Полный текст (224 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ضَعِيفُ الرَّأْيِ، وَقَدِ انْصَرَفَ عَامِلُهُ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَبِلادُ الْبَحْرَيْنِ الْيَوْمَ ضَائِعَةٌ لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ مِمَّنْ هُوَ عَلَى دِينِ الإِسْلامِ، إِلا شِرْذِمَةٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَلَيْسَ هُمْ عِنْدَنَا بِشَيْءٍ، وَنَحْنُ أَكْثَرُ مِنْهُمْ خَيْلا وَرَجْلا، وَلَوْ بَعَثْتَ إِلَى الْبَحْرَيْنِ رَجُلا يَأْخُذُهَا، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُمَانِعُهُ عَلَيْهَا) .
قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ كِسْرَى: (مَنْ تُحِبُّونَ أَنْ أُوَجِّهَ مَعَكُمْ إِلَى الْبَحْرَيْنِ) ، قَالُوا:
(مَنْ أَحَبَّ الْمَلِكُ) ، قَالَ: (فَمَا تَقُولُونَ فِي الْمُنْذِرِ [١] بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ) ، فَقَالُوا: (أَيُّهَا الْمَلِكُ، هُوَ لَنَا رِضًا، وَمَا نُرِيدُ بِهِ بَدَلا) .
قَالَ: فَأَرْسَلَ كِسْرَى إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ، فَدَعَاهُ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ غُلامٌ حَدَثُ السِّنِّ حِينَ بَقِلَ وَجْهُهُ [٢] فَخَلَعَ عَلَيْهِ بِخِلَعٍ، وَتَوَّجَهُ بِتَاجٍ وَحَمَلَهُ عَلَى مِائَةٍ مِنَ الْخَيْلِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ سَبْعَةَ آلافِ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَعَزَمَ أَنْ يُوَجِّهَ بِهِ مَعَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ [٣] إِلَى الْبَحْرَيْنِ.
قَالَ: وَتَجَهَّزَ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ لِيَخْرُجَ مَعَ الْقَوْمِ، وَنَدِمَ كِسْرَى عَلَى مَا فَعَلَ، وَجَعَلَ يَقُولُ لِوُزَرَائِهِ: (إِنِّي لَمْ أَصْنَعْ شَيْئًا عَمِلْتُهُ إِلَى غُلامٍ حَدَثِ السِّنِّ لا مَعْرِفَةَ لَهُ بِالأُمُورِ فَجَعَلْتُهُ رَأْسًا لِلْعَرَبِ، وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ) .
قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُنْذِرَ بْنَ النُّعْمَانِ، فَأَقْبَلَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى كِسْرَى، فحياه [٢٦ ب] بِتَحِيَّةِ الْمُلُوكِ/ وَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى مَنْ بِحَضْرَتِهِ مِنَ الْعَرَبِ، ثُمَّ قَالَ:
(انْظُرُوا أَنْ تُفَسِّرُوا مَا أَقُولُ) ، ثُمَّ أَنْشَأَ يقول:
стр. 142
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- قُولا لِكِسْرَى وَالْخُطُوبُ كَثِيرَةٌ ... إِنَّ الْمُلُوكَ تَهِينُ مَا لَمْ تُخْبَرُ
٢- فَإِذَا بَلَوْا كَانُوا لأَوَّلِ غَايَةٍ ... بَيْنَ الْمُبَرِّزِ وَالسُّقُوطِ الأَغْبَرِ
٣- إِنْ لَمْ أَكُنْ كَانَ الَّذِي أَنْمَى لَهُ ... فكذا [ك] [١] لَمْ يَكُ وَالِدِي كَالْمُنْذِرِ
٤- وَكَذَاكَ وَالِدُهُ جَرَى مِنْ جَدِّهِ ... وَعَلَيْهِ آخِرُنَا فَخُذْنَا أَوْ ذَرِ
٥- وَالْمَرْءُ يُخْلِفُهُ ابْنُهُ مِنْ بَعْدِهِ ... حَتَّى يَكُونَ بِمَسْمَعٍ أَوْ مَنْظَرِ
٦- إِنْ كَانَ لِلنُّعْمَانِ [٢] ذَنْبٌ أَوْ لَهُ ... عُذْرٌ فَمَا لِي فِيهِمَا مِنْ مَصْدَرِ
٧- قَدْ كَانَ نَاصِحَكَ النَّصِيحَةِ كُلِّهَا ... وَجَنَى عَدُوُّكَ فَقْعَةً بِالْقَرْقَرِ [٣]
٨- إِنِّي كَذَلِكَ لِلصَّنِيعَةِ شَاكِرٌ ... لا خَيْرَ فِي الْمَعْرُوفِ مَا لَمْ يُشْكَرِ
قَالَ: فَلَمَّا فُسِّرَتْ هَذِهِ الأَبْيَاتِ عَلَى كِسْرَى وَفَهِمَهَا، أَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ مَعَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَقَالُوا: وَمَعَهُمْ أَبُو ضُبَيْعَةَ الْحُطَمُ [٤] بْنُ زَيْدٍ، وَظَبْيَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَمُسْمِعُ بْنُ مَالِكٍ.
قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِمُ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ [٥] وعذلهم في فعالهم، ونهاهم عما قد
стр. 143
عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنْ حَرْبِهِمْ لإِخْوَتِهِمْ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَيُهَدِّدُهُمْ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَكَتَبَ فِي كِتَابِهِ إِلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ:
(مِنَ الرَّمَلِ)
١- طَالَ لَيْلِي لِتَمَنِّي مِسْمَعِ ... وَابْنِ ظَبْيَانَ جَمِيعًا وَالْحُطَمْ [١]
٢- وَغَزَوْا خُنْفُسَ [٢] جُبْنًا مِنْهُمُ ... عَمْرُكَ اللَّهُ وَجَبْنَا لِلْعَجَمْ
٣- لَنْ [٣] تُحِبَّ الْفُرْسُ بَكْرًا أَبَدًا مَا ... جَرَى الْبَحْرُ وَمَا أَوْفَى إِضَمْ [٤]
٤- بَعْدَ ذِي قَارٍ [٥] وَلَوْلا صبركم ... كنتم مثل ثمود أو إرم [٦]
стр. 144
٥- فَأَصَابَ الْقَوْمُ مِنْكُمْ فُرْصَةً ... تَذْهَبُ الأَمْوَالُ فِيَها وَالْحُرَمْ
٦- فَاعْطِفُوا الرَّحْمَ عَلَى أَعْمَامِكُمْ ... قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْكُمْ بِالْكَظَمْ [١]
٧- قَبْلَ أَنْ يَقْرَعَ فِيكُمْ قَارِعٌ ... سِنَّهُ [٢] الآنَ فَلا يُغْنِي النَّدَمْ
٨- أَسْلِمُوا للَّه [٣] تُعْطَوْا سُؤْلَكُمْ ... إِنَّ مَنْ أَشْرَكَ باللَّه ظَلَمْ
٩- إِقْبَلُوهَا مِنْ أَخِيكُمْ نُصْحَةً ... لا تَقُولُوا لا وَقُولُوا لِي نَعَمْ
١٠- إِنَّ للَّه سُيُوفًا جَمَّةً ... وَرِجَالا مِثْلَ آسَادِ الأَجَمْ
١١- تِلْكُمُ الأَنْصَارُ سُمٌّ نَاقِعٌ ... وَرِجَالٌ هَاجَرُوا تِلْكَ الْبُهَمْ [٤]
قَالَ: فَلَمَّا وَصَلَتْ هَذِهِ الأَبْيَاتُ إِلَى بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، جَعَلَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ: (لَقَدْ حَسَدَنَا الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ عَلَى ثَلاثِ خِصَالٍ، عَلَى مُلْكِ الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ، وَعَلَى صُلْحِنَا لِكِسْرَى، وَعَلَى التَّوَسُّعِ فِي الْبَحْرَيْنِ، وَاللَّهِ لا قَبِلْنَا مَا أَشَارَ بِهِ عَلَيْنَا) .
قَالَ: ثُمَّ سَارَ الْقَوْمُ نَحْوَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَقُولُ:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- نَسِيرُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ نَأْكُلُ تَمْرَهَا [٥] ... وَنَرْعَى حِمَاهَا بِالْقَنَا وَالْقَبَائِلِ [٦]
٢- وَنَعْرِكُهَا عَرْكَ الأَدِيمِ بِفِتْيَةٍ ... عَرَانِينَ مِنْ أَفْنَاءِ بَكْرِ بْنِ وائل
стр. 145
[٢٧ أ] ٣- فَتُصْبِحُ عَبْدُ الْقَيْسِ فِيهَا أَذِلَّةً ... كَفَقْعَةِ قَاعٍ [١] أَوْ كَشَحْمَةِ آكِلِ
٤- وَنَجْعَلُ هَذَا الْمُلْكَ فِي آلِ مُنْذِرٍ ... كَمَا كَانَ فِيهِمْ فِي الدُّهُورِ الأَوَائِلِ
٥- وَنَحْنُ يَدُ النُّعْمَانِ لا تُنْكِرُونَهُ ... عَلَى غَيْرِ حَافٍ مِنْ مَعَدٍّ وَنَاعِلِ
٦- وَقَالَ رِجَالٌ خَاذِلُونَ [٢] لِقَوْمِهِمْ ... ذَرُوا الْبَحْرَ لا تَغْزُوهُمُ دُونَ قَابِلِ
٧- سَيَكْفُرُ قَوْمٌ فِي الْحُرُوبِ إِذَا الْتَقَوْا ... صُدُورَ الْمَذَاكِي [٣] وَالْوَشِيجِ [٤] الذَّوَابِلِ
٨- فَقُلْ لِلْمُثَنَّى حِينَ قَرَّ قَرَارُهُ ... سَتَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ رُكْبَانُ قَافِلِ
قَالَ: وَتَوَسَّطَتْ بَنُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ أَرْضَ الْبَحْرَيْنِ، وَاجْتَمَعَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ إِلَى رَئِيسٍ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ يُقَالُ لَهُ: الْجَارُودُ بْنُ الْمُعَلَّى الْعَبْدِيُّ فِي أَرْبَعَةِ أَلْفٍ [٥] مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ وَأَحْلافِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ وَمَوَالِيهِمْ. قَالَ: وَدَنَتْ مِنْهُمْ بَنُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ فِي تِسْعَةِ أَلْفٍ مِنَ الْفُرْسِ، وَثَلاثَةِ أَلْفٍ مِنَ الْعَرَبِ، فَاقْتَتَلَ الْقَوْمُ قِتَالا شَدِيدًا، فَكَانَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ نَفَرٌ كَثِيرٌ وَمِنَ الْفُرْسِ، ثُمَّ اقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا ثَانِيَةً، فَكَانَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى عَبْدِ الْقَيْسِ، فَانْتَصَفَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَدَامَ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ أَيَّامًا كَثِيرَةً حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَاسْتَأْمَنَ عَامَّةَ عَبْدِ الْقَيْسِ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ.
قَالَ: فَعِنْدَهَا عَلِمَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ أَنَّهُ لا طَاقَةَ لَهُمْ مَعَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَانْهَزَمُوا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى صَارُوا إِلَى حِصْنٍ لَهُمْ بِأَرْضِ هَجَرَ يُقَالُ لَهُ جَوَاثِيُّ [٦] فدخلوه،
стр. 146
وَأَقْبَلَتْ بَنُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَالْفُرْسُ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْحِصْنِ فَأَحْدَقُوا بِهِ، فَحَاصَرُوا عَبْدَ الْقَيْسِ حِصَارًا شَدِيدًا، وَمَنَعُوهُمْ مِنَ الطَّعَامِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْفٍ الْعَبْدِيُّ [١] هَذِهِ الأَبْيَاتِ، وَوَجَّهَ بِهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، يَقُولُ [٢] :
(مِنَ الْوَافِرِ)
١- أَلا أَبْلِغْ أَبَا بَكْرٍ رَسُولا [٣] ... وَفِتْيَانَ الْمَدِينَةِ أَجْمَعِينَا
٢- فَهَلْ لِي فِي شَبَابٍ مِنْكَ أَمْسَوْا ... جِيَاعًا فِي جَوَاثِيَ مُحْصَرِينَا [٤]
٣- تُحَاصِرُهُمْ بَنُو ذُهْلٍ وَعِجْلٍ ... وَشَيْبَانَ وَقَيْسٍ [٥] ظَالِمِينَا
٤- يَقُودُهُمُ الْغُرُورُ بغير حقّ ... ليستلب العقائل والبنينا [٦]
стр. 147
٥- فَلَمَّا اشْتَدَّ حَصْرُهُمُ وَطَالَتْ ... أَكُفُّهُمُ بِمَا فِيهِ بُلِينَا [١]
٦- تَوَكَّلْنَا عَلَى الرَّحْمَنِ إِنَّا ... وَجَدْنَا الْفَضْلَ لِلْمُتَوَكِّلِينَا [٢]
٧- وَقُلْنَا وَالأُمُورُ لَهَا قَرَارٌ [٣] ... وَقَدْ سَفِهَتْ حُلُومُ بَنِي أَبِينَا
٨- نُقَاتِلُكُمْ عَلَى الإِسْلامِ حَتَّى ... تَكُونُوا أَوْ نَكُونَ [٤] الذَّاهِبِينَا
٩- بِكُلِّ مُهَنَّدٍ عَضْبٍ حُسَامٍ ... يَقُدُّ الْبِيضَ وَالزُّرْدَ الدَّفِينَا
قَالَ: فَلَمَّا نَظَرَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِي هَذِهِ الأَبْيَاتِ اغْتَمَّ فِيهِ غَمًّا شَدِيدًا لِمَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَمَا قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُفَّارِ الْفُرْسِ وَبَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَدُعِيَ بِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَالُ لَهُ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، فَعَقَدَ لَهُ عَقْدًا [٢٧ ب] وَضَمَّ إِلَيْهِ أَلْفَيْ رَجُلٍ/ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ إِلَى نُصْرَةِ عَبْدِ الْقَيْسِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: (انْظُرْ يَا عَلاءُ، لا تَمُرُّوا [٥] بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ إِلا اسْتَنْهَضْتَهُمْ إِلَى مُحَارَبَةِ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَتَوْا بِالْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ عِنْدِ كِسْرَى مَلِكِ الْفُرْسِ، وَقَدْ عَقَدُوا التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَدْ عَزَمُوا عَلَى إِطْفَاءِ نُورِ اللَّهِ، وَقَتْلِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، فَسِرْ وَقُلْ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّه) .
قَالَ: فَسَارَ الْعَلاءُ بْنُ عَائِذٍ الْحَضْرَمِيُّ، حَتَّى صَارَ بِأَرْضِ الْيَمَامَةِ، فَاسْتَقْبَلَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالَ الْحَنَفِيُّ [٦] ، وَكَانَ مُسْلِمًا تَقِيًّا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ قال: (أين يا علاء،
стр. 148
فَإِنِّي أَرَى مَعَكَ جَيْشًا كَثِيفًا) ، فَقَالَ: (وَاللَّهِ إِنَّنِي أُرِيدُ إِلَى بَنِي عَمِّكَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَتَوْا بِالْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ مِنْ عِنْدِ كِسْرَى، وَقَدِ ارْتَدُّوا عَنْ دِينِ الإِسْلامِ، وَقَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى عَبْدِ الْقَيْسِ يُرِيدُونَ قَتْلَهُمْ وَبَوَارَهُمْ، وَقَدْ أَمَرَنِي الصِّدِّيقُ أَنْ أَسْتَنْهِضَ كُلَّ مَنْ لَقِيَنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى حَرْبِهِمْ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَجَابَ إِلَى هَذِهِ الدَّعْوَةِ) . قَالَ: فَقَالَ ثُمَامَةُ: (وَيْحَكَ يَا عَلاءُ، أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْمِي قَرِيبٌ عَهْدُهُمْ بِالرِّدَّةِ مَعَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، وَمَا أَظُنُّهُمْ يُجِيبُونَ [١] إِلَى ذَلِكَ، وَلَكِنِ ارْقُبْ عَلَيَّ قَلِيلا [٢] حَتَّى أَذُوقَ الْقَوْمَ وَأَنْظُرَ مَا عِنْدَهُمْ) .
ثُمَّ أَرْسَلَ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ فَدَعَاهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا عِنْدَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ لَهُمْ: (يَا بَنِي حَنِيفَةَ، هَلْ لكم أن يرفع الله رؤوسكم مِمَّا كَانَ مِنْكُمْ مِنَ الْخُرُوجِ مَعَ مُسَيْلِمَةَ) [٣] ، فَقَالُوا: (وَمَا ذَاكَ) ، قَالَ: (تَسِيرُونَ مَعَ الْعَلاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْبَحْرَيْنِ فَتُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ) ، قَالُوا: (وَلِمَنْ نُقَاتِلُ) ، فَقَالَ: (تُقَاتِلُونَ قَوْمًا لَوْ دُعُوا إِلَى قِتَالِكُمْ لَقَاتَلُوكُمْ عَلَى الْبَاطِلِ) ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ: (يَا ثُمَامَةُ، حَسْبُنَا مَا كَانَ مِنَّا مِنَ الْخُرُوجِ مَعَ مُسَيْلِمَةَ حَتَّى فَنِيَ رِجَالُنَا وَذَهَبَتْ أَمْوَالُنَا، وَسُبِيَ أَوْلادُنَا وَنِسَاؤُنَا، فَلا تَلُمْنَا عَلَى الْقُعُودِ، فَحَسْبُنَا مَا نَزَلَ بِنَا) ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
(مِنَ الْخَفِيفِ)
١- يَا ثُمَامَةُ مِنْ خَيْرِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ [٤] ... لا تَلُمْنَا عَلَى الْقُعُودِ ثُمَامَهْ
٢- إِنَّ فِي تَرْكِنَا الْمَسِيرَ لَعُذْرًا [٥] ... أَوْسَعُ الْيَوْمَ فِي الْبَقَا وَالْمُقَامَهْ
стр. 149
٣- إِنَّمَا عَهْدُنَا بِقَاصِمَةِ الظَّهْرِ ... وَيَوْمٍ لَنَا كَيَوْمِ الْقِيَامَهْ
٤- أَمْسِ إِذْ صَارَ رُمْحُ قَوْمِكَ زِيرًا ... يَا لَكَ الْخَيْرُ وَالنَّضَارُ بِشَامَهْ
٥- حَسْبُنَا مَنَعْنَا اليمامة من سا ... كن نَجْدٍ وَمِنْ رِجَالِ تِهَامَهْ
٦- وَبَنِي الْحَارِثِ الَّذِينَ هم اليو ... م إِذَا مَا دُعِيَ الْقَبَائِلُ شَامَهْ
٧- لَيْتَنَا لا نَكُونُ فَقْعَةَ قَاعٍ ... لِغَدٍ لا وَلا نَكُونُ [١] خُزَامَهْ
٨- إِنْ تَسِرْ تَلْقَهُمْ ثُمَامَةُ قَوْمًا [٢] ... تَقْرَعُ السّنّ ما بقيت ندامه
[٢٨ أ] ٩- أَوْ تُصِبْهُمْ بِقَطْعِ كَفِّكَ كَفٌّ [٣] ... أَوْ يُصِيبُوكَ لا تَكُونُ ظَلامَهْ/
فَقَالَ لَهُمْ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ: (وَيْحَكُمْ يَا مَعْشَرَ بَنِي حَنِيفَةَ، لَيْسَ الأَمْرُ فِيمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ هَتْكِ حَرِيمِكُمْ، وَسَفْكِ دِمَائِكُمْ، وَذَهَابِ أَمْوَالِكُمْ، فَذَلِكَ بِمَا كَانَ مِنْ كُفْرِكُمْ وَرُجُوعِكُمْ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ، وَخُرُوجِكُمْ مَعَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ تَضْرِبُونَ وُجُوهَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَأَنْزَلَ بِكُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَا أَنْزَلَ مِنَ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ، وَالْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيُّ فِي وَقْتِهِ هَذَا، إِنَّمَا يَدْعُوكُمْ إِلَى نُصْرَةِ الإِسْلامِ، وَلَيْسَ الْقِيَاسُ [٤] فِيمَا ذَكَرْتُمْ بِسَوَاءٍ، وَأَنَا وَاللَّهِ مَاضٍ مَعَهُ غَيْرُ رَاغِبٍ بِنَفْسِي عَنْهُ، وَاللَّهُ يَفْعَلُ فِي ذَلِكَ مَا يَشَاءُ) ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- لَعَمْرُ أَبِيكَ وَالأَنْبَاءُ [٥] تُنْمِي ... لَنِعْمَ الأَمْرُ صَارَ لَهُ الْعَلاءُ
٢- وَنِعْمَ الأَمْرُ يَدْعُونَا إِلَيْهِ ... وَدَاعِي اللَّهِ لَيْسَ لَهُ خَفَاءُ
٣- دَعَا لِقِتَالِ مَنْ لا شَكَّ فِيهِ ... وَذَري [٦] الدِّينِ وَالدُّنْيَا بَقَاءُ
٤- فَلَنْ أُثْنِي الأَعِنَّةَ عَنْ دُعَاهُ ... وعند الله في ذاك الجزاء
стр. 150
٥- وَقَدْ قَالَتْ حَنِيفَةُ إِذْ رَأَوْنِي ... نَهَضْتُ بِهَا: لَقَدْ كُشِفَ الْغِطَاءُ
٦- وَقَالُوا يَا ثُمَامَةُ لا تَزِدْهُمْ ... فَإِنَّ الأَمْرَ أَثْقَلَهُ الدِّمَاءُ
٧- وَإِنَّهُمُ الْوَضِيعَةُ [١] فَالْهَ عَنْهُمْ ... فَقُلْتُ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ
٨- فَشَمَّرْتُ الإِزَارَ وَطَالَ رُمْحِي ... إِلَى قَوْمٍ دِمَاؤُهُمُ الشِّفَاءُ
قَالَ: وَسَارَ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ مَعَ الْعَلاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي عَمِّهِ، حَتَّى إِذَا صَارَ الْعَلاءُ إِلَى أَرْضِ بَنِي تَمِيمٍ، لَقِيَهُ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ التَّمِيمِيُّ [٢] ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَحَّبَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الْعَلاءُ: (وَيْحَكَ يَا قَيْسُ، إِنَّ قَوْمَكَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَبْطَأُوا عَنِ الإِسْلامِ وَتَأَخَّرُوا عَنْهُ، فَلَمَّا دَخَلُوا فِيهِ رَدَّتْهُمْ عَنْهُ امْرَأَةٌ، وَقَدْ كَانَ مِنْكَ مَا قَدْ عَلِمْتَ مِنْ تَأَخُّرِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَسِيرَ مَعِي إِلَى أَرْضِ الْبَحْرَيْنِ فَتُقَاتِلُ هَؤُلاءِ الْمُرْتَدِّينَ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ) . فَقَالَ لَهُ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ: (أَمَّا قَوْلُكَ بِأَنَّ قَوْمِي تَأَخَّرُوا عَنْ دِينِ الإِسْلامِ فَلَمَّا دَخَلُوا فِيهِ رَدَّتْهُمُ امْرَأَةٌ، قَدْ كَانَ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْتَ، وَقَوْمُكَ مِنَ اليمن أيضا قد ملكتهم امرأة [٣] ،
стр. 151
وَلَيْسَ هَذَا بِعَجَبٍ وَالْكَلامُ كَثِيرٌ، وَإِنْ زِدْتَ زِدْنَا، فَإِنِّي إِنَّمَا آتِيكَ الآنَ لأَخْفِرَكَ وَأَسِيرَ مَعَكَ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أَرْضِ بَنِي سَعْدٍ، فَأَكُونُ قَدْ قَضَيْتُ حَقَّ مَسِيرِكَ، وَلَيْسَ لِي حَاجَةٌ إِلَى قِتَالِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، إِلا أَنْ أَرَى فِي ذَلِكَ) .
قَالَ: فَسَارَ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ وَمَعَهُ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ فِي عِشْرِينَ فَارِسًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَكَانَ لا يَنْتَهِي إِلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِ بَنِي سَعْدٍ إِلا تَلَقَّوْهُ بِالْقِرَى وَالإِنْزَالِ وَالْعُلُوفَةِ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ بَنِي تَمِيمٍ حَيْثُ يَقُولُ:
(مِنَ الْمُتَقَارِبِ)
١- أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَجَرْنَا الْعَلاءَ ... عَلَى كُلِّ مَنْ جَارَهُ مِنْ مُضَرْ
٢- تَضَمَّنَ قَيْسٌ لَهُ ذِمَّةً ... فَحَطَّ بِهَا رَحْلَهُ فِي هَجَرْ [١]
[٢٨ ب] ٣- فَأَحْيَا أَبَاهُ [٢] بِهَا إِنَّهُ ... / لَعَمْرُ الإِلَهِ عَظِيمُ الْخَطَرْ
٤- وَقَالَ النَّبِيُّ لَهُ إِذْ أَتَى ... هُوَ اليوم سيّد أهل الوبر [٣]
стр. 152
٥- فَأَعْظِمْ لِقَيْسٍ بِهَا مُدْحَةً ... تُطَاطِي بِهَا جُهْدَهُ مَنْ فَخَرْ
٦- وَقَيْسٌ لَعَمْرِي لَهُ طَاعَةٌ ... إِذَا قَالَ قَوْلا لَنَا أَوْ أَمَرْ
قَالَ: وَسَارَ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ وَمَعَهُ أَلْفَا رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَمَعَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ، فِي جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَبَنِي حَنِيفَةَ، حَتَّى تَوَسَّطَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ.
قَالَ: وَبَنُو بَكْرِ بْنُ وَائِلٍ وَالْفُرْسُ نُزُولٌ عَلَى حِصْنِ جَوَاثِيَّ، قَدْ حَاصَرُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، قَالَ: وَجَعَلَ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ قَدْ وَافَى فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ مَعُونَةً لَهُمْ، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ وَاشْتَدَّتْ لَهُ ظُهُورُهُمْ.
قَالَ: وَكَتَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحِصْنِ يُعْلِمُهُ أَنَّ الْقَوْمَ لَيْسَ لَهُمْ إِلا الْبَيَاتُ [١] ، فَإِنْ بَايَتَهُمْ وَكَسَرَ عَسْكَرَهُمْ فَقَدْ قَتَلَهُمْ وَكَسَرَ شَوْكَتَهُمْ، وَأَثْبَتَ فِي كِتَابِهِ إِلَى الْعَلاءِ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ:
(مِنَ الْبَسْيِطِ)
١- قُلْ لِلْعَلاءِ لِيَفْهَمَ [٢] مَا كَتَبْتُ لَهُ ... مِنِّي إِلَيْكَ وَخَيْرُ الرَّأْيِ مَا حَضَرَا
٢- إِنَّ الْعَدُوَّ الَّذِي أَشْجَاكَ مَنْزِلُهُ ... مِثْلُ الأَسَاوِدِ [٣] وَالْحَيِّ الَّذِي نَظَرَا
٣- أُسْدُ النَّهَارِ ضِبَاعُ اللَّيْلِ لَيْسَ لَهُمْ ... إِلا الْبَيَاتُ بِمَا لا قَلَّ أَوْ كَثُرَا
٤- هَذَا الَّذِي لا أَرَى إِلا عَزِيمَتَهُ ... وَالأَمْرُ للَّه يُعْطِي النَّصْرَ مَنْ صَبَرَا
٥- كَمْ يَوْمَ سُوءٍ مِنَ الأَيَّامِ مُنْعَصِفٍ ... لَسْنَا نَرَى فيه لا شمسا ولا قمرا
стр. 153
٦- فَرَجْتَهُ بِالَّتِي [١] لَيْسَتْ بِمُنْكَرَةٍ ... مِثْلَ الْعِدَاةِ فَحُزْتَ الْوِرْدَ وَالصَّدْرَا
٧- بُؤْسًا وَتَعْسًا لِمَنْ نَاوَاكَ فِي رَهَجٍ ... لاقَى الْحِمَامَ وَلاقَى حَيَّةً ذَكَرَا [٢]
قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَتْ هَذِهِ الأَبْيَاتُ إِلَى الْعَلاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، عَلِمَ أَنَّهُ أَمَرَ بِبَيَاتِ الْقَوْمِ، وَعَزَمَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى أُولَئِكَ الْمُحَاصَرِينَ في الحصن:
(أن كانوا عَلَى أُهْبَةِ الْحَرْبِ، فَإِذَا عَلِمْتُمْ أَنِّي قَدْ كَبَسْتُهُمْ [٣] وَسَمِعْتُمُ الْمَعْمَعَةَ [٤] فَاخْرُجُوا عَلَيْهِمْ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُمَكِّنَ اللَّهُ مِنْهُمْ) .
قَالَ: وَبَاتَ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ فِي لَيْلَتِهِ تِلْكَ يُشَجِّعُ النَّاسَ وَيُقَوِّي قُلُوبَهُمْ وَعَزْمَهُمْ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْفَزَعِ وَالْفَشَلِ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ دَعَا بِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَالَ لَهُ: امْضِ وَتَجَسَّسْ لِي الْخَبَرَ مِنَ الْقَوْمِ، قَالَ: فَمَضَى ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَلَمَّا كَانَ وَقَدْ قَرُبَ انْفِجَارُ الصُّبْحِ، إِذَا بِالرَّجُلِ قَدْ وَافَاهُ فَقَالَ: أَيُّهَا الأَمِيرُ، قُمْ فَقَدْ أَمْكَنَكَ اللَّهُ مِنَ الْقَوْمِ، وَذَلِكَ أَنِّي قَدْ أَشْرَفْتُ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ فَلَمْ أَسْمَعْ لَهُمْ حَرَكَةً، وَالْقَوْمُ عِنْدِي سُكَارَى لا يَعْقِلُونَ. قَالَ: فَعِنْدَهَا نَادَى الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ فِي أَصْحَابِهِ، فَرَكِبَ فَسَارَ نَحْوَ الْقَوْمِ رُوَيْدًا رُوَيْدًا، حَتَّى إِذَا عَايَنَ عَسْكَرَهُمْ أَكَبَّ عَلَيْهِمُ الْخَيْلَ، فَلَمْ يَشْعُرِ [٥] الْفُرْسُ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ إِلا وَحَوَافِرُ الْخَيْلِ تَطَؤُهُمْ، فَاسْتَيْقَظُوا فَزِعِينَ، فَأَخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ.
قَالَ: وَفَتَحَ أُولَئِكَ الْمُحَاصَرُونَ [٦] مِنْ بَابِ الْحِصْنِ، وَخَرَجُوا مِنْ ورائهم،
стр. 154
فَاقْتَتَلَ الْقَوْمُ قِتَالا شَدِيدًا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَفَرٌ يَسِيرٌ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَأَضَاءَ الصُّبْحُ وَانْهَزَمَ/ الْكُفَّارُ إلى موضع يقال له الرّدم [١] ، [٢٩ أ] وَاجْتَهَدَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ غَنَائِمِهِمْ.
قَالَ: وَاجْتَمَعَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ إِلَى الْعَلاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِي الْبَحْرَيْنِ حَتَّى صَارَ فِي نَيِّفٍ عَلَى سِتَّةِ أَلْفٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ قَدِمُوا مَعَهُ، وَمِمَّنِ انْحَازَ إِلَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِمُ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ، اعْلَمُوا أَنَّكُمْ فِي جِهَادِ هَؤُلاءِ كَجِهَادِ مَنْ جَاهَدَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله ﵌، وَلَيْسَ بَيْنَ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ فَرْقٌ إِلا فِي النَّسَبِ، اعْلَمُوا أَنَّ الْقَتِيلَ مِنْكُمْ فِي الْجِنَانِ وَالرِّزْقُ عِنْدَ اللَّهِ، وَلِلْحَيِّ مِنْكُمُ الْغُنْمُ وَالسُّرُورُ، وَقَدْ ذَلَّتْ لَكُمْ يَا مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ الرِّقَابُ بِقُدُومِي عَلَيْكُمْ، فَأَبْشِرُوا بِالنَّصْرِ عَلَى أَعْدَائِكُمْ، وَلْتَصْدُقْ نِيَّاتُكُمْ فِي الْجِهَادِ) .
فَقَالَ الْمُنْذِرُ بْنُ الْجَارُودِ الْعَبْدِيُّ [٢] : (صَدَقْتَ أَيُّهَا الأَمِيرُ، لَقَدْ كَانَ قُدُومُكَ عَلَيْنَا فَرَجٌ وَثَوَابٌ عَظِيمٌ لَنَا وَلَكَ فِي جِهَادِ عَدُوِّنَا، وَلَوْ لَمْ تَأْتِنَا لَكَانَ اللَّهُ يَنْصُرُنَا عَلَى عَدُوِّنَا، ولم يكن يخذلنا، ولكن أيها الأمير، ها هنا جزيرة فيها قوم كفارهم أَشَدُّ عَلَيْنَا مِنْ جَمِيعِ أَعْدَائِنَا، وَلَيْسَ إِلَيْهَا إِلا طَرِيقٌ وَاحِدٌ، فَسِرْ إِلَيْهِمْ فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُمَكِّنَ مِنْهُمْ، فَإِذَا فَرَغْتَ فَسِرْ إِلَى عَدُوِّنَا وَعَدُوِّكَ مِنْ هَؤُلاءِ الْفُرْسِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الكفار) .
стр. 155
قَالَ: فَسَارَ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ فِيمَنْ مَعَهُ يُرِيدُ جَزِيرَةَ دَارِينَ [١] وَفِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَلَيْسَ لَهَا إِلا طَرِيقٌ وَاحِدٌ، وَعَلَى طَرِيقِهَا قَوْمٌ يَحْرُسُونَهَا، فَلَمْ يَشْعُرِ الْحَرَسُ إِلا وَخَيْلُ الْمُسْلِمِينَ قَدْ وَافَتْهُمْ، فَقَتَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَدَخَلَتِ الْخَيْلُ إِلَى الْجَزِيرَةِ فَمَا تَرَكَتْ فِيهَا ذَكَرًا إِلا قَتَلُوهُ، إِلا مَا كَانَ مِنْ صِغَارِ الذُّرِّيَّةِ. وَاحْتَوَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَمِيعِ مَا كَانَ فِي الْجَزِيرَةِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ وَالأَمْوَالِ، وَانْصَرَفُوا إِلَى عَسْكَرِهِمْ، فَأَنْشَأَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ [٢] :
(مِنَ الْبَسِيطِ)
١- ضَاقَ الْفَضَاءُ بِدَارِينَا [٣] وَسَاكِنِهَا ... ذَرْعًا فَخُضْتُ إِلَى كُفَّارِ دَارِينِ [٤]
٢- مِنْ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا حَتَّى رَمَيْتُهُمُ ... وَسْطَ الْجَزِيرَةِ بِالصَّيْدِ الْمَيَامِينِ
٣- لَمَّا رَأَوْنَا نَخُوضُ الْبَحْرَ نَحْوَهُمُ ... أَخْلَى عَنِ الْمَوْتِ أَصْحَابُ الْيَتَامِينِ [٥]
٤- ظَنُّوا الظُّنُونَ وَقَالُوا الْجِسْرُ دُونَهُمُ ... فَاسْتَغْلَبَ الْقَوْمُ مَنْ دون الأطارين [٦]
стр. 156
٥- فَالْخَيْلُ تُرْدِي بِأَبْطَالٍ جَحَاجِحَةٍ [١] ... عِنْدَ اللِّقَاءِ وَفُرْسَانٍ يَمَانِينِ
٦- لا زَالَتِ الْبِيضُ وَالأَرْمَاحُ تَأْخُذُهُمْ ... فَتَتْرُكُ الْقَوْمَ صَرْعَى لِلْعَرَانِينِ [٢]
٧- حَتَّى اقْتَسَمْنَا بِدَارِينَا غَنَائِمَهَا ... مِنْ مَالِهَا مِنْ ذَوَاتِ الْخَزِّ وَالْعِينِ
٨- اللَّهُ أَيَّدَنَا وَاللَّهُ أَظْفَرَنَا ... بِالْقَوْمِ طُرًّا عَلَى عَزْمِ [٣] الْمَلاعِينِ
قَالَ: ثُمَّ سَارَ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ حَتَّى وَافَى الْكُفَّارَ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ الرَّدْمُ، وَدَنَا الْقَوْمُ مِنَ الْقَوْمِ، وَاخْتَلَطُوا وَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْكُفَّارِ يُقَالُ لَهُ أَبْجَرُ بْنُ بُجَيْرٍ عَلَى قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ، فَضَرَبَهُ على رأسه فالتقاها/ [٢٩ ب] بِالْحَجَفَةِ [٤] ، ثُمَّ ضَرَبَهُ قَيْسٌ ضَرْبَةً أَثْخَنَتْهُ، ثُمَّ أَنْشَأَ قَيْسٌ يَقُولُ:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- أَلَمْ تَرَنِي [٥] أَدْمَيْتُ رُمْحِي وَأَنَّنِي ... ضَرَبْتُ بِحَدِّ السَّيْفِ يَافُوخَ أَبْجَرِ
٢- وَمَا فَاتَنِي إِلا بِآخِرِ جُرْعَةٍ ... مِنَ الْمَوْتِ فِي كَابٍ مِنَ اللَّوْنِ أَكْدَرِ
٣- وَكَانَ لَهُ إِسْمٌ عَظِيمٌ لِفَضْلِهِ ... فَأَخْلَفَهُ فِي كُلِّ وِرْدٍ وَمَصْدَرِ
٤- يَقُودُ إِلَى الإِسْلامِ بِالْجَهْلِ جَحْفَلا ... لينهب أموال الصّغار ومشعر [٦]
стр. 157
٥- فَأَوْجَرْتُهُ [١] كَأْسًا مِنَ الْمَوْتِ مُرَّةً ... فَوَلَّى حَثِيثَ الرَّكْضِ غَيْرَ مُقَصَّرِ
٦- كَذَلِكَ فِعْلِي بِالْقَنَاةِ وَإِنَّنِي ... خُوَيْلِدُ غَيْلٍ بِالْمَكَاسِرِ قَسْوَرِ [٢]
قَالَ: وَانْهَزَمَ الْكُفَّارُ بَيْنَ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، وَأَخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ، وَقَدْ كَانَ رَئِيسٌ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ الْحُطَمُ بْنُ زَيْدٍ [٣] ، نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ الْهَزِيمَةُ، فَلَمَّا انْهَزَمَ الْقَوْمُ وَثَبَ مُسْرِعًا، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ لِيَرْكَبَ، وَكَانَ ثَقِيلَ الْبَدَنِ، مَالَ بِهِ السَّرْجُ فَوَقَفَ قَائِمًا لا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ، وَبَصُرَ بِهِ [٤] رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [٥] فَحَمَلَ عَلَيْهِ وَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ:
(مِنَ السَّرِيعِ)
١- لَمَّا بَدَا حُطَمٌ [٦] لِي وَحْدَهُ ... يَدْعُو بِأَعْلَى الصَّوْتِ مَنْ عَاقِلِي
٢- أَقْبَلْتُ فِي النَّقْعِ إِلَى فَارِسٍ ... أَشْبَهَ شَيْءٍ منه بالرّاجل
٣- منقطع الحيلة في موضع ... فِيهِ قَصِيدٌ [٧] مِنْ قَنَا ذَابِلِ
٤- فَقُلْتُ لا تَعْجَلْ أَتَاكَ الرَّدَى ... فَلَسْتَ عَمَّا جِئْتُ بِالْغَافِلِ
стр. 158
٥- لَمَّا انْثَنَى وَثَنَى رِجْلَهُ ... عَمَّمْتُهُ بِالْمُرْهَفِ الْقَاصِلِ [١]
٦- سَيْفًا حُسَامًا فَوْقَ يَافُوخِهِ ... فَخَرَّ مِثْلَ الْجَمَلِ الْبَازِلِ [٢]
٧- أَعْظِمْ بِهِ رَزْءًا عَلَى قَوْمِهِ ... لا بَلْ عَلَى الْحَيَّيْنِ مِنْ وَائِلِ
قَالَ: ثُمَّ مَضَى حَتَّى لَحِقَ بِالْمُسْلِمِينَ فَخَبَّرَهُمْ أَنَّهُ قَتَلَ حُطَمَ بْنَ زَيْدٍ.
قَالَ: وَانْهَزَمَتْ بَنُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَلَحِقُوا بِالْبَرَارِي وَالْفَلَوَاتِ هَائِمِينَ مِنْ سُيُوفِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَهَرَبَ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ حَتَّى صَارَ إِلَى آلِ جَفْنَةَ فَاسْتَجَارَ بِهِمْ، فَأَجَارُوهُ، وَانْهَزَمَ الْفُرْسُ، فَصَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ الزَّارَةُ [٣] وَالْقَطِيفُ [٤] ، وَمَضَى بَعْضُهُمْ حَتَّى لَحِقَ بِكِسْرَى فَخَبَّرَهُ بِمَا كَانَ مِنْهُمْ، فَاغْتَمَّ كِسْرَى لِذَلِكَ غَمًّا كَثِيرًا، وَاسْتَأْمَنَ أَيْضًا قَوْمٌ مِنَ الْفُرْسِ إِلَى الْعَلاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ فَأَمَّنَهُمْ، وَصَارُوا بِالْبَحْرَيْنِ حَرَّاثِينَ وَزَرَّاعِينَ [٥] .
وَجَمَعَ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْغَنَائِمِ، فَأَخْرَجَ مِنْهَا الْخُمُسَ وَوَجَّهَ بِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِالْجَوَابِ، وَأَقَرَّهُ عَلَى الْبِلادِ.
قَالَ: وَنَدِمَ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ أَشَدَّ النَّدَامَةِ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ مِنَ الشَّامِ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ:
стр. 159
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- عَجَبًا لأَمْرِي وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ ... أُدْعَى الغرور وإنّني مغرور
[٣٠ أ] ٢- قَدْ قُلْتُ [١] لَمَّا لَمْ أَجِدْ لِي مَهْرَبًا ... إِنِّي لَعَمْرُكَ وَاتِرٌ مَوْتُورُ
٣- وَأَطْعُت كِسْرَى فِي الَّذِي أَمَّلْتُهُ ... وَوَتَرْتُ قَوْمًا وَتْرُهُمْ مَحْذُورُ
٤- إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ مَكَانَهَا ... وَالشَّمْسَ فِي هَذِي [٢] الْخَلائِقِ نُورُ
٥- أَعْلَى بِإِفْرَادِ الْخَلائِقِ وَحْدَهُ ... إِنَّ الْمُرَاجِعَ ذَنْبُهُ مَغْفُورُ
٦- لا خَيْرَ فِي مُلْكٍ يُنَقِّصُ أَهْلَهُ ... وَيَزُولُ عَنْهُ فَإِنَّهُ مَقْهُورُ
٧- قَدْ كَانَ لِلنُّعْمَانِ مُلْكٌ وَاسِعٌ ... فِيهِ الْخُلُودُ وَجَارُهُ مَسْرُورُ
٨- هَذَا الَّذِي يَبْقَى وَذَلِكَ هَالِكٌ ... شَيْئَانِ مَا الْمَحْقُوقُ وَالْمَوْقُورُ
٩- فَمَضَى كَأَنَّا لَمْ نَكُنْ فِي ظِلِّهِ ... يَوْمًا وَلَمْ يَكُ فِيهِ لِي قطمير [٣]
стр. 160
ذِكْرُ ارْتِدَادِ أَهْلِ [١] حَضْرَمَوْتَ مِنْ كِنْدَةَ وَغَيْرِهَا [٢]
قال: فلما فرغ أبو بكر ﵁ مِنْ حَرْبِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، عَزَمَ عَلَى مُحَارَبَةِ أَهْلِ حَضْرَمَوْتَ مِنْ كِنْدَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ عَامِلَهُمْ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ الأَنْصَارِيَّ [٣] الَّذِي كَانَ وَلاهُ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ [٤] ، كَانَ مُقِيمًا بِحَضْرَمَوْتَ، يُصَلِّي بِهِمْ وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ زَكَاةِ أَمْوَالِهِمْ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَضَى رَسُولُ الله ﵌ لِسَبِيلِهِ، وَصَارَ الأَمْرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ لَهُ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: (يَا هَذَا، إِنَّا قَدْ سَمِعْنَا كَلامَكَ ودعائك إِلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ اجْتَمَعْنَا) ، قَالَ لَهُ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ [٥] : (يَا هَذَا، إِنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ) ، فَقَالَ الأَشْعَثُ: (إِنَّكَ لا تَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ الأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ) .
قَالَ: فَسَكَت زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الأَشْعَثِ بن قيس
стр. 161
ابْنِ عَمٍّ لَهُ مِنْ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَابِسٍ [١] ، فَقَالَ: (يَا أَشْعَثُ، أَنْشُدُكَ باللَّه وَبِإيَمانِكَ وَقُدُومِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ إِنْ نَكَصْتَ أَوْ رَجَعْتَ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ، فَإِنَّكَ إِنْ تَقَدَّمْتَ تَقَدَّمَتِ النَّاسُ مَعَكَ، وَإِنَّ هَذَا الأَمْرَ لا بُدَّ لَهُ مِنْ قَائِمٍ يَقُومُ بِهِ فَيَقْتُلُ مَنْ خَالَفَهُ عَلَيْهِ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، فَقَدْ عَلِمْتَ بِمَا جَرَى عَلَى مَنْ خَالَفَ أَبَا بَكْرٍ مِنَ العرب ومنعة الزكاة) . فقال له الأشعث: (يا ابن عَابْسٍ، إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَضَى لِسَبِيلِهِ، وَإِنَّ الْعَرَبَ قَدْ رَجَعَتْ إِلَى مَا تَعْبُدُ مِنَ الآبَاءِ، وَنَحْنُ أَقْصَى الْعَرَبِ دَارًا) . قَالَ لَهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ: (فَسَيَبْعَثُ إِلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ جَيْشًا كَمَا بَعَثَ إِلَى غَيْرِكَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَهُوَ عَامِلٌ عَلَيْنَا، فَلا يَدَعْكَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ الإيمان) . قال: فضحك الأشعث، ثم قال: (أو لا يرضى زياد يا ابن عَابِسٍ أَنْ نُجِيرَهُ وَيَكُونَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا) ، قَالَ لَهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ: (يَا أَشْعَثُ، انْظُرْ مَا يَكُونُ بَعْدَ هَذَا) .
قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ امْرُؤُ الْقَيْسِ وَهُوَ يَقُولُ [٢] :
(مِنَ الْوَافِرِ)
١- أَلا أَبْلِغْ أبا بكر رسولا ... وسكّان المدينة أجمعينا [٣]
стр. 162
٢- فَلَيْسَ مُجَاوِرًا [١] بَيْتِي بُيُوتًا ... بِمَا قَالَ النَّبِيُّ مُكَذِّبِينَا [٢]
٣- دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمَّا ... رَأَيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مدبرينا [٣] / [٣٠ ب]
٤- شأمتم قومكم وشأمتمونا ... وغابركم سيشأم [٤] غَابِرِينَا
٥- فَلَسْتُ بِعَادِلٍ للَّه رَبًّا [٥] ... وَلا مُتَبَدِّلا بِالسِّلْمِ [٦] دِينَا
قَالَ: وَافْتَرَقَ الْقَوْمُ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةٌ أَقَامُوا عَلَى دِينِ الإِسْلامِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا وَعَزَمُوا عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَفِرْقَةٌ عَزَمُوا عَلَى مَنْعِ الزَّكَاةِ وَالْعِصْيَانِ.
وَانْصَرَفَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ مَغْمُومًا إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ نَادَى فِي أَهْلِ حَضْرَمَوْتَ فَجَمَعَهُمْ ثُمَّ قَالَ: (اجْمَعُوا صَدَقَاتِكُمْ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَوُجِّهَ بِهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، لأَنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَقَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ أَهْلَ الرِّدَّةِ وَأَمْكَنَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمِينَ) .
قَالَ: فَجَعَلَ قَوْمٌ يُعْطُونَهُ الزَّكَاةَ طَائِعِينَ، وَقَوْمٌ يُعْطُونَهُ إِيَّاهَا كَارِهِينَ، وَزِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ يَجْمَعُ الصَّدَقَاتِ وَلا يُرِيهِمْ مِنْ نَفْسِهِ إِلا الصَّرَامَةَ، غَيْرَ أنه أخذ
стр. 163
يَوْمًا مِنَ الأَيَّامِ نَاقَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَوَسَمَهَا وَسَرَّحَهَا مَعَ الإِبِلِ الَّتِي يُرِيدُ [أَنْ] يُوَجِّهَ بِهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ لِفَتًى مِنْ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيُّ [١] مِنْ بَنِي قُشَيْرٍ، فَأَقْبَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ سَادَاتِ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُ حارثة بن سراقة [٢] ، فقال له: (يا ابن عَمٍّ، إِنَّ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ قَدْ أَخَذَ نَاقَةً لِي فَوَسَمَهَا وَجَعَلَهَا فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَأَنَا مَشْغُوفٌ بِهَا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُكَلِّمَهُ فِيهَا فَلَعَلَّهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَيَأْخُذَ غَيْرَهَا مِنْ إبلي، فإني لست أمنع عَلَيْهِ) .
قَالَ: فَأَقْبَلَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ إِلَى زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ وَقَالَ: (أَرَأَيْتَ أَنْ تَرُدَّ نَاقَةَ هَذَا الْفَتَى عَلَيْهِ وَتَأْخُذَ غَيْرَهَا فَعَلْتَ مُنَعَّمًا) ، فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ: (إِنَّهَا قَدْ دَخَلَتْ فِي حَقِّ اللَّهِ، وَقَدْ وَضَعَ عَلَيْهَا مِيسَمَ الصَّدَقَةِ وَلا أُحِبُّ أَنْ آخُذَ غَيْرَهَا) ، فَغَضِبَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: (أَطْلِقْهَا وَأَنْتَ كَرِيمٌ، وَإِلا أَطْلِقْهَا وَأَنْتَ لَئِيمٌ) ، قَالَ: فَغَضِبَ زِيَادٌ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: (لا أُطَلِّقُهَا حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهَا أَوْ يَمْنَعُهَا) ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ وَجَعَلَ يَقُولُ [٣] :
(مِنْ مَشْطُورِ السَّرِيعِ)
١- يَمْنَعُهَا شَيْخٌ بِخَدَّيْهِ الشَّيْبُ ... ٢- مُلَمَّعٌ كَمَا يَلْمَعُ الثَّوْبُ [٤]
стр. 164
٣- مَاضٍ عَلَى الرَّيْبِ إِذَا خِيفَ الرَّيْبُ [١] ... ٤- مَا إِنْ يُبَالِي الْعَيْبَ وَقْتَ الْعَيْبِ [٢]
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ حَارِثَةُ [٣] بْنُ سُرَاقَةَ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَخْرَجَ النَّاقَةَ بِعَيْنِهَا، ثُمَّ قَالَ لِصَاحِبِهَا: خُذْ نَاقَتَكَ إِلَيْكَ، فَإِنْ كَلَّمَكَ أَحَدٌ فَاخْطِمْ [٤] أَنْفَهُ بِالسَّيْفِ، نَحْنُ إِنَّمَا أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﵌ إِذْ كَانَ حَيًّا، وَلَوْ قَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ لأَطَعْنَاهُ، وَأَمَّا [ابْنُ] أَبِي قُحَافَةَ فَمَا لَهُ طَاعَةٌ فِي رِقَابِنَا وَلا بَيْعَةٌ، ثُمَّ أَنْشَأَ حَارِثَةُ يَقُولُ [٥] :
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ إِذْ كَانَ وَسْطَنَا ... فَيَا عجبا ممّن يطيع أبا بكر [٦]
стр. 165
٢- لِيُورِثَهُ بَكْرًا إِذَا كَانَ بَعْدَهُ ... وَتِلْكَ وَبَيْتِ اللَّهِ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ [١]
٣- وَإِنَّ أُنَاسًا يَأْخُذُونَ زَكَاتَكُمْ ... أقلّ وربّ البيت عندي من الذّرّ
[٣١ أ] ٤- وَإِنَّ الَّذِي تُعْطُونَهُ بِجَهَالَةٍ/ ... لَكَالتَّمْرِ أَوْ أَحْلَى بِفِينَا مِنَ التَّمْرِ [٢]
٥- حَلَفْتُ يَمِينًا غَيْرَ حَنْثٍ مَشُوبَةً ... وَإِنِّي لأَهْلٌ أَنْ أُوَفِّي بِهَا نَذْرِي
٦- عَلَى مَا تَرْجُو قُرَيْشٌ وَدُونَ مَا ... يُرَجُّونَ طَعْنٌ [٣] بِالْمُثَقَّفَةِ السُّمْرِ
٧- وَضَرْبٌ يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مُسْتَقَرِّهِ ... كَمَا كَانَتِ الأَشْيَاخُ فِي سَالِفِ الدَّهْرِ
٨- أَنُعْطِي قُرَيْشِا مَالَنَا إِنَّ هَذِهِ ... لَتِلْكَ الَّتِي [٤] يَخْزَى بِهَا الْمَرْءُ فِي الْقَبْرِ
٩- فَيَا قَوْمِ لا تُعْطُوا اللِّئَامَ مُقَادَةً ... وَقُومُوا وَإِنْ كَانَ الْمُقَامُ عَلَى الْجَمْرِ [٥]
١٠- فَكِنْدَةُ مَا زَالَتْ لُيُوثًا لدى الْوَغَى ... وَغَيْثَ بَنِي [حَوَّاءَ] [٦] فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ
١١- وَمَا لِبَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ [٧] إِمْرَةٌ ... عَلَيْنَا وَلا تِلْكَ الْقَبَائِلُ مِنْ فِهْرِ [٨]
١٢- لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْجَبَ طَاعَةً ... وَأَوْلَى بِمَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ مِنَ الأَمْرِ
قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ هَذِهِ الأَبْيَاتِ، كَأَنَّهُ اتَّقَى عَلَى مَا جمع من إبل
стр. 166
الصَّدَقَةِ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ، فَخَرَجَ مِنْ لَيْلَتِهِ يُرِيدُ الْمَسِيرَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا صَارَ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ مِنَ الْقَوْمِ [كَتَبَ] إِلَى حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ [١] :
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- نُقَاتِلُكُمْ فِي اللَّهِ وَاللَّهُ غَالِبٌ ... عَلَى أَمْرِهِ حَتَّى تُطِيعُوا أَبَا بَكْرِ
٢- وَحَتَّى تَقُولُوا بَعْدَ خِزْيٍ وَذِلَّةٍ ... رَضِينَا بِإِعْطَاءِ الزَّكَاةِ عَلَى الْقَسْرِ
٣- وَحَتَّى تَقُولُوا بَعْدَ كُفْرٍ وَرِدَّةٍ ... بِأَنَّا أُنَاسٌ لا نَعُودُ إِلَى الْكُفْرِ
٤- وَلَيْسَ لَنَا وَاللَّهِ بُدٌّ مِنَ اخْذِهَا ... فَدُونَكُمُوهَا مِثْلَ رَاغِيَةِ الْبَكْرِ [٢]
٥- فَإِنْ تَصْبِرُوا لِلضَّرْبِ وَالطَّعْنِ بِالْقَنَا ... فَإِنَّا أُنَاسٌ مُجْمِعُونَ عَلَى الصَّبْرِ
قَالَ: فَلَمَّا وَرَدَتْ أَبْيَاتُ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ هَذِهِ غَضِبَتْ أَحْيَاءُ كِنْدَةَ لِذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، ثُمَّ وَثَبَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: خَبِّرُونِي عَنْكُمْ يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ إِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَزْمَعْتُمْ [٣] عَلَى مَنْعِ الزَّكَاةِ وَحَرْبِ أَبِي بَكْرٍ، فَهَلا قَتَلْتُمْ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ، فَكَانَ يَكُونُ الأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَاحِدًا كَائِنًا مَا كَانَ، وَلَكِنَّكُمْ أَمْسَكْتُمْ عَنْهُ حَتَّى أَخَذَ زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ ثُمَّ رَحَلَ عَنْكُمْ إِلَى صَاحِبِهِ، وَكَتَبَ إِلَيْكُمْ وَيُهَدِّدُكُمْ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّهِ: صَدَقْتَ وَاللَّهِ يَا أَشْعَثَ، مَا كَانَ الرَّأْيُ إِلا قَتْلُ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ وَارْتِجَاعُ مَا دُفِعَ إِلَيْهِ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَاللَّهِ مَا نَحْنُ إِلا عَبِيدٌ لِقُرَيْشٍ، مَرَّةً يُوَجِّهُونَ إِلَيْنَا بِالْمُهَاجِرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ [٤] فَيَأْخُذُونَ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا يُرِيدُونَ، ومرة يولون علينا
стр. 167
مِثْلَ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ، فَيَأْخُذُ مِنْ أَمْوَالِنَا وَيُهَدِّدُنَا بِالْقَتْلِ، وَاللَّهِ لا طَمِعَتْ قُرَيْشٌ فِي أَمْوَالِنَا بَعْدَهَا أَبَدًا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ [١] :
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- إِذَا نَحْنُ أَعْطَيْنَا الْمُصَدِّقَ [٢] سُؤْلَهُ ... فَنَحْنُ لَهُ فِيمَا يُرِيدُ عَبِيدُ
٢- أَفِي كُلِّ يَوْمٍ للمهاجر جبوة [٣] ... ولا بن لَبِيدٍ إِنَّ ذَا لَشَدِيدُ
٣- فَحَتَّى مَتَى نُعْطِي الإِتَاوَةَ [٤] مَعْشَرًا ... إِذَا أَخَذُوا قَالُوا لِمَعْشَرَ عُودُوا
[٣١ ب] قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ آخَرُ مِثْلَ كَلامِ الأَوَّلِ، وَحَرَّضَ بَنِي عَمِّهِ/ عَلَى الْعِصْيَانِ وَمَنْعِ الزَّكَاةِ، وأنشأ يقول:
стр. 168
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- إِذَا نَحْنُ أَعْطَيْنَا الْمُصَدِّقَ سُؤْلَهُ ... فجدّع منّا كلّ أنف ومسمع
٢- فو الله لَوْ قَالُوا عِقَالا لَقُلْتُ لا ... إِلَيْهِ سَبِيلٌ لا وَلا قَيْسُ أُصْبُعِ [١]
٣- فَقُلْ لِزِيَادٍ وَالْمُهَاجِرِ [٢] أَوْعِدَا ... فَمَا مِثْلُنَا فِي وَعْدِهِ بِمُوَرَّعِ [٣]
٤- وَمَا مِثْلُنَا يُعْطِي عَلَى الْقَسْرِ مَالَهُ ... وَنَحْنُ مُلُوكُ النَّاسِ مِنْ قَبْلِ تُبَّعِ [٤]
قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ، إِنْ كُنْتُمْ عَلَى مَا أَرَى، فَلْتَكُنْ كَلِمَتُكُمْ وَاحِدَةً، وَالْزَمُوا بِلادَكُمْ وَحَوِّطُوا حَرِيمَكُمْ، وَامْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الْعَرَبَ لا تَقَرُّ بِطَاعَةِ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ وَتَدَعُ سَادَاتِ الْبَطْحَاءِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِلَى غَيْرِهَا، وَإِنَّهَا لَنَا أَجْوَدُ، وَنَحْنُ لَهُ أَحْرَى، وَأَصْلَحُ مِنْ غَيْرِنَا، لأَنَّا الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ قُرَشِيٌّ وَلا أَبْطَحِيٌّ [٥] ، ثُمَّ أَنْشَأَ الأَشْعَثُ يَقُولُ:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- لَعَمْرِي لَئِنْ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَتَابَعَتْ [٦] ... عَلَى بَيْعَةٍ بعد الرسول وسمّحوا
стр. 169
٢- بِهَا لِبَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ جَهْرَةٌ ... وَسَمَّوْا عَتِيقًا [١] عِنْدَ ذَاكَ وَصَرَّحُوا
٣- أَمِيرًا وَنَحَّوْا عَنْهُ آلَ مُحَمَّدٍ ... وَكَانُوا بِهَا أَوْلَى هُنَاكَ وَأَصْلَحُ
٤- وَإِنْ صَلَحَتْ فِي تَيْمِ مُرَّةَ إِمْرَةٍ ... فَفِي كِنْدَةَ الأَمْلاكُ [٢] أَحْرَى وَأَصْلَحُ
٥- لأَنَّا مُلُوكُ النَّاسِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُرَى ... عَلَى الأَرْضِ تَيْمِيٌّ وَلا مُتَبَطِّحُ
٦- فَمَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي عَتِيقًا [٣] بِأَنَّهُ ... أَنَا الأَشْعَثُ الْكِنْدِيُّ بِذَاكَ مُصَرِّحُ [٤]
٧- إِذَا [مَا] غَضِبْنَا مَادَتِ الأَرْضُ وَانْكَفَتْ ... فَإِنْ رَضِينَا الأَرْضُ لا تَتَزَحْزَحُ [٥]
قَالَ: ثُمَّ إِنَّ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ رَأَى مِنَ الرَّأْيِ أَنْ لا يُعَجِّلَ بِالْمَسِيرِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَوَجَّهَ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ ثِقَةٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ لا يُخْبِرَ أَبَا بَكْرٍ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْقَوْمِ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ سَارَ إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ كِنْدَةَ، يُقَالُ لَهُمْ بَنُو ذُهْلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَخَبَّرَهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ قَوْمِهِمْ إِلَيْهِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ سَادَاتِ الْقَوْمِ يُقَالُ لَهُ الْحَارِثُ بْنُ مُعَاوِيَةَ [٦] ، فَقَالَ لَهُ: يَا زِيَادُ، إِنَّكَ لَتَدْعُو إِلَى الطَّاعَةِ لِرَجُلٍ لَمْ يُعْهَدْ إِلَيْنَا وَلا إِلَيْكُمْ فِيهِ عَهْدٌ، فَقَالَ لَهُ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ: صَدَقْتَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ إِلَيْنَا وَلا إِلَيْكُمْ فِيهِ عَهْدٌ، وَلَكِنِ اخْتَرْنَاهُ لِهَذَا الأَمْرِ، فَقَالَ لَهُ الْحَارِثُ: أَخْبِرْنِي فَلِمَ نَحَّيْتُمْ عَنْهَا أَهْلَ بَيْتِهِ، وَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا، لأَنَّ اللَّهَ يقول: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ ٨: ٧٥
стр. 170
[١] . / فَقَالَ لَهُ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ: إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ والأنصار أنظر لأنفسهم [٣٢ أ] مِنْكَ، فَقَالَ لَهُ الْحَارِثُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: لا وَاللَّهِ، مَا أَزَلْتُمُوهَا عَنْ أَهْلِهَا إِلا حَسَدًا مِنْكُمْ لَهُمْ، وَمَا يَسْتَقِرُّ فِي قَلْبِي أَنَّ رسول الله ﵌، خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَنْصِبُ لِلنَّاسِ عِلْمًا يَتَّبِعُونَهُ، فَارْحَلْ عَنَّا أَيُّهَا الرَّجُلُ، فَإِنَّكَ تَدْعُو إِلَى غَيْرِ رِضًا، ثُمَّ أَنْشَأَ الْحَارِثُ يَقُولُ [٢] :
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- كَانَ [٣] الرَّسُولُ هُوَ الْمُطَاعُ فَقَدْ مَضَى ... صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ لَمْ يَسْتَخْلِفِ
٢- هَذَا مَقَالُكَ يَا زِيَادُ فَقَدْ أَرَى ... أَنْ قَدْ أَتَيْتَ بِقَوْلِ سُوءٍ مُخْلِفِ
٣- وَمَقَالُنَا أَنَّ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا ... صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ غَيْرُ مُكَلِّفِ
٤- تَرَكَ الْخِلافَةَ بَعْدَهُ لِوُلاتِهِ ... وَدَعَا زِيَادٌ لامْرِئٍ لَمْ يَعْرِفِ
٥- إِنْ كَانَ لابْنِ أَبِي قُحَافَةَ إِمْرَةٌ ... فَلَقَدْ أَتَى فِي أَمْرِهِ بِتَعَسُّفِ
٦- أَمْ كَيْفَ سَلَّمْتَ الْخِلافَةَ هَاشِمٌ ... لِعَتِيقِ تَيْمٍ كَيْفَ مَا لَمْ تَأْنَفِ
قَالَ: فَوَثَبَ عَرْفَجَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الذُّهْلِيُّ [٤] فَقَالَ: صَدَقَ وَاللَّهِ الْحَارِثُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، أَخْرِجُوا هَذَا الرَّجُلَ عَنْكُمْ، فَمَا صَاحِبُهُ بِأَهْلٍ لِلْخِلافَةِ، وَلا يَسْتَحِقُّهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَمَا الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ بِأَنْظَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ من نبيها ﵌، ثُمَّ أَنْشَأَ عَرْفَجَةُ يَقُولُ:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- لَعَمْرِي وَمَا عُمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ ... لَقَدْ قَالَ حَقًّا حَارِثُ بْنُ مُعَاوِيَهْ
٢- أَيَمْلِكُ عَبْدٌ رَبَّهُ إِنَّ دَهْرَنَا ... لَيَطْرُقُنَا فِي كُلِّ حِينٍ بِدَاهِيَهْ
стр. 171
٣- فَمَنْ مُبْلِغٌ عَنَّا عَتِيقًا رِسَالَةً ... لَبِسْتَ لِبَاسَ الظَّالِمِينَ عَلانِيَهْ
٤- لَحَا اللَّهُ مَنْ أَعْطَاكَ طَاعَةَ بَيْعَةٍ ... مُقِرًّا وَلا أَبْقَى لَهُ الدَّهْرُ بَاقِيَهْ
٥- أَتَمْلِكُهَا دُونَ الْقَرَابَةِ ظَالِمًا ... لَكَ الذَّبْحُ ذَرْهَا إِنَّمَا هِيَ عَارِيَهْ
قَالَ: ثُمَّ وَثَبَ رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُ عَدِيُّ بْنُ عَوْفٍ [١] ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، لا تَسْمَعُوا كَلامَ عَرْفَجَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَلا تُطِيعُوا أَمْرَهُ، فَإِنَّهُ يَدْعُوكُمْ إِلَى الْكُفْرِ وَيَصُدُّكُمْ عَنِ الْحَقِّ، اقْبَلُوا مِنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ مَا يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ، وَارْضَوْا بِمَا رَضِيَ بِهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، فَإِنَّهُمْ أَنْظَرُ لأَنْفُسِهِمْ مِنْكُمْ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ [٢] :
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- يَا قَوْمِ إِنِّي نَاصِحٌ لا تَرْجِعُوا ... فِي الْكُفْرِ وَاتَّبِعُوا مَقَالَ النَّاصِحِ [٣]
٢- لا تَرْجِعُوا عَنْ دِينِكُمْ فِي رِدَّةٍ ... بَغْيًا فَإِنَّ الْبَغْيَ أَمْرٌ فَاضِحُ
٣- لا يَأْخُذَنَّكُمُ لِقَوْلٍ عِزَّةٌ ... حَتَّى يُخَالِفَكُمْ عَدُوٌّ كَاشِحُ
٤- إِنِّي لأَرْهَبُ بَعْدَ هَذَا إِنْ تَكُنْ ... حَرْبٌ زَبُونٌ لِلْكِبَاشِ تَنَاطُحُ [٤]
٥- لا بَلْ أَخَافُ عَلَيْكُمُ مِثْلَ الَّذِي ... لاقَتْ ثَمُودٌ قَبْلَ ذَاكَ وَصَالِحُ
قَالَ: فَوَثَبَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَمِّهِ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَدْمَوْهُ وَشَتَمُوهُ أقبح شتم، ثم [٣٢ ب] وَثَبُوا إِلَى زِيَادٍ وَأَخْرَجُوهُ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ، قَالَ: فَجَعَلَ/ زِيَادٌ لا يَأْتِي قَبِيلَةً مِنْ قَبَائِلِ كِنْدَةَ فَيَدْعُوهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ إِلا رَدُّوا عَلَيْهِ مَا يَكْرَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ سَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ، إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، فَخَبَّرَهُ بِمَا كَانَ مِنَ الْقَوْمِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ قَبَائِلَ كِنْدَةَ قَدْ عَزَمَتْ عَلَى الارْتِدَادِ وَالْعِصْيَانِ. فَاغْتَمَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لِذَلِكَ غَمًّا شَدِيدًا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، هَذَا
стр. 172
خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مُقِيمٌ بِأَرْضِ الْيَمَامَةِ، وَقَدْ تَعْلَمُ أَنَّهُ رَجُلٌ مُظَفَّرٌ، فَوَجِّهْ بِهِ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ خَالِدًا لَكَمَا وَصَفْتُمْ، وَلَكِنَّ أَمِيرَهُمُ الَّذِي أَخْرَجُوهُ عَنْهَا هُوَ أَحَقُّ بِحَرْبِهِمْ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ جَمَعَ أَبُو بَكْرٍ جَيْشًا فَضَمَّهُمْ إِلَى زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْقَوْمِ، فَسَارَ زِيَادٌ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي أَرْبَعَةِ أَلْفٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ يُرِيدُ حَضْرَمَوْتَ.
قَالَ: وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِقَبَائِلَ كِنْدَةَ، فَكَأَنَّهُمْ نَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَبْنَاءِ مُلُوكِهِمْ يُقَالُ لَهُ أَبْضَعَةُ بْنُ مَالِكٍ [١] : يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ، إِنَّا قَدْ أَضْرَمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا نَارًا لا أَظُنُّ أَنَّهَا تُطْفَأُ أَوْ تَحْرِقُ مِنْهَا بَشَرًا كَثِيرًا، وَالرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ نَتَدَارَكَ مَا فَعَلْنَا وَنُسْكِنَ هَذِهِ الثَّائِرَةَ الَّتِي ثَارَتْ، وَنَكْتُبُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَنُعْلِمُهُ بِطَاعَتِنَا، وَأَنْ نُؤَدِّيَ إِلَيْهِ زَكَاةَ أَمْوَالِنَا طَائِعِينَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ، وَإِنَّا قَدْ رَضِينَا بِهِ خَلِيفَةً وَإِمَامًا، مَعَ أَنِّي أَقُولُ لَكُمْ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَلَسْتُ بِخَارِجٍ مِنْ رَأْيِكُمْ، على أني أعلم ما تؤول أُمُورُكُمْ غَدًا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ [٢] :
(مِنَ الْوَافِرِ)
١- أَرَى أَمْرًا لَكُمْ فِيهِ سُرُورُ ... وَآخِرُهُ لَكُمْ فِيهِ نَدَامَهْ
٢- وَمَا لِي بَعْدَ كِنْدَةَ مِنْ بَقَاءٍ ... وَمَا لِي بَعْدَ ظَعْنِكُمُ إِقَامَهْ
٣- فَأَمْرِي أَمْرُكُمْ فِيهِ وَأَنِّي ... لَكُمْ مِمَّا أُحَاذِرُهُ سَلامَهْ
٤- وَقَدْ رَجَعَتْ بَنُو أَسَدٍ وَكَانَتْ ... بَنُو أَسَدٍ وَذُبْيَانَ خُزَامَهْ
٥- وَقَرَّتْ عَامِرٌ جَزَعًا فَأَمْسَتْ [٣] ... مُطَوَّقَةً بِهَا طَوْقَ الْحَمَامَهْ
٦- وَقَدْ رَجَعَتْ قَبَائِلُ مِنْ سُلَيْمٍ ... وَكَانَ حَدِيثُهُمْ فِي النَّاسِ شَامَهْ
٧- وَقَدْ رَجَعَتْ بِبَلْدَتِهَا تَمِيمٌ ... فَمَا كَسَرَتْ بِرَجْعَتِهَا بِشَامَهْ [٤]
стр. 173
٨- وَقَدْ رَجَعَتْ حَنِيفَةُ فَاسْتَبَاحَتْ ... جُنُودُ اللَّهِ أَجْنَادَ الْيَمَامَهْ
٩- وَفِي الْبَحْرَيْنِ قَدْ عَضَّتْ بِبَكْرٍ ... رِمَاحَ الْخَطِّ [١] وَالْبِيضَ الْخِذَامَهْ [٢]
قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَتْ قَبَائِلُ كِنْدَةَ هَذَا الشِّعْرَ وَالْكَلامَ، كَأَنَّهُمُ انْكَسَرُوا لِذَلِكَ وَجَعَلَ بَعْضُهُمُ يُثَوِّبُ [٣] بَعْضًا، فَقَالَ قَوْمٌ: نَرْجِعُ عَمَّا فَعَلْنَا وَنُؤَدِّي الزَّكَاةَ، وَقَالَ قَوْمٌ: لا بَلْ نَمْنَعُ الزَّكَاةَ وَنُقَاتِلُ مَنْ يَجِيئُنَا مِنْ عِنْدِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَنْشَأَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ يقول:
(من الخفيف)
[٣٣ أ] ١- لَسْتُ أَدْرِي إِذَا خَلَوْتُ بِنَفْسِي ... أَخَطَأٌ أَوْلَى بِهَا أَمْ صَوَابُ/
٢- قَدْ مَنَعْتُ الْمُهَاجِرَ بْنَ أميّ- ... ة من مالنا وكلّ مجاب [٤]
٣- وزياد فَمَا أَرَى [٥] لِزِيَادٍ ... فِي الَّذِي يَدَّعِي جَنَاحَ ذباب
٤- أجمعت كندة الغداة على الحر ... ب هَوَى مَعْشَرٌ مِنَ الأَوْشَابِ
٥- زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَصَابُوا وَأَنَّا ... قَدْ نَكَصْنَاهُمْ عَلَى الأَعْقَابِ
٦- فَلَئِنْ كَانَ ذَا غَدًا فَعَظِيمٌ ... مِثْلُ هَذَا عَلَى ذَوِي الأَحْسَابِ
قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَتْ قَبَائِلُ كِنْدَةَ هَذِهِ الأَبْيَاتِ مِنْ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ، وَثَبُوا إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَمَّلْنَا [٦] فيما نحن عليه سؤال، وما زلت مشؤوما في
стр. 174
كُلِّ حَالٍ، ثُمَّ وَثَبَ إِلَيْهِ الأَشْعَثُ بْنُ قيس فقال: والله يا ابن سُرَاقَةَ لأَسْلَمْنَاكَ غَدًا إِلَى زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ، قَضَى فِيكَ مَا قَضَى، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِكِنْدَةَ مِنْ نَصْبِ الْحَرْبِ لِمِثْلِ أَبِي بَكْرٍ فِي سَبَبِ نَاقَةٍ لا أَقَلَّ وَلا أَكْثَرَ، ثُمَّ أَنْشَأَ الأَشْعَثُ يَقُولُ:
(مِنَ الْخَفِيفِ)
١- عَجَبًا ما عجبت من حدث الدّه- ... ر وَمِنْ فِعْلِ حَارِثِ بْنِ سُرَاقَهْ
٢- هَاجَ حَرْبًا يشيب من هولها الرأ ... س وَيُسْجِي بِهَا الْوَلِيدُ النَّاقَهْ
٣- حَارِثُ خُذْهَا وَقَوْلُ بَنِي الْمُنْذِرِ ... فَمَاذَا يَكُونُ لَوْلا الْحَمَاقَهْ [١]
٤- حَارِثُ أنت أشأم خلق اللّ- ... هـ فِي سَعْدِهَا وَيَوْمِ الْمَحَاقَهْ
قَالَ: فَقَالَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ: يَا أَشْعَثُ، إِنَّ كَلامَكَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّكَ نَاصِحٌ قَوْمَكَ غَدًا إِذَا وَافَاهُمْ جَيْشُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ الأَشْعَثُ: وَاللَّهِ مَا أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ يَا حَارِثَةُ، فَكُنْ مِمَّا قُلْتَهُ عَلَى يَقِينٍ.
قَالَ: فَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِزِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ قَدْ نَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، فَجَزَوْهُ خَيْرًا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ بَنِي عَمِّهِ [٢] مِمَّنْ كَانَ مَعَ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ [٣] :
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- إِنْ تُمْسِ كِنْدَةُ نَاكِثِينَ عُهُودَهُمْ ... فاللَّه يَعْلَمُ أَنَّنَا لَمْ نَنْكِثِ [٤]
٢- وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّنَا لَمْ نَأْلُهُمْ ... نُصْحًا وَمَنْ يَحْلِفْ بِهَا لَمْ يَحْنَثِ
٣- وَالرَّاقِصَاتُ إِلَى مِنًى مَبْعُوثَةٌ ... تَهْوِي بركب من خزاعة شعّث [٥]
стр. 175
٤- إِنْ كَانَ فِي قَوْمِي الَّذِينَ أَعُدُّهُمْ ... خَيْرٌ [١] فَذَاكَ الْخَيْرُ عِنْدَ الأَشْعَثِ
٥- اسْمَعْ فِدًى لَكَ وَالِدَايَ [٢] كِلاهُمَا ... أَقْبِلْ وَلا تَرْدُدْ نَصِيحَةَ عَثْعَثِ [٣]
قَالَ: فَوَثَب رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُ عَفِيفُ بْنُ مَعْدِيٍّ، وَكَانَ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ وَذَوِي أَنْسَابِهِمْ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ بَنِي كِنْدَةَ، إِنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَذْحِجٍ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّحْنَاءِ، وَهَذِهِ خَيْلُ أَبِي بَكْرٍ قَدْ سَارَتْ إِلَى مَا قِبَلَكُمْ، تُخْبِرُونِي الآنَ أَيُّ الْخَيْلَيْنِ تَدْفَعُ عَنْكُمْ، خَيْلُ أَبِي بَكْرٍ أَمْ خَيْلُ مَذْحِجٍ، أَمَا وَاللَّهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَمَا أَنَا إِلا رَجُلٌ مِنْكُمْ، وَلَكِنْ كَأَنِّي بِمُلُوكِكُمْ وَسَادَاتِكُمْ قَدْ أَهْلَكَتْهُمْ هَذِهِ الْحُرُوبُ الَّتِي تَتَوَقَّعُونَهَا، وَقَدْ وَاللَّهِ وَقَعْنَا فِي أَمْرٍ مَا لَنَا مِنْ مَخْلَصٍ إِلا السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، وَالسَّلامُ، ثم أنشأ يقول:
(من الطويل) [٣٣ ب]
١- وَقَعْنَا بِأَمْرٍ مَا لَنَا مِنْهُ مَخْرَجُ [٤] ... / سِوَى دَفْعِهِ بِالصَّبْرِ حَتَّى تَفَرَّجَا
٢- وَإِيزَاحِهِ عَنَّا بِغَيْرِ خِدَاجَةٍ ... وَلا خَيْرَ فِي أَمْرٍ إِذَا كَانَ مُخْدَجَا [٥]
٣- مَنَعْتُمْ زِيَادًا مَا لَكُمْ وَأَظُنُّهُ ... سَيُوقِدُها نَارًا عَلَيْكُمْ مُوَهَّجَا
٤- فَيُصْبِحُ فِيهَا مِنْ جَنَاهَا سفاهة ... قليل العزا عن قومه متعجّجا [٦]
стр. 176
٥- أَلا خَبِّرُونِي وَالْحَوَادِثُ [١] جَمَّةٌ ... وَلا خَيْرَ فِي قَوْلٍ إِذَا كَانَ لَجْلَجَا
٦- أَخَيْلُ أَبِي بَكْرٍ تَرُدُّونَ عَنْكُمُ ... إِذَا مَا أَتَتْكُمْ أَمْ تَرُدُّونَ مَذْحِجَا
٧- أَظُنُّكُمُ وَاللَّهُ غَالِبُ أَمْرِهِ ... سَتَبْغُونَ فِي الْحَرْبِ الْهُمَامِ الْمُتَوَّجَا
٨- وَتَبْغُونَ فِيهَا كُلَّ فَارِسِ بُهْمَةٍ [٢] ... إِذَا اشْتَدَّ يَوْمًا حَالَةُ الْقَوْمِ أَهْوَجَا
قال: وتقارب [ت] خَيْلُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بِلادِ حَضْرَمَوْتَ وَدِيَارِ كِنْدَةَ وَحُصُونِهِمْ، فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ ثَوْرُ بْنُ مَالِكٍ [٣] ، وَكَانَ قَدِيمَ الْعَهْدِ فِي الإِسْلامِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَسْلَمَ فِي أَيَّامِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﵌ إِلَى أَرْضِ الْيَمَنِ، قَالَ: وَكَانَ ثَوْرُ بْنُ مَالِكٍ هَذَا مِمَّنْ أَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ، فَأَقْبَلَ عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ:
يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ، أَرَاكُمْ مُجْتَمِعِينَ عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَرَى فِيكُمْ نَخْوَةَ الْمُلْكِ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الَّذِي تَدْعُونَ [٤] مِنَ الْمُلْكِ قَدْ مَحَقَهُ اللَّهُ ﵎ بِنَبِيِّهِ محمد ﵌، وَأَنَّ السُّيُوفَ الَّتِي قَتَلَ اللَّهُ بِهَا أَهْلَ الرِّدَّةِ هِيَ السُّيُوفُ الَّتِي تُقَاتِلُكُمْ غَدًا، فَتَدَارَكُوا أُمُورَكُمْ، هَذِهِ خَيْلُ أَبِي بَكْرٍ قَدْ تَقَارَبَتْ مِنْكُمْ.
قَالَ فَوَثَبَ بَعْضُهُمْ فَلَطَمَ وَجْهَهُ وَشَتَمَهُ وَضَعَّفَ أَمْرَهُ، ثُمَّ صَاحَ بِهِ رِجَالُ كندة من كل ناحية وقالوا: يا ابن مَالِكٍ، مَا أَنْتَ وَالْكَلامُ بَيْنَ أَيْدِي الْمُلُوكِ ولست هناك، قم من ها هنا فَالتُّرَابُ فَفِيكَ.
قَالَ: فَوَثَبَ ثَوْرُ بْنُ مَالِكٍ مِنْ عِنْدِ الْقَوْمِ، وَقَدْ نَزَلَ بِهِ مِنْهُمْ ما نزل، فأنشأ يقول [٥] :
стр. 177
(مِنَ الْمُتَقَارِبِ)
١- تَطَاوَلَ لَيْلِي لِغَيِّ الْمُلُوكِ [١] ... وَقَدْ كُنْتُ قِدْمًا نَصَحْتُ الْمُلُوكَا
٢- فَأَصْبَحْتُ أَبْكِي بُكَاءَ الثُّكُولِ [٢] ... وَلَمْ أَكُ فِيمَا أَتَوْهُ شَرِيكَا
٣- وَقُلْتُ لَهُمْ حِينَ رَدُّوا الأُمُورَ ... أَرَى لِلْمُلُوكِ هَلاكًا وَشِيكَا
٤- فَقُلْتُ تَحَلَّوْا [٣] بِدِينِ الرَّسُولِ ... فَقَالُوا سَفَاهًا تُرَابٌ بِفِيكَا [٤]
٥- فَأَصْبَحْتُ أَبْكِي عَلَى مُلْكِهِمْ ... بُكَاءً طَوِيلا وَحُزْنًا هَلُوكَا
٦- وَقُلْتُ لِمَنْ عَابَنِي مِنْهُمُ ... عَسَى مَا تُسَرُّ بِهِ أَنْ يَسُوكَا
قَالَ: وَأَشْرَفَتْ خَيْلُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى دِيَارِ بَنِي كِنْدَةَ، فَإِذَا أَرْبَعَةُ أُخْوَةٍ مِنْ مُلُوكِ بَنِي كِنْدَةَ، أَحَدُهُمْ يُقَالُ لَهُ [٥] : مُخَوِّصٌ [٦] ، وَمُشَرِّحٌ، وَجَمَدٌ، وَأَبْضَعَةُ، فَإِذَا هُمْ عَلَى شَرَابٍ لَهُمْ وَالْمَعَازِفُ [٧] بَيْنَ أيديهم، لم يشعروا إلا وخيل المسلمين [٣٤ أ] على رؤوسهم، فَوَضَعُوا فِيهِمُ السُّيُوفَ، وَقَتَلُوا أُخْتًا لَهُمْ/ يُقَالُ لها العمرّدة [٨]
стр. 178
وَاحْتَوَوْا عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَقَلِيلِهِمْ وَكَثِيرِهِمْ، فَأَنْشَأَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ يَقُولُ [١] :
(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ)
١- شُكْرًا لِمَنْ يُعْطِي الرَّغَائِبَ مِنْ سَعَهْ ... ٢- قَتَلَ الْمُلُوكَ بَنُو الْمُلُوكِ الأَرْبَعَهْ [٢]
٣- جَمَدُ النَّدَى وَمُشَرِّحٌ وَأَبْضَعَهْ [٣] ... ٤- وَمُخَوِّصٌ [٤] لَيْسَ الْفَتَى بِذِي ضَعَهْ
قَالَ: وَاتَّصَلَ هَذَا الْخَبَرُ بِالسَّكَاسِكِ وَالسُّكُونِ، وَهُمَا قَبِيلَتَانِ مِنْ قَبَائِلِ كِنْدَةَ، فَكَأَنَّهُمُ اتَّقَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَرَكِبُوا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَسَارُوا إِلَى زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ، فَاسْتَأْمَنُوا إِلَيْهِ وَعَزَمُوا عَلَى نُصْرَتِهِ.
قَالَ: وَسَارَ زِيَادٌ إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو هِنْدٍ، فَكَبَسَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ فَوَقَعَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَوَلَّوُا الأَدْبَارَ، وَاحْتَوَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ:
(مِنَ الرَّمَلِ)
١- يَا بَنِي هِنْدٍ لَقِيتُمْ صَيْلَمَا [٥] ... إِذْ كَفَرْتُمْ بالإله المنعما
стр. 179
٢- فَتَرَرْنَاكُمْ [١] بِسُمْرٍ شُرَّعٍ ... وَبِبِيضِ الْهِنْدِ تَفْرِي اللِّمَمَا [٢]
٣- قد لَعَمْرِي سَاءَنِي [٣] هَلْكُكُمْ ... وَبَكَتْ عَيْنِي دُمُوعًا وَدَمَا
٤- فَارْجِعُوا لِلآنَ [٤] عَنْ كُفْرِكُمُ ... وَاتْبَعُوا دِينًا حَنِيفًا قَيِّمَا
٥- فَلَقَدْ أَبْدَيْتُ [٥] نُصْحِي لَكُمُ ... فَتَعَوَّضْتُ بِنُصْحِي نَدَمَا
قَالَ: ثُمَّ سَارَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو الْعَاتِكِ، فَوَافَاهُمْ وَهُمْ غَافِلُونَ، فَلَمَّا أَشْرَفَتِ الْخَيْلُ عَلَيْهِمْ تَصَايَحَتِ النِّسَاءُ وَخَرَجَ الرِّجَالُ إِلَى الْحَرْبِ، فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، وَوَقَعَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمُوا وَأَسْلَمُوا دِيَارَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَاحْتَوَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ، ثُمَّ أَنْشَأَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ:
(مِنَ الرَّمَلِ)
١- يَا بَنِي الْعَاتِكِ أَوْدَيْتُمْ مَعَا ... وَبَنُو هِنْدٍ أُبِيدُوا [٦] أَجْمَعَا
٢- زَرَعُوا بِالْبَغْيِ زَرْعًا ضَرَّهُمْ ... وَكَذَا يَحْصُدُهُ مَنْ زَرَعَا
٣- صَنَعُوا قِدْمًا صَنِيعًا فَاحِشًا ... كَمْ صَنِيعٍ ضَرَّ مَنْ قَدْ صَنَعَا
٤- عَيْنُ [٧] فَابْكِيهِمْ عَلَى بَغْيِهِمْ ... ما دعا إلف لهم أو سجعا [٨]
стр. 180
٥- كَمْ رَئِيسٍ تَرَكُوهُ نَادِرًا [١] ... بِسُيُوفٍ مُرْهَفَاتٍ قَطَّعَا
٦- قَتْلُهُمْ قَدْ هَدَّ رُكْنِي وَبَرَى [٢] ... أَعْظُمِي فَالأَنْفُ مِنِّي جُدِّعَا
٧- قَدْ بَذَلْنَا النُّصْحَ لَكِنْ لَمْ أَجِدْ ... فِيهِمُ يَوْمًا لِنُصْحِي مَوْضِعَا
قَالَ: ثُمَّ سَارَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ إِلَى حَيٍّ مِنْ أحياء كندة يقال لهم بنو حجر، وهم يَوْمَئِذٍ جَمَرَاتُ [٣] كِنْدَةَ وَفُرْسَانُهُمْ، فَلَمْ يَشْعُرُوا إِلا وَالْخَيْلُ قَدْ كَبَسَتْهُمْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَاقْتَتَلَ الْقَوْمُ سَاعَةً، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي حُجْرٍ مِائَتَا رَجُلٍ، وَأُسِرَ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلا، وَوَلَّى [٤] الْبَاقُونَ الأدبار، واحتوى/ المسلمون على قليلهم [٣٤ ب] وَكَثِيرِهِمْ، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنْ مُسْلِمِي كِنْدَةَ يَقُولُ:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- أَيَا عَيْنُ فَابْكِي [٥] مَا حَيِيتِ بَنِي حُجْرِ ... بِدَمْعٍ غَزِيرٍ لا قَلِيلٍ وَلا نَزْرِ
٢- نَصَحْتُهُمُ لَوْ يَقْبَلُونَ نَصِيحَتِي ... وَقُلْتُ لَهُمْ لا تَتْرُكُنَّ [٦] أَبَا بَكْرِ
٣- فَلَمَّا أَبَوْا فِي الْبَغْيِ إِلا تَمَادِيًا ... صَبَحْنَاهُمُ مِنَّا بِقَاصِمَةِ الظَّهْرِ
٤- لَقِينَاهُمُ لَيْلا هُنَاكَ بِجَحْفَلٍ ... فَكَانَ عَلَيْهِمْ مِثْلُ راغية البكر [٧]
следующие страницы →