← История

История · id 12222

كتاب الردة للواقدي

الواقدي

Полный текст (224 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[مقدمة] بِسمِ الله الرَّحمَنِ الرَّحيم لقد حظيت حروب الردّة وما فيها من أخبار وأشعار باهتمام المؤلفين العرب فقد ألّفت منذ زمن مبكر عدة كتب أفردت لحروب الردّة غير الأخبار التي تضمنتها كتب التاريخ والأدب، فقد وقفنا على ثمانية كتب كلها تحمل اسم الردّة هي: لمحمد بن إسحاق (ت ١٥٠ هـ-) ، وسيف بن عمر (ت ١٩٣ هـ-) ، والواقدي (ت ٢٠٧ هـ-) ، ووثيمة بن موسى الوشاء (ت ٢٣٧ هـ-) ، وأبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي (ت ١٥٧ هـ-) ، وإسحاق بن بشر الهاشمي (ت ٢٠٦ هـ-) ، وعلي بن محمد المدائني (ت ٢٣٤ هـ-) ، وإسماعيل بن عيسى العطار. ولم يصل من هذه الكتب إلا كتاب الواقدي هذا، في نسخته الوحيدة النادرة التي عثرت عليها أثناء تسفاري في بلاد الهند في مكتبة خدابخش في يانكي بور مقاطعة باتنا وتقع المخطوطة في ست وأربعين لوحة بخط نسخي مقروء، وفيها شعر كثير يجاوز التسعمائة بيت، أكثره من الشعر النادر الذي لم تحفظه الكتب والدواوين، وقد ضاع مثله في غمرة الحروب، وهو شعر يمثل الفروسية والبطولة العربية، لأنه قيل أثناء التهيؤ للقتال أو الدعوة للنزال أو وصف الأحداث، وغالبية هذا الشعر لشعراء مغمورين لم يعرفوا بقول الشعر ولم يشتهروا به، وقد أنطقتهم الحروب وأحداث الردّة، وهم جنود مقاتلون لا يعنون بتجويد الشعر وصناعته، وإنما تجيش صدورهم بأبيات يحمسون بها أنفسهم ومن معهم، ويفخرون بحسن بلائهم وبلاء قومهم، ولذلك جاءت أشعارهم مقطعات يغلب عليها الارتجال وتقتصر موضوعاتها على الحرب وما تقتضيها من استعداد لها واستبسال في سبيلها وتحريض المقاتلين

стр. 2

ودعوة للنزال ومديح للأبطال وافتخار بالنصر وتعيير بالهزيمة وهجاء الخصوم. وقد أحصينا في الكتاب أربعة وثلاثين ومائة قطعة وقصيدة، موزعة على تسع عشرة قصيدة وخمس عشرة ومائة قطعة وتسع عشرة أرجوزة كلها من مشطور الرجز، وبلغ مجموع الأبيات ثلاثة وتسعمائة بيت، وجاءت أوزان الشعر على الوجه الآتي: الطويل تسع وعشرون قطعة، الكامل أربع وعشرون، الرجز تسع عشرة، المتقارب سبع عشرة، الخفيف اثنتا عشرة، الرمل سبع، الوافر سبع، البسيط ست، السريع اثنتان، الهزج واحدة. وقد توزع الشعر على ستة وستين شاعرا من الشعراء المعروفين، وستة وستين شاعرا من الشعراء المجهولين، وامرأتين. وجاء الشعر المنسوب لقائليه وتعداده اثنتا عشرة ومائة قطعة والشعر المجهول القائل اثنتان وعشرون قطعة، كأن يقال: قال رجل من المسلمين أو قال رجل من بني فلان، وهكذا. ولا شك أن كثيرا من الشعر الذي قيل في الردّة قد ضاع، وما حفظته الذاكرة والكتب هو القليل، وهذا أمر بديهي بسبب طبيعة الأحداث وإن أكثر هذا الشعر قيل من قبل المرتدين الذين يقاتلون المسلمين ويجاهرون بالخروج على السلطة الإسلامية هذا من جانب ومن جانب آخر فإن أغلب هذا الشعر سهل فيه خلل واضطراب لأنه شعر مرتجل خال من الصنعة والتأنق الغريب، فلم يحفل به الرواة الذين يعنون بالشاهد اللغوي وجودة الصياغة، وقد كان المؤرخون كذلك يتجاوزون كثيرا من هذا الشعر، ويقتصرون على ذكر شواهد في ذكر الحادثة والخبر، فإذا كان وقت المبارزة وخرج فارس يدعو للنزال وينشد شعرا ذكره المؤرخ وذكر ما ينشده الفارس الآخر، فإذا كثر المتنازلون وكثرت أشعارهم يكتفي المؤرخ ببعض هذا الشعر ويغفل ما سواه، وهذا ما فعله الواقدي وأشار إليه من ذلك ما جاء في الورقة ٣٩ أ، قوله: (فَلَمَّا أَصْبَحَ الأَشْعَثُ أَمَرَ بِبَابِ الْحِصْنِ فَفَتَحَ وَخَرَجَ فِي أَوَائِلِ الْقَوْمِ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: يا قوم إن الصبر بالإخلاص ... ، ثم خرج خلفه الخنفسيس بن عمرو ... وأنشد أبياتا اختصرنا عن ذكرها، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَعْدِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ محرز الحطمي ... وَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا تَرَكْنَا ذِكْرَهَا، ثُمَّ خَرَجَ

стр. 3

مِنْ بَعْدِهِ مُسَيْلِمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْقُشَيْرِيُّ وَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا تَرَكْنَا ذِكْرَهَا، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَعْدِهِ سعد بن معد يكرب وأنشد أبياتا تركنا ذكرها) ، وهكذا يخرج كثير من الفرسان فيقولون شعرا لم يذكره الواقدي اختصارا ببعض الذي أنشد، فكم ضاع من هذا الشعر الذي أغفله المؤرخون ورواة الشعر وتجاهله المسلمون لأن بعضه مما يناهض الإسلام أو يهجو المسلمين وقد تبرأ منه المرتدون بعد أن عادوا إلى حضيرة الإسلام وانطلقوا نحو الفتوح يجالدون الفرس والروم. وقد كانت عناية المؤلف الواقدي في هذا الكتاب كدأبه في كتابه المغازي معنيا بذكر تفاصيل الأحداث حريصا على تدوين الرسائل والكتب والخطب وذكر المحاورات والمناوشات، لم يهمل الجزئيات والتفاصيل سجل كل ما يمكن تسجيله في هذه الحروب مع تفسير شاف لأسباب الوقائع والأحداث، ولذلك فقد تفرّد الكتاب بمعلومات وروايات وأشعار لم تذكرها كتب التاريخ والأدب قبله، وقد اقتبس بعض المؤرخين من هذا الكتاب وذكروا بعض نصوصه مختصرة من مثل ابن سعد في الطبقات، والطبري في تاريخه، وعبد الرحمن بن حبيش في كتابه المغازي، وابن حجر في الإصابة، وغيرهم. وقد وجدت في تحقيق هذا الكتاب وخدمته إحياء لتراثنا التاريخي والأدبي في عصر الخلافة الراشدة، وإشادة بالبطولة العربية الإسلامية ومثلها العليا التي وحّدت الجزيرة العربية وحملت راية الإسلام خفّاقة منتصرة تنشر التوحيد والحرية والسلام في الخافقين، أسأل الله سبحانه السداد والرشاد في القول والعمل، فمنه الهداية وبه التوفيق والحمد للَّه أولا وآخرا. بغداد يحيى وهيب الجبوري ٥ رجب ١٤١٠ هـ- ٣١ كانون الثاني (يناير) ١٩٩٠ م

стр. 4

المؤلف أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الواقدي المدني، مولى بني سهم إحدى بطون بني أسلم، وهذا إجماع من ترجم له [١] ، إلا ابن خلكان [٢] فقد جعله مولى بني هاشم. كانت ولادته بالمدينة سنة ١٣٠ هـ في آخر خلافة مروان بن محمد كما يذكر محمد بن سعد كاتبه وتلميذه [٣] ، وقيل: إنه ولد سنة ١٢٩ هـ- على ما يرجح الصفدي وابن تغريبردي [٤] . ويذكر أبو الفرج الأصفهاني أن أمه هي بنت عيسى بن جعفر بن سائب خاثر التي كان والدها فارسياً [٥] . ليس هناك معلومات متيسرة عن نشأته، ولكن المصادر تتحدث عن اهتمام الواقدي المبكر بالمغازي وجمع الأخبار والتعرف على التفاصيل، نقل عن الواقدي قوله: (ما أدركت رجلا من أبناء الصحابة وأبناء الشهداء ولا مولى لهم إلا سألته: هل سمعت أحدا من أهلك يخبرك عن مشهده وأين قتل، فإذا أعلمني

стр. 5

مضيت إلى الموضع فأعاينه، ولقد مضيت إلى المريسع فنظرت إليها، وما علمت غزاة إلا مضيت إلى الموضع حتى أعاينه) [١] . وعن هارون الفروي قال: (رأيت الواقدي بمكة ومعه ركوة [٢] ، فقلت: أين تريد، قال: أريد أن أمضي إلى حنين حتى أرى الموضع والوقعة) [٣] . وقد عرف عن الواقدي هذا الاهتمام بمعرفة الأخبار ومعاينة المشاهد ومعرفة التفصيلات، من ذلك ما ذكر ابن سعد من أن الخليفة هارون الرشيد ويحيى بن خالد البرمكي حين زارا المدينة في حجتهما، طلبا من يدلهما على قبور الشهداء والمشاهد، فذكر لهما الواقدي الذي صحبهما في زيارتهما، ولم يدع موضعا من المواضع ولا مشهدا من المشاهد إلا مر بهما عليه [٤] ، وعلى إثر هذا اللقاء توثقت العلاقة بين الواقدي والخليفة الذي وهبه عشرة آلاف درهم، يسّرت حاله وفكّت ضائقته، وقد توثقت صلته كذلك بيحيى البرمكي الذي أغدق عليه الأموال. وكان الواقدي جوّادا سخيا متلافا، حصل على أموال كثيرة ولكنه كان ينفقها، ويعود في ضائقة مالية جديدة، ويرزح تحت ثقل الديون، وهذا ما جعله يرحل من المدينة إلى العراق قاصدا يحيى البرمكي، ففي سنة ١٨٠ هـ غادر الواقدي المدينة قاصدا العراق [٥] ، ويبين الخطيب البغدادي سبب هذه الرحلة، فينقل عن الواقدي قوله: (كنت حنّاطا «بائع حنطة» بالمدينة في يدي مائة ألف درهم للناس أضارب بها، فتلفت الدراهم، فشخصت إلى العراق فقصدت يحيى بن خالد) [٦] ، ويروي ابن سعد أن سبب هذه الرحلة هو الدين الذي ركبه

стр. 6

وضيق ذات اليد، فيقول على لسان الواقدي: (ثم إن الدهر أعضّنا، فقالت لي أم عبد الله: يا أبا عبد الله ما قعودك، وهذا وزير أمير المؤمنين قد عرفك وسألك أن تسير إليه حيث استقرت به الدار، فرحلت من المدينة) [١] ، وحين وصل إلى بغداد وجد أن الخليفة والحاشية قد ذهبوا إلى الرقة بالشام، فتوجه نحو الشام ولحق بهم هناك، وحين لقي يحيى البرمكي أكرمه وأغدق عليه عطاياه، كما أغدق الرشيد عليه عطاياه أيضا، وعن ذلك يقول الواقدي: (صار إليّ من السلطان ستمائة ألف درهم، ما وجبت علي فيها الزكاة [٢] ، ثم يعود إلى بغداد وكانت مكانة الواقدي لدى الخليفة هارون الرشيد طيبة عالية مرموقة، لذلك فقد ولّاه القضاء بشرقي بغداد كما يذكر ياقوت الحموي [٣] . وفي عهد المأمون ترتفع مكانة الواقدي، فحين يعود المأمون من خراسان يعينه قاضيا لعسكر المهدي في الجانب الشرقي من بغداد [٤] ، ونقل ابن خلكان عن ابن قتيبة أن الواقدي كان قاضيا في الجانب الغربي، ثم صححه اعتمادا على قول السمعاني أنه قاض بالجانب الشرقي [٥] . وقد لقي الواقدي من المأمون الرعاية والإكرام، كتب الواقدي إليه مرة يشكو من ضائقة لحقته وركبه دين بسببها وعين مقداره في قصة، فوقع المأمون في كتابه بخطه: (فيك خلتان سخاء وحياء، فالسخاء أطلق يديك بتبذير مالك، والحياء حملك أن ذكرت لنا بعض دينك، وقد أمرنا لك بضعف ما سألت، وإن كنا قصرنا عن بلوغ حاجتك فبجنايتك على نفسك، وإن كنا بلغنا بغيتك فزد في بسطة يدك، فإن خزائن الله مفتوحة ويده بالخير مبسوطة، وأنت حدثتني حين كنت على قضاء الرشيد أن النبي ﵌ قال للزبير: «يا زبير إن مفاتيح الرزق بإزاء العرش، ينزل الله سبحانه للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثَّر كثَّر له،

стр. 7

ومن قلّل قلّل عليه» . قال الواقدي: وكنت نسيت الحديث، فكانت مذاكرته إياي أعجب إليّ من صلته) [١] . وتبقى صلة الواقدي بالمأمون متينة مكينة، وعلى الرغم من علم المأمون بصلة الواقدي بيحيى البرمكي، فإن هذه الصلة لم تمنع المأمون من إكرام الواقدي وتوليته القضاء بعد نكبة البرامكة [٢] ، فقد مكث الواقدي قاضيا على عسكر المهدي مدة أربع سنوات قبل وفاته [٣] ، ويصفه ابن حجر بأنه أحد الأعلام وقاضي العراق وبغداد [٤] . وقد نال الواقدي من السلطان والمال الشيء الكثير، أغدق عليه الرشيد ويحيى البرمكي والمأمون، ومع كل ذلك فقد كان الواقدي سخيا متلافا، مات وعليه ديون، ولم يملك ما يكفن به، فقد أرسل المأمون بأكفانه [٥] ، وكان الواقدي قد أوصى إلى المأمون أن يقضي دينه، فقبل المأمون وصيته وقضى دينه [٦] . وتجمع أغلب المصادر على أن وفاة الواقدي كانت سنة سبع ومائتين، ويحدد ابن سعد ليلة الوفاة ويوم الدفن بقوله: (مات ببغداد ليلة الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة سبع ومائتين، ودفن يوم الثلاثاء في مقابر الخيزران وهو ابن ثمان وسبعين سنة) [٧] ، وهناك روايات مرجوحة تذكر أنه توفي سنة ٢٠٦ أو ٢٠٩ [٨] ، والرواية الأولى هي الأصح لأنها جاءت عن تلميذه وكاتبه ابن سعد محددة بالشهر واليوم [٩] .

стр. 8

كتبه كان الواقدي غزير العلم كثير التأليف، كثير الجمع والحفظ، يذكر ابن النديم قول ابن إسحاق: (قرأت بخط عتيق قال: خلّف الواقدي بعد وفاته ستمائة قمطر كتبا، كل قمطر منها حمل رجلين، وكان له غلامان مملوكان يكتبان له الليل والنهار، وقبل ذلك بيع له كتب بألفي دينار) [١] ، وكانت كتبه من الكثرة بحيث أنه لما انتقل من الجانب الغربي حملت كتبه على عشرين ومائة وقر [٢] ، وكانت عناية الواقدي بالعلوم الإسلامية عامة والتاريخ خاصة، يقول إبراهيم الحربي إن الواقدي (كان أعلم الناس بأمر الإسلام، فأما في الجاهلية فلم يعلم فيها شيئا) [٣] ويصفه ابن سعد كاتبه وتلميذه: (كان عالما بالمغازي والسيرة والفتوح واختلاف الناس وأحاديثهم، وقد فسّر ذلك في كتب استخرجها ووضعها وحدّث بها) [٤] . ذكرت كتب الواقدي في أكثر من مصدر، فقد ذكرها ياقوت [٥] ، والصفدي [٦] ، وإسماعيل باشا البغدادي [٧] ، وسأذكر جريدة كتب الواقدي كما

стр. 9

جاءت في الفهرست لابن النديم وأقارنها بالمصادر الأخرى، قال ابن النديم: وله من الكتب المصنفة [١] : ١- كتاب التاريخ والمغازي والمبعث. ٢- كتاب أخبار مكة. ٣- كتاب الطبقات. ٤- كتاب فتوح الشام. ٥- كتاب فتوح العراق. ٦- كتاب الجمل (سمّاه ياقوت: كتاب يوم الجمل) . ٧- كتاب مقتل الحسين ﵇ . ٨- كتاب السيرة (لم يذكره الصفدي) . ٩- كتاب أزواج النبي ﵇. ١٠- كتاب الردّة والدار. ١١- كتاب حرب الأوس والخزرج (جاء لدى الصفدي باسم: حروب الأوس والخزرج) . ١٢- كتاب صفين (لم يذكره الصفدي) . ١٣- كتاب وفاة النبي ﵇. ١٤- كتاب أمر الحبشة والفيل. ١٥- كتاب المناكح. ١٦- كتاب السقيفة وبيعة أبي بكر. ١٧- كتاب ذكر الأذان [٢] . ١٨- كتاب سيرة أبي بكر ووفاته. ١٩- كتاب مداعي قريش والأنصار في القطاع (القطائع) [٣] ووضع عمر الدواوين

стр. 10

وتصنيف القبائل ومراتبها وأنسابها. ٢٠- كتاب الترغيب في علم المغازي وغلط الرجال [١] . ٢١- كتاب مولد الحسن والحسين ومقتل الحسين ﵇ [٢] . ٢٢- كتاب ضرب الدنانير والدراهم [٣] . ٢٣- كتاب تاريخ الفقهاء. ٢٤- كتاب الآداب. ٢٥- كتاب التاريخ الكبير. ٢٦- كتاب غلط الحديث. ٢٧- كتاب السنّة والجماعة وذم الهوى وترك الخروج [٤] في الفتن. ٢٨- كتاب الاختلاف (ويحتوي على اختلاف أهل المدينة والكوفة في الشفعة والصدقة والهبة والعمري والرقبى والوديعة والعارية والبضاعة والمضاربة والغصب والشركة (في نسخة: والسرقة) والحدود والشهادات، وعلى نسق كتب الفقه ما بقي) [٥] . وجاءت هذه الجريدة نفسها في كشف الظنون مع خلاف بسيط في بعض الأسماء، وزاد عليها كتاب (تفسير القرآن) ولعله هو (ذكر القرآن) الذي ذكره ابن النديم.

стр. 11

كتاب الردّة أول ما يرد ذكر كتاب الردة عند ابن النديم (٤٣٨ هـ-) في كتابه الفهرست، وقد ذكره باسم: (كتاب الردّة والدار) ، ولعلهما كتابان، الأول (كتاب الردّة) ، والثاني (كتاب الدار) ومقتل الخليفة عثمان بن عفان، وحصل مزج بينهما، إذ ليس من المعقول أن يكونا كتابا واحدا، وبين الردّة (سنة ١٣ هـ-) ويوم الدار (سنة ٣٥ هـ-) اثنتان وعشرون سنة. وقد وافق ابن النديم في هذه التسمية كلّ من ياقوت الحموي (٦٢٦ هـ-) [١] والصفدي (٧٦٤ هـ) [٢] فأسمياه: (كتاب الردّة والدار) ، ولعلهما نقلا عن ابن النديم. أما المصادر الأخرى فتذكره ابسم (كتاب الردّة) ، فابن خير الأشبيلي (٥٧٥ هـ-) يسميه كتاب الردّة [٣] ، وكذلك ابن خلكان (٦٨١ هـ-) الذي يقول [٤] : (وله كتاب الردّة ذكر فيه ارتداد العرب بعد وفاة النبي ﵌ ومحاربة الصحابة ﵃ لطليحة بن خويلد الأزدي والأسود العنسي ومسيلمة الكذاب، وما أقصر فيه) . أما اليافعي (٧٦٨ هـ-) [٥] فقد نقل عبارة ابن خلكان السابقة، وذكره حاجي خليفة (١٠٦٧ هـ) أيضا باسم: (كتاب الردّة) [٦] .

стр. 12

أما في العصر الحديث فأول من نبّه عليه هو بروكلمان (١٩٦١ م) [١] وذكر مكان المخطوطة في مكتبة بانكيبور بالهند ورقمها ١٥/ ١٠٤٢، ثم ذكرها سزكين في كتابه تاريخ التراث العربي [٢] . وقد اقتبس من كتاب الردّة مجموعة من المؤلفين رجعت إليهم وقابلت رواياتهم في تحقيق الشعر.

стр. 13

من ألّف في الردّة عرفت مجموعة من الكتب تحمل اسم (كتاب الردّة) ، ولم يصلنا منها إلا كتاب الردّة للواقدي هذا، وأهم هذه الكتب التي حفظت أسماءها والكتب هي: ١- كتاب الردّة- لمحمد بن إسحاق (١٥٠ هـ-) ، جاء ذكره في الطبري والبلاذري والكلاعي، ونقلوا عنه بعض النصوص. [١] . ٢- كتاب الردّة والفتوح- لسيف بن عمر التميمي (١٩٣ هـ-) ، ذكره ابن النديم باسم (كتاب الفتوح الكبير والردّة) [٢] ، وذكره بروكلمان [٣] ، كما ذكره سزكين [٤] ، وقال عنه: ذكره ابن حجر كثيرا في الإصابة وأفاد منه، وهو أحد مصادر الطبري في تاريخه، وقد أخذ ابن حجر قسما من هذا الكتاب بطريق السماع أو القراءة، وكان يقدم لمقتبساته بعبارة: (حدثني السري، قال: حدثنا شعيب عن سيف) كما أخذ قسما آخر منه بطريق (الكتابة) أو (المكاتبة) مقدما لذلك بعبارة: (كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف) ، كما اقتبس منه ياقوت كذلك في معجم البلدان، وأفاد منه ابن عساكر كذلك. ٣- كتاب الردّة- للواقدي (٢٠٧ هـ-) وهو هذا الكتاب، ونقل عنه ابن سعد

стр. 14

والطبري وابن حجر في الإصابة، واقتبس منه عبد الرحمن بن محمد بن حبيش (٥٨٤ هـ-) في كتابه (المغازي) [١] . ٤- كتاب الردّة- لوثيمة بن موسى بن الفرات الوشاء (٢٣٧ هـ-) [٢] ، وقد جاءت منه نصوص كثيرة اقتبسها ابن حجر في الإصابة وهي عشر ومائة قطعة، وهذا ما حدا بالمستشرق الألماني ولهلم هونرباخ بجمع هذه النصوص في كتاب أسماه (قطع من كتاب الردّة) [٣] . ٥- كتاب الردّة- لأبي مخنف لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف الأزدي (١٥٧ هـ-) ، انفرد بذكره ابن النديم [٤] . ٦- كتاب الردّة- لإسحاق بن بشر بن محمد الهاشمي بالولاء أبي حذيفة البخاري (٢٠٦ هـ-) ذكره ابن النديم [٥] وقال: له كتاب الردّة، ولم تذكره الكتب الأخرى. ٧- كتاب الردّة- للمدائني أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الله مولى سمرة بن جندب المتوفى سنة (٢٣٤ هـ- أو ٢٣٥ هـ-) ، ذكره ابن النديم [٦] ولم تذكره الكتب الأخرى. مثل بروكلمان أو سزكين. ٨- كتاب الردّة- لإسماعيل بن عيسى العطار من أهل بغداد من أصحاب السير، ذكره ابن النديم [٧] ولم أقف على وفاته.

стр. 15

المخطوطة المخطوطة المعتمدة هي النسخة الوحيدة الموجودة في مكتبة خدابخش في بلدة يانكي بور في باتنا ورقمها ١٠٤٢، وتقع في ٤٦ ورقة، خطها نسخ واضح خال من الشكل قد يهمل الإعجام أحيانا، فيها أخطاء نحوية ولغوية وتحريف وتصحيف في أسماء بعض الأعلام والمواضع، وجاء الشعر في أكثره ضمن النثر لم يميز بكتابته شعرا في الصدر والعجز إلا قليلا. كتبت العنوانات بالحبر الأحمر وكذلك اسم النبي محمد ﵌، عدد الأسطر في الصفحة ٢٣- ٢٥ سطرا، وفي السطر ١٢- ١٤ كلمة، تخلو من اسم الناسخ وكتبت سنة ١٢٧٨ هـ-. أولها صفحة العنوان (كتاب الردّة للواقدي) ، ثم الصفحة الأولى وبدايتها: (بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، رَوَى أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَفْصِ بْنِ مِهْرَانَ الْبَرْدَعِيُّ أَعَزَّهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ أَعْثَمَ الْكُوفِيُّ قراءة عليه ... ) . وتنتهي أخبار الردّة في الورقة ٤١ ب بقوله: (انْقَضَتْ أَخْبَارُ الرِّدَّةِ عَنْ آخِرِهَا بِحَمْدِ اللَّهِ ومنّه وَحُسْنِ تَيْسِيرِهِ وَعَوْنِهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ) . ويتلو ذلك نبذة في فتوح العراق بعنوان جاء فيه: (نُبْذَةٌ فِي ذِكْرِ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيِّ، وَهُوَ أَوَّلُ الْفُتُوحِ بَعْدَ قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وهو أيضا من رواية ابن أعثم الكوفي) . ويبدأ هذا الجزء بقوله: (قال: فلما فرغ أبو بكر رضي الله عنه

стр. 16

من حروب أهل الرِّدَّةِ عَزَمَ عَلَى مُحَارَبَةِ الأَعَاجِمِ مِنَ الْفُرْسِ والروم وأصناف الكفر) . وبعد سبع صفحات ينتهي الكتاب بقوله: (وَكَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ﵁ كلما افتتح موضعا في الْعِرَاقِ أَخْرَجَ مِنْ غَنَائِمِهِ الْخُمُسَ فَيُوَجِّهُ بِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، وَيُقَسِّمُ بَاقِي الْمَغْنَمِ فِي أَصْحَابِهِ، قَالَ: إِلَى أَنْ تَحَرَّكَتِ الرُّومُ بِأَرْضِ الشَّامِ، فَنَرْجِعُ الآنَ إِلَى ذِكْرِ فُتُوحِ الشَّامِ بِعَوْنِ اللَّهِ وَكَرَمِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْحَمْدُ للَّه رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. تمت بعون الله وتوفيقه آخر العصر في يوم الأحد شهر ربيع الآخر الذي خلت منه أيام ٢٤ سنة ١٢٧٨ من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام) . وفي صفحة تالية مستقلة جاء عنوان الختام بخط كبير في الورقة ٤٦: (هذا مما كان من أخبار أهل الردّة من مسيلمة الكذاب وطليحة وكندة وبني بكر بن وائل وغيرهم من العرب) .

стр. 17

منهج التحقيق حاولت أن أحرر نسخة مهذبة محققة من هذا الكتاب هي أقرب إلى ما وضعها مؤلفها، فقد صححت الوهم والغلط النحوي واللغوي الذي جاء في الأصل، وهذا الغلط مرجعه النسّاخ والنقلة الذين يكون فيهم الجاهل والغافل، وقد جاءت أوهام في النص من تحريف أسماء الأعلام والمواضع والمعاني، فصححت ذلك على ضوء كتب التراجم والبلدان والمعاجم اللغوية. وقارنت الروايات والأخبار بما ورد منها في كتب التاريخ كتاريخ الطبري وابن الأثير وكتاب الفتوح لابن أعثم، وكذلك ما جاء منها في كتب الأدب، وبينت الفروق وصححت الوهم وشرحت الغامض، وقد جاءت الأخبار في هذا الكتاب وافية مفصلة بينما نجدها في كتب التاريخ مقتضبة مختصرة، وقد كان ابن أعثم خاصة ينقل عن هذا الكتاب ويختصر ويتجاوز ذكر الأشعار غير مطالع بعض القصائد والمقطعات. وقد حفل الكتاب بالأحاديث النبوية والأمثال والخطب والرسائل، فخرّجت الأحاديث تخريجا وافيا بالرجوع إلى كتب الحديث الصحيحة المعتمدة، ووثقت الأمثال والخطب والرسائل بالرجوع إلى المصادر وقارنت بينها وخاصة حين يكون هناك خطأ أو لبس بالقدر الذي يوضح الرواية ويوثقها، ولم أثقل الهوامش بكثرة النقول، ولا شك أن عملا كهذا لا يمكن أن يكون كاملا، فقد تبقى بعض الأحاديث والخطب لا نجد لها مصدرا يوثقها أو قد يغيب عنا ذلك المصدر. وفي الكتاب ذكر لأعلام كثيرين، وكثرتهم من الجنود المقاتلين سواء من المسلمين أو من القبائل المرتدة، فمنهم المعروف وأكثرهم مجهول، وقد ترجمت

стр. 18

للأعلام ورجعت في ذلك إلى كتب التراجم وعنيت خاصة بالأعلام الذين لهم أثر في الأحداث، والذين وقع في أسمائهم تحريف أو تصحيف أو وهم، ولم أعن بالأعلام الذين ترد أسماؤهم عرضا، وقد أترجم للعلم في الموضع الذي يكون له أثر في الخبر، ولا أكرر الترجمة عند تكرره في أخبار أخرى. أما الشعر فقد جاء كثير منه مضطربا مختل الوزن فيه تقديم وتأخير وفيه أغلاط في اللغة والنحو، فحاولت تقويمه وضبطه وتخريجه ونسبته إلى قائليه بالقدر الذي أسعفتني المصادر ووفق ما هداني اجتهادي. وقد جاء بعض هذا الشعر غير منسوب أو مجهول القائل وقد تفرد هذا الكتاب بذكره دون غيره من المصادر، وهذا أمر بديهي لأنه شعر جنود مقاتلين تجيش عواطفهم بالشعر فيرتجلونه في الوقائع والحروب، ولهذا السبب جاء مضطربا وجاء سهلا لا تعقيد فيه ولا صناعة، ولم يعن به الرواة الذين غالبا ما يعنون بالشعر الذي يصلح شاهدا لعلوم العربية ويحفل بالغريب والنادر. لقد شرحت بعض المعاني والألفاظ الصعبة أو التي يقع فيها وهم ولبس سواء أكان ذلك في النثر أم في الشعر، وقد جاء في الأصل بياض وسقط، فوضعت الساقط أو الكلمات التي توضح المعنى أو يقتضيها السياق بين معقوفتين، أما الشعر المضطرب فقد أصلحته وفق المصادر وإن لم أجد مصدرا اجتهدت في تقويمه وأشرت إلى الأصل المخطوء في الهامش. وقد أردت أن أخدم الكتاب بصنع فهارس وافية تيسر الإفادة منه والرجوع إليه. وما التوفيق إلا باللَّه العلي العظيم.

стр. 19

كِتَابُ الرِّدَّةِ لِلْوَاقِدِيِّ رِوَايَةُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بن أعثم الكوفي

стр. 20

[اضطراب امر الناس عند وفاة النبي ﵌] بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين رَوَى أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَفْصِ بْنِ مِهْرَانَ الْبَرْدَعِيُّ أَعَزَّهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ أَعْثَمَ الْكُوفِيُّ [١] قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ مُزَاحِمٍ الْمِنْقَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ وَاقِدٍ الْوَاقِدِيُّ الأَسْلَمِيُّ [٢] ، وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلاءِ الْقُرَشِيُّ الْمَدَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكِنْدِيُّ، وَنَصْرُ بْنُ خَالِدٍ النَّحْوِيُّ وَأَبُو حَمْزَةَ الْقُرَشِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ الْمُطَّلِبِيِّ [٣] ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ زَيْدُ بْنُ رُومَانَ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ [٤] ،

стр. 21

وَيَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ [١] ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ [٢] ، وَمَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ [٣] ، وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ [٤] ، كُلٌّ يَذْكُرُ: أَنَّهُ لَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ ﵌، شَمِتَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِأَهْلِ الإِسْلامِ، وَظَهَرَ النِّفَاقُ فِي الْمَدِينَةِ مِمَّنْ كَانَ يُخْفِيهِ قَبْلَ ذلك، وماج الناس

стр. 22

وَاضْطَرَبُوا، وَأَقْبَلَ مَالِكُ بْنُ التَّيِّهَانِ الأَنْصَارِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَنْصِتُوا وَاسْمَعُوا مَقَالَتِي، وَتَفَهَّمُوا مَا أُلْقِيهِ إِلَيْكُمْ، اعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ شَمِتَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِمَوْتِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﵇، وَقَدْ ظَهَرَتْ حَسِيكَةُ [١] أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَعِظَمُ الْمَصَائِبِ عَلَيْنَا أَنَّ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ [٢] خَرَجَ بِأَرْضِ الْيَمَامَةِ [٣] بِرَعْدٍ وَبَرْقٍ، وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ فِي حَيَاةِ نبينا ﵌، وَالآنَ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ الأَسَدِيَّ أَيْضًا قَدِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ بِبِلادِ نَجْدٍ، وَأَنَا وَاللَّهِ خَائِفٌ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ أَنْ تَرْتَدَّ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهَذَا الأَمْرِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، أَوْ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَهُوَ وَاللَّهِ الْهَلاكُ والبوار، ثم أنشأ أبو الهيثم يقول [٤] :

стр. 23

أَلا قَدْ أَرَى أَنَّ الْفَتَى لَمْ يَخْلُدِ ... وَأَنَّ الْمَنَايَا لِلرِّجَالِ بِمَرْصَدِ [١] لَقَدْ جُدِّعَتْ آذَانُنَا وَأُنُوفُنَا ... غَدَاةَ فُجِعْنَا بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدِ [٢] نَصَارَى يَقُولُونَ الشَّجَا وَمُنَافِقٌ ... وَكُلُّ كَفُورٍ شَامِتٍ مُتَهَوِّدِ ثَلاثَةُ أَصْنَافٍ مِنَ النَّاسِ كُلُّهُمْ ... يَرُوحُ عَلَيْنَا بِالسِّنَانِ وَيَغْتَدِي تَكَلَّمَ أَهْلُ الْكُفْرِ مِنْ بَعْدِ ذِلَّةٍ ... لِغَيْبَةِ هَادٍ كَانَ فِينَا وَمُهْتَدِ وَأَرْعَدَ كَذَّابَ الْيَمَامَةِ [٣] جَهْدَهُ ... وَأَكْلَبَ فِينَا بِاللِّسَانِ وَبِالْيَدِ وَدَانَاهُ فِيمَا قَالَ غَيْرُ مُقَصِّرٍ ... أَخُو الْجَهْلِ حَقًّا طَلْحَةُ [٤] بْنُ خُوَيْلِدِ فَإِنْ يَكُ هَذَا الْيَوْمَ مِنْهُمْ شَمَاتَةٌ ... فَلا تَأْمَنُوا مَا يُحْدِثُ اللَّهُ فِي غَدِ وَمَا نَحْنُ إِنْ لَمْ يَجْمَعِ اللَّهُ أَمْرَنَا ... بِخَيْرِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا بَعْدَ أَحْمَدِ بِأَمْنَعِ مَنْ شَاءَ [٥] بِقَفْرٍ مَطِيرَةٍ ... وَفَقْعَةِ قَاعٍ أَوْ ضِبَاعٍ بِفَدْفَدِ [٦] وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَقُومَ بِأَمْرِنَا ... عَلِيٌّ أَوِ الصِّدِّيقُ أَوْ عَمْرٌو مِنْ غَدِ [٧] وَتَعْدُو زَكَاةُ الْحَيِّ فِهْرَ بْنَ مَالِكٍ ... وأنصار هذا الدين من كلّ معتد

стр. 24

وَأَمْسَى مُسَيْلِمٌ [١] فِي الْيَمَامَةِ غَالِبًا ... عَلَى النَّاسِ طُرًّا بِالْقَنَا وَالْمُهَنَّدِ قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، عَلَى الْمُسْلِمِين فَقَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَاللَّهُ لَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ﵇ فَقَالَ ﵎: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ٣٩: ٣٠ [٢] ، ثُمَّ قَالَ: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ، كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ٢١: ٣٤- ٣٥ [٣] ، ثُمَّ قَالَ: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ٣: ١٤٤ الآيَةَ [٤] ، أَلا وَإِنَّ مُحَمَّدًا ﵇ قَدْ مَضَى لِسَبِيلِهِ، وَلا بُدَّ لِهَذَا الأَمْرِ مِنْ قَائِمٍ يَقُومُ بِهِ، فَدَبِّرُوا وَانْظُرُوا وَهَاتُوا مَا عندكم رحمكم الله) .

стр. 25

أَخْبَارُ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ [ ١] قَالَ: فَنَادَاهُ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: نُصْبِحُ وَنَنْظُرُ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: فَانْصَرَفَ النَّاسُ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ انْحَازَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَانْحَازَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْخَزْرَجِيِّ [٢] فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ [٣] ، قَالَ: وَجَلَسَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي مَنْزِلِهِ مَغْمُومًا بِأَمْرِ النبي ﵌، وَعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَفِيهِمُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، قَالَ: وَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ جَمِيعِ جَنَبَاتِ الْمَدِينَةِ يَسْمَعُونَ مَا يَكُونُ مِنْ كَلامِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ مِنَ الأَنْصَارِ يَوْمَئِذٍ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ [٤] ذُو الشَّهَادَتَيْنِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنَّكُمْ قَدْ قَدَّمْتُمْ قُرَيْشًا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، يَتَقَدَّمُونَكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنْتُمُ الأَنْصَارُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ،

стр. 26

وَإِلَيْكُمْ كَانَتِ الْهِجْرَةُ، وَفِيكُمْ قَبْرُ النَّبِيِّ ﵌، فَاجْمَعُوا أَمْرَكُمْ عَلَى رَجُلٍ تَهَابُهُ قُرَيْشٌ وَتَأْمَنُهُ الأَنْصَارُ، قَالَ: فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: صَدَقْتَ يَا خُزَيْمَةُ، إِنَّ الْقَوْلَ لَعَلَى مَا تَقُولُ، قَدْ رَضِينَا بِصَاحِبِنَا سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، قَالَ: فَقَطَّبَ [١] الْمُهَاجِرُونَ وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ وَثَبَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ الأَنْصَارِيُّ الأَوْسِيُّ [٢] ، وَكَانَ مَقْبُولَ الْقَوْلِ عِنْدَ الأَنْصَارِ وَأَهْلِ الطَّاعَةِ فِيهِمْ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنَّهُ قَدْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ سَمَّاكُمُ الأَنْصَارَ وَجَعَلَ إِلَيْكُمُ الْهِجْرَةَ، وَفِيكُمْ قُبِضَ الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﵇، فَاجْعَلُوا ذَلِكَ للَّه، وَإِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ دُونَكُمْ، فَمَنْ قَدَّمُوهُ فَقَدِّمُوهُ، وَمَنْ أَخَّرُوهُ فَأَخِّرُوهَ، قَالَ: فَوَثَبَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَغْلَظُوا لَهُ الْقَوْلَ وَسَكَّتُوهُ فَسَكَتَ، ثُمَّ وَثَبَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الأَنْصَارِيُّ [٣] الأَعْوَرُ، وَكَانَ أَيْضًا مِنْ أَفَاضِلِ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَاِر، إنما أنتم بقريش وقريش بكم، ولو

стр. 27

كَانَ مَا تَدَّعُونَ حَقًّا لَمَا أُعْرِضَ عَلَيْكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قُلْتُمْ بِأَنَّا آوَيْنَا وَنَصَرْنَا، فَمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا أُعْطِيتُمْ، فَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً، وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ١٤: ٢٨ [١] ، قَالَ: فَوَثَبَ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ الأَنْصَارِيُّ [٢] ، وَهُوَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَالله يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ٩: ١٠٨ [٣] ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنَّكُمْ أَوَّلُ مَنْ قَاتَلَ عَنِ الدِّينِ، فَلا تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ قَاتَلَ أَهْلَهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْخِلافَةَ لا تَكُونُ إلا لأهل النبوّة، [٢ ب] فَاجْعَلُوهَا [٤] / حَيْثُ جَعَلَهَا اللَّهُ ، فَإِنَّ لَهُمْ دَعْوَةَ النَّبِيِّ إِبْرَاهِيمَ ﵇، قَالَ: ثُمَّ وَثَبَ مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيُّ [٥] فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنْ كَانَ هَذَا الأَمْرُ لَكُمْ مِنْ دُونَ قُرَيْشٍ فَخَبِّرُوهُمْ بِذَلِكَ حَتَّى يبايعوكم عليه، فإن كان

стр. 28

لهم من دونكم، فسلّموه إليهم، فو الله مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ حَتَّى صَلَّى بِنَا أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ رَضِيَهُ لَنَا، لأَنَّ الصَّلاةَ عِمَادُ الدِّينِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا الأَنْصَارُ كَذَلِكَ فِي الْمُحَاوَرَةِ، إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ [١] ، وَتَبِعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ﵃، وَإِذَا بِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَدْ زُمِّلَ بِالثِّيَابِ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ مِنْ عِلَّةٍ كَانَ يَجِدُهَا فِي بَدَنِهِ، وَإِذَا بِقَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ أَحْدَقُوا بِهِ مَا يُرِيدُونَ بِهِ بَدَلا. قَالَ: فَقَعَدَ الْمُهَاجِرُونَ وَسَكَتُوا سَاعَةً لا يَتَكَلَّمُونَ بِشَيْءٍ، فَتَكَلَّمَ [ثَابِتُ بْنُ] [٢] قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ الأَنْصَارِيُّ [٣] ، وَكَانَ خَطِيبَ الأَنْصَارِ، لَمْ يَزَلْ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﵌، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ وَعَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ ﵎ بَعَثَ نَبِيَّهُ محمدا ﵌، وَكَانَ فِي بَدْءِ أَمْرِهِ مُقِيمًا بِمَكَّةَ عَلَى الأَذَى وَالتَّكْذِيبِ، لا يَأْمُرُهُ اللَّهُ إِلا بِالْكَفِّ وَالصَّفْحِ الْجَمِيلِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بعد ذلك

стр. 29

بِالْهِجْرَةِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ الْقِتَالَ، وَنَقَلَهُ مِنْ دَارِهِ، فَكُنَّا أَنْصَارَهُ، وَكَانَتْ أَرْضُنَا مُهَاجَرَهُ وَقَرَارَهُ، ثُمَّ إِنَّكُمْ قَدِمْتُمْ عَلَيْنَا فَقَاسَمْنَاكُمُ الأَمْوَالَ وَكَفَيْنَاكُمُ الأَعْمَالَ، وَأَنْزَلْنَاكُمُ الدِّيَارَ، وَآثَرْنَاكُمْ بِالْمَرَافِقِ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ وَكَتِيبَةُ الإِسْلامِ، وَنَحْنُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فينا: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ٥٩: ٩ [١] ، وَغَيْرَهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لا يُنْكِرُهُ لَنَا مُنْكِرٌ، وَأُخْرَى، فَإِنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﵌ فِينَا مِنَ الْفَضَائِلِ الشَّرِيفَةِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ رَجُلا بِعَيْنِهِ، وَأَنْ مَا وَكَلَ النَّاسَ، إِنَّمَا وَكَلَ اللَّهَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْجَامِعَةِ، وَاللَّهُ ﵎ لا يَجْمَعُ هَذِهِ الأُمَّةَ عَلَى الضَّلالِ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ، وَلَنَا الإِمَامَةُ فِي النَّاسِ، فَهَاتُوا مَا عِنْدَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، وَالسَّلامُ. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مِنْ كَلامِهِ أَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ: يَا ثَابِتُ، أَنْتُمْ لَعَمْرِي كَمَا وَصَفْتَ بِهِ قَوْمَكَ، لا يَدْفَعُهُمْ عَنْ ذَلِكَ دَافِعٌ/ وَنَحْنُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَهُّ فِينَا: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ٥٩: ٨ [٢] ، فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَقَدْ أَكْرَمَكُمُ الله أن تكونوا الصادقين لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ٩: ١١٩ [٣] ، وَأُخْرَى، فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْعَرَبَ لا تُقِرُّ بِهَذَا الأَمْرِ إِلا لِقُرَيْشٍ، لأَنَّهُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا، وَلَهُمْ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شئتم [٤] .

стр. 30

قَالَ: فَقَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، أَرَضِيتُمْ بِمَا يَقُولُهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالُوا: قَدْ رَضِينَا، فَقَالَ: يَا هَؤُلاءِ، لَيْسَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَنْسُبُوا أَبَا بَكْرٍ لِلْعِصْيَانِ لِرَسُولِهِ ﵌، فَقَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ، فَقَالَ: لأَنَّكُمْ ذَكَرْتُمْ أن رسول الله ﵌ اخْتَارَهُ وَرَضِيَ لَكُمْ فِي حَيَاتِهِ، فَقَدَّمَهُ لِلصَّلاةِ وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إِلا وَقَدِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْكُمْ، فَقَدْ عَصَى أَبُو بَكْرٍ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ بِإِخْرَاجِ نَفْسِهِ مِنَ الْخِلافَةِ، وَقَوْلُهُ: قَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَكَيْفَ لَكُمَا قُدْوَةُ هَذَيْنِ [١] ، وَقَدِ اخْتَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ وَفَضَّلَهُ عَلَيْهِمَا، وَلَعَلَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ أَنْتُمُ الَّذِينَ عَصَيْتُمُ اللَّهَ فِي شَهَادَتِكُمْ عَلَى نَبِيِّكُمْ أَنَّهُ اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ وَآمَنَ برسول الله ﵌ أَوْلِيَاؤُهُ وَعَشِيرَتُهُ، وَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ مِنْ بَعْدِهِ بِهَذَا الأَمْرِ، فلا يُنَازِعُهُمْ فِي ذَلِكَ إِلا ظَالِمٌ مُعْتَدٍ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، فَلَسْنَا نُنْكِرُ فَضْلَكُمْ وَلا سَبْقَكُمْ فِي الإِسْلامِ، سَمَّاكُمُ اللَّهُ أَنْصَارَ الدِّينِ، وَجَعَلَ إِلَيْكُمُ الْهِجْرَةَ، فَلَيْسَ أَحَدٌ بَعْدَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ أَعَزَّ عَلَيْنَا منكم، ونحن الأمراء وأنتم الوزراء، ولا تفتاتون [٢] بِمَشُورَةٍ، وَلا تُقْضَى دُونَكُمُ الأُمُورُ، قَالَ: فَوَثَبَ الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري [٣] ، وصاحب فِي بَنِي عَمِّهِ صَيْحَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، انْظُرُوا لا تُخْدَعُوا عَنْ حَقِّكُمْ، فو الله مَا عُبِدَ [٤] اللَّهُ عَلانِيَةً إِلا فِي بِلادِكُمْ، وَلا اجْتَمَعَتِ الصَّلاةُ إِلا فِي مَسَاجِدِكُمْ، وَلا دانت العرب

стр. 31

بِالإِيمَانِ إِلا بِأَسْيَافِكُمْ، فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَعْظَمُ نَصِيبًا فِي الدِّينِ، وَفَضِيلَةً فِي الإِسْلامِ، وَأَنْتُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَذا الأَمْرِ، فَإِنْ أَبَى هَؤُلاءِ الْقَوْمُ ما نقول، فمنا أمير ومنكم أمير. [٣ ب] قَالَ: فَوَثَبَ أُسَيْدُ/ بْنُ حُضَيْرٍ، وَبَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الأَنْصَارِيَّانِ، فَقَالا: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا حُبَابُ، وَلَيْسَ هَذَا بِرَأْيٍ أَنْ يَكُونَ أَمِيرَانِ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، أَحَدُهُمَا يُخَالِفُ لِصَاحِبِهِ، فَقَالَ الْحُبَابُ: وَاللَّهِ يَا أُسَيْدُ وَيَا بَشِيرُ بْنَ سَعْدٍ مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِلا عِزَّكُمَا، فَإِذَا قَدْ أَبَيْتُمَا فَإِنِّي مَعَكُمَا، فَإِنْ أَتَى مَا يَكْرَهُونَ قَدِمْنَا عَلَى هَذَيْنِ مُهَاجِرِينَ فلكما، ثُمَّ أَنْشَأَ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ يَقُولُ [١] : (مِنَ الطَّوِيلِ) ١- سَعَى ابْنُ حُضَيْرٍ فِي الْفَسَادِ لِحَاجَةٍ ... وَأَسْرَعُ مِنْهُ فِي الْفَسَادِ بَشِيرُ ٢- يَظُنَّانِ أَنَّا قَدْ أَتَيْنَا عَظِيمَةً ... وَخَطْبُهُمَا فِيمَا يُرَادُ صَغِيرُ ٣- وَمَا صَغُرَا إِلا لِمَا كَانَ مِنْهُمَا ... وَخَطْبُهُمَا لَوْلا الْفَسَادُ كَبِيرُ ٤- وَلَكِنَّهُ مَنْ لا يُرَاقِبُ قَوْمَهُ ... قليل ذليل ما علمت حقير ٥- فيا ابن حُضَيْرٍ وَابْنَ سَعْدٍ كِلاكُمَا ... بِتِلْكَ الَّتِي تَعْنِي الرِّجَالُ خَبِيرُ ٦- أَلَمْ تَعْلَمَا للَّه دَرُّ أَبِيكُمَا ... وَمَا النَّاسُ إِلا أَكْمَهٌ وَبَصِيرٌ ٧- بِأَنَّا وَأَعْدَاءُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ... أُسُودٌ لَهَا فِي الْغَابَتَيْنِ زَئِيرُ [٢] ٨- نَصَرْنَا وَآوَيْنَا النَّبِيَّ وَمَا لَهُ ... سِوَانَا مِنْ أَهْلِ الْمِلَّتَيْنِ نَصِيرُ ٩- فَدَيْنَاهُ بِالأَبْنَاءِ مِنْهُمْ دِمَاؤُنَا ... وَأَمْوَالُنَا وَالْمُشْرِكُونَ كَثِيرُ ١٠- فَكُنَّا لَهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ يُرِيدُهُ ... سِهَامًا صِيَابًا ضَيْمُهُنَّ حَظِيرُ [٣] ١١- فَمَنْ ذَا الَّذِي أَوْلَى بِهَا مِنْ مَعَاشِرٍ ... هُمُ هكذا إذ مخ جند وزير [٤]

стр. 32

١٢- فَكَانَ عَظِيمًا أَنَّنِي قُلْتُ: مِنْهُمُ ... أَمِيرٌ وَمِنَّا يَا بَشِيرُ أَمِيرُ فَلَمَّا فَرَغَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ شِعْرِهِ، أَقْبَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: نَعَمْ يَا حُبَابُ، لَقَدْ قُلْتَ عَظِيمًا، لأَنَّهُ لا يَجْتَمِعُ فِي غِمْدٍ سَيْفَانِ، وَالْعَرَبُ لا تَرْضَى أَنْ يُؤَمِّرُوكُمْ [١] وَنَبِيُّهَا مِنْ غَيْرِكُمْ، وَلَكِنْ يُؤَمِّرُونَ [٢] مَنْ كَانَتِ النُّبُوَّةُ فِيهِمْ، وَفِي الَّذِي قُلْتَ يَا حُبَابُ فَسَادٌ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا جَمِيعًا، اللَّهُ وَاحِدٌ، وَالإِسْلامُ وَاحِدٌ، وَالدِّينُ وَاحِدٌ، وَلا تَصْلُحُ الأُمُورُ وَالأَشْيَاءُ إِلا عَلَى وَاحِدٍ، لأَنَّهُ إِنْ جَرَى الْيَوْمَ إِمَامَانِ، جَرَى غَدًا إِمَامَانِ، وَلا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الإِسْلامُ إِلا وَاحِدًا، فاتَّق اللَّهَ وَسَلِّمُوا هَذَا الأَمْرَ لِمَنْ تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ مِنْ قُرَيْشٍ. قَالَ: فَقَالَ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، لا تَلْتَفِتُوا إِلَى كَلامِ هَذَا وَأَصْحَابِهِ فَيَذْهَبُ نَصِيبُكُمْ مِنْ هَذَا الأَمْرِ، وَإِنْ أَبَى عَلَيْكُمْ هَؤُلاءِ فَأَجْلُوهُمْ عَنِ الْمَدِينَةِ/ وَتَوَلَّوْا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأُمُورَ [٣] ، فَقَدْ علمت العرب عزكم ومنعتكم في [٤ أ] الجاهلية والإسلام، وو الله لا يَرُدُّ أَحَدٌ عَلَيَّ بَعْدَ هَذَا إِلا خَطَمْتُ أَنْفَهُ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ عُمَرُ: إِذَنْ يَقْتُلُكَ اللَّهُ يَا حُبَابُ [٤] ، فَقَالَ الْحُبَابُ: بَلْ إِيَّاكَ يَقْتُلُ يَا عُمَرُ، [فَقَالَ عُمَرُ:] [٥] لَقَدْ عَلِمَتِ الْعَرَبُ قَاطِبَةً أَنَّكُمْ أَنْصَارُ اللَّهِ، وَأَنْصَارُ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﵇، وَأَنْتُمْ إِخْوَانُنَا فِي الإِسْلامِ، وشركاؤنا في الدين، وو الله مَا كُنَّا قَطُّ فِي خَيْرٍ وَلا شَرٍّ إِلا وَكُنْتُمْ مَعَنَا فِيهِ، وَأَنْتُمْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْنَا، وَأَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَيْنَا، وَأَنْتُمُ الْمُؤْثِرُونَ عَلَى أنفسهم في الخصاصة [٦] ، وو الله ما زلتم تؤثرون إخوانكم من

стр. 33

الْمُهَاجِرِينَ بِأَمْوَالِكُمْ مُنْذُ كُنْتُمْ، وَقَدْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ لا يَكُونَ اخْتِلافُ هَذِهِ الأُمَّةِ وَانْتِقَاضِهَا عَلَى أَيْدِيكُمْ، وَأُخْرَى فَإِنَّهُ لَيْسَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَحْسِدُوا إِخْوَانَكُمْ عَلَى خَيْرِ سَاقِهِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ ﵁: إِنَّ سَعْدًا لا يَصْلُحُ لَهَا. قَالَ ثَابِتٌ: بَلَى يَا عُمَرُ، سَعْدٌ لَهَا أَصْلَحُ مِنْ غَيْرِهِ وَأَوْلَى بِهَا، لأَنَّ الدَّارَ دَارُهُ، وَأَنْتُمْ نَازِلُونَ عَلَيْهِ، قَالَ: ثُمَّ وَثَبَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ [١] : (مِنَ الْبَسِيطِ) ١- لا تنكرنَّ قُرَيْشٌ فَضْلَ صَاحِبِنَا ... سَعْدٍ فَمَا فِي مَقَالِي الْيَوْمَ مِنْ أَوَدِ [٢] ٢- قَالَتْ قُرَيْشٌ لَنَا السُّلْطَانُ دُونَكُمُ ... لا يَطْمَعُ الْيَوْمَ فِي ذَا الأَمْرِ مِنْ أَحَدِ [٣] ٣- قُلْنَا لَهُمْ بَرْهِنُوا حَقًّا فَنَتَّبِعَهُ [٤] ... لَسْنَا نُرِيدُ سِوَاهُ آخِرَ الأَبَدِ ٤- إِنْ كَانَ عِنْدَكُمُ عَهْدٌ لَهُ سَبَبٌ [٥] ... بَعْدَ الرَّسُولِ فَمَا قُلْنَاهُ بِالْفَنَدِ [٦] ٥- أَوْ لا يَكُنْ عِنْدَكُمْ عَهْدٌ فإنَّ لَهُ ... أَصْحَابَ بَدْرٍ وَأَهْلَ الشِّعب من أحد [٧]

стр. 34

٦- نَحْنُ الَّذِينَ ضَرَبْنَا النَّاسَ عَنْ عَرَضٍ ... حَتَّى اسْتَقَامُوا وَكَانُوا بَيْضَةَ الْبَلَدِ [١] ٧- فِي كُلِّ يَوْمٍ لَنَا أَمْرٌ نَفُوزُ بِهِ ... أَعْطَى الإِلَهُ عَلَيْهِ جَنَّةَ الْخُلُدِ [٢] ٨- لَسْتُمْ بِأَوْلَى بِهَا [٣] مِنَّا لأنَّ لنا ... وسط المدينة فضل (ال-) عزّ وَالْعَدَدِ [٤] ٩- وإنَّنا يَوْمَ بِعْنَا اللَّهَ أَنْفُسَنَا ... لَمْ يَبْقَ خَوْفٌ عَلَى مَالٍ وَلا وَلَدِ [٥] ١٠- وَالنَّاسُ حَرْبٌ لَنَا وَالنَّاسُ كُلُّهُمُ ... مِثْلُ الثَّعَالِبِ تَخْشَى صَوْلَةَ الأَسَدِ [٦] قَالَ: وَضَجَّ الْمُهَاجِرُونَ، وَضَجَّتِ الأَنْصَارُ، حَتَّى هَمَّ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، قَالَ: فَوَثَبَ مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيُّ فَسَكَّنَ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاللَّهِ مَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَعَزُّ عَلَيْنَا مِنْكُمْ، وَلَكِنَّا نَخَافُ مَا يَكُونُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى الْعَدْلِ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﵌/ وَهُوَ يَقُولُ: (الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ وَلا [٤ ب] يَكُونُ هَذَا إِلا فِيهِمْ) [٧] ، فَقَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الأَنْصَارِيُّ: بَلَى وَاللَّهِ قَدْ سَمِعْنَا ذَلِكَ مِنْهُ ﵇ وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ قَوْمَهُ أولوا الإِمَارَةِ مِنْ بَعْدِه، وَايْمُ اللَّهِ لا يَرَانِي اللَّهُ وَأَنَا أُنَازِعُهُمْ هَذَا الأَمْرَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ [٨] يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، وَلا تُخَالِفُوهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَحْسَنْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ وَجَزَاكَ عَنِ الإِسْلامِ خَيْرًا، إِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ هَذَا الأَمْرَ، هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ﵄ [٩] أَيَّهُمَا شئتم فبايعوا.

стр. 35

فَقَالَ عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: لا يَتَوَلَّى هَذَا الأَمْرَ أَحَدٌ سِوَاكَ أَنْتَ أَفْضَلُ الْمُهَاجِرِينَ، وَثَانِيَ اثْنَيْنِ فِي الْغَارِ، وَخَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ عَلَى الصَّلاةِ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَتَقَدَّمُكَ وَيَتَوَلَّى هَذَا الأَمْرَ عَلَيْكَ، ابْسُطْ يَدَكَ حَتَّى نُبَايِعَكَ. فَقَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الأَنْصَارِيُّ: وَاللَّهِ مَا يُبَايِعُهُ أَحَدٌ قَبْلِي، ثُمَّ تَقَدَّمَ بَشِيرٌ فَصَفَّقَ عَلَى يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ بِالْبَيْعَةِ، فَقَالَ لَهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: يَا بَشِيرُ، مَا الَّذِي أَحْوَجَكَ إِلَى مَا صَنَعْتَ، أَنَفِسْتَ عَلَى ابْنِ عَمِّكَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا، فَقَالَ بَشِيرٌ: لا وَاللَّهِ وَلَكِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُنَازِعَ قَوْمًا حَقًّا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ دُونِي، قَالَ: فَضَرَبَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ يَدَهُ إِلَى سَيْفِهِ فَاسْتَلَّهُ مِنْ غِمْدِهِ وَهَمَّ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا، فَبَادَرَتْ إِلَيْهِ الأَنْصَارُ فَأَخَذُوا بِيَدِهِ وَسَكَّنُوهُ، فَقَالَ: أَتُسَكِّنُونِي وَقَدْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ، أَمَا وَاللَّهِ وَكَأَنِّي بِأَبْنَائِكُمْ وَقَدْ وَقَفُوا عَلَى أَبْوَابِهِمْ يَسْأَلُونَ النَّاسَ الْمَاءَ فَلا يُسْقَوْنَ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: وَمَتَى تَخَافُ ذَلِكَ يَا حُبَابُ، فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ أَخَافُ مِنْكَ، وَلَكِنْ أَخَافُ مَنْ يَأْتِي مِنْ بَعْدِكَ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ وَرَأَيْتَ مَا لا تُحِبُّ فَالأَمْرُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَيْكَ. فَقَالَ الحباب: هيهات يا أبابكر، مِنْ أَيْنَ يَكُونُ ذَلِكَ إِذَا مَضَيْتُ أَنَا وَأَنْتَ وَجَاءَنَا قَوْمٌ مِنْ بَعْدُ، يَسُومُونَ أَبْنَاءَنَا سُوءَ الْعَذَابِ؟ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. قَالَ: وَتَتَابَعَ الأَنْصَارُ بِالْبَيْعَةِ لأَبِي بَكْرٍ ﵁، وَانْكَسَرَتِ الْخَزْرَجُ خَاصَّةً، لِمَا كَانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ صَاحِبِهِمْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَأَنْشَأَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ [١] يَقُولُ: (مِنَ الْكَامِلِ) ١- رُدِّي الْمُشَطَّبَ فِي الْقِرَابِ نَوَارُ ... تَرَكَ اللَّجَاجَ وَبَايَعَ الأَنْصَارُ ٢- قَوْمٌ هُمُ نَصَرُوا الرَّسُولَ مُحَمَّدًا ... وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ به كفّار

стр. 36

٣- بَذَلُوا النُّفُوسَ وَقَاسَمُوا أَمْوَالَهُمْ ... فَلَنَا دِيَارٌ مِنْهُمُ وعقار/ [٥ أ] ٤- زلفوا بسعد للخلافة بعد ما ... صَغَتِ الْقُلُوبُ وَزَاغَتِ الأَبْصَارُ ٥- يَا سَعْدُ سَعْدُ بَنِي عُبَادَةَ خَلِّهَا ... عَفْوًا وَلا يَكُ حَظَّكَ الإِكْثَارُ ٦- إنَّ الَّتِي مَنَّتْكَ نَفْسُكَ خَالِيًا ... عَارٌ عَلَيْكَ وَفِي مُنَاكَ بَوَارُ ٧- إِنَّ الْخِلافَةَ فِي قُرَيْشٍ دُونَكُمْ ... وَلَكُمْ مَحِلٌّ بَيْنِنَا وَالدَّارُ ٨- وَإِلَيْكُمُ كَانَ الْمَهَاجَرُ وَالَّذِي ... سَبَقَتْ إِلَيْهِ الأَوْسُ وَالنَّجَّارُ [١] ٩- وَالْخَزْرَجِيُّونَ الَّذِينَ رِمَاحُهُمْ ... سُمُّ الْعَدُوِّ وَفِيهِمُ الأَخْيَارُ ١٠- وَهُمُ الْحُمَاةُ إِذَا الْحُرُوبُ تَضَرَّمَتْ ... وَهُمُ الْكُفَاةُ السَّادَةُ الأَحْرَارُ [٢] قَالَ: فَازْدَحَمَ النَّاسُ بِالْبَيْعَةِ عَلَى أبي بكر، حتى كادوا أن يطأوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بِأَرْجُلِهِمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا هَؤُلاءِ، اتَّقُوا سَعْدًا فَإِنَّهُ عَلِيلٌ، شَدِيدُ الْعِلَّةِ، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يَقُولُ [٣] : (مِنَ الْكَامِلِ) ١- شُكْرًا لِمَنْ هُوَ بِالثَّنَاءِ حَقِيقٌ ... ذَهَبَ اللَّجَاجُ وَبُويِعَ الصِّدِّيقُ ٢- مِنْ بَعْدِ مَا دَحَضَتْ بِسَعْدٍ فِعْلَةٌ ... وَرَجَا رَجَاءً دُونَهُ الْعَيُّوقُ ٣- حَفَّتْ بِهِ الأَنْصَارُ عَاصِبَ رَأْسِهِ ... فَنَهَاهُمُ [٤] الصِّدِّيقُ وَالْفَارُوقُ ٤- وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَالَّذِينَ إِلَيْهِمُ ... نَفْسُ الْمُؤَمِّلِ لِلْبَقَاءِ تَتُوقُ ٥- فَتَدَارَكُوهَا بِالصَّوَابِ فَبَايَعُوا ... شَيْخًا لَهُ فِي رَأْيِهِ تَحْقِيقُ ٦- مِنْ بَعْدِ مَا نَظَمُوا لسعد أمره ... لم يخط مثل خطاهم [٥] مخلوق

стр. 37

٧- إِنَّ الْخِلافَةَ فِي قُرَيْشٍ مَا لَهُمْ ... فِيهَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ تَفْرُوقُ [١] قَالَ: وَأَقْبَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ [٢] ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنَّكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ والنصرة، فو الله لا يُنْكَرُ لَكُمْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِيكُمْ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَلا عُثْمَانَ وَلا أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْكُمْ أَنْ تُسَوُّوا فِي الْفَضْلِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْكُمْ، فقال له زيد بن الأرقم الأنصاري: يا ابن عَوْفٍ، إِنَّا لا نُنْكِرُ فَضْلَ مَنْ ذَكَرْتَ، وَإِنَّ مِنَّا لَسَيِّدَ الْخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، وَمِنَّا سَيِّدَ الأَوْسِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ (الَّذِي) اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِهِ، وَمِنَّا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ [٣] أَقْرَأُ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَجِيءُ إِمَامَ الْعُلَمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ [٤] ، وَمِنَّا أفرض أهل دهره زيد بن

стр. 38

ثَابِتٍ [١] ، وَمِنَّا مَنْ حَمَتْهُ الدُّبُرُ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ [٢] ، وَمِنَّا غَسِيلَ الْمَلائِكَةِ حَنْظَلَةَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ [٣] ، وَمِنَّا مَنْ أَمْضَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَتَيْنِ خُزَيْمَةَ بْنَ ثَابِتٍ، وَغَيْرَ هَؤُلاءِ مِمَّنْ لا يَخْفَى عَلَيْكَ أَمْرُهُ مِمَّنْ يَطُولُ عَلَيْنَا ذِكْرُهُمْ وَصَنِيعُهُمْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله ﵌، يا ابن عَوْفٍ، لَوْلا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَغَيْرُهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ اشتغلوا بدفن النبي ﵌ وَبِحُزْنِهِمْ عَلَيْهِ فَجَلَسُوا فِي مَنَازِلِهِمْ، مَا طمع

стр. 39

[٥ ب] فِيهَا مَنْ طَمِعَ، فَانْصَرِفْ/ وَلا تُهِجْ عَلَى أَصْحَابِكَ مَا لا تَقُومُ لَهُ، قَالَ: فَانْصَرَفَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَخَبَّرُه بِمَا كَانَ مِنْ مَقَالَتِهِ لِلأَنْصَارِ، وَبِرَدِّهِمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: لَقَدْ كُنْتَ غَنِيًّا عَنْ هَذَا، أَنْ تَأْتِيَ قَوْمًا قَدْ بَايَعُوا وَسَكَتُوا فَتَذْكُرَ لَهُمْ مَا قَدْ مَضَى. قَالَ: ثُمَّ أَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَلِيٍّ فَدَعَاهُ، فَأَقْبَلَ وَالنَّاسُ حُضُورٌ، فَسَلَّمَ وَجَلَسَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: لِمَ دَعَوْتَنِي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: دَعَوْنَاكَ لِلْبَيْعَةِ الَّتِي قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا هَؤُلاءِ، إِنَّمَا أَخَذْتُمْ هَذَا الأَمْرَ مِنَ الأَنْصَارِ بِالْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وَالْقَرَابَةِ لأَبِي بَكْرٍ ﵁، لأَنَّكُمْ زَعَمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا ﵌ مِنْكُمْ، فَأَعْطُوكُمُ الْمَقَادَةَ وَسَلَّمُوا إِلَيْكُمُ الأَمْرَ، وَأَنَا أَحْتَجُّ عَلَيْكُمْ بِالَّذِي احْتَجَجْتُمْ بِهِ عَلَى الأَنْصَارِ، نَحْنُ أَوْلَى بِمُحَمَّدٍ ﵌ حَيًّا وَمَيِّتًا، لأَنَّا أَهْلُ بَيْتِهِ، وَأَقْرَبُ الْخَلْقِ إِلَيْهِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَخَافُونَ اللَّهَ فَانْصِفُونَا، وَاعْرِفُوا لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ مَا عَرَفَتْهُ لَكُمُ الأَنْصَارُ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: إِنَّكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ لَسْتَ بِمَتْرُوكٍ، أَوْ تُبَايِعُ كَمَا بَايَعَ غَيْرُكَ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: إِذَنْ لا أَقْبَلُ مِنْكَ ولا أبايع من أنا أحق [با] لبيعة [١] مِنْهُ. فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: وَاللَّهِ يَا أَبَا الْحَسَنِ إِنَّك لَحَقِيقٌ لِهَذَا الأَمْرِ لِفَضْلِكَ وَسَابِقَتِكَ وَقَرَابَتِكَ، غَيْرَ أَنَّ النَّاسَ قَدْ بَايَعُوا وَرَضُوا بِهَذَا الشَّيْخِ، فَارْضَ بِمَا رَضِيَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: يَا أَبَا عُبَيْدَةَ [٢] ، أَنْتَ أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، فَإِنَّ هَذَا الْيَوْمَ لَهُ مَا بَعْدَهُ مِنَ الأَيَّامِ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تُخْرِجُوا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ ﵌ مِنْ دَارِهِ وَقَعْرِ بَيْتِهِ، إِلَى دُورِكُمْ وَقُعُورِ بُيُوتِكُمْ، فَفِي بُيُوتِنَا نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَنَحْنُ مَعْدِنُ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالدِّينِ وَالسُّنَّةِ وَالْفَرَائِضِ، وَنَحْنُ أَعْلَمُ بِأُمُورِ الْخَلْقِ مِنْكُمْ، فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى فَيَكُونَ نَصِيبُكُمُ الأَخَسَّ. قَالَ: فَتَكَلَّمَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذَا الْكَلامَ سَمِعَهُ النَّاسُ مِنْكَ قَبْلَ الْبَيْعَةِ لَمَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ رَجُلانِ، ولبايعك

стр. 40

النَّاسُ كُلُّهُمْ، غَيْرَ أَنَّكَ جَلَسْتَ فِي مَنْزِلِكَ وَلَمْ تَشْهَدْ هَذَا الأَمْرَ، فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّ لا حَاجَةَ لَكَ فِيهِ، وَالآنَ فَقَدْ سَبَقَتِ الْبَيْعَةُ لِهَذَا الشَّيْخِ، وَأَنْتَ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكَ، قَالَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَيْحَكَ يَا بَشِيرُ، أَفَكَانَ يَجِبُ أَنْ أَتْرُكَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فِي بَيْتِهِ فَلَمْ أُجِبْهُ إِلَى حُفْرَتِهِ، وَأَخْرُجَ أُنَازِعُ النَّاسَ بِالْخِلافَةِ. قَالَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁/ فَقَالَ: يَا أبا الحسن، إني لو [٦ أ] عَلِمْتُ أَنَّكَ تُنَازِعُنِي فِي هَذَا الأَمْرِ مَا أَرَدْتُهُ وَلا طَلَبْتُهُ، وَقَدْ بَايَعَ النَّاسُ، فَإِنْ بَايَعْتَنِي فَذَلِكَ ظَنِّي بِكَ، وَإِنْ لَمْ تُبَايِعْ فِي وَقْتِكَ هَذَا وَتُحِبُّ أَنْ تَنْظُرَ فِي أَمْرِكَ لَمْ أُكْرِهْكَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفْ رَاشِدًا إِذَا شِئْتَ. قَالَ: فَانْصَرَفَ عَلِيٌّ ﵁ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمْ يُبَايِعْ حَتَّى تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ، ﵂، ثُمَّ بَايَعَ بَعْدَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ لَيْلَةً مِنْ وَفَاتِهَا، وَقِيلَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. فَهَذَا أَكْرَمَكَ اللَّهُ مَا كَانَ مِنْ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَهَذَا رِوَايَةُ [١] الْعُلَمَاءِ، وَلَمْ أُرِدْ أَنْ أكتب هاهنا شَيْئًا مِنْ زِيَادَاتِ الرَّافِضَةِ، فَيَقَعَ هَذَا الْكِتَابُ فِي يَدِ غَيْرِكَ فَتُنْسَبَ أَنْتَ إِلَى أَمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وَاللَّهُ يَقِيكَ. رَجَعْنَا إِلَى مَا كَانَ بَعْدَ السَّقِيفَةِ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، والله الموفق للصواب.
следующие страницы →