُ ثم حمل، فلم يزل يقاتل حتى قتل مِنْهُمْ جَمَاعَةً. وَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ وَضَرَبَهُ ضَرْبَةً فَالْتَقَاهَا بِحَجَفَتِهِ [١] فَزَاحَتِ الضَّرْبَةُ فِي الْحَجَفَةِ وَهَوَتْ إِلَى أُذُنِ عَمَّارٍ فَرَمَتْ بِهَا. قَالَ: وَدَاخَلَهُ عَمَّارٌ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً فَقَتَلَهُ. قَالَ: ثُمَّ تَقَدَّمَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ [٢] أَخُو أَبِي جَهْلِ [٣] بْنِ هِشَامٍ، فَجَعَلَ يَهْدِرُ كَالْفَحْلِ وَهُوَ يَقُولُ: (مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ) ١- إِنِّي بِرَبِّي وَالنَّبِيِّ مُؤْمِنُ ... ٢- وَالْبَعْثِ مِنْ بَعْدِ الْمَمَاتِ مُوقِنُ

стр. 118

٣- وَالدَّهْرُ قِدْمًا بِالرَّحِيلِ مُؤْذِنُ ... ٤- أَقْبِحْ بِشَخْصٍ لِلْحَيَاةِ مَوْطِنُ ثُمَّ حَمَلَ فَقَاتَلَ قِتَالا شَدِيدًا وَرَجَعَ إِلَى مَوْقِفِهِ. وَتَقَدَّمَ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: (مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ) ١- قَدْ عَلِمَ الأَقْوَامُ أَنِّي زَيْدُ ... ٢- لَيْثٌ هَصُورٌ لَيْسَ مِنِّي حَيْدُ ٣- لَكِنَّنِي فِي الْحَرْبِ عِنْدِي كَيْدُ ... ٤- وَذُو أَنَاةٍ ثُمَّ عِنْدِي أَيْدُ [١] ثُمَّ حَمَلَ، وَذَلِكَ فِي آخِرِ النَّهَارِ، فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ حَتَّى قتل خمسة من/ [٢١ ب] وُجُوهِ الْقَوْمِ وَفُرْسَانِهِمْ، وَقُتِلَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. قَالَ: فَتَقَدَّمَ ابْنُ عَمٍّ يُقَالُ لَهُ: عَامِرُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَدَوِيُّ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ الْجَمْعَيْنِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ [٢] : (مِنَ الْوَافِرِ) ١- أَلا يَا زَيْدُ زَيْدُ بَنِي نُفَيْلِ ... لَقَدْ أَوْرَثْتَنَا وَيْلا بِوَيْلِ ٢- كَأَنَّكَ وَالْقَنَا لَيْثٌ هَصُورٌ ... أَبُو شِبْلَيْنِ يَحْمِي بطن غيل ٣- غداة غدت حَنِيفَةُ فِي مِكَرٍّ ... كَأَنَّ جُمُوعَهُمْ دَفَّاعُ سَيْلِ ٤- فَلَمْ تَبْرَحْ تُضَارِبُهُمْ بِعَضْبٍ ... يُنَفِّحُهُمْ صَبَاحًا جُنْحَ لَيْلِ ٥- فَأَمْسَيْتُ الْعَشِيَّةَ ذَا اغْتِبَاطٍ ... غَفِيرَ الْخَدِّ من رجل وخيل [٣]

стр. 119

٦- فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ عَظُمَتْ وَجَلَّتْ ... مُجَدَّعَةُ الْمَعَاطِسِ مِنْ نُفَيْلِ [١] قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ، فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. قَالَ: وَاشْتَبَكَ الْحَرْبُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [٢] عَلَى زُهَاءِ ثَلاثِ مِائَةِ رَجُلٍ، وَمِنْ بَنِي حَنِيفَةَ أَضْعَافُهُمْ، وَأَمْسَى الْمَسَاءُ فَرَجَعَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ. وَتَقَدَّمَ مُحْكِمُ بْنُ الطُّفَيْلِ لَمَّا يَخَافُونَ مِنَ الْبَيَاتِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ دَنَا بعضهم من بعض، وتقدم محكم ابن الطُّفَيْلِ وَزِيرُ مُسَيْلِمَةَ حَتَّى وَقَفَ أَمَامَ أَصْحَابِهِ وَهُوَ شَاهِرٌ سَيْفَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، رَافِعًا صَوْتَهُ وَهُوَ يَقُولُ: (مِنَ الْخَفِيفِ) ١- رُبَّ رَخْوِ النِّجَادِ [٣] مصطلم الكش- ... - حين بَدْرٍ يَلُوحُ كَالْمِخْرَاقِ ٢- أَبْلَغَتْهُ [٤] السُّيُوفُ لَمَّا الْتَقَيْنَا ... كَانَ فِي أَهْلِهِ عَزِيزَ الْفِرَاقِ ٣- مَنْ يَرَ الْمَوْتَ غُنْمًا عَظِيمًا ... عِنْدَ وَقْتِ الْهَيَاجِ وَالْمِصْدَاقِ ٤- سَاقَهُمْ حَتْفُهُمْ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ ... فِيهِ فَرْيُ [٥] السُّيُوفِ للأعناق

стр. 120

٥- فَأَنَا مُحْكِمٌ فَهَلْ مِنْ شُجَاعٍ ... يَبْرُزُ الْيَوْمَ لِلسُّيُوفِ الرِّقَاقِ قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَاتَلَ قِتَالا شَدِيدًا، وَحَمَلَ عَلَيْهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ الأَنْصَارِيُّ، فَطَعَنَهُ فِي خَاصِرَتِهِ طَعْنَةً نَكَّسَهُ عَنْ فَرَسِهِ قَتِيلا، ثُمَّ جَالَ الأَنْصَارِيُّ فِي مَيْدَانِ الْحَرْبِ جَوْلَةً، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: (مِنَ الْكَامِلِ) ١- سَائِلْ بِنَا أَهْلَ الْيَمَامَةِ إِذْ بَغَوْا ... وَتَمَرَّدُوا فِي الْكُفْرِ وَالإِصْغَارِ ٢- جَعَلُوا مُسَيْلِمَةَ الْكَذُوبَ نَبِيَّهُمْ ... يَا بِئْسَ فِعْلِ مَعَاشِرِ الْفُجَّارِ ٣- سِرْنَا إِلَيْهِمْ بِالْقَنَابِلِ [١] وَالْقَنَا ... وَبِكُلِّ عَضْبٍ مُرْهَفٍ بَتَّارِ ٤- وَمُهَاجِرِينَ كَأَنَّهُمْ أُسْدُ الشِّرَى [٢] ... قَدْ أُيِّدُوا بِالأَوْسِ وَالنَّجَّارِ [٣] ٥- فِي جَيْشِ سَيْفِ اللَّهِ جُنْدِ مُحَمَّدٍ ... وَالسَّابِقِينَ بِسُنَّةِ الأَخْيَارِ قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ هَذَا الأَنْصَارِيُّ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، حَتَّى قُتِلَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. قَالَ: ثُمَّ تَقَدَّمَ السَّائِبُ بْنُ الْعَوَّامِ [٤] ، أَخُو الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وهو يرتجز ويقول:

стр. 121

(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ) ١- يَا قَوْمِ جِدُّوا فِي قِتَالِ الْقَوْمِ ... ٢- وَاهْتَجِرُوا النَّوْمَ فَمَا مِنْ نَوْمِ ٣- قد ذهب اللّوم [١] فما من لوم ... [٢٢ أ] ٤- إِنْ لَمْ تُغَاثُوا بِالدُّعَا وَالصَّوْمِ/ قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. قَالَ: وَكَانَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ فَارِسًا بَطَلا [٢] لا يَصْطَلِي بِنَارِهِ، وَكَانَ إِذَا شَهِدَ الْحَرْبَ وَعَايَنَهَا أَخَذَتْهُ الرِّعْدَةُ وَيَنْتَفِضُ انْتِفَاضًا شَدِيدًا، حَتَّى كَأَنَّهُ يُعْقَلُ بِالْحِبَالِ وَيَضْبِطُهُ الرِّجَالُ فَلا يَزَالُ كَذَلِكَ سَاعَةً حَتَّى يُفِيقَ، فَإِذَا أَفَاقَ يَبُولُ بَوْلا أَحْمَرَ كَأَنَّهُ الدَّمُ، ثُمَّ إِنَّهُ يَثِبُ قَائِمًا مِثْلَ الأَسَدِ، فَيُقَاتِلُ قِتَالا لا يَقُومُ لَهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ، وَعَايَنَ مِنْ شِدَّةِ الْحَرْبِ مَا عَايَنَ أَخَذَتْهُ الرِّعْدَةُ وَالنَّفْضَةُ، فَلَمَّا أَفَاقَ وَثَبَ، وَجَعَلَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: (مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ) ١- قَدْ ثَارَ لَيْثُ الْغَيْلِ لِلْقِرَاعِ ... ٢- بِذِي غَرَارٍ خَذِمٍ قَطَّاعِ ٣- وَلَهْذَمٍ [٣] مُقَوَّمٍ لَمَّاعِ ... ٤- لَهُ بَرِيقٌ وَهُوَ ذُو شُعَاعِ ثُمَّ حَمَلَ عَلَى جَمِيعِ بَنِي حَنِيفَةَ، فَجَعَلَ تَارَةً يَضْرِبُ بِسَيْفِهِ، وَتَارَةً يَطْعَنُ بِرُمْحِهِ، حَتَّى قَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً وَرَجَعَ إِلَى مَوْقِفِهِ.

стр. 122

قَالَ: وَصَاحَتْ بَنُو حَنِيفَةَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، وَحَمَلُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَمْلَةً مُنْكَرَةً، فَأَزَالُوهُمْ عَنْ مَوْقِفِهِمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ نَيِّفًا عَلَى ثَمَانِينَ [١] رَجُلا، قَالَ: ثُمَّ كَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ وَكَشَفُوهُمْ كَشْفَةً قَبِيحَةً، ثُمَّ تَرَاجَعَتْ بَنُو حَنِيفَةَ وَمَعَهُمْ صَاحِبُهُمْ مُسَيْلِمَةُ، حَتَّى وَقَفَ أَمَامَ قَوْمِهِ، ثُمَّ حَسَرَ عَنْ رَأْسِهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: (مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ) ١- أَنَا رَسُولٌ وَارْتَضَانِي الْخَالِقُ ... ٢- الْقَابِضُ الْبَاسِطُ ذَاكَ الرّازق ٣- يا ابن الْوَلِيدِ أَنْتَ عِنْدِي فَاسِقُ ... ٤- وَكَافِرٌ بِرَبِّهِ مُنَافِقُ قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ حَمَلَ، وَحَمَلَتْ مَعَهُ بَنُو حَنِيفَةَ كَحَمْلَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَسْلَمُوا سَوَادَهُمْ. قَالَ: وَصَارَتْ بَنُو حَنِيفَةَ إِلَى فُسْطَاطِ خَالِدٍ، فَأَحْدَقُوا بِهِ، وَثَبَتَ لَهُمْ خَالِدٌ يَوْمَئِذٍ وَحْدَهُ، يُقَاتِلُهُمْ بِالسَّيْفِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ كَشَفَهُمْ عَنْ فُسْطَاطِهِ، وَيَلْتَفِتُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ فَيُنَادِيهِمْ: (وَيْحَكُمْ يَا قُرَّاءَ الْقُرْآنِ، أَمَا تَخَافُونَ غَضَبَ الرَّحْمَنِ، وَعَذَابَ النِّيرَانِ، وَيْحَكُمْ يَا أَهْلَ دِينِ الإِسْلامِ، أَيْنَ الْقُرْآنُ مِمَّنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ شَرِيكُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ فِي نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ، أَمَا تخافون الله أن يطلع عليكم فيجازيكم عَلَى شَرِّ أَفْعَالِكُمْ) . قَالَ: فَثَابَ إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى أَحْدَقُوا بِهِ، وَدَنَتْ بَنُو حَنِيفَةَ لِلْقِتَالِ كَأَنَّهُمُ الأُسْدُ الضَّارِيَةُ، وَاشْتَدَّ الْحَرْبُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَتَقَدَّمَ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بن خرشة [٢] الأنصاري،............... ............... .......

стр. 123

وَجَعَلَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ [١] : (مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ) ١- أَسْتَعْدِي اللَّهَ عَلَى الأَنْصَارِ [٢] ... ٢- كَانُوا يَدًا طُرًّا عَلَى الْكُفَّارِ ٣- فِي كُلِّ يَوْمٍ طَالِعِ الْغُبَارِ [٣] ... ٤- فَاسْتَبْدَلُوا النَّجْدَةَ بِالْفِرَارِ [٤] ٥- يَا بِئْسَ فِعْلِ الْمَعْشَرِ الأَبْرَارِ/ ... ٦- الْيَوْمَ طَعْنٌ [٥] وَغَدًا فِرَارُ ٧- الْيَوْمَ أُفْنِي مَعْشَرَ الْفُجَّارِ قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ أَبُو دُجَانَةَ عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ حَتَّى قَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، قَالَ: وَحَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ سَادَاتِ بَنِي حَنِيفَةَ لِيَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ فَأَخْطَأَهُ، وَضَرَبَهُ أَبُو دُجَانَةَ ضَرْبَةً فَقَطَعَهُ نِصْفَيْنِ، وَحَمَلَ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، وَوَلَّى الْحَنَفِيُّ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَلَحِقَهُ أَبُو دُجَانَةَ فَضَرَبَهُ فَقَطَعَ سَاقَيْهِ جَمِيعًا، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى مَيْمَنِتِهِمْ فَضَرَبَ فِيهِمْ ضَرْبًا وَجِيعًا، وَحَمَلَ عَلَى مَيْسَرَتِهِمْ فَفَعَلَ كَذَلِكَ، وَكَانَ رُبَّمَا حَمَلَ عَلَى الرَّجُلِ فَيُعَانِقُهُ ثُمَّ يَذْبَحُهُ، ثُمَّ يَقِفُ وَيُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا أَهْلَ الدِّينِ وَالإِسْلامِ، إِلَيَّ إِلَيَّ، فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي، فثاب إليه أهل السواتر [٦] من أهل

стр. 124

بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالأَحْزَابِ، وَكَبَّرُوا وَحَمَلُوا مَعَهُ حَمْلَةً عَجِيبَةً عَلَى مُسَيْلِمَةَ وَأَصْحَابِهِ فَكَشَفُوهُمْ كَشْفَةً فَاضِحَةً، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمَاعَةً ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى مَوْقِفِهِمْ. فَتَقَدَّمَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ الأَنْصَارِيُّ [١] خَطِيبُ الأَنْصَارِ وَشَيْخُهُمْ، وَفِي يَدِهِ رَايَةٌ صَفْرَاءُ، فَجَعَلَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: (مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ) ١- آمَنْتُ باللَّه الْعَلِيِّ الأَمْجَدِ ... ٢- هَادٍ إِلَى سُبْلِ الْهُدَى وَمُهْتَدِ [٢] ٣- قَدْ كَانَتِ [٣] الأَنْصَارُ فِي الْيَوْمِ الْبَدِي [٤] ... ٤- آسَادُ غَيْلٍ لا ضِبَاعُ فَدْفَدِ ٥- فَأَصْبَحُوا مِثْلَ النَّعَامِ الشُّرَّدِ ... ٦- وَالْمَوْتُ لا شَكَّ بِهِمْ رَهْنُ يَدِي قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ عَلَى الْقَوْمِ، فَلَمْ يزل يقاتل حتى قتل رحمة الله عليه. قَالَ: فَحَمَلَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهُ بَشِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [٥] مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ النَّجَّارِ، حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ الْجَمْعَيْنِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ: (مِنَ الْبَسِيطِ) ١- بِأَبِي يَا بِنْتَ نُعْمَانَ بْنِ خِرَاسِ ... طَالَ الْبَلاءُ عَلَى النَّاسِ مِنَ النَّاسِ ٢- أَبْقَى لَنَا ثَابِتٌ وَالدَّهْرُ ذُو عَجَبٍ ... حزنا طويلا وجرحا ما له آس

стр. 125

٣- لَمَّا رَأَى النَّاسَ قَدْ وَلَّوْا ظُهُورَهُمُ ... لاقَى الْقِتَالَ وَحَامَى عُرْضَةَ النَّاسِ ٤- مَا زَالَ يَطْعَنُ بِالْخُطَى مُعْتَرِضًا ... جَمْعَ الْعِدَاةِ كَلَيْثٍ بَيْنَ أَخْيَاسِ [١] ٥- يَمْضِي إِلَى اللَّهِ قِدْمًا لا يُرِيدُ بِهِ ... دُنْيَا وَلا يَبْتَغِي حَمْدًا مِنَ النَّاسِ ٦- حَتَّى أَصَابَ الَّذِي قَدْ كَانَ أَمَلُهُ ... أَعْظِمْ بِمَا نَالَهُ الْمَرْءُ ابْنُ شِمَاسِ قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ بَشِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا، فَلَمْ يَزَلْ يقاتل حتى قتل، رحمة الله عليه. قال رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ الأَنْصَارِيُّ [٢] : (وَاللَّهِ لَقَدْ كُنَّا نَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ فِيمَا مَضَى: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ٤٨: ١٦ [٣] ، فَلَمْ نَعْلَمْ مَنْ هُمْ، حَتَّى دَعَانَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى قِتَالِ بَنِي حَنِيفَةَ، فَلَمَّا قَاتَلْنَاهُمْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ أُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ هَزَمُونَا نَيِّفًا عَلَى عِشْرِينَ هَزِيمَةً، وَقَتَلُوا مِنَّا مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، كَادُوا أَنْ يَفْتَحُونَا مِرَارًا، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ أحب أن يعز دينه) . [٢٣ أ] قَالَ: ثُمَّ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ اجْتَمَعَتْ آرَاؤُهُمْ/ أَنْ يَحْمِلُوا بِأَجْمَعِهِمْ عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ حَمْلَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ إِنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ حَتَّى يَنْكَوْا [٤] فِيهِمْ، فَعَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُمُ اجْتَمَعُوا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَكَبَّرُوا تَكْبِيرَةً، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَيْهِمْ فكشفوهم، حتى ألجئوهم إِلَى حَدِيقَةٍ [٥] لَهُمْ فَلَمَّا دَخَلُوا إِلَى الْحَدِيقَةِ وحصنوا

стр. 126

فِي جَوْفِهَا، وَمُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ مَعَهُمْ، أَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْحَدِيقَةِ فَقَالَ أَبُو دُجَانَةَ الأَنْصَارِيُّ: وَيْحَكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، احْمِلُونِي حَمْلَةً وَأَلْقُونِي إِلَيْهِمْ. قَالَ: فَحَمَلَ أَبُو دُجَانَةَ عَلَى تُرْسِ بَعْضِ الأَنْصَارِ ثُمَّ رَفَعَ بِالرِّمَاحِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي جَوْفِ الْحَدِيقَةِ. قَالَ: فَوَقَعَ أَبُو دُجَانَةَ فِي الْحَدِيقَةِ، ثُمَّ وَثَبَ كَاللَّيْثِ الْمُغْضِبِ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ ويقول: (من مشطور الرجز) ١- أنا سماك (و) [١] أبو دُجَانَهْ ... ٢- لَسْتُ بِذِي ذُلٍّ وَلا مَهَانَهْ ٣- وَلا جَبَانِ الْقَلْبِ ذِي اسْتِكَانَهْ ... ٤- لا خَيْرَ فِي قَوْمٍ بِدِينٍ خَانَهْ [٢] قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ فِي جَوْفِ الْحَدِيقَةِ حَتَّى قُتِلَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. قَالَ: وَصَاحَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ بِأَصْحَابِهِ: وَيْلَكُمْ يَا مَعْشَرَ بَنِي حَنِيَفَةَ، اعْلَمُوا أَنَّ هذِهِ الْحَدِيقَةَ حَدِيقَةُ الْمَوْتِ، فَقَاتِلُوا أَبَدًا حَتَّى تَمُوتُوا كِرَامًا. قَالَ: وَاقْتَحَمَ خَالُدَ بْن الُوَلِيدِ ﵁ عِنْدَ الْحَدِيقَةِ بِفَرَسِهِ، وَفِي يَدِهِ سَيْفُهُ لَوْ ضَرَبَ الْحَجَرَ قَطَعَهُ، فَجَعَلَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: (مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ) ١- أَسْعَدَنَا قَوْمٌ عَلَى الْمَوْتِ فَنَوْا ... ٢- لَمْ يَهْدِمُوا الدِّينَ وَلا الدُّنْيَا أَبَوْا ٣- وَاللَّهُ يَجْزِي كُلَّ قَوْمٍ مَا نَوَوْا ... ٤- فَطَالَمَا جَاعُوا وَطَالَمَا ظَمَوْا ٥- فَالْيَوْمَ حقّا شبعوا ثم رووا

стр. 127

قَالَ: فَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ فَقَالَ له: أين تريد يا ابن كَذَا وَكَذَا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ خَالِدٌ وَاعْتَنَقَهُ الْحَنَفِيُّ فَسَقَطَا عَنْ فَرَسَيْهِمَا [١] جَمِيعًا إِلَى الأَرْضِ، فَسَقَطَ الْحَنَفِيُّ تَحْتَ خَالِدٍ، فَجَعَلَ يَجْرَحُهُ مِنْ تَحْتِهِ بِخِنْجَرٍ سَبْعَ جِرَاحَاتٍ، وَوَثَبَ خَالِدٌ مِنْ فَوْقِهِ وَتَرَكَهُ، وَإِذَا فَرَسُ خَالِدٍ قَدْ غَابَ فِي الْحَدِيقَةِ، وَجَعَلَ يُقَاتِلُ حَتَّى تَخَلَّصَ وَهُوَ لِمَا بِهِ. قَالَ: وَأَقْبَلَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ الأَنْصَارِيُّ [٢] حَتَّى وَقَفَ عَلَى بَابِ الْحَدِيقَةِ، ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: (يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، احْطِمُوا جُفُونَ سُيُوفِكُمْ وَاقْتَحِمُوا هَذِهِ [٣] الْحَدِيقَةَ عَلَيْهِمْ، فَقَاتِلُوهُمْ أَبَدًا، أَوْ يَقْتُلُ اللَّهُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ) ، قَالَ: ثُمَّ كسر عباد بن بشر جَفْنَ سَيْفِهِ، وَكَسَرَتِ الأَنْصَارُ جُفُونَ سُيُوفِهِمْ، فَاقْتَحَمُوا الْحَدِيقَةَ وَهُمْ عِشْرُونَ وَمِائَةُ رَجُلٍ، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهُمْ إِلا أَرْبَعَةُ نَفَرٍ، فَإِنَّهُمْ أَقْبَلُوا مَجْرُوحِينَ لِمَا بِهِمْ. قَالَ: وَعَظُمَ الأَمْرُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، وَالْتَفَتَتْ بَنُو حَنِيفَةَ إِلَى مُسَيْلِمَةَ، فَقَالُوا لَهُ: (أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قِتَالِ هَؤُلاءِ) ، فَقَالَ: (بِهَذَا أتاني الوحي، [٢٣ ب] إِنَّ الْقَوْمَ/ يُلْجِئُونَكُمْ إِلَى هَذِهِ الْحَدِيقَةِ وَيَكُونُ قِتَالُكُمْ [٤] مَعَهُمْ فِي جَوْفِهَا) ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: فَأَيْنَ مَا وَعَدْتَنَا مِنْ رَبِّكَ أَنْ يَنْصُرَنَا عَلَى عَدُوِّنَا، وَإِنَّ هَذَا الدِّينَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ هُوَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) ، فَقَالَ مُسَيْلِمَةُ: (أَمَّا الدِّينُ فَلا دِينَ لَكُمْ، وَلَكِنْ قَاتِلُوا عَنْ أَحْسَابِكُمْ، أَتَظُنُّونَ أَنَّا إِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ إِلَى الساعة ونحن على الحق وهم على

стр. 128

الْبَاطِلِ، إِنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى مَا تَظُنُّونَ إِذَنْ لَمَا قُهِرْنَا، وَلا فَلَّ أَحَدٌ جَمْعَنَا) . قَالَ: وَجَعَلَ مُسَيْلِمَةُ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: (مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ) ١- فَلَوْ عَلَى الْحَقِّ صَبَرْنَا صَبْرَنَا ... ٢- وَعَانَدَ الْقَوْمُ فَكَانُوا مِثْلَنَا ٣- وَكَانَ فِي حَقٍّ يَجُوزُ أَمْرُنَا ... ٤- مَا فَلَّ خَلْقٌ فِي الأَنَامِ جَمْعَنَا فَعِنْدَهَا عَلِمَ الْقَوْمُ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي غُرُورٍ وَضَلالٍ مِنِ اسْتِمْسَاكِهِمْ بِدِينِ مُسَيْلِمَةِ الْكَذَّابِ النَّجِسِ، وَجَعَل رَجُلٌ [١] مِنْهُمْ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ [٢] : (مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ) ١- لَبِئْسَ مَا أَوْرَدَنَا مُسَيْلِمَهْ ... ٢- أَبْقَى لَنَا [٣] مِنْ بَعْدِنَا أُغَيْلِمَهْ ٣- وَنِسْوَةً جُرًّا لَهُمْ مُنَيْنِمَهْ [٤] ... ٤- وَاشتما رِمَالهَا أُمَيْنِمَهْ [٥] قَالَ: ثُمَّ اقْتَحَمَ الْمُسْلِمُونَ بِأَجْمَعِهِمْ إِلَى مُسَيْلِمَةَ وَأَصْحَابِهِ، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى احْمَرَّتْ أَرْضُ الْحَدِيقَةِ مِنَ الدِّمَاءِ. قَالَ: وَنَظَرَ وَحْشِيٌّ [٦] ............... ............... ............... .....

стр. 129

غُلام جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ إِلَى مُسَيْلِمَةَ [١] وَقَدْ أَلْجَأَهُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى جَانِبِ الْحَدِيقَةِ، فَقَصَدَهُ وَحْشِيٌّ، وَقَصَدَهُ أَيْضًا رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ [٢] ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا مُسَيْلِمَةُ وَقَدْ قَصَدَاهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمَا، فَبَدَرَهُ الأَنْصَارِيُّ بِضَرْبَةٍ عَلَى رَأْسِهِ فَأَوْهَنَهُ، وَرَمَى وَحْشِيٌّ بِحَرْبَةٍ كَانَتْ فِي يَدِهِ، فَوَقَعَتِ الْحَرْبَةُ فِي خَاصِرَتِهِ فَسَقَطَ مُسَيْلِمَةُ عَدُوُّ اللَّهِ عَنْ فَرَسِهِ قَتِيلا. قَالَ: وَتَصَايَحَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: أَلا أَنَّ مُسَيْلِمَةَ عَدُوَّ اللَّهِ قَدْ قَتَلَهُ عَبْدٌ أَسْوَدُ وَهُوَ وَحْشِيٌّ غُلامُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ. قَالَ: وَجَعَلَ وَحْشِيٌّ يُنَادِي: (أَيُّهَا النَّاسُ، أَنَا وَحْشِيٌّ غُلامُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ وَأَنَا كَافِرٌ، أَعْنِي حَمْزَةَ بْنَ عبد المطلب [٣] ، وقتلت أشر الناس [٤]

стр. 130

وَأَنَا مُسْلِمٌ) ، يَعْنِي مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ، ثُمَّ أَنْشَأَ الأَنْصَارِيُّ [١] يَقُولُ [٢] . (مِنَ الْمُتَقَارِبِ) ١- أَلَمْ تَرَ أَنِّي [٣] وَوَحْشِيُّهُمْ ... قَتَلْنَا مُسَيْلِمَةَ الْمُفْتَتَنْ ٢- تُسَائِلُنِي النَّاسُ عَنْ قَتْلِهِ ... فَقُلْتُ ضَرَبْتُ وَهَذَا طَعَنْ ٣- وَقَدْ زَعَمَ الْعَبْدُ أَنَّ السِّنَانَ ... هَوَى فِي خَوَاصِرِهِ وَارْجَحَنّْ [٤] ٤- ويزعم أنّي ضربت الشّؤون ... بِأَبْيَضَ عَضْبٍ يُطِيرُ الْقَنَنْ [٥] ٥- فَلَسْتُ بِصَاحِبِهِ دُونَهُ ... وَلا هُوَ بِصَاحِبِهِ فَاعْلَمَنْ [٦] ٦- وَلَكِنْ شَرِيكَانِ فِي قَتْلِهِ ... كَمَا شَارَكَ الرُّوحَ ... [٧] وَالْبَدَنْ ٧- وَلَمْ يَكُنِ الْحَظُّ إِلا لَهُ ... وَلا الْحَظُّ إِلا لِمَنْ قد طعن/ [٢٤ أ] قَالَ: فَدَفَعْتُ حَنِيفَةَ جَانِبًا [٨] مِنَ الْحَائِطِ الَّذِي لِلْحَدِيقَةِ، وَخَرَجُوا مِنْهَا، وَالسَّيْفُ يَأْخُذُهُمْ. فَأَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ﵁، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَوَقَفُوا عَلَى مُسَيْلِمَةَ [٩] وَهُوَ مَقْتُولٌ ونظر إليه، فإذا هو أجفس [١٠]

стр. 131

ضَعِيفُ الْبَدَنِ [١] ، فَقَالَ خَالِدٌ: (أَيْنَ مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ) ، فَقَالَ: (هَا أَنَا ذَا أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ) ، فَقَالَ: (هَذَا صَاحِبُكُمُ الَّذِي أَوْقَعَكُمْ) ، فَقَالَ مُجَّاعَةُ: (نَعَمْ أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ، هَذَا صَاحِبُنَا، فلعنة الله عليه، فلقد كان مشؤوما عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى بَنِي حَنِيفَةَ) . قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ يَقُولُ: (مِنَ الرَّمَلِ) ١- قُلْتُ وَالأُفْقُ عَلَيْهِ [٢] قَتَمُهْ ... بِئْسَ [٣] مَا جَرَّ عَلَيْنَا مَسْلَمَهْ [٤] ٢- حَاوَلَ الْقَتْلَ فَأَلْفَى خَالِدًا [٥] ... كَعَتِيقِ [٦] الطَّيْرِ خَلَّى رَخِمَهْ ٣- قَالَ لَمَّا أَنْ رَآهُ [٧] مُقْبِلا ... إِنَّ هَذَا قَدْ يُرِيدُ الْقَحَمَهْ ٤- أَصْبَحَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا ضَائِعًا [٨] ... وَيْلَكَ الْخَيْرُ عَلَى مَا دَهَمَهْ [٩] قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ مُجَّاعَةُ عَلَى خَالِدٍ فَقَالَ: (أَيُّهَا الأَمِيرُ، فَلِمَ [لا] تُصَالِحُنِي عَلَى مَنْ وَرَائِي مِنَ النَّاسِ، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ مَا آتَاكَ إِلَى الْحَرْبِ إِلا سَرْعَانُ الْخَيْلِ) [١٠] . فَقَالَ خَالِدٌ: (وَيْلَكَ مَا تَقُولُ يَا مُجَّاعَةُ) ، فَقَالَ: (أَقُولُ: أَرَى الْحُصُونَ مَمْلُوءَةً رِجَالا وَسِلاحًا) . فَظَنَّ خَالِدٌ كَمَا يَقُولُ، فَجَعَلَ يُقَدِّمُ وَيُؤَخِّرُ في الصلح.

стр. 132

قَالَ: وَكَانَ مُجَّاعَةُ أَرْسَلَ إِلَى الْحُصُونِ [١] فَأَمَرَ النساء أن يلبس الدُّرُوعَ وَالْمَغَافِرَ وَيَتَقَلَّدْنَ السُّيُوفَ، وَيَقِفْنَ عَلَى أَسْوَارِ الْحُصُونِ، حَتَّى نَظَرَ إِلَيْهِنَّ خَالِدٌ، فَلَمَّا نَظَرَ خالد إليهن قال: (يوحك يَا مُجَّاعَةُ، إِنِّي أَرَى الْحُصُونَ مَمْلُوءَةً رِجَالا وَسِلاحًا) ، فَقَالَ مُجَّاعَةُ: (قَدْ خَبَّرْتُكَ بِذَلِكَ أَيُّهَا الأَمِيرُ لَكِنَّكَ أَبَيْتَ أَنْ تُصَالِحَنِي) . قَالَ خَالِدٌ: (إِنِّي قَدْ صَالَحْتُكَ) [٢] . فَصَالَحَهُ خَالِدٌ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنَ الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَعَلَى ثُلُثِ الْكُرَاعِ وَرُبُعٍ مِنَ السَّبْيِ. وَأَقْبَلَ مُجَّاعَةُ نَحْوَ الْحُصُونِ، فَإِذَا هُوَ بِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ قَدْ رَفَعَتْ صَوْتَهَا تَقُولُ [٣] : (مِنَ المتقارب) ١- مُسَيْلِمُ [٤] لَمْ يَبْقَ إِلا النِّسَاءُ ... سَبَايَا لِذِي الْخُفِّ وَالْحَافِرِ ٢- وَطِفْلٌ تُرَشِّحُهُ أُمُّهُ ... صَغِيرٌ مَتَى يُدْعَ يَسْتَأْخِرِ ٣- فَأَمَّا الرِّجَالُ فَأَوْرَدْتَهُمْ [٥] ... حَوَادِثَ مِنْ دَهْرِنَا الْغَابِرِ ٤- فَلَيْتَ أَبَاكَ مَضَى حَيْضَةً ... وَلَيْتَكَ قَدْ كُنْتَ فِي الْقَابِرِ [٦] ٥- سَحَبْتَ عَلَيْنَا ذُيُولَ الْبَلاءِ ... وَجِئْتَ بِهِنَّ سَمَا قَاشِرِ [٧] ٦- أَلا يَا مُجَاعَةَ فَانْظُرْ لَنَا [٨] ... فَلَيْسَ لَنَا الْيَوْمَ مِنْ نَاظِرِ ٧- سِوَاكَ فَإِنَّا عَلَى حَالَةٍ ... يَرِقُّ لَهَا قلب ذا الكافر [٩]

стр. 133

٨- نِسَاءُ عَدِيٍّ وَعَبْدِ مَنَاةَ ... وَحَيِّ بَنِي الدُّولِ أو عامر [٢٤ ب] قَالَ: فَدَنَا مِنْهُمْ مُجَّاعَةُ [١] وَقَالَ لَهَا: (بِرِضَى اللَّهِ، أَنَا مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ/ وَقَدْ صَالَحْتُ خَالِدًا صُلْحَ مَكْرٍ، فَلا تَبْرَحْنَ عَنْ مَوَاضِعِكُنَّ [٢] حَتَّى يَتِمَّ الصُّلْحُ) . قَالَ: وَأُحْصِيَ مَنْ قُتِلَ من المسلمين ألفان ومائتا رجل [٣] ، منهم سبعمائة رَجُلٍ [مِنْ] حُفَّاظِ الْقُرْآنِ. وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ ﵁، فَقَامَتِ النَّائِحَاتُ فِي المدينة على الفتلى. قَالَ: وَكَتَبَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى خَالِدٍ يُحَرِّضُهُ عَلَى قَتْلِ مَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ: (مِنَ الْكَامِلِ) ١- يَا أَيُّهَا الرَّجُلانِ إِنَّ كُلُومَنَا ... دَمِيَتْ وَعَاوَدَ قَرْحَهَا [٤] التَّنْزِيفُ ٢- سِيرَا بِهَا للَّه [٥] دَرُّ أَبِيكُمَا ... سَيْرًا حَثِيثًا فِي مَدَاهُ وَجِيفُ ٣- قَتَلَتْ حَنِيفَةُ وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ ... أَهْلَ الْقُرْآنِ فَدَمْعُنَا تَذْرِيفُ ٤- قُولا لِخَالِدٍ الْمُزَاحِمِ دُونَنَا ... قَوْلا لَهُ في بعضه تعنيف ٥- يا ابن الْوَلِيدِ فَشَرِّدَنْ [٦] مَنْ خَلْفَهُمْ ... بِهِمُ وَذَا خَطْبٌ عَلَيْكَ خَفِيفُ ٦- لا يَقْتُلَنَّكَ مِنْهُمُ ذُو لَهْجَةٍ ... فالطف فإنّك في الأمور لطيف

стр. 134

٧- واقتلهم قتل الكلاب ولا تكن ... يا ابن الْمُغِيرَةِ دَأْبُكَ [١] التَّسْوِيفُ ٨- تَبِعُوا مُسَيْلِمَةَ الْكَذُوبَ سَفَاهَةً ... قَبُحَ الشَّرِيفُ وَقُبِّحَ الْمَشْرُوفُ قَالَ: فَلَمَّا وَصَلَتْ هَذِهِ الأَبْيَاتُ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَنَظَرَ فِيهَا، قَالَ: (إِنَّهُ لَوْلا مَا قَدْ مَضَى مِنْ صُلْحِ الْقَوْمِ لَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَمَّا الآنَ فَلَيْسَ إِلَى قَتْلِهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) . قَالَ: ثُمَّ كَتَبَ خَالِدٌ الْكِتَابَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ يَقُولُ فِيهِ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ خَلِيفَةِ رَسُولِ الله ﵌، مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ لَمْ يُرِدْ بِأَهْلِ الْيَمَامَةِ [٢] إِلا مَا صَارُوا إِلَيْهِ، وَقَدْ صَالَحْتُ الْقَوْمَ عَلَى مَا وُجِدَ مِنَ الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ، وَعَلَى ثُلُثِ الْكُرَاعِ وَرُبُعِ السَّبْيِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ ﵎ أَنْ يَجْعَلَ فِي عَاقِبَةِ صُلْحِهِمْ خَيْرًا، وَالسَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) . قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁: (أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ، وَمَا ذَكَرْتَ فِيهِ مِنْ صُلْحِ الْقَوْمِ بِأَنَّهُمْ صَالَحُوكَ، فَأَتْمِمْ لِلْقَوْمِ مَا صَالَحْتَهُمْ عَلَيْهِ، وَلا تَغْدُرْ بِهِمْ، وَاجْمَعِ الْغَنَائِمَ وَالسَّبْيَ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ مَالِ بَنِي حَنِيفَةَ، فَأَخْرِجْ مِنْ ذَلِكَ الْخُمُسَ، وَوَجِّهْ بِهِ إِلَيْنَا لِيُقَسَّمَ فِيمَنْ يَحْضُرُنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَادْفَعْ إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَالسَّلامُ) . وَبَلَغَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنَّ مُجَّاعَةَ بْنَ مُرَارَةَ قَدْ خَدَعَهُ، وَأَوْقَفَ النِّسَاءَ عَلَى حِيطَانِ السُّورِ، وَأَلْبَسَهُمُ السِّلاحَ، فَإِنَّهُ صَالَحَ خَالِدًا صُلْحَ مَكْرٍ. قَالَ: فَدَعَا بِهِ خَالِدٌ وَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: (نَعَمْ أَيُّهَا الأَمِيرُ، إِنِّي لَمْ أَجِدْ بُدًّا مِمَّا فَعَلْتُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَوْمِي وَعَشِيرَتِي، وَخَشِيتُ عَلَيْهِمُ الْفَنَاءَ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ/ أَعْوَانًا لَكَ عَلَى مَنْ نَاوَأَكَ) . قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ خَالِدٌ، ولم يحب أن ينقض [٢٥ أ]

стр. 135

الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُجَّاعَةَ، فَانْصَرَفَ مُجَّاعَةُ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: (مِنَ الطَّوِيلِ) ١- يَلُومُ عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ ضَلَّةً ... وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ لِلْعُلَى غَيْرُ وَاحِدِ ٢- وَهَلْ يَنْهَضُ الْبَازِيُّ [١] إِلا بِرِيشِهِ ... وَهَلْ يَحْمِلُ الأَعْضَادَ غَيْرُ السَّوَاعِدِ ٣- فَمَا لِي إِلا مَنْ بَقِي الْيَوْمَ مِنْهُمُ ... وَمَا مَنْ مَضَى مِنْهُمْ إِلَيَّ بِعَائِدِ ٤- وَلَوْ قِيلَ أَفْدِي مَنْ مَضَى لَفَدَيْتُهُ ... بِنَفْسِي وَمَا لِي مِنْ طَرِيفٍ وَتَالِدِ ٥- وَإِنْ كُنْتُ قَدْ خَاطَرْتُ فِيهِمْ بِمُهْجَتِي ... فَلَمْ أَجِدْ إِلا وَجْدَ جَدِّي وَوَالِدِي [٢] ٦- هُمَا مَا هُمَا كَانَا لِكُلِّ عَظِيمَةٍ ... تَهَابُ وَتَخْشَى رَأْيَ أَهْلِ الْمَحَامِدِ ٧- فَأَحْيَيْتُ مَا أَحْيَا مُرَارَةُ [٣] إِنَّهُ ... وَوَالِدُهُ كَانَا لِتِلْكَ الشَّدَائِدِ ٨- وَقُلْتُ لِقَوْمِي قَلِّدُونِي أُمُورَكُمْ ... فَلَسْتُ لِمَا حَمَّلْتُمُونِي بِقَاعِدِ ٩- وَلَوْ خَالِدٌ [٤] كَانَ الْمُصَابَ بِقَوْمِهِ ... لَنَاظَرَ فِيهِمْ بِالْوَغَى وَالْمَكَائِدِ ١٠- لَقَالَتْ قُرَيْشٌ: خَالِدٌ سَيِّدُ الْوَرَى ... وَإِنْ كَانَ فِيهَا قَطْعُ تِلْكَ الْقَلائِدِ ١١- فَلَمْ يَنْقُضِ الْحَقَّ الْمَكِيدَةُ عِنْدَهُ ... وَلَكِنَّهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ زَائِدُ [٥] قَالَ: ثُمَّ جَمَعَ خَالِدٌ ﵁ الْغَنَائِمَ، فَأَخْرَجَ مِنْهَا الْخُمُسَ، وَقَسَّمَ بَاقِي ذَلِكَ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَبَعَثَ الْخُمُسَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَانْتَخَبَ خَمْسِينَ مِنْ وُجُوهِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فَوَجَّهَ بِهِمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، حَتَّى قَدِمَ هَؤُلاءِ الْقَوْمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مَعَ الْخُمُسِ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ وَسَلَّمُوا رَدَّ ﵈، ثُمَّ قَالَ: (يَا بَنِي حَنِيفَةَ، مَا هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ أَزْمَعْتُمْ [٦] عليه من أمر مسيلمة) .

стр. 136

قَالَ: فَتَكَلَّمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ عَمْرُو بْنُ سَمُرَةَ فَقَالَ: (يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، خرج بيننا وكان رجلا مشؤوما، أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَأَمَانِيِّ الشَّيْطَانِ، دَعَا إِلَيْهِ قَوْمَهُ مَنْ مِثْلَهُ فَأَجَابُوهُ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُبَارِكِ اللَّهُ لَهُ وَلا لِقَوْمِهِ فِيهِ، وَقَدْ كَانَ مِنَّا مِمَّا كَانَ مِنْ غَيْرِنَا، مِمَّنِ ارْتَدَّ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَأَنْتَ أَوْلَى بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ الْجَمِيلِ وَالسَّلامُ) ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ [١] : (مِنَ الْمُتَقَارِبِ) ١- رَمَتْنَا الْقَبَائِلُ بِالْمُنْكَرَاتِ ... وَمَا نَحْنُ إِلا كَمَنْ قَدْ جَحَدْ ٢- وَلَسْنَا بِأَكْفَرَ مِنْ عَامِرٍ ... وَلا غَطَفَانَ وَلا مِنْ أَسَدْ ٣- وَلا مِنْ سُلَيْمٍ وَسَادَاتِهَا [٢] ... وَلا مِنْ تَمِيمٍ وَأَهْلِ الْجَنَدْ [٣] ٤- وَلا ذِي الْخِمَارِ [٤] وَلا قَوْمِهِ ... وَلا الأَشْعَثِ [٥] الْيَوْمَ لَوْلا النَّكَدْ ٥- وَلا مِنْ عَرَانِينَ مِنْ وَائِلٍ ... تَسُوقُ [٦] الْمُحَرَّقَ سوق النّقد [٧]

стр. 137

٦- وَكُنَّا أُنَاسًا عَلَى شُبْهَةٍ [١] ... نَرَى الْغَيَّ لا شَكَّ [٢] مِثْلَ الرَّشَدْ ٧- نَدِينُ بِمَا دَانَ [٣] كَذَّابُنَا ... فَيَا لَيْتَ وَالِدَهُ لَمْ يَلِدْ ٨- تَمَنَّى النُّبُوَّةَ فِي شِرْكِهِ ... وَمَا قَالَهَا قَبْلَهُ مِنْ أَحَدْ ٩- فَلَمَّا أَنَاخَ بِنَا خَالِدٌ ... جَهِدْنَا لَدَى الْحَرْبِ فِيمَنْ جَهِدْ ١٠- فَصَالَحَنَا بَعْدَ حَرِّ الْقِتَالِ ... عَلَى مَا أَرَادَ وَمَا لَمْ نُرِدْ ١١- خَرَجْنَا إِلَيْهِ بِأَمْوَالِنَا ... وَرُبْعِ النِّسَاءِ وَثُلْثِ النَّقَدْ ١٢- عَلَى الصَّغْرِ مِنَّا بِلا مِرْيَةٍ ... فَقَلَّدَنَا عَارَهَا فِي الأَبَدْ [٢٥ ب] قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ عَمْرٌو مِنْ شِعْرِهِ أَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ/ ﵁، فَقَالَ: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ٣: ١٨٢ [٤] ، قَالَ: ثُمَّ رَضِيَ عَنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَأَمَرَهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى بَلَدِهِمْ بِالْيَمَامَةِ. قَالَ: وَخَطَبَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى مُجَّاعَةَ ابْنَتَهُ فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا، ودخل خالد بها هنا لك بِأَرْضِ الْيَمَامَةِ، فَكَانَ إِذَا جَاءَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ يَرُدُّ ﵈ وَيَأْمُرُهُمْ بِالْجُلُوسِ، فَيَجْلِسُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ حَيْثُ مَا لَحِقَ، وَإِذَا جَاءَ أَعْمَامُ هَذِهِ الْجَارِيَةِ الَّتِي قَدْ تَزَوَّجَ بِهَا، يَرْفَعُ مَجَالِسَهُمْ وَيَقْضِي حَوَائِجَهُمْ، قَالَ: فَغَضِبَ الْمُسْلِمُونَ لِذَلِكَ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ مَا يَفْعَلُهُ خَالِدٌ، فَكَتَبَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ، يَقُولُ [٥] : (مِنَ الطَّوِيلِ) ١- أَلا أَبْلِغِ الصِّدِّيقَ قَوْلا كَأَنَّهُ ... إِذَا بثّ بين المسلمين المبارد [٦]

стр. 138

٢- أَتَرْضَى بِأَنَّا لا تَجِفُّ [١] دِمَاؤُنَا ... وَهَذَا عَرُوسٌ بِالْيَمَامَةِ خَالِدُ ٣- يَبِيتُ يُنَاغِي عُرْسَهُ فِي فِرَاشِهِ [٢] ... وَهَامٌ لَنَا مَطْرُوحَةٌ وَسَوَاعِدُ ٤- إِذَا نَحْنُ جِئْنَا صَدَّ عَنَّا بِوَجْهِهِ ... وَتُثْنَى [٣] لأَعْمَامِ الْعَرُوسِ الْوَسَائِدُ ٥- وَقَدْ كَانَتِ الأَنْصَارُ مِنْهُ قَرِيبَةً ... فَلَمَّا رَأَوْهُ قَدْ تَبَاعَدَ بَاعَدُوا ٦- وَمَا كَانَ فِي صِهْرِ الْيَمَامِيِّ رَغْبَةً ... وَلَوْ لَمْ يُصَبْ [٤] إِلا مِنَ النَّاسِ وَاحِدُ ٧- فَكَيْفَ بِأَلْفٍ قَدْ أُصِيبُوا وَنَيِّفٍ ... على المائتين [٥] الْيَوْمَ أَوْ زَادَ زَائِدُ ٨- فَإِنْ تَرْضَ هَذَا فَالرِّضَا مَا رَضِيتَهُ ... وَإِلا فَأَيْقِظْ إِنَّ مَنْ تَحْتَ رَاقِدُ [٦] قَالَ: فَلَمَّا وَرَدَتْ هَذِهِ الأَبْيَاتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، غَضِبَ لِذَلِكَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: (يَاَ أَبَا حَفْصٍ مَا تَرَى إِلَى خَالِد بْنِ الْوَلِيدِ وَحِرْصِهِ عَلَى التَّزَوُّجِ، وَقِلَّةِ اكْتِرَاثِهِ بِمَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ، فَقَالَ عُمَرُ: (إِنَّا وَاللَّهِ لا يَزَالُ يَأْتِينَا مِنْ خَالِدٍ فِي كُلِّ حِينٍ مَا تَضِيقُ بِهِ الصُّدُورُ) . قَالَ: ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ أبو بكر [٧] :

стр. 139

(أما بعد يا ابن الْوَلِيدِ، فَإِنَّكَ فَارِغُ الْقَلْبِ حَسَنُ الْعَزَاءِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، إِذْ قَدِ اعْتَكَفْتَ عَلَى النِّسَاءِ وَبِفِنَاءِ بَيْتِكَ أَلْفٌ وَمِائَتَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، مِنْهُمْ سبعمائة رَجُلٍ مِنْ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ، إِنْ لَمْ يَخْدَعْكَ مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ عَنْ رَأْيِكَ أَنْ صَالَحَكَ عَنْهُ صُلْحَ مَكْرٍ، وَقَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُمْ، أَمَا وَاللَّهِ يَا خَالِدُ مَا هِيَ بِنُكْرٍ، وَإِنَّهَا شَبِيهَةٌ بِفِعْلِكَ بِمَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، فَسَوْأَةٌ لَكَ وَلأَفْعَالِكَ هَذِهِ الْقَبِيحَةِ الَّتِي سَاءَتْكَ فِي بَنِي مَخْزُومٍ وَالسَّلامُ) . قَالَ: فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى خَالِدٍ وَقَرَأَهُ تَبَسَّمَ ضَاحِكًا، ثُمَّ قَالَ: (يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ كَلامِهِ شَيْئًا، وَلا هَذَا إِلا مِنْ كَلامِ ابْنِ الْخَطَّابِ [١] ﵁، وَقَدْ كَانَ الَّذِي كَانَ وَلَيْسَ إِلَى رَدِّهِ مِنْ سَبِيلٍ) . قَالَ: وَغَضِبَ أَهْلُ الْيَمَامَةِ لِمَا كَانَ مِنْ إِزْرَاءِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى خَالِدٍ فِي تَزْوِيجِهِ مِنْهُمْ، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَقُولُ: (مِنَ الطَّوِيلِ) ١- إِنَّا وَإِنْ كَانَتْ قُرَيْشٌ أَئِمَّةً ... عَلَيْنَا وَفِيهِمْ نَخْوَةُ الْعِزِّ وَالشَّرَفْ [٢٦ أ] ٢- فَلَسْنَا نَرَى صِهْرَ الْمُغِيرِيِّ خَالِدٍ [٢] ... لِمُجَّاعَةَ الْحَامِي الدِّيَارِ مِنَ السَّرَفْ/ ٣- لَهُ شَرَفٌ فِي حَيِّ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ... إِلَى خَلَفٍ مَا مِثْلُهُ فِيهِ مِنْ خَلَفْ ٤- عَلَى أَنَّ سَيْفَ اللَّهِ عِزَّةُ قَوْمِهِ ... بَرِيءٌ مِنَ الأَمْرِ الْمُقَرِّبِ لِلتَّلَفْ ٥- وَلَكِنَّ مُجَّاعَ الْيَمَامَةِ سَيِّدٌ ... خِضَمٌّ [٣] فَمَنْ شَا أَنْكَرَ الْيَوْمَ أَوْ عَرَفْ ٦- وَقَدْ نَفَّرَ الصِّدِّيقُ لِلصِّهْرِ نَخْوَةً ... تَوَخَّى لَهَا مِنْ خَالِدٍ بَعْضَ مَا سَلَفْ ٧- فَمَا كَرِهَ الصِّدِّيقُ مِنْهُ كَرِيهَةً ... وما سخف الصدّيق من أمره سخف

стр. 140

ذِكْرُ رِدَّةِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ [ ١] قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ أَمْرِ الْيَمَامَةِ وَبَنِي حَنِيفَةَ وَقَتَلَ مُسَيْلِمَةَ، أَقَامَ بِأَرْضِ الْيَمَامَةِ يَنْظُرُ أَمْرَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، قَالَ: وَعَزَمَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُوَجِّهَ بِجَيْشٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مُحَارَبَةِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، وَكَانَ مِنْ سَبَبِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ وَارْتِدَادِهِمْ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ، أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ كَانُوا يُعَادُونَ قَبَائِلَ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَعَبْدُ الْقَيْسِ يَوْمَئِذٍ بِالْبَحْرَيْنِ مُتَمَسِّكُونَ بِدِينِ الإِسْلامِ، لَمْ يَرْتَدُّوا مَعَ مَنِ ارْتَدَّ، وَجَعَلَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: (تَعَالَوْا حَتَّى نَرُدَّ الْمُلْكَ فِي دَارِ النُّعْمَانِ ابْنِ الْمُنْذِرِ [٢] ، فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنَ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ) . قَالَ: فَعَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ نَفَرٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ وَأَهْلِ الشَّرَفِ فِيهِمْ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى كِسْرَى مَلِكِ الْفُرْسِ، فَاسْتَأْذَنُوا عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَحَيَّوْهُ بِتَحِيَّةِ الْمُلُوكِ. فَقَالَ كِسْرَى: (مَا الَّذِي أَقْدَمَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ) ، فَقَالُوا: (أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُ قَدْ مَضَى ذَلِكَ الرَّجُلُ [مِنَ] الْعَرَبِ الَّذِي كَانَتْ قُرَيْشٌ وَسَائِرُ مُضَرَ يَعْتَزُّونَ بِهِ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ رسول الله ﵌، وَقَدْ قَامَ بَعْدَهُ خَلِيفَةٌ لَهُ ضَعِيفُ البدن،

стр. 141

ضَعِيفُ الرَّأْيِ، وَقَدِ انْصَرَفَ عَامِلُهُ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَبِلادُ الْبَحْرَيْنِ الْيَوْمَ ضَائِعَةٌ لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ مِمَّنْ هُوَ عَلَى دِينِ الإِسْلامِ، إِلا شِرْذِمَةٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَلَيْسَ هُمْ عِنْدَنَا بِشَيْءٍ، وَنَحْنُ أَكْثَرُ مِنْهُمْ خَيْلا وَرَجْلا، وَلَوْ بَعَثْتَ إِلَى الْبَحْرَيْنِ رَجُلا يَأْخُذُهَا، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُمَانِعُهُ عَلَيْهَا) . قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ كِسْرَى: (مَنْ تُحِبُّونَ أَنْ أُوَجِّهَ مَعَكُمْ إِلَى الْبَحْرَيْنِ) ، قَالُوا: (مَنْ أَحَبَّ الْمَلِكُ) ، قَالَ: (فَمَا تَقُولُونَ فِي الْمُنْذِرِ [١] بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ) ، فَقَالُوا: (أَيُّهَا الْمَلِكُ، هُوَ لَنَا رِضًا، وَمَا نُرِيدُ بِهِ بَدَلا) . قَالَ: فَأَرْسَلَ كِسْرَى إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ، فَدَعَاهُ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ غُلامٌ حَدَثُ السِّنِّ حِينَ بَقِلَ وَجْهُهُ [٢] فَخَلَعَ عَلَيْهِ بِخِلَعٍ، وَتَوَّجَهُ بِتَاجٍ وَحَمَلَهُ عَلَى مِائَةٍ مِنَ الْخَيْلِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ سَبْعَةَ آلافِ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَعَزَمَ أَنْ يُوَجِّهَ بِهِ مَعَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ [٣] إِلَى الْبَحْرَيْنِ. قَالَ: وَتَجَهَّزَ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ لِيَخْرُجَ مَعَ الْقَوْمِ، وَنَدِمَ كِسْرَى عَلَى مَا فَعَلَ، وَجَعَلَ يَقُولُ لِوُزَرَائِهِ: (إِنِّي لَمْ أَصْنَعْ شَيْئًا عَمِلْتُهُ إِلَى غُلامٍ حَدَثِ السِّنِّ لا مَعْرِفَةَ لَهُ بِالأُمُورِ فَجَعَلْتُهُ رَأْسًا لِلْعَرَبِ، وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ) . قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُنْذِرَ بْنَ النُّعْمَانِ، فَأَقْبَلَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى كِسْرَى، فحياه [٢٦ ب] بِتَحِيَّةِ الْمُلُوكِ/ وَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى مَنْ بِحَضْرَتِهِ مِنَ الْعَرَبِ، ثُمَّ قَالَ: (انْظُرُوا أَنْ تُفَسِّرُوا مَا أَقُولُ) ، ثُمَّ أَنْشَأَ يقول:

стр. 142

(مِنَ الْكَامِلِ) ١- قُولا لِكِسْرَى وَالْخُطُوبُ كَثِيرَةٌ ... إِنَّ الْمُلُوكَ تَهِينُ مَا لَمْ تُخْبَرُ ٢- فَإِذَا بَلَوْا كَانُوا لأَوَّلِ غَايَةٍ ... بَيْنَ الْمُبَرِّزِ وَالسُّقُوطِ الأَغْبَرِ ٣- إِنْ لَمْ أَكُنْ كَانَ الَّذِي أَنْمَى لَهُ ... فكذا [ك] [١] لَمْ يَكُ وَالِدِي كَالْمُنْذِرِ ٤- وَكَذَاكَ وَالِدُهُ جَرَى مِنْ جَدِّهِ ... وَعَلَيْهِ آخِرُنَا فَخُذْنَا أَوْ ذَرِ ٥- وَالْمَرْءُ يُخْلِفُهُ ابْنُهُ مِنْ بَعْدِهِ ... حَتَّى يَكُونَ بِمَسْمَعٍ أَوْ مَنْظَرِ ٦- إِنْ كَانَ لِلنُّعْمَانِ [٢] ذَنْبٌ أَوْ لَهُ ... عُذْرٌ فَمَا لِي فِيهِمَا مِنْ مَصْدَرِ ٧- قَدْ كَانَ نَاصِحَكَ النَّصِيحَةِ كُلِّهَا ... وَجَنَى عَدُوُّكَ فَقْعَةً بِالْقَرْقَرِ [٣] ٨- إِنِّي كَذَلِكَ لِلصَّنِيعَةِ شَاكِرٌ ... لا خَيْرَ فِي الْمَعْرُوفِ مَا لَمْ يُشْكَرِ قَالَ: فَلَمَّا فُسِّرَتْ هَذِهِ الأَبْيَاتِ عَلَى كِسْرَى وَفَهِمَهَا، أَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ مَعَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَقَالُوا: وَمَعَهُمْ أَبُو ضُبَيْعَةَ الْحُطَمُ [٤] بْنُ زَيْدٍ، وَظَبْيَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَمُسْمِعُ بْنُ مَالِكٍ. قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِمُ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ [٥] وعذلهم في فعالهم، ونهاهم عما قد

стр. 143

عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنْ حَرْبِهِمْ لإِخْوَتِهِمْ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَيُهَدِّدُهُمْ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَكَتَبَ فِي كِتَابِهِ إِلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ: (مِنَ الرَّمَلِ) ١- طَالَ لَيْلِي لِتَمَنِّي مِسْمَعِ ... وَابْنِ ظَبْيَانَ جَمِيعًا وَالْحُطَمْ [١] ٢- وَغَزَوْا خُنْفُسَ [٢] جُبْنًا مِنْهُمُ ... عَمْرُكَ اللَّهُ وَجَبْنَا لِلْعَجَمْ ٣- لَنْ [٣] تُحِبَّ الْفُرْسُ بَكْرًا أَبَدًا مَا ... جَرَى الْبَحْرُ وَمَا أَوْفَى إِضَمْ [٤] ٤- بَعْدَ ذِي قَارٍ [٥] وَلَوْلا صبركم ... كنتم مثل ثمود أو إرم [٦]

стр. 144

٥- فَأَصَابَ الْقَوْمُ مِنْكُمْ فُرْصَةً ... تَذْهَبُ الأَمْوَالُ فِيَها وَالْحُرَمْ ٦- فَاعْطِفُوا الرَّحْمَ عَلَى أَعْمَامِكُمْ ... قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْكُمْ بِالْكَظَمْ [١] ٧- قَبْلَ أَنْ يَقْرَعَ فِيكُمْ قَارِعٌ ... سِنَّهُ [٢] الآنَ فَلا يُغْنِي النَّدَمْ ٨- أَسْلِمُوا للَّه [٣] تُعْطَوْا سُؤْلَكُمْ ... إِنَّ مَنْ أَشْرَكَ باللَّه ظَلَمْ ٩- إِقْبَلُوهَا مِنْ أَخِيكُمْ نُصْحَةً ... لا تَقُولُوا لا وَقُولُوا لِي نَعَمْ ١٠- إِنَّ للَّه سُيُوفًا جَمَّةً ... وَرِجَالا مِثْلَ آسَادِ الأَجَمْ ١١- تِلْكُمُ الأَنْصَارُ سُمٌّ نَاقِعٌ ... وَرِجَالٌ هَاجَرُوا تِلْكَ الْبُهَمْ [٤] قَالَ: فَلَمَّا وَصَلَتْ هَذِهِ الأَبْيَاتُ إِلَى بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، جَعَلَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ: (لَقَدْ حَسَدَنَا الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ عَلَى ثَلاثِ خِصَالٍ، عَلَى مُلْكِ الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ، وَعَلَى صُلْحِنَا لِكِسْرَى، وَعَلَى التَّوَسُّعِ فِي الْبَحْرَيْنِ، وَاللَّهِ لا قَبِلْنَا مَا أَشَارَ بِهِ عَلَيْنَا) . قَالَ: ثُمَّ سَارَ الْقَوْمُ نَحْوَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَقُولُ: (مِنَ الطَّوِيلِ) ١- نَسِيرُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ نَأْكُلُ تَمْرَهَا [٥] ... وَنَرْعَى حِمَاهَا بِالْقَنَا وَالْقَبَائِلِ [٦] ٢- وَنَعْرِكُهَا عَرْكَ الأَدِيمِ بِفِتْيَةٍ ... عَرَانِينَ مِنْ أَفْنَاءِ بَكْرِ بْنِ وائل

стр. 145

[٢٧ أ] ٣- فَتُصْبِحُ عَبْدُ الْقَيْسِ فِيهَا أَذِلَّةً ... كَفَقْعَةِ قَاعٍ [١] أَوْ كَشَحْمَةِ آكِلِ ٤- وَنَجْعَلُ هَذَا الْمُلْكَ فِي آلِ مُنْذِرٍ ... كَمَا كَانَ فِيهِمْ فِي الدُّهُورِ الأَوَائِلِ ٥- وَنَحْنُ يَدُ النُّعْمَانِ لا تُنْكِرُونَهُ ... عَلَى غَيْرِ حَافٍ مِنْ مَعَدٍّ وَنَاعِلِ ٦- وَقَالَ رِجَالٌ خَاذِلُونَ [٢] لِقَوْمِهِمْ ... ذَرُوا الْبَحْرَ لا تَغْزُوهُمُ دُونَ قَابِلِ ٧- سَيَكْفُرُ قَوْمٌ فِي الْحُرُوبِ إِذَا الْتَقَوْا ... صُدُورَ الْمَذَاكِي [٣] وَالْوَشِيجِ [٤] الذَّوَابِلِ ٨- فَقُلْ لِلْمُثَنَّى حِينَ قَرَّ قَرَارُهُ ... سَتَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ رُكْبَانُ قَافِلِ قَالَ: وَتَوَسَّطَتْ بَنُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ أَرْضَ الْبَحْرَيْنِ، وَاجْتَمَعَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ إِلَى رَئِيسٍ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ يُقَالُ لَهُ: الْجَارُودُ بْنُ الْمُعَلَّى الْعَبْدِيُّ فِي أَرْبَعَةِ أَلْفٍ [٥] مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ وَأَحْلافِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ وَمَوَالِيهِمْ. قَالَ: وَدَنَتْ مِنْهُمْ بَنُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ فِي تِسْعَةِ أَلْفٍ مِنَ الْفُرْسِ، وَثَلاثَةِ أَلْفٍ مِنَ الْعَرَبِ، فَاقْتَتَلَ الْقَوْمُ قِتَالا شَدِيدًا، فَكَانَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ نَفَرٌ كَثِيرٌ وَمِنَ الْفُرْسِ، ثُمَّ اقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا ثَانِيَةً، فَكَانَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى عَبْدِ الْقَيْسِ، فَانْتَصَفَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَدَامَ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ أَيَّامًا كَثِيرَةً حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَاسْتَأْمَنَ عَامَّةَ عَبْدِ الْقَيْسِ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ. قَالَ: فَعِنْدَهَا عَلِمَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ أَنَّهُ لا طَاقَةَ لَهُمْ مَعَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَانْهَزَمُوا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى صَارُوا إِلَى حِصْنٍ لَهُمْ بِأَرْضِ هَجَرَ يُقَالُ لَهُ جَوَاثِيُّ [٦] فدخلوه،
следующие страницы →