← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

أمْرَ الله، لكن بتقيد لا بإطلاقٍ، لأن الإطلاقَ يُوهم الاعلى، وهو الوجوبُ، وهو هاهنا محطوط عن رتبةِ الوجوب، فلا بُدٌّ من تقييدٍ في النفي، فيقالُ: قد خالف أمر الله في السنن أَو النوافل، كما لا بُد من تقييدٍ في الِإثبات، فنقول: أمرُ ندب، لئلا يوهمَ إطلاقهُ الإيجابَ. فصل صيغةُ الأمرِ إذا ورَدَتَ بعد الحظر، كانت إطلاقاً وإذناً وإباحةً ، ولا تكون على مقتضى إطلاقِها، وأخذَ أصَحابُنا ذلك من كلام أحمدَ (١) ﵁ من آيات قامتِ الدلالةُ على أنها للإِطلاقِ، مثل قولهِ سبحانه: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠]، وذلك لا يُعطي عندي مذهباً في مسألتنا؛ لأنَّ المختلفين في هذه المسألةِ، مجمعون على أنَّ هذه الآياتِ للإِباحةِ، والِإطلاقِ بحسب دلالةِ الِإجماع، وانما ذهبَ أصحابُنا إليها لدلالةٍ نذكرها، وذهبَ إلى هذا المذهب الواضعُ لأصولِ الفقهِ من الفقهاءِ، وهو الشافعي رحمة الله عليه، فظاهرُ مذهبِه أنها للإباحةِ. واختلفَ أصحابُه على وجهين (٢): أحدُهما: مثل هذا، والثاني: أنها على الموضوعِ الأصلي من الإيجابِ. وذهبَ أكثرُ الفقهاءِ (٣) أنها على حُكم أصلهِا، على اختلافِهم فيما

стр. 1087

تقتضيه في الأصلِ، فمن قال: هي على الوقفِ، قال: هي على الوقفِ، ومن قال: على الندبِ. قال: هي بعد الحظرِ على الندبِ، ومن قال: هي على الإيجابِ، قال: هي على الإيجاب (١).

стр. 1088

فصل يجمعُ الدلائلَ على مذهبِنا والدلالةُ على أنه يقتضي الإِباحةَ والإطلاقَ دون الوجوب، أن النهيَ والحظرَ الذي تقدّم كان مانِعاً من الفعل، وبين الحظر والإيجاب مراتب ثلاثة: الإطلاقُ، ثم الندبُ، ثم الِإباحةُ، ثم الِإيجابُ، فإذا قال السيدُ لعبده، أو المطاعُ في الجملة لمطيعهِ ومن هو دونهُ: لا تدخلِ الدارَ، ثم قال له: ادخلْ. لم يجزْ أنْ نُسْقِطَ درجتين، الِإطلاقَ والندبَ، ثم نرتقي إلى الإيجاب إلا بدلالةٍ، لأن الأقربَ إلى هذه اللفظةِ بعد المنعِ الِإطلاقُ فيما كَان مَنَعهُ عنه والتخليةُ مما كان قيَّده به. ولهذا يحسُنُ أنْ يُقال: أذِنَ له بعد المنعِ، وأطلقَهُ بعدَ الحظرِ، ولا يُقال في حالِ الابتداءِ ذلك، ولا يَحسُنُ أن يقالَ لمن قال لعبدهِ ابتداءً: افعل، أنه مطلقٌ، بل هو مُقيّدٌ بالأمرِ، مستدعىً منه إيجادُ ما أمر به. ويدل على ذلك أيضاً أن كُلَّ أمرٍ بعد حظرٍ في القرآن على الإباحةِ، فيجب أن يُحملَ على ما وَرَدَ به القرآنُ، والدلالةُ على هذه الدعوى قولُه سبحانه: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ...﴾ [المائدة: ٩٥] إلى قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ...﴾ [الجمعة: ٩] إلى قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقوله سبحانه: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢].

стр. 1089

ويدل على ذلك: أنَّ تقدمَ الحظرِ كان يقتضي الكف عن ذلك الفِعْلِ المحظورِ، فإذا جاءَ لفظُ الاستدعاءِ، وهو صالحٌ لإِزالةِ ذلك الحظرِ، والإذن والإطلاق في فعلِهِ، وجَبَ أن يُحملَ على ما صَلَح له، كما لو استأذنَ الأدنى الأعلى، هل أفْعَلُ كذا؟ فقال له: افعل، كان تقدمُ الاستئذان منه جاعلًا لقول الأعلى له إذناً، وإطلاقاً لا أمراً موجِباً، ولا ندباً، ولا يُوجِبُ وقفاً، كذلكَ تقدّمُ الحظرِ، بل الحظرُ آكدُ، لأنَ الاستئذانَ يترددُ بين المنعِ وبين الِإطلاقِ، والحظرُ يقتضي المنعَ بأصلِ وضعهِ، ويدل على ذلك في حق من قال: إنَ الأعيانَ في الأصلِ على الإِباحةِ، جعل الأفعالَ على الإِباحةِ، فإذا ورَدَ الأمرُ بعد الحَظْر، ارتفِع الحَظْرُ، وعاد إلى الأصلِ، ويَدُل عليه أنَّ تقدمَ الحَظْرِ أو مقارنته لصيغةِ الأمرِ ولفظةِ: (افعل) يخرجُها عن وضعها، بدليلِ التهديدِ، فإنَّه بصيغةِ الأمرِ، لكن لما تقدَّمه الحظرُ أو قارنَهُ الزجرُ جعلهُ موضوعاً آخر. وهو التهديدُ، وقد كان مع التجردِ والإِطلاقِ يقتضي الإذنَ والإِباحة، مثل قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وبعضهُ يقتضي الإيجابَ، مثلُ قولِه: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتِك﴾ [الاسراء: ٦٤]، فَعُلِمَ أن تقديمَ الحظر مؤثرٌ. فصل يجمعُ الأسئلة قالوا: إذا حظَرَ ثم أمرَ، جازَ أن يكونَ الحظرُ منسوخاً بالإباحةِ، ويجوز أن يكونَ بالندب، ويجوزُ أن يكونَ بالإيجاب، وليس حملُه على أحدِها دون الآخرِ أَولى من العكسِ من ذلك، فبَقيْنا لفظة الأمرِ على مقتضاها، وأسقطنا المتردِّداتِ.

стр. 1090

قالوا: ولأن صيغةَ النهي إذا وردَتْ بعد الأمرِ حُمِلت على مقتضاها من الحظْرِ، وإن كان أقلُ احتمالاتِها إسقاطَ الكُلْفَةِ، فإنَّ السيدَ إذا قال لعبدِه: سافرْ إلى بلدِ كذا، ثم قال له: لا تُسافر، احتملَ: فقد أسقطتُ عنكَ كُلفةَ السفرِ، لا أنِّي حظرتُ عليك السفرَ، ثم حُمِل بعد تقدُم الأمرِ على النهي والحظر دون التخفيفِ وإسقاطِ الأمرِ، فَبَطَلَ ما عولتُمَ عليه من تقدُّمِ الحظرِ، وادعيتموه قَرينةً مغيِّرةً لموضوعِ الأمرِ ومقتضاه. قالوا: ولأن القرينةَ ما وَافَقَتْ. دونَ ما ضادتْ وخالفتْ، وبينَ الحظرِ والاستدعاءِ تضاد، فكيفَ يُدَّعى أنَ أحدَهما قَرينةٌ للآخرِ؟! قالوا: وتعويلكم على الأوامر الواردِة في القرآنِ بعد الحظرِ وأنها على الإِباحةِ ليس بمسلّم (١)، فإنَ قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] [يقتضي الوجوب]، (٢) وكان هذا أمراً بعد حظرٍ ونهيٍ عن القتلِ في الحَرَمِ. على أنّا في هذه المواضعَ صِرْنا إلى الإباحةِ بدلائلَ دلتْ على الِإباحةِ لا بمجرّد تقدم الحظرِ. ولو كانت على ذلك من غير دلالةٍ لما مَنَعَنَا ذلك من حملِهَا على الِإيجابِ الذي هو مقتضاها في الأصلِ دون الِإباحةِ، بدليلِ أنَ أكثرَ عموماتِ الكتاب على التخصيصِ، ثُمَّ لا تُحْمَلُ بإطلاقِها على الأكثر، لكن على اَلأصلِ في الوضعِ، وهو العمومُ وإنْ قل. وقالوا: ولأن الأصلَ في الاصطيادِ الإباحةُ، وكذلكَ البيع، وكذلكَ

стр. 1091

إتيانُ النساء، فلما عَرَضَ الِإحرامُ، وكان الصيدُ مشغلاً (١) ومُلهياً عنه، والبيغ مشغلًا عن الصلاةِ مع كونه مباحاً في الأصلِ، والأصل إباحةُ وطءِ الزوجاتِ لولا عارضُ الحيضِ، فلمّا ثبتَ عارض التحريمِ على إباحةِ الأصلِ جاءت صيغة الأمرِ بالاصطيادِ والبيع والوطءِ، كأنَ الظاهرَ أنه لمّا زالَ عارض التحريمِ أعادَهم بصيغة الأمرِ إلى مقتضى الأصلِ وهي الإِباحة، فهذه قرائنُ صالحةٌ لجَعْل الصيغةِ إطلاقاً، بخلافِ ما نحنُ فيه من حظرٍ مطلقٍ يعقبه أمرمطلق. قالوا: وأما دعواكم أنَ الأصلَ الإِباحةً، فليس بصحيحٍ، لأنَ عندنا أن الأصلَ على الوقفِ دون الإِباحةِ. فصل في الأجوبةِ عن الأسئلةِ أمَّا الأوّلُ وقولُهم: إذا أمرَ بعد أنْ حظَر جاز أن ينسخَ الحظر بما شاء من إباحةٍ أو إيجابٍ أو ندبٍ، فهو كما ذكرتم، لكن أقل ما يزولُ به الحظرُ، وأوَّله من هذه الأقسام، إنّما هو الإطلاق، ويليه في الرتبةِ الندبُ، والغايةُ هو الإيجابُ، فلا يجوز حملُ الصيغةِ على غايتها في هذا المحلِّ المحتملِ، وليسَ كذلك إذا وردت ابتداءً، فإنَّه لا ترددَ فيها ولا احتمالَ مع أدلةِ الإيجاب المتقدم، وما هو إلا بمثابةِ ما لو تقدمَ استعلامُ العبدِ، هل يفعل أو لا؟ أو اَستئذانه، فَيَعْقُبُ ذلك من السيدِ صيغةُ: افعل، كان إذناً، ولو وردتْ ابتداءً كان أمراً، فقد بانَ أن للتقدّمِ أثراً في التعبيرِ لهذه الصيغةِ. وأمَّا صيغةُ النهي إذا جاءتْ بعد الأمرِ، فإنها تقتضي على ما قال

стр. 1092

أصحابُنا التنزيهَ لا الحظرَ، وهذا ليس بجيدٍ؛ لأنهم إنْ طلبوا وِزانَ الأمرِ بعد الحظرِ فوِزانُه من النهي بعد الأمر الإطلاق من عهدةِ الأمرِ، فإنَّ الأمرَ استدعاءٌ حتمٌ، هذا هو المذهبُ، فقوله: لا تفعل. بعد قوله: افعل. يعطي إسقاطَ الفعلِ لا حظرَه ولا التنزيهَ عنه، ووِزانُ الحملِ للنهي بعد الأمر على التنزيهِ، حملُ الأمر بعد الحظرِ على الندب، فاذا لم يُحمل الأمرُ على الندب الذي هوَ أدنى مراتب الأمرِ، بلَ على الإِطلاقِ بعد الحظرِ، حُمِلَ النَهيُ على الإِسقاطِ دونَ التنزيهِ، الذي هو أحدُ مراتبِ النهي. قالوا: وإن سُلِّم وأنه لا يقتضي الإِسقاطَ ولا التنزيهَ، لكن يقتضي ما اقتضاه الإِطلاقُ، ولأنه يطابقُ الأصلَ وهو الحظرُ، وهذا عندي ليس بانفصالٍ، لأنَ تأكده ليس بزيادةٍ على مقتضى الأمرِ، لأن مقتضى الأمرِ إيجابُ الفعلِ، ومقتضى النهي إيجابُ التركِ، فلا وجهَ لتأكيدِ أحدِهما على الآخرِ، ولأنَه مع تأكده تعملُ فيه القرينةُ فَيُحطُ عن رتبةِ الحظرِ إلى التنزيهِ، وقد جعلَ أصحابُنا تقدمَ الحظرِ قرينةً حطًت الأمر عن رتبتهِ، فهلا جعلوه كسائرِ القرائن في حطِّ النهي عن رتبتهِ، وهي الحظرُ، إلى أحدِ أمرين: إمَّا إسقاطُ ما أوجبه الأمرُ، أو التنزيهُ دون الحظرِ، ولا انفصالَ عن هذا عند المنصف. والمنعُ مذهب حَسَن على الوجه الذي ذكرته، وهو أن يجعل للإسقاط. وأمَّا قولُهم: إنً القرينةَ ما وافقتْ، والقَرينة المؤكدةُ للمقتضى ما وافقتْ، مثلُ القرائن

стр. 1093

المؤكدةِ للأمرِ تؤكدُ ما يقتضيه من الإيجاب، وتزيلُ الاحتمالَ، مثلَ أن يقرنَهُ بالوعيدِ على التركِ وذِكر الايجابِ والحَتمِ، فأمَّا القرائنُ المخرجةُ للصيغةِ عن موضوعها، فإنها لا تكونُ إلا مخالفةً لمقتضاها لتُخرجها عن موضوعِها في الأصلِ. وأمَّا قولُهم: إنَّ صيغةَ الأمرِ قد وَرَدَت بعد الحظرِ، وأرِيدَ بها الإيجابُ، وهو قولُه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] فإنما وجَبَ القتلُ بدلالةٍ وقرينةٍ، وهي قولُه: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] إلى قوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾، إلى قوله: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [التوبة: ١٣]، وهذا نوعُ وعيدٍ وحث وتذكيرٍ بأفعالٍ تقتضي إيجابَ إعزازِ الدين بقتالِهم وقتلهم. وأما المخصوصاتُ من العموم وإن كثرتْ فإنَها ليست استعمالًا بمقتضى الصيغةِ، بل مقتضاها العموَمُ، وإنْ جاءًا لخصوصُ لم يَخرجْ عن أنَّ القصدَ التكثيرُ، فإنَّ الإِنسان لا يقولُ: جاءني سائرُ تميم، وكل ثقيف، إلا ويريدُ به التكثيرَ، فأمَّا الأمرُ بعد الحظرِ فإنه لا يجيءُ إلا وُيراد به الإِطلاقُ بعد التقييدِ، والإِباحةُ بعد المنع. وأما إنكارهم أنَ الأصلَ الإِباحةُ، فهي طريقة خصصنا بها من سلمها دون من يمانعها. وأمَّا قولُهم: إنَّ الأصلَ إباحةُ الاصطيادِ والبيوعِ، فحُرِّمَ لعارضٍ،

стр. 1094

فلمّا زالَ العارضُ عادَ إلى الأصلِ، وليسَ عَوْدُهُ إلى الأصلِ بأولى من تَبْقيةِ صيغةِ الأمرِ على الأصلِ، فلما تقابلَ أصلانِ، فرددتَ الأمرَ إلى أصلِ الإِباحةِ، عُلِم أنكَ راعيتَ أصلَ الحِل والإِباحةِ، وأسقطتَ لأجلهِ وضعَ الأمرِ في الأصلِ، وما كانَ ذلك إلا لتقدم الحظر. فصل يجمعُ ما تعلق به من قال: إنها على مقتضاها في الأصلِ من ذلك قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ...﴾ [النور: ٦٣] وهذا وعيدْ يشملُ المخالفةَ لكلِ أمرٍ، سواء تقدمهُ حظرْ أوْ كان مبتدأً لم يتقدمْهُ حظرٌ. وقوله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ...﴾ [الأنفال: ٢٤]، وجميعُ العموماتِ في إيجاب الأوامرِ، وهي على ظاهرِها، إلى أنْ تتحققَ دلالةٌ تصرِفُها عن ظاهِرها. ومن ذلك قولُهم: إن صيغةَ الأمرِ تقتضي الإيجابَ عندكم، وعند من وافقكم من الفقهاءِ والأصوليين، فتقدمُ الحظرِ لا يغيرها عن موضوعِها، كما لو قال: حرَّمتُ، ثم قال: أوجبتُ، فإنه لا يُخرجُ تقديمُ التحريمِ، لفظةَ الإِيجاب عن مقتضاها إلى الِإطلاقِ، ولا الندب، وإن كانت قد تَرِدُ والمرادُ بَها الندبُ، مثلُ قوله ﷺ : "غسل الجمعَة واجبْ على كلِّ محتلم" (١). ومن ذلكَ قولُهم: إنَ النهيَ استدعى التركَ على وجْهِ الحتمِ، ثم

стр. 1095

لو تقدَمهُ الأمرُ لم يكنْ تقدمُ الأمرِ قرينةً تقتضي إخراجَ صيغةِ النهي عن مقتضاها، وهو الحظرُ، كذلكَ صيغةُ الأمرِ لما اقتضت استدعاءَ المأمورِ به على وجهِ الإِيجاب والحتمِ، فإذا وردتْ بعد الحظرِ وجبَ أنْ تكون على مقتضاها من الَأصلِ، وهو الإِيجابُ أو الوقفُ أو الندبُ. ومن ذلكَ قولهم: إن صيغةَ الأمر تقتضي إيجاباً عند القائلين بالإِيجابِ، أوْ ندباً عند القائلين بالندبِ، أو الوقفَ عند أهلِ الوقفِ، ولا تخرجُ عن مقتضاها إلا بقرينةٍ، وتقامُ الحظرِ ليس بقرينةٍ، لأن القرينةَ ما يُبيِّن معنى اللفظِ ويماثله، فأمَّا ما يخالفه ويضادُّه، فلا يكون قرينة. وحرّروه قياساً، فقالوا: هذه صيغةُ أمرٍ تجرّدت عن القرائنِ، فكانت على مقتضاها في الأصلِ، كما لو لم يتقدمها حظرٌ. ومِنْ ذلك قولهم: لو كانَ الأمرُ بعد الحظرِ يقتضي الإِباحةَ، لكان سائِرُ أوامِر الشرعِ تقتضي الإِباحةَ، لأنَّ الأصلَ عندكم الحظرُ، فلا أمرَ إلا وهو بعد حظرٍ. وربما قال قوم: إن العقلَ يقتضي الحظرَ، فإذا جاء الأمرُ من طريقِ الشرعِ، وجبَ أن يكونَ على الِإباحةِ، دون الايجابِ والاقتضاءِ رأساً. ومن ذلك قولهم: إنَ اَلإباحةَ ليستْ قِسماً من أقسام الأمرِ، وإنما لم تكنْ من أقسامِه، لأنَ أدنى طبقاتِ الأمر أنَه استدعاءٌ لمَندوبٍ، ليُثابَ عليه، أو واجبٌ أكثرُ ثواباً وأعظمُ أجراً، فأمَّا المباحُ فإنه إطلاقٌ لا ثوابَ في فعلهِ، وإذا لم يكنْ من أقسامِ الأمرِ، فلا وَجْه لقولِكم: إن الأمرَ

стр. 1096

بعد الحظرِ يقتضي الإباحةَ. ومن ذلك ما ذكره بعض (١) الأئمةِ في النظر: لو كان تقدمُ الحظرِ يُحيلُ في صيغةِ الأمرِ إحالة تغيَره (٢) عن مقتضاه، لكان الأحق بأنْ يتغيرَ إليه التهديدُ؛ لأن التهديدَ إلى النهي أقربُ، وهذا عُرْفُ القومِ، وأنَهم إذا قدَّموا الحظر والزجر ثم عقَبوه بصيغةِ الأمرِ كان ذلك تهديداً، كقوله: اعملْ ما شئتَ بعد أن حَظَر عليه. وقولُ الباري سبحانَهُ لإبليس: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]، وقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] فلما لم يكن تهديداً، فأولى أنْ لا يكونَ إباحةً. ومن ذلكَ قولهم: إذا كان عند أصحاب الوجوب أو الندبِ، يفيد الِإيجابَ أو الندبَ، لكونه أمْراً، وكان تقدمُ الحظرِ لاَ يخرجه عن كونه أمراً، وجَبَ لذلك أنْ يكون محمولاً على فائدتِه في أصل الوضعِ، لأنَ تقدمَ الحظِر لم يُخرجه عمّا لأجله أفادَ ذلك، وهو كونهَ أمراً، كما أنَ تقدمَ خبرِ الأمرِ، أو استخبارهِ، أو بعضِ أقسام الكلامِ أو أقسام الأفعال، لما لم يُحْرج صيغةَ الأمرِ بتقدّمه عليه عن كونِه أمراً لم يكن قرينة تخرجُهُ عن الِإيجابِ أو الندب إلى الإباحةِ والِإطلاقِ. ومن ذلك الأمرُ من أحدِ أقسام الكلام، فلا يخرجُ عن مقتضاه في الأصلِ بتقدم الحظرِ، كالخبرِ وَالاستخباَرِ والنداءِ والتعجّبِ، فإن

стр. 1097

هذه الأقسام إن ابتدَأ بها كانت على مقتضاها فى الوضعِ، وان تَلَفظَ بها شافعةً لما قدمه عليها من الحظرِ كانت على مقتضاها من أصلِ الوضعِ، فما كانَ منها خبراً قبلَ الحظرِ، كان خبراً بعدَ الحظرِ، وما كان تعجباً أو نداءً، كان كذلكَ قبلَ الحظرِ وبَعْده، كذلك صيغةُ الأمرِ ولا فرق. ومن ذلك قولهم: لو كانَ تقدمُ النهي يقتضي تغييرَهُ عن الإيجابِ إلى الإِباحةِ، وجَبَ أنْ يكونَ السامعُ لصيغةِ افعَلْ من الأعلى للأدنى، لا يحكمُ بأنها أمر حتى يسألَ هل تقدمها حظر أم لا؟ فصل يجمعُ الأجوبةَ عما ذكروه أما الَاياتُ، فإنها محمولة على ما ثَبَتَ أنه أمرُهُ، وعندنا أن هذا ليس بامرٍ، إنما هو إباحة واذن، بدليلِ ما ذكرنا، ولأنّه قارنَه الوعيدُ، فَدَل على الوجوبِ بقرينتهِ لا بمجرّدِ صيغتهِ. وأما إذا قال: أوجبتُ بعد قولهِ: حرمتُ، فإن صيغةَ الايجابِ صريحة في الإيجاب، فجازَ أن لا يؤثرَ بشيءٍ يُغَيِّرُ حكمها، تقَدُّمُ صيغةِ الحظرِ عليها، لأنها لا تصلحُ للإطلاقِ والإذنِ، وانما هي الغاية في الاستدعاءِ والانحتام، ولو أراد الإذنَ لما أتى بصيغةِ الإيجاب، ألا ترى أنه لو استأذنه اَلعبدُ في الدخولِ، فقال له: أوجبتُ عليكَ الدخولَ، لم يُعد إذناً، واذا قال له عقيبَ الاستئذانِ: ادخل، كان إذناً. وأما قولهم: إن النهيَ بعد الأمرِ يقتضي ما اقتضاه في الأصلِ، كذلك الأمرُ بعد الحظرِ، فلا نسلمهُ، بل يقتضي الإسقاطَ لما أوجبه

стр. 1098

الأمرُ، فأمَّا أن يقتضي الحَظْرَ، فلا، وكما أن الأمرَ إذنٌ بعد الحظرِ، فالنهيُ تخفيفٌ وإسقاطٌ بعد الأمر، ولا أقولُ كما قال أصحابُنا: يقتضي التنزيهَ، لأن هذا القولَ منهم حطّ لرتبةِ النهي عن الحظرِ إلى رتبةٍ ثانيةٍ هي التنزيهُ، لأن صيغةَ الأمرِ لمّا ورَدَتْ عندنا بعد الحظرِ لم تكُ باقيةً على الأمرِ، لأنَ الأمرَ ليس من أقسامهِ إطلاقٌ ولا إباحةٌ، وانما مقتضاهما الاستدعاءُ، إمَّا إيجاباً، وإما ندباً، واذا أخرجنا الصيغةَ عن جميعِ أقسام الأمرِ، وأخرجنا صيغةَ النهي عن جميعِ أقسام النهي، فلا تحريم ولا تنزيهَ، لكنْ إسقاطٌ بعد إيجابٍ وتكليفٍ. وقد سلم بعض وافقنا في المسألةِ، وفرق بين صيغةِ النهي والأمرِ؛ بأن النهي يقتضي القبحَ والحظرَ، وهو مغلبٌ ومؤكدٌ، والمنعُ أصح. ولأن النهَّي يقتضي الحظرَ بظاهرهِ، من جهةِ أنّه استدعاءٌ للتركِ لا بصيغةِ الحظرِ، كما أن الأمرَ استدعاءُ الفعلِ لا بصيغةِ الِإيجابِ، وصُرِفتْ عن وضعِها لتقدُّمِ الحظرِ إلى الإطلاقِ، فيجب (١) أن تُصرفَ هذه عن الحظرِ إلى الإسقاطِ. وأمّا قولهم: تقدمُ الحظرِ ليس بقرينةٍ، لأن القرينةَ ما يُبيّن أو يماثلُ، فليس بصحيحٍ، لأنَّ القرينةَ التي تُبين وتماثلُ هي التي تؤكدُ حكم ما قارنته، كالوعيدِ على المخالفةِ مع صيغةِ الأمرِ، يقتضي الإيجابَ ويعضده، لأنّ الوعيدَ على التركِ من خصيصةِ وجوب المأمورِ به، والقرينةُ التي تخرِجُ الصيغةَ عن الموضوعِ الأصلَ، تباينُ

стр. 1099

وتخالفُ، مثلُ الوعيدِ على فعلِ الشيء مع صيغةِ استدعائه بتَغيرِ الصيغةِ من الأمرِ إلى التهديدِ. وأمّا قولهم: إنَ الأصلَ عندكم الحظرُ، فليس كذلك، بل لنا فيه ثلاثةُ مذاهبَ: أحدُها: الِإباحةُ. والثاني: الحظرُ. والثالث: الوقفُ. والأشبهُ بمذهبِ أهلِ السنةِ الوقفُ، لأنَّ العقلَ لا يبيح ولا يحظرُ، وليس قبلَ الشرع سِوى العقلِ، وهو عاطلٌ عن إباحةٍ وحظرٍ، فلم يبقَ للقولِ بأحدهما إلا وُرُودُ السمعِ. وإن قلنا بالإِباحةِ، فلا يلزمُ أيضاً، لأنَّه لا يكون أمر بعد حظرٍ، لكن بعد إباحةٍ. وإنِ قلنا بالحظرِ، فإنَّه حظر حكميٌ وليس بنُطْقيّ، وفرق بينهما بدليلِ أن الحظرَ الواردَ من جهةِ النطقِ بعد إباحةِ الأعيانِ في الأصلِ على قولِ من يقولُ بِالإباحةِ، وورودُ الإباحةِ بعد حظرِ الأعيان في الأصل لا يكونُ نسخا، وما ذاكَ إلا لأنَّ اَلنسخَ إنما يكون بحكمَ ثبتَ نطقاً، فكذلكَ ورودُ الأمرِ نطقاً بعد الحظرِ حكماً، لا يلزمُ أن يكونَ إباحةً، كما لم يكن نسخاً. وأمَّا قولُهم: إنَّ هذا ليس من جملةِ أقسامِ الأمرِ، لأنَّ الأمرَ با لمباح لا يجِوزُ على الله سبحانه، إذ ليسَ فيه تعريض لإِثابةِ المكلّفِ. فنحنُ قائلون بموجبِ هذا، لأنَّه عندنا إذن وإطلاق، وليس بأمرٍ، لكنْ هو صيغةُ الأمرِ، ومن لَقّب المسألةَ بالأمرِ بعد الحظرِ، فإنّما يجوِّزُ بذلك لأجل الصيغةِ، ولا هو عندنا من أقسامِ الأمرِ وإن كان بصيغته، كقول المُهدِّد: افعل، صيغتهُ صيغةُ الأمرِ، وهو خارجٌ عن أقسام الأمرِ إلى معنى هو التهديدُ، كذلكَ هذه خرجتْ بتقدُّمِ الحظرِ عليهاَ إلى معنى هو الإِطلاق والإِذنُ.

стр. 1100

وأمَّا قولهم: لو أثَّر فيه تقدمُ الحظرِ، لكان يجعله تهديداً، لأنَّ التهديدَ إلى النهي والحظرِ أقربُ. فلا يلزم، لأنَّا قد جعلنا هذا حجةً لنا، من حيث كانَ تغييرَ اللفظةِ عن مقتضاها في الجملةِ، وأنت لم تجعلْ تقدُّمَ صيغةِ الحظر عاملةً ولا مؤثرةً في صيغةِ الأمرِ، وإنما لم نجعلها نحن تهديداً، لأنَّ التهديدَ زجرٌ، وهو من آكدِ ألفاظِ الحظرِ، فإن العربيَّ إذا تناهى في الزجرِ، قال لعبدهِ: الآن افعل ما شئتَ، تقديرُه: فسترى ما أفعلُ بكَ من العقوبة. وإخراجُ صيغةِ الأمرِ إلى الزجرِ إخراجٌ عن موضوع إلى ضدِّه، لأنَّ الأمرَ استدعاء والزجرَ كف ومنع، وإخراجُ الشيءِ إلى ضدِّه، لا يقعُ إلا بضرورةٍ، وهي القرائنُ المتأكدة، وشواهدُ الأحوالِ الظاهرةُ، وليس في تقدُّمِ الحظرِ من القوةِ ما يخرجُ صيغةَ الأمرِ إلى ضدِّها من الحظرِ والزجرِ، فأمَّا إخراجُها إلى الِإطلاع، فهو مما يليقُ بالحالِ، لأنَّ الحظرَ أوجبَ منعاً، فأولُ مرتبةٍ ينحط إليها الحظرُ الإطلاق، لأنه لا تتقدمه مرتبة، ثمَّ الندبُ، ثم الإيجابُ، وكُلّه يقتضي إيَجادَ الفعلِ، إلا أنّه في الإباحةِ إطلاق في الفعلَ، وفي الندبِ حثٌّ، وفي الإيجاب حتم والزام، فأمَّا التهديدُ فإحالةٌ، وليسَ يقتضى الإحالةَ، إلا اَلضروَرةُ المحوجةُ إلى ذلك بأقوى الشواهِد، على أنّ صَيغةَ الأمرِ لا تكون تهديداً، إلا إذا تعقبت النهيَ وكانت في مجلس النهيِ، فأمَّا مع تطاولِ الزمانِ، فلا يكونُ تهديداً بحالٍ. وأمّا دعواهم أنّه ما خرجَ عن كَوْنِه أمراً، فيجبُ أن يكون على مقتضاهُ. فليس بصحيح لما قدمنا وأنَّ تقدُّمَ الحظرِ أخرجَهُ عن الأمرِ إلى الإطلاق والِإباحةِ، ولو بقيناه أمراً لبقيَ على مقتضاه في الأصلِ. وَأمّا قياسُهم على الخبرِ، وأنّه لم يخرجْ بتقدُّمِ الحظرِ عن كونه خبراً، والجمعُ بين صيغتي الخبرِ والأمرِ بأنَّه أحدُ أقسامِ الكلامِ، لا يلزمُ؛ لأنَّ الخبَر لا يُبنى في العادةِ على الحظرِ بناءً يخرجهُ عن الأمرِ

стр. 1101

به، بدليلِ أنَه إذا قال لعبدهِ: لا تقربن هذه الدارَ ولا تدخلها، ثمّ قالَ بعد ذلك: قد دخلَها عبدي الآخرُ،. لم يؤثّر هذا في الحظرِ الأولِ، ولو قال له: ادخل الآن، سُمّي آذناً، وما عُد إذناً إلا لتقدم الحظرِ، ألا ترى أنَّ العبدَ لو استأذنَ سيِّدهُ في دخولِ الدارِ، فقال لَه سيّدُهُ: ادخلْ، عُد إذناً، ولو قال له: قد دخلَ غيرُك من عبيدي، لم يخرُجْ عن كونهِ خبراً، فصحَّ ما قلنا. وأمّا قولهم: إنه لو كان تقدُّمُ الحظرِ يُغَيِّر مقتضى اللفظِ، لما جاز أن يُحكمَ بأنه لا يحدث حتى يستبرىءَ ويبحثَ، هل تقدمَ الحظرُ أم لا؟، فإنّه باطل بالصيغةِ إذا وردَت بعد النهي والوعيدِ، فمنّها مقتضى التهديدِ، ولا يُقالُ إننا نحتاجُ أن نسألَ حين بادرَ الصيغةَ بالاستدعاءِ: هل كان قبلَها حظر أوْلا؟. فصل يكثرُ ذكرُهُ بين الفقهاءِ، ولا يُحقَّقُ الكلامُ فيه، بل يعلقُ تعليقاً. وهو قولُهم: إنّ ما لا يحصلُ الواجبُ إلا به فهو واجب. فاعلم -وفقكَ الله- أنَ التحقيقَ في ذلك أن يقال: إنَّ ما لا يصحُّ فعلُ الواجبِ إلاّ به على ضربين: أحدُهما: من قِبلِ الله سبحانَهُ. والثاني: من كسب العبْدِ. فالذي من قبل الله سبحانَه: إزاحةُ العلّةِ في التمكنِ من الفعلِ الذي أوجبهُ، ولا يحصلُ ذلك إلا بثلاثةِ أشياء: عقل تامٌّ، يصلحُ للنظرِ في دلائلِ الغير، وفهمِ الخطاب، والاستدلالِ بما ينصبُه سبحانه من الأدلةِ على ما أوجَبهُ عليه من أنواعَ

стр. 1102

التكاليف، ويصلحُ لتلقي أمرِه سبحانه، وإيجابهِ بالاعتقادِ لإِيجابِ ما أوجبه والتزام ما ألزمَه، والعزم على فعلهِ بحسب طاقتهِ وجُهدِهِ في مستقبلِ حالهِ التي لا يصحُّ إيقاعُ الفعلِ إلا فيها، وهي ظرفُ الزمانِ لأفعالِ المُحدثين. الثاني: أداةٌ يعملُ بها صحيحةٌ سليمة، مثل الجوارح، لأيقاعِ الأفعالَ من العباداتِ، وكونها على صفةٍ يصح أن يفعلَ بها ما أمِرَ به من أعمال الأبدانِ، كالصلاةِ والحجِّ وجميعِ الأنساكِ، وصحتها وجودُ الإستطاعةِ والسلامةِ من الآفاتِ المحيلَةِ بينها وبين الأفعالِ. والثالث: الدلائلُ المنصوبةُ على إيجابِ الواجب منها، ونَدْبِ المندوب إليه، على اختلافِ مراتِبها، من حصولِ الظَّن بالأماراتِ، واليقينِ باَلاستدلالياتِ الموجِبةِ للعلمِ، فهذهِ من قِبل الله. واختلفَ أهلُ الأصولِ في تسميتهِا واجبةً على الله، فلم تتحاشَ المعتزلةُ من ذلك، بناءً على أصلهِم وقولهِم بإيجابِ العقلِ ونفي تكليفِ ما لا يُطاقُ. وتحاشى أهلُ السنّةِ من أصحاب الحديثِ والفقهاءِ عن إطلاقِ ذلك، لكن قالوا: إنَ الله تفضلَ بالتزاَمِ ذلك، فأخبرَ عن نفسهِ بأنه لا يُكلفُ نفساً إلا وسعها، وهو الصادقُ في خبره تفضلاً منه، إذ ليس فوقَهُ موجِب يوجِبُ عليه، ولاقضاءَ للعقلِ معه. وأمّا الذي من قِبَلِ العبدِ ومن مقدوراتِه، فما كان طريقاً إلى فعلِ الواجب أو شرطاً له أو تسبُّباً إلى حصولِ شرطهِ، وذلكَ مثلُ الطهارةِ للصلاَةِ، وما لا تتمُ الطهارةُ إلا به، كتحصيلِ الماءِ، إمَّا بعملِ بَدَنٍ

стр. 1103

كاستقائهِ من قعرِ بئرٍ أو غدير، أو مالٍ كابتياعه بثمنِ مثلِه أو زيادةٍ لا تخرجُ عن العُرْفِ، وعند قومٍ بثمنِ مثلِه فقط، وكذلك الستارةُ والتسببُ إليها بإجارةٍ أو إعارةٍ أو ابتياعٍ، والتوصّل إلى استقبالِ القبلةِ والوقتِ، ومراعاة الأظلّةِ والأماراتِ الدالّةِ على الأوقاتِ، كزوالِ الشمسِ وكونِ الظلِّ مثله أو زيادة، وطلوع الهلالِ للعلم بدخولِ شهرِ الصيام، وذلكَ إمّا بتوليهِ بنفسهِ إن كان عَالماً، أو بالسؤال للعالمِ به إن كان مَقلداً، فهذا وأمثاله من السعي إلى الجمعةِ، والسيرِ لقطعِ طريقِ الحجِ للوصولِ إلى مكة، وشَرْيِ الرقبةِ للعتق، وخرصِ النخيلِ والثمارِ لإِخراجِ العُشْرِ، وما شاكلَ ذلك، كُلُّ ذلك واجب على العبدِ، لكونه لا يُوْصَلُ إلى الواجب إلا به. والدلالةُ على وجوب ما شرطناه أولًا: أنَ العقلَ أداةُ الاستدلالِ والنظرِ، ولادلالةَ تتحصلُ إلا بإجهادِ العقلِ وإعمالهِ في فعلِ الواجب واجتناب المحظور واكتساب المندوب، والمكلف إنما كُلِّف تعريضاً لهَ بثوابِ الله، ولا ثواب له إلاَ بأعمال، الطَاعات واجتناب المعاصي، وأما ما يكون من الله سبحانه، فلأنّه برأ نفسَهُ ونفى عنهاَ تكليفَ ما لا طاقةَ لنا به ولا وُسْعَ، فقال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولا يَحْصلُ التعريضُ للثواب ومنعِ المفاسدِ، إلا بإزاحة عِلَلِ المكلفين بالإِقدارِ على الفعلِ والتركِ، وكذلك لم يَحْسُن بإجماعِنا تكليفُ الميتِ؛ لعدَمِ ما يفعل به ومعه، والأعمى نَقْطَ المصحفِ، وما ذلكَ إلا لِما فيه من الإِعناتِ، وقد ضمِنَ اللة على نفسهِ أنه لا يكلِّفُ نفساً إلا وسعَها.

стр. 1104

وأمّا وجوبُ الدلالةِ، فلأن العاقلَ لا سبيل له إلى العلم بالمدلولِ إلا بعد أن يحققَ النظرَ والاستدلالِ بالدليلِ على المطلوبَ. وأمَّا الدلالةُ على أنه يجب علينا ما لا يمكن فعلُ الواجب إلا به، كالطهارةِ والستارةِ، لأن من تركَ صلاةً من يومٍ، خاطبناه بقضَاءِ صلاةِ يومٍ كاملٍ، ليتحققَ بفعل مالا يمكنُ تحققُ فَعلِ الواجب إلا به فعلُ الواجب، وإن كُنّا نعلمُ أنَّ أربعةً منها وجبتْ ليتحققَ فعْلُ الواجب، وليست واجبةً في الأصلِ. وكذلك غسلُ قصاصِ شعرِ الرأسِ، وليسَ من الوجهِ، ليحصلَ لنا استيعابُ جميعِ الوجهِ. وكذلكَ الِإمساكُ في جزءٍ من الليلِ ابتداءً قبل طلوع الفجرِ، واستقصاءً بعد غروب الشمسِ، ليتحققَ صومُ عامَّةِ النهارِ، وَقد أساء قوم من المتفقهةِ العَبارة فقالوا: فعلنا غيرَ الواجب ليتحققَ فعل الواجبِ، والتحقيقُ أَنَّا نوجِبُ الكلَّ، لعدمِ تحقيقِ العينِ. فصل واعلمْ أن مِن هذا القبيلِ: ايجاباً على الشخصِ المكلَفِ، يَقِف على انضمام مكلّفٍ آخرَ إليه، فمتى لم يحصلْ إجتماعُ غيرِه به وانضمامهُ إليه، لم يتحصلْ خطابُ الشرعِ له بذلك التَّعَبُّد، ولا ايجابهُ عليه، كالجمعةِ لا تقامُ حتى يتحصّلَ مع كلِّ واحدٍ تسعةٌ وثلاثون، وكالجهادِ لا يجبُ حتى يجتمعَ معه جماعةٌ تحصلُ بهم المنَعَة. وأمَّا الشاهدانِ اللذانِ تحمَّلا شهادةً، فمتى طالبَ [صَاحبُ]، الحقِّ كلَّ واحدٍ منهما مجتمعاً بالشاهدِ الآخر، أو منفرداً، لَزِمَه أداءُ ما عنده من الشهادةِ، لأنَّ الاجتماعَ ليس بمشروطٍ، ألا ترى أنَّ أداءَ كلُّ واحدٍ

стр. 1105

بمفْردِهِ يسمعه الحاكمُ ويجبُ عليه سماعهُ، ولا يصح شروعُ كلِّ واحدٍ من الأربعين في الجمعةِ، ولا ينفردُ الواحدُ بالجهادِ من غيرِ منَعَةٍ، واذنِ الإِمامَ. فصل منتفع بعلمهِ لا يسعُ الفقيهُ جهلَهُ، وهو من هذا القبيلِ. وهو أن ما كان شرطاً لحصولِ الوجوبِ على المكلفِ لا يلزمهُ تحصيلهُ، ولا يجب عليه اكتسابهُ والتوصلُ إلى تحصيلِه بإجماع العلماءِ، مثل فقيرٍ لا مالَ له، لا يجبُ عليه اكتسابُ نصابٍ وتحصيلهِ لتجبَ عليه الزكاةُ، ومن لا رقبةَ له وإطعامَ، لا يجبُ عليه اكتسابُ رقبةٍ ليحصلَ من أهلِ الإعتاقِ في التكفيرِ، ولا يجبُ على آحادِ المسلمين أن يتسببوا لإِيجابِ الجمعةِ، مثل جمع أهل قريةٍ لايتمّون أربعين رجلًا، لا يلزمُهم ترغيبُ نازِل ينزلُ عليهم ويستوطنُ قريتهم ليتم عددُ الجمعةِ، فتجبُ عليه الجمعةُ، ولا يجبُ على المريضِ الضعيفِ عن القيام في الصلاة أن يتداوى ويتقوّى ليُصلي قائماً، فتَحقَّقَ من هذا، أنَ التَسببَ لِإيجابِ العباداتِ على المكلفِ لا يجب. وفارقَ التسبُّبَ لما وجَبَ وخوطبَ به، مثل تحصيل الطهارةِ، والستارةِ، واستقبالِ القبلةِ، فإنَ تلك شرائطٌ للواجب الذي خُوطِبَ به مشروطاً بتلك الشروطِ، وهذا لم يجبْ، فلم يلزمْه تحَصيلُ معنى يتجه به الخطابُ بالوجوبِ.

стр. 1106

فصل ومن ذلك قياساً عليه وإلحاقاً به، أن العبدَ لا يجبُ عليه أن يرغِّبَ سيدهُ في عتقهِ بالكتابةِ، وكثرةِ المالِ الذي يبذلهُ، لتحصلَ له الحرّيةُ، ليتجهَ نحوه خطابُ الأحرارِ بالجمعةِ، والجهادِ، والحجِ، وغيرِ ذلك من التكاليفِ. فصل ومن هذا القبيل ما يُدْخِلُه الإنسانُ على نفسهِ بكسبهِ، مما يتعذرُ به فعلُ الواجب؛ كالحاملِ تضربُ بطنَها فتنفس، وينقطعُ دمُ الحيضِ عن المرأة فتشرَب دواءً ليعودَ دمُ الحيضِ، ومن يكسرُ ساقَه فلا يستطيعُ النَهضَةَ في الصلاةِ، فهم (١) لا يصيرون في سقوطِ الفرض عنهم كالمعذورين بما يفعله الله سبحانه فيهم؛ من الزَمانَةِ، والحيضِ، والنّفاسِ، ابتداءً. فصلٌ ومن هذا القبيلِ: ما إذا أدخلَهُ المكلفُ على نفسهِ لم يزلْ خطابهُ، وإن كان مثل ذلك لو جاءَ من قِبلِ الله سبحانه لأسقطَ التكليفَ، كالسكرِ المغطي للعقل، وتعمّد شرب البنجِ، العامل عملَ الخمرِ في إزالةِ التمييز والتحصيل، فهذا لا يسَقطُ الخطابَ، وبمثله لو كان بإغماءٍ أو جنونٍ أسقطَ الخطابَ.

стр. 1107

فصل واعلمْ أنه كما قدمنا أن الواجبَ إذا لم يمتاز عن غيرِ الواجب، وجب كل ما لا يمكن تحققُ فعلِ الواجبِ إلا بفعله، كفعلِ صلواتَ جميعِ اليوم والليلةِ لتركِ صلاة منها لا تُعرف عينُها، وغسلِ قصاصِ شعرِ الرأسِ ليُعلم تحقيقُ غسلِ جميعِ الوجهِ، والإمساكِ في طرفي النهار من الليلةِ قبلَهُ وبعدَهُ، لتحققِ إمساكِ جميعه، كذلك إذا اختلطت أعيانٌ؛ بعضها نجس أو غير مذكا بطاهرٍ ومذكاً، وأعيان يحْرُم الاستمتاعُ بها والتزويج. وتجب أنْ تقولَ في ذلك: فعلُ غير الواجب مع الواجب، وتركُ غير المحرّم لأجلِ المحرّمِ، لكنْ يقال: اَلكُلُّ واجب، والكُلُّ محرم، إذ لَا ميزة فيه بين الأزمانِ والأعيانِ، فصار الكلُّ واجباً، أو واجباً فيه، والكلُّ محرماً، أو مُحرماً فيه. فصل وخَرَجَ من هذا اختلاطُ واحدةٍ من محارمهِ بأهلِ بلدٍ كثيرٍ، أو بنساءِ أهلِ الدنيا، أنهُ لا يحرم لمَا في ذلك من المشقةِ الفادحةِ، وهجرانِ الأعيانِ بالكُليةِ، بخلافِ الأعيانِ التي يقلُّ عددُها. فصل في الأمرِ المطلقِ المتجردِ عن القرائن اختلفَ الناسُ فيه، فَذهَب صاحبنا ﵁ وأصحابُه إلى

стр. 1108

أنه يقتضي التكرارَ (١)، سواءٌ كان معلَّقاً بوقتٍ يتكرر؛ كطلوع الفجر وزوال الشمس أو غروبِها، مثلَ قوله: صلِّ إذا طلعَ الفجرُ، أو إذا زالَتِ الشمسُ أو غربتْ، أو كانَ مطلقاً، مثل قوله: صل وصُمْ. وذهب أكثرُ المتكلمين إلى أنه لا يقتضي إِلا فعلَ مرةٍ، وإليه ذهبَ أكثرُ الفقهاءِ (٢). ومن أصحابِ الشافعي (٣) من قال: إنه يقتضي التكرارَ. وقال بعضُ الفقهاءِ: إِن كان معلقاً بشرطٍ يتكررُ أو وقتٍ اقتضى التكرارَ، وإن كان متجرِّداً مطلقاً اقتضى فعلَ مرةٍ (٤). وقالت الأشاعرةُ: هو على الوقفِ إِلى أن ترِدَ دلالة تقتضي التكرارَ أو فعلَ مرةٍ (٥).

стр. 1109

فصل يجمعُ أدلتَنا على أنه يقتضي التكرارَ ما رُوِي أَنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قالَ للنبيِّ ﷺ لمّا صلى بطهارةٍ واحدةٍ فجمعَ بها بين صلواتٍ عامَ الفتحِ، قال له عمر بنُ الخطاب: أعمداً فعلتَ هذا يا رسولَ الله؟، فقال: "نعم" (١)، ولو لم يَعْقِل من قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وجوبَ تكرارِ الوضوء لتكرارِ الصلاةِ، لما سألهُ عن ذلك واستفصلَ عن عمدٍ فَعَلَ، أو على وجهِ السهوِ. ولأنَّ النبيَّ صلى الله عليه لما أمرهم بضربِ شاربِ الخمرِ، كرّروا عليه الضربَ. وروي أن الأقرعَ بن حابس سألَ النبيَّ ﷺ ، فقال: أحجنا هذا في كلِ سنةٍ؟ أو في العُمرً مرّةً واحدةً؟ (٢)، فلو كانَ يقتضي مرةً لم يكُ للسؤالِ معنى. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا

стр. 1110

منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم فانتهوا" (١)، وهومُستصرح لتكرارِ الفعل، فلا وجهَ لمخالفةِ أمرِه والاقتصارِ على ما هو دون الطاقة. ومما يدل على ذلكَ: أن أكثرَ أوامرِ الشّرع على التكرارِ، وإذا ورَدَ أمر شاذ مُتجرًد، وجَبَ حَمْلُه على مُقتضىَ الأكثرِ، لأنّه صار بكثرةِ استعمالهِ عرفَ الشرعِ. ويدل على ذلكَ، أنَ النهيَ استدعاءُ التركِ، والأمرَ اقتضاء بالفعلِ، واستدعاء له، ثم إنَ النهيَ يقتضي الدوامَ والتكرارَ لتركِ المنهي عنهُ، فيجبُ أن يكون الأمرُ يقتضي دوامَ المأمور به. ويدلُّ عليه: أنَ قولَ الأعلى للأدنى: صلِّ، يحسُنُ تفسيرُه بصلاةٍ وبصلواتٍ، فدلّ علي أنّه يقتضي الجميعَ، فوجبَ حملُه على جملةِ مايقتضيه ويحسُنُ تفسيرهُ به. ويدلُّ عليه: أنَّ قولَ القائلِ لِمنْ هو دونَه: احفظْ هذا المالَ، واجلسْ في هذا المكان، وصمْ، وقمْ، وادخُلْ، وكُلْ، واركبْ. يقتضي الشروعَ فيه، ولا يحسُن، الخروجُ عما أمره به من جلوسٍ بعد القيامِ، وتخليةٍ بعد الحفظِ، وإفطارٍ بعد الصيام، وخروج بعد الدخولِ إلا بإذنهِ، حتى إنّه يحسُنُ توبيخُه على مَفارقةِ الحالِ التي أمره بها، حسبَ ما يحسنُ توبيخهُ بتركِ ذلك إذا قيَّده بالدوامِ. ويدل عليه: أنَ الأمرَ يقتضي وجوبَ الفعلِ والاعتقادِ والعزمِ، ثم إنَ الاعتقادَ لوجوبه، والعزمَ على فعلِه يجبُ دائماً متكرراً عندهم إلى

стр. 1111

حين يفرغُ من الأداءِ، وعندنا أبداً يجبُ أن يكون الفعلُ مكرَّراً، بل وجوبُ (١) الاعتقادِ والعزم لا يرادان (٢) لأنفسهما، بل يرادانِ لأجل الفعلِ، وإذا وَجَبَ تكرار غيرِ المقصودِ لنفسهِ، فلئن يجبَ تكرارُ المقصودِ لنفسهِ أولى. ويَدُلُّ عليه: أن الأمرِ بالصلاةِ عامٌ في جميعَ الأزمانِ، والدليلُ عليه أنه يحسنُ أن يقولَ الأمرُ: صلِّ إلا في يوم كذا، أو وقتِ كذا، وصُمْ إلا يومَ العيدِ وأيامَ التشريقِ. ولو كان يقتضي فعلَ مرةٍ لا على الدوام، لما حسُنَ الاستثناءُ، فإن المرّةَ الواحدةَ لا يدخلُ في زمنها أيامٌ، فلمَا حسُنَ الاستثناءُ، عُلِمَ أنها عمتْ الأزمانَ، فحسُنَ أن يخرجَ منها بالاستثناءِ بعضُها، فإذا ثبتَ أنها تقتضي الدوامَ، وجَبَ أن تكون على عمومِها وشمولِها إلا أن تصْرفَ عنه دلالةٌ، كلفظِ العموم، يقتضي شمولَ جميعِ الأعيانِ، إلا ما أُخرِجَ عنه بدلالةٍ. ويَدلُ عليه: أنه لو أمرَ بعبادةٍ قيّدها بوقتٍ، فقال: صل وقت الزوالِ. لتقيَّد ولزمَ فعلُه فيه مرّةً واحدةً، فإذا أطلقَهُ بغيرِ توقيتٍ له لزمَ فعلهُ في سائرِ الأوقاتِ. ويدلى عليه أيضاً: أنَّ مطلقَ الأمرِ اقتضى إيقاعَ الفعلِ في جميعِ الأزمان، لأنَه لا تحديد فيه، فإذا قال: صُم، اقتضى إيقاع الصومِ في جميعِ الأزمانِ القابلةِ للصيام إلا ما خصَّها الدليلُ، فهو بمثابةِ قولهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] عام في جميعِ الأعيان.

стр. 1112

فصل يجمعُ الأسئلةَ منهم على هذه الطرقِ قالوا: أمَّا قولُ عمر للنبي ﷺ : أعمداً فعلتَ؟ يدلُّ على أنَهُ أشكلَ الأمرُ عليه، ولو كان على التكرارِ لقال له كما قال ذو اليدين (١): أقُصِرَتِ الصلاةُ؛ لَمَّا استقرتِ الأربُع رَكعاتٍ، وقولُ الأخر: ما بالنا نقصرُ وقد أمِنّا (٢)؛ لَمَّا استقر شرط الخوفِ في اْلقصرِ، وهو قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] فقال ما قال. وأمَّا قولُه فيِ شاربِ الخمرِ: "اضربوه"، عقلوا منه التكرارَ بقرينةِ دلالةِ الحالِ، وأنَه قصدَ ردعَهُ وإيلامَهُ، ولا يقعُ ذلك إلا بالتكرارِ. وأما قولهم: أحجنا لعامِنا هذا أم للأبدِ؟ فلو كان اللفظُ للتكرارِ لمَا سالَ، وإنما سالَ للإِشكالِ، فهو مشتركُ الدلالةِ، وإنّما حسنَ السؤالُ للاحتمال، ونحن لا نُنْكرُ أنها مع كونها لدفعةٍ تحتملُ التكرارَ. وأمَّا قوله: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"، فأرادَ به أن العجزَ عن بعضِ المأمورِ به لا يُسقط الكُل، وأما الدفعةُ الثانيةُ،

стр. 1113

فليست داخلةً تحت الأمرِ. وأما قولكم: إنَ أوامرَ الشريعةِ أكثرُها على التكرارِ، فبدلالةٍ لا بالإِطلاق، وخلافُنا في الأمرِ المطلقِ، على أنَ أكثرَ عموماتِ القرآنِ مخضَصَة (١)، ولا يقتضي أن يكونَ الِإطلاقُ للعمومِ مقتضاه للخصوصِ. وأما تعلقُكم بالنهي وأنَه يقتضي التكرار، فلا يلزمُ، لأن النهي منع والأمرَ إيجاب، وفرق بينهما، بدليلِ أنَ اليمينَ على مَنْعِ النفسِ من الفعلِ، وهو قوله: والله لا دَخلتُ الدارَ. يقتضي الدوامَ، واليمينُ على الإلزامِ للفعلِ، مثلُ قوله: واللهِ لأدْخلن الدارَ، تُغْني فيه دخلةٌ واحدةٌ. قالوا: ولأن النهي يقتضي قُبْحَ المنهى عنه، وتركُ القبيحِ لا يتخصصُ بزمانٍ دونَ زمان، إذ هو قبيح أبداً، ولأنَ النهيَ المقيّدَ بوقتٍ يقتضي التكرارَ والدوامَ بخلاف الأمرِ. قالوا: وأمّا قولُه: صل، فإنه لا يقتضي إلا صلاةً واحدةً على طريقِ الحقيقةِ، فأما صلواتٌ فلا، ولهذا لو قال في لفظِ الخبرِ: صليتُ، ما اقتضى إلا صلاةً واحدةً، ويحسُن مِنَ المصلِّي صلاةً واحدةً أنْ يقولَ: قد فعلتُ ما امرتُ. قالوا: وأمّا قولُه: احفظ، فدلالةُ الحال تعطي الدوامَ، لأنَه ليس أحد يحب حِفظَ مالِهِ ساعةً، ثم يضيّعُ، فأما أن يكون تكرر الحفظِ ودوامه مفهوماً من جهةِ اللفظِ فكلا، ولكنْ من جهةِ العرفِ القائمِ في

стр. 1114

حق كل ذي مالٍ يستحفظه. فأمّا قوله: صل، فإنَة لا يقتضي إلا تحصيلَ ما يقع عليه اسمُ صلاةٍ، والتكرارُ لها والاستدامة أمر يقفُ على الدلالةِ. ولأنَّ البر في اليمينِ المعقودةِ على الحفظِ لا يحصل بحفظٍ يتعقبُهُ تضييعٌ، ويحصُلُ البر بصلاة واحدة يتعقبها خروج منها وتسليم. وأمَّا وجوبُ داومِ ما تضمنه الأمرُ من الاعتقادِ والعزم: قالوا: فأمَّا قوُلكم: إنَ صيغةَ الأمرِ تتضمن وجوبَ الاعتقادِ لِإيجاب الفعلِ، والعزمَ على فِعلِه، ثم إِن الدوامَ والتكرارَ مقتضى الأمر بهما، كذلك الفعلُ؛ فليس بلازمٍ، لأنَّ الاعتقادَ والعزمَ يجبُ متكرراً دائماً في حقِ الفعلِ المقيدِ بدَفعْةٍ، وهذا ليس لأجلِ الأمرِ، لكنْ لأنَ الأمرَ يتضمن الإِخبارَ بوجوبهِ، فإذا لم يعتقدْ كذبَ الخبرِ فتصديقُ (١) الخبرِ يجبُ دائما، وتكذيبهُ (٢) منهيٌ عنه دائماً، وليس كذلكَ الأمر لأنَه يقتضي الفعَل، وقد يقال (٣): إن الفعلَ لا يقعُ دائماً ولا يقتضي الأمرَ به، إلا على وجهٍ يحصلُ به ممتثلًا، وذلكَ يحصل بمرةٍ، كما يحصلُ البرُ بمرة. قالوا: وأما قولكم: إن الأمرَ بالصلاةِ يقتضي فعلَها في جميعِ الأزمانِ. فلا يُسلم؛ لأن الزمانَ غيرُ مذكورٍ ولا يتناولُه اللفظُ، لكنَه ظرفٌ يحتاجُ إليه فِعل المحدِثِ، ولئنْ سلمنا ذلكَ وأنه داخل تحت

стр. 1115

الأمرِ، فإن أردتُم تناولَهُ عموماً لم نُسلِّم، وان أردتم على طريقِ البدلِ وأنه أي الأزمانِ أوقعَ فيه الفعلُ جازَ، فصحيحُ مسلمُ، لكنه لا يقتضي ما أردتُم من التكرارِ والاستمرارِ، كما لو قال: صلِّ في أي وقتٍ شئتَ. وفارَقَ الأعيانَ، لأنه تناولَها عموماً لا على سبيلِ البدلِ، وإنّما تعلقكم بحسنِ الاستثناءِ فليس تخصيصُهُ للعموم، بل لو قال وصرح: صل في أي الأوقاتِ شئتَ. الأ وقتَ الزوالِ كَان استثناء صحيحاً، وإنْ لم يكن الأمرُ يعم سائرَ الأزمانِ، ويوضحُ هذا أنه لو حَلَفَ: ليقتُلَنَّ المشركين. لم يبرَّ إلا بالتعميم، ولو حَلَفَ: ليُصلِّين، برَّ بصلاة واحدة في وقتٍ واحدٍ، فافترق حكم الأعيانِ والأزمانِ المشار إليها هنا، وانّما الأزمانُ التي تشابهُ بعمومِها عمومَ الأعيانِ، قوله: صل الدهرَ، أو صل أبداً، فإذا صرخ باسمِ الزمان على وجهٍ يقتضي الشمولَ، كان عاماً. قالوا: وأما قولُكم: لو قيدَ الأمرَ بوقتٍ لَلزِم إيقاعُه فيه بعينِهِ، ولَحِقَ الإثمُ والتفريطُ بتركِه فيه، واذا أطلقَهُ بغيرِ توقيتٍ، كانت جميعُ الأوقاتِ وقتاً له، وصار على التراخي. ونحنُ نقول: إنّه لا توقيتَ في المطلقِ، ولكنْ ذلكَ لا يوجبُ الدوامَ على ما وقَعَ لكم، فوجبَ أنْ يكونَ فعلُه على التراخي فقط، إذ لا يُفيدُ عدَمَ التأقيتِ والتَعيينِ إلا التراخي. قالوا: وأما قولُكم: إن إطلاقَ الأمرِ اقتضى إيقاعَ الفعلِ في جميعِ الأزمانِ، لأنه لا تحديدَ فيه، فصارَ بمثابةِ قولِه: افعلْهُ دائماً في سائرِ الأزمانِ. فهذِا باطلُ، لأنه إذا قال: صل، أوْ: اضربْ، فلا ذِكْرَ للزمانِ فيه بذكرِ توحيدٍ ولا تَثْنِيةٍ ولا جمعٍ مُعرفٍ ولا مُنكَرٍ، وإنما المذكور جنس الفعلِ فقط، وإنما اقتضى دليل العقلِ إيقاعَهُ في وقتٍ ما غيرِ

стр. 1116

معيَّنٍ، فدعوى عموم الأزمانِ فيه خطأٌ، لأنه لا ذكرَ جرىَ للزمانِ في قولهِ: اضربْ وصل، وَإنّما ندعي العمومَ من لفظِهِ، ولفظُهُ هو أن يُنْزِلَ (صل) في الأزمانِ معرَّفاً أو مُنكرَّاً، أو صل دائماً سرمداً وما بقيتَ، ونحو هذه الألفاظِ حتى يجري ذلك مجرى قولهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] لأنَ الياءَ والنونَ علامةُ الجمعِ، وهو اسمُ جَمْع بُنِيَ من لفظةٍ واحدةٍ، ولا ذِكرَ له في القول: صلَ. فصلٌ في جمعِ الأجوبةِ عن أسئلتهم أما قولُهم: لما سال عُمَرُ دلَّ على أنَّ اللفظَ ليس بموضوعٍ للتكرار. لا يصحُّ؛ لأنَه لو كان المعقولُ من ذلكَ مرةً لكان الذي أتى به ﷺ هو مقتضى الأمرِ، فلا وجه لقولِه: أعمْداً، لأنَ المقتضى أبداً يعتمدُ إلى العملِ به، فلا وجهَ لسؤالِ من جاءَ لمَّا استدْعِىَ: لِمَ جئت، ومن أجَابَ لما نُودِيَ: أعمداً أجبتَ، لكنَّ المحتمِلَ للسؤالِ والاستعلام مَنْ فَعَلَ بما يُخالِفُ الوضْعَ، فقال له: أعَمدْتَ إلى المخالفةِ لمعنىَ علمتَهُ من باطنِ الأمرِ لقرينةٍ، أو دلالةٍ خفيت؟ وأمَّا قولهم: عَقَلُوا قَصْدَ الإِيجاعِ فكرروا الضرب. فالإِيجاعُ بالضربةِ يحصلُ، والزجرُ بالجلدةِ كافٍ، إلَّا أن تقومَ دلالةٌ أو تكون الصيغةُ للتكرارِ مقتضيةٌ، وفي الضربةِ الواحدةِ نوعُ إيجاع، ونوعُ إهانةٍ. قوله: أحجُّنا لعامِنا هذا؟ لو كانَ الظاهر منه دفعةً، لما حَسُنَ

стр. 1117

السؤالُ مع الظاهرِ، وإنَما يحسُنُ السؤالُ مع أحد أمرين: إما أن يكون هو الموضوعَ له الأمرُ، أو هو المقتضى، فيَحْسُنُ السؤال في الحجِ، لمكانِ المشقةِ الحاصلةِ في التكرارِ، وإما أن يكون موضوعاً للأمرين، فيَسألُ للفصلِ بين الموضوعين، مثلَ سؤالهِ عن سائرِ المشتركاتِ. وأمَّا قوله: "فأتوا منه ما استطعتم" فالتكرارُ داخل تحتَ الاستطاعةِ، وهو عام في هذا وفيما ذكروه، فقصرُهُ على أحدِهما لا يجوزُ إلا بدلالةٍ، ونحنُ نأخذ الدفعةَ الثانيةَ من اللفظِ، فإنَّ قولَهُ: افعلْ، أمر بلا خلاف، والثانية مستطاعة، فكانت مستدعاةً بحكمِ اللفظِ. وأمَّا قولُهم: إنَ أوامرَ الشريعةِ أكثرُها يقتضي التكرارَ بالقرائن والأدلةِ لا بالإِطلاقِ، فهذا حجةٌ من وجهٍ، وهو أنَّ بالكثرةِ صار لنا عرف شرعي، فصرَفْنَا الإطلاقَ إليه. على أن الدلالةَ هي إجماعُهم، وما أجمعوا إلّا لأن الاستداعاءَ اقتضاءُ الدوامِ إلّا أنْ تَصْرِفَ عنهْ دلالة. وأمَّا قولُهم: النهيُ مَنْع، فلذلك اقتضى الدوامَ، فَرْقُ صورةٍ، وإلا فالمعنى جامعٌ بينهما أنَّه استدعاءُ التركِ والكف، وهذا استدعاء للفعلَ. وأما استشهادُهم باليمين فلا يصحُ، لأنَ المُغَلَّبَ فيها العرفُ، ولذلك تُتْركُ فيها الحقائقُ وُيرْجِح إلى العرفِ، والاستعمالُ في الحلفِ على الامتناع من أكلِ الرؤوس واللبنِ لا يحنثُ بأكلِ رؤوسِ غيرِ الأنعامِ، ولاَ بلُبس القميصِ والسَراويلَ تردّياً بهما وتعمماً، وعلى هذا

стр. 1118

المثالِ: لو نَهىَ الله -وقد نَهى- عن لبسِ الحريرِ والجلودِ النجِسَةِ، فعم النهيُ، ولو أمرَ بأكلِ الرؤوسِ لعم كلَّ رأس حقيقةً. وافا قولهم: النهيُ يقتضي القبحَ فَعَمَّ، فليس بصحيحٍ؛ لأن من المناهى الشرعيةِ مالا يُعلَّلُ بالقبح، كالقِرانِ بين التمرتينِ، وكل التنزهاتِ. على أن القبيحَ قد يكون في الشرع في حال وزمانٍ دُونَ حال وزمانٍ، كقُبحِ الأكلِ نهارَ رمضانَ، وقبح الصوم يومَ العيدِ وأيامَ التشريقِ، وإلى أمثالِ ذلك من تحريمِ البيعِ وقتَ الندَاءِ، والصَّيدِ في الإِحرام، وإذا كان أكثر نواهي الشريعةِ مؤقتةً غيرَ مؤبدةٍ -وإن كانت مقَبحةً- فاينَ وجوبُ دوام تركِ القبيح ممن عَلَّلَ بالقُبحِ؟ لم يصح تعليلُه، ونحن نعلِلُ في الَأمرِ والنهي بأنه استدعاءٌ مطلقْ لتركٍ كان أو لفعلٍ. ومع هذا البيانِ، فلا يؤمَنُ أن يَستَديمَ التركُ في زمانٍ يكون التركُ فيه قبيحاً، مثل الإِمساكِ ليلًا، فيدخُلُ في حيزِ الوصالِ، وهجرانِ اللبسِ والطِيب بعد التحللِ الأولِ في الحج، فلا يؤمَنُ استدامةُ التركِ في النَهيَ المطلق أنْ يُصادفَ كراهة الشرع واستقباحَة، ولا يستمرُ حُسنُ العباداتِ أيضاً، كما لا يستمرُ قُبْحُ المنهياتِ، فإنَّ لنا أوقاتاً تَحْرُمُ الصلاةُ فيها، والصيامُ يحرم في أوقاتٍ، والطِيْبُ والهيثة طاعةٌ للجمعة والأعيادِ، وهجرانُهما طاعةْ في الإحرامِ، فأينَ دعوى استمرارِ قُبْحِ المنهيِّ أو حُسْنِ المأمورِ؟ وأما النَّهيُ المقيّد بوقتٍ معين، إن كان يتكررُ كتكررِ الشرطِ، مثلَ

стр. 1119

قولِه: صُمْ الاثنين، واهجرْ الطيبَ يومَ السبتِ، يكون كالأمرِ سواءً، فإن الأمرَ المعلقَ بشرطٍ يتكررُ بتكررِه وتكررِ الوقتِ، وإنْ كانَ متعلقاً على زمان باسمٍ لا يتكررُ، مثلَ قوله: اهجرِ الأكلَ والطيبَ اليومَ. تخصَّصَ به. وأمّا قولُهم: إنَّ قوله: صلِّ، لا يقتضي إلا صلاة واحدة. فكلام لا يصحُّ، ومنعٌ لا وجهَ له، لأنَ قوله: صُمْ وقُمْ، إذا تركه بعد أن فَعَلَه، حَسُنَ أنْ يُطالَبَ بطريقِ التركِ والقَطْعِ من أين استفاده؟ فكذلك الصلاةُ إذا تركها بعد أنْ فعلها من أين استفادَ التركَ؟ وقولهم: يحسُنُ أن يقول: صليتُ، فيقابله أنه يحسُنُ إذا كرَّر أو استدامَ وأطال أن يقول: صليت، بحكمِ الأمرِ، ويجيبُ من سأله: لِمَ صليتَ؟ بأنَني امتثلتُ الأمرَ. وأمّا قولهم: أنه يَحْسُنُ أن يقولَ: صلَّيتُ الصلاةَ المأمور بها، وامتثلتُ الأمرَ، فلا يُسلم، وإن قال: صليتُ، ولم يقل: الصلاة التي أمرتني، أو امتثلتُ الأمرَ، فلعمري إنه خبرٌ صحيحٌ، ولكنه يلزم عليه إذا كان الأمرُ مقيداً باعتبارِ التكرارِ واشتراطِ الدوام، فإنَّه يحسُنُ أن يُخبرَ فيقولُ عَقِبَ صلاةٍ واحدةٍ: صليتُ، ولا يدل ذلك على أنه جملةُ المأمورِ به، ولا أنَّه قامَ بمقتضاه. وأما قولُهم في الأمرِبالحفظ: إنه يقتضي الدوام بقرينةٍ، وهو أنه لا يريدُ أحد تضييعَ مالِه في حال من الأحوالِ، ولا يؤثرُ حفظهُ في حالٍ دونَ حالٍ، وفي مسألتِنا لا قرينةَ تشهدُ بدوامِ الفعلِ إيجاباً بمجردِ الأمرِ. فكلامٌ لا يلزمُ، لأنَّه كما لا يأتي حالٌ يريدُ فيها ضياعَ ماله، لا

стр. 1120

يعلَم هاهنا حالًا أرادَ فيها كون الذي أمرَهُ بالصوم أنْ يُفطرَ، ولا الذي أمَرَهُ بالحجِ أنْ يتحللَ، ولا الذي أمَرَه بالصلاَةِ أو القيامِ أن يُسَلِّم ويجلسَ. وأما البر في اليمينِ، فَقَدْ سَبَقَ الكلامُ عليه، وأنَه ينصرِفُ إطلاقُ اليمين إلى العُرفِ، وليسَ الدوامُ من العُرفِ، بدليلِ أنه إذا حَلَفَ: لأقومنَ على رأس فلانٍ الملكِ، ولأمشين في ركابِه بر بأيسرِ قيام، وأيسَرِ مشي، ولوَ أن الله سبحانه قال: قُمْ على رأسِ فلان، وامشِ في رِكابِه، أو قال من يُطاع من الَاذنين ذلك، فإنه لا يجوزأن يخرج ذلك المأمور من مقتضى أمرِه إلا بالقيامِ على رأسِه إلى أن ينهاهُ ويمشي في ركابِهِ إلى أن ينزل. وأمَّا قولهم في تعلقِنا بإيجاب التكرارِ في الاعتقادِ والعزم: بأنَ ذاك يقتضي الدوامَ حتى إن تقييدَ الفعلِ لا يوجبُ تقييدهماَ، فلا يصح، لأنَّ الفعلَ إنما لم يقتضِ الدوامَ لتقييدِهِ، واقتضى الدوامَ في باب العزمِ والاعتقادِ، فكانَ إطلاقُ الأمرِ بهما هو الموجب لدوامهما، وتقييد الأمر في الفعلِ أوجب تخصصه. وأما قولُهم: إنَ في تركِ الاعتقادِ كفراً وفي تركِ العزم إهمالًا، ولا يجوزُ ذلك في حالٍ. فيقالُ: لو كانَ في تأخرِه تكذيبٌ، لما جاز أن يأمرَ الله سبحانَه باعتقادِ الإِيجاب وقتاً مخصوصاً، وإن كانَ تَركُ الاعتقادِ تكذيباً، وإن في تركِ الاستدَامةِ قطعاً وتركاً، ليسَ في اللفظةِ إباحتَه ولا الإِذنَ فيه، ولذلكَ يحسُنُ أن نقولَ له إذا صامَ ثم أفطر: لم أفطرت؟، وإذا قطعَ

стр. 1121

الاستدامةَ: لِمَ قطعتَ؟ وأمَّا قولُهم: إنَّه لا يعمُّ الأزمانَ لكن يعطي التخييرَ بين الأزمانِ. فليسَ بصحيح، لأنَّ قولَه: صلِّ أو صُمْ، يعطِي استدعاءَ الفعلِ مطلقاً، والزمانُ كله صالح للفعلِ فيه، فلا وجَه للبدلِ والتخييرِ مع كونِ الأمرِ مطلقاً، والزمانِ للفعلِ صالحاً. وقولُهم: إنَّ الزمانَ غيرُ مذكورٍ، فإنه ظرف لا بد منه لفعلِ المحدِثِ، فصارَ كالمذكورِ. وأما قولُهم: إنَ عدمَ التَّقْيد لا يقتضي سوى التراخي، فأما الدوامُ فلا. فهذا من أكبرِ الخطأ علي اللغةِ، لأنَّ الأمر استدعاءُ الفعلِ، وظاهرُه الجزمُ والحتمُ، ومن الجزمِ اقتضاءً إيقاعهِ في الزمانِ الذي يلي الأمر إذ لا توسعةَ في اللفظِ من طريق التخييرِ بينَ الفعلِ والتركِ، فلا توسعةَ فيه من طريقِ التأخيرِ عن الوقتِ الذي يلي الأمرَ.

стр. 1122

فصول في متعلّقاتهم في نفي التكرار فصل في متعلقات القائلين بالوقف، وهم الأشاعرة (١) قالوا: لا خلافَ بين أهل اللسانِ في استحسانِ الاستفهام لمن قال له المطاعُ: اضرب، بأن يقولَ: أضرب واحدة، أمَ عددا محصوراً، أو دائماً؟ ولو أمرَه بضربٍ محصورِ العددِ، لقُبحَ الاستفهام، وما ذلكَ إلا لترددِ الأمرِ بين الضربةِ الواحدةِ والعددِ اليسيرِ، والكثيرِ والدائمِ، فلترددِه حسُنَ الاستفهامُ، ولتخضُصِ العددِ المحصورِ قبحَ الاستفهامُ، يوضحُ هذه الطريقةَ ويؤكدُها حديثُ الأقرعِ بن حابس (٢) [و] سُراقة بن مالك

стр. 1123

وأنه سأل النبي ﷺ عن الحج؛ ألِعامِنا هذا، أم للأبد؟ فقال: "للأبد، ولو قلت: نعم لوَجَبَت، ولو وَجبَ، لم تستطيعوا" (١)، واقرار النبي ﷺ على الاستفهام دلالة على حسنه شرعاً ولغةً. وما حسنت إلا لترددِ الأمرِ بين التكرار والمرةِ الواحدة. قالوا: ولأنه لو كان يقتضي الفعلَ مرةً، لما حسُنَ تقييدُه بها بأن يقول: افعلْ مرَةً. ولو كان يقتضي التكرار لما حسُنَ أن يصرح بالتكرار فيقولُ: اضرب مئةً مئةً، أو ألفاً، أو أبداً. فلما حَسُن ذلكَ، دل على أنه ما اقتضاه إطلاقُ اللفظ، ألا ترى أن العددَ إذا صرَح به لما كان مقتضى اللفظِ كفى ذلكَ من غير تصريح ثانٍ، وإذا ثبتَ هذا كانَ المذهبُ في هذا هو الوقفَ، إلى أن تردَ دلالةٌ تصرفُه إلى أحدِ محتَمليه، إما اقتضاءُ دفعةٍ واحدةٍ، أو أكثر.

стр. 1124

فصلٌ في الجواب عن متعلقاتِ الواقفيةِ وهو أنَ حُسنَ الاستفهام غيرُ مقصورٍ على المتردِّدِ بين حقيقتين، كما أنَ التأكيد لم يدل على نَفي الوضعِ، وهو قولُ القائلِ: دخل زيدٌ الدارَ نفسُه، وأكلتُ رطلًا من الطعامِ وازناً، ورأيتُ الأمير بعينِه. ولذلكَ لم يقف تحسين الاستفصالِ والاستفسارِ على المشتركاتِ من الألفاظِ كجون (١)، ولون (٢)، وقُرْء (٣)، وشفق (٤)، بل حسُنَ الاستفهامُ عن ألفاظٍ يَنصرفُ إطلاقُها إلى حقائقَ هي موضوعةٌ لها، لمكانِ التجوُّزِ فيها، ودخولِ الاستعارةِ عليها حُكماً؛ فإنَّ العَرَب اسْتَحْسَنَت قولَ القائلِ لمن قال: اصبغ ثوبي لوناً، وائتني عند غيبوبة الشفق: أي لونٍ أصبغ الثوب؟، وعند غيبوبة أي الشفقين (٥)؟ واستحسنت استفهامَ قول القائل: دخلَ السلطانُ البلدَ، وجاءَ الغيث، وماتَ زيدٌ، هل دخل بنفسه، أم

стр. 1125

عسكرِه ورَجِلِه؛ وهل هطلَ المطرُ؟ وزهقت نفسُ زيدٍ، أم قاربَ مجيءُ الغيثِ، وكادَ أن يموتَ زيدٌ؟ إذ كان الاستعمال للمجاز في ذلك لا تتحصل به حقيقة الأمرِ فيه. قال بعضُ الأئمةِ: وكما حسُنَ في لغتِهم من القائلِ، وإن كان المؤكدُ مستقلًا، حَسُن الاستفهام من السامع، وإن كان الكلام مستقلًا. فإذا ثبتَ هذا: وجدنا أنَّ الظاهرَ هاهنا ليس بأكثرَ من العموم في الأعيانِ الذي يُرادُ به شمولُها، لأحكام، ثم لما جاءَ بمعنى الخصوَصِ حسُن الاستفهامُ، كذلكَ في مسألتنا، الذي يقتضيه الظاهُر دوامَ الفعلِ المأمورِ به، وقد يجيءُ والمرإدُ به المرةُ، فلذلكَ حسُنَ الاستفهامُ. ولهم أن يقولوا: قد قررتم أنَ الاستفهامَ إنما حَسُنَ بالترددِ والاحتمالِ، وتبينتبم أن جهتي التردُّدِ الاشتراك في الأسماءِ المشتركةِ، كجون، ولَوْن، وقرء، أو الترددُ بين حقيقةٍ: واتساعٍ باستعارةٍ ومجازٍ، ونفيتم الاشتراكَ هاهنا بين المرةِ والتكرارِ، فلم يبق لتحسينِ الاستفهام هنا إلا الحقيقة والمجازُ، فبينوا أنَ استعمالَه في المرةِ مجازٌ، ولنَ يستطيعوا ذلك لما بيَّنا من كونِهما سواءٌ، وما يأتي من أدلةِ من يعتقدُ أنَّ المقتضي فعل مرةٍ واحدةٍ. قيل: أدلتُنا هي التي أوجبت كونَ الِإطلاقِ يقتضي الدوامَ والتكرارَ، فلا حاجةَ بنا إلى إعادتِها. وأما تعلُّقُهم بأنه لو كان يقتضي دفعةً، لما حَسُن أن نقيده بها، ولو
следующие страницы →