واعلم أني ذاكر في ذلك فصلًا ينتفعُ به الفقيهُ، وذلكَ أن المحققينَ من أهلِ الأصولِ عابوا أخذَ الأصولِ من الفروعِ، واعتلّوا في ذلكَ بتحقيقٍ واقعٍ يوقعُ ايجابَ القبولِ منهم.
فقالوا: إنَّ الفروعَ يحسنُ أن تبنى عليها الأصول، فلا يحسنُ بناءُ الأصول على الفروع لما قد استقر من أن الفرعَ ما ابتنيَ على غيرهِ، والأصلُ ما ابتني عليه غيرُه.
قالوا: ولأنَّ المسألةَ من مسائل الفروعِ يجبُ فيها الفورُ، لدليلٍ أوجبَ القولَ فيها بالفور، فلا يجوَزُ أن يوجدَ الأمرُ المطلقُ بحكمِ اللغةِ الفورَ من فرعٍ مقيدٍ بقرينةٍ أو دلالةٍ أوَجبت له الفورَ، ولكنني أخذتُ هذا الأصلَ من أن أصلَ مذهبهِ الاحتياطاتُ في أُصولهِ وفروعهِ، ومن الاحتياط؛ التقديُم والفورُ، فمن ذلك قوله: الصلاةُ تجبُ بأوَّلَ الوقت وجوباً مستقراً، وإنَ الزكاةَ تجب عليه بالحولِ، ولا يُعتَبرُ إمكان الأداءِ، ويجبُ الحج على الفورِ، وصومُ يوم الشك تعجيلًا، فنحنُ نستدلُّ بهذهِ المسائلِ الكثيرةِ أنها جاءت مَن أصل له، وهو قولُه بالتعجيل والاحتياطِ والفورِ من ذلك القبيلِ، والفرعُ ان لم يبنَ عليه لكنه يكونُ دليلًا على أصلِ الرجلِ، سيما إذا عُلل بالاحتياطِ، فيصير تعليلُه أصلًا.
فهذا تحقيقُ مذهبنِا، وهو مذهبُ أكثرِ أصحابِ أبي حنيفة (١)،
стр. 1157
ومذهب أبي بكر الصيرفي، والقاضي أبي حامدٍ (١).
وذهب الأكثرون من أصحاب الشافعي (٢)، والأقلون من أصحاب أبي حنيفة إلى أنَه على التراخي، وهو مذهبُ المعتزلةِ، واختيارُ القاضي الإمام أبي بكر بن الباقلاني.
وذهب جمهورُ الأشعريةِ إلى أنَه على الوقف.
فهذا جملة ماظهر لنا من الخلاف.
وعن أحمد رواية أنَّه على الترّاخي (٣).
стр. 1158
فصل
في الدلالةِ على الفورِ
آياتُ الله دلَّت على إيجابِ المسارعةِ.
من ذلك: قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] وقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وامتثالُ الأمرِ من الخيراتِ لما فيه من حصولِ الثوابِ، واغتنامِ الوقت الصالحِ للفعل قبل الفوات.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] , ولو كان على التراخي لما حسن العتبُ.
ومن ذلكَ: عتبُ النبيّ ﷺ على من دَعاه وهو في الصلاة فلم يُجبه، واحتجاجُه عليه بقوله: "ألم تسمع ... إلى قوله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤] (١) ". فما فسحَ له في التأخيرِ إلى انقضاءِ
стр. 1159
صلاتهِ، وهذا غاية في الفور.
ومن ذلكَ أن النهيَ استدعاءُ التركِ والكف عن أفعال مخصوصةٍ، كما أن الأمرَ استدعاءٌ الفعل لأفعال مخصوصة، ثم النهيُ يقتضي التركَ على الفورِ، كذلكَ الأمر ولا فرق.
ومن ذلكَ: أن الأمرَ بالشيءِ نهى عن ضدّه معنىً، وذلكَ انه لا يتحققُ المأمورُ ذوُ الضدّ الواحدِ إلا بتركِ أضدادِه، كالمأمورِ بالسكونِ، لا يمكنُه ذلكَ إلا بتركِ الحركةِ، أو بالقيامِ، فلا يمكنُه الامتثالُ إلا بالكفِ عن الجلوسِ والاضطجاعِ اللذينَ هما ضدُّ القيام، والنهيُ يقتضي الفورَ، فاقتضى فعلَ ضدِّه الذي لا يصحُّ التركُ إلاَ به على الفورِ.
ومن ذلِك: أن الأمرَ يقتضي ثلاثةَ أشياء:
اعتقاد الوجوب.
والعزم على الفعل.
وفعل المأمور.
ثم إنَّ الاعتقادَ والعزمَ على الفورِ، فكذلك الفعل.
ومن ذلكَ: أنَ الأمرَ يقتضي الفعلَ، لكونِه استدعاءً له، والتراخي تأخير ليس في اللفظِ، وتخيِير بين وقتٍ ووقتٍ ليس في صيغةِ الأمرِ، فلا وجهَ لإثباتِ معنىً لا يتضمنُه اللفظُ ولا يظهرُ فيه.
ومن ذلكَ: أن الوقتَ الأولَ الذي يلي الأمرَ، وقت يحصل فيه
стр. 1160
الإِجزاءُ، ويقطعُ على انَّه لا مفسدةَ فيه، وأنه يجوزُ النقلُ فيه، ويكونُ ممتثلًا، والثاني والثالثُ من الأوقاتِ تجردَ الفعلُ فيه بين أن يكونَ مفسدةً أو غير مجزىء، أو غيرَ مُوافقٍ لإرادةِ الأمر وعْرضِهِ، ولا يجوزُ أن يطاعَ الأمرُ الموجبُ إلا بفعلٍ متحقق فيه ما قصد به، وذلكَ في الوقتِ الثاني والثالث مقدر.
ومن ذلك: أن الله سبحانه لما خصَّ هذا الوقت بإظهار صيغةِ الأمرِ فيه مع إمكانِ التأخيرِ، دل على انه استدعى الفعلَ عقيبه بلا فصلٍ، إذ لو أرادَ الفصْلَ لأخر الصيغةَ إلى الوقتِ الثاني.
فصل
يجمع الاعتراضاتِ والأسئلةَ على ما ذكرنا
قالوا: أما الآياتُ، فإن المغفرةَ ليس إليها طريق معلومٌ فيُسارَع
إليها، لكنِ الإضمارُ: سارعوا إلى ما يوجبُ لكم المغفرةَ، وذاكَ هو التوبةُ من الذنوب، وتلكَ على الفورِ بإجماع، لأنها النزوع عن الذنوب. وأما قولهَ: ﴿فَاسْتَبِقُوا﴾ [البقرة: ١٤٨]، فإنه أمرٌ مقيد بالتعجيلِ، وكلامُنا في أمرٍ مطلقٍ، وقولُه في حق إبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، عساه كانَ أمراً مع قرائن تعطي الإيجابَ على الفورِ، وهذا هو الظاهر.
قالوا: وأمَّا النهيُ، فمنه يقتضي التركَ على الدوام، فتناولَ الوقتَ الأول كما تناولَ سائرَ الأوقاتِ، وليس كذلكَ الأمرُ، لأئه لا يقتضي إلا وقتاً واحداً، وليس الأوَّل بأولى من الوقتِ الثاني، فكانت الأوقاتُ كلها سواءً.
стр. 1161
قالوا: وقولكم: يقتضي النهيَ عن ضده، فاقتضِى الدوامَ من حيثُ
إنه نهى، باطل بقوله: افعلْ أيَّ وقت (١) شئت، فإنَه يجوز له التاخيرُ،
وإن أدَّى إلى ما ذكره.
ولأنَّه لو كان من حيث اقتضى النهيَ، لكانَ على الدوام، حيث كان النهيُ على الدوامِ، فلمَّا لم يكُ على الدوام، بطلَ أنَ يكونَ العملُ به بحكمِ النهي المطلقِ، لكن إن علَّق عليهَ التحريم بحكمِ النهي، فإنه يقتضي تحريماً بحكم نهى يفوتُ به الفعلُ، وذلكَ لا يقتضي المسارعةَ، لكن يقتضي أن لا يفوتَ به الفعلُ. ومع الايجابِ المجرَّدِ وإن كانَ على التراخي لا يفوتُ به الفعلُ.
قالوا: وأمَّا أخذكم إيجابَ الفورِ من العزم والاعتقادِ، فلا يصحُّ، لأنهما يجبان على الفورِ مع كونِ الفعلِ مؤخراً بصريحِ النطقِ، وهذا يدلّ على أنَ الفورَ فيهما ليس بمأخوذٍ من جهةِ اللفظ، وإنَّما استفيدَ من جهةِ أنَّ التكليفَ لا ينفكُّ عن اعتقادٍ وعزمٍ، إذ لو كانَ منفكاً منهما، لكان جاحداً أو مهملاً.
قالوا: وأمَّا قولُكم: ليسَ في الأمرِ تخيير ولا تأخير، فمن أينَ جاءَ القولُ بالتراخي؟ فإنَّه باطل بقوله: اذبحْ أو اقتلْ، فإنه لا يتعين عليه عين من أعيانِ المقتولينَ، ولا حيوانٌ من حيواناتِ الذبحِ، ويكون مخَّيراً بين الأعيانِ لعدمِ التعيينِ، كذلكَ الإطلاقُ في الأزمانِ، لا يقتضي تعيينَ وقتٍ.
قالوا: وينقلبُ عليكم، فيقالُ: ليسَ في اللفظِ تعيين بالوقتِ
стр. 1162
الأوَّلِ، فمن أينَ أخذتُم التعيينَ له من بينِ سائرِ الأوقات؟ والزمانُ ليسَ بمذكورٍ في الفعلِ، وإنما يدخلُ شرطاً من حيثُ استحالةُ وقوعهِ في غير زمانٍ، فيجبُ أن يكونَ تابعاً للفعلِ، والفعلُ مطلقٌ غيرُ معينٍ، فكانَ الزمانُ بحسبه مطلقاً، فلا وجهَ لتعيينه إذا لم يكن لنا تعيين من ناحيةِ اللفظِ.
فصل
في الأجوبةِ عن هذهِ الأسئلةِ
أمَّا دعواهم أنَّ الأمْرَ بالمسارعةِ عاد إلى التوبةِ لأنها هي التي تحصلُ بها المغفرةُ، فغيرُ صحيح، لأنَ الله سبحانه يقول: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١] فليس غفرانه مقصوراً على التويةِ، فالطاعاتُ مكفَرةٌ توبةً وغيرَ توبةٍ، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، قيل في التفسير: الصلوات الخمس يكفرن ما بينهن (١)، والأحاديث في ذلك كثيرة (٢).
стр. 1163
وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، مقيّد، وكلامنا في المطلقِ، فإنه مقيَّد يوجب المسابقةَ والمسارعةَ في كل أمرٍ يرِدُ مطلقاً، كما إذا قال السيدُ لعبيدِه: سابقوا إلى طاعتي إذا أمرُتكم، صارتْ هذه تقدمةً توجبُ المسارعةَ إلى كلِّ أمرٍ يردُ منه في الثاني مطلقاً.
وأمَّا قولهم: النهى يقتضي التركَ على الدوام، فكذلك الأمرُ عندنا، على أنه إنما اقتضى التركَ في كل حال، لأنهَ استدعاء مطلق للتركِ، وهذا موجودٌ في الأمر.
وأمَّا قولُهم: إنَّه يبطل التعلق باقتضاءِ النهى عن الضدّ، بما إذا قال له: افعل أي وقتٍ شئت، فذاكَ لا يقتضي إلا النهيَ عن التركِ في الوقتِ الذي يشاءُ الفعلَ، وأمَّا قولُكم: كان يجبُ أن يقتضيَ الدوامَ، فكذا نقول.
وأمَّا قولهم: إنَّ العزمَ والاعتقادَ يجبُ على الفورِ وإن كان الفعل مُتراخياً، لأنه متى لم يقدم العزمَ والاعتقادَ كان مهملًا. فلا يلزمُ، لأن الاعتقادَ والعزمَ تابعان للفعل، إذ لأجلهِ وجبا، وإنَّما فتعجّلا مع تقييدِ الفعلِ، لأن الأمرَ بهما مطلق فتعجّلا واختص الفعلُ دونهما بالتقييد، ولو قيّدهما الشرعُ لتقيّدا.
وأمَّا قولهم: إنَ تركهما إهمالٌ، فَتَرْكُ الفعلِ مع حصولِ الاعتقادِ والعزمِ تسويفٌ وتمادٍ.
ولأنَّه يبطلُ بما لو قيَد الاعتقادَ والعزمَ، فقال: حُجَّ في سنةِ كذا
стр. 1164
حِجّة. ولا يعتقدُ وجويَها، ولا يعزمُ على فعلِها إلاحينَ أشهُرِ الحج من تلكَ السنةِ، ولهذا من لم توجد في حقِّه شروطُ الحج لا يلزمه اعتقادٌ ولا عزمٌ لما لم يخاطب بالفعلِ، ولا يكون بالِإخلالِ بهما مهملًا.
وأما قولُهم على قولنا: ليسَ في اللفظِ تخييبرٌ. باطلٌ بالأمر بالذبح، فإنَّه يتخير بين الأعيانِ، ولا تخيير، فإنَه لا عينَ أخص من عين، إذ أغنامُ القطيعِ متساويةٌ، فأمَّا في مسألتِنا، فإن الوقتَ الذي يلي الأمرَ أخص من حيثُ إنه يتضمّنُ إيقاعَ الفعلِ فيه إِجزاءٌ ومصلحة وإرادةٌ بالإِجماعِ، والوقتُ الثاني لا نعلم أنَه صالحٌ، بخلافِ الأعيانِ، ولأنه لا يُخافُ بالعُدولِ عن عينٍ إلى غيرها فواتُ الفعلِ في العين الأخرى، وهنا يُخافُ فوات الفعلِ رأساً، وليس على الاحترام أمارة تُتَوخى وتنتظر.
وأما قولهم: ونقابلِكم بأنَّه ليس في الأمرِ تعيينٌ. فلا يصحُّ، لأن الأمرَ يقتضي إيجادَ الفعلِ، وإيجادُه تَضَمَنَ إيجابَه، والوقتُ الذي يلي الأمرَ مع إزاحةِ عللِ المأمورِ فيه وصلاحيته لفعله وجوداً ووقوعاً موقعَ الإجزاء، وهذا صالحٌ لإِيجاب التعيين، فأمَّا التراخي والتأخير، فلا وجَه له، ولذلكَ لا يحسُن اللومُ على فعلِه في أوَّلِ وقتٍ، ويحسُن العتب والتوبيخُ على تأخيرهِ مع تكاملِ شروطِ الفعلِ.
стр. 1165
فصل
في الدلالة على فساد قول أهل الوقف ، وذلك من عدّة وجوه: أحدها: الكتاب؛ وهو قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] فتمادوا بقولهم: ما هيَ، ما لونُها؟ فقال النبي ﷺ "شدَّدوا، فشدّد عليهم" (١) فقال الله سبحانه في آخر أمرهم: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٧١] وما كان سوى التوقف والاستفسار، وقد ذمَّهم عليه.
فإن قيل: ظاهرُ حالِهم أنهم توقفوا من غير عزم ولا اعتقاد، لأنهم قالوا في الأول: ﴿وَأَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧] وفي الأخيرِ قالَ سبحانه: فذبحوها ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] قيل: النقلُ يمنعُ ذلكَ، فإنَه رويَ في التفسير أنَهم بلغوا بثمنها ملءَ جلدِها، ورويَ مسكها ذهباً، روي: لو أنًّ بني إسرائيلَ ذبحوا بقرةً من بقرِهم لأجزأتهم، لكنْ شددوا. ولم يَذكر سوى تعمقِهم في السؤالِ، ولو كانَ
стр. 1166
هناك ما هو أوفى من السؤالِ لما علَّق بالتشديدِ على سؤالِهم وتردّدِهم في صفاتِ البقرةِ، لم يحدث سوى التأخيرِ والتوقف، لأنَ المتوقفَ في ذلكَ إنما يتوقفُ لطلب الدليل على جوازِ تأخيرِه وزوالِ المأثم بذلك، وليس يتوقف لطلبَ الدليلِ على سلامةِ تعجيل الفعْل، ويأمن من المأثمِ والعقابِ، والقولُ بانَ تقديم فعلِه حرامٌ، لأنَّ من قاَلَ بالفورِ وبالتراخي جميعاً يقولونَ: إنَّ تقديمَ فعلِه حسنٌ جميلٌ، وإنَّ القائلَ بوجوبِ تقديمه يقول: إنَّه يأثم بالتأخيرِ، والقائلونَ بالتراخي يقولون: إنْ قدمه فقد أدّى الواجب وبرئت ذمتُه، والأحوطُ له في حيازِة المثوبةِ وإبراءِ الذمَّةِ تقديمُه، فإنَّه لا يأمن الفواتَ بمفاجأة الموتِ، وإذا ثبتَ ذلكَ ثبتَ أن مقدم فعلِه ممتثلٌ للمأمورِ به بإجماعِ الأمَّةِ قبلَ القائلين بهذا، فبطَلَ ما قالوه من الوقفِ.
ويوضِّح هذا أنَّه لو وجبَ الوقفُ في ذلكَ، لكانَ المقدِّمُ لفعلهِ عقيبَ الأمرِ، مع اعتقادِ وجوبهِ وبراءةِ ذمتِه مخطئاً مأثوماً، لأنَه لا يعلمُ ذلكَ، بل يجوزُ أن يكونَ المرادُ به التأخير [و] في هذ أيضاً خلاف الِإجماع، فلو احتملَ الأمرُ في أصلِ الوضعِ الفورَ والتراخي لكان هذا الِإجماعُ من الأمةِ على أنَّ تقديمَ فعلهِ ليس بمحظورٍ ولا حرامٍ موجباً لحمله بدليلِ السمعِ على أنَّ سائرَ الأوقاتِ وقتٌ له، من عقيبِ الأمرِ إلى ما بعده.
فإن قالَ قائلٌ: بأن تقديمَ فِعله حرامٌ لموضعِ الاحتمالِ فيه. قيل له: فأنتَ إذاً قائل بأنَه إنما يجبُ أن يفعل لا محالةَ في وقتٍ يكون بعدَ عقيب الأمر.
стр. 1167
فإن قال: كذاك أقول.
خالف الإجماعَ الذي وصفناه، وقيل له أيضاً: أفيجوزُ أن يتغير الأمرُ بطولِ عمرِ المكلفِ من بيان وقته، أو لا يجوز ذلك؟
فإن قال: ذلك جائز.
قيل: فهو إذاً حرامٌ على المكلفِ فعلُه في سائرِ الأوقات، لأنَّه عارٍ فيها عن دليل وجوبِ فعله من كل وقتٍ منها، كما أنه عارٍ من ذلك في حال عقيب الأمرِ، وهذا يوجبُ التوقفَ عن فعلِه في كلِّ حالٍ، وأن يكونَ إيقاعهُ فيها حراماً وبمثابةِ إيقاعهِ عقيبَ الأمرِ به، وذلك خلافُ الإجماع وإسقاطٌ للتكليفِ، وجعلُ الأمر محرماً أبداً لإيقاع الفعل، وذلك باطلٌ.
وإن قال: لا يجوزُ أن يؤخر بيانُه في الحالِ التي تلي حالَ عقيبِ الأمرِ، وأنَّه واجبٌ في الذمةِ إلى حين موتِ المكلَفِ، أو واجب إيقاعُه في وقتٍ محدودٍ معين.
قيل له: فما معنى الوقفِ مع البيانِ لحالِ المأمورِ، وأنَه في الذّمةِ أو مؤقّت بوقتٍ محدود؟ والوقفُ لا يسوغُ مع البيانِ.
على أنَّ هذا البيانَ يجبُ أن يكونَ مع الأمر وحين وروده، فيبين به حالَ عقيب الأمرِ وأنَّها حالٌ له أم لا؟ كما يجبُ عندَه أن يتبينَ في الحالِ التي تَلي حالَ عقيب الأمرِ ليُعلمَ حكمُه مِن تعلقه في الذّمة أو توقيتِه، ولا مخرجَ من ذلكَ.
ون قال قائل: يجوزُ تأخيرُ بيانِ ذلكَ أوقاتاً كثيرة.
стр. 1168
قيل له: فيجوزُ ذلك الشهورَ والسنين الكثيرة، وإلا فما الفرق؟ وهذا يوجبُ صحةَ الوقفِ فيه أبداً، وتحريمَ الإقدامِ عليه في كل وقتٍ، وذلكَ باطل.
ومما يدُل على فسادِ القولِ بالوقف، ودعواه على أهلِ اللغة في أصل الوضع: علمُنا باتفاقِ أهل اللغةِ على مَدْح المُسارع الى ما يؤمر به، واعتقادُهم فيه امتثالَ المأمورِ به، هذا معلوم من حاَلهم وحكمِ مواضعتهم قبل مجيءِ الشرعِ. وقولهم: فلانٌ ممن يُسارعُ إلى المرسوم، ولا يبطىء، ولا يتراخى فيما يؤمرُ به، ولذلك ذهبَ كثيرٌ من الناسِ الَى القولِ بالفور دونَ التراخي، وإن لم يقصد أهلُ اللغةِ عندنا ما ادّعوه، ولكنهم قصدوا الى زيادة مَدْحِ من سارعَ الى امتثالِ أمرِ الآمرِ وبادرَ إليه، وإن كان له تأخيرُ ذلك.
ومن هذا الوَجْه مَدحَ الله تعالى قوماً بذلك، فقال: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٦١]، فبطل دعوى أهلِ الوقفِ.
فصل
فيما استفدتُه من الأدَلّةِ على القولِ بالفورِ ، مضافاً الى ما تقدم ومفرداً عنه.
أنَهم قالوا: إنَّ لفظ الأمرِ اقتضى إيجابَ الفعلِ، وكونهُ واجباً يقتضي إيقاعَ موجَبهِ، فوجب إيقاعُ الفعلِ مع الوجوب، ولم يجُز تأخيره، ولذلكَ اقتضى إيقاعَ موجبيه الأخرين، وهما: الاَعتقادُ والعزمُ على الفور.
стр. 1169
فكذلكَ الفعلُ، ينبغي أن يقتضي إيقاعه (١) على الفورِ.
فاعترضَ على هذا بعضُ من لا يرى الفور، فقال: ليس حصولُ الوجوب مؤذِناً بإيجاب الفعلِ حالَ حُصول لفظِ الأمرِ به وحينَ سماعِ لفظه، لأنه مُحالٌ، وَإنما يجبُ في الثاني فإذا انفصلَ أحدُهما عن الآخر، أعني الفعلَ من لفظِ الأمر في حال، جازَ في حالين وثلاث وأكثر.
وأمَّا قولُكم: إن الأمرَ اقتضى تعجيلَ فعلِ الاعتقادِ الذي هو أحدُ موجبيِه، فإنه غَلَطٌ من عدةِ وجوه:
أحدها: أنَنا لم نقل: إن الاعتقادَ وجَبَ تقديمُ فعلهِ لأجل حصول الأمرِ به فقط، ولكنْ لدليل أوجَب ذلك، فإن وُجِدَ في تقديمِ الفعلِ وما يقوم مقامه، وإلا بطلَ الجمعُ بينهما.
والوجة الثاني: هو أنه لو كانَ الأمرُ المقتضي لفعل الاعتقادِ وإيقاعِ الفعلِ، موجباً لتقديمِ فعلِ الأمرين -لِإيجابِه تقديمَ أحَدِهما- لوجَبَ لا محالةَ إيجابُ تقديمِ الفعلِ المؤقت بما يقتضي تأخيرَه لإِيجابِ الأمرِ به تقديمَ اعتقادِ وجوبهِ، فلما اتفقَ على أنه لو قال له: قد أوجبتُ عليك إيقاعَ الصلاةِ في رأسِ الشهر أو الحَوْلِ. لم يَجُز له تقديمُ فعلها عقيبَ الأمرِ. وإن لزِمَه تقديمُ فعل اعتقادِ وجوبها سقطَ ما قلتموه هذا.
على أنَه إذا وجبَ عندهم إيقاعُ الفعلِ عقيبَ الأمرِ، امتنعَ وجودُ
стр. 1170
العزم على أن سيفعل، لأن العزمَ عزم على المستقبلِ، وتوطين للنفسَ على فعلهِ، وذلك لايصح في الواقعِ الموجودِ، فلاوجه لقولهم: يجب تقديم الفعلِ كما يجبُ تقديمُ العزم.
اعترضه من يقولُ بالفورِ، فقال له: فما الدليلُ الموجِبُ لتقديم فعلِ الاعتقادِ على الفورِ؟
قال المعترضُ الذي لا يرى الفور: الدليلُ عليه أمور:
أحدها: الاتفاقُ على وجوب فعلِ الاعتقادِ على التكرارِ في جميع الأوقاتِ التي يُذكر فيها الأمر، وأنَّ الأمرَ بذلكَ ليس بأمرٍ باعتقادٍ وأخذٍ من الجنس واقع في زمنٍ واحد، وإنَّما أمر بالاعتقاداتِ على الدوامِ، واذا كانَ ذلك كذلك، لَزِمَ إيقاعُه على الفورِ وفيما بعده، وفي كلِّ وقتٍ ذُكرَ الأمرُ بالفعلِ ليتمَّ كونُه على التكرارِ، ولما لم يجب الفعلُ المعتقدُ وجوبُه على التكرار، لم يلزم إيقاعُه على الفورِ وما بَعْده، وهذا واضح في الفصلِ بين الأمرين.
اعترض عليه من يقول بالفور فقال (١): ولِمَ لَمْ يجب الفعلُ على التكرارِ كما وجب الاعتقادُ لوجوبِه؟
قال: إنَّما لم يجب لأنَّ الله تعالى لم يوجب ذلكَ، ولو أوجبه للزمَ تكرارهُ.
قال: وقد يمكن أن يقال: إنَّه إنما لم يجب على التكرار، لكونه مُضراً، وقاطعاً للحرث والنسلِ والمصالح، وليس كذلك فعل
стр. 1171
اعتقادِ الوجوبِ كلما ذُكِرَ الأمرُ، لأنه غيرُ قاطع عن هذه الأمور.
قال: ومما يقتضي الفرقَ بينهما أيضاً؛ أن الاعتقادَ مما يتضمنه العلمُ، لوجوبِ الفعلِ لا محالةَ، والتصديق للمخبر عن وجوبهِ وتركِ الإِصرارِ على معصيته؛ وذلكَ أن الأمرَ لا يستقر وجوبه إلا مع العلمِ بأنه واجب، أو التمكين من العلمِ بذلك، فإذا أمرَ بإيقاع الفعلِ والتقرّب به مُعَجلاً أو مُؤجلًا، فلا بدَّ من إعلامِه واشعارهِ بذلكَ، ومتى علم وجوبه، حصل مُعْتقِداً لذلك، لأن اعتقادَ وجوبهِ ليس بأكثرَ من العلمِ بوجوبهِ، فصارَ إفهامُ الوجوب متضمناً لاعتقادِ الوجوبِ، وهذا الاعتقادُ عُلِمَ من فِعل الناظر المستدَل على وجوب ما أُمرَ به، وليسَ لا يصحُّ له العلمُ بوجوب الفعلِ إلا بعدَ إيقاعهِ فَضلاً عن تقديمه، لأنَّه لو عَلمَ بوجوبه واعتقدً ذلك لصح أن يتركه جملةً، ويعصي إذا علمَ وجوبَ ما وقّت بوقتٍ متأخرٍ وجبَ اعتقاد الوجوبِ معجلاً وتأخير الفعلِ، ومحال كونُه عالماً بوجوب الواجب عليه مع تأخيرِ اعتقادِ وجوبهِ، لأن نفسَ الاعتقادِ لوجوبهِ هو العلمُ بالوَجوبِ، فافترق الأمران.
قال: ولأنَ الله سبحانه إذا أوجبَ فعلاً، فقد أخبره باستقرارِ وجوبهِ عليه، ولزمه عند ذلك اعتقادُ كونهِ واجباً لكي يكونَ بذلك مصدقاً لخبرِ الله تعالى عن إيجابهِ عليه، والا كان مُكذباً الله، وشاكاً في خَبرِه، وذلك مُحرم بإجماع المسلمين، وهو لا يحتاج في تصديقِ الخبر عن إيجابِ الواجبِ إلىَ إيقاعِ فعلِ الواجب، فافترق الأمران.
قال: ولأنه متى علمَ وجوبَ الفعلِ عليه، واعتقدَ ذلك، لم يَخْلُ اعتقاده وجوبَ ذلك، وتصديقَ المخبرِ له عن وجوبه من أن يكونَ عازماً على ما اعتقد وجويَه أو تاركاً هذا العزم، وقد اتفقَ على تحريمِ تركِ
стр. 1172
هذا العزم في كلّ وقتٍ، لأنه لا متركَ له مع ذكِر العبادةِ إلا بالعزمِ على تركِ الواجب وكلِّ عصيانٍ، فافترق الأمران.
ومما استدلَّ القائلونَ بالفورِ أنَهم قالوا: إنه لا يخلو الأمرُ المطلقُ عن التوقيتِ من أحد ثلاثة أمور:
إما أن يكون بفعلِ الشيءِ على الدوامِ والتكرارِ.
أو يكونَ أمراً بالفعلِ على البدلِ، فيكون أمراً بفعلٍ غير معين ليوقعَه المكلف أيَّ وقتٍ شاء.
أو أن يكون أمراً بفعل واحد لا على الجمع ولا على البدل.
قالوا: وقد اتفق على أن ذلك لا يصحُ أن يقال فيما يلزمُ على التكرار، وإنَما الخلاف في فعلى واحد أو جملةٍ يصحُ أن تقدمَ ويصح أنْ تؤخر، فسقطَ هذا الوجْهُ، وإن كان أمراً بفعل على البدل غير معين، بل شائعاً في جميعِ الأوقات، فذلك باطلٌ، لأن ما هذه حاله إنَما هو أمر بافعال مخيرٌ فيها، كلُّ واحدٍ منها غيرُ صاحبهِ، يقعُ في أزمانٍ متغايرةٍ، والأمر إنما اقتضى لفظُه تعلقَه بفعل واحدٍ دون أفعالٍ كثيرةٍ يقع على الضَم أو على البدلِ والتخيير، فلا سبيلَ إلى حَمْل الأمرِ على غير موجَبه ومقتضاه، أو أن يكونَ أمراً بفعلٍ واحدٍ معين، فإن كانَ كذلك وجب أن ينظر أيَ الأزمانِ زمانُه الذي يجب أن يقع فيه، فإذا عرفنا أنَ ذلكَ الزمنَ وحده هو وقته وأنَه هو المراد إيقاعه فيه، وجب أن يكون إيقاعه فيه هو المصلحة، وإيقاعهُ في غيره مفسدة غير مراد.
قالوا -أعني هؤلاء القائلين بالفور-: وقد اتفقَ الكُلُّ على أَنَّ الأمرَ
стр. 1173
المطلقَ بالفعلِ إذا فُعِل عقيبَ الأمرِ، حَصَل به أداءُ الواجبِ وبراءةُ الذِّمة، وكان فيه المصلحةُ وموافقةُ المرادِ، وإذا ثبتَ ذلكَ من حكمِ الوقتِ الأوّلِ، عُلم أن الوقتَ الثاني وما بَعْده من الأوقاتِ ليس بوقتٍ له، لأن ما يقعُ في الوقتِ الأولِ من أفعالِ العبادِ، لا يصح تقديمُه على وقته، ولا تأخيرُه، ولا إعادته بعدَ عدمهِ، وما يقعُ في غيرِ وقتهِ من جنسهِ، فإنَّه غيرُه، وجبَ لزومُ الفعلِ على الفور.
واعترض عليهم من قال بالتّراخي بأنْ قال: أمَّا دعواكم أنَه لا يجوزُ أن يكونَ أمراً بفعلٍ غيرِ معين، وأنَ ذلك الفعلَ قد خُيرَ المكلفُ بين فعلهِ وفعلِ مثلِه في غير وقته، فإنَه عينُ الخلافِ الواقعِ، فلِمَ قلتم ذلك؟
قال: فإن قالوا: لأنَ أمره بالفعلِ ليسَ في ظاهرهِ أنك مُخَيّرٌ بينه وبين غيره.
قيلَ لهم: ليسَ في ظاهره أنَك مأمورٌ بواحدٍ من الجنس معيّن بوقتٍ مخصوصٍ دونَ مثله، فلا يجب أن تقولوا بذلك.
قال: ويقال لهم أيضاً: ما أنكرتم أنَه متى قيل له: صلّ، أو اضرب. ولم يعَين له وقتاً من وقتٍ، فقد دل بذلكَ على أنَه أمر بفعلٍ من الجنس غير مُعَين، ولم يكن مبيناً عن إيقاعه في وقتٍ مخصوص، ولا أُرِيْدَ من الجنس جزءاً مخصوصاً، وإنَّما ارِيدَ أن يفعل جزءاً من الجنس يقع عليه اسمُ الفعلِ في أيِّ وقتٍ شاء إن علم أنه سيوقع المأمور به، كما أنَه إذا قيل له: اضرب رجلًا، وتصدق على فقير. ولم يخص رجلًا من رَجلٍ، ولا فقيراً من فقير، علم أنَه قصد إلى إيجاب
стр. 1174
الفعلِ بغيرِ تعيين أحدٍ بعينه، وإن كُنّا نعلمُ أنَ كُلَّ ضربٍ يُفعل في شخص، فإنَّه غيرُ الضرب المفعولِ في غيرهِ، أو ما من سبيله أن يُفْعَل في غيره، وإن لم يَرد لفظُ التخييرِ بأن يقال له: اضرب من شئتَ، وهذا بيِّنٌ في سقوط ما اعتمدوا عليه.
قال: فأمَّا قولُهم إِنً الِإجماعَ قد حصل على أنَّ تقديمَ فعلهِ مصلحةٌ، وأدَاءَ الواجبِ تبرأ به الذِّمةُ، وأنَّ ذلك دليلٌ على أنَّ ما يقعُ بعدَ ذلكَ ليس بواجبِ ولا مصلحةٍ، فإنَّه قول ظاهرُ البطلانِ، لأنه ليسِ في الِإجماعِ على أنَّ تقديمه مصلحة وأداءٌ للواجب، دليلٌ على أنَّ فعلَ مثلِه وتأخيره ليس بواجبٍ ولا مصلحةٍ، وهذا هو الذي يحتاجون إليه، ولا إجماعَ فيه، فيسقط ما قالوه.
وممَا استدلَّ به القائلونَ بالفور: قالوا: لو كان على التَراخي، لم يَخْلُ من أحدِ أمرين إما أنْ يكونَ له تأخيرُ الفعلِ إلى غايةٍ معلومة.
أو إلى غير غايةٍ.
فإن كان إلى غايةٍ محدودةٍ، فذلكَ يوجبُ توقيته، وأن يكون كالصلاةِ الموسَعِ وقتُها بوقتٍ مصروفٍ، وذلكَ خلافُ القولِ بالتراخي، وأنه لا وقتَ يشار إليه.
فيقال: إن إطلاقَ الأمر يقتضي توقيتَه به، وألا تمكن الزيادةُ عليه والنقصان منه، فبطل القولُ بذلك، وإن كان له تأخيرهُ أبداً إلى أن يموتَ بغيرِ توقيتٍ، فلا وقتَ إلا وله تركُ الفعلِ فيه، وهذا يوجب ضُروباً من المحال:
стр. 1175
أحدها: أن يكونَ الفعلُ نفلاً، وخلافُنا في كل أمرٍ واجب، إمّا بصيغته، وإمّا بدليله، وإما بإطلاقه، وما أخرَجَ الواجب عن كونِه واجباً باطلٌ باتفاقٍ، وليس للندبِ صفة يختص بها، إلا أنَ له فعلَه مع الثوابِ عليه، وله تركُه، فإذا كان هذا صفةَ الواجب على التراخى، وجبَ أن يكونَ نفلَاَ، وذلك باطلٌ.
والوجهُ الآخر: أنَ كثيراً ممن قال بالتراخي، يجعلُ المكلفَ بموتهِ قبل إيقاع فعله آثماً حَرِجاً، وذلك باطل، لأنَه تركه عندهم مع أنَ له تركَه، فلم يجبْ تأثيمهُ.
والوجهُ الآخر: أنَه يوجب أن يكونَ اللهُ سبحانهَ قد فرضَ فرضاً معلومَ العين، مخصوصاً في زمنٍ مجهول الآخر، لا نعرفُ غايتَه، وذلكَ بمثابةِ تكليفِ المحالِ وما لا يطاق، وإذا قيل ذلك بَطَل القول بالتراخي، وصحَ أنه على الفور.
فاعترض من قال بالتراخي فقال: جميعُ ما ذكرتموه باطلٌ، سوى قولِكم: إنَّه إن مات الى المكلّف قبل فعله غير آثم، وقولكم: إنه لا يجوز أن يكون التراخي إلى غاية مُحدّدة، فصحيح لأنه لا حد له، ولا نهايةَ يشارُ إليهما، وإنْ ماتَ قبل امتثِاله فهو عندنا غير آثم، ويخطىءُ من قال: إني أتبيّن بموته أنه كان مفَرطاً.
وأمّا قولُكم: إنَه لو كانَ له فعلهُ في كل وقتٍ، وله تركُه إلى أن يموتَ للَحِقَ بالنفلِ، فإنَه باطل؛ لأنَ النفلَ لم يكن نفلًا لأنَه يحل تركهُ، لأن المباحَ له تركهُ، وليسَ بنفلٍ، ولا كانَ أيضاً نفلًا، لأن فعله خيرٌ من تركهِ، مع تحليل تركه، لأن الواجب الموسَّعَ والساقطَ إلى
стр. 1176
بدلٍ، فعلُه خيرمن تركه مع تحليل تركه في وقتِ التوسعةِ، وليس بندبِ لو فعل فيه، بل واجبٌ، فلِمَ زعمتم أنَ الندبَ إنما يكونُ ندباً لأجل وصفتم؟
وما أنكرتم أن يكونَ إنَما صارَ ندباً لِما قلتم ولأمرٍ آخر زائدٍ عليه.
قال: وإنْ قال أهلُ الفورِ: وما ذلكَ الأمر الذي لأجله وبانضمامه إلى ما ذكرنا صار ندباً؟
قال: لا يلزمنا ذكره.
قال: ثم يقالُ لهم: ما أنكرتُم أن يكونَ الندبُ إنَما كان نَدْباً، لأنَّ فعلهَ قربةً، خيرٌ من تركه، لا بشرطٍ، ولا على صفةٍ، بل لجوازِ تركهِ على كُلِّ حالٍ، وأن تكون كل قربةٍ فعلها خيرٌ من تركِها مع جوازِ تركِه لشرطٍ مخصوصٍ أنْ يَدُل على خلافهِ حرمَ التركُ، فليس بندبٍ، وهذه صفةُ الواجبِ على التراخي، والواجبِ الموسَعِ وقتهُ، والساقطِ إلى بدلٍ.
وذلك أنه لا يجوز تركُ الواجبِ على التراخي إلابأحدِ شرطين:
إما بأن يقول بفعلِ العَزم على أن سيفعلَه في المستقبل، ولا يحلُّ تركُه وتركُ العزمِ على فعلِ مثلهِ فيما بعد.
أو بأنْ يتركَه بشريطةِ أنْ يفعلَ مثلَه فيما بعد، ولا يحلُّ تركهُ إلا على أنْ يفعلَ في المستقبلِ مثله، وكذلكَ حكمُ الواجب الموسعِ والساقطِ إلى بدلِ؛ إنَما يسوغُ تركهُ على صفةٍ وبشرطٍ يفارقُ فيها تركَ البدلِ، وإذا كانَ كذلك وضُحَ الفرقُ بين الأمرين، وبطل ما قالوه في
стр. 1177
حدّ الندب.
قال: فإن قالَ منهم قائل: هذان الشرطانِ باطلان، لا سبيلَ إلى إثباتهما لأجلِ اتفاقِنا جميعاً على أنَّ الأمرَ اقتضاءُ وجوبِ الفعلِ، إمَّا بنفسهِ أو بقرينتهِ، وأنً ما يقتضي وجوبَ فعل معين لا يوجبُ فعلَ عزمٍ على فعلِ مثلهِ بدلَاً منه، ولايوجبُ فعلَ مثلهِ فيما بعد، ولاشيئاً غيره من سائرِ الأجناسِ، وإنَّما وجبَ فعلُه بعينه، وإذا كان هذا مقتضى الأمرِ بالفعل، وكانَ الكلام في مقتضاه، سقطَ ما وضعتم، لأنَّ ما قلتموه يوجبُ التخييرَ بينَ الفعلِ وبينَ مثلهِ فيما بعد، وبينه وبينَ العزمِ على فعلِ مثلهِ فيما بعد، فلا يقتضي التخيير بينَه وبينَ مثلهِ أو بينَ خلافهِ، ولا دلَّ أيضاً على ذلكَ دليل فيصارُ إليه، ولو دل عليه دليلٌ لم يكنْ ذلك من مقتضى الأمرِ وإنما كان من مقتضى الدليل، فليسَ الكلامُ في مقتضى الدليل، وإنَّما هو في مقتضى الأمرِ، فبَطَل ماقلتم.
قال: يقال لهم: إنً ما قلتموه ساقطٌ من وجهين (١):
أحدهما: أنَّ إطلاقَ الأمرِ بالفعلِ لا يقتضي إيقاعَ فعل معيَّن من ذلك الجنسِ المذكور في زمنٍ معيِّن، وإنما يقتضي إيقاعَ فعل واحدٍ من الجنسِ بغير عينه، وغيرِ تعيين الوقتِ، كما أنَّ قول الآمرِ: اضرب رجُلَاَ. لا يقتضي ضرباً معيناً في رَجُلٍ مُعَيّن، وإنما يقتضي فعل جزءٍ من الجنسِ في أيِّ الرجالِ شاءَ المكلّفُ.
стр. 1178
فليسَ لأحدٍ أنْ يدفعَ هذا بأن يقول: ليس للتخييرِ بين فعلِ أيِّ أجزاءِ الضرب شاء، وفي أيّ الرجالِ شاءَ لفظ، والأمرُ إنما اقتضى أمراً معيناً في رَجُلٍ معيّن، فلا وجهَ للتخيير، لأنَّنا قد بّينا فيما سلف أنَّه إذا لم يعيّن جزءاً من الفعل، ولا وقتاً له، فقد خيّره في أي جزء شاء أنْ يفعله في أيّ وقتٍ شاء بغيروجهٍ، فبطلَ ما قالوه.
قال: وأما قولهم: إنَّ الدليلَ لم يَدُلَّ على أن إثباتَ العزم بدلًا من الفعل، فليس الأمرُ كذلك، بل قد قامَ الدليلُ عليه، وإن كانَ الأمرُ به لا يقتضي إثباتَ بدلٍ منه، وهو أنَه إذا ثبتَ بما قدمناه أن الأمرَ بالفعل لا يقتضي تعجُّله، ولا يوجبُ تأثيمَ المؤخر له، ولا يقتضي أن يكون أمراً بفعلِ جزءٍ من الجنسِ في وقتٍ معين، وجبَ أن يكون أمراً بفعلٍ واحد من الجنسِ بغيرِ عينه، ومتى ثبتَ ذلك وجب تخييرُ المكلّفِ بين الفعلِ في كل وقتٍ، وبين تركهِ وفعلِ مثلهِ فيما بعد، وإذا كان له تركهُ في كل وقت لم يكن بُدّ من أن يكونَ له تركه على خلافِ تركِ النفلَ.
فصلٌ
في الأجوبةِ عمَّا ذكره أهلُ التراخي (١).
أمَّا قولُهم: ليسَ في الصيغةِ ما يقتضي زماناً ولا مكاناً، فكما لا يختص بمكانٍ، لا يختض بزمانٍ.
стр. 1179
لا نُسَلم (١)، بل فيها اقتضاء بإيجادِ الفعلِ في الزمانِ الذي يلي الأمرَ بلا فصلٍ، لأنَّ ظاهرَ اللفظِ يعطي الإِيجادَ، ولا تأخيرَ في اللفظِ، ولا مهلةَ ولا تخييرَ، فكأنَ الأمرَ الجزمَ من حيث اقتضى الِإيجابَ النافي للتخييرِ بين الفعلِ والتركِ، اقتضى الِإيجاد عقيبَ الأمرِ بلا تخييرٍ، فلا يبقى إلا الفورُ.
ولأنَّه ليسَ في اللفظِ ذكرُ الاعتقادِ والعزمِ ووقتهما، ومع ذلك
يجبانِ على الفورِ، وهما تابعانِ للفعلِ.
وكذلكَ النهيُ المطلقُ، لا ذكرَ للوقتِ فيه، ومع ذلك يجبُ التركُ على الفورِ.
ولما في الزمانِ الذي يعقب لفظ الأمرِ من الموافقةِ والمصلحةِ والإِجزاءِ ونفي المفسدةِ، ولِإجماعِ أهلِ اللغةِ والأصولِ على أنَه وقت لحصولِ الطاعةِ والامتثالِ بإيقاعِ الفعلِ فيه.
ولا نُسَلِّمُ الأصلَ، فإنَ المكان الذي يكون فيه المكلفُ عقيبَ الأمرِ يختصُ بالفعلِ ما لم يَكُ فيه مانع يمنعُ الشرعُ من الامتثالِ فيه، كالبقعةِ النجسةِ مع كونِ المأمورِ به صلاةً، إلى ما شاكلَ ذلكَ من الأمرِ بالاعتكافِ، وهو في بقعةٍ ليست مسجداً، فيخرج ويفعل وإن كان في بقعةٍ صالحةٍ وجبَ شروعُه في الفعلِ، لكن يختص المكانُ بالفعلِ تبعاً للزمانِ، إذ لا ينفكُّ بخروجه عنه من تراخٍ بزمانٍ، فلذلكَ اختص بمكانِ الأمرِ.
стр. 1180
وقصةُ عامُ الحديبيةِ مشتركة، فإن عمر كان من أهل اللغةِ، وقد تعجّل الوعد (١)، وطلب ذلك، واعترض بالتأخير والتعذّر.
ولأنَ الوعدَ بالدخولِ يخالفُ الأمر:
فإنَ العِدةَ في نفسِ وضعها تقتضي الاستقبالَ، ومن أراد أن يُعَجِّلَ لا يعِدْ، وإنَما تحصلُ العِداتُ بالأمورِ في غالبِ الأحوالِ لنوعٍ تعذَرَ في الحالِ، أو لمصلحةٍ تقتضي التأخيرَ.
والأمرُ اقتضاءٌ، وبينَ العِدةِ والاقتضاءِ ما يشهد به طبعُ اللفظِ وجوهرُ الكلامَ.
وكذلك لا يحسُنُ الاقتضاءُ بالعِدةِ عقب التلفظِ بها، ويحسنُ الاقتضاءُ بالائتمارِ والامتثالِ عقيب التلفظ به، ولذلكَ لا يحسُنُ أن يسمّى من تأخرت عِدتهُ عن مجلس الوعد مخلِفاً، ويسمي من تأخّر عن امتثالِ الأمرِ مخالفاً وعاصياً في مطَردِ العادِة العربيةِ، إلا فيما كان فيه دلالةُ حال تقتضي التأخيرَ.
وقد شهدَ لذلكَ القرآن في قصة المأمورين بذبح البقرة لما توقفوا بنفس الاستعلامِ عن صفاتِها، ذمَّهم الشرع، فقال ﷺ "شدَّدوا فشدّدَ عليهم" (٢).
стр. 1181
ولو قال قائل: سنذبحُ بقرةً. لمَا ذُمّ بتأخُرِها، ولأنَا لا نعلمُ المصلحةَ في تعجيلِ الوعد، بل قد يكونُ التأخيرُ هو الأصلحَ، وبالإِجماعِ أن التعجيلَ مصلحة، وما بعده من الأوقاتِ لا يؤمَنُ أن يكونَ مَفْسَدةً.
وأما التعلقُ بالأيمانِ فلا حُجةَ فيه، لأنَ الأيمانَ من قبيل العِدة، وقد تكلمنا عليها على أنها محمولة على العرفِ، فهي مقيدة به أبداً، ولذلكَ تقيدت الرؤوسُ فيها بالمأكول عُرفاً، وكذلكَ اللبسُ والركوبُ وقف على الملبوسِ والمركوبِ عُرْفاً.
فأمَّا الأعيانُ، فلا تتخصَّص على ما قدمنا، والوقتُ الذي يلي الأمرَ يتخصّصُ بما ذكرنا من كونِه صالحاً وغيرَ مفسدةٍ، وإن افتعلَ فيه امتثالٌ وقربةٌ، وليس في بقيةِ الأوقاتِ ما هو [صالح] إلا بتردّد، بخلاف الأعيان، فإنه لا ذبيحةَ تختصُ بمثلِ ذلكَ دونَ ذبيحةٍ أخرى، ولأنه لا عينَ يعدلُ غيره إلى غيرها فيعد متوانياً، أو تاركاً، أو متغافِلًا، بخلافِ الوقت الأوَّلِ، لأنَه تخلى عن الفعل بالتراخي، ولأنَه يجبُ فيه الاعتقادُ والعزمُ، ولا عينَ يتعلّق بها حكمَ سوى التي يذبحها ويعتقُها.
فإن قيل: فتخصيصُ الوقتِ الأولِ بما ذكرتم يعطي أنَ بالقرينةِ الدالّةِ على تخصص الوقت ذهبتم إلى الفور، ونحن لا نمنعُ الفورَ بقرينةٍ، وهذا ترك لنصرةِ المسألةِ، لأنَا نتكلمُ في الأمرِ المطلق.
قيل: تخصصُ الوقتِ الأولِ بهذه الخصائصِ ليسَ بقرينةٍ، لكن شريطة، ولو جاز أن يدعى قرينةً، لكان اعتبارُ الرتبةِ للأمرِ قرينةً، ومعلوم أنَنا وإياكم نقولُ بوجوبِ الأمرِ لا بقرينةٍ، وإنْ اعتبرنا الرتبةَ في
стр. 1182
ذلك، والله أعلم.
فصل
اختلفَ العلماءُ في أمرِ الله سبحانهَ بالعبادةِ إذا تعلَّق بوقتٍ موسّع، كالصلاة، فهل يتعلق الوجوب بأوّل الوقت، أو بآخره، أو بالجميع؟
فذهبَ أصحابنا إلى تعلقِ الوجوب بجميع الوقت، من أوّله إلى آخره (١)، وأصحابُ الشافعيّ إلى أن الوجوبَ يتعلّق بالوقت الأول، وأيّ وقتٍ فَعَلَها فيه، من الأولِ والأوسطِ والآخرِ، كان الفعلُ أداءً للواجبِ (٢).
وقال أكثر أصحابِ أبي حنيفة: يتعلق الوجوبُ بآخرِ الوقت (٣).
стр. 1183
وقال أبو الحسنِ الكرخي: يتعلَقُ الوجوبُ بوقتٍ غير معيّن، ويتعين بالفعل، كما قال الفقهاءُ أجمعُ في الأعيان المخير بينها في الكفارات (١).
وقال بعضُ أصحاب أبي حنيفة: إذا فعلَ العبادة في أوّلِ الوقتِ كانت نفلًا يمنع وجوبُهاَ في آخره.
ومنهم من قال: يقع مراعاةً (٢).
стр. 1184
ووافقنا على المذهب الأول القاضي الإِمام أبو بكر الباقلاني.
وما اختلف أهلُ العلمِ أجمعَ على أنَه لا يأثم بالتأخر عن أوله؛ من قال بالوجوب، ومن لم يقل.
واتفقوا أنها إذا فعلت بعد خروج الوقت كانت قضاءً، وإذا فُعلت في أوَّلهِ كانت أداءً لا سَلَفاً، بل واقعةٌ موقع الواجب، من قال بأن الوجوب يتعلّق بالوقت الأول منهم، ومن قال يتعلق بالوقت الأخير.
اتفقوا على المذهب وأنها تقعُ أداءً في أوَلهِ، قضاءً بعد خروجه.
فصلٌ
في اختلافِ القائلين بأنه واجبٌ في جميع أجزاءِ الوقت، وأنَ له تقديمَه، وله تأخيرهُ، هل له تركُه في أول الوقت إلى وسطِه وآخِره ببدل يقوم مقامَه، أو لا؟ فقال منهم قائلون: إنَه ليس له تركُه في أوّل الوقت وما يليه إلى حين وقت التضييق إلا ببدل يقوم مقامه.
ولأنَه لا شيءَ يصحُ أن يكونَ بدلًا إلا فعل العزم على أدائه في المستقبل، إن بقي بصفة من يلزمه الفعل، وهو شروطُ التكليفِ التي يصحُّ مع وجودِها الخطاب به (١).
стр. 1185
وقال آخرون: إنه مراعى إذا فعل في أول الوقت، لا يقال: إنه فرض ولا نفل؛ فإن دخل آخرُ الوقت على المكلّف، وهو بصفة من يلزمه الفعل تبيّنا أن ما كان فعَلهَ في أوّل الوقت فرض واجبٌ.
وإن لم يبق إلى آخر الوقت أو بقي، لكنه لم يكن على صفة من يلزمه الفعل، كان ما وقع منه في أول الوقت نفلًا لا فرضاً.
وقال قومٌ من أهل العراق: إنه نفل إذا فُعل في أوّل الوقت، وإنه نائب عن الفرض إذا بقي المكلّفُ بصفةِ من يلزمه الفعلُ في آخرِ الوقت.
فصل
في جمعِ أدلّتنا وحُججنا، وأدلّةِ من وافقنا في أنَّ الوجوبَ يعمُّ سائرَ أجزاءِ الوقتِ؛ أوَّله، ووسَطه، وآخرهَ.
من ذلكَ قولُه تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] فالدلوك: وقتٌ علِّقَ عليه الفعلُ بالأمر المطلقِ، وهو الغروبُ، وسيقَ الأمرُ فيه إلى غايةٍ، هي الغَسَقُ، وليس يقتضي امتداد فعلِها تطويلاً لها إلى غسقِ الليلِ، فلم يبق إلا أنه أراد امتداد الوقت لابتداء فعلها في أيّ أجزاء الوقت الذي ابتداؤه الغروب، وآخره الغسق. وهو غيبوبةُ الشفق.
стр. 1186
ومن ذلكَ: أنَ الوقتَ الأول والأوسطَ والأخيرَ أوقاتٌ متساويةُ الأجزاءِ، في أنَّ فعلَ الصلاةِ فيها يسقطُ به الفرضُ، ولا يسقطُ الفرضُ فيها إلا لتساويها في تعلُّقِ الوجوب بها وعليها، فلا يتخصصُ الأخيرُ بالوجوبِ دونَ الأوَّل مع هذا التساَوي.
فإن قيل: قد يتساويانِ في الإِجزاء، ويختص الوجوب بواحدٍ لا سيَّما وقد اختَصَّ الأخيرُ بخصيصةِ الوجوب، وهو مأثم التركِ، وإذا جازَ أن تتساوى أجزاءُ الوقتِ، ويختص أحدُها بلحوقِ المأثمِ في الترك فيه، جازَ أن تتساوى الأجزاءُ ويختصّ بعضهُا بالوجوبِ.
قيلَ: الأخيرُ لم يحصل المأثم بالترك فيه، لكن لمّا تعذّر الفعل بخروجه للترك فيما قبله أيضاً، صار المأثمُ ظاهراً بالترك في جميع الأوقات عند الإِياسِ والتعذّرِ، وقد يظهرُ المأثمُ عنده ولا يكونُ بالتركِ فيه خاصّةٌ، كآحادِ المكلفين في فروضِ الكفايات، ظهر الإِثمُ في تركِ الآخر من القوم، وكانَ المأثمُ بتركِ الكلِّ، لا بتركِ هذا الذي ظهرَ الإِثمُ بتركِه، وكَذلكَ الأعيانُ في كفارةِ التخيير، وما صار هذا إلا كأصلين:
أحدهما (١) أعيانُ التكفيرِ المضمنةُ للتخييرِ بأنها تكفر ويسقط الفرض.
وعندهم أنَ الوجوبَ لا يعم الأعيانَ الثلاثةَ، بل يختصُّ بواحدٍ منها، وإن كانت سواءً في وقوعِها موقعَ الإِجزاءِ وتفريغِ الذمّةِ والتكفيرِ للذنب، والمكلفين في فروضِ الكفاياتِ الفرضُ يسقط عن الكُل
стр. 1187
بفعلِ كلّ واحدٍ منهم، والوجوبُ لا يعمّ الجميع.
قالوا: ويقالُ لكم في الأوقات هاهنا ما قلتم لمن عمَّ أعيانَ التكفير بالإيجاب، وهو: أنه لو كَان الإيجابُ عمَّ سائرَ الأوقاتِ، لوجَبَ إذا أخَلَّ بالفعلِ فيها أن يأثمَ بتركِ الصلاةِ في الكُلِّ، كما ادعيتم أنَه لو كانَ الوجوبُ يعمُّ الأعيانَ، لأثِمَ بتركِ التكفيرِ بالكُلِّ إذا أخلَّ بالتكفيرِ، وكما يأثم جَميعُ أهلِ القريةِ والمحلّةِ إذا أخلّوا بفروضِ الكفايات.
قيل: تعليقُ الأمرِ على الوقتِ لا يخلو أن يكونَ تعليقَ سببٍ أو شرطٍ:
فإذا وجدَ الوقتُ الأولُ، وهو شرط أو سببٌ، حَصل الوجوبُ، لأنَ الأمرَ هو الموجبُ لكونِ الوقتِ شرطاً أو سبباً، فإذا دخل الوقتُ ثم حصلَ الاتفاقُ على أنَّه يحصلُ بالفعلِ فيه الامتثالُ وما يتلوه من الزمانِ، كذلكَ إلى آخر الوقت، فلا وجهَ لتخصيص وقتٍ من هذه الأوقاتِ.
وكيف يُدَّعى تخصيص وقتٍ مع كونِ النصِّ عمَّ هذه الأوقاتِ، أعني الأولَ والوسطَ والآخرَ، وهل هو إلا كالعمومِ الذي لا يتخصصُ الأمرُ فيه بعينٍ من الأعيانِ.
وأمَّا دعواهم أنَ الأخيرَ يُخَصَصُ بالمأثَم، فلا يلزمُ من وجهين:
أحدهما: أنه لا يمتنعُ أن يقال: إنه لا يتخصصُ المأثمُ عند خروجِ الوقتِ بالتركِ في الوقتِ الآخرِ، بل يعم المأثمُ بالتركِ في الأوقاتِ كُلِّها، لأنَ الله سبحانهَ وسعَ الوقتَ رخصةً، بشرطِ الفعلِ، لأنَّه رخصةٌ
стр. 1188
لتسهيلِ الفعلِ على المكلفِ، فإذا قابل ذلكَ بالتركِ، تبيّنا أنه ليس بأهلٍ للرخصةِ.
وما ذلكَ إلا بمثابةِ من أهملَ فِعْلَ الصلاةِ في السفرِ وتركَ الطهارةَ ولم يُصلِّ يومَ الجمعةِ الجمعةَ، ولا الظهرَ، وهو من أهملَ الظهر، ولكنه يصحُ منه فعلُ الجمعةِ، فإنَه إذا فاتت هذه العباداتُ بتركه أثمَ مأثمَ من تركَ الصلاةَ التامةَ والطهارةَ التامةَ، ولا تبقى عليه الرخصةُ، ويعاتب على تركِ ركعتين، إذ كانت الرخصةُ في الفعلِ، فإذا فوَّتَ الفعلَ لم تتحصل الرخصة، وحوسبَ بالأصلِ.
وكذلكَ الرخص في فروضِ الكفاياتِ، فإذا تركَ الكُل أثمَ الكُلُّ مأثم الواجب المتعين، وشوى في المأثمِ بينَ من تركَ تكاسلًا، وبين من تركَ اعتمَاداً على أنَ غيره يفعلُها لا تكاسلًا منه، ولم نقل: يخص بالمأثم من كسِلَ ولم يفعل دون من اعتمدَ على غيره، وظن أن غَيره يقوم بها فلم يفعل.
وإنّما لا يأثمُ بالتركِ في الوقتِ الأولِ والأوسطِ قبل أن يخرجَ الأخير بشرط إن لم يتحصل حَصَل المأثم، وهو أن يكونَ عازِماً على الفعلِ في الوقتِ الثاني، وهو متّسعٌ للفعلِ، والعازمُ لا يكونُ تاركاً في الحقيقةِ، لأنَه فاعلٌ للعزم الممتدِّ الذى هو مقدمةُ الفعلِ، والمقربُ إليه الذى هو الأفعال المسَتقبلةُ، كالنيةِ للأعمال الحاضرة.
ولو عزبَ العزم في الوقت الأول لأثم بالتركِ، لأنه يفضي إلى أن يتلقى أمْرَ الله سبحانه بغيرِ امتثالٍ ولا عزم على الامتثال، مع إزاحةِ العللِ وتكاملِ شروطِ الفعلِ، وذلك غيرُ الإهمال.
стр. 1189
وقد قيل: إنَ الِإثم انتفى بالتاخيرِ، لأنَّ في إيجاب التقديمِ نوعَ مشقّة، لأنَّ الوقتَ يدخلُ وأكثرُ الناسِ على أشغالٍ تركُهَا يُفسد الأموالَ ويخاطرُ فيه بالأنفس، وجوازُ التركِ للعذرِ لا يدُلُّ على نفي الوجوب في حق المُعْسِر والدّين المؤجل.
وأما أعيانُ التخييرِ والأشخاصِ في فروضِ الكفايات، فإنَّ الحجّةَ فيها ظاهرة لنا، وهو أنَه لم يتخصصِ الوجوبُ بواحدٍ منها، فليكن هاهنا مثلُه في عدمِ التخصيصِ، وإنّما لم يعم، كما لم يتعين، لأنَّ التعميمَ يزيلُ معنى توسعةِ التخييرِ في التكفيرِ، وتوسعةِ قيام بعضِ الأشخاصِ مقامَ بعضٍ في الكفايةِ بالبعض.
فقلنا: إنَّ الفرض يتعلق بواحدٍ على طريق البدلِ لا بعينهِ، ويكفي فعلُ شخصٍ، أيَ المكلفين كان ممن هوَ أهل للفرض.
وهاهنا إذا علقنا الوجوبَ على جميعِ الأوقاتِ، لم تزل الرخصةُ، لأنَّ الوقتَ الأولَ والثاني والثالثَ ظروف لفعلٍ واحدٍ فى أيِّها فعل أجزأه.
ولا يخلو من فائدةٍ ظاهرةٍ، وهي تعلقُ المأثمِ بالتركِ في الكُلّ، وحصولُ الثواب في الجميعِ؛ الأولُ إن فعل فيه، فسقوطُ الفرضِ والثواب، وفضل التقديمِ، والأخيرُ إن فعلَ فيه، فسقوطُ الفرضِ، وحصولُ الثواب بها، والإِثابةُ بفعلِ العزم عليها من الوقتِ الأولِ إلى حين فعلِها فيَ الوقتِ الآخرِ المتّسعِ لهاَ.
وأعطينا تناولَ النص لمجيعها حقَّه من التعميمِ، والاستغراقِ.
стр. 1190
فصل
في الدلالةِ على فسادِ قولِ من قال: بأنه يفعل في الوقتِ نفلاً، لكنَه يسقط الفرض الذي يتعلّق بالوقت الأخير .
أنَّة لو كان نفلاً لوَجَبَ أن تنعقدَ الصلاة بنيّةِ النفلِ، فإنَ كُل صلاةٍ كانت عند الله سبحانه وفي شرعهِ على صفةٍ صحت تحريمتُها بنيةٍ يتضمنها على تلك الصفة، كالفرضِ، وسنّةِ الفرض، والجماعةِ، والجمعةِ، والقصرِ، والإِتمامِ، فلمّا لم يسقط الفرض بنيةِ النفلِ في أوَّلِ الوقتِ، ولا يسقط الفرض في آخره إلا أن ينويَ في أوّلِ الوقت فرضاً، بطلَ أن يكونَ نفلاً.
ويَدُل على فسادِ ذلك: أنَه خوطب بفرض، فإذا أدَى نفلاً، فقد أدَى خلافَ ما أُمرَ به، فهو كما لو خوطبَ بصلاةٍ، فصامَ، أو بحجةٍ فصلّى.
ويدُل على أنّها ليست نفلاً أنَ النصَّ قد وردَ بأن جميعَ أجزاءِ الوقتِ وقت لها، فكيفَ يكونُ نفلاً في أوّلِه. وهو جزء من الموسّع، وليس بأن يكونَ نفلاً في أوّلهِ بأولى من أن يكون نفلاً في آخره، مع تساوي أجزاءِ الوقتِ.
فإن أعادوا ذلكَ السؤالَ وهو تخصيصُ الأخيرِ بالمأثمِ إذا تركَها فيه فقد سبقَ الجوابُ عنه.
ويدل على فسادِ هذا المذهبِ أنَّ من عَلِم أنَّ الصلاةَ في أوّلِ الوقتِ نفل فنواها فرضاً، فإنه لم ينوِ صلاةَ وقتهِ ولا نواها على صفتها،
стр. 1191
وليسَ لنا نّية في أصولِ الشرعِ بتحقّقِ الفعل المنوي على خلافِ ما هو به.
فصل
في سؤالهم
فإن قيل: تقديمُ الزكاةِ قبلَ الحولِ، والكفارةِ قبلَ الحِنث، فيهما معنى النفل، وُيجزيانِ بعدَ الِحنث، ومُضي الحول عن الفرض. وأمَّا النّيةُ، فإنَّ من نوى فرضَ وقتٍ من الأوقاتِ، وقد كان أدّاه في أوّلِ الوقتِ، وقع نفلاً بنيةِ الفرضِ.
وعندنا إذا نوى صومَ رمضانَ نافلةً، أو نوى حجّةً نافلةً، وعليه فرضُ الحجِّ، انصرف إلى الفرضِ، فلا تصحُّ دعواكم أنه لا نية تحصل للمنوي على خلافِ صفته.
قيل: أمَّا الزكاةُ، ففرضٌ قُدَمَ على وقته باسمِ السلفِ، لمصلحةٍ رآها المشرعُ، هي حاجةُ الفقراءِ، كتقديمِ الصلاةِ في بابِ الجمعِ لمصلحةِ الجامعين.
كذلك قال ﷺ في حقّ العباس: "إنا استسلفنا منه زكاة عامين" (١)، ولم يك نافلة.
стр. 1192
ولأن سببَ الوجوب تقدّم الإخراج، وهو الغنى بالنصاب، والحولُ شرطٌ هو أجلٌ وُضع رِفقاً بالأغنياءِ، فعجل لطفاً بالفقراء، فما تقدّمت الزكاة على سبب وجوبها، ولا صارت بالتعجيل نفلاً.
وأما الكفارةُ فسبُبها اليمينُ، وقد وُجدت قبل الحِنث. قال الله سبحانه: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وما قدمت على الحِنث نفلاً.
وكذلكَ لو نوى بالزكاةِ والكفارةِ نافلةً لما وقع عن الواجب، وأمّا نيةُ رمضانَ والحج، فلأنّهما خارجتان عن حكمِ النّيات في أَصولِ العباداتِ، لانقطاعِ العبادتين.
وأما رمضان، فإنه تعين عندكم لصوم الفرضِ، ولذلكَ لم يشترط له نيةُ التعيينِ. والحج انقطعَ بانعقادِه بمطلق النية ومبهمها، حتى لو قال: إهلالٌ كإهلالِ زيدٍ، وسأله عن نّية إحرامه، كان على ما نوى زيدٌ، وتعين بعد انعقادِ الحجِّ بالإبهام، فأسقط من النية في المحلين، اعتقاد النفل، وانعقد بنيةِ الصومِ والحج.
وفي الصلاةِ تعتبر نيةُ التعيينِ لفرضِ الوقت، ولا تكفي نيةُ مطلق
стр. 1193
الفرضِ، فإذا كانت في الوقتِ نفلاً في نفسِها، لم يكن لعدمِ انعقادِها مع حصول نيةٍ تضاهي حالَها وما هي عليه وجة، فلم يبقَ لعدمِ انعقادِها بنيةِ النفل إلا تَجَزيها فرضاً.
فصل
في الدلالة على فسادِ مذهب من قال بأنه موقوف على آخر الوقت . فإن وافى وهو حيٌّ من أهلِ الوجوبِ، تبينا أنه كان التعبدُ واجباً.
فنقول: إن تعليقِ الوجوب بالشرطِ يفيدُ أنه إذا حصلَ الشرطُ حصلَ الوجوبُ، فإذا تيقنا أن الَشرطَ معدوم لم يوجد، علمنا بذلكَ واستحال أنَّ الِإيجاب للصلاة قد حَصل وثبت مع تجوز شرطه الذي علّق وجوبه (١) على وجوده لم يوجد بعد.
إذ هذا إسقاط لخصيصةِ الشرطِ ووضعه.
ويقال لهم أيضاً: إذا (كانت أجزاءُ) (٢) الوقتِ جميعُها منصوصاً على أن للمكلف فعلَ الصلاة فيها لم يجز أن يكون وقوعه في بعضِها واجباً مراعى، لأنه خلافُ النصّ.
стр. 1194
فصلٌ
فيما تعلقَ به النافون لتعلُّقِ الوجوبِ بالوقت (١).
قالوا: لو كان متعلقاً بالأولِ، لأثمَ بتركهِ فيه، وتأخيرِه عنه بذلك الوقتِ الأخيرِ، لمَّا تحقق تعلّقُ الوجوب به تعلقَ المأثمِ بتركِ فعلِ الصلاةِ فيه، فلما لم يتعلق المأثمُ بتركِ الَصلاةِ فيه، وتأخيرِ فعلها عنه، عُلِمَ أنَه لم يتعلَّق به الوجوبُ.
قالوا: ولأنَّ دعوى تعلّقِ الوجوبِ بالوقتِ الأول، دعوى مجردةٌ، لادلالةَ عليها، ولا حجةَ لقائلها، ويدُل عليه؛ أنَّ جميع أجزاءِ الوقتِ وسطاً، وأخيراً، كالوقتِ الأوّل في كونِ الكُل أوقاتاً وأزمنةً، ولا خصيصةَ في واحدٍ منها إلا الأخير (٢)، ويعنون بذلك خصيصةَ المأثمِ بالتركِ فيه.
стр. 1195
فصل
في الأجوبةِ عما تعلقوا به
فمن ذلك: أنا قد بينا علةَ عدم الإِثم من جهةِ أنَّ جوازَ التأخيرِ توسعةً لمكانِ العذرِ والمشقةِ اللاحقَةِ، مع كونِ الصلاةِ فرضاً على الأعيانِ، وأشغال الكُل مختلفةً، فلو لم يوسَّع لهم وقتُ الفعلِ، لشق إن بادروا إلى الفعلِ كافّةً، وأثموا إن أخَّروا.
ولأنَّ العزمَ على الفعلِ كانَ تعبُّداً شاغلًا للوقتِ، ممتداً إلى حينِ الفعلِ، وعزمُ المكلّفِ صالح لرفعِ المأثمِ في باب التروكِ إِذا ندِمَ على الماضي، وعزمُ المكلّف على التركِ في المستَقبل مُسقط مأثمَ الماضي.
وكذلك قضاءُ رمضان، والدّيونِ المؤجلةِ، لا يأثم بتأخيرها مع وجود العزمِ على الفعلِ في ثاني الحال، وكذلك الكفارات.
ولأنا لا نخصص الوجوبَ بالوقتِ الأول، فيلزمُنا ما تعلقوا به من نفي المأثم، بل نقول: الوجوبُ عام في الوقتِ الأوّلِ والأوسطِ والأخيرِ، وأما الدليل على تعلقِ الوجوب بالوقت الأول، فقد سبقَ ويتناوله الأمرُ، ووقع الفعل فيه موقعَ الإجزَاء، وتساوي الأوقات حجّة لنا، حيث عمّمناها بالوجوبِ لتساويها.
والتخصّص بالمأثم فلا نسلمه، بل يعمُّ الأوقات التي عمها بالتركِ، ولو سلّمه من خصَّص المأثم، كان جوابهُ عنه: أنه الوقتُ الذي يضيقُ فيه الأمرُ بالفعلِ، وزالت التوسعةُ، ولم يبقَ للعزم مجالٌ، لأنه لا يزالُ العزم بدلاً عند قومٍ، ومتطرقاً به عند قوم، إِلىَ أن لا يبقى