Полный текст (224 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
٥- أَلا خَبِّرُونِي وَالْحَوَادِثُ [١] جَمَّةٌ ... وَلا خَيْرَ فِي قَوْلٍ إِذَا كَانَ لَجْلَجَا
٦- أَخَيْلُ أَبِي بَكْرٍ تَرُدُّونَ عَنْكُمُ ... إِذَا مَا أَتَتْكُمْ أَمْ تَرُدُّونَ مَذْحِجَا
٧- أَظُنُّكُمُ وَاللَّهُ غَالِبُ أَمْرِهِ ... سَتَبْغُونَ فِي الْحَرْبِ الْهُمَامِ الْمُتَوَّجَا
٨- وَتَبْغُونَ فِيهَا كُلَّ فَارِسِ بُهْمَةٍ [٢] ... إِذَا اشْتَدَّ يَوْمًا حَالَةُ الْقَوْمِ أَهْوَجَا
قال: وتقارب [ت] خَيْلُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بِلادِ حَضْرَمَوْتَ وَدِيَارِ كِنْدَةَ وَحُصُونِهِمْ، فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ ثَوْرُ بْنُ مَالِكٍ [٣] ، وَكَانَ قَدِيمَ الْعَهْدِ فِي الإِسْلامِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَسْلَمَ فِي أَيَّامِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﵌ إِلَى أَرْضِ الْيَمَنِ، قَالَ: وَكَانَ ثَوْرُ بْنُ مَالِكٍ هَذَا مِمَّنْ أَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ، فَأَقْبَلَ عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ:
يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ، أَرَاكُمْ مُجْتَمِعِينَ عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَرَى فِيكُمْ نَخْوَةَ الْمُلْكِ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الَّذِي تَدْعُونَ [٤] مِنَ الْمُلْكِ قَدْ مَحَقَهُ اللَّهُ ﵎ بِنَبِيِّهِ محمد ﵌، وَأَنَّ السُّيُوفَ الَّتِي قَتَلَ اللَّهُ بِهَا أَهْلَ الرِّدَّةِ هِيَ السُّيُوفُ الَّتِي تُقَاتِلُكُمْ غَدًا، فَتَدَارَكُوا أُمُورَكُمْ، هَذِهِ خَيْلُ أَبِي بَكْرٍ قَدْ تَقَارَبَتْ مِنْكُمْ.
قَالَ فَوَثَبَ بَعْضُهُمْ فَلَطَمَ وَجْهَهُ وَشَتَمَهُ وَضَعَّفَ أَمْرَهُ، ثُمَّ صَاحَ بِهِ رِجَالُ كندة من كل ناحية وقالوا: يا ابن مَالِكٍ، مَا أَنْتَ وَالْكَلامُ بَيْنَ أَيْدِي الْمُلُوكِ ولست هناك، قم من ها هنا فَالتُّرَابُ فَفِيكَ.
قَالَ: فَوَثَبَ ثَوْرُ بْنُ مَالِكٍ مِنْ عِنْدِ الْقَوْمِ، وَقَدْ نَزَلَ بِهِ مِنْهُمْ ما نزل، فأنشأ يقول [٥] :
стр. 177
(مِنَ الْمُتَقَارِبِ)
١- تَطَاوَلَ لَيْلِي لِغَيِّ الْمُلُوكِ [١] ... وَقَدْ كُنْتُ قِدْمًا نَصَحْتُ الْمُلُوكَا
٢- فَأَصْبَحْتُ أَبْكِي بُكَاءَ الثُّكُولِ [٢] ... وَلَمْ أَكُ فِيمَا أَتَوْهُ شَرِيكَا
٣- وَقُلْتُ لَهُمْ حِينَ رَدُّوا الأُمُورَ ... أَرَى لِلْمُلُوكِ هَلاكًا وَشِيكَا
٤- فَقُلْتُ تَحَلَّوْا [٣] بِدِينِ الرَّسُولِ ... فَقَالُوا سَفَاهًا تُرَابٌ بِفِيكَا [٤]
٥- فَأَصْبَحْتُ أَبْكِي عَلَى مُلْكِهِمْ ... بُكَاءً طَوِيلا وَحُزْنًا هَلُوكَا
٦- وَقُلْتُ لِمَنْ عَابَنِي مِنْهُمُ ... عَسَى مَا تُسَرُّ بِهِ أَنْ يَسُوكَا
قَالَ: وَأَشْرَفَتْ خَيْلُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى دِيَارِ بَنِي كِنْدَةَ، فَإِذَا أَرْبَعَةُ أُخْوَةٍ مِنْ مُلُوكِ بَنِي كِنْدَةَ، أَحَدُهُمْ يُقَالُ لَهُ [٥] : مُخَوِّصٌ [٦] ، وَمُشَرِّحٌ، وَجَمَدٌ، وَأَبْضَعَةُ، فَإِذَا هُمْ عَلَى شَرَابٍ لَهُمْ وَالْمَعَازِفُ [٧] بَيْنَ أيديهم، لم يشعروا إلا وخيل المسلمين [٣٤ أ] على رؤوسهم، فَوَضَعُوا فِيهِمُ السُّيُوفَ، وَقَتَلُوا أُخْتًا لَهُمْ/ يُقَالُ لها العمرّدة [٨]
стр. 178
وَاحْتَوَوْا عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَقَلِيلِهِمْ وَكَثِيرِهِمْ، فَأَنْشَأَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ يَقُولُ [١] :
(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ)
١- شُكْرًا لِمَنْ يُعْطِي الرَّغَائِبَ مِنْ سَعَهْ ... ٢- قَتَلَ الْمُلُوكَ بَنُو الْمُلُوكِ الأَرْبَعَهْ [٢]
٣- جَمَدُ النَّدَى وَمُشَرِّحٌ وَأَبْضَعَهْ [٣] ... ٤- وَمُخَوِّصٌ [٤] لَيْسَ الْفَتَى بِذِي ضَعَهْ
قَالَ: وَاتَّصَلَ هَذَا الْخَبَرُ بِالسَّكَاسِكِ وَالسُّكُونِ، وَهُمَا قَبِيلَتَانِ مِنْ قَبَائِلِ كِنْدَةَ، فَكَأَنَّهُمُ اتَّقَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَرَكِبُوا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَسَارُوا إِلَى زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ، فَاسْتَأْمَنُوا إِلَيْهِ وَعَزَمُوا عَلَى نُصْرَتِهِ.
قَالَ: وَسَارَ زِيَادٌ إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو هِنْدٍ، فَكَبَسَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ فَوَقَعَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَوَلَّوُا الأَدْبَارَ، وَاحْتَوَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ:
(مِنَ الرَّمَلِ)
١- يَا بَنِي هِنْدٍ لَقِيتُمْ صَيْلَمَا [٥] ... إِذْ كَفَرْتُمْ بالإله المنعما
стр. 179
٢- فَتَرَرْنَاكُمْ [١] بِسُمْرٍ شُرَّعٍ ... وَبِبِيضِ الْهِنْدِ تَفْرِي اللِّمَمَا [٢]
٣- قد لَعَمْرِي سَاءَنِي [٣] هَلْكُكُمْ ... وَبَكَتْ عَيْنِي دُمُوعًا وَدَمَا
٤- فَارْجِعُوا لِلآنَ [٤] عَنْ كُفْرِكُمُ ... وَاتْبَعُوا دِينًا حَنِيفًا قَيِّمَا
٥- فَلَقَدْ أَبْدَيْتُ [٥] نُصْحِي لَكُمُ ... فَتَعَوَّضْتُ بِنُصْحِي نَدَمَا
قَالَ: ثُمَّ سَارَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو الْعَاتِكِ، فَوَافَاهُمْ وَهُمْ غَافِلُونَ، فَلَمَّا أَشْرَفَتِ الْخَيْلُ عَلَيْهِمْ تَصَايَحَتِ النِّسَاءُ وَخَرَجَ الرِّجَالُ إِلَى الْحَرْبِ، فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، وَوَقَعَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمُوا وَأَسْلَمُوا دِيَارَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَاحْتَوَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ، ثُمَّ أَنْشَأَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ:
(مِنَ الرَّمَلِ)
١- يَا بَنِي الْعَاتِكِ أَوْدَيْتُمْ مَعَا ... وَبَنُو هِنْدٍ أُبِيدُوا [٦] أَجْمَعَا
٢- زَرَعُوا بِالْبَغْيِ زَرْعًا ضَرَّهُمْ ... وَكَذَا يَحْصُدُهُ مَنْ زَرَعَا
٣- صَنَعُوا قِدْمًا صَنِيعًا فَاحِشًا ... كَمْ صَنِيعٍ ضَرَّ مَنْ قَدْ صَنَعَا
٤- عَيْنُ [٧] فَابْكِيهِمْ عَلَى بَغْيِهِمْ ... ما دعا إلف لهم أو سجعا [٨]
стр. 180
٥- كَمْ رَئِيسٍ تَرَكُوهُ نَادِرًا [١] ... بِسُيُوفٍ مُرْهَفَاتٍ قَطَّعَا
٦- قَتْلُهُمْ قَدْ هَدَّ رُكْنِي وَبَرَى [٢] ... أَعْظُمِي فَالأَنْفُ مِنِّي جُدِّعَا
٧- قَدْ بَذَلْنَا النُّصْحَ لَكِنْ لَمْ أَجِدْ ... فِيهِمُ يَوْمًا لِنُصْحِي مَوْضِعَا
قَالَ: ثُمَّ سَارَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ إِلَى حَيٍّ مِنْ أحياء كندة يقال لهم بنو حجر، وهم يَوْمَئِذٍ جَمَرَاتُ [٣] كِنْدَةَ وَفُرْسَانُهُمْ، فَلَمْ يَشْعُرُوا إِلا وَالْخَيْلُ قَدْ كَبَسَتْهُمْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَاقْتَتَلَ الْقَوْمُ سَاعَةً، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي حُجْرٍ مِائَتَا رَجُلٍ، وَأُسِرَ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلا، وَوَلَّى [٤] الْبَاقُونَ الأدبار، واحتوى/ المسلمون على قليلهم [٣٤ ب] وَكَثِيرِهِمْ، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنْ مُسْلِمِي كِنْدَةَ يَقُولُ:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- أَيَا عَيْنُ فَابْكِي [٥] مَا حَيِيتِ بَنِي حُجْرِ ... بِدَمْعٍ غَزِيرٍ لا قَلِيلٍ وَلا نَزْرِ
٢- نَصَحْتُهُمُ لَوْ يَقْبَلُونَ نَصِيحَتِي ... وَقُلْتُ لَهُمْ لا تَتْرُكُنَّ [٦] أَبَا بَكْرِ
٣- فَلَمَّا أَبَوْا فِي الْبَغْيِ إِلا تَمَادِيًا ... صَبَحْنَاهُمُ مِنَّا بِقَاصِمَةِ الظَّهْرِ
٤- لَقِينَاهُمُ لَيْلا هُنَاكَ بِجَحْفَلٍ ... فَكَانَ عَلَيْهِمْ مِثْلُ راغية البكر [٧]
стр. 181
٥- فَكَمْ سَيِّدٍ مِنْهُمْ تَرَكْنَا مُجَنْدَلا ... صَرِيعًا عَلَيْهِ الْخَامِعَاتُ [١] مَعَ النَّسْرِ
قَالَ: ثُمَّ سَارَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو جَمْرٍ، وَهُمْ فُرْسَانٌ وَأَبْطَالٌ، فَالْتَقَى الْقَوْمُ لِلْقِتَالِ، فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عِشْرُونَ رَجُلا، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي جَمْرٍ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ، وَوَقَعَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ، فَوَلَّوُا الأَدْبَارَ، وَأَسْلَمُوا الدِّيَارَ، وَاحْتَوَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى النِّسَاءِ وَالأَوْلادِ، فَأَنْشَأَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ يَقُولُ:
(مِنَ السَّرِيعِ)
١- قُلْ لِبَنِي جَمْرٍ إِذَا جِئْتَهُمْ ... قَدْ كَانَتِ الشِّدَّةُ مِثْلَ الْبُوسِ
٢- قَدْ طَرَقَتْكُمْ وَقْعَةٌ [مِنْ] صَيْلَمٍ [٢] ... أَرْدَتْكُمُ فِيهَا بِطَيْرِ النُّحُوسِ
٣- وَسَمْتُكُمْ كِنْدَةُ فِي نَاقَةٍ ... بِيَوْمِ سُوءٍ مُقَمْطَرٍ [٣] عَبُوسِ
٤- فَكَمْ قَتَلْنَا مِنْكُمُ فِي الْوَغَى ... مِنْ فَارِسٍ نَجْدٍ وَكَبْشٍ [٤] رَئِيسِ
٥- وَعَنْ قَلِيلٍ لَكُمُ مِثْلُهَا ... (وَنَفْلٌ) وَخَوْفُنَا بِالنُّفُوسِ [٥]
قَالَ: وَبَلَغَ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ فِي بَنِي عَمِّهِ مِنْ بَنِي مُرَّةَ مَا فَعَلَهُ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ بِبَنِي هِنْدٍ وَبَنِي الْعَاتِكِ وَبَنِي حُجْرٍ وَبَنِي جَمْرٍ، فَغَضِبَ لِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: لا كَرَامَةَ لِزِيَادٍ يَقْتُلُ قَوْمِي وَبَنِي عَمِّي، وَيَسْبِي النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ، وَيَحْتَوِي عَلَى الأَمْوَالِ، وَأَقْعُدُ عَنْهُ، قَالَ: ثُمَّ نَادَى الأَشْعَثُ فِي بَنِي عَمِّهِ مِنْ بَنِي مُرَّةَ وَبَنِي عَدِيٍّ وبني
стр. 182
جَبَلَةَ، وَسَارَ يُرِيدُ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ وَمَعَهُ أَلْفُ فَارِسٍ مِنْ فُرْسَانِ قَوْمِهِ، وَزِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ فِي أَرْبَعَةِ أَلْفٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَخَمْسُ مِائَةِ رَجُلٍ مِنَ السَّكَاسِكِ وَالسُّكُونِ، فَالْتَقَى الْقَوْمُ قَرِيبًا مِنْ مَدِينَةٍ مِنْ مُدُنِ حَضْرَمَوْتَ، يقال لها تريم [١] ، فاقتتلوا هنا لك سَاعَةً، وَوَقَعَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى زِيَادٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ عَلَى نَيِّفٍ مِنْ ثَلاثِ مِائَةِ رَجُلٍ، وَانْهَزَمُوا هَزِيمَةً قَبِيحَةً، حَتَّى دَخَلُوا تِلْكَ الْمَدِينَةَ، وَاحْتَوَى الأَشْعَثُ عَلَى تِلْكَ الأَمْوَالِ وَالْغَنَائِمِ وَالذَّرَارِيِّ، فَرَدَّهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّهِ يَقُولُ:
(مِنَ الرَّمَلِ)
١- ظفر الأشعث لمّا كندة ... عند ما غَابَتْ حَوَاهَا وَاحْتَمَى [٢]
٢- تَرَكَ الأَوْتَارَ فِي أَعْدَائِهِمْ [٣] ... وَسَمَا لِلْحَرْبِ [٤] قِدْمًا وَانْتَمَى
٣- يَا زِيَادُ لا تلاقي أشعثا ... فسيسقى ضلّة منك دما [٥] / [٣٥ أ]
٤- إِنَّ لِلأَشْعَثِ صَوْلاتٍ إِذَا ... لَقِيَ الأَبْطَالَ يَمْضِي قِدَمَا
٥- حَظُّهُ فِي الْحَرْبِ بِيْضٌ رُهَّفٌ [٦] ... وَرِمَاحُ الْخَطِّ تَحْكِي الأَنْجُمَا
قَالَ: وَأَقْبَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى نَزَلَ عَلَى مَدِينَةِ تِرْيَمَ [٧] ،
стр. 183
فَحَاصَرَ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حِصَارًا شَدِيدًا.
قَالَ: وَكَتَبَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ إِلَى الْمُهَاجِرِ بْنِ أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ يَسْتَنْجِدُهُ عَلَى الأَشْعَثِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَا فِيهِ زِيَادٌ، سَارَ إِلَيْهِ فِيمَنْ مَعَهُ وَهُمْ أَلْفُ فَارِسٍ مَعُونَةً لَهُمْ، وَبَلَغَ ذَلِكَ الأَشْعَثَ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَتَنَحَّوْا عَنْ بَابِ تِرْيَمَ، وَأَقْبَلَ الْمُهَاجِرُ بْنُ أُمَيَّةَ فِي أَلْفِ فَارِسٍ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَصَارَ مَعَ زِيَادٍ، وَرَجَعَ الأَشْعَثُ وَجَلَسَ عَلَى الْبَابِ، وَأَرْسَلَ إِلَى جَمِيعِ قَبَائِلِ كِنْدَةَ، فَأَجَابَهُ الْجَبْرُ بْنُ قَشْعَمٍ [١] فِي قَوْمِهِ مِنْ بَنِي الأَرْقَمِ، وَأَجَابَهُ أَبُو قُرَّةَ الْكِنْدِيُّ فِي قَوْمِهِ مِنْ بَنِي حُجْرٍ، وَأَجابَهُ الْخَنْفَسِيسُ بْنُ عَمْرٍو فِي قَوْمِهِ مِنْ بَنِي هِنْدٍ.
قَالَ: فَاجْتَمَعَ إِلَى الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ قَبَائِلِ كِنْدَةَ، فَنَزَلَ بِهِمْ عَلَى بَابِ تِرْيَمَ، فَحَاصَرُوا زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ وَالْمُهَاجِرَ بْنَ أُمَيَّةَ وَمَنْ مَعَهُمَا حِصَارًا شَدِيدًا، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِمَا.
قَالَ: وَكَتَبَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ كِتَابًا، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَقُولُ [٢] :
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- أَخْبِرْ زِيَادًا إِنَّ كِنْدَةَ أَجْمَعَتْ ... طُرًّا عَلَيْكَ فَكَيْفَ ذَلِكَ تَصْنَعُ [٣]
٢- أَحْيَاءُ كِنْدَةَ قَدْ أَتَتْكَ بِجَمْعِهَا ... وَلَدَيْكَ مِنْهَا جِيرَةٌ لَوْ تَنْفَعُ
٣- قَدْ صَيَّرَتْكَ إِلَى التَّحَصُّنِ صَاغِرًا ... حَتَّى كَتَبْتَ إِلَى عَتِيقٍ [٤] تَضْرَعُ
٤- فَاصْبِرْ وَلا تَجْزَعْ لِوَقْعِ سُيُوفِنَا ... إِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا جَنَى لا يَجْزَعُ
قَالَ: فَلَمَّا وَرَدَ كِتَابُ زِيَادٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِخَبَرِ كندة وما
стр. 184
اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ مِنْ حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ، فَاغْتَمَّ بِذَلِكَ، وَاغْتَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَيْضًا، وَلَمْ يَجِدْ أَبُو بَكْرٍ بُدًّا مِنَ الْكِتَابَةِ [١] إِلَى الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ بِالرِّضَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَقُولُ:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم.
من عبد الله بن عثمان خليفة رسول الله ﵌ وَعَلَى أُمَّتِهِ، إِلَى الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قَبَائِلِ كِنْدَةَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ المنزل على نبيه ﵇: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ٣: ١٠٢ [٢] ، وَأَنَا آمُرُكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحْدَهُ وَأَنْهَاكُمْ أَنْ تَنْقُضُوا عَهْدَهُ، وَأَنْ تَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى فَيُضِلَّكُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا حَمَلَكُمْ عَنِ الرُّجُوعِ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ وَمَنْعِ الزَّكَاةِ مَا فَعَلَهُ بكم/ عاملي [٣٥ ب] زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ، فَإِنِّي أَعْزِلُهُ عَنْكُمْ، وَأُوَلِّي عَلَيْكُمْ مَنْ تُحِبُّونَ، وَقَدْ أَمَرْتُ صَاحِبَ كِتَابِي هَذَا إِنْ أَنْتُمْ قَبِلْتُمُ الْحَقَّ أَنْ يَأْمُرَ زِيَادًا بِالانْصِرَافِ عَنْكُمْ، فَارْجِعُوا [٣] إِلَى الْحَقِّ وَتُوبُوا مِنْ قَرِيبٍ، وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ لِكُلِّ مَا كَانَ فِيهِ رِضًى، وَالسَّلامُ) .
ثُمَّ كَتَبَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَقُولُ [٤] :
(مِنَ الْمُتَقَارِبِ)
١- أَنِيبُوا إِلَى الْحَقِّ يَا قَوْمَنَا ... فَإِنِّي لَكُمْ نَاصِحٌ فَاقْبَلُوا
٢- وَلا تَأْنَفُوا الْيَوْمَ أَنْ تَرْجِعُوا ... فَإِنَّ الرُّجُوعَ بِكُمْ أَجْمَلُ
٣- رَمَيْتُ بِنُصْحِي لَكُمْ جَاهِدًا ... فَلا تَرْتَدُوا [٥] ثُمَّ تَسْتَجْهِلُوا
٤- فَأَنْتُمْ أُنَاسٌ لَكُمْ سُؤْدَدٌ ... وَيُنْمِيكُمُ الشَّرَفُ الأَطْوَلُ
٥- صِبَاحُ الْوُجُوهِ نَمَاكُمْ إِلَى ... كريم الثّنا الشّرف الأوّل
стр. 185
٦- فَشِيمُوا [١] السُّيُوفَ وَلا تَبْعَثُوا ... حُرُوبًا تُذَلُّ بِهَا النُّزَّلُ
ثُمَّ طَوَى الْكِتَابَ وَعَنْوَنَ [٢] خِتْمَهُ، وَدَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ قَيْسِ عَيْلانَ يُقَالُ لَهُ مُسْلِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى الأَشْعَثِ وَقَرَأَهُ، أَقْبَلَ عَلَى الرَّسُولِ وَقَالَ: (إِنَّ صَاحِبَكَ أَبَا بَكْرٍ هَذَا يُلْزِمُنَا الْكُفْرَ بِمُخَالَفَتِنَا لَهُ، وَلا يُلْزِمُ صَاحِبَهُ الْكُفْرَ بِقَتْلِهِ قَوْمِي) ، فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ: (نَعَمْ يَا أَشْعَثُ يُلْزِمُكَ الْكُفْرَ، إِنَّ اللَّهَ ﵎ قَدْ أَوْجَبَ عَلَيْكَ الْكُفْرَ [لِمُخَالَفَتِكَ] لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ) .
قَالَ: فَوَثَبَ إِلَى الرَّسُولِ غُلامٌ مِنْ بَنِي مُرَّةَ ابْنِ عَمِّ الأَشْعَثِ، فَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ ضَرْبَةً فَلَقَ هَامَتَهُ، فَسَقَطَ الرَّسُولُ مَيِّتًا، فَقَالَ لَهُ الأَشْعَثُ: (للَّه أبوك، فلقد [ق] صرت الْعِتَابَ وَأَسْرَعْتَ الْجَوَابَ) . قَالَ: فَوَثَبَ أَبُو قُرَّةَ الْكِنْدِيُّ [٣] مُغْضِبًا فَقَالَ: (يَا أَشْعَثُ، لا وَاللَّهِ، مَا يُوَافِقُكَ أَحَدٌ مِنَّا عَلَى هَذَا الأَمْرِ أَبَدًا، تَقْتُلُ الرَّسُولَ بِلا ذَنْبٍ كَانَ مِنْهُ، وَلا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهِ) ، ثُمَّ أَقْبَلَ أَبُو قُرَّةَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ كِنْدَةَ فَقَالَ: (انْصَرِفُوا وَلا تُقِيمُوا، فَإِنَّ الصَّوَابَ عِنْدِي الرَّحِيلُ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، وَإِلا فَتَوَقَّعُوا الْعُقُوبَةَ) .
قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ أَبُو قُرَّةَ الْكِنْدِيُّ وَهُوَ يَقُولُ:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- قَتَلْتُمُ رَسُولا أَنْ أَتَى بِرِسَالَةٍ ... وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَوْ [٤] إِلَيْهِ سَبِيلُ
٢- فَجِئْتُمْ بِأَمْرٍ فِيهِ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ... وَذَلِكَ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ طَوِيلُ
стр. 186
٣- فَلَسْتُ عَلَى هَذَا أُقِيمُ وَإِنَّنِي ... لَمُرْتَحِلٌ إِنَّ الصَّوَابَ رَحِيلُ
٤- أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُنَادُوا بِضَبِّكُمْ [١] ... وَقَدْ هَلَكَتْ مِنْ بَعْدِ ذَاكَ جَدِيلُ
٥- وَقَدْ هَلَكَتْ [٢] مِنْ قَبْلِ طَسْمٍ وَخَثْعَمٍ ... وَقَدْ هَلَكَتْ مِنْ بَعْدِ ذَاكَ جَدِيلُ
قَالَ: ثُمَّ وَثَبَ أَبُو شِمْرٍ الْكِنْدِيُّ فَقَالَ: (يَا أَشْعَثُ، لَقَدْ رَكِبْتَ عَظِيمًا مِنَ الأَمْرِ بِقَتْلِكَ مَنْ لا ذَنْبَ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّا نُقَاتِلُ مَنْ يُقَاتِلُنَا، وَأَمَّا قَتْلُ الرَّسُولِ فَلا، لأَنَّ الرَّسُولَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ لأَنَّهُ مَأْمُورٌ) . فَقَالَ الأَشْعَثُ: (يَا هَؤُلاءِ، لا تَعْجَلُوا، فَإِنَّهُ/ قَدْ شَهِدَ عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ بِالْكُفْرِ، وَبَعْدُ فَلَمْ آمُرْ بِقَتْلِهِ ولا [٣٦ أ] سَاءَنِي ذَلِكَ) .
قَالَ: فَوَثَبَ الْجَبْرُ بْنُ الْقَشْعَمِ الْكِنْدِيُّ فَقَالَ: (يَا هَذَا إِنَّا رَجَوْنَا أَنَّكَ تَعْتَذِرُ إِلَيْنَا بِعُذْرٍ نَقْبَلُهُ مِنْكَ، فَأَجَبْتَنَا بِمَا قَدْ أَنْفَرَنَا مِنْكَ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْ كُنْتَ ذَا إِرَبٍ لَغَيَّرْتَ هَذَا وَلَمْ تَرْكَبِ الْعُدْوَانَ، وَقَتْلَكَ رَسُولا لا جُرْمَ لَهُ) .
قَالَ: ثُمَّ نَادَى جَبْرُ بْنُ الْقَشْعَمِ فِي بَنِي عَمِّهِ مِنْ بَنِي الأَرْقَمِ، فَقَالَ: (ارْحَلُوا عَنْ هَذَا الظَّالِمِ حَتَّى يَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ لَمْ تَرْضَوْا بِمَا قَدْ فَعَلَ) ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
(مِنَ الْمُتَقَارِبِ)
١- سَيَرْحَلُ عَنْكُمْ بَنُو الأَرْقَمِ ... عَشِيَّةَ جَرَّتْ عَلَى الْمُسْلِمِ
٢- أَيُؤْذَى الرَّسُولُ بِأَنْ حَلَّكُمْ ... بِخَطِّ كِتَابٍ وَلَمْ يُجْرِمِ
٣- أَأَشْعَثُ أَوَّلُ ذَا الدِّيَةِ [٣] ... لَغَيَّرْتَ ذَاكَ وَلَمْ تَظْلِمِ
٤- أَخَافُ عَلَيْكُمْ بِأَفْعَالِكُمْ ... نُحُوسًا مِنَ الطَّائِرِ الأَشْأَمِ
٥- وَلِلْبَغْيِ عَاقِبَةٌ تُتَّقَى ... تَحِلُّ بِمَنْ جَارَ وَلَمْ يَنْدَمِ
قَالَ: فَتَفَرَّقَ عَنِ الأَشْعَثِ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ، حَتَّى بَقِيَ فِي قَرِيبٍ من ألفي
стр. 187
رَجُلٍ، وَأَقْبَلَ السَّكَاسِكُ وَالسُّكُونُ عَلَى زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ وَمُهَاجِرِ بْنِ أُمَيَّةَ فِي مَدِينَةِ تِرْيَمَ، فِي نَيِّفٍ مِنْ خَمْسَةِ أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْقَبَائِلِ، فَتَشَاوَرُوا فِي الْخُرُوجِ عَلَى الأَشْعَثِ، فَأَخَذُوا أُهْبَتَهُمْ وَخَرَجُوا إِلَى قِتَالِهِ، فَالْتَقَوْا بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ الرَّقَّانُ قَرِيبًا من مدينة تريم، فاقتتلوا هنا لك سَاعَةً، وَنَظَرَ الأَشْعَثُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ زِيَادٍ يُقَالُ لَهُ جَفْنَةُ بْنُ قُتَيْرَةَ السُّكُونِيُّ [١] ، وَإِنَّهُ يُقَاتِلُ قِتَالا شَدِيدًا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ الأَشْعَثُ فَطَعَنَهُ طَعْنَةً صَرَعَهُ عَنْ فَرَسِهِ، وَهَمَّ أَنْ ينزل إليه، فحماه ابن عم لَهُ مِنَ الأَشْعَثِ، فَأَفْلَتَ جَفْنَةُ، فَأَنْشَأَ ذَلِكَ الْفَتِيُّ يَقُولُ:
(مِنَ الْمُتَقارِبِ)
١- تَدَارَكْتُ جَفْنَةَ مِنْ أشعث ... كررت عليه ولم أنكل
٢- تداركته بعد ما قَدْ هَوَى ... رَهِينَ الْعَجَاجَةِ فِي الْقَسْطَلِ [٢]
٣- فَأَنْجَيْتُهُ مِنْ حِيَاضِ الرَّدَى ... فَآبَ سَلِيمًا وَلَمْ يُقْتَلِ
قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ الأَشْعَثُ أَيْضًا عَلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ السِّمْطُ بْنُ الأَسْوَدِ السُّكُونِيِّ [٣] فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً أَثْخَنَهُ مِنْهَا، قَالَ: فَوَلَّى السِّمْطُ بَيْنَ يَدَيِ الأَشْعَثِ هَارِبًا، وَوَقَفَ الأَشْعَثُ فِي مَيْدَانِ الْحَرْبِ، فَجَعَلَ يُلَوِّحُ بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ:
(مِنَ الْمُتَقَارِبِ)
١- كَرَرْتُ عَلَى السِّمْطِ وَقْتَ الْعَجَاجِ ... فَجَلَّلْتُهُ صَارِمًا [٤] معضلا
стр. 188
٢- فَوَلَّى حَثِيثًا عَلَى وَجْهِهِ ... وَلَوْ قَامَ لِي سَاعَةً جَدَّلا [١]
٣- فَإِنْ عَادَ جَلَّلْتُهُ مِثْلَهَا ... وَيَكْفِيهِ مَا نَالَهُ أَوَّلا
قَالَ: وَحَمَلَ مُهَاجِرُ بْنُ أُمَيَّةَ عَلَى الأَشْعَثِ، وَالْتَقَيَا بِضَرْبَتَيْنِ بَدَرَهُ بِهَا الأَشْعَثُ ضَرْبَةً قَدْ بَيَّضَتْهُ، وَأَسْرَعَ السَّيْفَ إِلَى رَأْسِهِ فَوَلَّى مُدْبِرًا، فَنَادَاهُ الأَشْعَثُ:
يَا مُهَاجِرُ، تُعَيِّرُ/ النَّاسَ بِالْفِرَارِ وَتَفِرُّ فِرَارَ الْحِمَارِ، ثُمَّ أنشأ الأشعث يقول: [٣٦ ب] (مِنَ الْمُتَقارِبِ)
١- لَقِيتُ الْمُهَاجِرَ فِي جَمْعِهِ ... بِعَضْبِ حُسَامٍ رَقِيقِ الْغَرَرِ
٢- فَفَرَّ ذَلِيلا وَلَمْ يَنْثَنِي [٢] ... فِرَارَ الْحِمَارِ مِنَ الْقَسْوَرِ [٣]
قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ وَأَصْحَابُهُ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَهَزَمَهُمْ حَتَّى أَدْخَلَهُمْ مَدِينَةَ تِرْيَمَ، وَقَدْ قُتِلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، وَجُرِحَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ أَقْبَلَ الأَشْعَثُ بِأَصْحَابِهِ حَتَّى أَحْدَقُوا بِالْمَدِينَةِ وَنَزَلُوا عَلَيْهَا، وَحَصَرُوا زِيادَ بْنَ لَبِيدٍ وَأَصْحَابَهُ، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِ غَايَةَ الضِّيقِ.
قَالَ: وَكَتَبَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ يُخْبِرُهُ بِقَتْلِ الرَّسُولِ، وَيُعْلِمُهُ أَنَّهُ وَأَصْحَابَهُ مُحَاصَرُونَ فِي مَدِينَةِ تِرْيَمَ أَشَدَّ الْحِصَارِ، ثُمَّ كَتَبَ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ [٤] :
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- هَلْ رَاكِبٌ يَرِدُ المدينة مخبرا ... رهط الرسول وسادة الأنصار [٥]
стр. 189
٢- وَيَقُولُ لِلصِّدِّيقِ عِنْدَ لِقَائِهِ ... وَالدَّمْعُ يَهْمِلُ كَالْبَدِيِّ الْجَارِي [١]
٣- إِنَّا حُصِرْنَا فِي تِرْيَمَ كَأَنَّنَا ... نَحْنُ النُّكُوصُ بِهَا عَلَى الأَدْبَارِ
٤- حَشَدَتْ لَنَا أَمْلاكُ كِنْدَةَ وَاعْتَدَتْ ... بِالْمُرْهِفَاتِ وَبِالْقَنَا الْخُطَّارِ
٥- فَامْنَعْهُمُ بِمُهَاجِرِينَ فَوَارِسٍ ... فُرْسَانِ صِدْقٍ مِنْ بَنِي نَجَّارِ
٦- وَبِكُلِّ قَرْنٍ فِي الْهَيَاجِ مُهَذَّبٍ ... يَسْمُو بِعَضْبٍ صَارِمٍ بَتَّارِ
قَالَ: فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَقَرَأَهُ، نَادَى فِي الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَالَ: (أَشِيرُوا عَلَيَّ مَا الَّذِي أَصْنَعُ فِي أَمْرِ كِنْدَةَ) . قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: اسْمَعْ مَا أُشِيرُ بِهِ عَلَيْكَ، إِنَّ الْقَوْمَ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، وَفِيهِمْ نَخْوَةُ الْمُلْكِ وَمَنْعَةٌ، وَإِذَا هَمُّوا بِالْجَمْعِ جَمَعُوا خَلْقًا كَثِيرًا، فَلَوْ صَرَفْتَ عَنْهُمُ الْخَيْلَ فِي عَامِكَ هَذَا، وَصَفَحْتَ عَنْ أَمْوَالِهِمْ لَرَجَوْتَ أَنْ يُنِيبُوا إِلَى الْحَقِّ، وَأَنْ يَحْمِلُوا الزَّكَاةَ إِلَيْكَ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ طَائِعِينَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ، فَذَاكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مُحَارَبَتِكَ إِيَّاهُمْ، فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُمْ فَوَارِسُ أَبْطَالٌ لا يَقُومُ لَهُمْ إِلا نُظَرَاؤُهُمْ مِنَ الرِّجَالِ) . قَالَ: فَتَبَسَّمَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مِنْ أَبِي أَيُّوبَ، ثُمَّ قَالَ: (وَاللَّهِ يَا أَبَا أَيُّوبَ، لَوْ مَنَعُونِي عِقَالا وَاحِدًا مِمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﵌ وَضَعَهُ عَلَيْهِمْ لَقَاتَلْتُهُمْ أَبَدًا، أَوْ يُنِيبُوا إِلَى الْحَقِّ) . قَالَ: فَسَكَتَ أَبُو أَيُّوبَ.
وَأَنْشَأَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ يَقُولُ [٢] :
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- لَمَّا أَبُو أَيُّوبَ قَامَ بِخُطْبَةٍ ... يَنْهَى أَبَا بكر وقال مقالا
стр. 190
٢- إِنْ تَلْقَ كِنْدَةَ تَلْقَهُمْ يَوْمَ الْوَغَى ... تَحْتَ الْعَجَاجِ فَوَارِسًا أَبْطَالا
٣- فَاتْرُكْهُمُ عَامًا [١] هُنَاكَ لَعَلَّهُمْ ... أَنْ يَحْمِلُوا نَحْوَ الْهُدَى أَمْوَالا
٤- فَلَذَاكَ خَيْرٌ إِنْ قَبِلْتَ نَصِيحَتِي ... مِنْ أَنْ تُرَى [٢] مُتَعَسِّفًا قَتَّالا
٥- فَأَجابَهُ الصِّدِّيقُ أَنْ لَوْ أَنَّنِي ... مِمَّا الرّسول حوى منعت عقالا/ [٣٧ أ]
٦- قَاتَلْتُهُمْ بِالْمُرْهِفَاتِ وَبِالْقَنَا ... وَثَنَيْتُ [٣] خَيْلِي نَحْوَهُمْ وَرِجَالا
٧- حَتَّى يُنِيبُوا رَاجِعِينَ إِلَى الْهُدَى ... وَيُرَوْنُ طُرًّا تَارِكِينَ ضَلالا
قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ [٤] ، فَدَعَاهُ وَقَالَ: (إِنِّي عَزَمْتُ أَنْ أُوَجِّهَ إِلَى هَؤُلاءِ الْقَوْمِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَإِنَّهُ عَدْلُ رِضًى أَكْثَرَ النَّاسِ لِفَضْلِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَقَرَابَتِهِ وَعِلْمِهِ وَفَهْمِهِ وَرِفْقِهِ بِمَا يُحَالُ مِنَ الأُمُورِ) . قَالَ: فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: (صَدَقْتَ يا خليفة رسول الله ﵌، إِنَّ عَلِيًّا كَمَا ذَكَرْتَ، وَفَوْقَ مَا وَصَفْتَ، وَلَكِنَّنِي أَخَافُ عَلَيْكَ مِنْهُ خَصْلَةً وَاحِدَةً، أَنْ يَأْبَى قِتَالَ الْقَوْمِ فَلا يُقَاتِلُهُمْ، فَإِنْ أَبَى فَلَنْ تَجِدَ أَحَدًا يَسِيرُ إِلَيْهِمْ، إِلا عَلَى الْمَكْرَهِ مِنْهُ، وَلَكِنْ ذَرْ عَلِيًّا يَكُونُ عِنْدَكَ فَإِنَّكَ لا تَسْتَغْنِي عَنْ مَشُورَتِهِ، وَاكْتُبْ إِلَى عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ [٥] ، فَمُرْهُ بِالْمَسِيرِ إلى الأشعث
стр. 191
وَأَصْحَابِهِ فَإِنَّهُ رَجُلٌ لِحَرْبٍ أَهْلٌ لِمَا أُهِّلَ لَهُ) ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁:
(هَذَا رَأْيٌ) .
قَالَ: ثُمَّ كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ كِتَابًا إِلَى عِكْرِمَةَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ:
(أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَكَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ وَقَبَائِلِ كندة، وقد [١] أتاني كتاب زياد بْنِ لَبِيدٍ، يَذْكُرُ أَنَّ قَبَائِلَ كِنْدَةَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ، وَقَدْ حَصَرُوهُمْ فِي مَدِينَةِ تِرْيَمَ بِحَضْرَمَوْتَ، فَإِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي هَذَا فَسِرْ إِلَى زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ فِي جَمِيعِ أصحابك ومن أجابك من أهل مكة، واسمه لَهُ وَأَطِعْ، فَإِنَّهُ الأَمِيرُ عَلَيْكَ، وَانْظُرْ لا تَمُرَّنَّ بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ إِلا اسْتَنْهَضْتَهُمْ فَأَخْرَجْتَهُمْ مَعَكَ إِلَى مُحَارَبَةِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ وَأَصْحَابِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالسَّلامُ) .
قَالَ: فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ إِلَى عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَقَرَأَهُ، نَادَى فِي أَصْحَابِهِ وَمَنْ أَجَابَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَخَرَجَ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَوَالِيهِمْ وَأَحْلافِهِمْ، وَسَارَ عِكْرِمَةُ حَتَّى صَارَ إِلَى نَجْرَانَ [٢] ، وَبِهَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ [٣] ﵁، فِي بَنِي عَمِّهِ مِنْ بَجِيلَةَ، فَدَعَاهُ عِكْرِمَةُ إِلَى حَرْبِ الأَشْعَثِ، فَأَبَى عَلَيْهِ جَرِيرٌ، وَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، فَسَارَ عِكْرِمَةُ حَتَّى صَارَ إِلَى صَنْعَاءَ [٤] فَاسْتَنْهَضَ
стр. 192
أَهْلَهَا فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَأْرِبَ [١] فَنَزَلَهَا، وَبَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ دُبَا [٢] فَغَضِبُوا عَلَى مَسِيرِ عِكْرِمَةَ إِلَى مُحَارَبَةِ كِنْدَةَ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ: تَعَالَوْا حَتَّى نَشْغَلَ عِكْرِمَةَ عَنْ مُحَارَبَةِ بَنِي عَمِّنَا مِنْ بَنِي كِنْدَةَ وَقَبَائِلِ الْيَمَنِ، فَعَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ وَوَثَبُوا عَلَى [حُذَيْفَةَ بْنِ عَمْرٍو] عَامِلٍ لَهُمْ مِنْ جِهَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَطَرَدُوهُ [٣] عَنْ بَلَدِهِمْ، فَمَرَّ هَارِبًا حَتَّى صَارَ إِلَى عِكْرِمَةَ، / فَلَجَأَ إِلَيْهِ، فَكَتَبَ حذيفة بن عمرو [٤] [٣٧ ب] هَذَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِأَمْرِ أَهْلِ دُبَا وَارْتِدَادِهِمْ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ، وَطَرْدِهِمْ إِيَّاهُ، ثُمَّ خَبَّرَهُ أَنَّهُ الْتَجَأَ إِلَى عِكْرِمَةَ فَصَارَ مَعَهُ، فَاغْتَاظَ [أَبُو بَكْرٍ] غَيْظًا شَدِيدًا، ثُمَّ إِنَّهُ كَتَبَ إِلَى عِكْرِمَةَ:
(أَمَّا بَعْدُ، فَإِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي فَسِرْ إِلَى أَهْلِ دُبَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ فَأَنْزِلْ بِهِمْ مَا هُمْ لَهُ أَهْلٌ، وَلا تُقَصِّرْ فِيمَا كَتَبْتُ بِهِ إِلَيْكَ، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْ أَمْرِهِمْ فَابْعَثْ إليّ بهم
стр. 193
أَسِيرًا، وَسِرْ إِلَى زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى يَدَيْكَ بِلادَ حَضْرَمَوْتَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّه الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ) .
قَالَ: فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى عِكْرِمَةَ، سَارَ بِأَصْحَابِهِ إِلَى دُبَا، قَالَ: وَدَنَا الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَاقْتَتَلُوا، وَرَزَقَ اللَّهُ الظَّفَرَ لِعِكْرِمَةَ فَهَزَمُوهُمْ، حَتَّى بَلَغَ بِهِمْ إِلَى أَدْنَى بِلادِهِمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ زُهَاءً عَنْ مِائَةِ رَجُلٍ، ثُمَّ سَارَ إِلَيْهِمْ عِكْرِمَةُ يُرِيدُ قِتَالَهُمْ ثَانِيَةً، وَدَخَلَ الْقَوْمُ مَدِينَتَهُمْ فَتَحَصَّنُوا بِهَا، وَنَزَلَ بِهِمْ عِكْرِمَةُ وَحَاصَرَهُمْ وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا اعْتَادُوا لِذَلِكَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى عَامِلِهِمْ حُذَيْفَةَ بْنِ عَمْرٍو، وَيَسْأَلُونَهُ الصُّلْحَ عَلَى أَنَّهُمْ يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ وَيَرْجِعُونَ إِلَى مَحَبَّتِهِ، وَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ عِكْرِمَةُ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَامِلُهُمْ: (أَنَّهُ لا صُلْحَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، إِلا عَلَى الإِقْرَارِ مِنْكُمْ أَنَّا عَلَى الْحَقِّ وَأَنْتُمْ عَلَى بَاطِلٍ، وَأَنَّ قَتِيلَنَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتِيلَكُمْ فِي النَّارِ، وَعَلَى أَنَّا نَحْكُمُ فِيكُمْ بِمَا رَأَيْنَا) .
قَالَ: فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: أَنِ اخْرُجُوا الآنَ عَنْ مَدِينَتِكُمْ بِلا سِلاحٍ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى حِصْنِهِمْ، فَقَتَلُوا أَشْرَافَهُمْ، وَسَبَوْا نِسَاءَهُمْ وَأَوْلادَهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، وَوَجَّهَ بِرِجَالِهِمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَهُمْ ثَلاثُ مِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَأَرْبَعُ مِائَةٍ مِنَ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ، فَهَمَّ أَبُو بَكْرٍ بِقَتْلِ رِجَالِهِمْ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: (إِنَّ الْقَوْمَ عَلَى دِينِ الإِسْلامِ، لأَنِّي أَجِدُهُمْ يَحْلِفُونَ باللَّه مُجْتَهِدِينَ مَا رَجَعُوا عَنْ دِينِ الإِسْلامِ، وَلَكِنْ شَحُّوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَقَدْ كَانَ مِنْهُمْ مَا كَانَ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ، وَاحْبِسْهُمْ عِنْدَكَ إِلَى أَنْ تَرَى فِيهِمْ رَأْيَكَ) .
قَالَ: فَأَمَرَ بِحَبْسِهِمْ، فَحُبِسُوا فِي دَارِ رَمْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ [١] فَلَمْ يَزَالُوا هُنَاكَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَدَعَاهُمْ عُمَرُ، ثُمَّ قال لهم: ( [إنكم تعرفون
стр. 194
أَنَّ] [١] مَا كَانَ مِنْ رَأْيِ أَبِي بَكْرٍ مَا كَانَ مِنْ رَأْيٍ، وَقَدْ مَاتَ أَبُو بَكْرٍ، وَقَدْ أَفْضَى الأَمْرُ إِلَيَّ، فَانْطَلِقُوا إِلَى أَيِّ بَلَدٍ شِئْتُمْ، فَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلا فِدْيَةَ عَلَيْكُمْ) .
قَالَ: فَمَضَى الْقَوْمُ عَلَى وُجُوهِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ صَارَ إِلَى بِلادِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَارَ إِلَى الْبَصْرَةِ بَعْدَ عِمَارَتِهَا فَنَزَلَهَا، وَكَانَ أَبُو صُفْرَةَ أَبُو الْمُهَلَّبِ مِمَّنْ نَزَلَ الْبَصْرَةَ بَعْدَ عِمَارَتِهَا، فِيهَا خُطَطُ الْمَهَالِبَةِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا.
قَالَ: وَسَارَ عِكْرِمَةُ/ يُرِيدُ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ، وَبَلَغَ ذَلِكَ الأَشْعَثَ بْنَ قيس، [٣٨ أ] فَانْحَازَ إِلَى حِصْنٍ مِنْ حُصُونِ حَضْرَمَوْتَ [٢] يُقَالُ لَهُ النُّجَيْرُ [٣] ، فَرَمَّهُ وَأَصْلَحَهُ، ثُمَّ جَمَعَ نِسَاءَ قَوْمِهِ وَذُرِّيَّتَهُ، فَأَدْخَلَهُمْ ذَلِكَ الْحِصْنَ.
قَالَ: وَنَادَى زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ فِي أَصْحَابِهِ فَجَمَعَهُمْ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، اعْلَمُوا أَنَّكُمْ تُقَاتِلُونَ أَهْلَ رِدَّةٍ وَكُفْرٍ، فَأَظْهِرُوا أَسْلِحَتَكُمْ، وَاشْحَذُوا سُيُوفَكُمْ، فَإِنِّي نَاهِضٌ إِلَيْهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهَذَا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ قَدْ جَاءَكُمْ مَدَدًا لَكُمْ في عسكر لجب [٤] ، فابشروا بالنصر والظفر.
стр. 195
قَالَ: وَجَعَلَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ يُحَرِّضُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَرْبِ عَدُوِّهِمْ وَهُوَ يَقُولُ:
(مِنَ الْخَفِيفِ)
١- يَا بَنِي كِنْدَةَ الْكِرَامَ أَعِدُّوا ... وَاسْتَعِدُّوا لِوَقْعَةِ الأَحْزَابِ
٢- قَدْ أَمَدَّ الْعَدُوُّ مِنْكُمْ بِخَيْلٍ ... وَكُهُولٍ لِحَرْبِكُمْ وَشَبَابِ
٣- وَأَمِدُّوا نُفُوسَكُمْ بِاصْطِبَارٍ ... حِينَ تَلْقَوْنَ جَمْعَهُمْ وَاحْتِسَابِ
٤- إِنَّكُمْ طَالَ مَا بِهِمْ قَدْ ظَفِرْتُمْ ... وَأَقَمْتُمْ لِلْقَوْمِ سُوقَ الضِّرَابِ
٥- فَامْنَحُوهُمْ إِذَا الْتَقَيْتُمْ طِعَانًا ... وَضِرَابًا عَلَى الْمَذَاكِي الْعِرَابِ [١]
قَالَ: وَبَلَغَ ذَلِكَ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ بِأَنَّ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ قَدْ شَجَّعَ أَصْحَابَهُ، فَجَعَلَ الأَشْعَثُ أَيْضًا يُشَجِّعُ أَصْحَابَهُ وَيُحَرِّضُهُمْ وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ، لا يُهَوِّلَنَّكُمْ مَدَدُ أَعْدَائِكُمْ لأَصْحَابِهِمْ فَإِنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَالْقَوْمُ مَعَ الصَّبْرِ لا يَثْبُتُونَ، فَقَاتِلُوهُمْ مُحْتَسِبِينَ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
(مِنَ الرَّمَلِ)
١- لا يَهُولَنَّكُمْ بَنِي عَمْرِو النَّدَى ... مَدَدُ الْمَكِّي إِلَيْهِمْ [٢] عِكْرِمَهْ
٢- فَاسْتَعِدُّوا بِرِمَاحٍ شُرَّعٍ ... وَسُيُوفِ الْهِنْدِ تَفْرِي الْقِمَمَهْ [٣]
٣- وَاصْبِرُوا عَنْ كُلِّ مَا نَابَكُمُ ... فَعَلَى مَالِكِ تَيْمٍ وَكَمَهْ [٤]
٤- هَذِهِ نِيرَانُ حَرْبٍ أُضْرِمَتْ ... فَاصْطَلُوا نِيرَانَ حَرْبٍ مُضْرَمَهْ
стр. 196
٥- لَسْتُمُ فِيهَا بِأَنْكَاسٍ وَلا ... عُزْلا مِثْلَ اللِّئَامِ الْقِرَمَهْ [١]
٦- فَافْلَقُوا بِالْبِيضِ هَامَاتِ الْعِدَى ... فِي الْوَغَى حَتَّى تُلاقَى الْبُهَمَهْ [٢]
قَالَ: وَجَعَلَ كُلُّ رَأْسٍ [٣] مِنْ رُؤَسَاءِ كِنْدَةَ يُحَرِّضُ بَنِي عَمِّهِ عَلَى الْحَرْبِ، وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ لا يُقَصِّرُوا.
قَالَ: وَأَصْبَحَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ وَقَدْ عَبَّى أَصْحَابَهُ، وَعَبَّى الأَشْعَثُ أَيْضًا أَصْحَابَهُ، وَتَسَرْبَلَ فِي سِلاحِهِ، وَعَلَى رأسه تاج لجده يزيد بن معديكرب، وَتَقَدَّمَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ حَتَّى وَقَفَ قُدَّامَ أَصْحَابِهِ، وَجَالَتِ الْحَرْبُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، وَتَنَاشَدُوا أَشْعَارًا لَمْ نَذْكُرْهَا، وَخَرَجَ الأَشْعَثُ لِزِيَادٍ، فَانْهَزَمَ زِيَادٌ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى دَخَلُوا مَدِينَةَ حَضْرَمَوْتَ فَتَحَصَّنُوا بِهَا، وَبَلَغَ ذَلِكَ عِكْرَمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، فَكَتَبَ إِلَى زِيَادٍ يُعْلِمُهُ الْوَقْتَ الَّذِي يُوَافِيهِ فِيهِ، وَأَنَّهُ يُوَافِيهِ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: فَفَرِحَ زِيَادٌ وَأَصْحَابُهُ، وَخَرَجَ مِنْ مَدِينَةِ تِرْيَمَ [٤] ، وَأَنَّهُ يَشُكُّ بِقُدُومِ عِكْرِمَةَ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي وَعَدَهُ عِكْرِمَةُ أَنْ يُوَافِيَهُ فِيهِ، رَكِبَ زِيَادٌ فِي أَصْحَابِهِ/ وَخَرَجَ مِنْ مَدِينَةِ تِرْيَمَ، وَأَنَّهُ ليشد بالأيدي على استواء فرسه من [٣٨ ب] الْجِرَاحَاتِ، فَعَلِمَ الأَشْعَثُ أَنَّ زِيَادًا [٥] قَدْ خَرَجَ إِلَيْهِ، ثُمَّ رَكِبَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَسَارُوا نَحْوَ زِيَادٍ عَلَى غَيْرِ تَعْبِئَةٍ، فَلَمَّا تَلاقَى الْجَمْعَانِ، اخْتَلَطَ الْقَوْمُ وَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، وَهُمْ أَصْحَابُ زِيَادٍ بِالْهَزِيمَةِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ عِكْرِمَةُ فِي تَعْبِئَةٍ حَسَنَةٍ، وَخَيْلٍ عِتَاقٍ، وسلاح شاك، ورجال جلد.
стр. 197
قَالَ: وَنَظَرَتْ قَبَائِلُ كِنْدَةَ إِلَى خَيْلِ عِكْرِمَةَ وَقَدْ أَشْرَفَتْ عَلَيْهِمْ، فَصَاحُوا بِالأَشْعَثِ، مَا تَرَى هَذِهِ خَيْلُ عِكْرِمَةَ قَدْ أَشْرَفَتْ، وَنَحْنُ تَعِبْنَا وَخَيْلُنَا قَدْ كَلَّتْ، وَعَامَّتُنَا جَرْحَى. قَالَ: فَشَجَّعَهُمُ الأَشْعَثُ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ وَنَهَاهُمْ عَنِ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَاخْتَلَطَتْ خَيْلُ عِكْرِمَةَ وَخَيْلُ زِيَادٍ، فَصَارُوا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَاجْتَمَعُوا وَحَمَلُوا عَلَى الأَشْعَثِ وَأَصْحَابِهِ، فَلَمْ يَزُلْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ مَوْضِعِهِ، لَكِنَّهُمْ أَشْرَعُوا الرِّمَاحَ فِي صُدُورِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ جَالَتِ الْخَيْلُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، وَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْ فُرْسَانِ الأَشْعَثِ، يُقَالُ لَهُ عَرْفَجَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الذُّهْلِيُّ، فَحَمَلَ عَلَى خَيْلِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ حَتَّى ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ مِنْ طِعَانِهِ، قَالَ:
فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِسَهْمٍ فَوَقَعَ فِي فُؤَادِهِ فَقَتَلَهُ، فَصَاحَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أَبْشِرُوا فَقَدْ أَخْمَدَ اللَّهُ جَمْرَةَ كِنْدَةَ بِقَتْلِ عَرْفَجَةَ الذُّهْلِيِّ.
قَالَ: وَتَقَدَّمَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ حَاسِرَ الرَّأْسِ، وَطَلَبَ الْبِرَازَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عِكْرِمَةُ، فَجَالا ثُمَّ الْتَقَيَا بِطَعْنَتَيْنِ وَلَمْ يَصْنَعَا شَيْئًا، فَرَمَى كُلُّ وَاحِدٍ بِرُمْحِهِ مِنْ يَدِهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى قَائِمِ سَيْفِهِ، ثُمَّ الْتَقَيَا بِضَرْبَتَيْنِ، بَدَرَهُ الأَشْعَثُ بِضَرْبَةٍ قَدَّ بِهَا بَيْضَةَ عِكْرِمَةَ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلا يُقَالُ لَهُ النُّعْمَانِ بْنُ الْحَارِثِ، حَمَلَ عَلَى الأَشْعَثِ فَطَعَنُه طَعْنَةً مُنْكَرَةً، حَتَّى كَادَ الأَشْعَثُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْ فَرَسِهِ.
قَالَ: وَجَعَلَ الأَشْعَثُ يُقَاتِلُ، وَكُلَّمَا حَمَلَ بِفَرَسِهِ عَلَى النَّاحِيَةِ الَّتِي فِيهَا زِيَادٌ يَنْحَازُ زِيَادٌ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْقِفِ إِلَى غَيْرِهِ. وَهَبَّتْ رِيحٌ وَثَارَ الْعَجَاجُ، فَلَمْ يُبْصِرِ النَّاسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَحَسَرَ الأَشْعَثُ عَنْ رَأْسِهِ، وَنَادَى: الصَّبْرَ الصَّبْرَ يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ، فَإِنَّ الْقَوْمَ قَدْ صَبَرُوا لَكُمْ.
قَالَ: وَلَمْ يَزَلِ الْقَوْمُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى وَقْتِ الْمَسَاءِ، ثُمَّ اجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ بِأَجْمَعِهِمْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَى الأَشْعَثِ وَأَصْحَابِهِ، كَحَمْلَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَهَزَمُوهُمْ حَتَّى أَلْجَئُوهُمْ إِلَى حِصْنِهِمُ الأَعْظَمِ.
قَالَ: فَدَخَلَ الأَشْعَثُ وَأَصْحَابُهُ إِلَى ذَلِكَ الْحِصْنِ وَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ. وَأَقْبَلَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَالْمُهَاجِرُ بن أمية، وجميع المسلمين، [٣٩ أ] حَتَّى نَزَلُوا/ عَلَى الْحِصْنِ فَأَحْدَقُوا بِهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَى مَنْ فِي
стр. 198
الْحِصْنِ مِنْ قَبَائِلِ كِنْدَةَ، فَقَالَ لَهُمُ الأَشْعَثُ: يَا بَنِي عَمِّي، مَا الرَّأْيُ، فَقَالُوا:
وَاللَّهِ الرَّأْيُ أَنْ نَمُوتَ كِرَامًا، قَالَ الأَشْعَثُ: فَإِنْ كُنْتُمْ عَزَمْتُمْ عَلَى ذَلِكَ فَافْعَلُوا كَمَا أَفْعَلُ حَتَّى أَعْلَمَ أَنَّكُمْ صَادِقُونَ، قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ الأَشْعَثُ بِيَدِهِ إِلَى نَاصِيَتِهِ فَجَزَّهَا وَرَبَطَهَا عَلَى رَأْسِ رُمْحِهِ، وَجَزَّ الْقَوْمُ نَوَاصِيَهُمْ وَرَبَطُوهَا فِي رؤوس رِمَاحِهِمْ، وَتَبَايَعُوا عَلَى الْمَوْتِ. فَلَمَّا أَصْبَحَ الأَشْعَثُ أَمَرَ بِبَابِ الْحِصْنِ فَفَتَحَ، وَخَرَجَ فِي أَوَائِلِ الْقَوْمِ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ)
١- يَا قَوْمِ إِنَّ الصَّبْرَ بِالإِخْلاصِ ... ٢- فَلِلإِلَهِ فَاحْلِقُوا النَّوَاصِي
٣- وَبَارِزُوا الأَعْدَاءَ بِالْعِرَاصِ ... ٤- عَلَى عِتَاقِ الْخَيْلِ وَالْقِلاصِ
٥- لا تَجْزَعُوا قَوْمِي مِنَ الْقِصَاصِ ... ٦- وَلا تَقَرُّوا الدَّهْرَ بِالنِّكَاصِ [١]
٧- أَوْ لا تَصِيرُونَ إِلَى الْخَلاصِ
قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ خَلْفَهُ الْخَنْفَسِيسُ بْنُ عَمْرٍو، وَضَفِيرَتُهُ مَعْقُودَةٌ عَلَى رَأْسِ رُمْحِهِ، وَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا اخْتَصَرْنَا عَنْ ذِكْرِهَا.
قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَعْدِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحْرِزٍ الْحُطَمِّيُ وَنَاصِيَتُهُ مَرْبُوطَةٌ فِي رَأْسِ رُمْحِهِ، وَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا تَرَكْنَا ذِكْرَهَا. قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَعْدِهِ مُسَيْلِمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْقُشَيْرِيُّ، وَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا تَرَكْنَا ذِكْرَهَا. ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَعْدِهِ سَعْدُ بْنُ معد يكرب، وَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا تَرَكْنَا ذِكْرَهَا، قَالَ: فَكَانَ كُلَّمَا خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ خَرَجَ مَعَهُ قَوْمُهُ وَعَشِيرَتُهُ.
قَالَ: وَاخْتَلَطَ الْقَوْمُ، فَاقْتَتَلُوا عَلَى بَابِ الحصن قتالا لم يقاتلوا [٢] مثله في
стр. 199
يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِهِمْ، حَتَّى قُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ بَشَرٌ كَثِيرٌ. قَالَ: وَأُثْخِنَ الأَشْعَثُ بِالْجِرَاحَاتِ، فَوَلَّى مُنْهَزِمًا هُوَ وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى دَخَلُوا الْحِصْنَ، فَحَاصَرَ [الْمُسْلِمُونَ] [١] الأَشْعَثَ وَأَصْحَابَهُ أَشَدَّ حِصَارٍ.
قَالَ: وَسَمِعَتْ بِذَلِكَ قَبَائِلُ كِنْدَةَ مِمَّنْ كَانَ تَفَرَّقَ عَنِ الأَشْعَثِ لَمَّا قَتَلَ رَسُولَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَا قَوْمَنَا، إِنَّ بَنِي عَمِّنَا قَدْ حُصِرُوا فِي حِصْنِ النُّجَيْرِ، وَهَذَا عَارٌ عَلَيْنَا أَنْ نُسْلِمَهُمْ، فَسِيرُوا بِنَا إِلَيْهِمْ. قَالَ:
فَسَارَتْ قَبَائِلُ كِنْدَةَ يُرِيدُونَ مُحَارَبَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَبَيْنَ أَيْدِيهِمُ الْجَبْرُ بْنُ الْقَشْعَمِ الأرقمي شَاكٍ فِي السِّلاحِ، وَهُوَ يَقُولُ:
(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ)
١- قَدْ حُصِرَتْ كِنْدَةُ فِي النُّجَيْرِ ... ٢- مَا إِنْ لَهَا عَنِ الدِّفَاعِ غَيْرِي
٣- وَمُنْجِهِمْ غَيْرِي مَعًا وَخَيْرِي ... ٤- وَعَنْهُمُ أَنْفِي الْعِدَا بِصَبْرِي
وَأَقْبَلَ أَبُو قُرَّةَ الْكِنْدِيُّ فِي قَوْمِهِ، وَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا لَمْ نَذْكُرْهَا. قَالَ: وَأَقْبَلَ أَبُو الشِّمْرِ الْكِنْدِيُّ فِي قَوْمِهِ مِنْ بَنِي جَمْرَةَ، وَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا لَمْ نَذْكُرْهَا.
قَالَ: وَبَلَغَ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ مَسِيرُ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ جَزَعَ لِذَلِكَ، ثم أقبل [٣٩ ب] عَلَى عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ فَقَالَ لَهُ/ مَا تَرَى، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَرَى أَنْ تُقِيمَ أَنْتَ عَلَى بَابِ الْحِصْنِ مُحَاصِرًا لِمَنْ فِيهِ، حَتَّى أَمْضِيَ أَنَا فَأَلْتَقِي هَؤُلاءِ الْقَوْمَ، فَقَالَ زِيَادٌ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ، وَلَكِنِ انْظُرْ يَا عِكْرِمَةُ، إِنْ أَظْفَرَكَ اللَّهُ بِهِمْ فَلا تَرْفَعِ السَّيْفَ عَنْهُمْ أَوْ تُبِيدَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ. فَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَسْتَ أَلْوِي [٢] جَهْدًا فِيمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا باللَّه العلي العظيم.
стр. 200
قَالَ: ثُمَّ جَمَعَ عِكْرِمَةُ أَصْحَابَهُ وَسَارَ حَتَّى وَافَى الْقَوْمَ، وَقَدْ تَعَبَّأَ تَعْبِئَةَ الْحَرْبِ، فَلَمْ يَكْذِبْ [١] عِكْرِمَةُ أَنْ حَمَلَ عَلَيْهِمْ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، وَجُرِحَ عِكْرِمَةُ فِي رَأْسِهِ، وَجَاءَ اللَّيْلُ فَحَجَزَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ، دَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَاقْتَتَلُوا حَتَّى أَمْسَوْا، وَالأَشْعُث لا يَعْلَمُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ طَالَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ مَعَهُ الْحِصَارُ، وَاشْتَدَّ بِهِمُ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، فَأَرْسَلَ الأَشْعَثُ إِلَى زِيَادٍ أَنْ يُعْطِيَهُ الأَمَانَ وَلأَهْلِ بَيْتِهِ وَلِعَشَرَةٍ مِنْ وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، فَأَجَابَهُ زِيَادٌ إِلَى ذَلِكَ، وَكَتَبَ بَيْنَهُمُ الْكِتَابَ، فَظَنَّ أَهْلُ الْحِصْنِ أَنَّ الأَشْعَثَ قَدْ أَخَذَ لَهُمُ الأَمَانَ بِأَجْمَعِهِمْ، فَسَكَتُوا وَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِعِكْرِمَةَ فَقَالَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَهُ: يَا هَؤُلاءِ، عَلَى مَاذَا تُقَاتِلُونَ، فَقَالُوا: نُقَاتِلُكُمْ عَلَى صَاحِبِنَا الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ قَدْ طَلَبَ الأَمَانَ، وَهَذَا كِتَابُ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ إِلَيَّ يُخْبِرُنِي بِذَلِكَ، وَرَمَى الْكِتَابَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا قَرَأُوهُ قَالُوا: يَا هَذَا نَنْصَرِفُ، فَلا حَاجَةَ لَنَا فِي قِتَالِكَ بَعْدَ هَذَا.
ثُمَّ انْصَرَفَ الْقَوْمُ عَنْ مُحَارَبَةِ عِكْرِمَةَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَسُبُّونَ الأَشْعَثَ وَيَلْعَنُونَهُ، فَأَنْشَأَ عِكْرِمَةُ يَقُولُ:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- رَدَدْتُ بني وهب عن الحرب بعد ما ... عَلَيْنَا بِأَسْيَافٍ حِدَادٍ تَجَمَّعُوا
٢- فَجَالَدْتُهُمْ صَدْرَ النَّهَارِ إِلَى الضُّحَى ... وَكَافَحَنِي مِنْهُمْ هُمَامٌ سَمَيْدَعُ [٢]
٣- فَلا الْقَوْمُ حَامُونَا [٣] وَلا نَحْنُ عَنْهُمُ ... وَلَكِنَّ صُلْحَ الْقَوْمِ أَبْقَى وَأَوْدَعُ
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عِكْرِمَةُ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: سِيرُوا وَأَسْرِعُوا السَّيْرَ إِلَى إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الأَشْعَثَ قَدْ طَلَبَ الأمان، فلعله أن يغنم زياد
стр. 201
وَأَصْحَابُهُ مَا فِي الْحِصْنِ، إِنَّهُمْ لا يُشْرِكُونَكُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، لأَنَّهُمْ قَدْ سَبَقُوكُمْ إِلَى فَتْحِ الْحِصْنِ، إِلا أَنْ يَرَى زِيَادٌ فِي ذَلِكَ رَأْيَهُ. قَالَ: فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ [١] :
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- أَلا لَيْتَ شِعْرِي وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ ... أَيَشْرَكُنَا فِيهَا صِحَابُ زِيَادْ [٢]
٢- وَفِي بَذْلِ هَذَا ائْتِلافُ قُلُوبِنَا ... وَفِي مَنْعِ هَذَا لِلْقُلُوبِ فَسَادْ
٣- نَهَضْنَا إِلَيْهِ نَاصِرِينَ وَدُونَهُ ... قَبَائِلُ أَبْطَالِ الْجِلادِ [٣] مُرَادْ
٤- إِذَا مَا أَتَانَا رَاكِبٌ برسالة ... رحلنا وفي الليل الطويل سواد [٤]
[٤٠ أ] ٥- إِلَى اللَّهِ قَوْمًا طَالِبِينَ سَبِيلَهُ [٥] ... وَدِينًا نُحَامِي دُونَهُ [٦] وَنَذُودْ
٦- أَبَابِيلَ أَرْسَالا عَلَى كُلِّ وِجْهَةٍ ... كَأَنَّا إِذَا انْصَاحَ [٧] الصَّبَاحُ جَرَادْ
٧- فَلَمَّا أَتَى أَهْلُ النُّجَيْرِ مَسِيرَنَا ... وَفِي الصَّبْرِ فِي الْحَرْبِ الْعَوَانِ عِدَادْ
٨- نَفَى النَّوْمَ عَنْهُمْ ذِكْرُنَا وَتَقَارَبُوا [٨] ... وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ قَبْلَ ذَاكَ بِعَادْ
٩- فَأَعْطَوْا بِأَيْدِيهِمْ مَخَافَةَ حَرْبِنَا ... وَكَانَ زِيَادٌ قَبْلَ ذَاكَ يُكَادْ
١٠- فَقُلْ لِزِيَادٍ زَادَكَ اللَّهُ نِعْمَةً ... خُذِ الشُّكْرَ عَفْوًا فَالشَّكُورُ يُزَادْ
قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ عِكْرِمَةُ وَأَصْحَابُهُ عَلَى زِيَادٍ، وَالأَشْعَثُ بَعْدُ لَمْ يَنْزِلْ مِنَ الْحِصْنِ وَهُوَ يَسْتَوْثِقُ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي عَمِّهِ، فَأَقْبَلَ زِيَادٌ عَلَى عكرمة
стр. 202
فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ مَعَ قَبَائِلِ كِنْدَةَ، فَقَالَ: صَنَعْتُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَقِيتُ قَوْمًا لَهُمْ أَقْدَارٌ وَأَخْطَارٌ صُبْرٌ عَلَى الْمَوْتِ فَلَمْ أَزَلْ أُحَارِبُهُمْ حَتَّى عَلِمْتُ أَنَّ انْتِصَافَهُمْ مِنِّي أَكْثَرُ مِنَ انْتِصَافِي مِنْهُمْ، وَأَتَانِي كِتَابُكَ بِخَبَرِ الأَشْعَثِ أَنَّهُ بَعَثَ إِلَيْكَ يَسْأَلُكَ الأَمَانَ، فَكَفَفْتُ عَنْ حَرْبِ الْقَوْمِ وَانْصَرَفْتُ إِلَيْكُمْ.
فَقَالَ زِيَادٌ: لا وَاللَّهِ، وَلَكِنَّكَ جَبُنْتَ وَضَعُفْتَ وَكَفَفْتَ عَنِ الْحَرْبِ، أَلَمْ آمُرْكَ أَنْ تَضَعَ سَيْفَكَ فِيهِمْ، ثُمَّ لا تَرْفَعْهُ عَنْهُمْ وَفِيهِمْ عَيْنٌ تَطْرُفُ، فَعَصَيْتَنِي وَأَحْبَبْتَ الْعَافِيَةَ، وَانْصَرَفْتَ إِلَيَّ بِأَصْحَابِكَ خَوْفًا مِنْ أَنْ تَفُوتَكَ الْغَنِيمَةُ، قَبَّحَ اللَّهُ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّكَ شُجَاعُ الْقَلْبِ بَعْدَ هَذَا. فَغَضِبَ عِكْرِمَةُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ يَا زِيَادُ، إِنْ لَقِيتَهُمْ وَقَدْ أَزْمَعُوا عَلَى حَرْبِكَ لَرَأَيْتَ أُسُودًا تَحْمِي أَشْبَالا وَتُكَافِحُ أَبْطَالا، ذَاتَ أَنْيَابٍ حِدَادٍ وَمَخَالِيبَ شِدَادٍ، لَتَمَنَّيْتَ أَنَّهُمْ يَنْصَرِفُونَ عَنْكَ وَيُخَلُّونَكَ، وَبَعْدُ فَإِنَّكَ أَظْلَمُ وَأَغْشَمُ وَأَجْبَنُ قَلْبًا، وَأَشَحُّ نَفْسًا، وَأَيْبَسُ كَفًّا، إِذْ قَاتَلْتَ هَؤُلاءِ الْقَوْمَ، وَأَنْشَبْتَ هَذِهِ الْحَرْبَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ بِسَبَبِ نَاقَةٍ وَاحِدَةٍ، لا أَقَلَّ وَلا أَكْثَرَ، وَلَوْ لَمْ أُعِنْكَ بِجُنُودِي هَؤُلاءِ لَعَلِمْتَ أَنَّكَ تَكُونُ رَهِينَ سُيُوفِهِمْ، وَأَسِيرَ جَوَامِعِهِمْ. ثُمَّ أَنْشَأَ عِكْرِمَةُ يَقُولُ:
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- مَا كُنْتُ بِالرُّعْشِ الْكِهَامِ وَإِنَّنِي ... قِدْمًا غَدَاةَ الرَّوْعِ غَيْرُ نَكُوصِ
٢- قَتْلُ الْكُمَاةِ إذا الحروب تسعّرت ... بالمرهفات لذي حَذْرُ [١] رَخِيصِ
٣- لاقَيْتَ قَوْمًا أَفْزَعُوكَ بِوَقْعِهِمْ ... حَتَّى اتَّسَعْتَ وَقُلْتَ أَيْنَ مَحِيصِي
٤- لَوْ لَمْ أُعِنْكَ لَكُنْتَ رَهْنَ سُيُوفِهِمْ ... تُغْرِي الْخَوَامِعُ مِنْكَ كُلَّ قَلُوصِ [٢]
قَالَ: ثُمَّ نَادَى عِكْرِمَةُ فِي أَصْحَابِهِ وَهَمَّ بِالرَّحِيلِ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ زِيَادٌ مِمَّا تَكَلَّمَ به، فقبل عكرمة عذره.
стр. 203
وَنَزَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ مِنَ الْحِصْنِ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَعَشِيرَتِهِ مِنْ رُؤَسَاءِ بَنِي عَمِّهِ، مَعَ أَهَالِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلادِهِمْ، فَقَالَ زِيَادٌ: (يَا أَشْعَثُ، أَلَسْتَ إِنَّمَا سَأَلْتَنِي الأَمَانَ لِعَشَرَةٍ مِنْ أَهَالِيهِمْ وَأَوْلادِهِمْ، وَبِهَذَا كَتَبْتُ لَكَ الْكِتَابَ) ، فَقَالَ الأشعث:
[٤٠ ب] (بَلَى، قَدْ كَانَ ذَلِكَ) ، قَالَ زِيَادٌ: / (فَالْحَمْدُ للَّه الَّذِي أَعْمَاكَ أَنْ تَأْخُذَ الأَمَانَ لِنَفْسِكَ، وَاللَّهِ لا أَرَى فِي الْكِتَابِ لَكَ اسْمًا، وَاللَّهِ لأَقْتُلَنَّكَ) ، فَقَالَ الأَشْعَثُ: (يَا أَقَلَّ الْخَلْقِ عَقْلا، أَتَرَى أَنَّهُ بَلَغَ مِنِّي الْجَهْلُ أَنْ أَطْلُبَ الأَمَانَ لِغَيْرِي وَأَتْرُكَهُ لِنَفْسِي، أَمَا إِنِّي لَوْ كُنْتُ أَخَافُ غَدْرَكَ لَبَدَأْتُ بِنَفْسِي فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَلَكِنَّنِي أَنَا كُنْتُ الطَّالِبَ لِقَوْمِي الأَمَانَ فَلَمْ أَكُنْ بِالَّذِي أَطْلُبُ وَأُثْبِتُ نَفْسِي مع غيري، وأما قولك أنك تقتلني، فو الله لَئِنْ قَتَلْتَنِي لَتَجْلِبَنَّ [١] إِلَيْكَ وَعَلَى صَاحِبِكَ الْيَمَنَ بِأَجْمَعِهَا، وَخَيْلَهَا وَرَجْلَهَا، فَيُنْسِيَنَّكَ مَا قَدْ مَضَى) ، ثُمَّ أَنْشَأَ الأَشْعَثُ يَقُولُ:
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- مَا كُنْتُ أَنْسَى [٢] فِي أَمَانِكَ فَاعْلَمَنْ ... نَفْسِي وَأَثْبِتْ غَيْرَهَا يَا خَاسِرْ
٢- لَوْ خِفْتُ غَدْرَكَ يَا زِيَادُ سَفَاهَةً ... مَا كَانَ غَيْرِي فِي الْكِتَابِ الْعَاشِرْ
٣- لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنْ سَتَفْعَلَ مَا أَرَى ... لَهَوَى بِرَأْسِكَ مِشْرَفِيٌّ بَاتِرْ
٤- بَلْ أَنْتَ وَيْلَكَ يَا زِيَادُ مُلَعَّنٌ ... رَثُّ الأَمَانَةِ وَالدِّيَانَةِ غَادِرْ
٥- كَمْ مَرَّةٍ مِنِّي فَرَرْتَ وَإِنَّنِي ... لَعَلَى حِصَارِكَ لَوْ أَرَدْتُ لَقَادِرْ
٦- حَتَّى إِذَا ظَفِرَتْ يَدَاكَ حَصَرْتَنِي ... تَرِبَتْ يَدَاكَ أَلا فَبِئْسَ الظَّافِرْ
٧- إِنِّي لأَصْبِرُ لِلْحُكُومَةِ مِنْ أَبِي ... بَكْرٍ فَيَنْظُرُ لِي فَنِعْمَ النَّاظِرْ
قَالَ زِيَادٌ: (إِنِّي وَاللَّهِ لأَرْجُو أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْكَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بِضَرْبِ عُنُقِكَ، فَإِنَّهُ أَهْلٌ لِذَلِكَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ) . فَقَالَ الأَشْعَثُ: (وَاللَّهِ يَا زِيَادُ، لَئِنْ يَأْكُلُنِي الأَسَدُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْكُلَنِي الْكَلْبُ، يَعْنِي بِالْكَلْبِ هُوَ، وَلَكِنْ كَيْفَ أَنْتَ يَا زِيَادُ مِنْ تِلْكَ الضَّرَبَاتِ الَّتِي نَالَتْكَ مني يوم بارزتني) .
стр. 204
قَالَ: فَسَكَتَ زِيَادٌ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَازْدَادَ عَلَيْهِ غَضَبًا وَحَنَقًا، ثُمَّ اسْتَوْثَقَ بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ، وَدَخَلَ الْحِصْنَ فَجَعَلَ يَأْخُذُ الْمُقَاتِلَةَ وَيَضْرِبُ رِقَابَهُمْ صَبْرًا. فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: (إِنَّمَا فَتَحْنَا بَابَ الْحِصْنِ لأَنَّ الأَشْعَثَ خَبَّرَنَا بِأَنَّكَ أَعْطَيْتَهُ الأَمَانَ، فَلَمْ تُقَاتِلْنَا) ، قَالَ زِيَادٌ: (كَذِبَ الأَشْعَثُ، مَا أَثْبَتُّ أَحَدًا مِنْكُمْ فِي الْكِتَابِ غَيْرَهُ وَغَيْرَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَعَشَرَةً مِنْ بَنِي عَمِّهِ) .
قَالَ: فَسَكَتَ الْقَوْمُ وَعَلِمُوا أَنَّ الأَشْعَثَ هُوَ الَّذِي أَسْلَمَهُمْ لِلْقَتْلِ [١] . قَالَ:
فَبَيْنَمَا زِيَادٌ كَذَلِكَ يَضْرِبُ أَعْنَاقَ الْقَوْمِ، إِذَا كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَدْ وَرَدَ عَلَيْهِ، وَإِذَا فِيهِ:
(أَمَّا بَعْدُ يَا زِيَادُ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ قَدْ سَأَلَكَ الأَمَانَ، وَقَدْ نَزَلَ عَلَى حُكْمِي، فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْكَ كِتَابِي هَذَا، فَاحْمِلْهُ إِلَيَّ مُكْرَمًا، وَلا تَقْتُلَنَّ أَحَدًا مِنْ أَشْرَافِ كِنْدَةَ، صَغِيرًا وَلا كَبِيرًا، وَالسَّلامُ) .
قَالَ: فَلَمَّا قَرَأَ زِيَادٌ [٢] الْكِتَابَ قَالَ: (أَمَا إِنَّهُ لَوْ سَبَقَ هَذَا الْكِتَابُ قَبْلَ قَتْلِي هَؤُلاءِ مَا قَتَلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَلَكِنْ قَدْ مَضَى فِيهِمُ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ) . فَكَانَ نَهِيكُ بْنُ أَوْسٍ الأَنْصَارِيُّ [٣] يَقُولُ: (لَقَدْ نَظَرْتُ إِلَى قَتْلِ كِنْدَةَ فَلَمْ أُشَبِّهْهُمْ إِلا بِقَتْلِ قُرَيْظَةَ/ يوم قتلهم النبي ﵌ . [٤١ أ] قَالَ: ثُمَّ جَمَعَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ مَنْ بَقِيَ مِنْ بَقَايَا مُلُوكِ كِنْدَةَ، وَهُمْ ثَمَانُونَ رَجُلا، فَصَفَّدَهُمْ فِي الْحَدِيدِ، وَوَجَّهَ بِهِمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَأَنْشَأَ الْمُهَاجِرُ بن أمية يقول:
стр. 205
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- هلَّا وَقَفْتَ بِرَبْعِ سَلْمَى الْمُقْفِرِ ... فَسَأَلْتَ عَنْ خَوْدٍ كِعَابٍ مُعْصِرِ [١]
٢- مَمْلُوءَةِ السَّاقَيْنِ طَاوِيَةِ الْحَشَا ... وَفْرَانَةٍ [٢] مِثْلَ الْغَزَالِ الأَحْوَرِ
٣- بَانُوا بِهَا فَدُمُوعُ عَيْنِكَ بَعْدَهَا ... مِثْلُ الْجُمَانِ بِخَدِّكَ الْمُتَحَدِّرِ
٤- دَعْ ذِكْرَ خَوْدٍ وَجَمَالٍ أَرْوَعٍ [٣] ... تَسْبِي الْقُلُوبَ بِنُورِ وَجْهٍ مُقْمِرِ
٥- وَاذْكُرْ وَقَائِعَ حَضْرَمَوْتَ فَإِنَّهَا ... تَشْفِي غَلِيلَ الْهَائِمِ الْمُتَحَيِّرِ
٦- إِذْ نَحْنُ نجزر بالسّيوف رؤوسهم ... وَالْخَيْلُ تَعْثُرُ بِالْقَنَا الْمُتَكَسِّرِ
٧- وَمُلُوكُ كِنْدَةَ فِي الْهَيَاجِ كَأَنَّهُمْ ... أُسْدُ الْعَرِينِ لَدَى الْعَجَاجِ الأَكْدَرِ
٨- يَمْشُونَ فِي الْحِلَقِ الْمُضَاعَفِ بِالْقَنَا ... وَبِكُلِّ صَافِي الشَّفْرَتَيْنِ مُكَدَّرِ
٩- كَمْ فَارِسٍ مِنَّا هُنَاكَ وَمِنْهُمُ ... تَحْتَ الْعَجَاجَةِ فِي الثَّرَى لَمْ يُقْبَرِ
١٠- وَلَنِعْمَ فُرْسَانُ الْكَرِيهَةِ فِي الْوَغَى ... كَانُوا وَنِعْمَ ذَوُو [٤] السَّنَا وَالْمَفْخَرِ
١١- كَانُوا الْمُلُوكَ عَلَى [٥] الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا ... بِتَسَلُّطٍ وَتَكَبُّرٍ وَتَجَبُّرِ
١٢- فَالْبَغْيُ أَوْرَدَهُمْ فَأَصْبَحَ جَمْعُهُمْ ... فِي مَعْرَكٍ مِثْلِ الْهَشِيمِ الْمُحْضَرِ
قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى بِالأُسَارَى حَتَّى أُدْخِلُوا الْمَدِينَةَ، فَأُوقِفُوا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَلَمَّا نَظَرَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: (الْحَمْدُ للَّه الَّذِي أَمْكَنَ مِنْكَ يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ) ، قَالَ الأَشْعَثُ: (لَعَمْرِي لَقْد أَمْكَنَكَ اللَّهُ مِنِّي، وَبَعْدُ فَإِنَّ قَوْمِي أَطَاعُونِي مُخَالِفًا، وَعَصَوْنِي مُحَارِبًا، وَقَدْ كَانَ مِنِّي مَا كان من غيري،
стр. 206
وَذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَكَ زِيَادًا قَتَلَ قَوْمِي ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، فَكَانَ مِنِّي مَا قَدْ عَلِمْتَ) . قَالَ:
فَوَثَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: (يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، هَذَا الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، قَدْ كَانَ مسلما وآمن بالنبي ﵌، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، وَحَجَّ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَغَيَّرَ وَبَدَّلَ، وَمَنَعَ الزكاة، وقد قال البني ﵌: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» [١] ، وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكَ فِيهِ، فَاقْتُلْهُ فَدَمُهُ حَلالٌ) . فَقَالَ الأَشْعَثُ: (يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، إِنِّي مَا غَيَّرْتُ وَلا بَدَّلْتُ وَلا شَحَحْتُ عَلَى مَالٍ، وَلَكِنَّ عَامِلَكَ زِيَادًا جَارَ عَلَى قَوْمِي، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَنْ لا ذَنْبَ لَهُ، فَأَنِفْتُ لِذَلِكَ، وَانْتَصَرْتُ لِقَوْمِي فَقَاتَلْتُهُ، وَقَدْ كَانَ مِنِّي مَا قَدْ كَانَ، فَإِنِّي أَفْدِي نَفْسِي وَهَؤُلاءِ الْمُلُوكَ، وَأُطْلِقُ كُلَّ أَسِيرٍ فِي بِلادِ الْيَمَنِ وَأَكُونُ عَوْنًا لَكَ وَنَاصِرًا مَا بَقِيتُ، عَلَى أَنَّكَ تُزَوِّجَنِي أُمَّ فَرْوَةَ بِنْتَ أَبِي قُحَافَةَ [٢] ، فَإِنِّي لَكَ نِعْمَ الصِّهْرِ، فَهَذَا خَيْرٌ مِمَّا يَقُولُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) .
قَالَ: فَأَطْرَقَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: (إِنِّي قَدْ فَعَلْتُ) .
قَالَ: ثُمَّ أَطْلَقَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مِنْ حَدِيدِهِ، وَأَطْلَقَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ مُلُوكِ كِنْدَةَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَجَلَسَ، وَزَوَّجَهُ أَبُو بَكْرٍ/ ﵁ أخته [أم] فروة بنت [٤١ ب] أَبِي قُحَافَةَ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ غَايَةَ الإِحْسَانِ، وَكَانَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ وَأَرْفَعِهَا، وَيُقَالُ إِنَّ أُمَّ فَرْوَةَ بِنْتَ أَبِي قُحَافَةَ وَلَدَتْ مِنَ الأَشْعَثِ مُحَمَّدَ بْنَ الأَشْعَثِ [٣] ، وَإِسْحَاقَ بْنَ الأَشْعَثِ، وإسماعيل، فأما
стр. 207
إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ فَإِنَّهُمَا قُتِلا فِي أَيَّامِ عَبْدِ الملك ابن مَرْوَانَ فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ، وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ الأَشْعَثِ فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَمَعَ عَلِيٍّ ﵃، وَشَهِدَ مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵈، وَقُتِلَ فِي أَيَّامِ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ [١] ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ [٢] هُوَ الَّذِي خَرَجَ عَلَى الْحَجَّاجِ فِي أَيَّامِ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ [٣] .
قَالَ: وَكَانَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ إِذَا ذَكَرَ قَتْلَى كِنْدَةَ يَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ [٤] .
стр. 208
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- لَعَمْرِي وَمَا عُمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ ... لَقَدْ كُنْتُ بِالْقَتْلَى أَحَقَّ ضَنِينِ [١]
٢- وَإِنْ يَكُ هَذَا الدَّهْرُ فَرَّقَ بَيْنَنَا ... فَمَا الدَّهْرُ عِنْدِي بَعْدَهُمْ بِمَكِينِ [٢]
٣- وَلا غَزْوَ إِلا يَوْمَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ ... فَلَسْتُ لِشَيْءٍ بَعْدَهُمْ بِأَمِينِ [٣]
٤- فَلَيْتَ جُنُوبَ النَّاسِ قَبْلَ جُنُوبِهِمْ ... وَلَمْ يُنْسَ أَنِّي بَعْدَهُمْ بِحَنِينِ [٤]
انْقَضَتْ أَخْبَارُ الرِّدَّةِ عَنْ آخِرِهَا بِحَمْدِ اللَّهِ وَمِنَّتِهِ وَحُسْنِ تَيْسِيرِهِ وَعَوْنِهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ [٥] .
نُبْذَةٌ فِي ذِكْرِ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيِّ، وَهُوَ أَوَّلُ الْفُتُوحِ بَعْدَ قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الأَعْثَمِ الْكُوفِيِّ
[٦] .
قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مِنْ حُرُوبِ الرِّدَّةِ، عَزَمَ عَلَى مُحَارَبَةِ الأَعَاجِمِ مِنَ الْفُرْسِ وَالرُّومِ وَأَصْنَافِ الْكَفَرَةِ [٧] . وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ أَوَّلَ
стр. 209
مَنْ أَلِفَ الْحَرْبَ بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ، وَذَلِكَ أَنَّ رَبِيعَةَ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ وَغَيْرِهِمْ، سَكَنُوا الْعِرَاقَ مِنْ قَحْطٍ أَصَابَهُمْ بِالتَّهَائِمِ وَالْحِجَازِ، فَارْتَحَلَتْ رَبِيعَةُ إِلَى الْعِرَاقِ مِنَ الْقَحْطِ الَّذِي أَصَابَهُمْ، فَأَتَتِ الْجَزِيرَةَ وَسَكَنَتِ الْيَمَامَةَ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ شُعَرَائِهَا [١] :
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- كَانَتْ تِهَامَةُ دَارَنَا حَتَّى إِذَا ... أَزِمَتْ فَأَخْلَفْنَا بِهَا الأَمْطَارُ
٢- سِرْنَا إِلَى كَلإِ الْعِرَاقِ وَرِيفِهِ ... حَتَّى اسْتَقَرَّ بِنَا هُنَاكَ قَرَارُ
٣- الْقَحْطُ سَارَ بِنَا وَخَيَّمَ غَيْرُنَا ... فِيهَا وَلَوْ شَاءَ الْمَسِيرَ لَسَارُوا
٤- سِرْنَا فَقَارَعْنَا الْمُلُوكَ فَقَصَّرُوا ... عَنَّا فأنجد منجد وَأَغَارُوا
قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَتْ رَبِيعَةُ الْعِرَاقَ، بَعَثَ إِلَيْهِمْ كِسْرَى مَلِكُ الْفُرْسِ فَدَعَاهُمْ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ، مَا الَّذِي أَقْدَمَكُمْ إِلَى بَلَدِي، فَقَالُوا: أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَصَابَنَا فِي بَلَدِنَا قَحْطٌ وَجَهْدٌ، فَرَغِبْنَا فِي مُجَاوَرَةِ الْمَلِكِ، وَفَزِعْنَا إِلَى أَرْضِهِ وَالْكَيْنُونَةِ [٢] فِي كَنَفِهِ، وَالاتِّصَالِ بِقُرْبِهِ، فَإِنْ أَذِنَ لَنَا أَقَمْنَا، وَإِلا ارْتَحَلْنَا. فَأَذِنَ لَهُمْ كِسْرَى فِي الْمُقَامِ عَلَى أَنَّهُمْ [٣] لا يُفْسِدُونَ، وَأَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ لَهُ الْجِوَارَ، فَضَمِنُوا لَهُ ذَلِكَ قَالَ: فَنَزَلَ [٤] بَنُو شَيْبَانَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رَبِيعَةَ أَرْضَ الْعِرَاقِ، فَكَانُوا لا يُؤْذُونَ أَحَدًا مِنَ الْفُرْسِ، وَكَذَلِكَ الْفُرْسُ لَمْ يَكُونُوا يُؤْذُونَ [٥] أَحَدًا مِنَ الْعَرَبِ، فَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمُوا.
ثُمَّ إِنَّ الْفُرْسَ جَعَلَتْ تَتَعَدَّى عَلَى الْعَرَبِ وَتُؤْذِيهِمْ غاية الأذى، لسبب
стр. 210
الْمُلْكِ أَنَّهُ فِيهِمْ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ/ حَتَّى وقعت بينهم العداوة والشحناء، فجعل [٤٢ أ] الْمُثَنَّى يُغِيرُ عَلَى أَسَاوِرَةِ الْفُرْسِ مِمَّنْ كَانَ بِنَاحِيَةِ الْكُوفَةِ وَسَوَادِهَا، وَيُؤْذِيهِمْ غَايَةَ الأَذَى، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُتَمَسِّكٌ بِدِينِ الإِسْلامِ.
قَالَ: وَبَلَغَ أَبَا بَكْرٍ فِعَالُهُ وَوَقْعُهُ [١] بِالْفُرْسِ، فَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: (وَيْحَكُمْ، مَنْ هَذَا [الَّذِي] يَأْتِينَا خَبَرُهُ وَوَقَائِعُهُ قَبْلَ مَعْرِفَةِ خَبَرِهِ) ، قَالَ: فَوَثَبَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ وَقَالَ: (يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ غَيْرُ خَامِلِ الذِّكْرِ، وَلا مَجْهُولُ النَّسَبِ، وَلا بِقَلِيلِ الْعَدَدِ وَالْمَدَدِ، هَذَا الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ) .
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَجَعَلَهُ رَئِيسًا عَلَى قَوْمِهِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِخِلْعَةٍ وَلِوَاءٍ، وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ الْفُرْسِ. قَالَ: فَجَعَلَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ يُقَاتِلُ الْفُرْسَ مِنْ نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ وَمَا يَلِيهَا، وَيُغِيرُ عَلَى أَطْرَافِهَا، فَلَمْ يَتْرُكْ لَهُمْ سَارِحَةً وَلا رَائِحَةً إِلا اسْتَاقَهَا، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ حَوْلا كَامِلا أَوْ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ دَعَا بِابْنِ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهُ سُوَيْدُ بْنُ قُطْبَةَ [٢] فَضَمَّ إِلَيْهِ جَيْشًا وَوَجَّهَهُ إِلَى نَحْوِ الْبَصْرَةِ، فَجَعَلَ يُحَارِبُ أَهْلَ الْبَصْرَةِ وَالأُبُلَّةِ [٣] وَمَا يَلِيهِمْ مِنَ الْفُرْسِ.
قَالَ: فَكَانَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ بِنَاحِيَةِ الْكُوفَةِ وَمَا يَلِيهَا، وَسُوَيْدُ بْنُ قُطْبَةَ بِنَاحِيَةِ الْبَصْرَةِ [٤] وَمَا يَلِيهَا، وَهُمَا [٥] يُحَارِبَانِ الْفُرْسَ ولا يفتران من ذلك.
стр. 211
قَالَ: فَتَكَاثَرَتِ الْفُرْسُ عَلَى الْعَرَبِ حَتَّى كَادُوا أَنْ يُنَحُّوهُمْ عَنْهَا. وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ ﵁، فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ وَلَمْ يَدْرِ مَا يَصْنَعُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: (يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، عِنْدِي رَأْيٌ أُشِيرُ بِهِ عَلَيْكَ) ، قَالَ: (وَمَا ذَلِكَ يَا أَبَا حَفْصٍ) ، قَالَ: (هَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَدْ فَتَحَ اللَّهُ الْيَمَامَةَ عَلَى يَدِهِ، وَهُوَ مُقِيمٌ بِهَا، مُصَاهِرٌ لِبَنِي حَنِيفَةَ، فَاكْتُبْ إِلَيْهِ وَمُرْهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ حَتَّى يَطَأَ لَكَ الْفُرْسَ بِخَيْلِهِ وَرَجْلِهِ مَعَ الْمُثَنَّى بْنِ الْحَارِثَةِ وَأَصْحَابِهِ، فَلَعَلَّ اللَّهَ ﵎ يَكْفِيكَ بِهِ أَمْرَ الْفُرْسِ) . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: (هَذَا لَعَمْرِي رَأْيٌ) .
قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عثمان خليفة رسول الله ﵌، إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، أَمَّا بَعْدُ، فَالْحَمْدُ للَّه الَّذِي أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَصَدَقَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ أَوْلِيَاءَهُ، وَأَذَلَّ أَعْدَاءَهُ، وَأَظْهَرَ دِينَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، وَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَعْدًا لا خُلْفَ فِيهِ، وَقَوْلا لا رَيْبَ فِيهِ، وَقَدْ فَرَضَ الْجِهَادَ عَلَى عِبَادِهِ فَرْضًا مَفْرُوضًا، فَقَالَ ﵎: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى [١] أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَالله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ٢: ٢١٦ [٢] . وَقَدْ أَخْبَرَنَا الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ مُحَمَّدٌ ﵌:
(أَنَّ الشُّهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحْشَرُونَ وَسُيُوفُهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ، وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخُبُ دَمًا، فَلا يَتَمَنَّوْنَ عَلَى اللَّهِ شَيْئًا إِلا أَعْطَاهُمْ إِيَّاهُ حَتَّى يُوَفَّوْا أَمَانِيهِمْ، وَمَا لَمْ يَخْطُرْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، فَمَا مِنْ شَيْءٍ يَتَمَنَّاهُ الشُّهَدَاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلا أَنْ يُرَدُّوا إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْرَضُوا بِالْمَقَارِيضِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، لِعِلْمِهِمْ ثَوَابَ اللَّهِ) [٣] ، فَثِقُوا عِبَادَ اللَّهِ بِمَوْعُودِ اللَّهِ وَأَطِيعُوهُ فِيمَا فَرَضَ عَلَيْكُمْ، وَارْغَبُوا فِي الْجِهَادِ رَحِمَكُمُ الله، وإن [٤٢ ب] عظمت فيه المؤونة، وبعدت فيه الشقة، وفجعتم فيه بالأموال/ والأنفس
стр. 212
وَالأَوْلادِ، انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٩: ٤١ [١] ، أَلا وَإِنِّي قَدْ أَمَرْتُ ابْنَ الْوَلِيدِ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ لِيَلْحِقَ بِالْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ، فَيَكُونُ لَهُ عَوْنًا عَلَى مُحَارَبَةِ الْفُرْسِ، وَلا يَبْرَحُهَا حَتَّى يَأْتِيَهُ أَمْرِي، فَسِيرُوا مَعَهُ رَحِمَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَثَاقَلُوا [٢] عَنِ الْمَسِيرِ فَإِنَّهُ سَبِيلٌ يُعْظِمُ اللَّهُ فِيهِ الأَجْرَ وَالثَّوَابَ، وَيَزِيدُ فِيهِ الْحَسَنَاتِ لِمَنْ حَسُنَتْ بِالْجِهَادِ نِيَّتُهُ، وَعَظُمَتْ فِي الْخَيْرِ رَغْبَتُهُ، كَفَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمُ الْمُهِمَّ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ وَالسَّلامُ) .
قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِكِتَابِهِ هَذَا مَعَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، وَقَالَ: (يَا أَبَا سَعِيدٍ، انْظُرْ لا تُفَارِقْ خَالِدًا حَتَّى تُشَيِّعَهُ إِلَى الْعِرَاقِ، وَقُلْ لَهُ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ: أَنِ امْضِ إِلَى الْعِرَاقِ فَإِنَّ بِهَا قَوْمًا [٣] مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ الأَعَاجِمَ، وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ شَيْبَانَ، وَلَهُمْ بَأْسٌ وَجَلَدٌ وَشَرَفٌ وَعَدَدٌ، فَإِنِ اتّصَلْتَ بِهِمْ عَلَى الأَعَاجِمِ رَجَوْتُ أَنْ يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْكَ الْعِرَاقَ، وَإِنِ احْتَجْتُ إِلَيْكَ فِي وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ فَحَوَّلْتُكَ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى غَيْرِهَا كُنْتَ أَنْتَ الأَمِيرَ مِنْ دُونِهِ وَالسَّلامُ) .
قَالَ: وَسَارَ أَبُو سَعِيدٍ بِالْكِتَابِ حَتَّى قَدِمَ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بِالْيَمَامَةِ، فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ قَالَ: (يَا أَبَا سَعِيدٍ، إِنَّ هَذَا الرَّأْيَ لَيْسَ مِنْ رَأْيِ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُحَوِّلَنِي إِلَى الْعِرَاقِ) [٤] .
قَالَ: فَأَدَّى إِلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ رِسَالَتَهُ الَّتِي حَمَلَهَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَطَابَتْ نَفْسُهُ لِذَلِكَ، ثُمَّ نَادَى فِي أَصْحَابِهِ، فَجَمَعَهُمْ ثُمَّ خَطَبَهُمْ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِمُ. [٥] الْكِتَابَ وَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَذَا كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، قَدْ وَرَدَ عَلَيْنَا يَحُضُّنَا فِيهِ عَلَى طَاعَةِ رَبِّنَا، وَجِهَادِ عَدُوِّنَا، فَإِنَّ بِالْجِهَادِ أَعَزَّ اللَّهُ
стр. 213
دَعْوَتَنَا، وَجَمَعَ أُلْفَتَنَا وَكَلِمَتَنَا، وَأَمَّنَ أَمْنَنَا، وَالْحَمْدُ للَّه رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَلا وَإِنِّي خَارِجٌ مِنَ الْيَمَامَةِ، وَسَائِرٌ غَدًا نَحْوَ الْعِرَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّه، مَنْ أَرَادَ الْغَنِيمَةَ فِي الْعَاجِلَةِ، وَالْمَغْفِرَةَ فِي الآجِلَةِ، فَلْيَعْزِمْ لِلْمَسِيرِ، فَإِنِّي رَاحِلٌ) .
فَقَالَ النَّاسُ: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
قَالَ: ثُمَّ انْكَمَشَ [١] خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَخَرَجَ مِنَ الْيَمَامَةِ يُرِيدُ الْعِرَاقَ، فَسَارَ بَيْنَ يَدَيْهِ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ التَّمِيمِيُّ وَهُوَ يَقُولُ [٢] :
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- مَنْ مُبْلِغٌ قَيْسًا وَخِنْدِفَ [٣] أَنَّنَا ... عَزَمَ الإِلَهُ لَنَا وَدِينِ مُحَمَّدِ
٢- كُلُّ امْرِئٍ جَلْدِ النَّحِيزَةِ [٤] مَاجِدٍ ... لا يَطْمَئِنُّ فُؤَادُهُ فِي الْمَرْقَدِ
٣- ضَخْمِ الدَّسِيعَةِ [٥] شَدْقَمِيٍّ حَازِمٍ ... لا يَسْتَطِيرُ سَوَادُهُ فِي الْمَشْهَدِ
٤- قَادَ الْجِيَادَ مِنَ الْيَمَامَةِ قَاصِدًا ... سَلِسٌ قَلائِدُهَا تَرُوحُ وَتَغْتَدِي
٥- تَهْوِي إِذَا طَلَعَ النُّجُومُ صُدُورُهَا ... ببنات نعش أو تصير الْفَرْقَدِ
٦- يَخْبِطْنَ [٦] بِالأَيْدِي حَيَاضِيَ عَيْلَمٍ [٧] ... وِرْدًا لَعَمْرُ أَبِيكَ غَيْرَ مُصَرَّدِ
٧- حَتَّى رَأَى أَهْلُ الْيَمَامَةِ فِعْلَهُ ... يَوْمَ الْهَيَاجِ أَشَمَّ غَيْرَ مُعَرَّدِ [٨]
٨- فَأَجَادَ قَلْبٌ جَامِعٌ وَعَزِيمَةٌ ... لَيْسَتْ بِمِثْلِ عَزِيمَةِ الْمُتَلَدِّدِ [٩]
стр. 214
٩- فَامْضِ فَإِنَّكَ بَلْ هُنَالِكَ ضَيْغَمٌ ... وَشَبَا سِنَانُكَ جَمْرَةُ الْمُتَوَقِّدِ
١٠- وَانْفُذْ فإنَّك لَوْ حَلَلْتَ بِدُومَةٍ ... فِي رَأْسِ ذُرْوَتِهَا إِذَا لَمْ تَزْدَدِ
١١- فَارْمِ [١] الأَعَاجِمَ إِذْ سَمَوْتَ لِجَمْعِهِمْ ... بِفَوَارِسٍ نِيرَانُهَا لَمْ تَخْمَدِ
١٢- فَعَلَى يَدَيْكَ بِإِذْنِ رَبِّكَ فُتِّحَتْ ... أَبْوَابُهَا وَفَكَكْتَ كُلَّ مُقَيَّدِ
قَالَ: وَسَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يُرِيدُ الْعِرَاقَ، وَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ ﵀ [٢] :
(أَمَّا بَعْدُ، يَا مُثَنَّى، فَإِنِّي وَجَّهْتُ إِلَيْكَ بِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَاسْتَقْبِلْهُ بِجَمِيعِ مَنْ مَعَكَ مِنْ قَوْمِكَ وَعَشِيرَتِكَ، وَسَاعِدْهُ وَوَازِرْهُ وَكَانِفْهُ [٣] وَلا تَعْصِيَنَّ لَهُ أَمْرًا، فَإِنَّهُ مِنَ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً ٤٨: ٢٩ [٤] ، فَانْظُرْ مَا أَقَامَ مَعَكَ بِالْعِرَاقِ فَهُوَ الأَمِيرُ عَلَيْكَ، فَإِذَا شَخَصَ [٥] فَأَنْتَ عَلَى مَا كُنْتَ عليه) . قال: / فورد عليه كتاب [٤٣ أ] أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَلَمَّا قَرَأَهُ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: (هَذَا كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، قَدْ وَرَدَ عَلَيَّ يَأْمُرُنِي أَنْ أَسْتَقْبِلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَلَسْتُ أَدْرِي عَلَى أَيِّ طَرِيقٍ يَقْدُمُ فَأَسْتَقْبِلُهُ، وَلَكِنْ عَلَيْنَا أَنْ لا نَنْحَازَ [٦] مِنْ بَيْنِ يَدَيْ هَؤُلاءِ الْعَجَمِ فَيَطْمَعُوا [٧] فِينَا، فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّ خَالِدًا تَقَارَبَ مِنَّا اسْتَقْبَلْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّه) .
قَالَ: وَسَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنَ الْيَمَامَةِ حَتَّى صَارَ إلى البصرة، وبها يومئذ
стр. 215
سُوَيْدُ بْنُ قُطْبَةَ السَّدُوسِيُّ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَدْ وَافَاهُ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَرِحَ لِذَلِكَ وَاشْتَدَّ ظَهْرُهُ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي عَمِّهِ، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: (يَا سُوَيْدُ، أَيُّ مَوْضِعٍ تَعْلَمُ أَنَّهُ أَعْظَمُ شَوْكَةً لِهَؤُلاءِ الْفُرْسِ فِي هَذِهِ النَّاحِيَةِ) ، فَقَالَ: (أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ، مَا أَتَّقِي إِلا مِنْ أَهْلِ الأُبُلَّةِ، فَإِنَّهُمْ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ) ، فَقَالَ خَالِدٌ: (لا عَلَيْكَ يَا سُوَيْدُ، فَإِنَّهُمْ عَلِمُوا بِنُزُولِي هَذَا الْبَلَدَ غَيْرَ أَنِّي رَاحِلٌ عَنْكَ إِلَى الْبَادِيَةِ فَإِذَا أَنَا رَحَلْتُ فَعَبِّئْ أَصْحَابَكَ وَسِرْ إِلَيْهِمْ وَنَابِذْهُمُ الْحَرْبَ، فَإِنَّهُمْ سَيَطْمَعُونَ فِيكَ، فَإِذَا الْتَحَمَ الأَمْرُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَإِنِّي رَاجِعٌ عَلَيْهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّه) .
قَالَ: ثُمَّ نَادَى خَالِدٌ فِي أَصْحَابِهِ فَرَحَلَ مِنَ الْبَصْرَةِ كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْبَادِيَةَ، وَعَلِمَتِ الْفُرْسُ بِذَلِكَ فَطَمِعُوا فِي سُوَيْدِ بْنِ قُطْبَةَ وَعَزَمُوا عَلَى أَنْ يُصَبِّحُوهُ بِالْحَرْبِ. قَالَ: وَرَجَعَ خَالِدٌ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتَّى صَارَ إِلَى سُوَيْدٍ، فَكَمُنَ أَصْحَابُهُ بَيْنَ النَّخِيلِ، وَالْفُرْسُ لا تَعْلَمُ بِذَلِكَ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ سُوَيْدٌ عَبَّأَ أَصْحَابَهُ فَسَارَ نَحْوَ الأُبُلَّةِ، وَعَلِمَ الْفُرْسُ بِذَلِكَ فَخَرَجُوا إِلَيْهِ كَمَا كَانُوا يَخْرُجُونَ مِنْ قَبْلُ، فَلَمَّا اخْتَلَطَ الْقَوْمُ واشتبك [- ت] الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، خَرَجَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَنَظَرَتِ الْفُرْسُ إِلَى الْخَيْلِ قَدْ خَرَجَتْ عَلَيْهِمْ، فَوَلَّوُا الأَدْبَارَ، فَأَخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ، فَقُتِلَ منهم زيادة على أربعة ألف، وَغَرِقَ فِي الأَنْهَارِ مِنْهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ، وَفَرَّ الْبَاقُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ مَفْلُوتِينَ قَدْ قَطَعَ اللَّهُ دَابِرَهُمْ وَأَلْقَى الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ.
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ خَالِدٌ إِلَى سُوَيْدِ بْنِ قُطْبَةَ فَقَالَ لَهُ: (أَبْشِرْ يَا سُوَيْدُ، فَإِنَّا قَدْ عَرَكْنَاهُمْ عَرْكَةً لا يَزَالُونَ [١] هَائِبِينَ وَمِنْكَ خَائِفِينَ مَا أَقَمْتَ بِهَذَا الْبَلَدِ) .
قَالَ: وَسَارَ خَالِدٌ مِنَ الْبَصْرَةِ يُرِيدُ الْكُوفَةَ، فَأَخَذَ عَلَى جَادَةِ مَكَّةَ، فَصَارَ إِلَى الْحقَّيْنِ ثُمَّ إِلَى الدُّجَيْلِ، ثُمَّ إلى الشّجا والخرجاء [٢] ..............
следующие страницы →