للفعلِ اقتضاءٌ له، ومطالبة به. واستدعاء على جهة الإيجابِ أو الندبِ، وأنها نهيٌ عن تركِ المباح، وأن فعلَ المباحِ خير من تركِه الجاري مجراه، وهذا باطلٌ.
فصل
والدلالةُ على فسادِه: عِلمُ كلُّ عاقل من نفسهِ الفرقَ بين كونهِ آذِناً ومطلقاً لعبده ومن تلزمُه طاعته في الفعل، كوَلَدِه وخادِمه، وبين كونهِ آمراً لذلك الذي تلزمهُ طاعتهُ، ومقتضياً له، وطالباً له، ومستدعياً منه، واذا كانَ ذلك الفرقُ موجوداً للنفس، ومعروفاً لها، بَطلَ دعوى من قال: إن الإباحةَ أمرٌ، لأنَّ الحقيقةَ الواحدةَ لا تنفصلُ ولا تنقسِمُ في النفس، كما لا تنقسمُ حقيقةُ الخبر.
ومما يَدل على ذلك: أن حقيقةَ الإباحةِ تعليقُ المباحِ بمشيئةِ المأذونِ له في الفعل، وبمعنى القولِ له: افعله إنْ شئتَ. ومِنْ حقِّ الأمرِ بالفعلِ، أنْ يكونَ اقتضاءً له ومطالبةً به، واستدعاءً لحصوله، ونهياً عن تركِه على وجهِ ما هو آمر به، على ما نُبينه من بعد، فافترقَ لهذا حالُ الإباحةِ والأمرِ.
فإِن قيل: وجودُ الفصلِ والفرق في النفس، بينَ الإِباحةِ والاقتضاءِ المطلقِ، لا يمنع من كون الإِباحة ضرباً من ضروبِ الأمرِ، بدليلِ الندب والإِيجاب، فإِنَّ بينهما فصلَاَ وفَرْقاً في النفسَ، ومع هذا فإِنّهما جميعاً أمرٌ، لكنْ بينهما مرتبة، [فَكَما] تدنو مرتبة الندبِ عن الِإيجاب، كذلك هاهنا تدنو مرتبةُ الِإباحةِ عن الندب، فلأجلِ الرتبةِ وُجد الفصلُ في النفسِ، لا لأجلِ أنَّ الِإباحةَ غيرُ الأمر.
стр. 1052
قيل: الفصل الذي يجدُه العاقلُ في نفسهِ بينَ الإباحةِ والأمرِ، فصلٌ يمنعُ أن يكونَ في الإباحةِ نوعُ اقتضاءٍ، أو مطالبةٍ، أو استدعاءٍ، لكنَّه يجدُ في النفس تخليةٌ وهي نفيُ التقييدِ والكف والمعارضةِ في الفعل أو المؤاخذةِ عليه، وهذا يُخرجُ الإباحةَ عن أنواعِ الأمر إنْ كان متنوعاً. وسنذكرُ مذهَبنا في الندب إن شاء الله.
فصل
صيغةُ الأمرِ بمجودِها تقتضي الوجوبَ لغةً وشرعاً
هو ظاهرُ كلامِه (١)، لأنهُ قال: إذا ثبتَ الخبرُ عن النبيَّ ﷺ وجبَ العملُ بهِ.
وبذلك قال جمهورُ الفقهاءِ (٢).
وقالتِ الأشعريةُ: إذا دلَّتْ دلالة على أن الصيغةَ للاستدعاءِ وَجَبَ التوقفُ إلى أنْ تَرِدَ دلالة بإيجابٍ أو ندبٍ (٣).
стр. 1053
وقالت المعتزلةُ (١): يقتضي الندبَ، ولا يُحملُ على الوجوبِ إلا بدليلٍ، وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ (٢).
فصل
في الدلائلَ من الكتابِ العربيِّ
والدلالةُ على ما ذهبنَا إِليه قولُه تعالى: ﴿ما مَنَعَك ألا تَسجُدَ إذْ أمرتُك﴾ [الأعراف: ١٢] والتوييخُ على التركِ دلالة على الإيجاب بمطلقِ الأمرِ، وأن مقتضاهُ الوجوبُ، وأيضاً قولُه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وهذا يَدلُّ على أن أمرَهُ حتم، لا تخييرَ فيه بين تركٍ وفعل، ولا توقفَ فيه انتظاراً لدلالةٍ، فهي دلالةٌ على الجميعِ.
وأيضاً قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]، والزجرُ والوعيدُ على مخالفةِ أمرِه، دلالةٌ على أن مقتضاهُ الإيجابُ.
فصل
يجمعُ الأسئلةَ عليها
قالوا: أمَّا الآيةُ الأولى، فإن القرائنَ المقترنَةَ بالأمرِ دلتْ على الوجوب، وهو أن الله سبحانَهُ لم يُعْقِبْ تركَهُ للسجودِ بالوعيدِ، بل أبانَ عن مخَالفتِه بالتَقسيمِ عليهِ: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)﴾ [ص: ٧٥]
стр. 1054
والقصةُ واحدةٌ، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [ص: ٧٦]، وأَبانَ عن استكبارٍ.
ومَنْ قابَلَ أمرَ اللهِ سبحانَهُ بالاستكبارِ استحق الوعيدَ، وقد نطَقَ القرآن بذلك، فقال: ﴿إلا إبليس استكبر وكان منِ الكافرين﴾ [ص: ٧٤]، ولو لم ينطِقْ بذلكَ لكفى علمُ الله سبحانه بأنَهُ تركَ الائتمارَ لأمرِه على وجهِ الاستكبارِ، فعِلْمُهُ في حقَ اللهِ كنطقِ العبدِ بالاستكبارِ على سيدِهِ فيما أمَرَهُ بهِ، فيصيرُ الوعيدُ منصرفاً إلى استكبارِه عن الندب، ومَنْ تَرَكَ مندوبَ الشرع بعلةِ الاستكبارِ كَفرَ واستحق الوعيدَ، كمنْ قال: أنا أكبَرُ وأجلُّ مِنْ أن اقبلَ الحجَرَ، وأطوفَ بالكعبةِ، لأنني حيٌّ، ناطقٌ، عاقلٌ، وهي جمادٌ.
ولو لم يَكُ هذا، لاحتمَلَ أنْ يكون قرينةً اقْترنَتْ بالضَيغةِ فاقْتَضَتْ بالمخالفةِ التوبيخَ والوعيدَ.
قالوا: ولأن هذا يدل على وجوب أوامرِ اللهِ سبحانهُ وأوامرِ رسولِهِ، وكلامُنَا في مُقْتَضى الأمرِ في اللغةِ، ولأنه إنما دلَّ على الوجوب لِمَا اقترنَ بهِ مِنَ الوعيدِ على مخالفتِه، ولا يُتَواعَدُ إلا على تركِ واجَبٍ، وكلامُنَاَ على أمرٍ مطلقٍ.
стр. 1055
فصل
في الأجوبةِ
أمَّا قولهم على الآيةِ الأولَة: إِن الوعيدَ كان للقرائنِ التي ذَكَروَها، فإِنّ استدلالَنا من قوله: ﴿مَالِكِ﴾، ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ وهذا لا يقعُ إلاّ مَوْقع ما يلزمُ فِعْلُهُ. وقولُه: ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ بيانُ الموجِب، كقولِ القائلِ: ما مَنَعَكَ أنَّ تستجيبَ لي إِذْ دعوتُك، ولو كان هناَكَ قرينةٌ لذكرَها، لأنَّ الموضعَ موضعُ تقريرِ الحجّةِ، وكيفَ يتركُ مَوضِعَ الحجةِ وَيذكرُ خلقَهُ له بيديهِ، وقد كان الأشبهُ أنْ يقولَ: ما مَنَعَكَ أنَّ تسجدَ لِما امرتُكَ بالسجودِ لَهُ بالأمر المُقْتَضِي للإيجابِ؟، أوْ: ما مَنَعَكَ أنْ تسجدَ مع إيجابِ السجودِ عليك؟.
ولأنَهُ يجوزُ أنْ يعودَ الوعيدُ إلى مخالفةِ الأمرِ، وإلى الاستكبارِ، كما أخبرَ الله سبحانهَ عن أهل النار حيث قيلَ لَهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) , ..﴾
[المدثر: ٤٢، ٤٣، ٤٤] إلى آخر الآية، وعندنا يجوزُ أنْ يُعَاقَبَ الكافرُ على كُفْرِهِ ومخالفةِ أمرِ الله، لأن الخطابَ يتجهُ إليه بالكُل.
ولو لم يكنِ الأمرُ على ما ذكَرْنا، لمَا ذَكَرَ الأمرَ وعلق عليه الوعيدَ والتوبيخَ، ولو كان هُناك قرائنُ تزيدُ على ما ذُكِرَ، لما طواها في محل إقامةِ الحُجةِ وتأكيدِ المَعْتَبةِ. وقولهم: كلامُنا في اللغةِ. فأمَّا أوامرُ الله سبحانَهُ، فقد يكونُ فيها أمرُ إيجاب بدلالةٍ، فليسَ عندهم أمرٌ يحصل الوعيدُ بمخالفتِهِ، من حيث كونُهً أمراً لا في حقّ الله، ولا في حق
стр. 1056
غيره. والقرآنُ يقتضي تعلقَ الوعيدِ والتوبيخِ بمخالفتهِ لكونه أمرأ، ولأنَ قولكم: إنّ الوعيدَ هو الدالُّ على كونِه أنَهُ داخلٌ. لا يَحْسُن، لأنَ الأمرَ بمخالفته حَصل الوعيدُ، فنحن باستدلالِنا بالوعيدِ على مخالفته على كونه واجباً، أسعد منكم باستدلالِكم على أنه صار واجباً بالوعيدِ، لأن الوعيدَ جزاءٌ، فالأشبهُ أن يتأخرَ عن الأمرِ المستحقِّ به.
فصل
في الدلائلِ من جهةِ الآثارِ والمنن
ما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "لولا أنْ أشُق على أمّتي لأمرتُهم بالسواكِ عند كلِّ صلاةٍ" (١)، هذا يَدُل على أن ما أمرَ به وجبَ، ولو أمرَ به لَوجَبَ وانْ شق.
وقوله ﷺ لبريرة في مَعْنى زوجها -أي لمغيث (٢) -: "لو راجعتهِ، فإنه أبو ولدكِ" فقالت: أبأمرِكَ يا رسولَ الله؟ قال: "إنما أنا شافعٌ" (٣) فموضع الدلالةِ أنه أخبرَ بالشفاعةِ، وشفاعتُهُ ندب، فلو كان الأمرُ يقتضي الندْبَ، لكان قد نفى ندباً، وأثبتَ ندباً.
وروي أنه مَرَّ برجل يصلي فدعاه فلم يجبه، فلما فرغَ من الصلاةِ
стр. 1057
قال: "ما مَنعك أن تجيبني؟ " قال: كنتُ في الصلاةِ، فقال له: "أما سمعتَ الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] (١)؟ فوجهُ الدلالةِ أنه تعلّق عليه بصيغةِ الأمرِ في إيجابِ إجابتهِ ﷺ حين دعاهُ.
فصل
في أسئلتهم
قالوا: لعل مرادَه: "لأمرتُهم" أَمْرَ إيجابٍ، بأن كان قد أوحِيَ إليه لو أمرناهم بالسواكِ لكان أمْرُنا لهم أمْرَ إيجابٍ.
وكذلك أرادتْ بريرةُ: "أبامْرِك"؟ أي: بإيجابك، أو باستدعاءٍ شرعي يكسبُني ثواباً في الأخرة؟ فقال: "إنما أنا شافع" لزوجك لا آمرٌ لَكِ بحكم الشرع، لكن بحكمِ الرقةِ عليه أو الشهوةِ، وذلك مما لا يعود إلى ما نحنُ فيه.
وكذلك قوله: ﴿استجيبوا﴾ لعله اقتضى بالوعيدِ المقترنِ بها، وهو قولُه: ﴿واعلموا أن الله يحولُ بينَ المرءِ وقلبهِ﴾ [الأنفال: ٢٤].
قيل: لم يُوْجَدْ إلا الأمرُ المجردُ والصيغةُ، وصرفُهُ عن ظاهرهِ إلى أن المرادَ به الإيجابُ يحتاجُ إلى دليلٍ، والنبيُّ ﷺ لا تُحمل شفاعتهُ على ما دون الندب، لأن شهوتَهُ للأمرِ تكون موافقتُها موجباً ثواباً، بل آحادُ أمتهِ، فكيفَ في حقّه؟!: وهو الذي إذا أرضاهَ أمرٌ كان من أعظمِ الطاعاتِ، وشهوةُ الوالِد دونَ شهوتهِ وموافقتُها طاعةٌ.
стр. 1058
فصل
يجمعُ دلائِلَنا من حيث الاستعمالُ من أهلِ اللغةِ
إنّ القوم فَرقوا بين السؤالِ والأمرِ، فقالواِ في الأدنى اذا خاطبَ الأعلى بلفظةِ افعل: سائلٌ، وسمَّوْ اللفظةَ سؤالاً: وقالوا في الأعلى اذا قال للأدنى: افعل: آمر، وسمّوا الصيغةَ مرحلً، وهذا يَدُل منهم على أنَّ الصيغة مع الرتبةِ اذ لم تك موجبَةً لمَا كان لفرقِهم بين السؤال والأمِر معنىً، لأنهما اتفقا في المعنىَ الأعمَّ وهو الاستدعاءُ، لم يبق لفرقِهم معنى سوى انحتامِ الأمرِ وعدمِ انحتامِ السؤالِ.
ومما يَدُلُّ على أنَّها صيغة تقتضي الإيجابَ، ما نجده من قوةِ اللفظةِ، ثم من مُتَعَلَّقَاتِها، فأمَّا من قوتها وجَوْهرِها، فهو أنها استدعاءٌ مجرد عن تخييرِ المستدعى منه، والتوسعةِ له في تركِ ما أمر به، مثل قوله: إن شئتَ، وإن أحْبَبَتَ، فكان ذلك جزماً وحتماً, من حيث أنَّ المُستدعي أطلقها إطلاقاً، كما أطلق قولَه -في الخَبَرِ-: فَعلَ، لما لم يكُ منه تردد من حيث اللفظُ -بأن يقول: لَعله فعلَهُ، عساه فَعَلَ- كان خبراً جزماً لا تردُّدَ فيه من طريقِ اللفظِ، وكلُّ من حطَّ هذه اللفظةَ عن رتبةِ الإيجابِ والحتمِ، احتاجَ إلى قرينةٍ أو دَلالةٍ.
وأما اقتضاءُ الوجوب من حيث التعلُّقُ، فإن المخالفةَ لها تسمى عصياناً، ويسمّى المخالِفُ عاصياً، فمن قيل له: قُمْ فَلَمْ يَقُمْ، كمن قيل له: لا تقم فقامَ في تسميةِ العرب إياهُ عاصياً، ومن ذلك استحسان حكماءِ العرب توبيخَه وذمَّه وتأديبه على تركِ الائتمارِ، وهو عندهم بمثابةِ من ناداهُ سيدُه فلم يُجبْهُ، فإنه يكون مُهَوِّناً ويستحق العقابَ على
стр. 1059
تركِ إجابةِ النداءِ، فإذا نادى عبدَه زيداً: يا زيدٌ، فلم يُجبْهُ مع قدرتهِ على الجواب كان مُهَوناً، فإذا قيل: يا زيدُ أقبِل، فلم يُقبلَ كان عاصياً، فلو لم تكنَ صيغةُ النداء تقتضي الإجابةَ وصيغةُ أقبِلْ تقتضي الطاعةَ حتماً، لَما حَسُنَ عقوبةُ العبدِ على تَرْكِها، لأن الذم والعقابَ لا يحسنانِ إلا على تركِ اللازِم الواجب، ألا ترى أن قولَه: أقْبِلْ إنْ شئْتَ أوْ إنْ أحببت لما كان أمراً موسعَاً، لا جَرَم قَبُحَ العَتَبُ والتَوْيِيخُ والعقابُ على تركِ ما استدعاهُ منه، ولم يحسُن أن يُسمَّى بتركِ ما استُدْعِيَ منه: عاصياً ولا مخالفاً.
وما يَدُل على ذلك: أن قولَ القائلِ لعبده، والأعلى للأدنى في الجملة: كُن في هذا المكانِ، هو حَصْرٌ له، وقَصْرٌ على المكانِ الذي أمَرَهُ بالكوْنِ فيه، ومَنْعٌ عن التَفَسحِ في غيرِ المكانِ الذي أمَرَه بالكوْنِ فيه، فمدَّعِي الندب ونفي الوجوب في الجملةِ يدَّعي توسعة في حق المأمور، لا أثَرَ لها في لفظ الأمَرِ وصيغتِهِ، ومدَّعِي الوقف يعطَلُ الصيغةَ عن فائدةٍ رأساً، وليس ذلك دَأبَ العربِ.
ومما استدل به بعضُ من وافقنا: أن العَرَب وضَعَت للخَبَرِ جواباً، وللأمْرِ جواباً، فقالوا في جواب الخبر: صدقتَ أو كذبت، وفي جواب الأمر: أطَعْتَ أو عَصَيْتَ. ولا تَضَعُ العصيانَ اسماً للمخالفةِ، إلا وقد ضمَّنت الأمرَ المطلقَ، انحتامَ الامتثالِ لما أمرتْ به.
ومما يدلُّ على اقتضائِها الإيجابَ، من جهةِ أَن العربَ وضَعَت لفظة: (افعل) لاستدعاء الفِعْلِ، كما وضعتْا لفظة: (لا تفعل) لاستدعاءِ التركِ، واستدعاءُ التركِ حتمٌ لا تَخييرَ فيه ولا توسعةَ، بل يقتضي بمجرد إيجاب
стр. 1060
المستدعى، كذلك استدعاءُ الفعل. يوضحُ هذا؛ أنَ كل استدعاءِ لفعلٍ يتضمَّنُ النهيَ عن ضدهِ، والنهيُ يقتضي قُبْحَ المَنْهِى عنه عندهم، فينبغي وجوبَ المستدعى من حيث وَجَبَ تركُ ضِدِّه وما لا يُمكن تركُ القبيح إلا به فواجبٌ، كما أن ما لا يمكن فِعلُ الواجبِ إلا به واجبٌ، ومتى حملناَه على الندب، جوزنَا تركه، وفي ذلك إسقاطٌ لإيجابِ ما تضمن اللفظُ إيجابَهُ.
ومما يدكُ على أنها للوجوب، اعتبارُهم واشترَاطُهم لكونها أمراً أن تَصْدُرَ عن الأعلى للأدنى، وما كان ذلك إلا لكونها صادرةً ممن تَلزمُ طاعته، وهذا خَصِيْصَةُ الوجوبٌ، وهذا لا يُسمى قَرِيْنَةَ، بل شَريْطةً، فإن القرينةَ الزائدةُ (١ وما [عُدت] شرطاَ ١) إلاّ لكونها أمراً، لا معنى زائدِ.
وممَّا يَدلُ على أنَّ اقتضاء لفظة الاستدعاءِ الوجوبُ؛ أنَ الإيجابَ مما يَهْجِسُ، في نفوس العَرَب، فلايجوزأن يْهْمِلُوا وضعَ صيغةٍ تخُصه، فلو لى تكن لفظةُ: (فعَل) تقتضي الإيجابَ، لكانوا قد أهملوا هذا الأمرَ الهاجسَ الذي هو أكثرُ ما يعرضُ للنفسِ، وهو الاستدعاءُ الجزمُ، فلا يُعطلُوا هذا الأمرَ العظيمَ الخطر عندهم من لفظةٍ تخضُه، فبطلَ دعوى أصحابِ الوقفِ، وتعطيلِ صيغةِ الأمرِ مِنْ إيجابٍ.
ولأنهم لم يجيزوا التأكيد إلا بما يقتضيهِ المؤكدُ، فإنَه لما كان قولهم: رأيت زيداً، يقتضي نَفْسَهُ وذاتَهُ، أكدوه بذلك، فقالوا: رأيت زيداً نَفْسَه. كذلك هاهنا، أكدوا قولهم: (افعل)، بقولهم: فقد حتمتُ وأَوْجَبْتُ عليك أن تفعل، فدكَ على أنَّ أصلَ الأمرِ اقتضى ما أُكَدَ به في الإيجابِ.
стр. 1061
فصل
في جمعِ أسئلتِهم على الأدلةِ التي ذكرناها
قالوا: تفريقُهم ما بين السؤالِ والأمرِ، لا يَدُل على أنْ لا فرقَ بينهما إلا بالوُجُوب، بل الرتبةُ أعطتْ الفرقَ في التسميةِ، كما افترقَ الاسمُ بين موافقةِ الأعلى للأدنى فيما استدعاه منه، وموافقةِ الأدنى للأعلى فيما استدعاه نَدْباً له، فيقال: أطَاعَ. ولم يَدلَّ على وجوبِ ما أطاعَ فيهِ الأدنى، بل استويا في نفي الوجوب مع اختلاف التسميتين.
قالوا: وقولكم: إنها استدعاء مجرد عن تخييرٍ وتوسعةٍ مطلقةً لا تقييدَ، فهذا يوجبُ حَمْلَها على الاستدعاءِ المجرّدِ عن صفةِ انحتام أو إيجابٍ، فيكوَن المُقْتَضي لتجردِها واطلاقِها أحدَ أمرين: إمَّا الوقفُ عن القول بإيجابٍ أو ندب، لأنه الأليقُ بما اقتضاهُ دليلُكَ من نفي الوصفِ؛ لأن نفي القرينةِ أدْعى لنفي الصفةِ، أو إنْ حُمِلَ على أمرٍ -على صفة- حُملَ عَلى أدنى الوجهين، وهو الندبُ، ولا يُحملُ على الوصفِ الأقصى، وهو الحتمُ، إلا بدلالةٍ تقتضي التضييقَ في الاستدعاءِ والانحتام.
قالوا: وأما تسميةُ المُخالفِ لها: عاصيا، فليس على ما يَقَعُ لكم من أنه يُقَابِل ذلك بمطلقِ الأمرِ، بل لقرائن ومعانٍ تتصلُ بلفظةِ الاستدعاء، بعْضُها مُشاهدٌ وبعضُها مفهومٌ من تصاريفِ القائل، بحيث يختلفُ الحالُ بين السامعِ له مع العميانِ، وبين السامع له من وراءِ حِجَاب، فتدلُّ تلك القرائنُ على الوجوب، على أنه لا يَسلمُ لكم أن قولَنا: (عاصٍ) اسمُ ذم في اللغةِ، إنما صَار في الشرعِ اسمُ ذم، لكثرةِ
стр. 1062
استعماله في مخالفة أوامر الله سبحانه، التي قامت الدلالةُ على تأثيم المخالِفِ لها والمُتَقَاعِدِ عنها، فقيل: عاصٍ لله، ومخَالف لأمرِ الله، والأ فأصلُها في اللغة المخالفةُ، قد يُوجِبُ الذم وقد لا يوجِب.
ومن هناك قالوا: أشار عَلَى الأميرِ فَعَصَاهُ، وشاوَرَ فلاناً وخالَفَهُ، ولا يكون بخلاف المشورة مذموماً، ولا بخلافِ الرأي يكون ذَماً، إذْ ليس كلُّ رأي ومشورةٍ تقتضي الِإيجابَ، ولا المشيرُ بمشورتِهِ مُوْجبَاً، والعصيانُ فيً الأصلِ هو الامتناعُ، وبالإضافةِ يُتَبَيينُ حكمُهُ، فإن كَان لما يثبت بالدلالة أن مخالفَتَهُ قبيحة، كان موجِباً للذمَ، وما لم يَثْبُتْ ذلك فيه، وقع عليه الاسم من غير ذم.
قالوا: وأمَّا تعلُّقكُمْ بتركِ إجابةِ السيدِ إذا نادى عبدَهُ، أو مُخَالفته، فتلكَ أوامرُ واستدعاءات اقترنَتْ بها قرائنُ من دلائل أحوال، فلا تعَلقَ بها فيما نحن فيه من الأمرِ المطلقِ، ومقتضاه فيَ أصلِ الوَضْعِ.
قالوا: والخبرُ يخالِفُ الأمْرَ، لأن الخبرَ إسنادٌ إلى مَا كانَ لا محالةَ، هذا موضوعُه، ولأنه الحُجةُ عليكم، لأنه يحتمِلُ الصدقَ والكَذِبَ، ولا يُغَلبُ فيه الصِدقُ إلا بدلالةٍ تقترنُ بالمُخبرٍ، وهو كونه بالِغاً، عاقلًا، عَدْلاً، لتجتمع فيه شروطُ الصدقِ، فَوِزَانُهُ أن تُقْرَنَ قرائنُ، تقتضِى انحتامَ الاستدعاءِ.
قالوا: وأما النهيُ وهو استدعاءُ التركِ، فلم يقتضِ إيجابَ التركِ بصيغتهِ، لكنْ دل على الكراهةِ، فلا يَكْرهُ الحكيمُ إلا القبيحَ، فوجب التَركُ لكون المتروكِ قبيحاً، وكُل قبيح يجب تركه، وليس كذلك استدعاءُ الفعل، لأنه يدل على حُسْنِ المأمور به، وليس كلُّ حَسَنٍ
стр. 1063
واجباً فِعلُهُ، بل أقل مراتبهِ الندبُ إلى فعلهِ، فحملناه على أدنى مراتبه، ولم نُرَقِّهِ إلى المرتبةِ العليا إلا بدلالةٍ.
قالوا: وأما قولُكُم: إن كلَّ مُسْتَدعى فِعْلُه، لا يتحقق فعله إلا بترك ضدِّه، فينبغي وجوبُ المُسْتَدعى من حيث وجَبَ تركُ ضده. فليس بصحيحٍ، لأنه ليس كلُّ ضِدٍ يجبُ تَرْكُه عندنا، وانما هو بحكم الفعلِ، فإن دلت الدلالة على وجوب الفعلِ كان تركُ الضد واجباً، وانْ كانَ الفعلُ نَدْباً، كان تركُ الضدِّ الذي لا يمكن الفعلُ إلا بتركه مندوباً بحَسَبِهِ.
وأما إيجابُ الوضعِ للفظِ الإيجاب على مُقْتَضَى العربيةِ، وهو أحسنُ الإِيجاب في نفوس العرب، فنقولَ بموجَبهِ، وأنَّهم وضعُوا لذلكَ: فَرَضْتُ، وأوْجَبتُ، فأمَّا أنْ يَقْتَضِىَ ذلك أنْ يكَون الوضعُ مجردَ لفظةِ الاستدعاءِ، فليس ذلك إلا مُجرد التحكمِ، وإلا فما ادعَيْتَهُ من إجلالِهم وتَنْزيهِهم أنَّ يُنْسَبُوا إلى الأهمال، يزول عنهم، وَيخرجُون عن عُهْدَتِه بوضعِهم لَفْظَةَ الفرضِ والإِيجاب الصريحةِ في ذلك، ويعود السؤال عليك فيقالُ: فيما وضعوه للإيجَابِ غِنى لهم عن أن تُجْعَلَ لفظةُ الاستدعاءِ هي الموضوعةُ للإيجابِ بمجردِها.
فصل
في جمع الأجوبة عن جميع الأسئلة
أما قولُهم: التفرقةُ قد تحصلُ بين الأمرِ والسؤالِ لا من جهةِ الإيجابِ ونَفْي الإيجاب، غير صحيح؛ لأن استواءَهما في نفي الإيجابِ يجعلُهما سواءً في المعنى، والتفرقةُ بين الألفاظِ إنما تقعُ
стр. 1064
لاختلافِ المعاني، ومهما أمكن أن يكونَ لكُلِّ لفظٍ معنىً، فلا يجوز أن يُشرك بين لفظين، سيّما مختلفين في معنى واحدٍ، فلما قالوا: سأله ورغِب إليه. إذا كان اللافظُ بالاستدعاءِ أدنى، وقالوا: أمرَهُ. إذا كان المستدعي أعلى، وجَبَ أنْ يكونَ الفرقُ بمعنىً يعودُ إلى الغرضِ به، وليس إلا الاستجابة، ومتى استويا فيها من حيث التوسعةُ والتخييرُ، زالَ الموضوعُ بالفرقِ على مقتضى الأصل.
وإنما قيل في الندبِ للأدنى: أطاعَ، وفي الأعلى: أجابَ. لدلالةٍ قامَتْ، وما خلا ذلك الفرق من معنى، وهو أن الرتبةَ تقتضي شيئين: اتحادُ الفعل المستدعى، ومراعاةُ الأعلى أن لا يدخلَ عليه وهْنُ المخالفةِ بأن يُعصى، بخلاف السؤال.
وأما قولهم: مقتضى التجردِ عن القرائنِ نفيُ الأوصافِ، فلا ينبغي أن يعتبر (١) إيجاباً، ولا انحتاماً، لأن نفيَ القَرينةِ أدْعى لنفيِ صفةِ الإيجاب. لا يصح؛ لأن الاستدعاءَ بقوله: (افْعَلْ) يقتضي بجوهرِ اللفظةِ إيَجادَ المأمورِ به، ولا يحصلُ الإِيجادُ إلا بالإيجاب، فأمَّا الوقفُ لا يُحصل شيئاً، والندبُ يوجب تخييراً بين الترك والفعل، وجميعاً يُعِيْقَانِ عن الإيجادِ الذي اقْتَضَتْهُ الصيغةُ.
وأمّا قولهم: لا يُسمى عاصياً، إلا إذا خالف أمراً مُوجِباً، دلت عليه دلالة الوجوب. فينقضهُ سؤالُهم الثاني، وقولهم: إنه قد يقع على مخالفةِ الرأي والمَشورةِ وإنْ لم يَقْتَضيا الوجوبَ.
على أن أهل اللغة قالوا: أمَرَ فعُصِيَ، وأمَرَ فأطِيْع، كما قالوا:
стр. 1065
نادى فأجيب، أو تخلف عنه، وأخْبَرَ فَصُدق أوْ كُذبَ، فمدَّعي أنَّ أسماءَ هذه الأجوبةِ وُضِعَتْ لقرائنَ اقْتَرنَتْ بالنداءِ، والخبرُ يحتاج إلى دلالةٍ، (فهو مَوقوفٌ على وَضْعِ اللغة) (١) على معانٍ ظاهرةٍ بدعوى معانٍ باطنةٍ لا دلالةَ عليها، وما هو إلا بمثابة من قال: إنَّ قولَ أهلِ اللسانِ: اسْتَطْعَمَهُ فأطْعَمه، واسْتَسْقَاهُ فسَقَاهُ، ليس براجع إلى مجردِ سؤالِ الطعام والشراب وإعطاءِ ذلك لِمنْ سَألَهُ، لكنه لقرائنَ اقْتَرنَت بذلك وقعتَ التسميةُ لأجْلِها.
وأّما دعواهُم: القرائن في الأوامِر، وأنها معانٍ تَقِفُ على المشاهدةِ، وبحسَب الأحوالِ، فإنهُ مِنْ جنسِ دَعْوَى مَنْ قال: إنما كان أمراً لشهوةِ الَآمرِ ومحبتهِ وشَغَفِهِ بما أمَرَ به، أو لعدم تهديده ووعيدهِ. وان صرَّحوا بالقرينة وقالوا: إنها حاجةُ الأحياءِ إلى ما يَسْتَدعونَهُ من عبيدِهم، فأوامُر الله سبحانه بَعْدَ القرائن، وصريحُ الإيجابِ يخلو من حاجةٍ، ويكونُ على الإيجاب.
على أنه إن لم يَدع لحاجته، فإنه يستدعي منا الطاعاتِ لحاجتِنا إلى الإثابةِ في الآخرةِ، ونفي المضرةِ في الدنيا بما يَحصُلُ من المفاسدِ، والانتفاعِ بعاجلِ المصالحِ.
وليس هذا مُعتبراً عندنا، لكن إنْ جعلتم ذاكَ قرينةً في أوامرٍ الخلقِ، لتحصيلِ الوجوبِ، فاجعلوا هذه المصالحَ ونفي المفاسدِ مُرَتِّبَة لإيجابِ أمرِ الشرع.
وأمَّا الخبرُ، فإنه مع رتبةِ المُخْبِرِ، وهي العدالةُ، يُحْملُ على
стр. 1066
الصدقِ بظاهِر الوضعِ، وإنْ جازَ عليه الكذبُ بعارضٍ وقرينةٍ تقترنُ بالمُخْبِرِ، ولا يمنعُ احتمالُ الكذبِ فيه مِنْ أَنْ يكون مُطْلقه يقتضي الصدقَ.
وفي الجملةِ، لا يُحْملُ على أقل أحوالِه وهو الكذبُ أو الشكُّ، بل يُحملُ على أعلى أحوالِه، وهو الصدقُ بطريقِ الظن.
وأمَّا قولُهم: إن النهيَ يقتضي كراهيةَ المنهي عنهُ، وكل مكروهٍ قبيحٌ. فلا يصحُّ الأمران جميعاً؛ ولأن النهيَ لا يقتضي الكراهةَ ولا القُبحَ، بل القبحُ والكراهةُ أَعْلى أحوالِه، وله حالٌ أدنى، وهي الكراهةُ على وجهِ التنزيهِ أَوْ الأَوْلى، كَنَهْيِهِ عن القِران بين تمرتين (١)، ونهيه عن العَبَثِ بالحَصَا، أو تقليبِ الحَصَا (٢)، والالتفاتِ في الصلاةِ (٣) وإلى
стр. 1067
أمثالِ ذلك، فكان يجبُ أن تحملوه على أدنى مراتِبهِ من التنزيه، دون الحظر، كما حَمَلْتُم الأمْرَ على أدْنى مراتبهِ، وهو الندبُ.
وأمَّا قولُهم: إنه ليس عندنا [كُلُّ] ضد يجب تركهُ، لكنْ بحَسَب المأمورِ به، فإنْ وجَبَ فِعلُه كان الضد المتروكُ بحسَبهِ واجباً، وإن لم يجبْ فعلُهُ، لم يكن تركُ ضدِّه واجباً، وأما الأمرُ المطلقُ في مسألتنا فلا يقتضي إِيجابَ المأمورِ به، فلا يكون تركُ ضدهِ واجباً، لأنه بحسَبِ المتروكِ من الفعلِ.
فهذا إنما يُبْنَى على فراغنِا من الدلالةِ على أنَه يَقْتَضِى الوجوبَ مع الإِطلاقِ، فإذا سلَّمتم أنه يكون التركُ بحسب المتروكِ، دلتْ دلائِلُنا -الدالةُ على الوجوب- مُوْجِبَةً تحريمَ الفعَلِ، وهو وجوبُ التركِ، وكان الضدُّ بحسبه علىَ ما قامَتْ عليه دلالتُنا.
فصل
يجمع شُبَهَ أهلِ الوقف
فمما تعلقوا به: أنَ هذه الصيغةَ تَرِدُ للإِيجاب، والندب، والتهديدِ، والتعجيزِ، والِإباحةِ، بدليل قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، للإِيجاب، وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ [النور: ٣٢] للندب، وقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] للتهديد، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] للتعجيز، ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، للإِباحة. فصار حكمُها ومقتضاها الاشتراكَ، فأوجَبَ عند الإطلاقِ التوقفَ إِلى حينِ تقومُ دلالة تَصْرِفُها إِلى أحدِ هذه المحتملاتِ، كسائرِ المشتركات من لون وعين وقُرْء وجَون.
стр. 1068
ومن ذلك قولهم: لا يخلو مُدَعي الوجوب بمجرّدِ هذه الصيغةِ أَنْ يكون عَرَفَ ذلك بعقل أو بنقل، لا يكون بالعقل، لأنه ليس بطريقٍ لوضعِ اللغاتِ، أوْ بالنقلِ، ولا يخلو أنْ يكونَ تواتراً أو آحاداً، فلو كان تواتراً لعلمناه جميعاً ضرورةً، واشتركنا في معرفتِهِ، كسائرِ ما تواترَتْ به الأخبارُ، وإنْ كان آحاداً، فلا يَثْبُتُ به هذا الأصلُ العظيمُ الذي ينبني عليه حكمُ الشرع من الإيجاب والحَظْرِ، ويستند إليه (١) استحقاقُ الوعدِ والِإثمِ، وطريقُ مثله العلمُ دوَن الظن.
ومما تعلقوُا به، أن هذه الصيغةَ قد وردتْ في الندب أكثرَ مِنْ ورودِها في الوجوب، ولو كانت للإيجابِ لما غَلَبَ استعمالُهَا في غيرِ موضوعِها، على اسَتعمالِها فيما وضِعَتْ له.
فصل
في جميعِ الأجوبةِ
أما دَعْواهُم وُرودُها لمعانٍ مختلفةٍ ومقاصدَ متغايرةٍ ومتضادةٍ، فهي مشتركة كلَوْن وجَوْن، فليس بكلام يتحققُ عند علماءِ أهلِ اللغةِ؛ لأنَّ الصيغة المُتَجردةَ وهي لفظةُ: (افعل) من الأعلى للأدنى لم تُوضَعْ عندهم إلّا لاستدعاءِ الفعلِ خاصّةً.
ودلالةُ ذلك: أنَه لا يَحْسُنُ بالمُستدعى منه الاستفهامُ والاستفسارُ، بأنْ يقول: هل تستدعي مني الفعلَ، أو تُهدِّدني، أو تعجّزني؟ بل يقبحُ ذلك من العبدِ والأدنى في الجملة، بخلاف قوله: اصبغْ ثوبي
стр. 1069
لَوْناً، واعَتدِّي بالأقراءِ، وأمْسِكْ عن الطعامِ إذا طَلَعَ الفجرُ، وصَلّ إذا غَابَ الشفقُ، فإنّ ذلكَ لما كان لفظاً موضوعاً لأقسام مختلفةٍ ومعانٍ متغايرةٍ حَسُنَ أنْ يقول: أي لونٍ أصْبِغهُ؟، وبأيِّ الأقْراءِ أعْتَد؟، وأيُّ الفَجْريْنِ الذي أمْسكُ عن الأكلِ عند طلوعهِ؟، وأيُّ الشَفَقَين أصلّي عند غيبتهِ؟، ولا يقبحُ الاستفهامُ فيه وعنه، وإنما التَهدُد والتعجيزُ والإباحةُ، ألفاظٌ موضوعةٌ في تلك الأحوالِ.
ولربّما زعمَ قومٌ من الفقهاءِ أنها مستعملةٌ على سبيلِ النقلِ، كلفظِ (حِمَار) منقولةٌ مِنَ النهاقِ إلى البليدِ، ولفظةُ (بحر) منقولٌ من الماءِ إلى العالِم والكريمِ، وليس يَرْتَضي المحققون ذلك؛ فإن العربَ إنما تَسْتَعيرُ الصيغةَ بِمَحَل، ولِما فيه بعضُ مشابهةٍ لما وُضعَ له اسمُ الحقيقة، كبلادة في الإنسان، يُستْعارُ له لأجلها اسمُ حمارٍ، وغزارةِ علم وفيضِ عطاءٍ، يُسْتَعارُ لصاحبهِ اسمُ بحرٍ، وليس بين التهديدِ الزاجرِ المانعِ من الفِعْل المزجورِ عنه، وبين الأمرِ الموضوع للاستدعاءِ واتخاذ الفعلِ المَأمور به، تماثلٌ ولا تشابهٌ؛ فلذلك لَم نَرْتَضِ تشبيهه بالمجازِ.
لكنْ نقول: إن قولَ المُتَهدِّد: افعل ما شئتَ، وأكْثرِ من مخالفتكَ إيَّاي ومعصيتك لي، لفظ موضوع عندهم للزجر، كقول المُعَرِّضِ بالقذف حالَ المسَابّة لغيره: يا عفيفُ ابنَ العفيفةِ، وقولِ القائل للمشهورِ بالبخلِ: يا كريمُ، وللجاهل: يا حَكيمُ. هذا موضوعٌ للاستخفافِ، ولا يقال: إنه اسمُ مَدْحٍ استُعِير للذم، ولكنها بمشابهةِ اللفظةِ، كالمجاز الذي يحملُه من لا علمَ لَهُ بالحالِ على الحقيقة (١)،
стр. 1070
فإذا خَفِي عليه الحالُ الدالّه على التَّهدُّد والحالُ الدالّةُ على الذَّمِّ، وسَمعَ قائلًا يقول: افعل، قال: مستدع، وإذا سَمع قائلًا يقول: يا عفيفُ، ويا كريمُ، ويا حكيمُ قال: مادحٌ ومُثْنٍ، كما إذا سَمع قائلًا يقول: بحرٌ وحمارٌ، حَمَلَ الأمرَ على الحقيقةِ الموضوعةِ فيٍ الأصلِ دون المجازِ، فهو يشابهُ المجازَ والحقيقةَ من هذا الوجهِ خاصة، فَينْدفعُ بهذا تَشْبيههم صيغةَ الاستدعاءِ بصيغةِ اللونِ والجوْنِ، من جهةِ أن ذاكَ لو سُمعَ على أيَ حالٍ لَمْ يُعْقلْ منه السوادُ أو البياضُ إلا بدلالةٍ تصرِفُ اللفظَ إلى أحدِ محتملاتهِ، على أن دليلَهم باطلٌ بصيغةِ الايجاب، فإنها قد تَرِدُ والمرادُ بها الندب المؤكدُ، كقوله ﷺ : "غُسْلُ الجمعةِ واجبٌ على كلُّ محتلم" (١)، وكذلك الوعيدُ ورَدَ على مَنْعِ الماعُون، ومَنْع إعارةِ الدلوِ، ومنْحةِ اللبنِ (٢)، ومَنْعِ فَضْلِ الماءِ (٢)، وعلى تركِ إجابة الأَذانِ إلى الجماعةِ (٣)، ووردَ على تركِ الفروضِ، ولَمْ يوجِبْ ذلك الوقتُ عند مجيئهِ مطلقاً، بل حُملَ على الايجاب في الفعلِ، وإيجاب ما تُوُعدَ على تركِهِ، إلا أنْ يَصرِفَنا عنه دلالةٌ، فَبَطَل التَعَلُّق بالاشتراكِ.
وأما التقسيمُ علينا في طُرق إثباتِ الوجوب، فإنَّ ما سَطرة أهلُ اللغةِ في كتبِهم يجري مجرى التواترِ، وما استقريناهُ من ألفاظِهم، وما قررناهُ في أدلتِنا، وما تلوناهُ من الآي والسنةِ، وحكيناه عن أهلِ
стр. 1071
اللغةِ من حُسْنِ المعاتبةِ على المخالفةِ، على أنا لا نحتاجُ إلى تواترٍ بل الأحادُ في هذا تكفي، وخبرُ الواحدِ المُتَلَقى بالقبولِ تَثبُتُ به مسائلُ الأصولِ عندنا، وليس تَرتقي أصولُ الفقهِ إلى العلمِ (١)، ولذلك لا نُفَسق المخالفين فيها، بل نُخَطئُهم فَنُنْزِلهم في ذلك منزلةَ الفقهاءِ؛ ولأنه يَنْقلِبُ عليهم في قولِهم بالاشتراك، فإنه نوعُ إثباتٍ، والوقف، فإنه مذهبٌ، فلا يخلو أنْ يكون ثَبَتَ بالعقلِ أو النقلِ، ويُساقُ التقسيمُ عليهم مَسَاقَتَهم له عَلَيْنا، فلا يجدونَ فضلاً.
على أنَّا لا نقنعُ بإيقافِ ما ذكروهُ حتى يَرجحَ جوابُنا، فنقول: إن الوقف لا يكونُ عملًا بمقتَضى الاستدعاءِ المطلقِ، وإنما هو لأجلِ استعمالِ اللفظةِ في مواضع تَقَيَّدتْ بقرائنَ، ومواضعَ عُلِم أنه لم يُرَدْ بها الاستدعاءُ، ونحنُ بادرنا إلى القولِ بالإيجاب، لأنا علِمْنا أنهم استدعوا الفعل للِإيجاد، ولا يحصل الِإيجادُ إلا بالإيجاب.
وأمّا تَعَلقُهم بأنَ استعمالَها في الندب أكثرُ، فليس ذلك بدليل على المنعِ من كونها هي الأصلُ في الإِيجاب، ألا ترى أنَّ لفظةَ الوطْءِ حقيقة في الاعتمادِ بالقدم، واستعمالُها فيَ المباضَعةِ والجماعِ أكثرُ، وكذلك الغَائِطُ اسم للأرضَ اللينةِ، واستعمالُها (٢) في الخارج أكثر، وإن كان ذلك مجازاً في الخارجِ.
стр. 1072
فصل
في شبهاتِ المعتزلةِ
قالوا: الأمرُ من الحكيم يقتضي حُسْنَ المأمورِ به، وأقلُ أحوالِ الحُسْنِ الحث عليه، والندبُ إليه، لأنَه لا يريدُ الإباحةَ في دارِ التكليفِ، وأعلى أحوالِه الوجوبُ، فلا يُحْملُ على ما زاد على أقل ما يقتضيهِ اللفظُ إلا بدلالةٍ، كإطلاقِ العددِ، والجمعُ يُحملُ على الأقل في الإقرارِ والأمرِ، ولا يحملُ على ما زادَ على الثلاثةِ إلا بدليلٍ.
قالوا: لو كانت هذه الصيغةُ يقتضي الإيجابَ، لَما حَسُنَ ورودُها من الابنِ لأبيه (١)، والعبدِ لسيِّده، والوضيعِ للشريفِ، أَلا ترى أنَ لفْظةَ: أوجبْتُ وفرضتُ، لمَّا اقتضت ذلك لم تحسن من هؤلاء لمن هو أعلى منهم، فلما حَسُن أَنْ يقولَ الأدْنى للأَعلى: افعل، عُلمِ أنها لا تقتضي الوجوبَ.
قالوا: قولُه لمن هو فوقَهُ: "افعلْ" يقتضي الإرادةَ دونَ الِإيجابِ، كذلك مَنْ هو دونَهُ، وجَبْ أنْ لا يقتضيَ إلا الإرادةَ دونَ الوجوبِ.
قالوا: ولأنَّ قولَه: "افعل"، وقولَه: "أريدُ أنْ تَفْعلَ" واحدٌ في المعنى الموضوع له، وهو استدعاء الفعل، وكل واحدٍ منهما يقتضي الإرادة، فإذا لم يقتض قوله: "أريد أن تفعل" إيجابَ الفعلِ عندكم، وجَبَ أنْ يكون: "افعل" مثلَهُ في عدمِ الإِيجاب.
قالوا: ما ذهبتُم إليه من القولِ بالِإيجاب، يُفْضي إلى أن تقتضي اللفظةُ الواحدةُ بمعنيين مختلفين: وجوبُ فعلِه والإثابةُ عليه، وتحريمُ تركهِ والعقوبةُ عليه، وليس لنا في اللغة ذلك.
стр. 1073
قالوا: لو كانت موضوعةً للِإيجاب، لكانت إذا استعمِلَتْ في الندبِ مجازاً، كسائرِ الموضوعاتِ إذا نقِلَتَ عما وضِعَتْ له إلى غيره، مثل بحر، متى استعمِلت في الرجلِ العالِمِ كانت مجازاً، حيث كان وضعها للماءِ الغزيرِ الفائضِ المتباعدِ الأقطارِ، فلما كانت في الندبِ حقيقةً عندكم، بطَلَ أن تكون للإيجابِ في أصلِ الوضعِ، بل هي أمر فقط، والأمر استدعاء يحمل بإطلاقِه على المتيقَنِ من مراتبهِ، وهو الندب.
قالوا: لو كانت موضوعةً للوجوب لما حَسنَ الاستفهام عن المرادِ بها عند إطلاقِها، كلفظةِ الِإيجاب الَصريحةِ، لما كانت موضوعةً، لَمْ يَحْسنْ الاستفهام عندها.
قالوا: لو كانت للوجوب لكانت إذا جاءت دلالة تجعلها للندب ناسخة، وتكون منسوخةً بِرَفْعِ الإيجابِ عنها.
فصل
يجمع الأجوبةَ عن شبهِ المعتزلةِ .
أما دعواهم الأُوْلَى، وأنها لا تقتضي إلا الحسنَ، فشرِح لمذهبهم، ولا فضلَ بينهم فيها وبين من قال: تقتضي الِإطلاقَ والِإذن، فلا نحمله على أكثرَ من ذلك إلا بدليلٍ، وإلا فتحقيق الكلمةِ أنها تعطي إيجادَ المستَدعى، والحسْن معلوم بدليلِ العقلِ، وأن الأمر إذا كان حكيماً لا يستدعي إلا الحَسَنَ، فالحسن أمر زائد على كونِهِ مستدعىً، وذلك من قبيلِ أنة مصلحة وأنه غير مفسدةٍ، كلُّ هذا قَبيل يعلم بدليل، لا من جهةِ الصيغةِ، والمعلوم من الصيغةِ ببادرتِها استدعاء إيجادِ الفعلِ
стр. 1074
المأمورِ به.
على أن هذا باطلٌ بالنهي، فإنه يدل مِن الحكيمِ على كراهةِ المنهيِّ عنه، وكراهتُة لا تقتضي التحريمَ، لأنه قد يُكرهُ كراهية تنزيهٍ، ثمّ لم يحمل على أدنى ما تتناوله الكراهة.
وقد أجابَ مَنْ وافَقَنا في هذا المذهبِ بجوابٍ آخرَ، وهو أن قال: إنْ كان الأمر يقتضي حسن المأمور به، فهو يقتضي قبْحَ ضدهِ، ولا يمكنه تَرك ضدهِ إلا بفعلِ المأمورِ به، فوجبَ انْ يكونَ واجباً، وهذا معْتَرض بتحقيقٍ يكشف عن فسادهِ، وهو أن الضدَّ إنما يجب -عند القوم- تركة إذا ثبتَ وجوب فعلِ ما يضادة، فأمّا إذا كان الفعل لم يثبتْ وجوبه، فلاوجهَ لوجوبِ تركِ ضده، فيصير دَوْراً.
وأمّا تعلقهم: بأنها تَحسنُ من الابنِ لأبيه وليس بأهلٍ للِإيجابِ عليه، فإنه يبطل بلفظِ النهي، فإنه يحسن من الابنِ لأبيهِ، والسيّدِ لعبدهِ، وليس بأهلٍ لمنعهِ والحجرِ عليه، ألا تَرى أنه لا يَحسُن أنَّ يقولَ الابن لأبيهِ، والعبد لسيّدهِ: حظرت عليكَ، ولا حرَّمت عليكَ، وَيحسن أنْ يقول له: لا تفعلْ، كذلك لم يحسن أنْ يقولَ: أوجبت عليكَ، أو فرضت، ويحسن أنَّ يقولَ: افعلْ.
على أنَّ الصيغةَ مع عدم الرتبةِ ليستْ هي المختلفَ فيها، وإنما الخلاف فيها مع الرتبةِ، وليسَ إذا استعمِلَتْ الصيغة نفسها في بعض المواضعِ التي لا تحتمل الوجوبَ لا يدلُّ على أنها غير موضوعةٍ للوجوب، بدليلِ ألفاظِ الحقائقِ، كلفظةِ: (حمار) تستعمل في الرجلِ البليدِ اَلذي لا يحتمل البهيمةَ، ثم لا يدل على أنه غير موضوع
стр. 1075
للبهيمةِ النَهاقِ، كذلك هاهنا.
وأما دعواهم في لفظةِ: (افعل) أنها تقتضي الإِرادةَ في حقِ الأعلى والأدنى، وفي صدورِها من الأدنى للأعلى لا تكون موجِبة، كذلك إذا صدرتْ مِنَ الأعلى للأدنى، فغيرُ صحيحٍ؛ لأن النهيَ يقتضي الكراهةَ، سواء وجِدَ مِنَ الأعلى للأدنى، أوْ مِنَ الأدنى للأعلى، ثم لا يقال: إنه لما لم يقتض الحظرَ إذا صَدَرَ من الأدنى، كذلك إذا صَدَرَ من الأعلى.
على أنه إذا وَرَدَ من الأدنى للأعلى، سُمِّيَ سؤالاً ورغبةً وطلباً، وإذا ورَدَ من الأعلى للأدنى سُمِّي أمراً، فدل على أنهما مُفْتَرقانِ.
وأما قولهمْ إن قولَه: (افعل)، وقولَه: (أريد منك أن تفعلَ) واحدٌ، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يقتضي إرادةَ المأمورِ، فإذا لم تقتضِ أحدهما الإِيجاب، فكذلك الآخر مثلهُ، فدعوى بعيدةٌ؛ لأنَ قولَه: افعل استدعاءٌ، وأريدُ أنَّ تفعلَ، خبرٌ، ولهذا حَسُن في جوابِ أحدِهما: صدقْتَ أو كذبتَ، ولم يَحْسُنْ في جوابِ الآخرِ.
وإذا قال: أريدُ منك، كان طلباً لا أمراً، ولهذا يَحْسُن أن يُعلَّقَ على الأعلى والأدنى، بخلافِ افعلْ، فإنه لا يُعلقُ إلّا على الأدنى دونَ الأعلى.
وأمَّا قولُهم: يُفْضي إلى أنَّ تكون اللفظةُ الواحدةُ تقتضي شيئينِ مختلفينِ: الإِيجابَ والعقوبةَ على التركِ. فهذا بعيد عن التحقيقِ؛ لأن الإِيجابَ هو انحتامُ الاستدعاءِ، والعقوبةُ على المخالفةِ حكم أوجبَهُ الشرعُ في الأوامرِ الشرعيةِ، والعَرَبُ في الأوامِر العُرْفيةِ، وليس في قوةِ
стр. 1076
اللفظةِ إيجاب عقوبةٍ، وما ذلك إلا كما قال المخالف في لفظةِ الِإيجاب، فإنَّ قولَه: أوجبتُ، لفظةٌ واحدةٌ اقتضتْ بنفسها انحتامَ الفعلِ الَمستَدْعى، وكان من حكِمها إيجاب العقوبةِ على المخالفِ لمقتضاها، وكذلك إيجاث الثواب إنما هو بدلالة لا من اللفظةِ، إذ لو لم يخبرِ الله سبحانه بالمجازاةِ لمَا اهتدينا إلى مقابلَةٍ منه، بل يجب طاعتة ولا تجبُ إثابته، فلما أخبرَ صار الثواب حقاً بخبرِهِ، دون لزومهِ للعوضِ والمقَابلَةِ.
وأما قولُهم: لو كانت للِإيجاب لكانت إذا استعْمِلتْ في الندبِ مجازاً. فغير لازمٍ؛ لأنه على أحدِ الوجهين ليس بأمرٍ عند أصحاب الشافعي (١)، وهو الصحيح عندهم، وإن سلِّم على قولِ صاحِبنا -رضى الله عنه-، فإنما لم يكن مجازاً، لأن تحتها استدعاءً تاماً، فهي كما يَبقى من العموم يكون خصوصاً بالإضافةِ إلى مافوقه، عموماً في نفسِهِ، لكونه يَعمُّ ما تحتَة، لأنَّ الوجوبَ جُملة تَقْتَضي إيجادَ الفعلِ على أشدِّ استدعاءٍ وآكدِه، فيدخل الندب الذي هو نوع حث فيه، فيصير
стр. 1077
كالجموعِ والعموم يخرجُ منه جملةٌ بعد جملةٍ، والباقي عموم حقيقةً وجَمع حقيقةً، ولوَ بَقِيَ منه ثلاثةٌ من ألوفٍ من الأعداد.
كذلك إذا بَقِيَ هاهنا على استدعاءٍ غيرِ منحتمٍ، لكنه محثوثٌ عليه، فهو باقٍ على بعضِ الجملةِ.
وأما إلزامُهم حُسْنَ الاستفهام، فلا يُسلَّم على الِإطلاقِ، بل إِنْ حسُن فعلى وجهِ التأكيدِ، فكما أنَ القائلَ: دَخَلَ السلطانُ نفسُهُ. يؤكد بقوله: نَفسُهُ لا لحاجتهِ إلى ذلك، كذلك يقولُ المستفْهمُ: السلطانُ نفسُهُ أو عسكره؟ مبالغة في الاستثباتِ، وكذلك يقول هاهنا: أوجبْتَ على، استيضاحاً زائداً على الحاجةِ، كقولِ المخبرِ: رأيتُ زيداً نفسَهُ.
على أنَ الاستفهامَ لأجلِ التردّدِ بين استعمالِ هذه اللفظةِ في الندب وبين استعمالِها في الِإيجابِ، وهذا لا يمنعُ كونها مع الإِطلاقِ منصرفَة إلى الإِيجابِ، كلفظةِ الإِيجابِ يحسُنُ أن يقولَ فيها: هل أردْتَ به الندبَ لمجيئها في المندوب وهو غسل الجمعة، وكذلك لفظةُ الوعيدِ والتهديدِ لمجيئهما في تركِ المندوباتِ، كالماعونِ وما شاكلَ ذلك، كما رُوي: "مَن مَنَعَ فضلَ مائهِ، مَنَعَهُ اللهُ فضلَ رحمتِه يومَ القيامةِ" (١) و"من كانت له ما شية إبل أو بقر فمنع حقها بُطح بقاعٍ قَرْقَرٍ
стр. 1078
تنطحُهُ بقرونِها وتطؤه باظلافِها، كلما نفذَ اخراها عادَ أولاها" قيل: وما حقُها؟ قال: "إعارةُ دلوِها يوم وردها ومنيحة لبنها وإطراقُ فحلِها" (١)، وكذلك الوعيدُ على تركِ الجماعاتِ، وقوله: "من سمعَ النداءَ فلم يُجِبْ، صُب في أذنيهِ الآنكُ" (٢) قيل: هو الصفرُ المذابُ، ثم هو مع الإِطلاق يقتضي الوجوبَ والوعيدَ.
وأما قولهم: لو كانت للوجوب لكانت الدلالةُ الواردةُ برفعِ الوجوب نسخاً. هذا باطل بالتخصيصِ إذَا وَرَدَ أبان عن أنه لم يُرَدْ به الشمولُ ولم يكن نسخاً، والنسخُ ما ثبت حُكمهُ ثم رُفعَ، وهذا الدليلُ أبانَ عن مرادِه بالنطقِ، وأنه الندبُ لا الإِيجابُ، وما أوجَبَ العملَ بالِإيجاب ثم رفعَ، بل كان ظاهرُهُ الإِيجابَ ثم كشفَ عن أن المرادَ به الندبُ، فلم يكن نسخاً، كتخصيصِ العموم.
стр. 1079
فصل
في الأمرِ هل يقع على الندبِ حقيقةً أو مجازاً ؟
اختلف الناس في ذلك، فظاهرُ كلام أحمدَ أنه حقيقةٌ (١)، قال أحمد: آمين، أمرُ النبيِّ ﷺ ، ومعلوم أن قولَ: آمين مندوبٌ إليه، وقد سمّاه أمراً، وعنى بأمره قوله ﷺ : "إذا أمنَ القارىءُ فَأَمِّنُوا" (٢)، وقال في الذبيحة: تُقادُ على المذبح قوداً رفيقاً، وتُوارى السكينُ ولا تُظْهَرُ عند الذبحِ (٣)، أمرَ بذلك رسوَلُ الله. فسمى
стр. 1080
ذلك أمراً وإن كان كلُ ذلك ندباً.
وقال الكرخيُ والرازي (١) من أصحابِ أبي حنيفةَ: لا يكون أمراً حقيقةً، وإنما حقيقةُ الأمرِ ما أُريدَ به الوجوبُ.
واختلفَ أصحابُ الشافعي، فمنهم من قال: إن المندوبَ حقيقةً أمرٌ، وبعضُهم قال: إنه ليس بأمرٍ.
فصل
يجمع الحُجَج والأدلةَ على كونهِ أمراً
من ذلك: أنَ الفاعلَ بحكمِ الندبِ مثل القائل لآمين، والفاعل للسواكِ، والمصلي سننَ الفرائضِ، يُسمى طائعاً، ومن خصائص الأمرِ ودلائلهِ كونُ امتثالِه طاعةً وانفصالِه عن المباحِ الذي لا يكونُ بفعلهِ طائعاً، ولا يكون فعلهُ طاعةً، وإنما يكون مأذوناً فيه، والفصلُ بينه وبين الِإباحةِ يشهد بأنَه مأمور به؛ لأنه يقال: أمرَه فأطاعَ، كما يقال: دعاهُ فأجابَ، ولا يقال: أباحَهُ فأطاعَ، ولا أذِنَ له فامتثلَ. وكذلك إذا فَعَلَ السيدُ ما استدعاه العبدُ منه، لا يقال: أطاعَهُ. لما كان سؤالاً ولم يكُ أمراً، وما تحققَ الفرقُ بين الندب والسؤالِ والِإباحةِ، إلا بكون المندوب مأموراً به، والإباحةُ والسؤالُ ليسا أمرين، وكما يقال: [تكلَّم]
فصَدَق أَوْ كَذَبَ، يقال: أُمرَ فأطاعَ أو عَصى. وتحقيقُ أنه إنما كان طاعةً وممتثلاً لتعلقِ الأمرِ به؛ لأنه محالٌ أن يكون طاعة لجنسهِ ونفسهِ أو صفةٍ من صفاتِ نفسِهِ، لصحةِ وجودِه ووجودِ مثلهِ، وما هو من جنسه
стр. 1081
غيرُطاعةٍ.
ومحال أن يكون إنما صار طاعةً لحدوثهِ ووجودِه، فإنَ المباحَ حادثٌ وموجودٌ، وليس بطاعةٍ، ولا يجوزُ أن يكون طاعةً لكونه مراداً، لأنَ المباحَ مُرادٌ وليسٍ بطاعةٍ، وكذلك جميعُ الحوادثِ لا تحدث إلا بمرادِه، وليست طاعة، ولا يجوز أن يكون طاعةً لحصولِ العلمِ به والخبرِ عنه، لأنه قد يشركهُ في ذلك ما ليس بطاعةٍ من المباحِ والمحظورِ، وليس كلُ ذلك طاعةً.
ولا يجوزُ أن يكونَ إنما صار طاعةً لحصول الثواب ووَعدِ الله سبحانه في مُقابلَتهِ، لأنه لو أمرَ بفعلٍ ولم يضمنْ عليه ثواباً، لكان فعلُه طاعةً إذا وقع موافقاً للأمْرِ، لأن ضمانَ الثوابِ في مقابلتهِ إنما هو بفضلٍ وليس بمستحقٍ عليه سبحانه، وإنما ضمنه تْرغيباً في الطاعةِ، ولأنَه قد يُحبط المكلفُ ثوابَ طاعتِه بالكُفْرِ، ولا يخرجُ عن كونه بعد إحباطِ الثوابِ طاعةً، كما لا يَخْرجُ عن المخالفةِ بالمعصيةِ عن كونها معصيةً بمغفرتِها والعَفْو عنها، فثبت بهذا التقسيم: أنَه لا يجوز أن يكون طاعةً إلا لكونه مأموراً به، إذ لا شيءَ يمكنُ تعليلُ كونهِ طاعةً بشيءٍ سوى ما ذكرنا، هذا هُوَ الذي عليه أهلُ اللغةِ، ولذلك يُقال: فلان مطاعُ الأمرِ، ومعصي أمرُهُ، ويقولون: أمرَ فأطيع، وأمرَ فعُصي قال الله تعالى: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ [طه: ٩٢, ٩٣].
وقال الشاعر:
ولو كنتَ ذا أمرٍ مطاعٍ لما بدا ... توانٍ من المأمورِ في حَالِ أَمْرِكا
стр. 1082
ولم يقلْ أحد منهم: مطاعُ الِإرادةِ، ولا أرادَ فأطيع، ولا أباحَ فأطيع، فثبتَ بهذه الجملةِ: أنَّ الطاعةَ إِنما كانت طاعةً، لكونها مأموراً بها، وإذا كان كذلك وجَبَ انقسامُ الأمرِ قسمين: واجبٌ، ونفل.
فالواجبُ بالإِطلاقِ، والندبُ مع انحطاطِه بقرينةٍ أو دلالةٍ عن رتبةِ الإِطلاقِ إِلى التقييدِ بالندبِ.
ومما يدلُّ على أنَه مأمور به: أنَ الواجبَ ما يُعاقبُ على تركه، وُيثابُ على فِعلهِ، هذا المستقر في حكمِ الشرعِ، والندبُ ما يثابُ على فعلهِ، ولا يُعاقب على تركهِ، فإذا حملَ على الندبِ، فقد حُمِلَ على بعضِ ما يشتملُ عليه الواجبُ، وذلك لا يُمنَعُ به حقيقة، كالعموم إذا خَرَجَ منه بعض ما شمله بدلالةِ التخصيصِ، بَقي الباقي حقيقةً فيَما يشمله.
فصل
في الأسئلةِ على هذه الأدلةِ
قالوا: إن الواجبَ لم يَصِرْ مأموراً به لكون الفاعل بحكمِه والممتثلِ له مطيعاً، ولا لكون الفعلِ طاعةً، وإنّما صارَ مَأموراً به لكونِ مخالفتِه عصياناً. قالوا: ولا نُسلم أنَ معنى الواجب ما يُثاب على فعلهِ، بل هو ما يُعاقبُ على تركهِ، وتدخلُ الإثابةُ على فِعْله تبعاً، بخلافِ العمومِ، فإنَ لفظة تناولَ الجنسَ واشتملَ عليه اشتمالًا واحداً، فإذا خَرَجَ بعضُه بدليل اللفظِ متناولًا للباقي، فكان حقيقةً فيه، كقولنا:
стр. 1083
سوادٌ وبياضٌ، وموضعه (١) يعُمَّ الكثيرَ والقليلَ.
فصل
في الأجوبةِ عن الأسئلةِ
أما قولُهم: لا نُسلم أنَّ الواجبَ صار مأموراً به، لكونه طاعةً، ولا لكونِ الفاعلِ له مطيعاً، لكن لكونِ مخالفتهِ عصياناً، فليس بصحيحٍ؛ لأن المقابلة للأمر بفعلٍ أو تَرْكِ، فإذا كان الترك يسمى عصياناً، لكونه مخالفة للأمرِ لا غير، وجَبَ أن تكونَ متابعةُ الأمرِ تسمّى طاعةً، لكونه أمراً لا غير ذلك، وما تضادُّ العصيانِ والطاعةِ، إلا كتضادِ التصديقِ والتكذيب، ومَعْلومٌ أن كُل لفظٍ حَسُنَ أن يكون جوابُه: صدقتَ، خبرٌ، وكل ماَ كان جوابهُ: كذبتَ، كان خبراً، كذلك ما تضاد العصيان والطاعة، يجبُ أن يكون كُلّ واحدٍ منهما إذا قابل الاستدعاءَ، كان الاستدعاءُ أمراً.
على أنَّ التاركَ للمندوب، يَحْسُن أن يسمّى عاصياً، هذا قياس المذهب. قال أحمدُ في تاركِ الوتْرِ: "رجل سوء"، وهو علي مقتضى اللغةِ كذَلك، لأن كلُّ ما كان بفعلهِ طائعاً، كان بتركه عاصياً، إذ ليس بينهما واسطةٌ.
ودعواهم أنَ الثوابَ تبعٌ، وأن العقابَ على التركِ هو الأصلُ، لا تَصحّ؛ (٢ لأن المأمورَ به مقَن له رُتبة ٢) يكون معاقبا على تركِه، كانت
стр. 1084
رتبتهُ من الثواب بحسَبه، نطَقَ بذلك الكتاب الكريم في حقِّ طاعةِ نساءِ النبِّي صلى الله عليهَ ومعصيتهِن المقدَّرة، وما من قربة يضاعف عقاب تركِها، إلّا تَضَاعَفَ ثواب فعلها، فلا وجهَ لجعلِ الثواب تَبَعاً، فإنَّ كلَ واحد منهما محثوث به، والأصل في الإيجاب انحتام الاَستدعاءِ، على أن حصول الثوابِ نوعُ ترغيب على وجه الحثِّ، فكيف يكون استدعاءً، على وجه الخبرِ ولا يكون أمراً؟ وإنّما العقابُ بالتركِ زائد على الخبر بزيادةِ ردعٍ.
فصل
يجمعُ شُبَهَ المخالفين مما تعلقوا به في أنَّ المندوبَ ليس بمأمور به .
قولُ النبى ﷺ : "لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك" (١)، وقد نُدِبَ، فدَلَّ على أنه ليس بآمرٍ بكونه نادباً.
وقول النبي ﷺ لبريرة: "لو راجعتيه، فإنه أبو ولدك"، فقالت: بأمْرٍ منك يا رسول الله؟، فقال: "لا، إنما أنا شفيع (١)، فَنَفَى الأمرَ، وأثْبَتَ الشفاعةَ، والشفاعةُ نَدْب، فدلّ على أنها ليست أمراً.
قالوا: ولأنّه لو كان المندوبُ مأموراً، لحسُنَ أن يسمّى التاركُ له عاصياً، كالوجوبِ لمّا كان أمراً يُسمى مخالفهُ عاصياً. وأجمعَ الناسُ على أنّه لا يُطلق على من تركَ المندوباتِ أنه خَالفَ أمرَ الله.
قالوا: ومن خصائص المجازِ حُسْن نفيهِ. وقد أجمعوا على أنه يَحسن أن يقولَ: إن الله ما أمَرَني بأنْ أصلّي الضُحى، ولا أمَرَني بأن
стр. 1085
أزيدَ على صدقةِ زكاةِ مالي. ولو كان مأموراً لما حَسُنَ نفيُهُ، فإن كلَّ صلاةِ نَفْلٍ وصدقةِ نَفْل مندوب إليها.
فصل
في جمعَ الأجوبةِ عن شبههِم
أمَّا الحديثان، فالمرادُ بهما النفيُ لأمرِ الإِيجاب، بدليلِ أنه علل بالمشقةِ، وذلك لا يقعُ إلا بالِإيجابِ، وليس مَعنى أَن قوله: "أنا شافعٌ" من طريقِ الدِّينِ، لكن من طريقِ المشورةِ في أمرِ الدنيا، ووكَل ذلك إلى ما يراه من صلاح شأنِها في إجابتهِ، ومشاورتُه ﷺ في أمورِ الدنيا، لا تكون ندباً، وقد خُولِفَ فيها، مثل نزوله بمنزلٍ أشير عليه بالرحيل عنه لما قيل له: أنزَلْتهُ بوحيٍ أم برأي؟ فقال: "بل برأيٍ"، فقيل له: ليس بمنزل (١)، وكذلك علَّل بأنه أبو أولادك، ولم يقل: يكون لك [من الأجرِ كذا] (٢) كما حَث على أعمالِ الطاعاتِ بالوعْدِ. وأما تسميته بالترك عاصياً، فإنه لم يَحْسُنِ الإِطلاقُ، لأنه يعطي الذمَ، وليس في مخالفةِ الندب ذمٌّ إلا على صفةٍ - وهو إذا أهملَه أوْ داومَ عليه (٣) أو تقيَّد- فيقُال: خالفَ أمرَ الله فيما نَدَبَهُ إليه، ولأنه يُقابله تسميتهُ -بإجماعِ المسلمين- بالفِعْلِ طائعاً، وممتثلًا، ولا طاعةَ إلا لأمرٍ، كما لا تصديقَ إلا لِخَبَرٍ، ولا إجابةَ إلا لدُعاءٍ.
وأما نَفْي الأمرِ، فلا نُسلّمه في سائرِ المندوباتِ، بل يقال: خالف
стр. 1086
أمْرَ الله، لكن بتقيد لا بإطلاقٍ، لأن الإطلاقَ يُوهم الاعلى، وهو الوجوبُ، وهو هاهنا محطوط عن رتبةِ الوجوب، فلا بُدٌّ من تقييدٍ في النفي، فيقالُ: قد خالف أمر الله في السنن أَو النوافل، كما لا بُد من تقييدٍ في الِإثبات، فنقول: أمرُ ندب، لئلا يوهمَ إطلاقهُ الإيجابَ.
فصل
صيغةُ الأمرِ إذا ورَدَتَ بعد الحظر، كانت إطلاقاً وإذناً وإباحةً ، ولا تكون على مقتضى إطلاقِها، وأخذَ أصَحابُنا ذلك من كلام أحمدَ (١) ﵁ من آيات قامتِ الدلالةُ على أنها للإِطلاقِ، مثل قولهِ سبحانه: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠]، وذلك لا يُعطي عندي مذهباً في مسألتنا؛ لأنَّ المختلفين في هذه المسألةِ، مجمعون على أنَّ هذه الآياتِ للإِباحةِ، والِإطلاقِ بحسب دلالةِ الِإجماع، وانما ذهبَ أصحابُنا إليها لدلالةٍ نذكرها، وذهبَ إلى هذا المذهب الواضعُ لأصولِ الفقهِ من الفقهاءِ، وهو الشافعي رحمة الله عليه، فظاهرُ مذهبِه أنها للإباحةِ.
واختلفَ أصحابُه على وجهين (٢): أحدُهما: مثل هذا، والثاني: أنها على الموضوعِ الأصلي من الإيجابِ.
وذهبَ أكثرُ الفقهاءِ (٣) أنها على حُكم أصلهِا، على اختلافِهم فيما
стр. 1087
تقتضيه في الأصلِ، فمن قال: هي على الوقفِ، قال: هي على الوقفِ، ومن قال: على الندبِ. قال: هي بعد الحظرِ على الندبِ، ومن قال: هي على الإيجابِ، قال: هي على الإيجاب (١).
стр. 1088
فصل
يجمعُ الدلائلَ على مذهبِنا
والدلالةُ على أنه يقتضي الإِباحةَ والإطلاقَ دون الوجوب، أن النهيَ والحظرَ الذي تقدّم كان مانِعاً من الفعل، وبين الحظر والإيجاب مراتب ثلاثة: الإطلاقُ، ثم الندبُ، ثم الِإباحةُ، ثم الِإيجابُ، فإذا قال السيدُ لعبده، أو المطاعُ في الجملة لمطيعهِ ومن هو دونهُ: لا تدخلِ الدارَ، ثم قال له: ادخلْ. لم يجزْ أنْ نُسْقِطَ درجتين، الِإطلاقَ والندبَ، ثم نرتقي إلى الإيجاب إلا بدلالةٍ، لأن الأقربَ إلى هذه اللفظةِ بعد المنعِ الِإطلاقُ فيما كَان مَنَعهُ عنه والتخليةُ مما كان قيَّده به. ولهذا يحسُنُ أنْ يُقال: أذِنَ له بعد المنعِ، وأطلقَهُ بعدَ الحظرِ، ولا يُقال في حالِ الابتداءِ ذلك، ولا يَحسُنُ أن يقالَ لمن قال لعبدهِ ابتداءً: افعل، أنه مطلقٌ، بل هو مُقيّدٌ بالأمرِ، مستدعىً منه إيجادُ ما أمر به.
ويدل على ذلك أيضاً أن كُلَّ أمرٍ بعد حظرٍ في القرآن على الإباحةِ، فيجب أن يُحملَ على ما وَرَدَ به القرآنُ، والدلالةُ على هذه الدعوى قولُه سبحانه: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ...﴾ [المائدة: ٩٥]
إلى قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ...﴾ [الجمعة: ٩] إلى قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقوله سبحانه: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
стр. 1089
ويدل على ذلك: أنَّ تقدمَ الحظرِ كان يقتضي الكف عن ذلك الفِعْلِ المحظورِ، فإذا جاءَ لفظُ الاستدعاءِ، وهو صالحٌ لإِزالةِ ذلك الحظرِ، والإذن والإطلاق في فعلِهِ، وجَبَ أن يُحملَ على ما صَلَح له، كما لو استأذنَ الأدنى الأعلى، هل أفْعَلُ كذا؟ فقال له: افعل، كان تقدمُ الاستئذان منه جاعلًا لقول الأعلى له إذناً، وإطلاقاً لا أمراً موجِباً، ولا ندباً، ولا يُوجِبُ وقفاً، كذلكَ تقدّمُ الحظرِ، بل الحظرُ آكدُ، لأنَ الاستئذانَ يترددُ بين المنعِ وبين الِإطلاقِ، والحظرُ يقتضي المنعَ بأصلِ وضعهِ، ويدل على ذلك في حق من قال: إنَ الأعيانَ في الأصلِ على الإِباحةِ، جعل الأفعالَ على الإِباحةِ، فإذا ورَدَ الأمرُ بعد الحَظْر، ارتفِع الحَظْرُ، وعاد إلى الأصلِ، ويَدُل عليه أنَّ تقدمَ الحَظْرِ أو مقارنته لصيغةِ الأمرِ ولفظةِ: (افعل) يخرجُها عن وضعها، بدليلِ التهديدِ، فإنَّه بصيغةِ الأمرِ، لكن لما تقدَّمه الحظرُ أو قارنَهُ الزجرُ جعلهُ موضوعاً آخر. وهو التهديدُ، وقد كان مع التجردِ والإِطلاقِ يقتضي الإذنَ والإِباحة، مثل قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وبعضهُ يقتضي الإيجابَ، مثلُ قولِه: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتِك﴾ [الاسراء: ٦٤]، فَعُلِمَ أن تقديمَ الحظر مؤثرٌ.
فصل
يجمعُ الأسئلة
قالوا: إذا حظَرَ ثم أمرَ، جازَ أن يكونَ الحظرُ منسوخاً بالإباحةِ، ويجوز أن يكونَ بالندب، ويجوزُ أن يكونَ بالإيجاب، وليس حملُه على أحدِها دون الآخرِ أَولى من العكسِ من ذلك، فبَقيْنا لفظة الأمرِ على مقتضاها، وأسقطنا المتردِّداتِ.
стр. 1090
قالوا: ولأن صيغةَ النهي إذا وردَتْ بعد الأمرِ حُمِلت على مقتضاها من الحظْرِ، وإن كان أقلُ احتمالاتِها إسقاطَ الكُلْفَةِ، فإنَّ السيدَ إذا قال لعبدِه: سافرْ إلى بلدِ كذا، ثم قال له: لا تُسافر، احتملَ: فقد أسقطتُ عنكَ كُلفةَ السفرِ، لا أنِّي حظرتُ عليك السفرَ، ثم حُمِل بعد تقدُم الأمرِ على النهي والحظر دون التخفيفِ وإسقاطِ الأمرِ، فَبَطَلَ ما عولتُمَ عليه من تقدُّمِ الحظرِ، وادعيتموه قَرينةً مغيِّرةً لموضوعِ الأمرِ ومقتضاه.
قالوا: ولأن القرينةَ ما وَافَقَتْ. دونَ ما ضادتْ وخالفتْ، وبينَ الحظرِ والاستدعاءِ تضاد، فكيفَ يُدَّعى أنَ أحدَهما قَرينةٌ للآخرِ؟!
قالوا: وتعويلكم على الأوامر الواردِة في القرآنِ بعد الحظرِ وأنها على الإِباحةِ ليس بمسلّم (١)، فإنَ قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] [يقتضي الوجوب]، (٢) وكان هذا أمراً بعد حظرٍ ونهيٍ عن القتلِ في الحَرَمِ.
على أنّا في هذه المواضعَ صِرْنا إلى الإباحةِ بدلائلَ دلتْ على الِإباحةِ لا بمجرّد تقدم الحظرِ. ولو كانت على ذلك من غير دلالةٍ لما مَنَعَنَا ذلك من حملِهَا على الِإيجابِ الذي هو مقتضاها في الأصلِ دون الِإباحةِ، بدليلِ أنَ أكثرَ عموماتِ الكتاب على التخصيصِ، ثُمَّ لا تُحْمَلُ بإطلاقِها على الأكثر، لكن على اَلأصلِ في الوضعِ، وهو العمومُ وإنْ قل.
وقالوا: ولأن الأصلَ في الاصطيادِ الإباحةُ، وكذلكَ البيع، وكذلكَ