← История

История · id 12222

كتاب الردة للواقدي

الواقدي

Полный текст (224 стр.). Показаны 211–224 · переход к 216.

стр. 211

قَالَ: فَتَكَاثَرَتِ الْفُرْسُ عَلَى الْعَرَبِ حَتَّى كَادُوا أَنْ يُنَحُّوهُمْ عَنْهَا. وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ ﵁، فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ وَلَمْ يَدْرِ مَا يَصْنَعُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: (يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، عِنْدِي رَأْيٌ أُشِيرُ بِهِ عَلَيْكَ) ، قَالَ: (وَمَا ذَلِكَ يَا أَبَا حَفْصٍ) ، قَالَ: (هَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَدْ فَتَحَ اللَّهُ الْيَمَامَةَ عَلَى يَدِهِ، وَهُوَ مُقِيمٌ بِهَا، مُصَاهِرٌ لِبَنِي حَنِيفَةَ، فَاكْتُبْ إِلَيْهِ وَمُرْهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ حَتَّى يَطَأَ لَكَ الْفُرْسَ بِخَيْلِهِ وَرَجْلِهِ مَعَ الْمُثَنَّى بْنِ الْحَارِثَةِ وَأَصْحَابِهِ، فَلَعَلَّ اللَّهَ ﵎ يَكْفِيكَ بِهِ أَمْرَ الْفُرْسِ) . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: (هَذَا لَعَمْرِي رَأْيٌ) . قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عثمان خليفة رسول الله ﵌، إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، أَمَّا بَعْدُ، فَالْحَمْدُ للَّه الَّذِي أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَصَدَقَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ أَوْلِيَاءَهُ، وَأَذَلَّ أَعْدَاءَهُ، وَأَظْهَرَ دِينَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، وَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَعْدًا لا خُلْفَ فِيهِ، وَقَوْلا لا رَيْبَ فِيهِ، وَقَدْ فَرَضَ الْجِهَادَ عَلَى عِبَادِهِ فَرْضًا مَفْرُوضًا، فَقَالَ ﵎: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى [١] أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَالله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ٢: ٢١٦ [٢] . وَقَدْ أَخْبَرَنَا الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ مُحَمَّدٌ ﵌: (أَنَّ الشُّهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحْشَرُونَ وَسُيُوفُهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ، وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخُبُ دَمًا، فَلا يَتَمَنَّوْنَ عَلَى اللَّهِ شَيْئًا إِلا أَعْطَاهُمْ إِيَّاهُ حَتَّى يُوَفَّوْا أَمَانِيهِمْ، وَمَا لَمْ يَخْطُرْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، فَمَا مِنْ شَيْءٍ يَتَمَنَّاهُ الشُّهَدَاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلا أَنْ يُرَدُّوا إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْرَضُوا بِالْمَقَارِيضِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، لِعِلْمِهِمْ ثَوَابَ اللَّهِ) [٣] ، فَثِقُوا عِبَادَ اللَّهِ بِمَوْعُودِ اللَّهِ وَأَطِيعُوهُ فِيمَا فَرَضَ عَلَيْكُمْ، وَارْغَبُوا فِي الْجِهَادِ رَحِمَكُمُ الله، وإن [٤٢ ب] عظمت فيه المؤونة، وبعدت فيه الشقة، وفجعتم فيه بالأموال/ والأنفس

стр. 212

وَالأَوْلادِ، انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٩: ٤١ [١] ، أَلا وَإِنِّي قَدْ أَمَرْتُ ابْنَ الْوَلِيدِ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ لِيَلْحِقَ بِالْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ، فَيَكُونُ لَهُ عَوْنًا عَلَى مُحَارَبَةِ الْفُرْسِ، وَلا يَبْرَحُهَا حَتَّى يَأْتِيَهُ أَمْرِي، فَسِيرُوا مَعَهُ رَحِمَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَثَاقَلُوا [٢] عَنِ الْمَسِيرِ فَإِنَّهُ سَبِيلٌ يُعْظِمُ اللَّهُ فِيهِ الأَجْرَ وَالثَّوَابَ، وَيَزِيدُ فِيهِ الْحَسَنَاتِ لِمَنْ حَسُنَتْ بِالْجِهَادِ نِيَّتُهُ، وَعَظُمَتْ فِي الْخَيْرِ رَغْبَتُهُ، كَفَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمُ الْمُهِمَّ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ وَالسَّلامُ) . قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِكِتَابِهِ هَذَا مَعَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، وَقَالَ: (يَا أَبَا سَعِيدٍ، انْظُرْ لا تُفَارِقْ خَالِدًا حَتَّى تُشَيِّعَهُ إِلَى الْعِرَاقِ، وَقُلْ لَهُ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ: أَنِ امْضِ إِلَى الْعِرَاقِ فَإِنَّ بِهَا قَوْمًا [٣] مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ الأَعَاجِمَ، وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ شَيْبَانَ، وَلَهُمْ بَأْسٌ وَجَلَدٌ وَشَرَفٌ وَعَدَدٌ، فَإِنِ اتّصَلْتَ بِهِمْ عَلَى الأَعَاجِمِ رَجَوْتُ أَنْ يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْكَ الْعِرَاقَ، وَإِنِ احْتَجْتُ إِلَيْكَ فِي وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ فَحَوَّلْتُكَ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى غَيْرِهَا كُنْتَ أَنْتَ الأَمِيرَ مِنْ دُونِهِ وَالسَّلامُ) . قَالَ: وَسَارَ أَبُو سَعِيدٍ بِالْكِتَابِ حَتَّى قَدِمَ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بِالْيَمَامَةِ، فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ قَالَ: (يَا أَبَا سَعِيدٍ، إِنَّ هَذَا الرَّأْيَ لَيْسَ مِنْ رَأْيِ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُحَوِّلَنِي إِلَى الْعِرَاقِ) [٤] . قَالَ: فَأَدَّى إِلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ رِسَالَتَهُ الَّتِي حَمَلَهَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَطَابَتْ نَفْسُهُ لِذَلِكَ، ثُمَّ نَادَى فِي أَصْحَابِهِ، فَجَمَعَهُمْ ثُمَّ خَطَبَهُمْ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِمُ. [٥] الْكِتَابَ وَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَذَا كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، قَدْ وَرَدَ عَلَيْنَا يَحُضُّنَا فِيهِ عَلَى طَاعَةِ رَبِّنَا، وَجِهَادِ عَدُوِّنَا، فَإِنَّ بِالْجِهَادِ أَعَزَّ اللَّهُ

стр. 213

دَعْوَتَنَا، وَجَمَعَ أُلْفَتَنَا وَكَلِمَتَنَا، وَأَمَّنَ أَمْنَنَا، وَالْحَمْدُ للَّه رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَلا وَإِنِّي خَارِجٌ مِنَ الْيَمَامَةِ، وَسَائِرٌ غَدًا نَحْوَ الْعِرَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّه، مَنْ أَرَادَ الْغَنِيمَةَ فِي الْعَاجِلَةِ، وَالْمَغْفِرَةَ فِي الآجِلَةِ، فَلْيَعْزِمْ لِلْمَسِيرِ، فَإِنِّي رَاحِلٌ) . فَقَالَ النَّاسُ: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. قَالَ: ثُمَّ انْكَمَشَ [١] خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَخَرَجَ مِنَ الْيَمَامَةِ يُرِيدُ الْعِرَاقَ، فَسَارَ بَيْنَ يَدَيْهِ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ التَّمِيمِيُّ وَهُوَ يَقُولُ [٢] : (مِنَ الْكَامِلِ) ١- مَنْ مُبْلِغٌ قَيْسًا وَخِنْدِفَ [٣] أَنَّنَا ... عَزَمَ الإِلَهُ لَنَا وَدِينِ مُحَمَّدِ ٢- كُلُّ امْرِئٍ جَلْدِ النَّحِيزَةِ [٤] مَاجِدٍ ... لا يَطْمَئِنُّ فُؤَادُهُ فِي الْمَرْقَدِ ٣- ضَخْمِ الدَّسِيعَةِ [٥] شَدْقَمِيٍّ حَازِمٍ ... لا يَسْتَطِيرُ سَوَادُهُ فِي الْمَشْهَدِ ٤- قَادَ الْجِيَادَ مِنَ الْيَمَامَةِ قَاصِدًا ... سَلِسٌ قَلائِدُهَا تَرُوحُ وَتَغْتَدِي ٥- تَهْوِي إِذَا طَلَعَ النُّجُومُ صُدُورُهَا ... ببنات نعش أو تصير الْفَرْقَدِ ٦- يَخْبِطْنَ [٦] بِالأَيْدِي حَيَاضِيَ عَيْلَمٍ [٧] ... وِرْدًا لَعَمْرُ أَبِيكَ غَيْرَ مُصَرَّدِ ٧- حَتَّى رَأَى أَهْلُ الْيَمَامَةِ فِعْلَهُ ... يَوْمَ الْهَيَاجِ أَشَمَّ غَيْرَ مُعَرَّدِ [٨] ٨- فَأَجَادَ قَلْبٌ جَامِعٌ وَعَزِيمَةٌ ... لَيْسَتْ بِمِثْلِ عَزِيمَةِ الْمُتَلَدِّدِ [٩]

стр. 214

٩- فَامْضِ فَإِنَّكَ بَلْ هُنَالِكَ ضَيْغَمٌ ... وَشَبَا سِنَانُكَ جَمْرَةُ الْمُتَوَقِّدِ ١٠- وَانْفُذْ فإنَّك لَوْ حَلَلْتَ بِدُومَةٍ ... فِي رَأْسِ ذُرْوَتِهَا إِذَا لَمْ تَزْدَدِ ١١- فَارْمِ [١] الأَعَاجِمَ إِذْ سَمَوْتَ لِجَمْعِهِمْ ... بِفَوَارِسٍ نِيرَانُهَا لَمْ تَخْمَدِ ١٢- فَعَلَى يَدَيْكَ بِإِذْنِ رَبِّكَ فُتِّحَتْ ... أَبْوَابُهَا وَفَكَكْتَ كُلَّ مُقَيَّدِ قَالَ: وَسَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يُرِيدُ الْعِرَاقَ، وَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ ﵀ [٢] : (أَمَّا بَعْدُ، يَا مُثَنَّى، فَإِنِّي وَجَّهْتُ إِلَيْكَ بِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَاسْتَقْبِلْهُ بِجَمِيعِ مَنْ مَعَكَ مِنْ قَوْمِكَ وَعَشِيرَتِكَ، وَسَاعِدْهُ وَوَازِرْهُ وَكَانِفْهُ [٣] وَلا تَعْصِيَنَّ لَهُ أَمْرًا، فَإِنَّهُ مِنَ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً ٤٨: ٢٩ [٤] ، فَانْظُرْ مَا أَقَامَ مَعَكَ بِالْعِرَاقِ فَهُوَ الأَمِيرُ عَلَيْكَ، فَإِذَا شَخَصَ [٥] فَأَنْتَ عَلَى مَا كُنْتَ عليه) . قال: / فورد عليه كتاب [٤٣ أ] أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَلَمَّا قَرَأَهُ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: (هَذَا كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، قَدْ وَرَدَ عَلَيَّ يَأْمُرُنِي أَنْ أَسْتَقْبِلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَلَسْتُ أَدْرِي عَلَى أَيِّ طَرِيقٍ يَقْدُمُ فَأَسْتَقْبِلُهُ، وَلَكِنْ عَلَيْنَا أَنْ لا نَنْحَازَ [٦] مِنْ بَيْنِ يَدَيْ هَؤُلاءِ الْعَجَمِ فَيَطْمَعُوا [٧] فِينَا، فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّ خَالِدًا تَقَارَبَ مِنَّا اسْتَقْبَلْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّه) . قَالَ: وَسَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنَ الْيَمَامَةِ حَتَّى صَارَ إلى البصرة، وبها يومئذ

стр. 215

سُوَيْدُ بْنُ قُطْبَةَ السَّدُوسِيُّ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَدْ وَافَاهُ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَرِحَ لِذَلِكَ وَاشْتَدَّ ظَهْرُهُ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي عَمِّهِ، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: (يَا سُوَيْدُ، أَيُّ مَوْضِعٍ تَعْلَمُ أَنَّهُ أَعْظَمُ شَوْكَةً لِهَؤُلاءِ الْفُرْسِ فِي هَذِهِ النَّاحِيَةِ) ، فَقَالَ: (أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ، مَا أَتَّقِي إِلا مِنْ أَهْلِ الأُبُلَّةِ، فَإِنَّهُمْ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ) ، فَقَالَ خَالِدٌ: (لا عَلَيْكَ يَا سُوَيْدُ، فَإِنَّهُمْ عَلِمُوا بِنُزُولِي هَذَا الْبَلَدَ غَيْرَ أَنِّي رَاحِلٌ عَنْكَ إِلَى الْبَادِيَةِ فَإِذَا أَنَا رَحَلْتُ فَعَبِّئْ أَصْحَابَكَ وَسِرْ إِلَيْهِمْ وَنَابِذْهُمُ الْحَرْبَ، فَإِنَّهُمْ سَيَطْمَعُونَ فِيكَ، فَإِذَا الْتَحَمَ الأَمْرُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَإِنِّي رَاجِعٌ عَلَيْهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّه) . قَالَ: ثُمَّ نَادَى خَالِدٌ فِي أَصْحَابِهِ فَرَحَلَ مِنَ الْبَصْرَةِ كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْبَادِيَةَ، وَعَلِمَتِ الْفُرْسُ بِذَلِكَ فَطَمِعُوا فِي سُوَيْدِ بْنِ قُطْبَةَ وَعَزَمُوا عَلَى أَنْ يُصَبِّحُوهُ بِالْحَرْبِ. قَالَ: وَرَجَعَ خَالِدٌ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتَّى صَارَ إِلَى سُوَيْدٍ، فَكَمُنَ أَصْحَابُهُ بَيْنَ النَّخِيلِ، وَالْفُرْسُ لا تَعْلَمُ بِذَلِكَ. فَلَمَّا أَصْبَحَ سُوَيْدٌ عَبَّأَ أَصْحَابَهُ فَسَارَ نَحْوَ الأُبُلَّةِ، وَعَلِمَ الْفُرْسُ بِذَلِكَ فَخَرَجُوا إِلَيْهِ كَمَا كَانُوا يَخْرُجُونَ مِنْ قَبْلُ، فَلَمَّا اخْتَلَطَ الْقَوْمُ واشتبك [- ت] الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، خَرَجَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَنَظَرَتِ الْفُرْسُ إِلَى الْخَيْلِ قَدْ خَرَجَتْ عَلَيْهِمْ، فَوَلَّوُا الأَدْبَارَ، فَأَخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ، فَقُتِلَ منهم زيادة على أربعة ألف، وَغَرِقَ فِي الأَنْهَارِ مِنْهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ، وَفَرَّ الْبَاقُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ مَفْلُوتِينَ قَدْ قَطَعَ اللَّهُ دَابِرَهُمْ وَأَلْقَى الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ. قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ خَالِدٌ إِلَى سُوَيْدِ بْنِ قُطْبَةَ فَقَالَ لَهُ: (أَبْشِرْ يَا سُوَيْدُ، فَإِنَّا قَدْ عَرَكْنَاهُمْ عَرْكَةً لا يَزَالُونَ [١] هَائِبِينَ وَمِنْكَ خَائِفِينَ مَا أَقَمْتَ بِهَذَا الْبَلَدِ) . قَالَ: وَسَارَ خَالِدٌ مِنَ الْبَصْرَةِ يُرِيدُ الْكُوفَةَ، فَأَخَذَ عَلَى جَادَةِ مَكَّةَ، فَصَارَ إِلَى الْحقَّيْنِ ثُمَّ إِلَى الدُّجَيْلِ، ثُمَّ إلى الشّجا والخرجاء [٢] ..............

стр. 216

وَالْجَفْرِ [١] وَمَاوِيَةَ [٢] ، وَالْعَشِيرِ وَالْيَنْسُوعَةِ [٣] وَالسَّمِينَةِ [٤] وَالنّبَاجِ [٥] ، فَهَذِهِ عَشَرَةُ مَرَاحِلَ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى النّبَاجِ، وَمِنَ النّبَاجِ إِلَى مَكَّةَ مَنَازِلُ أُخَرُ مِنْهَا: الْعَوْسَجَةُ، وَالْقَرْنَتَيْنِ، وَرَامَةُ، وَطَخْفَةُ، وَالضَّرِيَّةُ، وَمَحِلَّةُ، وَجَدِيلَةُ، وَالرَّفِيفَةُ، وَقِبَا، وَشُبَيْكَةُ، وَوَجْرَةُ، وَذَاتُ عِرْقٍ، وَسِتَارُ بَنِي عَامِرٍ، وَمَكَّةُ أَعَزَّهَا اللَّهُ تَعَالَى. غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا صَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِالنّبَاجِ نَزَلَ عَلَى مَاءٍ لِبَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَهُنَاكَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ يُقَالُ لَهُ أَبْجَرُ بْنُ بُجَيْرِ بْنِ حَجَّارٍ الْعِجْلِيُّ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَقَدْ نَزَلَ هُنَاكَ بِعَسْكَرِهِ، أَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (أَيُّهَا الأَمِيرُ، قَدِمْتَ خَيْرَ مَقْدَمٍ فَعَظَّمَ اللَّهُ بِكَ الْمَغْنَمَ، وَدَفَعَ بِكَ الْهِمَمَ، وَنَصَرَكَ عَلَى

стр. 217

الْعَجَمِ) . فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: (أَظُنُّكَ شَاعِرًا) ، فَقَالَ: (نَعَمْ أَيُّهَا الأَمِيرُ، إِنِّي شَاعِرٌ، وَإِذَا شِئْتَ قُلْتُ) ، فَقَالَ خَالِدٌ: (فَأَيْنَ السَّلامُ، فَإِنِّي أَنْكَرْتُ مِنْكَ تَرْكَ السَّلامِ) . فَقَالَ: (أَيُّهَا الأَمِيرُ لَيْسَ فِي دِينِي السَّلامُ) ، قَالَ: وَكَانَ خَالِدٌ مُتَّكِئًا فَاسْتَوَى جَالِسًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: (وَمَا دِينُكَ) ، فقال: (أنا على دين عيسى بن مَرْيَمَ ﵇ ، فَقَالَ خَالِدٌ: (وَأَنَا عَلَى دين عيسى بن مَرْيَمَ، وَلَكِنْ هَلْ تُؤْمِنُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﵌ ، [٤٣ ب] قَالَ أَبْجَرُ: (لا، أَنَا عَلَى دِينِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ) ، قَالَ خَالِدٌ: (إِذَنْ فَإِنِّي أَضْرِبُ/ عُنُقَكَ) ، فَقَالَ أَبْجَرُ: (وَلِمَ تَضْرِبُ عُنُقِي، لأَنِّي لا أَتَّبِعُ دِينَكَ وَلا أُؤْمِنُ بِنَبِيِّكَ) ، قَالَ خَالِدٌ: (نَعَمْ أَقْتُلُكَ لِذَلِكَ السَّبَبِ، أَلَسْتَ عَرَبِيًّا) ، قَالَ: (بَلَى) ، قَالَ: (فَإِنَّا لا نَتْرُكُ عَرَبِيًّا عَلَى غَيْرِ دِينِنَا إِلا قَتَلْنَاهُ، أَوْ يَدْخُلَ فِي دِينِ الإِسْلامِ، أَوْ يُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ) ، فَقَالَ أَبْجَرُ: (يَا هَذَا، وَمَتَى جِئْتُمْ بِهَذَا الدِّينِ، إِنَّمَا جِئْتُمْ بِهِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَإِنَّمَا هُوَ دِينٌ مُحْدَثٌ) ، فَقَالَ: (إِنَّهُ لَمُحْدَثٌ، وَكَذَلِكَ كَانَ دِينُ عِيسَى ﵇ فِي بَدْءِ مَا جَاءَ بِهِ مُحْدَثًا، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ يَفْشُو بِهِ فِي النَّاسِ وَيَنْتَشِرُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، حَتَّى أَكْمَلَهُ اللَّهُ، وَلا بُدَّ مِنْ أَنْ تُسْلِمَ وَإِلا ضَرَبْتُ عُنُقَكَ) ، فَقَالَ لَهُ أَبْجَرُ: (فَإِنْ رَأَيْتُ أَنْ تُؤَخِّرَنِي فِي ذَلِكَ ثَلاثًا حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِي) ، قَالَ خَالِدٌ: (فَإِنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ) ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ خَالِدٌ فَقُيِّدَ وَحُبِسَ فِي خَيْمَةٍ لَهُ يَوْمَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ قَدْ أَتَى إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فِي أَصْحَابِهِ وَبَنِي عَمِّهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ خَالِدٌ ﵇، ثُمَّ قَالَ: (مَرْحَبًا بِفَارِسِ العرب، وخيل كل مسلم، إليّ ها هنا عندي) . قال: ثم أدناه خالد ولا طفه وَأَكْرَمَهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ وَحَالِ عَشِيرَتِهِ، فَتَحَدَّثَا سَاعَةً ثُمَّ دَعَا خَالِدٌ بِالطَّعَامِ فَأَكَلا جميعا. قال: فبينما خالد والمثنى كذلك إذ ارْتَفَعَ صَوْتٌ مِنَ الْخَيْمَةِ الأُخْرَى وَهُوَ يَقُولُ: (مِنَ الطَّوِيلِ) ١- مَتَى تُنْجِنِي يَا رَبُّ مِنْ سَيْفِ خَالِدِ ... فَأَنْتَ الْمُرَجَّى فِي الأُمُورِ الشَّدَائِدِ ٢- فَلَيْتَ الْمُثَنَّى كَلَّمَ الْيَوْمَ خَالِدًا ... فَيُطْلِقُ أَسْرِي أَنَّهُ خَيْرُ وَافِدِ فَقَالَ الْمُثَنَّى: (أَيُّهَا الأَمِيرُ، مَنْ هَذَا الَّذِي يَطْلُبُ النَّجَاةَ مِنْ سَيْفِكَ ويستعين

стр. 218

بِي عَلَيْكَ) ، فَقَالَ خَالِدٌ: (هَذَا رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ يُقَالُ لَهُ أَبْجَرُ بْنُ بُجَيْرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَقَدْ كُنْتُ عَزَمْتُ عَلَى قَتْلِهِ، وَطَلَبَ مِنِّي التَّأْخِيرَ حَتَّى يَرَى رَأْيَهُ، وَقَدْ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ فِي دِينِ الإِسْلامِ وَلا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ) ، فَقَالَ الْمُثَنَّى: (أَيُّهَا الأَمِيرُ، إِنْ رَأَيْتُ أَنْ تُخَلِّيَ سَبِيلَهُ فِي وَقْتِهِ هَذَا، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ فَأَنا كَفِيلُهُ أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْكَ فَتَحْكُمَ فِيهِ بِمَا تُحِبُّ) . قَالَ: فَأَخْرَجَهُ خَالِدٌ وَقَالَ: (يَا عَدُوَّ اللَّهِ، لَوْلا شَفَاعَةُ هَذَا الأَمِيرِ لَمَا أَفْلَتَّ إِلا مُسْلِمًا أَوْ مَقْتُولا) ، قَالَ: فَقَالَ أَبْجَرُ: (أَيُّهَا الأَمِيرُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَوْ علمت أن دينه خير من ديني لا تبعته) . فَزَبَرَهُ خَالِدٌ وَطَرَدَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، ثُمَّ نَادَى فِي أَصْحَابِهِ بِالرَّحِيلِ، ثُمَّ رَحَلَ وَمَعَهُ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ مِنَ النّبَاجِ يُرِيدُ الْكُوفَةَ. قَالَ: وَسَمِعَتِ الأَعَاجِمُ بِمَسِيرِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى مَا قِبَلَهُمْ فِي جَيْشِهِ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ قَدْ صَارَ مَعَهُ، فَأَلْقَى اللَّهُ الْخَوْفَ وَالرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَجَعَلُوا يُنَقَّلُونَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَيَرْتَفِعُونَ، حَتَّى صَارَ خَالِدٌ إِلَى أَرْضِ الْكُوفَةِ وَنَزَلَهَا، وَنَزَلَتْ مَعَهُ قَبَائِلُ رَبِيعَةَ مَعَ صَاحِبِهِمُ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ خَالِدًا كَتَبَ إِلَى جَمِيعِ مُلُوكِ الْفُرْسِ بِنُسْخَةٍ وَاحِدَةٍ [١] : (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى مَرَازِبَةِ الْفُرْسِ أَجْمَعِينَ، سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَالْحَمْدُ للَّه الَّذِي فَضَّ جَمْعَكُمْ، وَهَدَمَ عِزَّكُمْ، وَأَوْهَنَ كَيْدَكُمْ، وَكَسَرَ شَوْكَتَكُمْ، وَفَلَّ حَدَّكُمْ، وَشَتَّتَ كَلِمَتَكُمْ، اعْلَمُوا أَنَّ مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا، وَتَحَرَّفَ إِلَى قِبْلَتِنَا، وَأَكَلَ مِنْ ذَبِيحَتِنَا، وَشَهِدَ شَهَادَتَنَا، وَآمَنَ بِنَبِيِّنَا ﵇، فَنَحْنُ مِنْهُ وَهُوَ مِنَّا، وَهُوَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ مَا لَنَا، وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا، وَإِنْ أَبَيْتُمْ ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَّهْتُ كِتَابِي هَذَا إِلَيْكُمْ، نَذِيرًا وَمُحَذِّرًا، فَابْعَثُوا إِلَيَّ الرَّهَائِنَ، وَاعْتَقِدُوا مِنِّي الذِّمَّةَ، وَأَدَاءَ الْجِزْيَةِ، وَإِلا فَإِنِّي سَائِرٌ إِلَيْكُمْ بِقَوْمٍ يُحِبُّونَ الْمَوْتَ كَمَا تُحِبُّونَ الْحَيَاةَ، وَقَدْ أَعْذَرَ مَنْ أنذر، والسلام) .

стр. 219

قَالَ: فَلَمَّا وَرَدَ كِتَابُ خَالِدٍ إِلَى مَرَازِبَةِ الفرس، جزعوا لذلك ولم يجيبوه [٤٤ أ] بِشَيْءٍ، وَجَعَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يَبْعَثُ السَّرَايَا فَتُغِيرُ عَلَى مَا أَصَابَ/ لَهُمْ مِنْ كُرَاعٍ وَمَالٍ. قَالَ: ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ بِالْمُسْلِمِينَ حَتَّى بَرَزَ عَلَى الْحَيْرَةِ، وَبِهَا يَوْمَئِذٍ حُصُونٌ وَثِيقَةٌ وَرِجَالٌ جُلْدٌ مِنَ الْفُرْسِ وَغَيْرِهِمْ، فَلَمَّا نَزَلُوا عَلَيْهِمْ جَعَلُوا يَرْمُونَهُ بِالنُّشَّابِ، وَيَرْجُمُونَهُ بِحِجَارَةٍ، فَغَضِبَ خالد مِنْ ذَلِكَ وَأَرَادَ يَعْجَلَ عَلَيْهِمْ [١] بِالْحَرْبِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ ضِرَارُ بْنُ الأَزْوَرِ الأَسَدِيُّ [٢] : أَيُّهَا الأَمِيرُ، لا تَعْجَلْ عَلَى هَؤُلاءِ الْقَوْمِ، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ لا عُقُولَ لَهُمْ، وَلَيْسَتْ لَهُمْ مَكِيدَةٌ أَكْثَرَ عِنْدَهُمْ مِنْ رَمْيِ النُّشَّابِ وَالْحِجَارَةِ، وَلَكِنِ ابْعَثْ إِلَيْهِمْ وَأْمُرْهُمْ بِالْخُرُوجِ إِلَيْكَ، وَمُرْهُمْ بِمَا تُرِيدُ مِنْهُمْ. قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ خَالِدٌ أَنْ يَبْعَثُوا رَجُلا مِنْهُمْ لَهُ عَقْلٌ وَرَأْيٌ وَفَهْمٌ، يَعْلَمُ مَا يَقُولُ وَمَا يُقَالُ لَهُ، حَتَّى أُكَلِّمَهُ، وَلَعَلِّي أَنْ أُصَالِحَكُمْ. قَالَ: فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ رَجُلا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الْمَسِيحِ بْنُ بَلْقَاءَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَارِثِ بْنِ بَقِيلَةَ الْغَسَّانِيُّ [٣] ، فَقَالُوا إِلَيْهِ: سِرْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ وَانْظُرْ مَا يُرِيدُ مِنَّا، فَإِنْ قَدِرْتَ عَلَى صُلْحِهِ فَصَالِحْهُ عَنَّا. قَالَ: فَخَرَجَ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ له نيّف على مائتي سنة، حتى

стр. 220

صَارَ إِلَى خَالِدٍ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَفَعَ صَوْتَهُ وَأَنْشَأَ يَقُولُ [١] : (مِنَ الْوَافِرِ) ١- أَبَعْدَ الْمُنْذِرِينَ أَرَى سَوَامًا ... تَرُوحُ إِلَى [٢] الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ ٢- وَبَعْدَ فَوَارِسِ النُّعْمَانِ أَرْعَى ... رِيَاضًا بَيْنَ دُومَةَ وَالْحَفِيرِ [٣] ٣- تَحَامَاهَا فَوَارِسُ كُلِّ حَيٍّ ... مَخَافَةَ أَغْضَفٍ [٤] عَالِي الزَّئِيرِ ٤- فَصِرْنَا بَعْدَ مَهْلِكِهِمْ ضِيَاعًا ... كَمِثْلِ الشَّاءِ فِي الْيَوْمِ الْمَطِيرِ [٥] ٥- تُقَسِّمُنَا الْقَبَائِلُ مِنْ مَعَدٍّ ... عَلانِيَةً كَأَعْضَاءِ الْجَزُورِ [٦] ٦- وَكُنَّا لا يُبَاحُ لَنَا حَرِيمٌ ... فَنَحْنُ كَضَرَّةِ الضَّرْعِ الْفَخُورِ [٧] ٧- كَذَاكَ الدَّهْرُ دَوْلَتُهُ سِجَالٌ ... فَيَوْمٌ مِنْ شُرُورٍ أَوْ سرور [٨]

стр. 221

قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ عَبْدُ الْمَسِيحِ مِنْ شِعْرِهِ هَذَا قَالَ لَهُ خَالِدٌ: (مِنْ أَيْنَ أَنْتَ) ، قَالَ: (مِنَ الدُّنْيَا) ، قَالَ: (مَنْ أَقْصَى أَثَرَكَ) ، قَالَ: (مِنْ صُلْبِ أَبِي) ، قَالَ: (مِنْ أَيْنَ خَرَجْتَ) ، قَالَ: (مِنْ بَطْنِ أُمِّي) ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ خَالِدٌ، فَقَالَ: (فِي أَيِّ شَيْءٍ جِئْتَ) ، قَالَ: (فِي ثِيَابِي) ، قَالَ: (وَيْحَكَ فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ أَنْتَ) ، قَالَ: (عَلَى الأَرْضِ) ، قَالَ خَالِدٌ: (مَا أَرَاكَ تَزِيدُنِي إِلا عَمًى) ، قَالَ: (أَفَتَعْقِلُ أَمْ لا) ، قَالَ: (نَعَمْ أَعْقِلُ وَأُفِيدُ) ، قَالَ خَالِدٌ: (أَنَا أُكَلِّمُكَ كَلامَ النَّاسِ) ، قَالَ: (وَأَنَا أُجِيبُكَ بِجَوَابِ النَّاسِ) ، قَالَ خَالِدٌ: (فَمَا أَنْتُمْ) ، قَالَ: (نَحْنُ مِنْ وَلَدِ آدَمَ) ، قَالَ: (فَسِلْمٌ أَنْتَ أَمْ حَرْبٌ) ، قَالَ: (بَلْ سِلْمٌ) ، قَالَ: (فَعَرَبٌ أَنْتُمْ أَمْ نَبَطٌ) ، قَالَ: (عَرَبٌ اسْتُنْبِطْنَا وَسْطَ الْفُرْسِ) ، فَقَالَ: (اللَّهُ أَكْبَرُ، بَعْدَ حِينٍ وَقَعْتَ عَلَى نَحْوِ كَلامِي، خَبِّرْنِي الآنَ لأَيِّ شَيْءٍ بَنَيْتُمْ هَذِهِ) [١] ، قَالَ: (بَنَيْنَاهَا لِلسَّفِيهِ [٢] حَتَّى يَجِيءَ الْحَلِيمُ فَيَمْنَعُهُ مِنْ ظُلْمِنَا) ، قَالَ خَالِدٌ [٣] : (إِنِّي أَرَى يَدَكَ مَضْمُومَةً عَلَى شَيْءٍ، فَخَبِّرْنِي مَا فِي يَدِكَ) ، قَالَ عَبْدُ الْمَسِيحِ: (فِي يَدِي سُمُّ سَاعَةٍ) ، قَالَ خَالِدٌ: (مَا تَصْنَعُ بِهِ) ، قَالَ: (جِئْتُ بِهِ [٤] مَعِي، فَإِنْ كَانَ مِنْكَ إِلَيْنَا مَا يُوَافِقُ قَوْمِي فَذَلِكَ الَّذِي أُرِيدُ، وَإِنْ كَانَتِ الأُخْرَى شَرِبْتُ هَذَا السُّمَّ وَاسْتَرَحْتُ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا، فَقَدْ طَالَ عُمْرِي فِيهَا) ، فَقَالَ خَالِدٌ: (أَرِنِي هَذَا [٥] السُّمَّ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ) ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ فَأَخَذَهُ مِنْ رَاحَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: (بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الأَسْمَاءِ، بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي خَالِقٌ خَلِيقَتَهُ مِنَ الْمَاءِ) ، ثُمَّ أَلْقَى السُّمَّ فِي فِيهِ وَبَلَعَهُ، فَجَعَلَ يَرْشَحُ عَرَقًا وَلَمْ يَضُرَّهُ شَيْئًا. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَسِيحِ فَقَالَ: (اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ، وَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُكُمْ وَمَعَادُكُمْ وَادْخُلُوا فِي دِينِ الإِسْلامِ، فَإِنَّكُمْ قَوْمٌ عَرَبٌ، وَقَدْ جِئْتُكُمْ بِقَوْمٍ هُمْ أَحْرَصُ عَلَى الْمَوْتِ مِنْكُمْ عَلَى الْحَيَاةِ) . فَقَالَ عَبْدُ الْمَسِيحِ: (ارْقُبْ

стр. 222

عَلَيَّ [١] قَلِيلا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى قَوْمِي وَأُخْبِرَهُمْ بِذَلِكَ) . قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ عَبْدُ الْمَسِيحِ إِلَى أَهْلِ الْحَيْرَةِ، قَالُوا لَهُ: (مَا وَرَاءَكَ) ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَسِيحِ: (وَيْلَكُمْ يَا قَوْمِ، اعْطُوا هَؤُلاءِ الْقَوْمَ مَا يُرِيدُونَهُ مِنْكُمْ فَلَيْسَ عِنْدِي هُمْ بِنَاسٍ، وَذَلِكَ إِنِّي رَأَيْتُ السُّمَّ لا يَعْمَلُ فِيهِمْ) . قَالَ: فَعِنْدَهَا طَلَبَ الْقَوْمُ الصُّلْحَ، فَصَالَحَهُمْ خالد على مائة ألف درهم [٢] / [٤٤ ب] وَعَلَى طَيْلَسَانِ شِيرَوَيْهِ بْنِ كِسْرَى [٣] ، كَانَ يَقُومُ عَلَيْهِمْ بِثَلاثِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. قَالَ: فَوَجَّهَ خَالِدٌ ذَلِكَ الْمَالَ مَعَ الطَّيْلَسَانِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ حُمِلَ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ: وَكَتَبَ لَهُمْ خَالِدٌ بِذَلِكَ كِتَابًا فَدَفَعَهُ إِلَيْهِمْ. ثُمَّ رَجَعَ خَالِدٌ إِلَى مَوْضِعِهِ مِنَ الْعِرَاقِ وَنَزَلَ بِهِ، وَدَعَا بِجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ، فَضَمَّ إِلَيْهِ جَيْشًا أَلْفَ فَارِسٍ وَوَجَّهَ بِهِ إِلَى مَوْضِعٍ مِنَ الْعِرَاقِ، فَنَزَلَ بِهِ يُقَالُ لَهُ بَانْقِيَا [٤] ، وَفِيهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْفُرْسِ، وَنَادَاهُمْ رَجُلٌ مِنَ الدَّهَاقِينِ يُقَالُ لَهُ يَصْفُرُ بْنُ صُلُوبَا [٥] ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ، مَكَانَكُمْ لا تعبروا، فأنا أعبر

стр. 223

عَلَيْكُمْ بِالصُّلْحِ، قَالَ: ثُمَّ عَبَرَ إِلَيْهِ يَصْفُرُ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الْفُرْسِ، فَصَالَحُوا جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. قَالَ: وَهَرَبَ صَاحِبُ بَانْقِيَا [١] وَهُوَ دَاذَوَيْهِ بْنُ الْفَرّخَانِ حَتَّى صَارَ إِلَى يَزْدَجِرْدَ، فَاغْتَمَّ يَزْدَجِرْدُ بِذَلِكَ غَمًّا شَدِيدًا، فَأَنْشَأَ قَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ الأَزْدِيُّ [٢] يَقُولُ: (مِنَ الطَّوِيلِ) ١- سَمَوْنَا إِلَى الأَعْدَاءِ مِنْ فارس التي ... على عزّها [يوما و] [٣] في الزَّمَنِ الْخَالِي ٢- عَلَيْنَا مِنَ اوْلادِ الْمُغِيرَةِ [٤] بَاذِخٌ ... وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ فِي الْمَحْتَدِ الْعَالِي ٣- لَهُ غُرَّةٌ تَسْمُو إِلَى كُلِّ صَالِحٍ ... وَمَعْشَرُ حَرْبٍ عِنْدَ هَيْجٍ وَتَنْزَالِ ٤- وَفِينَا جَرِيرٌ [٥] ذُو حِفَاظٍ وَسُؤْدَدٍ ... وَخَيْرِ يَمَانٍ بَادِيًا فِي مِصَالِ [٦] ٥- نَمَاهُ سَلِيلٌ مِنْ ذُرَى قَسْرَ [٧] مُسْعِدًا ... فَغُصَّ بِقَوْلٍ لَيْسَ بِالْهَزْلِ الْغَالِي ٦- بِقَوْمٍ أُولِي [٨] دِينٍ وَرَأْيٍ وَنِيَّةٍ ... وَفَضْلٍ وَإِقْدَامٍ وَلَيْسُوا بِأَنْكَالِ قَالَ: ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ نَفْسُهُ فِي أَصْحَابِهِ حَتَّى نَزَلَ على عين التمر [٩] ،

стр. 224

فَافْتَتَحَهَا قَسْرًا وَسَبَى أَهْلَهَا، وَاحْتَوَى عَلَى غَنَائِمِهَا وَأَمْوَالِهَا، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى فَتَحَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، فَأَنْشَأَ قَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ [١] يَقُولُ فِي ذَلِكَ: (مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ) ١- إِذَا رَأَيْتَ خَالِدًا تَحَفَّفَا ... ٢- قَدْ رَكِبَ الأَشْقَرَ ثُمَّ خَفَّفَا ٣- فَكَانَ مِنَ الْعَجَمَيْنِ مُنْصِفًا [٢] ... ٤- وَهَبَّتِ الرِّيحُ شِمَالا حَرْجَفَا ٥- لَوَرَدَ بَعْضُ الْقَوْمِ لَوْ تَخَلَّفَا قَالَ: وَكَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ﵁، كُلَّمَا افْتَتَحَ مَوْضِعًا مِنَ الْعِرَاقِ أَخْرَجَ مِنْ غَنَائِمِهِ الْخُمُسَ فَيُوَجِّهُ بِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، وَيُقَسِّمُ بَاقِي الْمَغْنَمِ فِي أَصْحَابِهِ. قَالَ: إِلَى أَنْ تَحَرَّكَتِ الرُّومُ بِأَرْضِ الشَّامِ، فَنَرْجِعُ الآنَ إِلَى ذِكْرِ فُتُوحِ الشَّامِ بِعَوْنِ اللَّهِ وَكَرَمِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْحَمْدُ للَّه رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. تمت بعون الله وتوفيقه آخر العصر في يوم الأحد شهر ربيع الآخر الذي خلت منه أيام ٢٤ سنة ١٢٧٨ من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام.