← История

История · id 12222

كتاب الردة للواقدي

الواقدي

Полный текст (224 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٣- بَذَلُوا النُّفُوسَ وَقَاسَمُوا أَمْوَالَهُمْ ... فَلَنَا دِيَارٌ مِنْهُمُ وعقار/ [٥ أ] ٤- زلفوا بسعد للخلافة بعد ما ... صَغَتِ الْقُلُوبُ وَزَاغَتِ الأَبْصَارُ ٥- يَا سَعْدُ سَعْدُ بَنِي عُبَادَةَ خَلِّهَا ... عَفْوًا وَلا يَكُ حَظَّكَ الإِكْثَارُ ٦- إنَّ الَّتِي مَنَّتْكَ نَفْسُكَ خَالِيًا ... عَارٌ عَلَيْكَ وَفِي مُنَاكَ بَوَارُ ٧- إِنَّ الْخِلافَةَ فِي قُرَيْشٍ دُونَكُمْ ... وَلَكُمْ مَحِلٌّ بَيْنِنَا وَالدَّارُ ٨- وَإِلَيْكُمُ كَانَ الْمَهَاجَرُ وَالَّذِي ... سَبَقَتْ إِلَيْهِ الأَوْسُ وَالنَّجَّارُ [١] ٩- وَالْخَزْرَجِيُّونَ الَّذِينَ رِمَاحُهُمْ ... سُمُّ الْعَدُوِّ وَفِيهِمُ الأَخْيَارُ ١٠- وَهُمُ الْحُمَاةُ إِذَا الْحُرُوبُ تَضَرَّمَتْ ... وَهُمُ الْكُفَاةُ السَّادَةُ الأَحْرَارُ [٢] قَالَ: فَازْدَحَمَ النَّاسُ بِالْبَيْعَةِ عَلَى أبي بكر، حتى كادوا أن يطأوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بِأَرْجُلِهِمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا هَؤُلاءِ، اتَّقُوا سَعْدًا فَإِنَّهُ عَلِيلٌ، شَدِيدُ الْعِلَّةِ، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يَقُولُ [٣] : (مِنَ الْكَامِلِ) ١- شُكْرًا لِمَنْ هُوَ بِالثَّنَاءِ حَقِيقٌ ... ذَهَبَ اللَّجَاجُ وَبُويِعَ الصِّدِّيقُ ٢- مِنْ بَعْدِ مَا دَحَضَتْ بِسَعْدٍ فِعْلَةٌ ... وَرَجَا رَجَاءً دُونَهُ الْعَيُّوقُ ٣- حَفَّتْ بِهِ الأَنْصَارُ عَاصِبَ رَأْسِهِ ... فَنَهَاهُمُ [٤] الصِّدِّيقُ وَالْفَارُوقُ ٤- وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَالَّذِينَ إِلَيْهِمُ ... نَفْسُ الْمُؤَمِّلِ لِلْبَقَاءِ تَتُوقُ ٥- فَتَدَارَكُوهَا بِالصَّوَابِ فَبَايَعُوا ... شَيْخًا لَهُ فِي رَأْيِهِ تَحْقِيقُ ٦- مِنْ بَعْدِ مَا نَظَمُوا لسعد أمره ... لم يخط مثل خطاهم [٥] مخلوق

стр. 37

٧- إِنَّ الْخِلافَةَ فِي قُرَيْشٍ مَا لَهُمْ ... فِيهَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ تَفْرُوقُ [١] قَالَ: وَأَقْبَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ [٢] ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنَّكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ والنصرة، فو الله لا يُنْكَرُ لَكُمْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِيكُمْ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَلا عُثْمَانَ وَلا أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْكُمْ أَنْ تُسَوُّوا فِي الْفَضْلِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْكُمْ، فقال له زيد بن الأرقم الأنصاري: يا ابن عَوْفٍ، إِنَّا لا نُنْكِرُ فَضْلَ مَنْ ذَكَرْتَ، وَإِنَّ مِنَّا لَسَيِّدَ الْخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، وَمِنَّا سَيِّدَ الأَوْسِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ (الَّذِي) اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِهِ، وَمِنَّا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ [٣] أَقْرَأُ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَجِيءُ إِمَامَ الْعُلَمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ [٤] ، وَمِنَّا أفرض أهل دهره زيد بن

стр. 38

ثَابِتٍ [١] ، وَمِنَّا مَنْ حَمَتْهُ الدُّبُرُ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ [٢] ، وَمِنَّا غَسِيلَ الْمَلائِكَةِ حَنْظَلَةَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ [٣] ، وَمِنَّا مَنْ أَمْضَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَتَيْنِ خُزَيْمَةَ بْنَ ثَابِتٍ، وَغَيْرَ هَؤُلاءِ مِمَّنْ لا يَخْفَى عَلَيْكَ أَمْرُهُ مِمَّنْ يَطُولُ عَلَيْنَا ذِكْرُهُمْ وَصَنِيعُهُمْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله ﵌، يا ابن عَوْفٍ، لَوْلا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَغَيْرُهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ اشتغلوا بدفن النبي ﵌ وَبِحُزْنِهِمْ عَلَيْهِ فَجَلَسُوا فِي مَنَازِلِهِمْ، مَا طمع

стр. 39

[٥ ب] فِيهَا مَنْ طَمِعَ، فَانْصَرِفْ/ وَلا تُهِجْ عَلَى أَصْحَابِكَ مَا لا تَقُومُ لَهُ، قَالَ: فَانْصَرَفَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَخَبَّرُه بِمَا كَانَ مِنْ مَقَالَتِهِ لِلأَنْصَارِ، وَبِرَدِّهِمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: لَقَدْ كُنْتَ غَنِيًّا عَنْ هَذَا، أَنْ تَأْتِيَ قَوْمًا قَدْ بَايَعُوا وَسَكَتُوا فَتَذْكُرَ لَهُمْ مَا قَدْ مَضَى. قَالَ: ثُمَّ أَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَلِيٍّ فَدَعَاهُ، فَأَقْبَلَ وَالنَّاسُ حُضُورٌ، فَسَلَّمَ وَجَلَسَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: لِمَ دَعَوْتَنِي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: دَعَوْنَاكَ لِلْبَيْعَةِ الَّتِي قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا هَؤُلاءِ، إِنَّمَا أَخَذْتُمْ هَذَا الأَمْرَ مِنَ الأَنْصَارِ بِالْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وَالْقَرَابَةِ لأَبِي بَكْرٍ ﵁، لأَنَّكُمْ زَعَمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا ﵌ مِنْكُمْ، فَأَعْطُوكُمُ الْمَقَادَةَ وَسَلَّمُوا إِلَيْكُمُ الأَمْرَ، وَأَنَا أَحْتَجُّ عَلَيْكُمْ بِالَّذِي احْتَجَجْتُمْ بِهِ عَلَى الأَنْصَارِ، نَحْنُ أَوْلَى بِمُحَمَّدٍ ﵌ حَيًّا وَمَيِّتًا، لأَنَّا أَهْلُ بَيْتِهِ، وَأَقْرَبُ الْخَلْقِ إِلَيْهِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَخَافُونَ اللَّهَ فَانْصِفُونَا، وَاعْرِفُوا لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ مَا عَرَفَتْهُ لَكُمُ الأَنْصَارُ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: إِنَّكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ لَسْتَ بِمَتْرُوكٍ، أَوْ تُبَايِعُ كَمَا بَايَعَ غَيْرُكَ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: إِذَنْ لا أَقْبَلُ مِنْكَ ولا أبايع من أنا أحق [با] لبيعة [١] مِنْهُ. فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: وَاللَّهِ يَا أَبَا الْحَسَنِ إِنَّك لَحَقِيقٌ لِهَذَا الأَمْرِ لِفَضْلِكَ وَسَابِقَتِكَ وَقَرَابَتِكَ، غَيْرَ أَنَّ النَّاسَ قَدْ بَايَعُوا وَرَضُوا بِهَذَا الشَّيْخِ، فَارْضَ بِمَا رَضِيَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: يَا أَبَا عُبَيْدَةَ [٢] ، أَنْتَ أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، فَإِنَّ هَذَا الْيَوْمَ لَهُ مَا بَعْدَهُ مِنَ الأَيَّامِ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تُخْرِجُوا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ ﵌ مِنْ دَارِهِ وَقَعْرِ بَيْتِهِ، إِلَى دُورِكُمْ وَقُعُورِ بُيُوتِكُمْ، فَفِي بُيُوتِنَا نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَنَحْنُ مَعْدِنُ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالدِّينِ وَالسُّنَّةِ وَالْفَرَائِضِ، وَنَحْنُ أَعْلَمُ بِأُمُورِ الْخَلْقِ مِنْكُمْ، فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى فَيَكُونَ نَصِيبُكُمُ الأَخَسَّ. قَالَ: فَتَكَلَّمَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذَا الْكَلامَ سَمِعَهُ النَّاسُ مِنْكَ قَبْلَ الْبَيْعَةِ لَمَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ رَجُلانِ، ولبايعك

стр. 40

النَّاسُ كُلُّهُمْ، غَيْرَ أَنَّكَ جَلَسْتَ فِي مَنْزِلِكَ وَلَمْ تَشْهَدْ هَذَا الأَمْرَ، فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّ لا حَاجَةَ لَكَ فِيهِ، وَالآنَ فَقَدْ سَبَقَتِ الْبَيْعَةُ لِهَذَا الشَّيْخِ، وَأَنْتَ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكَ، قَالَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَيْحَكَ يَا بَشِيرُ، أَفَكَانَ يَجِبُ أَنْ أَتْرُكَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فِي بَيْتِهِ فَلَمْ أُجِبْهُ إِلَى حُفْرَتِهِ، وَأَخْرُجَ أُنَازِعُ النَّاسَ بِالْخِلافَةِ. قَالَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁/ فَقَالَ: يَا أبا الحسن، إني لو [٦ أ] عَلِمْتُ أَنَّكَ تُنَازِعُنِي فِي هَذَا الأَمْرِ مَا أَرَدْتُهُ وَلا طَلَبْتُهُ، وَقَدْ بَايَعَ النَّاسُ، فَإِنْ بَايَعْتَنِي فَذَلِكَ ظَنِّي بِكَ، وَإِنْ لَمْ تُبَايِعْ فِي وَقْتِكَ هَذَا وَتُحِبُّ أَنْ تَنْظُرَ فِي أَمْرِكَ لَمْ أُكْرِهْكَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفْ رَاشِدًا إِذَا شِئْتَ. قَالَ: فَانْصَرَفَ عَلِيٌّ ﵁ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمْ يُبَايِعْ حَتَّى تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ، ﵂، ثُمَّ بَايَعَ بَعْدَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ لَيْلَةً مِنْ وَفَاتِهَا، وَقِيلَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. فَهَذَا أَكْرَمَكَ اللَّهُ مَا كَانَ مِنْ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَهَذَا رِوَايَةُ [١] الْعُلَمَاءِ، وَلَمْ أُرِدْ أَنْ أكتب هاهنا شَيْئًا مِنْ زِيَادَاتِ الرَّافِضَةِ، فَيَقَعَ هَذَا الْكِتَابُ فِي يَدِ غَيْرِكَ فَتُنْسَبَ أَنْتَ إِلَى أَمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وَاللَّهُ يَقِيكَ. رَجَعْنَا إِلَى مَا كَانَ بَعْدَ السَّقِيفَةِ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، والله الموفق للصواب.

стр. 41

ذِكْرُ أَخْبَارِ الرِّدَّةِ [١] قَالَ الرَّاوِي: ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا اسْتَقَامَ الأَمْرُ لأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، ﵁، وَبَايَعَهُ النَّاسُ، فَقَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ [٢] : أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّنِي قَدْ وَلِيتُكُمْ [٣] وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي، أَلا إِنَّ الصِّدْقَ أَمَانَةٌ، وَالْكَذِبَ خِيَانَةٌ، أَلا وَإِنَّ الضَّعِيفَ عِنْدِي قَوِيٌّ حَتَّى آخُذَ لَهُ الْحَقَّ [٤] ، وَالْقَوِيَّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ مِنْهُ الْحَقَّ، أَلا وَإِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ قَوْمٌ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا ضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالذُّلِّ، وَلَمْ تَشِعِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ إِلا وَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْبَلاءِ، فَأَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ، وَإِذَا عَصَيْتُ فَلا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ [٥] . قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ وَصَلَّى بِالنَّاسِ، وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَيَّامًا قَلائِلَ حَتَّى ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ عَلَى أَعْقَابِهَا كُفَّارًا، فَمِنْهُمْ مَنِ ارْتَدَّ وَادَّعَى النبوة، ومنهم من ارتد ومنع الزكاة.

стр. 42

قَالَ: فَارْتَدَّتْ بَنُو أَسَدٍ وَرَأَّسُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ الأَسَدِيَّ [١] ، وَهُوَ الَّذِي ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي أَرْضِ بَنِي أَسَدٍ، وَارْتَدَّتْ فَزَارَةُ وَرَأَّسُوا عَلَيْهِمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ [٢] ، وَارْتَدَّتْ بَنُو عَامِرٍ وَغَطَفَانُ، وَرَأَّسُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ قُرَّةَ بْنِ سَلَمَةَ الْقُشَيْرِيِّ، وَارْتَدَّتْ بَنُو سُلَيْمٍ وَرَأَّسُوا عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْفُجَاءَةَ بْنَ عَبْدِ يَالِيلَ السُّلَمِيَّ، وَارْتَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَرَأَّسُوا عَلَيْهِمُ امرأة يقال لها سجاح [٣] ،

стр. 43

وَارْتَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ كِنْدَةَ وَرَأَّسُوا عَلَى أَنْفُسِهِمُ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ [١] وَغَيْرَهُ مِنْ مُلُوكِ كِنْدَةَ، وَارْتَدَّتْ بَنُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ بِأَرْضِ الْبَحْرَيْنِ [٢] ، وَرَأَّسُوا عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْحَكَمَ بْنَ زَيْدٍ مِنْ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَاجْتَمَعَتْ بَنُو حَنِيفَةَ إلى مسيلمة الكذاب [٦ ب] بِأَرْضِ الْيَمَامَةِ، فَقَلَّدُوهُ أَمْرَهُمْ وَادَّعَى أَنَّهُ/ نَبِيُّهُمْ. قَالَ: وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ، فَاغْتَمَّ، فَبَادَرَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَنَادَى فِي الْعَرَبِ، فَقَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ أُغْنِي مَا تُغْنُونَ، وَأُحَامِي كَمَا تُحَامُونَ، وَأَنْتُمْ شركائي في هذا الأمر، فهاتوا

стр. 44

مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الرَّأْيِ، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا خليفة رسول الله ﵌، إِنَّ الْعَرَبَ قَدِ ارْتَدَّتْ عَلَى أَعْقَابِهَا كُفَّارًا كَمَا قَدْ عَلِمْتَ، وَأَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُنْفِذَ جَيْشَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ [١] ، وَفِي جَيْشِ أُسَامَةَ جَمَاهِيرُ الْعَرَبِ وَأَبْطَالُهُمْ، فَلَوْ حَبَسْتَهُ عِنْدَكَ لَقَوِيتَ بِهِ عَلَى مَنِ ارْتَدَّتْ مِنْ هَؤُلاءِ الْعَرَبِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ السِّبَاعَ تَأْكُلُنِي فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ لأَنْفَذْتُ جَيْشَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، كَمَا قال النبي ﵌: (امْضُوا جَيْشَ أُسَامَةَ) [٢] ، قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ الله لَنا ٩: ٥١ [٣] ، وَأَمَّا مَنِ ارْتَدَّتْ مِنْ هَؤُلاءِ الْعَرَبِ، فَمِنْهُمْ مَنْ لا يُصَلِّي وَقَدْ كَفَرَ بِالصَّلاةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي وَقَدْ مَنَعَ الزَّكَاةَ، وَلا وَاللَّهِ يَا أَبَا حَفْصٍ مَا أُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ لأَنَّهُمَا مَقْرُونَتَانِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، فَلَوْ أَغْمَضْتَ وَتَجَافَيْتَ عَنْ زَكَاةِ هَؤُلاءِ الْعَرَبِ فِي عَامِكَ هَذَا وَرَفَقْتَ بِهِمْ، لَرَجَوْتُ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْ مَا هُمْ عَلَيْهِ، فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ كَانَ يَقُولُ: أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ الناسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إلهَ إِلا اللَّهُ وَإِنِّي محمدٌ رسولُ اللَّهِ، فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا منِّي دماءَهم وأموالَهم إِلا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله) [٤] .

стр. 45

قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي مِنَ الزَّكَاةِ عِقَالا مِمَّا كَانَ يَأْخُذُ مِنْهُمُ النَّبِيُّ ﵌ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ أَبَدًا وَلَوْ مَا حَيِيتُ، ثُمَّ لنحاربنَّهم أَبَدًا حَتَّى يُنْجِزَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَيَفِيَ لَنَا عَهْدَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ [١] وَقَوْلُهُ صِدْقٌ لا يُخْلَفُ لَهُ: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ٢٤: ٥٥ [٢] . قَالَ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، إِنَّمَا قْد شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَكَ لِقِتَالِ الْقَوْمِ، فَسَمْعٌ وَطَاعَةٌ. قَالَ: وَتَتَابَعَ النَّاسُ عَلَى رَأْيِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَنْشَأَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ [٣] : (مِنَ الْكَامِلِ) ١- عُمَرٌ رَأَى وَاللَّهُ بَالِغُ أَمْرِهِ ... رَأْيًا فَخَالَفَ رَأْيَهُ الصِّدِّيقُ ٢- إِذْ قَالَ غَمِّضْ فِي الْهُدَى إِغْمَاضَةً ... وَارْفُقْ فَإِنَّكَ فِي الأُمُورِ رَفِيقُ ٣- وَتَجَافَ عَنْ أَمْوَالِهِمْ فَأَبَى لَهُ ... إِلا قِتَالُ عَدُوِّهِ التَّوْفِيقُ ٤- إِنَّ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ نُفُوسُنَا ... فِي الْحَادِثَاتِ مِنَ الْحُرُوبِ تَتُوقُ ٥- قَوْلُ الْخَلِيفَةِ قَاتِلُوا أَعْدَاءَكُمْ ... إِنَّ الدَّنِيَّةَ رَدَّةُ التَّعْوِيقِ [٤] ٦- وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُوا عِقَالا وَاحِدًا ... أَوْ فَاتَ مما عنده تفروق [٥]

стр. 46

٧- لَرَمَيْتُ قَوْمًا بِالْقَبَائِلِ وَالْقَنَا/ ... مَنَعُوا الزَّكَاةَ وإنَّني لمحوق [١] [٧ أ] ٨- بِقِتَالِهِمْ فِي قِلَّةٍ أَوْ كَثْرَةٍ ... مَا دَامَ لِلسَّهْمِ الْمُرَيَّشِ فُوقُ ٩- أَعْظِمْ بِنِعْمَتِهِ عَلَيْنَا نِعْمَةً ... فيها لحرب عدوّنا مسبوق

стр. 47

ذِكْرُ خُرُوجِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ مُعَسْكِرٌ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ: امْضِ رَحِمَكَ اللَّهُ لِوَجْهِكَ الَّذِي أمرك به النبي ﵌ وَلا تُقَصِّرْ فِي أُمُورِكَ، وَإِذَا رَأَيْتَ أَنْ تَأْذَنَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِالْمُقَامِ عِنْدِي، فَإِنِّي أَسْتَأْنِسُ بِهِ وَأَسْتَعِينُ بِرَأْيِهِ، قَالَ أُسَامَةُ: قَدْ فَعَلْتُ. وَسَارَ أُسَامَةُ فِي جَيْشِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﵌ بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَلْقَ هُنَاكَ أَحَدًا مِنَ الْكُفَّارِ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَبُو بَكْرٍ ﵁، قَدْ عَزَمَ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَالْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَنْهَوْنَهُ عَنْ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، نَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ لا تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِكَ، فَقَدْ عَرَفْتَ حَالَ النَّاسِ، فَإِنْ هَلَكْتَ فَهُوَ هَلاكُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ [١] وَأَقِمْ أَنْتَ فِي الْمَدِينَةِ، فَلْيَقْدُمْ عَلَيْكَ من عمان، واكتب إلى أبان بن

стр. 48

سَعِيدٍ [١] يَقْدُمُ عَلَيْكَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، وَاجْمَعْ إِلَيْكَ الْعَسَاكِرَ ثُمَّ ضُمَّهُمْ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَوْ مِنَ الأَنْصَارِ تَكُونُ قَدْ عَرَفْتَهُ بِالْبَأْسِ [٢] وَالشِّدَّةِ، فَوَجِّهْهُ إِلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ الْمُرْتَدَّةِ، فَعَسَى اللَّهُ ﵎ أَنْ يَنْصُرَكَ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ، فَعِنْدَهَا كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِعُمَانَ، قَدْ كَانَ ولّاه النبي ﵌، قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ ﵁، أَقْبَلَ عَلَى أَهْلِ عُمَانَ فَقَالَ: (يَا هَؤُلاءِ، إِنَّكُمْ قَدْ علمتم أن النبي ﵌ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ عَامِلا وَأَمِيرًا وَدَاعِيًا، فَقَبِلْتُمُ الأَمْرَ وَأَجَبْتُمْ إِلَى الإِسْلامِ، وَكُنْتُمْ عَلَى مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ تُوُفِّيَ رسول الله ﵌، وَقَدْ قَامَ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، وَمَنْ أَطَاعَ النَّبِيَّ ﵌ حَيًّا، فَيَجِبُ أَنْ يُطِيعَهُ مَيِّتًا، وَقَدْ حَدَثَتْ هَذِهِ الرِّدَّةُ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ سَيُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَرُدَّهُمْ إِلَى دِينِ الإِسْلامِ، وَهَذَا كِتَابُهُ أَتَى يَأْمُرُنِي بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَمَا الَّذِي عِنْدَكُمْ مِنَ الرَّأْيِ) ، فَوَثَبَ إِلَيْهِ أَبُو صُفْرَةَ، وَاسْمُهُ ظَالِمُ بْنُ سَرَّاقٍ [٣] ، فَقَالَ: (يَا عَمْرُو، إِنَّا نُطِيعُكَ الْيَوْمَ بِطَاعَةِ أَمْسِ، وَنُطِيعُكَ غَدًا بِطَاعَةِ الْيَوْمَ، وَلا عَصَيْنَا مَنْ أَرْسَلَكَ إِلَيْنَا، وَالسَّلامُ) . قَالَ: ثُمَّ وَثَبَ إِلَيْهِ عَبَّادُ بْنُ الْجَلَنْدِيِّ [٤] ، فَقَالَ: (يَا عَمْرُو، إِنَّ الْخِيَارَ ليس إلينا، ولكن

стр. 49

الْخِيَارَ للَّه وَلِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﵌، وَقَدْ كَانَ اخْتَارَكَ وَأَرْسَلَكَ إِلَيْنَا، وَطَاعَتُهُ مَيِّتًا كَطَاعَتِهِ حَيًّا، لَسْنَا نَكْرَهُ مُقَامَكَ وَالأَمْرُ إليك، والسلام) . [٧ ب] ثُمَّ وَثَبَ جَعْفَرُ بْنُ خَيْثَمٍ، فَقَالَ: / (يَا عَمْرُو، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ أَرْسَلَكَ إِلَيْنَا فَدَعَوْتَنَا فَأَجَبْنَاكَ، فَإِنْ يَكُنِ الرَّسُولُ قَدْ مَاتَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، فَإِنْ أَقَمْتَ عِنْدَنَا أَطَعْنَاكَ، وَإِنْ شِئْتَ الْمَسِيرَ خَفَرْنَاكَ وَالسَّلامُ) . فَقَالَ عَمْرٌو: (جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ تَكَلَّمْتُمْ وَأَحْسَنْتُمْ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تَخْفِرُونِي) ، فَقَالُوا: (نَفْعَلُ ذَلِكَ) . فَتَجَهَّزَ عَمْرٌو، وَخَرَجَ مَعَهُ أَبُو صُفْرَةَ ظَالِمُ بْنُ سَرَّاقٍ، وَجُفَيْرُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الْجَلْنَدِيِّ فِي سَبْعِينَ فَارِسًا مِنْ وُجُوهِ أَهْلِ عُمَانَ، فَأَنْشَأَ عُقْبَةُ بْنُ النُّعْمَانِ الْعَتَكِيُّ [١] يَقُولُ فِي ذَلِكَ [٢] : (مِنَ الطَّوِيلِ) ١- وَفَيْنَا لِعَمْرٍو يَوْمَ عَمْرٍو كَأَنَّهُ ... طَرِيدٌ نَفَتْهُ [٣] مَذْحِجٌ وَالسَّكَاسِكُ [٤] ٢- رَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ أَعْظِمْ بِحَقِّهِ ... عَلَيْنَا وَمَنْ لا يَعْرِفِ الحقّ هالك

стр. 50

٣- رَدَدْنَاهُ لَمْ يُشْتُمْ لُؤَيُّ بْنُ غَالِبٍ ... بِهِ الآنَ إِذْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَسَالِكُ ٤- تَضَمَّنَهُ مِنَّا عِبَادٌ وَجَيْفَرٌ [١] ... وَظَالِمٌ الْمُودِي [٢] إِلَيْهِ الصَّعَالِكُ ٥- فَأَصْبَحَ عَمْرٌو بِالْمَدِينَةِ سَالِمًا ... يُقَهْقِهُ مَزْجِيًّا [٣] عَلَيْهِ الأَرَامِكُ [٤] ٦- وَنَحْنُ أُنَاسٌ يَأْمَنُ الْجَارُ وَسْطَنَا ... إِذَا كَانَ يَوْمٌ كَاسِفُ الشَّمْسِ حَالِكُ [٥] ٧- بِذَلِك أَوْصَى نِسْوَةُ الْخَيْرِ قَوْمَهُ [٦] ... وَعِمْرَانُ وَالْحَامِي الْحَقِيقَةَ مَالِكُ قَالَ: وَقَدْ مَدَحَهُمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ حَيْثُ يَقُولُ [٧] : (مِنَ الطَّوِيلِ) ١- أَقُولُ وَحَوْلِي آلُ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ ... جَزَى اللَّهُ عَنِّي الأَزْدَ خَيْرَ جَزَاءِ ٢- أَتَيْتُ عُمَانًا [٨] وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ ... وَلَيْسَتْ بِأَرْضٍ لِي وَلا بِسَمَاءِ ٣- فَحَيَّ هَلا [٩] بِالأَزْدِ أَرْبَابِ نِعْمَةٍ ... وَأَهْلِ حِبَاءٍ صَادِقٍ وَوَفَاءِ ٤- تَضَمَّنَنِي مِنْهُمْ عِبَادٌ وَجَيْفَرٌ ... وَظَالِمٌ الدَّاعِي لِكُلِّ علاء

стр. 51

٥- أَتَيْتُ [١] إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ سَالِمًا ... أُجَرْجِرُ فِيهَا مِئْزَرِي وَرِدَائِي ٦- عَلَى حِينِ أَنْ جَاشَتْ مَعَدُّ بِرِدَّةٍ ... وَأَوْبَاشُ هَذَا الْحَيِّ حَيِّ ضِبَاءِ [٢] ٧- فَمَا بَيْنَنَا إِلا سُيُوفٌ وَتَارَةً ... بِهَسْمٍ [٣] وَأْشَطَانِ الْجُزُورِ ظِمَاءِ ٨- مُقَرَّبَةُ الآجَالِ مِنَّا وَمِنْهُمُ ... عَلَى كُلِّ حَالٍ لَيْسَ ذَا بِخَفَاءِ ٩- تَدُورُ رَحَا الآجَالِ فِينَا وَفِيهِمُ ... بِدَوْرِ فَنَاءٍ أَوْ بِدَوْرِ بَقَاءِ قَالَ: وَقَدْ قَدِمَ الْقَوْمُ الْمَدِينَةَ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَسَلَّمُوا عليه، ثم أخذوا بضبع [٤] عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَقَالُوا: (يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَيَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا أَمِيرُنَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ الَّذِي وَجَّهَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، وَنَحْنُ لَهُ شَاكِرُونَ، وَهَذِهِ أَمَانَةٌ قَدْ كَانَتْ فِي أَعْنَاقِنَا، وَوَدِيعَةٌ كَانَتْ عِنْدَنَا، وَقَدْ تَبَرَّأْنَا مِنْهَا إِلَيْكُمْ، وَالسَّلامُ) . قَالَ: فَأَثْنَى أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ ثَنَاءً حسنا، وجزوهم [٨ أ] خيرا. فأنشأ رجل من قريش يقول [٥] : / (من الخفيف)

стр. 52

١- يا عبادا ويا بن سَارِقِ الْخَيْرِ ... يَا جُفَيْرُ بْنَ جِفْرٍ خَيْرَ هُمَامِ ٢- قُمْتُمْ بِالَّذِي بُشِّرَ بِهَا الأَزْدُ ... وَقَدْ كُنْتُمْ بِذَا مَعَ الإِسْلامِ ٣- وَرَدَدْتُمْ [١] عَمْرًا وَقَدْ رجع النا ... س عَنِ الدِّينِ فِعْلَ قَوْمٍ كِرَامِ ٤- يَمَنِيُّونَ وَالأَمَانَةُ في الأز ... د وَوَشْكُ الْقِرَى وَحُسْنِ الْكَلامِ ٥- وَبِحُسْنِ الْجِوَارِ قَدْ فضل النا ... س وَمَنْعِ الْحِمَى وَقَتْلِ الْحَمَامِ ٦- سِرْتُمْ لِلْوَفَاءِ خَيْرَ مَسِيرٍ ... نَظَرًا فِي عَوَاقِبِ الأَيَّامِ ٧- مِنْ عُمَانَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَالنَّا ... سُ يَمْرُجُونَ [٢] فِي الْعَمَى وَالظَّلامِ ٨- بِرَسُولِ النَّبِيِّ إِذْ عَظُمَ الْخَطْ ... بُ وَخَفَتْ طَوَامِنُ الأَحْلامِ [٣] ٩- قُلْتُمْ إِذْ أَتَى الْمَدِينَةَ يا عم- ... رو قَضَيْنَا الذِّمَامَ بَعْدَ الذِّمَامِ ١٠- فَعَلَيْكَ السَّلامُ مَا هبّت الري- ... ح وَمَا نَاحَ فَاقِدَاتُ الْحِمَامِ ١١- قَدْ قَضَيْنَا [٤] حَقَّ الْمَسِيرِ إِلَيْهِ ... وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ حَقَّ الذِّمَامِ قَالَ: وَسُرَّ الْمُسْلِمُونَ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁، بِقُدُومِ عَمْرٍو عَلَيْهِمْ، قَالَ: وَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى أَبَانِ بْنِ سَعِيدٍ [٥] يَسْتَقْدِمُهُ مِنْ أَرْضِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﵌ وَجَّهَهُ إِلَيْهَا أَمِيرًا، فَلَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ نَادَى فِي أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ فَجَمَعَهُمْ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ: (قَدْ عَلِمْتُمْ [أَنَّ] [٦] أَهْلَ عُمَانَ قَدْ وَفَّوْا لِصَاحِبِهِمْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ، قَالَ: فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنْ سَادَاتِ عَبْدِ الْقَيْسِ يُقَالُ لَهُ الْجَارُودُ بْنُ المعلَّى [٧] ، فَقَالَ: (يَا أَبَانُ، قَدْ عَلِمْتَ بِأَنَّ إسلامنا كان طوعا بلا

стр. 53

قِتَالٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ فِينَا: وَلَهُ أَسْلَمَ من في السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ٣: ٨٣ [١] ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ حَمَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ صَدَقَاتِ أَمْوَالِنَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَحْمِلَهَا إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَقَمْتَ عِنْدَنَا أَطَعْنَاكَ، وَإِنْ ظَعَنْتَ عَنَّا خَفَرْنَاكَ) . قَالَ: ثُمَّ وَثَبَ إِلَيْهِ هَرِمُ بْنُ حَيَّانَ الْعَبْدِيُّ [٢] ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ شَيْخُ عَبْدِ الْقَيْسِ وَأَسَنُّهَا فَقَالَ: (يَا أَبَانُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَثَّرَ بِالإِسْلامِ عَدَدَنَا، وَشَدَّ بِهِ قُلُوبَنَا وَأَلْسِنَتَنَا، فَلَسْنَا نَخَافُ أَعْدَاءَنَا مِنَ النَّاسِ، وَقَدْ أَبَيْتَ الْمُقَامَ بِأَرْضِنَا، فَإِنْ كَانَ أَوْحَشَكَ مِنَّا شَيْءٌ أَمَنَّاكَ مِنْهُ، وَإِنْ خَشِيتَ أَنْ تَعْجِزَ عَنْ وُلايَتِنَا أَعَنَّاكَ بِأَنْفُسِنَا، وَإِذَا أَرَدْتَ خَيْرًا مِمَّا أَنْتَ فِيهِ بَذَلْنَا لَكَ أَمْوَالَنَا) . ثُمَّ وَثَبَ إِلَيْهِ الْمُنْذِرُ بْنُ عَائِذٍ الْعَبْدِيُّ [٣] ، وَهُوَ الَّذِي سَوَّدَهُ النبي ﵌ على

стр. 54

وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، حِينَ وَفَدُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: (يَا أَبَانُ، إِنَّ مُقَامَكَ عِنْدَنَا خَيْرٌ لَكَ ولنا، ولو كنت تريد مقامك لنفسك لا تبعنا هَوَاكَ، وَلَكِنَّا نُرِيدُكَ لأَنْفُسِنَا، وَفِي خُرُوجِكَ عَنَّا مَعْصِيَةٌ لإِمَامِكَ وَعَيْبٌ عَلَيْنَا، فَإِنْ أَبَيْتَ إِلا الْخُرُوجَ عَنَّا فَغَيْرُ مَأْمُورٍ وَلا مَطْرُودٍ) . فَقَالَ أَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ: (جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا معشر عبد القيس، فو الله مَا رَأَيْتُ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ إِلا وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِيكُمْ وَلَوْ/ أَقَمْتُ عِنْدَكُمْ لَعَلِمْتُ [١] [٨ ب] أَنَّكُمْ تَمْنَعُونِي مَا تَمْنَعُونَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ، وَهَذَا كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ ﵁، قَدْ وَرَدَ عَلَيَّ، وَاللُّحُوقُ بِهِ وَاجِبٌ، فَإِنَّهُ قَدْ حَدَثَتْ هَذِهِ الرِّدَّةُ، وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ يَدًا مِنْ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا) . فَأَجَابَهُ الْقَوْمُ إِلَى ذَلِكَ، وَخَرَجَ أَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، وَمَعَهُ هَرِمُ بْنُ حَيَّانَ، وَأَخُوهُ صَبَاحُ بْنُ حَيَّانَ وَجَارُودُ بْنُ الْمُعَلَّى، وَالأَشَجُّ بْنُ عَائِذٍ [٢] ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَوَّارٍ [٣] ، وَالْحَارِثُ بن مرة. قال: فخرج معه هؤلاء القوم فِي ثَلاثِينَ فَارِسًا [مِنْ] سَادَاتِ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَأَنْشَأَ أَبَانٌ يَقُولُ [٤] : (مِنْ مَجُزوءِ الرَّمَلِ) ١- جُزِيَ الْجَارُودُ خَيْرًا [٥] ... عَنْ أَبَانِ بْنِ سَعِيدِ ٢- وَصَبَاحٌ وأخوه ... هرم خير عميد [٦]

стр. 55

٣- وأشجّ القوم ذو السُّوء ... دد وَالرَّأْيِ السَّدِيدِ [١] ٤- وَجُزِيَ الْحَارِثُ مِنْ بَعْ ... دِ جزاء بمزيد ٥- وابن سوّار فنعم المر ... ء فِي الْعَامِ الشَّدِيدِ [٢] ٦- أَسْلَمُوا طَوْعًا وَكَفُّوا ... كُلَّ شيطان مريد [٣] ٧- ووفوا بالعهد والذّ ... مة وَالأَمْرِ الْحَمِيدِ ٨- سَوْفَ تَأْتِيهِمْ مُنَاهُمْ [٤] ... مِنْ قَرِيبٍ وَبَعِيدِ ٩- إِنَّ مَا [٥] أَخْلَقَ مِنِّي ... مِنْ ثَنَاءٍ لَجَدِيدِ قَالَ: وَسَارَ الْقَوْمُ مَعَ أَبَانٍ حَتَّى أَوْرَدُوهُ الْمَدِينَةَ سَالِمًا، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ يَقُولُ فِي ذَلِكَ: (مِنَ الطَّوِيلِ) ١- أَتَانَا أَبَانٌ وَالْخُطُوبُ كَثِيرَةٌ ... أَمِيرًا فَقُلْنَا مَرْحَبًا بِأَبَانِ ٢- رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ أَعْظِمْ بِحَقِّهِ ... عَلَى كُلِّ عَدْنَانٍ وَكُلِّ يَمَانِ ٣- أَطَعْنَا فَلَمْ نَعْصِ أَبَانَا قِلامَةَ [٦] ... وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَّا أَذًى بِلِسَانِ ٤- وَكُنَّا لَهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ يُرِيدُهُ ... كَأَنَّا رَضِيعًا ثَدْيَ أُمِّ أَبَانِ [٧] ٥- فَلَمَّا أَتَى نَعْيُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ... تَخَّوَنُهُ رَيْبٌ مِنَ الْحَدَثَانِ ٦- أَمَرْنَا أَبَانًا بِالْمُقَامِ مَكَانَهُ ... عَلَى ثِقَةٍ مِنْ أَمْرِهِ وَبَيَانِ ٧- وَقُلْنَا لَهُ الْبَحْرَيْنَ أَرْضٌ مضيئةٌ ... بِهَا الدِّينُ والدنيا وأيّ أوان

стр. 56

٨- وَمَا جَارُ عَبْدِ الْقَيْسِ فِيهِمْ بِمُسْلِمٍ ... يَدُ الدَّهْرِ مَا أَوْفَتْ هِضَابُ عِدَانِ [١] ٩- فَلَمَّا أَبَى إِلا اللِّحَاقَ بِقَوْمِهِ ... سَنَنَّا لَهُ مَا سَنَّ أَهْلُ عُمَانِ ١٠- تَضَمَّنَهُ مِنَّا ثَلاثُونَ رَاكِبًا ... إِلَى قَوْمِهِ وَالنَّاسُ أَهْلِ سِنَانِ قَالَ: وَلَمَّا قَدِمَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، مع أَبَانِ بْنِ سَعِيدٍ، أَثْنَى عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَالْمُسْلِمُونَ ثَنَاءً حَسَنًا، قَالَ أَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ: وَاللَّهِ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، مَا فَارَقْتُ الْقَوْمَ وَخَرَجْتُ لِشَيْءٍ كَرِهْتُهُ مِنْهُمْ، وَإِنَّهُمْ عَلَى دِينِ الإِسْلامِ، مَا غَيَّرُوا وَلا بَدَّلُوا، وَلَقْد عَرَضُوا عَلَيَّ الْمُقَامَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَيَّ كِتَابُكَ فَأَجَبْتُكَ طَائِعًا، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ عَلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ. قَالَ: وَجَعَلَ النَّاسُ يَجْتَمِعُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَيَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ، وَإِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ. قَالَ: وَهَمَّتْ قَبَائِلُ طَيِّءٍ أَنْ يَرْتَدُّوا عَنْ دِينِ الإسلام، فقام/ سيدهم [٩ أ] عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ [٢] ، فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ طَيِّءٍ، إِنَّكُمْ إِنْ أَقَمْتُمْ عَلَى دِينِ الإِسْلامِ أَصَبْتُمُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ، وَإِنْ رَجَعْتُمْ عَنْهُ خَسِرْتُمُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ، وَاسْتَغْنَى اللَّهُ عَنْكُمْ، وَعَلِمْتُمْ أَنَّ الله ﵎ قد قبض نبيكم محمد ﵌، وهذا خليفته

стр. 57

قَدْ قَامَ بِأَمْرِهِ فِي أُمَّتِهِ، فَوَفِّرُوا عَلَيْهِ صَدَقَاتِكُمْ وَلا تَمْنَعُوهَا، فَإِنَّ مَنْعَهَا يَمْحَقُ الْمَالَ وَيُقَرِّبُ الأَجَلَ، وَخِفُّوا إِلَى قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ مِنْ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ وَفَزَارَةَ، فَإِنَّ الْخَلِيفَةَ قَدْ عَزَمَ عَلَى غَزْوِهِمْ، فَإِنَّهُمْ أَقْيَالُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَشُجْعَانُهُمْ فِي الإِسْلامِ، وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ أَمْسِ، وَالسَّلامُ) . قَالَ: ثُمَّ أَنْشَأَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ يَقُولُ: (مِنَ الطَّوِيلِ) ١- أَلا إنَّ هَذَا الدِّينَ أَصْبَحَ أَهْلُهُ ... عَلَى مِثْلِ حَدِّ السَّيْفِ بَعْدَ مُحَمَّدِ ٢- وَلا ذَاكَ مِنْ ذُلٍّ وَلا مِنْ مَخَافَةٍ ... عَلَى الدِّينِ وَالدُّنْيَا لإِنْجَازِ مَوْعِدِ ٣- وَلَكِنْ أُصِبْنَا بِالنَّبِيِّ فَلَيْلُنَا ... طَوِيلٌ كَلَيْلِ الأَرْمَدِ الْمُتَلَدِّدِ [١] ٤- وَإِنَّا وَإِنْ جَاشَتْ فَزارَةُ كُلُّهَا ... وَذِبْيَانُ فِي مَوْجٍ مِنَ الْبَحْرِ مُزْبِدِ ٥- وَأَجْرَى لَهُمْ فِيهَا ذُيُولَ غُرُورِهِ ... طُلَيْحَةُ مَأْوَى كُلِّ غَاوٍ وَمُلْحِدِ ٦- نُغَادِرُهُمْ بِالْخَيْلِ حَتَّى نُقِيمَهُمْ ... بِصُمِّ الْعَوَالِي وَالصَّفِيحِ الْمُهَنَّدِ ٧- وَحَتَّى يُقِرُّوا بِالنُّبُوَّةِ أَنَّهَا ... مِنَ اللَّهِ حَقٌّ وَالْكِتَابِ لأَحْمَدِ ٨- وَقَدْ سَرَّنِي مِنْكُمْ مَعَاشِرَ طَيِّءٍ ... حِمَايَةَ هَذَا الدِّينِ مِنْ كُلِّ مُعْتَدِ ٩- وَبَيْعَكُمْ أَمْوَالِكُمْ وَنُفُوسِكُمْ ... رَجَاءَ الَّذِي يَجْزِي بِهِ اللَّهُ فِي غَدِ ١٠- وَإِعْطَاؤُكُمْ مَا كَانَ مِنْ صَدَقَاتِكُمْ ... بِغَيْرِ جِهَادٍ مِنْ لِسَانٍ وَلا يَدِ قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَى شِعْرُهُ وَثَبَ زَيْدُ الخيل الطائي [٢] ، فقال: (يا معشر طيء،

стр. 58

اعْلَمُوا أَنَّكُمْ فِي مِثْلِ الإِكْلِيلِ مِنْ مُضَرَ، وَأَقْرَبُ الْقَوْمِ إِلَيْكُمْ [١] أَسَدٌ وَغَطَفَانُ، وَقَدْ كُنْتُمْ شُجْعَانَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ بَرِئَ اللَّهُ مِنْهُمْ لِرُجُوعِهِمْ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ، وَمَنْعِهِمُ الزَّكَاةِ، وَهَذَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَقَدْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يُوَجِّهَ إِلَيْهِمْ بِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ [٢] فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَكُونُوا سَيْفَهُ الْقَاطِعَ، وَرُمْحَهُ النَّافِذَ، وَسَهْمَهُ الصَّائِبَ) . فَأَجَابَتْهُ قَبَائِلُ طَيِّءٍ إِلَى جَمِيعِ مَا أَحَبَّ، فَأَنْشَدَ زَيْدُ الْخَيْلِ يَقُولُ [٣] : (مِنَ الطَّوِيلِ) ١- أَبَى اللَّهُ مَا تَخْشِينَ [٤] أُخْتَ بَنِي نَصْرٍ ... فَقَدْ قَامَ بِالأَمْرِ الْجَلِيِّ أَبُو بَكْرِ ٢- نَجِيُّ رَسُولِ اللَّهِ فِي الْغَارِ وَحْدَهُ [٥] ... وَصَاحِبُهُ الصِّدِّيقُ فِي مُعْظَمِ الأَمْرِ ٣- أُمَامَةُ إِنَّ الْقَوْمَ عُمُّوا بِفِتْنَةٍ ... تَكُونُ عليهم مثل راغية البكر [٦]

стр. 59

٤- بَنُو أَسَدٍ مِنْ بَعْدِ ذُبْيَانَ رَدَّهُمْ ... طُلَيْحَةُ مِنْ بَعْدِ الضَّلالِ إِلَى الْكُفْرِ ٥- فَقُلْ لِبَنِي بَدْرٍ إِذَا مَا لَقِيتَهُمْ ... مَتَى كُنْتُمُ الأَذْنَابَ آلَ بَنِي بَدْرِ [١] ٦- فَإِنْ تَمْنَعُوا حَقَّ الزَّكَاةِ وَتَتْرُكُوا ... صَلاةً وَفِي هَاتَيْنِ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ ٧- فَنَحْنُ لأَجْلابِ الْحَوَادِثِ عُرْضَةٌ ... وَمَا مِثْلُنَا حَيٌّ عَلَى العسر واليسر [٩ ب] ٨- نُقَاتِلُكُمْ فِي اللَّهِ حَتَّى نُقِيمَكُمْ/ ... بِصُمِّ الْعَوَالِي وَالْمُهَنَّدَةِ السُّمْرِ ٩- وَحَتَّى يَقُولُوا إِنَّمَا كانَ.... ............... ...... [٢] قَالَ: وَجَمَعَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ وَزَيْدُ الْخَيْلِ مَا كَانَ قِبَلَهُمَا مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا، حَتَّى قَدِمَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، قَالَ: وَفَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لِكَثْرَةِ مَا رَأَوْا مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَظَنُّوا أَنَّهُ عَسْكَرٌ وَرَدٌّ عَلَيْهِمْ، قَالَ: ثُمَّ تَقَدَّمَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ حَتَّى سَلَّمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَقَالَ: (يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، هَلْ تَعْرِفُنِي) ، قَالَ: (نَعَمْ، أَنْتَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الَّذِي أَسْلَمْتَ إِذْ كَفَرُوا، وَأَقْبَلْتَ حِينَ أَدْبَرُوا، وَأَوْفَيْتَ إِذْ غَدَرُوا، وَقَدْ عَرَفْتُكَ وَعَرَفْتُ صَاحِبَكَ زَيْدَ الْخَيْلِ، وَلَوْ لَمْ أَعْرِفْكُمَا لَكَانَ اللَّهُ يُعَرِّفُكُمَا) . فَقَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: (يا خليفة رسول الله ﵌، إِنَّا أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَأَطَعْنَاكَ بِطَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَهَذِهِ قَبَائِلُ طَيِّءٍ قَدْ أَتَيْنَاكَ بِهَا، ونحن خارجون إلى قتال أهل الردة إذا أَنْتَ عَزَمْتَ عَلَى ذَلِكَ، وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) ١٨: ٣٩. قَالَ: فَدَعَا لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ بِخَيْرٍ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمَا ثَنَاءً حَسَنًا. ثُمَّ تَقَدَّمَ فَتًى من آل طيء، فأنشأ يقول [٣] :

стр. 60

(مِنَ الطَّوِيلِ) ١- وَفَيْنَا وَفَاءً لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ [١] ... وَسَرْبَلَنَا مَجْدًا عَدِيُّ بْنُ حَاتِمِ ٢- وَقَدْ كَانَ زَيْدُ الْخَيْلِ فِيهَا ابْنَ حُرَّةٍ ... عَدُوًّا لِمَنْ عَادَى وَسَلْمُ الْمُسَالِمِ ٣- أَفَاءَا عَلَى الصِّدِّيقِ أَنْعَامَ طَيِّءٍ ... بَصِيرَانِ بِالْعُلْيَا وَكَسْبِ الْمَكَارِمِ ٤- وَإِنَّ لَنَا قَوْلَ النَّصِيحَيْنِ بِالَّتِي ... تُخْبِرُهَا الرُّكْبَانُ أَهْلَ الْمَوَاسِمِ ٥- أَلا إِنَّ هَذَا الدِّينَ للَّهِ طَاعَةٌ ... فَأَلْقُوا إِلَى مَنْ شَاءَكُمْ بِالْجَرَائِمِ ٦- وَمَالِكٌ بُعْدًا لِلتَّمِيمِيِّ مَالِكٍ [٢] ... وَصَاحِبَةِ قَيْسِ الظَّلُومِ بْنِ عَاصِمِ [٣] ٧- وَلا مَا أَتَى الْبَدْرِيُّ [٤] فِيهَا وَقَوْمُهُ ... عُيَيْنَةُ ذَاكَ الرَّأْيِ رَأْيُ الْغَشَائِمِ ٨- تَمَادَوْا وَكَانُوا فِي ظُنُونٍ كَثِيرَةٍ ... مَتَى تَكْشِفُوهَا تَقْرَعُوا سِنَّ نَادِمِ ٩- فَلَمَّا أَتَاهُمْ خَالِدٌ فِي جُمُوعِهِ ... تَنَادَوْا وَعَضُّوا عِنْدَهَا بِالأَبَاهِمِ ١٠- وَصَارُوا جَمِيعًا فِي اللِّقَاءِ فَكُلُّهُمْ ... أَحَادِيثَ طَسْمٍ [٥] أَوْ كَأَضْغَاثِ حَالِمِ قَالَ: وَأَقْبَلَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ [٦] التَّمِيمِيُّ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بني سعد، فقال:

стр. 61

(يَا مَعْشَرَ بَنِي زَيْدِ مَنَاةَ، إِنَّ نَبِيَّنَا ﵇ قَدْ مَضَى لِسَبِيلِهِ، وَهَذَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ قَدْ قَامَ بِالأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ، وَقَدْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يُوَجِّهَ بِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى مَنِ ارْتَدَّ عَنْ هَذَا الدِّينِ وَمَنَعَ الزَّكَاةَ، وَقَدْ بَلَغَكُمْ مَا كَانَ مِنْ بَنِي آلِ طَيِّءٍ، وَكَيْفَ أَجَابُوهُ إِلَى الْحَقِّ، وَأَدَّوُا الزَّكَاةَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَلا تَسْفِكُوا دِمَاءَكُمْ، وَلا تَرُدُّوا عَلَيَّ كَلامِي، فَإِنِّي لَكُمْ نَاصِحٌ) . فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ: (يَا هَذَا، نَحْنُ وَاللَّهِ أَوْلَى بِصَدَقَاتِنَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ جَمَعْنَاهَا إِلَيْكَ، وَدَفَعْنَاهَا لِتَمْضِيَ بِهَا إِلَى مُحَمَّدٍ ﵌، وَالآنَ قَدْ مَضَى لِسَبِيلِهِ، فَرُدَّ صَدَقَاتِنَا) . فَغَضِبَ الزِّبْرِقَانُ/ بْنُ بَدْرٍ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: (بِئْسَ مَا ظَنَنْتُمْ يَا بَنِي تَمِيمٍ، إِنِّي أَرُدُّ هَذِهِ [١] الإِبِلَ، لأَنَّنِي إِنَّمَا قَبَضْتُهَا للَّه وَفِي حَقِّ اللَّهِ ، وَالَّذِي وَجَبَتْ عَلَيْكُمْ مِنْ زَكَاةِ أَمْوَالِكُمْ، وَاللَّهِ لا رَدَدْتُهَا عَلَيْكُمْ أَبَدًا، وَلأَمْضِيَنَّ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَاصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ) . قَالَ: ثُمَّ أَنْشَأَ الزِّبْرِقَانُ يَقُولُ [٢] : (مِنَ الطَّوِيلِ) ١- لَقَدْ عَلِمَتْ قَيْسٌ وخندف [٣] أَنَّنِي ... وَفَيْتُ إِذَا مَا فَارِسُ الْحَرْبِ أَحْجَمَا ٢- أَتَيْتُ الَّتِي قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهَا ... إِذَا ذُكِرَتْ كَانَتْ أَعَفَّ وَأَكْرَمَا ٣- فَزَوَّجْتُهَا مِنْ آلِ حرْقٍ وَأَصْبَحَتْ ... تُثِيرُ بِأَيْدِيهَا الْحَصَى قَدْ تَحَطَّمَا [٤]

стр. 62

٤- وَقَالَ رِجَالٌ خَلِّ عَنْ صَدَقَاتِنَا ... فَقُلْتُ نَعَمْ تِلْكَ الَّتِي تُورِثُ الْعَمَى ٥- أَأَقْبِضُهَا للَّه ثُمَّ أَرُدُّهَا ... إِلَيْكُمُ جَهِلْتُمْ فِي الْمَقَالِ وَبِئْسَمَا ٦- ظَنَنْتُمْ بَنِي سَعْدِ بْنِ زَيْدٍ وَلَمْ يَقُمْ ... عَلَيْنَا مَعَ الأَشْيَاخِ فِي الْحَيِّ مَأْثَمَا ٧- أَبَى اللَّهُ لي ثم أشقى بردّها [١] ... إِّيكم وَلَمْ تَشْقَوْا وَلَمْ أَشْقَ عَلَقْمَا ٨- وَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا عَنْ عَدُوِّكُمْ ... رَجَعْتُ إِذَا مَا الْقُرْبُ حَوْلِي تَجَسَّمَا ٩- وَإِنِّي لأَسْتَحْيِي لِبَدْرٍ وَشَيْخِهِ [٢] ... عَلَى كُلِّ حَالٍ أَنْ يُذَمَّ وَيُشْتَمَا قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ [٣] بِزَكَاةِ قَوْمِهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁. قَالَ: وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ كُلَّمَا قَدِمَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْ سَادَاتِ قَوْمِهِ يَقْبِضُ مِنْهُ الزَّكَاةَ، وَيَضُمُّهُ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، حَتَّى صَارَ خَالِدٌ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ. قَالَ: ثُمَّ وَلَّى مَسْعُودًا [٤] عَلَى حِفْظِ الْمَدِينَةِ وَحِرَاسَتِهَا، وَأَمَرَهُ أَلا يَتْرُكَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ وَلا يَدْنُوَ مِنْهَا. قَالَ: وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ بِالْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى ضَرَبَ عَسْكَرَهُ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ (الْجُرْفُ) [٥] ، قَالَ: ثُمَّ دَعَا أَبُو بَكْرٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ﵄، فعقد

стр. 63

لَهُ عَقْدًا، وَضَمَّ إِلَيْهِ الْجَيْشَ، ثُمَّ قَالَ: (يَا خَالِدُ [١] ، سِرْ نَحْوَ طُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ الأَسَدِيِّ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَغَطَفَانَ وَفَزَارَةَ، وَانْظُرْ إِذَا وَصَلْتَ إِلَى الْقَوْمِ وَنَزَلْتَ بِدِيَارِهِمْ وَسَمِعْتَ أَذَانًا، فَلا تُقَاتِلَنَّ أَحَدًا حَتَّى تَعْذِرَ إِلَيْهِمْ وَتُنْذِرَهُمْ، ثُمَّ دَسِّسْ إِلَى أُمَرَائِهِمْ وَأَشْرَافِهِمْ فَأَعْطِهِمْ مِنَ الْمَالِ عَلَى أَقْدَارِهِمْ، وَانْظُرْ إِذَا وَافَيْتَهُمْ، فَلا تَنْزِلَنَّ بِهِمْ نَهَارًا فَيَرَوْا عَسْكَرَكَ، وَيَعْلَمُوا مَا فِيهِ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ انْزِلْ بِهِمْ لَيْلا عِنْدَ وَقْتِ نَوْمِهِمْ، ثُمَّ ارْعُوا إِبِلَكُمْ وَحَرِّكُوا أَسْلِحَتَكُمْ، وَهَوِّلُوا عَلَيْهِمْ مَا قَدَرْتُمْ، وَإِنْ أَظْفَرَكُمُ اللَّهُ بِطُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَسِرْ نَحْوَ الْبِطَاحِ [٢] مِنْ أَرْضِ تَمِيمٍ، إِلَى مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ [٣] وَأَصْحَابِهِ (وَلَعَلِّي) [٤] آتِيكَ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى إِنْ قَدَرْنَا عَلَى ذَلِكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّه الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ) . فَقَالَ خَالِدٌ: (يَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِذَا أَنَا وَافَيْتُ الْقَوْمَ، فَإِلَى مَا أَدْعُوهُمْ؟) قَالَ: (ادْعُوهُمْ إِلَى عَشْرِ خِصَالٍ، شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شريك له، وأن

стр. 64

مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، / وَالنَّهْيِ عن المنكر، والطاعة، والجماعة) . [١٠ ب] قَالَ: ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ ﵁ [١] : (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ عبد الله بن عثمان خليفة رسول الله ﵌، إِلَى جَمِيعِ مَنْ قُرِئَ عَلَيْهِ كِتَابِي هَذَا، مِنْ خَاصٍّ وَعَامٍّ، أَقَامَ عَلَى إِسْلامِهِ، أَوْ رَجَعَ عَنْهُ، سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَرَجَعَ مِنَ الضَّلالَةِ وَالرَّدَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ٩: ٣٣ [٢] ، ولِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ ٣٦: ٧٠ [٣] ، يَهْدِي اللَّهُ مَنْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ، وَضَرَبَ بِالْحَقِّ مَنْ أَدْبَرَ عَنْهُ وَتَوَلَّى، أَلا إِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأَدْعُوكُمْ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ نبيكم محمد ﵌، فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ باللَّه فَهُوَ ضَالٌّ، وَمَنْ لَمْ يُؤَمِّنْهُ اللَّهُ فَهُوَ خَائِفٌ، وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْهُ اللَّهُ فَهُوَ ضَائِعٌ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ فَهُوَ كَاذِبٌ، وَمَنْ لَمْ يُسْعِدْهُ فَهُوَ شَقِيٌّ، وَمَنْ لَمْ يَرْزُقْهُ فَهُوَ مَحْرُومٌ، وَمَنْ لَمْ يَنْصُرْهُ فَهُوَ مَخْذُولٌ، أَلا فَاهْدُوا بِهُدَى اللَّهِ رَبِّكُمْ، وَبِمَا جَاءَ به نبيكم ﵌، فإنه من يَهْدِ الله فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً ١٨: ١٧ [٤] . وَقَدْ بَلَغَنِي رُجُوعُ مَنْ رَجَعَ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ الإِقْرَارِ بِالإِسْلامِ، وَالْعَمَلِ بِشَرَائِعِهِ، اغْتِرَارًا باللَّه، ، وَجَهَالَةً بِأَمْرِهِ، وَطَاعَةً لِلشَّيْطَانِ، والشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ، فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا من أَصْحابِ السَّعِيرِ ٣٥: ٦ [٥] ، وَبَعْدُ، فَقَدْ وَجَّهْتُ إِلَيْكُمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فِي جَيْشِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَأَمَرْتُهُ أَنْ لا يُقَاتِلَ أَحَدًا حَتَّى يَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ ، وَيَعْذِرُ إِلَيْهِ وَيُنْذِرُ، فَمَنْ دَخَلَ فِي الطَّاعَةِ وَسَارَعَ إِلَى الْجَمَاعَةِ، وَرَجَعَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى مَا كَانَ يَعْرِفُ مِنْ دِينِ الإِسْلامِ، ثُمَّ تَابَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَمِلَ صَالِحًا، قبل الله منه

стр. 65

ذَلِكَ، وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَبَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الإِسْلامِ بَعْدَ أَنْ يَدْعُوَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَيَعْذِرَ إِلَيْهِ، فَقَدْ أَمَرْتُهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ أَشَدَّ الْقِتَالِ، بِنَفْسِهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَنْصَارِ دِينِ اللَّهِ وَأَعْوَانِهِ، لا يَتْرُك أَحَدًا قَدَرَ عَلَيْهِ إِلا أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ إِحْرَاقًا، وَيَسْبِي الذَّرَارِيَّ وَالنِّسَاءَ، وَيَأْخُذَ الأَمْوَالَ، فَقَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ، وَالسَّلامُ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّه الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ) . قَالَ: ثُمَّ طَوَى الْكِتَابَ وَخَتَمَهُ، وَدَفَعَهُ إِلَى خَالِدٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا فِيهِ. قَالَ: فَسَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، يُرِيدُ طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ الأَسَدِيَّ وَأَصْحَابَهُ. قَالَ: وَمَعَ خَالِدٍ يَوْمَئِذٍ جَمَاعَةٌ مِنْ [١١ أ] بَنِي أَسَدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَم/ يَرْتَدُّوا، وَكَتَبَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ ضِرَارُ بْنُ الأَزْوَرِ [١] إِلَى بَنِي عَمِّهِ بَنِي أَسَدٍ، بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ: (مِنَ الْمُتَقَارِبِ) ١- بَنِي أَسَدٍ مَا لَكُمْ عَاذِرٌ ... يَرُدُّ عَلَى السَّامِعِ النَّاظِرِ ٢- وَأَعْيَيْتُمُونِي كُلَّ الْعَيَا ... فَتَعْسًا لِجَدِّكُمُ الْغَابِرِ ٣- فَهَلْ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنْ مُخْبِرٍ ... يُخَبِّرُ عَنْ كَاهِنٍ سَاحِرِ ٤- طُلَيْحَةُ أَكَذْبُ مَنْ يَلْمَعُ [٢] ... وَأَشْأَمُ فِي الشُّؤْمِ مِنْ قاشر [٣]

стр. 66

٥- وَأَخْرَجُ مِنْ لُمُعَاتِ الشَّراب [١] ... بِقَفْرٍ وَأَشْقَى مِنَ الْعَاقِرِ ٦- فَمَنْ لانَ مِنْ قَبْلِ حدِّ الظُّبا ... وَمِنْ وَطْأَةِ الخفِّ وَالْحَافِرِ ٧- وَمَنْ لانَ مِنْ قَبْلِ سَبْيِ النِّساء ... وَسَفْكِ الدِّماء مَعَ الْكَافِرِ ٨- كأنّي بكم قد حَوَى جَمْعِكُمْ ... وَجَمْعِ الشُّقاة بَنِي عَامِرِ ٩- وَجَمْعِ الطُّغَاةِ بَنِي فَقْعَسٍ ... وَجَمْعِ الْعُتَاةِ بَنِي دَاهِرِ [٢] قَالَ: وَكَتَبَ أَيْضًا يَزِيدُ بْنُ حُذَيْفَةَ [٣] إِلَى بَنِي عَمِّهِ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ [٤] : (مِنَ الطَّوِيلِ) ١- بَنِي أَسَدٍ مَا فِي طُلَيْحَةَ خَصْلَةٌ ... يُطَاعُ بِهَا يَا قَوْمُ فِي حَيِّ فَقْعَسِ [٥] ٢- فَكَيْفَ بِقَوْمٍ قَلَّدُوهُ أُمُورَهُمْ ... جُدِعْتُمْ بِهَذَا مِنْكُمْ كلَّ مَعْطَسِ [٦]

стр. 67

٣- طُلَيْحَةُ كَذَّابٌ مَتَى يَرَ عَوْرَةً ... يَرْمِهَا وَإِنْ تَنْصَبْ لَهُ الْحَرْبُ يَجْلِسِ ٤- فَلا تَتَّبِعُوهُ إنَّه سَاحِبٌ لَكُمْ [١] ... ذُيُولَ غُرُورٍ بَعْدَهَا يَوْمُ أَنْحَسِ ٥- وَكِيسُوا فإنَّ الْكَيْسَ فِيهِ صَلاحُكُمْ ... وَأَنْ يَحْذَرَ الْكَذَّابُ غَيْرَ الْمُكَيَّسِ [٢] قَالَ: وَلَمْ يَبْقَ مَعَ خَالِدٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُعْرَفُ بِالصَّلاحِ، إِلا كَتَبَ إِلَى قَوْمِهِ، يُحَذِّرُهُمْ مَقْدَمَ [٣] خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَلَيْهِمْ، وَيَعْذِلُهُمْ فِي ارْتِدَادِهِمْ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ. وَآخِرُ مَنْ كَتَبَ إِلَيْهِمْ جَعْوَنَةُ بْنُ مَرْثَدٍ الأَسَدِيُّ [٤] ، بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ [٥] : (مِنَ الطَّوِيلِ) ١- بَنِي أَسَدٍ قَدْ سَاءَنِي مَا فَعَلْتُمُ [٦] ... وَلَيْسَ لِقَوْمٍ حَارَبُوا اللَّهَ مَحْرَمُ ٢- وَأُقْسِمُ بِالرَّحْمَنِ أَنْ قَدْ غَوَيْتُمُ ... بَنِي أَسَدٍ فَاسْتَأْخِرُوا وَتَقَدَّمُوا [٧] ٣- فإنِّي وَإِنْ عِبْتُمْ عَلَيَّ سَفَاهَةً ... حَنِيفٌ عَلَى دِينِ النَّبيِّ وَمُسْلِمِ [٨] ٤- أُجَاهِدُ إِنْ كَانَ الْجِهَادُ غَنِيمَةً ... وللَّه بالأمر المجاهد أعلم [٩]

стр. 68

ذِكْرُ فُجَاءَةَ بْنِ عَبْدِ يَالِيلَ [ ١] قَالَ: وَسَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يُرِيدُ بَنِي أَسَدٍ، فَأَقْبَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، يُقَالُ لَهُ: الْفُجَاءَةُ بْنُ عَبْدِ يَالِيلَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: (يا خليفة رسول الله ﵌، أَنَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، وَعَلَى دِينِ الإِسْلامِ مُنْذُ كُنْتُ، لا غَيَّرْتُ وَلا بَدَّلْتُ، وَقَدْ رَغِبْتُ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تُعِينَنِي بِقُوَّةٍ مِنْ خَيْلٍ وَسِلاحٍ، حَتَّى أُفَرِّقَهُ فِي قَوْمِي، وَبَنِي عَمِّي مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَأَلْحَقَ بِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَأُقَاتِلَ مَعَهُ طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ وَأَصْحَابَهُ) . قَالَ: فَدَفَعَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁، عَشَرَةً مِنَ الْخَيْلِ وَسِلاحًا كَثِيرًا، مِنْ سُيُوفٍ وَرِمَاحٍ وَقِسِيٍّ وَسِهَامٍ، وَوَجَّهَ مَعَهُ عَشَرَةَ نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فَخَرَجَ الْفُجَاءَةُ مِنَ الْمَدِينَةِ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، ثُمَّ تَرَكَ الطَّرِيقَ إِلَى خَالِدٍ، وَعَطَفَ إِلَى دَارِ بَنِي سُلَيْمٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى قَوْمٍ مِنْهُمْ، وَدَعَاهُمْ فَأَجَابُوا، فَعَطَفَهُمْ عَلَى هَؤُلاءِ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ وَجَّهَ بِهِمْ مَعَهُ، فَقَتَلَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُ فَرَّقَ تِلْكَ

стр. 69

الْخَيْلَ وَالسِّلاحَ الَّذِي أَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁، عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ سُفَهَاءِ قَوْمِهِ، ثُمَّ سَارَ، فَجَعَلَ يَقْتُلُ النَّاسَ كُلَّهُمْ [١] ، ولا يبقي على قومه ولا على [١١ ب] غَيْرِهِمْ، وَهُوَ يَقُولُ: / (مِنَ الْوَافِرِ) ١- أَلَمْ تَرَنِي خَدَعْتُ الْقَوْمَ حَتَّى ... قَوِيتُ بِمَا أَخَذْتُ مِنَ السِّلاحِ ٢- وَقُلْتُ لَهُ أَبَا بَكْرٍ أَعِنِّي ... عَلَى مَنْ بِالْبُزَاخَةِ وَالْبِطَاحِ [٢] ٣- وَقُلْتُ لَهُ أُقَاتِلُ مَنْ عَصَاكُمْ ... وَأَنْصُرُكُمْ عَلَى أَهْلِ الْجَنَاحِ [٣] ٤- فَقَوَّانِي بِكُلِّ أَقَبِّ نَهْدٍ ... وَبِيضٍ كَالْعَقَائِقِ والرِّماح [٤] ٥- فَمِلْتُ بِهَا عَلَى الأَقْصَيْنِ قَتْلا ... وَفِي الأَدْنَيْنِ آثَارُ الْجِرَاحِ [٥] ٦- وَلَسْتُ أَرَى عَلَى تَقْتِيلِ قَوْمِي ... وَلا قَتْلِ الأَبَاعِدِ مِنْ جَنَاحِ ٧- سِوَى أنِّي أَقُولُ إِذَا اعْتَرَتْنِي ... هُمُومُ النَّفْسِ مِنْ كُلِّ النَّوَاحِي ٨- سَتَلْقَانِي الْمَنِيَّةُ مُسْتَقِلا ... بِأَوْتَادِ الرِّجَالِ ذَوِي السِّلاح [٦] ٩- وَتِلْكَ سَجِيَّتِي إنِّي وَلُوعٌ ... بِإِيثَارِ الْفَسَادِ عَلَى الصَّلاح [٧]

стр. 70

قَالَ: فَجَعَلَ الْفُجَاءَةُ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ، وَيَلْتَمُّ إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ أَهْلِ الدَّعَارَةِ وَالْفَسَادِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ ﵁، فَأَقْبَلَ عَلَى مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وغَيْرِهِمْ مِنْ قَيْسِ عَيْلانَ [١] ، فَخَبَّرَهُمْ بِمَا صَنَعَ الْفُجَاءَةُ، فَاغْتَمَّ بَنُو سُلَيْمٍ خَاصَّةً غَمًّا شَدِيدًا، وَقَالُوا: (وَاللَّهِ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، لَقَدْ حَدَّثَتْنَا أَنْفُسُنَا بِبَعْضِ ذَلِكَ، وَلَقَدْ قَلَّدَنَا عَدُوُّ اللَّهِ بِفِعَالِهِ عَارًا لا يُغْسَلُ عَنَّا أَبَدًا) . قَالَ: ثُمَّ وَثَبَ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ الْكِلابِيُّ [٢] ، وَكَانَ شَيْخًا مِنْ [بَنِي] كِلابٍ وَفَارِسِهِمْ وَعَمِيدِهِمْ وَشَاعِرِهِمْ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَقَالَ: (وَاللَّهِ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، لَقَدْ كَانَ عَدُوُّ اللَّهِ يَرُومُ الْفَسَادَ، وَمَا كُنْتُ أَقُولُ إِنَّهُ يَقْدُمُ عَلَى مِثْلِ هَذَا، وَلَقَدْ كُنْتُ أحذِّر قَوْمِي مِنْ بَنِي ذَكْوَانَ أَنْ يَسْمَعُوا مِنْهُ، وَيَأْخُذُوا بِرَأْيِهِ، فَأَبَى اللَّهُ ﵎ إِلا مَا أَرَادَ) . ثُمَّ أَنْشَأَ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ يَقُولُ: (مِنَ الطَّوِيلِ) ١- أَلا يَا لِقَوْمِي مِنْ حَوَادِثِ ذَا الدَّهْرِ ... وَإِجْمَاعِ قوم للفجاة عَلَى الْكُفْرِ ٢- غَوِيٌّ دَعَا قَوْمًا غُوَاةً لِفِتْنَةٍ ... وَقَدْ يَهْلِكُ الإِنْسَانُ مِنْ حَيْثُ لا يَدْرِي ٣- فَقُلْتُ لِقَوْمِي إِنَّهُ قَاذِفٌ بِكُمْ ... غَدًا يَا بَنِي ذَكْوَانَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ ٤- وَإِنَّ لَكُمْ مِنْهُ فَلا تَبْعَثُوا بِهِ ... لَيَوْمًا عَبُوسًا هُوَ [٣] أَحَرُّ مِنَ الْجَمْرِ ٥- فَلَمَّا دَعَاهُمْ كَانَ أَوْدَعَ سِرَّهُمْ ... إِلَيْهِ وَجَيَّفَ الْخَيْلَ فِي الْبَلَدِ الْقَفْرِ

стр. 71

٦- أَلا قَاتَلَ اللَّهُ الْفُجَاةَ لَقَدْ أَتَى ... بِغَدْرَتِهِ [١] الْكُبْرَى عَظِيمًا مِنَ الأَمْرِ ٧- فَظَنَّ بِهِ الصِّدِّيقُ ظَنًّا فَخَانَهُ ... وَجَرَّرَ أَثْوَابَ الْخِيَانَةِ وَالْمَكْرِ ٨- وَلَيْسَ يَحِيقُ الْمَكْرُ إِلا بِأَهْلِهِ [٢] ... كَذَاكَ قَضَاءُ اللَّهِ [٣] فِي مُحْكَمِ الزُّبْرِ ٩- وَإِنِّي لأَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَرَى ... عَلَى كُلِّ حَالٍ نَاصِبًا لأَبِي بَكْرِ ١٠- وَلا لابِسًا فِي النَّاسِ أَثْوَابَ غَدْرَةٍ ... أَذُوقُ بَها كَأْسًا أَمَرَّ مِنَ الصَّبْرِ [٤] ١١- أَبَى اللَّهُ لِي بَيْعَ الْهُدَى بِضَلالَةٍ ... أُعَابُ بِهَا حَيًّا وَمَا دُمْتُ فِي قَبْرِي قَالَ: ثُمَّ كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَخَبَّرَهُ بِمَا صَنَعَ الْفُجَاءَةَ، وَمَا أَخَذَ مِنَ السِّلاحِ، وَمَا قَتَلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُوَجِّهَ إِلَيْهِ بِقَوْمٍ يَطْلُبُونَهُ فَيَأْتُوا بِهِ حَيْثُ مَا كَانَ. فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، لَمْ يُعَجِّلْ بالمسير إلى [١٢ أ] طُلَيْحَةَ/ بْنِ خُوَيْلِدٍ، لَكِنَّهُ دَعَا رَجُلا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، يُقَالُ لَهُ مُعَاذُ بْنُ وَاثِلَةَ [٥] فضم إليه ثلاثمائة فَارِسٍ [مِنْ] [٦] أَبْطَالِ عَسْكَرِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى الْفُجَاءَةِ فَيَطْلُبَهُ حَيْثُ كَانَ مِنْ أَرْضِ اللَّهِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ يَأْخُذُهُ أَسِيرًا، وَأَنْ يبعثه إلى

стр. 72

أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَإِنْ قَتَلَهُ وَجَّهَ بِرَأْسِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ. قَالَ: فَخَرَجُوا يُرِيدُونَ الْفُجَاءَةَ، فَلَمَّا سَمِعَ الْفُجَاءَةُ بِذَلِكَ، سَارَ إِلَى قَوْمِهِ يُرِيدُ لِقَاءَ الْمُسْلِمِينَ غَيْرَ عَاجِزٍ، وَدَنَا الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، وَكَانَتِ الدَّائِرَةُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ [١] مِنْ أَصْحَابِ الْفُجَاءَةِ [٢] : (مِنَ الطَّوِيلِ) ١- صَحَا الْقَلْبُ عَنْ سُعْدَى [٣] هَوَاهُ وَأَقْصَرَا ... وَطَاوَعَ فِيهَا الْعَاذِلِينَ فَأَبْصَرَا ٢- وَأَصْبَحَ ودِّي رَايَةَ [٤] الْوَصْلِ مِنْهُمُ ... كَمَا وُدُّهَا عنّا كذلك تغيّرا ٣- ألا أيّها المدلي بكثرة قومه ... وحظّلك مِنْهُمْ أَنْ تُضَامَ وَتُقْسَرَا [٥] ٤- سَلِ النَّاسَ عَنَّا كُلَّ يَوْمِ كَرِيهَةٍ ... إِذَا مَا الْتَقَيْنَا دَارِعِينَ وَحُسَّرَا ٥- أَلَسْنَا نُعَاطِي ذَا الطِّمَاحِ لِجَامَهُ ... وَنَظْفَرُ فِي الْهَيْجَا إِذَا الْمَوْتُ أَضْجَرَا [٦] ٦- وَعَارِضَةٌ شَهْبَاءُ تَقْطُرُ بِالْقَنَا [٧] ... تَرَى الْبِيضَ فِي حَافَاتِهَا والسَّنورا [٨]

стр. 73

٧- فروَّيت [١] رُمْحِي مِنْ كَتِيبَةِ خَالِدٍ ... وإنِّي لأَرْجُو بَعْدَهَا أَنْ أعمَّرا قَالَ: فَنَادَى [٢] الْقَوْمُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، وَأَحْدَقَتِ الْخَيْلُ بِالْفُجَاءَةِ، فَذَهَبَ لِيَحْمِلَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَبَا بِهِ فَرَسُهُ، فَسَقَطَ إِلَى الأَرْضِ، فَأُخِذَ أَسِيرًا، وَوَلَّى [٣] أَصْحَابُهُ مُنْهَزِمِينَ، فَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ، وَأَفْلَتَ الْبَاقُونَ، ثُمَّ اسْتَوْثَقَ مُعَاذُ [٤] بْنُ وَاثِلَةَ مِنَ الْفُجَاءَةِ، وَقَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، أَخَذْتَ خَيْلَ أَبِي بَكْرٍ وَسِلاحَهُ، فَقَتَلْتَ بِهِ الْمُسْلِمِينَ وَرَجَعْتَ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ، أَظَنَنْتَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ يَغْفَلُ عَنْ أَفْعَالِكَ، قَالَ: فَسَكَتَ الْفُجَاءَةُ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. فَأَرْسَلَ مُعَاذٌ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، يُخْبِرُهُ بِالْوَقْعَةِ وَأَخَذَ الْفُجَاءَةَ، فَأَرْسَلَ خَالِدٌ: أَنْ وَجِّهْ بِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ، فَحَمَلَ الْفُجَاءَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ ﵁، مَا كَلَّمَهُ بِشَيْءٍ، وَلا سَأَلَهُ عَمَّا فَعَلَ، ثُمَّ دَعَا رَجُلا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ يُقَالُ لَهُ: طُرَيْفَةُ [٥] ، فَقَالَ: يَا طُرَيْفَةُ، خُذْ إِلَيْكَ عَدُوَّ اللَّهِ فَأَخْرِجْهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، وَأَحْرِقْهُ بِالنَّارِ إِحْرَاقًا. قَالَ: فَأُخْرِجَ الْفُجَاءَةُ، ثُمَّ جُمِعَ لَهُ الْحَطَبُ، وَشُدَّتْ يَدَاهُ وَرِجْلاهُ، وَوُضِعَ فِي وَسْطِ الْحَطَبِ، وَأُضْرِمَ الْحَطَبُ بِالنَّارِ، وَأُحْرِقَ الْفُجَاءَةُ حَتَّى صَارَ فَحْمًا، فَأَنْشَأَ رجل من بني سليم يقول [٦] :

стр. 74

١- إنَّ حرق الفجاة من نعم اللّ ... هـ عَلَى مَنْ أقرَّ بِالإِسْلامْ ٢- أَخَذَ الْخَيْلَ والسِّلاح على العه ... د فَخَانَ الْفُجَاةُ عَهْدَ الإِمَامْ ٣- ثُمَّ لَمْ يَبْرَحِ الفجاة يرى الح ... قّ سفاها والحلَّ منه الحرام [١] / [١٢ ب] ٤- يقتل الناس لا يرى أنَّ لل ... هـ جَزَاءً فِي عَاقِبِ الأَيَّامْ ٥- لَمْ يُبَالِ [٢] فِي قَبِيلِ سُلَيْمٍ ... جرَّد السَّيْفِ أَمْ قَبِيلِ حِزَامْ ٦- قرّت العين بالفجاة إذ النَّا ... ر تَلَظَّى عَلَيْهِ بِالإِضْرَامْ ٧- إنَّ مِثْلَ الَّذِي رَأَيْتُ شفاء النّ ... فس يَرْوِي الشَّجي [٣] مِنَ الأَسْقَامْ قَالَ: ثُمَّ كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، يُخْبِرُهُ بِمَا فَعَلَ اللَّهُ بِالْفُجَاءَةِ، وَيَأْمُرُهُ بِالدُّخُولِ إِلَى أَرْضِ بَنِي أَسَدٍ، إِلَى طُلَيْحَةَ بْنِ الْخُوَيْلِدِ وَأَصْحَابِهِ.. قَالَ: فَسَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ﵁ بِالنَّاسِ، حَتَّى إِذَا صَارَ بِأَرْضِ بَنِي أَسَدٍ، نَدِمَتْ بَنُو غَطَفَانَ عَلَى اتِّبَاعِهِمْ طُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ، وَلَمْ يُحِبُّوا أَنْ يَكُونُوا أَذْنَابًا لِبَنِي أَسَدٍ. قَالَ: وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْغَطَفَانِيُّ [٤] ، فَهَرَبَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي عَمِّهِ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: فَأَكْرَمَهُ خَالِدٌ، وَرَفَعَ قَدْرَهُ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ يُخْبِرُهُ، وَكَتَب الْغَطَفَانِيُّ إِلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حصن الفزاري بهذه الأبيات [٥] :

стр. 75

(مِنَ الْكَامِلِ) ١- أَبْلِغْ عُيَيْنَةَ إِنْ مَرَرْتَ بِدَارِهِ [١] ... قَوْلا يَسِيرُ بِهِ الشَّفِيقُ النَّاصح ٢- أَعُيَيْنُ [٢] إنَّ طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ ... كَلْبٌ بِأَكْنَافِ الْبُزَاخَةِ نَابِحُ [٣] ٣- إِنْ تَحْتَشِدْ [٤] تَسْلَمْ، فَزَارَةُ كُلُّهَا ... وَيُقِمْ بِمَدْحِكَ يا بن حصن مادح ٤- أولا فإنَّك [٥] يا بن حصن هالك ... خذها وقرنك يا بن بَدْرٍ نَاطِحُ [٦] ٥- كَالطَّوْدِ وَالأَنْصَارُ تَحْتَ لِوَائِهِ [٧] ... وَمُهَاجِرُونَ مُشَاوَرُونَ شَرَامِحُ [٨] ٦- بَاعُوا الإِلَهَ بِقَوْلِهِم طَلَبُ الَّتِي ... فِيهَا النَّجَاةُ وَذَاكَ بَيْعٌ رَابِحُ ٧- فَهُنَاكَ يَقْشَعُ عَنْ طُلَيْحَةَ كِذْبُهُ ... وَيَضِيقُ مُلْتَبِسٌ وَيَصْلَدُ قَادِحُ [٩] ٨- وَيَقُومُ بِالأَمْرِ الْجَلِيلِ نَوَائِحُ ... هَتَكَ الْجُيُوبَ بِهِنَّ دَمْعٌ سَافِحُ ٩- كَمْ مِنْ [١٠] رَئِيسٍ مِنْ فَزَارَةَ صالح ... والناس منهم صالحون وطالح
следующие страницы →