← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وليسَ لنا نّية في أصولِ الشرعِ بتحقّقِ الفعل المنوي على خلافِ ما هو به. فصل في سؤالهم فإن قيل: تقديمُ الزكاةِ قبلَ الحولِ، والكفارةِ قبلَ الحِنث، فيهما معنى النفل، وُيجزيانِ بعدَ الِحنث، ومُضي الحول عن الفرض. وأمَّا النّيةُ، فإنَّ من نوى فرضَ وقتٍ من الأوقاتِ، وقد كان أدّاه في أوّلِ الوقتِ، وقع نفلاً بنيةِ الفرضِ. وعندنا إذا نوى صومَ رمضانَ نافلةً، أو نوى حجّةً نافلةً، وعليه فرضُ الحجِّ، انصرف إلى الفرضِ، فلا تصحُّ دعواكم أنه لا نية تحصل للمنوي على خلافِ صفته. قيل: أمَّا الزكاةُ، ففرضٌ قُدَمَ على وقته باسمِ السلفِ، لمصلحةٍ رآها المشرعُ، هي حاجةُ الفقراءِ، كتقديمِ الصلاةِ في بابِ الجمعِ لمصلحةِ الجامعين. كذلك قال ﷺ في حقّ العباس: "إنا استسلفنا منه زكاة عامين" (١)، ولم يك نافلة.

стр. 1192

ولأن سببَ الوجوب تقدّم الإخراج، وهو الغنى بالنصاب، والحولُ شرطٌ هو أجلٌ وُضع رِفقاً بالأغنياءِ، فعجل لطفاً بالفقراء، فما تقدّمت الزكاة على سبب وجوبها، ولا صارت بالتعجيل نفلاً. وأما الكفارةُ فسبُبها اليمينُ، وقد وُجدت قبل الحِنث. قال الله سبحانه: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وما قدمت على الحِنث نفلاً. وكذلكَ لو نوى بالزكاةِ والكفارةِ نافلةً لما وقع عن الواجب، وأمّا نيةُ رمضانَ والحج، فلأنّهما خارجتان عن حكمِ النّيات في أَصولِ العباداتِ، لانقطاعِ العبادتين. وأما رمضان، فإنه تعين عندكم لصوم الفرضِ، ولذلكَ لم يشترط له نيةُ التعيينِ. والحج انقطعَ بانعقادِه بمطلق النية ومبهمها، حتى لو قال: إهلالٌ كإهلالِ زيدٍ، وسأله عن نّية إحرامه، كان على ما نوى زيدٌ، وتعين بعد انعقادِ الحجِّ بالإبهام، فأسقط من النية في المحلين، اعتقاد النفل، وانعقد بنيةِ الصومِ والحج. وفي الصلاةِ تعتبر نيةُ التعيينِ لفرضِ الوقت، ولا تكفي نيةُ مطلق

стр. 1193

الفرضِ، فإذا كانت في الوقتِ نفلاً في نفسِها، لم يكن لعدمِ انعقادِها مع حصول نيةٍ تضاهي حالَها وما هي عليه وجة، فلم يبقَ لعدمِ انعقادِها بنيةِ النفل إلا تَجَزيها فرضاً. فصل في الدلالة على فسادِ مذهب من قال بأنه موقوف على آخر الوقت . فإن وافى وهو حيٌّ من أهلِ الوجوبِ، تبينا أنه كان التعبدُ واجباً. فنقول: إن تعليقِ الوجوب بالشرطِ يفيدُ أنه إذا حصلَ الشرطُ حصلَ الوجوبُ، فإذا تيقنا أن الَشرطَ معدوم لم يوجد، علمنا بذلكَ واستحال أنَّ الِإيجاب للصلاة قد حَصل وثبت مع تجوز شرطه الذي علّق وجوبه (١) على وجوده لم يوجد بعد. إذ هذا إسقاط لخصيصةِ الشرطِ ووضعه. ويقال لهم أيضاً: إذا (كانت أجزاءُ) (٢) الوقتِ جميعُها منصوصاً على أن للمكلف فعلَ الصلاة فيها لم يجز أن يكون وقوعه في بعضِها واجباً مراعى، لأنه خلافُ النصّ.

стр. 1194

فصلٌ فيما تعلقَ به النافون لتعلُّقِ الوجوبِ بالوقت (١). قالوا: لو كان متعلقاً بالأولِ، لأثمَ بتركهِ فيه، وتأخيرِه عنه بذلك الوقتِ الأخيرِ، لمَّا تحقق تعلّقُ الوجوب به تعلقَ المأثمِ بتركِ فعلِ الصلاةِ فيه، فلما لم يتعلق المأثمُ بتركِ الَصلاةِ فيه، وتأخيرِ فعلها عنه، عُلِمَ أنَه لم يتعلَّق به الوجوبُ. قالوا: ولأنَّ دعوى تعلّقِ الوجوبِ بالوقتِ الأول، دعوى مجردةٌ، لادلالةَ عليها، ولا حجةَ لقائلها، ويدُل عليه؛ أنَّ جميع أجزاءِ الوقتِ وسطاً، وأخيراً، كالوقتِ الأوّل في كونِ الكُل أوقاتاً وأزمنةً، ولا خصيصةَ في واحدٍ منها إلا الأخير (٢)، ويعنون بذلك خصيصةَ المأثمِ بالتركِ فيه.

стр. 1195

فصل في الأجوبةِ عما تعلقوا به فمن ذلك: أنا قد بينا علةَ عدم الإِثم من جهةِ أنَّ جوازَ التأخيرِ توسعةً لمكانِ العذرِ والمشقةِ اللاحقَةِ، مع كونِ الصلاةِ فرضاً على الأعيانِ، وأشغال الكُل مختلفةً، فلو لم يوسَّع لهم وقتُ الفعلِ، لشق إن بادروا إلى الفعلِ كافّةً، وأثموا إن أخَّروا. ولأنَّ العزمَ على الفعلِ كانَ تعبُّداً شاغلًا للوقتِ، ممتداً إلى حينِ الفعلِ، وعزمُ المكلّفِ صالح لرفعِ المأثمِ في باب التروكِ إِذا ندِمَ على الماضي، وعزمُ المكلّف على التركِ في المستَقبل مُسقط مأثمَ الماضي. وكذلك قضاءُ رمضان، والدّيونِ المؤجلةِ، لا يأثم بتأخيرها مع وجود العزمِ على الفعلِ في ثاني الحال، وكذلك الكفارات. ولأنا لا نخصص الوجوبَ بالوقتِ الأول، فيلزمُنا ما تعلقوا به من نفي المأثم، بل نقول: الوجوبُ عام في الوقتِ الأوّلِ والأوسطِ والأخيرِ، وأما الدليل على تعلقِ الوجوب بالوقت الأول، فقد سبقَ ويتناوله الأمرُ، ووقع الفعل فيه موقعَ الإجزَاء، وتساوي الأوقات حجّة لنا، حيث عمّمناها بالوجوبِ لتساويها. والتخصّص بالمأثم فلا نسلمه، بل يعمُّ الأوقات التي عمها بالتركِ، ولو سلّمه من خصَّص المأثم، كان جوابهُ عنه: أنه الوقتُ الذي يضيقُ فيه الأمرُ بالفعلِ، وزالت التوسعةُ، ولم يبقَ للعزم مجالٌ، لأنه لا يزالُ العزم بدلاً عند قومٍ، ومتطرقاً به عند قوم، إِلىَ أن لا يبقى

стр. 1196

سوى وقتِ الفعل، فلا يبقى خطابٌ إلا بالفعلِ ونيتهِ المتخصصةِ به، فإذا لم يأتِ بها تحقق المأثمُ على إخلاءِ الوقتِ عن وظيفته، كما كانَ المأثمُ يلحقُ في الوقتِ الأوّلِ والأوسطِ بإخلالِ المكلّفِ بوظيفتهِ من العزمَ. فصل فيما تعلق به من قال: إنَّ الوجوبَ يتعلَقُ بوقتٍ من الأوقاتِ غيرِ معين . قال: لما كانَ المكلفُ مخيّراً في الأوقاتِ كلِّها، صارت الأوقاتُ كالأعيانِ المخيّر بينها في كفاراتِ التخيير. يقال: فيما قدمنا من الدلالةِ على تعميمِ الوجوب، كفايةٌ عن الجواب، وأمَّا أعيانُ الكفاراتِ، فهي الحجةُ عليهم، لأنَّ الكفارةَ واجبةٌ عليه، وإنْ خيرناه في أعيانِها فيجبُ أن نقول بأنَ الصلاةَ واجبةٌ وإن خيّرناه في أوقاتها. فصلٌ يفرد الكلامِ في العزم فإنَه المعتمد في هذه المسألة. اعلم أنَ قوماً يجعلونه بدلًا عن الفعل في الوقت الأوّل (١)، ويقولون: إنه المانع من حصول المأثم بالتأخير.

стр. 1197

فيقال لهم: لو كان بدلًا لسدّ مسدّ البدل، كسائرِ أبدالِ الشرعِ، كالماءِ عن التراب، والإطعام عن الصومِ، والصيام عن العتقِ، والصوم عن الدمَ في الِإحرامِ، فلما لم يسُد مسدَ البدَلِ، بل كان في الذَّمةِ بحالهِ، بطل كوُنه بدلًا، فقالوا: إنّما هو بَدَلٌ عن تقديم الفعلِ وتعجيله، لا عن أصلهِ، فإذا عزمَ كانَ عزمهُ بدلًا عن تقديم الفعلِ في كل وقتٍ كان فيه عازماً على الفعلِ في الوقتِ الذي يليه. فصارَ كان الشرعَ يقول للمكلّف: لكَ تأخيرُ الفعلِ عن الوقتِ بشرطِ أن تكون فيه عازماً لا مُهملًا. قال لهم المعترض عليهم: فأينَ لنا بدلٌ عن وصفِ فعلِ لا عن أصله، والتقديمُ وصفُ الصلاةِ. فأجابوا: بأنَّ لنا مثلَ ذلكَ بصحيحِ النقلِ، ولا علينا من منعَ بمذهبِ من لم يعلم ذلك بالنقل، وهو الفديةُ الواجبةُ على الحاملِ والمرضعِ إذا خافتا على الجنين والرضيع، ويجب إطعام مسكين عن كل يوم، والصوم واجبٌ في الذّمّة، فلم تكن الفديةُ بدلًا عن أصل الصوم، لكن عن تأخيره، فكما لم يخلُ الوقتُ الأولُ في باب الصلاةِ عن عزم، لم يخلُ زمانُ رمضانَ عن إطعامٍ هو بَدَلٌ عن الصوَم فيه، لا عن أصلِ الصومِ، وكفاراتُ الِإحرامِ، وسجودُ السّهوِ بدلٌ وَجُبران عن وصفِ الصلاةِ لا عن أصلها. وكذلكَ من وجبَ عليه عبادةٌ يعجزُ عن أدائها، وعن قضائِها إلى حين الموت، كان عزمه على فعلِها إن صحَ مسقطاً مأثَم الترك، ولا

стр. 1198

يسقطُ أصلُ الخطابِ بها حتى إنه لوصح (١) وجبَ قضاؤها. وكذلك سجودُ السهوّ بدل وجبرٌ، قد يجبُ عن تقديمِ واجب أو تأخيرهِ، لا عن أصلهِ. قالوا: فإن قيل: أينَ لنا أعمالُ قلوب نابت عن أعمال الأركان؟ وهل العزمُ إلا فعلُ القلب؟! قيل: وما الذي هوَّن أفعالَ القلوب، وبها تصحُّ الأعمال، وتحبط الأعمال، وتجب الأعمال؟!، فالنياتُ أعمالُ القلوب، وبها تصح العباداتُ، والندمُ أعمالُ القلوب، وَيجُب ما قبله من الأَعمال وتعضدُه العزوم بصحّةِ التوبةِ الماحيةِ لماَ قبلها، واعتقادُ الكفرِ يُحبطُ كل صالح تقدمه من أعمالِ الجوارح والأركانِ، فلِمَ لا جاز أن يقعَ بدلًا عن إيقاع الفعل في زمانٍ دون زمان؟! فصولٌ القضاء، والإعادة، والفوات. وهل تجب بأمرٍ ثانٍ، أو بالأمر الأول؟، وهل يسقطُ الخطابُ بفواتِ وقته؟، وهل يسقط بكل عذرٍ، أو تختلف الأعذار في الإسقاط وبقاء الخطاب . فصل في معنى الفوات اعلم أنَ الفواتَ اسمٌ لا يستعمل بالاتفاق إلا في فعل مأمور به،

стр. 1199

موقّت بوقت، خرجَ وقتهُ ولم يفعلْه المأمورُ، فأمَّا الواجبُ على التّراخي والموسَع وقتُه، إذا تُركَ في وقتِ توسعتِه، فلا يقالُ: فائت. فتحقق من هذا: أن الفواتَ مضى وقتِ العادةِ المحدودةِ، وهذا حدٌّ يخصُّ باب العبادة، وإن أردتَ العمومَ قلت: خروجُ وقتِ الفعل المأمورِ به، الموقَّت. فصلٌ والفائتُ: الفعلُ الخارجُ وقتهُ الذي امِر به فيه. فصل والِإعادةُ اسمٌ لمثلِ ما بطلَ وفسدَ من العباداتِ على وجهِ البدلِ عنه، والإِفسادِ لها، إما بسبب من جهته، مثلِ الوطء في الحج، والصومَ، أو الكلامَ أو الحدثِ في الصلاةِ أو بسبب يطرأ لا من كسب المكلف. ولا يوصف هذا الفعل الموقع عن المفسدِ قضاءً، لكونه بدلًا مفعولًا في وقت العبادة، لكن الغالبُ عليه اسمُ الإِعادة. فصلٌ فأمّا القضاءُ: فاسمٌ لفعلِ مثل ما فات بخروجِ وقتهِ المحدَّدِ به. فكانَ الفرقُ بين الِإعادةِ والقضاءِ، أنَّ الإِعادةَ فعل مثلِ ما فسدَ لكنه في وقتِ العبادةِ. والقضاءَ اسمٌ لفعلٍ، هو مثلُ العبادةِ المؤقته التي خرج وقتها.

стр. 1200

فصلٌ والأداءُ: فعلُ كل مفعولٍ موقَتٍ في الوقتِ الذي عُرِفَ به، موسّعاً كان أو مضيّقاً. فصلٌ إذا خرج وقت العبادة وفات فعلها، لم يجب قضاؤها إلا بأمرٍ ثانٍ (١). وبه قال أكثرُ الفقهاءِ والمتكلمين. وأصحاب الشافعي في أحدِ الوجهين (٢)، والقاضي أبو بكر والمحققون من الأصوليين، وذهب بعضُ أصحاب الشافعي إلى أنه تجب بالأمر الأول، ولا تسقط بفوات الوقت. وظاهرُ كلامِ صاحبنِا أنَه يسقطُ الأمرُ بالجنونِ، ولا يسقطُ بالإِغماءِ، والحيضِ والمرضِ (٣).

стр. 1201

فصل يجمعُ الأدلّةَ على أنَه لا يجبُ إلا بأمرٍ ثانٍ، سواءٌ كان تركهُ لعذرٍ مانعٍ أو لغير عذرٍ. فمن ذلك: أنَ الله سبحانَه إذا علق العبادةَ بوقتٍ، فلا تخلو من مصلحةٍ تختص الوقتَ، وخصيصةٍ تعودُ بالنفعِ العاجلِ والأجلِ، أو لمشيئةٍ وإرادةٍ علقها بذلكَ الوقتِ، ونحنُ لا نعلم أنَ غيرَ ذلكَ الوقتِ كالوقتِ في حصولِ المصلحةِ في فعلهِ ونفي المفسدةِ، ولا الإِرادة والمشيئة، فيصيرُ ما بعد الوقتِ في نفي المصلحةِ وتجويزِ المفسدةِ كما قبلَه من الأوقاتِ، ويصيرُ مثالُ ما إذا قيد حكيمُ الطبِّ شربَ الدواءِ بوقتٍ ففاتَ لا نعلمُ أنَ شربَهُ بعَد خروجِ الوقت سادٌّ مسدَّ شربهِ في الوقت في جلبِ (١) مصلحةٍ ولا نفي مفسدة. وكذلك إذا عُلَق الأمرُ بشرطٍ مثل استقبالِ قبلةٍ، أو طهارةٍ، أو ستارةٍ، ففاتَ الشرطُ وتعذّرَ، لم يجز أن يُقدِمَ على الفعلِ بعد تعذرِ شرطهِ. وكذلك إذا خُصَّ الفعلُ والعبادةُ بمكان، فتعذرَ المكانُ، لم يقم

стр. 1202

غيرهُ مقامَه لتعذُرِه. وعلّةُ ذلكَ كُله أنا لا نجوّزأن نُقدمَ على إقامةِ وقتٍ مقامَ الوقتِ الذي نص عليه الشرعُ، لأنَّا لا نأمنُ مواقعةَ المفسدةِ في ديننا ودنيانا. وما صارَ إبدالُ وقتٍ بوقتٍ مع عدمِ العلمِ بمساواةِ الوقتِ الثاني للوقتِ الأول، إلا كمن أقامَ فعلا في زيدٍ مقامَ فِعْلٍ في عمروٍ، والوقوفَ بمزدلفة بدلًا من الوقوفِ بعرفة، وصومَ غيرِ رمضانَ بدلًا من صومِ رمضان. ومن ذلك: أنَ الإِيجابَ يتعلَقُ بأعيانٍ وأزمانٍ، ثم إنَ الفرضَ لو تعلَقَ بعينٍ عتقاً في رقبةٍ، أو زكاة وتضحيةً في شاةٍ أو بقرةٍ، لسقطَ الخطابُ بفواتِ العين، ولم يتبدّل بعينٍ أخرى إلا بدلالةٍ، كذلكَ إذا عُينت العبادةُ بالزمانِ ولا فَرْق. والجامع بينهما: المصلحةُ المتحققةُ، أو المشيئةُ عند من لم يعتبر الأصلحَ، وكلاهما لا يمكنُ تعديتهُ إلا بدلالةٍ تقومُ مقامَ الدلالةِ الأولى في التعيين. ومن ذلك: أنَ الأصلَ قبلَ الِإيجاب عدمُ إيجاب الفعلِ في الزمان، وأما إذا فاتَ الزّمانُ المعيّن عُدنا إلى الأصلِ، فلَا نعلمُ تعلّقَ الوجوبِ بوقتٍ ثانٍ إلا بدليل. ومن ذلك: أن الأمرَ استدعاءُ الفعلِ، والنهيَ استدعاءُ التركِ، ثمَّ إنّه لو عين وقتاً بنهي، ثمَّ فاتَ ذلكَ الوقتُ الذي عُيِّنَ التركُ فيه، فإنه لا يقوم مقامهَ وقت للترك، كذلكَ الأمر ولا فرق.

стр. 1203

مثالهُ لو قال: اترك البيعَ وقتَ النداءِ من يوم الجمعة، واترك الاصطيادَ إِذا دخلت الحرمَ أو أحرمت. ثم إِنه باعَ وقتَ النداءِ، واصطادَ في الإحرام، ففاتَه التركُ وأراد أن يتركَ البيع بعد خروجِ وقتِ النهي، وكذلكَ أرادَ أن يصطادَ بعد خروجِ وقتِ تحريمِ الاصطياد، لم يكن هذا سادّاً مسدَ التركِ الذي فاتهَ في ذلكَ الوقتِ المخصوصِ، كذلك هاهنا. ومن ذلك: أن الوقتَ الذي عُلقَ عليه الفعلُ مقصود بالفعل، ولذلك يأثمُ بالتأخرِ عنه، ويحصلُ الِإجزاءُ والثوابُ والائتمارُ بالفعلِ فيه، فمدّعي أن ما بعده من الأوقاتِ مثلُه بعَد فواتهِ في قيامهِ مقامه، فعليه الدليلُ. ومن ذلك: أن الصيغةَ ليس فيها ذكرُ أبدالٍ للوقتِ بغيره عند الفوات، ولا أمرٍ بالقضاءِ، ولا من ناحيةِ الشرع تُعطي أن للوقتِ بدلًا، ولا أن الإيجابَ باقٍ بعدَ الفواتِ مع كونه عَرفَ الفعلَ بوقتٍ معين، فإيجابُ القضاءِ لا دليلَ عليه، ولا بُد من طلبِ دليل. ومن ذلك: أن أصولَ الشريعةِ منقسمة إلى فعلٍ يجبُ قضاؤه كالصلوات وصوم رمضان، وفِعل لا يجبُ قضاؤه كالجمعةِ والجهادِ، فليس يمكنُ حملُ هذا الفعلِ الموقتِ على أحدهما دونَ الآخر إلا بدلالة. فإن قيل: المكانُ لا يعدمُ فيفوت، فكذلكَ لم يجب القضاءُ ولم يجز إيجابُ الفعلِ في غيره، والزمانُ يفوت، فكذلكَ جعلنا غيرَه قائماً مقامه.

стр. 1204

قيل: كلامُنا في زمانٍ، وذلك يفوتُ. فصل فيما تعلقوا به فمن ذلك قوله ﷺ : "من نام عن صلاةٍ أو نسيها، فليُصلّها إذا ذكرها" (١)، فذلك وقتُها، لا وقتَ لها غيره، وقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم" (٢)، ومن فاته الوقتُ الأول لعذرٍ، فهو مستطيعٌ للفعلِ في وقتٍ ثانٍ. ومن ذلكَ قولَهم: إنَّ أوامرَ الشرعِ كلَّها على إيجابِ قضاءِ ما فات منها، فدلَّ على أنَّ ذلك يقتضي الأمرَ. ومن ذلكَ قولُهم: إنَّ المأمورَ به هو الفعلُ، فأمَّا الوقتُ، فإنه يُرادُ ظرفاً للإيقاع فيه، فلا وجهَ لسقوطِه بفواتِه، لأنَّ غيرهُ من الأوقاتِ يصلح ظرفاً للفعل. ومن ذلك قولُهم: إنّه يسمى قضاءً، ولو كانَ ذلك فرضاً مبتدأً لما كانَ لتسميته قضاءً وجهٌ، وما سُمِّيَ قضاءً، إلا أنه أقيمَ مقامَ المتروكِ من المأمورِ به، ولو قيل: إنّه نفسُ المتروكِ ولم يعدم سوى الزمان.

стр. 1205

ومن ذلك قولهم: إن العبادةَ الموقَّتةَ حقٌّ لله سبحانه، تعلَّق بوقتٍ كما أنَّ الدَّين المؤجلَ حقٌّ تعلَّق بوقت، ثم مُضيُّ وقت الأجل لا يُسقط الدّينَ المؤجّلَ، كذلك مُضيُّ الوقتِ لا يُسقط الأمرَ المؤقّت. قالوا: ولأنَّ الأمرَ اقتضى إيجابَ الفعلِ، وفي إسقاطِ القضاءِ تفويت وإسقاطٌ لما أوجبه الأمرُ، وهو الفعل. قالوا: لو سقطَ الوجوبُ بفواتِ الوقتِ، لسقط المأثمُ، فلما لم يسقط المأثمُ -وهو حكم من أحكام الوجوبِ- لم يسقط الوجوبُ. قالوا: ولأنَ الأصلَ الوجوب، فمن ادّعى إسقاطه بفواتِ الوقتِ، عليه الدليل. فصل يجمع الأجوبةَ عما تعلقوا به أما الخبر، فإنه حجّة عليهم، لأنَّه لو كان الأمر الأولُ يقتضي إيجابَ القضاءِ لما احتيجَ إلى أمرٍ، وحيثُ تضمّن الأمر حصلَ إيجابُ القضاءِ به، ولا خلافَ أنَّه إذا ورد الأمرُ بالقضاء، وجب القضاء فلا دلاله (١) من الخبر على موضعِ الخلافِ، وموضعُ الخلافِ: هل الأمرُ الأولُ أفادَ إيجابَ القضاءِ؟

стр. 1206

وأما قوله ﷺ : " فأتوا منه ما استطعتم"، فهذا مبنى على أنَه قد أمر في الزمانِ الثاني، وما ثبتَ أنَّه أمرٌ إلا في الوقتِ الأول، ولهذا قال: "فأتوا منه"، فاقتضى أن يكونَ المستطاعُ بعضَ الأمر. وأمَّا قولهم: إنَ أوامر الشرعِ كلَّها مقضيّة بعد فواتها. ليس بصحيحٍ، لأنها منقسمةٌ كالجمعةِ والجهادِ وفروضٍ كثيرةٍ من فروضِ الكفاياتِ لا تُقضى، والصلاةُ والصومُ تقضى، فليس حملُ الأمرِ على ما يقضى بأولى من حمله على ما لايقضى. ولأنَّ ما وجبَ قضاؤه منها إنما وجبَ بأدلّةٍ أوجبت القضاءَ، ولم نوجبه بنفسِ الأمر الأول، فلا تعلُّق لهم بذلك، مع كونه مقيّداً بوجوب القضاء، وكلامنا في مطلقِ الأمرِ الذي لم يتعقبه إيجابُ القضاء. وأمّا قولُهم: إنّ الفعلَ هو المأمورُ به، والوقْت ظرف. فالجوابُ عنه أنَّ الفعلَ المأمورَ به في الوقتِ المخصوصِ به، لا أنّ الأمر بفعل مطلق، ألا ترى أن لفظه لا يتناولُ ما بعد الوقت ولا ما قبله ممن ادعى الوجوب في الوقت. وأما قولُهم: يسمّى قضاءً، فلأنَّه أقيمَ مقامَ المتروك، وليس معنا في اللغة ولا الشرع أنَّ القضاء لا يقعُ إلا بالأمر الذي أُمر به الأداء، ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠]، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، والمراد بها: إن أقمتموها.

стр. 1207

وأمَّا الدّينُ المؤجلُ، فإنَّه يستحق ويستقر بانقضاءِ الأجلِ، فكيفَ يقالُ: إنّه يسقطُ، وهذا وقتُ فعلهِ بهذا الوقتِ، فبينهما تباعدٌ وفرقٌ، وذلكَ لأنَّ الأجلَ وُضع في الذنوبِ رِفقاً لتأخّرِ المطالبةِ، فإذا زالَ الأجلُ وانقضى، حَلّت المطالبةُ، فلا وجهَ لإِسقاطِ الدَّين، وهنا نِيْطت العبادةُ بالزمانِ المخصوص، كما تناطُ بالمكانِ، ثمَّ إنَّ تعليقها بالمكانِ قد يكونُ لمصلحةٍ تختصُّ البقعةَ، ولربما كانت في غيرها مفسدةً، كذلكَ الزمانُ والوقتُ، ولا فرق. وأمَّا قولُهم: إنَّ الأمرَ يقتضي إيجاب الفعل وفي إسقاطِ القضاءِ إسقاطٌ لما أوجَبه الأمرُ. لا يصحُّ، لأنَّ الأمر اقتضى إيجابَ الفعل في وقتٍ مخصوصٌ لا في جميع الأوقاتِ، ولأنَّه يبطُلُ به إذا علقه على شرطٍ، فإنَه لا يجبُ فعلهُ مع عدم الشرطِ، وإن كان مقتضى الأمرِ الإِيجابَ فلم ينظر إلى الإِيجاب المَشروطِ مجرداً عن الشرط، كذلكَ لا يُنظرُ إلى الأمرِ المؤقّت مجرّدَاً عن الوقت. وأما قولُهم: لو سقطَ لسقطَ مأثمُ التركِ. غيرُ لازمٍ، لأنَ الإِيجابَ تعلق بالوقتِ، والمأثمَ تعلّقٌ بتحقيقِ التركِ في الوقت، فشرطُ المأثم تحققَ فيحصل، وشرطُ الإيجاب فاتَ فيسقطُ، فهما ضدّان في الحقيقةِ. وأما استصحابُ الحال، فلا يصحُّ، لأنَّ الأصلَ أنْ لا واجبَ ولا شاغلَ للذّمةِ، فلما جاءَ الأمرُ موقتاً بشرطٍ فمن ادّعاه مع عدم شرط فعليه الدليلُ.

стр. 1208

فصلٌ ووجدتُ لأصحاب أبي حنيفة خلافاً في الأمرِ المطلقِ إذا لم يفعلْهُ المأمورُ به عقيب الأمر، هل يسقط؟ فقال أبو بكر الرازي (١): لا يسقط، ويفعله في الزمان الثاني والثالث، وفي سائرِ عُمُره، بخلاف المؤقت. وقال غيره من أصحاب أبي حنيفة: يسقط بمُضيّ الوقت الأوّل، كما يسقط بُمضيّ الوقت في المؤقت (٢). وجهُ قول الرازي: أنَّ الأمرَ المطلق لم يُعيِّن له وقتاً، كما أنَ

стр. 1209

المطلقَ في عينٍ من الأعيان، لم يقتض عيناً معيّنة، ثم لو قال: اذبح أو اعتق، كان له أن يذبَح ذبيحةً، فإن كان في ملكه شاة فتلفت غيَّرها، فإنّما مقامها كذلك في الزمانِ، وليس كذلكَ إذا عيّن وقتَ الفعل، فإنه مخصّص، فصار بمثابة ما لو قال: اعتق هذه الرقبة، واذبح هذه البقرة، فماتت سقط الذبحُ والعتقُ. وكذلكَ في النذرِ للعتقِ والأضحيةِ لا يسقط عن ذمته بموتِ الرقابِ والأنعام التي في ملكه، وتسقطُ بموتِ ما عينه من الرقابِ بالعتقِ، ومن الأنعام بالذبح. ووجه من قال: يسقطُ بمضي الوقتِ الأول: أن الأمرَ تناولَ الوقتَ الأوَّلَ بالدليلِ الذي أوجبه كونُ الأمرِ على الفورِ، فصارَ بدلالةِ الفورِ كلفظةِ التعيينِ، فكانَ فواتُ الوقتِ الأوّلِ كفواتِ الوقتِ المعيّن. وأجاب عن هذا مَنْ نصر الأول، وهو مذهب الرازي: بأنَّ الأمرَ وإن كان على الفور، فإنَه ليس لو صرّحَ فقال: صلِّ وعجل، لم يقتضِ ذلكَ أنَ التأخيرَ يسقطُ ولا يخرجُ الوقتَ عن كونه وقتاً للفعل، وإنما التعجيلَ صفة تعودُ إلى الوقتِ من غير تعيين، بدليل أنه إذا قال: "لله عليَّ أنْ أصومَ شهراً معجلاً، لم يسقُطْ بتأخيرٍ لعذرٍ ولا لغيرِ عذرٍ، بل يأثم لكنه يصومُ شهراً بعدَ الشهرِ الذي أخلَّ بصيامه، وبمثله لو قال: لله على أنْ أصومَ هذا اليوم، أو أذبحَ هذه الشاةَ، ففات اليوم، وماتت الشاةُ، لسقطَ الوجوب.

стр. 1210

وكذلكَ كُلُّ حقٍ كان حالاّ أو مؤجلاً لم يسقط بالتأخيرِ عن التعجيلِ وعن حلولِ الأجلِ، وكُل حق تَخَصَّصَ بعينٍ، كالجنايةِ المتعلقةِ برقبةِ العبدِ الجاني، والشهر المعين بالإجارة إذا فاتَ لم ينتقل إلى غيرهِ. واعترض على هذا معترض فقال: إنَّ من قال بالفورِ فقد عيّنَ التعجيلَ بدليلِ التعيين، فإذا اقتضي الوقتُ الأوّل من الأصلح والتخصص بالتعبد بحيثُ يأثمُ في التأخيرِ عنه، فلا وجهَ لبقاءِ الأمرِ بعد فواتِه، ولا كون الأوقاتِ الباقيةِ مثلَه في امتثالِ الأوامِر باداءِ الفعل فيها، والله أعلم. فصلٌ الأمر يقتضي كونَ المأمورِ به مُجْزياً وهو قول جماعةِ الفقهاءِ (١)، وأكثرِ المتكلَمين من الأشعريةِ وغيرِهم (٢)، خلافاً لبعض المعتزلة (٣) أنَه لا يُعلم ذلكَ بمطلق الأمر، بل لا يُعلم إلا بدلالةٍ تدلُ على كونه مُجزياً.

стр. 1211

فصل يجمع الدلائلَ على كونهِ مجزياً . إنَّ الأمرَ المطلقَ اقتضى إيجابَ الفعلِ بالأمرِ، وإذا ثبتَ أنَه إنَما لزمَه الفعلُ المأمورُ به بالأمرِ، وأنه لم يشغل ذمّته بعْد فراغِها سوى الأمرِ بالمأمور به خاصّة، فإذا أتى بالمأمور به على حسب ما تناوله الأمرُ، عادت الذمّةُ فارغةً على حكمِ الأصلِ، وعادَ كما كانَ قبل الأمرِ، ولم يبقَ عليه شيء من قِبلِ الأمرِ، وهذا معنى الإِجزاء. ومن ذلكَ: أنَّه لو نهاه عن فعل شيءٍ فتركه ولم يتعرض له، خرجَ بذلك من عهدةِ النهي، سيما إذا كانَ في وقتٍ معين. ومن ذلك: أنَّ الإجزاءَ ليس بأكثرَ من الخروجِ عن عُهدةِ الأمرِ، وليس الخروجُ من عهدةِ الأمر إلا الائتمارَ بمقتضى الأمرِ، ولو لم يقتضِ الِإجزاءَ لكانَ أفضى إلى قولٍ فاسدٍ، ومعتقدٍ باطل؛ وهو أنْ يقتضي بزياد؛ على ما اقتضاه الأمرُ، فيقعَ الاقتضاءُ بما ليس فيه، والاقتضاءُ بما ليس فيه اقتضاءٌ بما لم ترجع عليه دلالة، وذلكَ لا يعلمهُ المكلَّفُ، وتكليفُ ما يجهله المكلفُ تكليفُ ما لا يطيقه، وذلك ينفى عن الله نطقاً، قال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]. ومن ذلك: أنَ عدمَ الإجزاء هو العَنَتُ الذى نفاه الله عن نفسه، فقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]،وهذا يعطي أنَّ العَنَتَ محزيز عليه، وأنَه ما أعنتَ، ومن أثبتَ الائتمارَ لأمرِه ومتابعتَه غير مجزىءٍ، فقد أضافَ إليه

стр. 1212

الإِعناتَ. فصل في جمع ما تعلَق به من مَنَعَ اقتضاءَ الإجزاءِ قالوا: إنَّ الأمرَ ليس في صيغته أكثرُ من استدعاءِ المأمور به من الفعلِ وإرادة له، فأمَّا الِإجزاء وسقوطُ الفرض، فلا يدلُّ عليه اللفظُ، فافتقر إلى دليل. قالوا: إن كثيراً من العباداتِ قد ثبتَ جوازُ الأمرِ بما لا يُعتدُّ به، ولا يحتسبُ للمكلفِ به، بل يوجبُ عليه فعله ثم إعادته، وإذا عُلم ذلكَ من الشرع، لم يجُز أنْ يحصلَ لنا العلمُ، ولا غلبةُ الظن بأنَّ الفعلَ مجزىء إَلا بدلالة. قالوا: وبيانُ ذلك: أنه سبحانَه أمرَ بالمُضيِّ في الحجِّ بعد إفسادِه بالوطء، وبالإِمساكِ في اليوم الذي أفطرَ فيه يظنُّه من شعبان ثمَّ بان من شهرِ رمضان، وبالصلاَةِ بغيرِ وضوء ولا تيمّم عند عدم الماءِ والتراب، وما ذلكَ إلا لحكم الأمرِ، ويلزمُ القضاءُ في جميعَ ذلكَ لعدمِ الاعتدادِ له بالامتثالِ الأَول، فلذلكَ احتجنا إلى دلالةٍ هي غيرُ الأمرِ لحصولَ الإجزاء. فصل الأجوبة عما تعلقوا به أمَّا قولهم: ليسَ في اللفظِ ذكرُ الإِجزاء، فلعمري لكنّ فيه أنه اقتضاءٌ بما إذا فعله عادَ بفعلهِ إلى الأصل، ويكفي أن لا يكون فيه

стр. 1213

الا استدعاءُ الفعلِ، وقد وُجد، وذِكرُ الإجزاءِ لا يُحتاجُ إليه مع كونِ الأصلِ براءةَ ذمّتهِ وخلوَّ ساحته، وما اشتغلت إلا بالمأمور به، وقد فعله، وإذا لم يكن فيه وجوبُ غيرِ الفعلِ كفى، ولم يحتج أن يكونَ فيه ذكرُ الإِجزاء. وأما العباداتُ المقضية، فإنَّ المُضى في الحج الفاسدِ والصومِ والصلاةِ حصل امتثالُ الأمرِ به بفعلهِ واتمامِه والمضيّ فيه، ولم يجب القضاءُ بذلكَ الأمرِ، وإنّما وجبَ بأمرٍ ثانٍ، ونحنُ لا نمنعُ أن يوجبَ الشرعُ عبادةً مبتدأة بدلالةٍ، ولا إعادةَ عبادةٍ بدلالةٍ، وانما كلامُنا في أمرٍ مطلقٍ لم يتعقبه أمر ثانٍ بإعادةٍ ولا قضاءٍ. على أن تلك فرّط فيها، ولم يأتِ بها على الوجه المأمور به، فكانَ إيجابُ القضاء لتلافي المأمورِ به والِإتيانِ به على ما كان وأخذ بالمضيّ فيما أفسده احتراماً للزمان، وجعلَ كالعقوبةِ على من أفسدَ، وبعضُ العلماءِ جعل الشروعَ موجباً، والإفسادُ منعَ الإجزاءَ، والشروعُ أوجب المضيَّ، كالنفلِ إذا شَرَعَ فيه عند أبي حنيفة، وعلى ما روي عن صاحبنِا في رواية، وبقيَ وجوبُ الإعادِة بمقتضى الأمر الأول. فصل اختلف الناسُ في المريضِ والحائضِ والمسافرِ، هل يلزمُهم الصومُ أو يجبُ ذلكَ حالَ زوالِ أعذارهم غيرَ مستندٍ إلى إيجابِ حال قيامَ أعذارهم؟. فذهب أصحابُنا وأصحابُ الشافعي إلى أن الوجوب يتعلّق بهم حال قيام أعذارهم، ويجب القضاء عند زوال الأعذار، مستنداً إلى

стр. 1214

الوجوب (١). وفرق صاحبنا (٢) بين الجنون والإِغماء، فجعلَ المجنونَ والطفلَ غيرَ مخاطبينَ، وجعلَ المغمى عليه مخاطباً حال الإِغماءِ بالأيجابِ. وقال أصحابُ أبي حنيفة: لا يجبُ على الحائضِ والمريضِ، ويجبُ على المسافرِ (٣). وقالت الأشاعرةُ: لا يجبُ على الحائضِ والمريضِ والمغمى، ولا يخاطبون حالَ قيامِ العذرِ، وإنما يخاطبون بالقضاءِ إِذا زالت أعذارهم، وأما المسافرون فإنهم مخاطبون بالصوم في أحدِ الشهرين، إمّا شهرُ الأداءِ، أو شهرُ القضاء، وأيهما صاموا سقطَ الفرض، وكان التخييرُ واقعاً بين الشهرين، كالتخييرِ بين أعيانِ التكفيرِ في كفاراتِ التخيير (٤).

стр. 1215

فصل في ذكرِ ما تعلَق به من قال بالِإيجاب مع قيام الأعذار من ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وتقديره بإجماعنا: فافطر، ولو لم يكن الوجوبُ حاصلاً لما كان الِإفطارُ موجباً أو شرطاً، لأنَّ الِإفطارَ في زمانٍ لم يتعلق عليه الإِيجابُ، لا يعتبر لإِيجاب الصومِ في زمان خوطب بالصوم فيه ابتداءً. ألا ترى أنَّ الجنونَ لَما كان يمنعُ الخطابَ لم يُعلَق علَى ما تفوت به الأفعالُ والعباداتُ الِإيجاب في مستقبل الحال. ثم قوله: ﴿فَعِدًةٌ﴾ تقديره: فليَصُمْ بعدةِ الأيام التي أفطر، وموازنةُ عدّة أيام الصيام بعدةِ أيام الإِفطار دلالةٌ أيضاً منَ الآية ومفهومها على أنَه يستندَ إلى الخَطاب في تلك الأيامِ. وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، دلالة على أن اليُسر هو تأخيرُ الأداءِ لأجلِ المرض، ولو كان ابتداءً إيجابٌ، لما ظهرَ اليسرُ في ابتداءِ الإِيجابِ، لأنه نوعُ تكلّفٍ مبتدأ. ومن ذلك: أنَه لو كانَ الوجوبُ لا يتعلَّقُ بأوقات الأعذارِ، لما وَجَبَ عليه الصومُ إلا إذا عادَ وقتُ مثلهِ من الصيام، كالصَّلاةِ لما لم تخاطب بها الحائضُ، لم تجبْ إلا بعودِ مثلِ وقتهِا. ومن ذلك: أنَّ ما يأتي به يسمى قضاءً، وهذا يَدُلّ على أنه بَدَلٌ عن الفعلِ في الوقتِ الأول، ويتقدرُ بمقداره ركعات في الصلاة، وأياماً في الصيام، وينوي قضاءً عن صوم رمضان والصلاة المعينةِ التي فاتت باسمِها الخاصّ، وهذا كُله دلالَة على بدلٍ عمّا فاتَ من

стр. 1216

العباداتِ، إذ لو لم يكن عوضاً عن تلكَ ولا بدلاً عنها لما تقدَرت بها كالإِيجاباتِ المبتدأة. فصل فيما تعلًقَ به الآخرون قالوا: لو كان واجباً ما جازَ تركُه كالصَّوم فِي حقِّ غيرِ المعذورِ، ولما ثبتَ جوازُ تركهِ دلَّ على أنَّه غيرُ واجب، كصومِ النفل. قالوا: الحائضُ لا يصح منها فعلُ الصومِ، ولا التوصُّلُ إلى فعلهِ، فلم يجزْ أن تكونَ من أهل الوجوب. فصل في جواب ما ذكروه ، ما قدمناه في إيجاب الصلاة في أوَّل الوقت. وأما الثاني: فجوابُه أن المحدِثَ لا يمكنه فعْلُ الصلاةِ قبلَ الطهارةِ، ثم هو من أهلِ وجوبها، فبطل ما قالوه. فصل في الأمرِ إذا وردَ بأشياءَ على سبيلِ التخييرِ، مثلِ العتقِ والإطعامِ والكسوةِ في كفارة اليمين، أو الهدي، وإطعام المساكينِ، والصيام في الجزاءِ، فالواجبُ واحد منها لا بعينه، يتعينُ بفعلِ المكلف. وبهذا قال الفقهاء والأشعرية (١)، خلافاً للمعتزلة في قولهم:

стр. 1217

الثلاثة كلّها واجبة (١) فصل في جمعِ أدلتنا فمن ذلك: أنَ التخييرَ على ضربين: أحدهما: من طريق التخصيص. والثاني من طريق التعميم. وقد ثبت بإجماعِنا أنَه لو قال لمن في ملكه عبيد: أعتِق واحداً من عبيدِك، أو اقتل واحداً من المشركين. اقتضى ذلكَ إِيجابَ عتق واحدٍ من العبيد، وقتلَ واحدٍ من المشركين لا بعينه، والتخييرُ حاصلٌ في التنكير، كذلك إذا وردَ التخييرُ من طريقِ التخصيص. يوضحُ هذا أن التوضيح لقوله: أعتق واحداً من عبيدك، واقتل واحداً من المشركين، والمعنى: إِما هذا، وإما هذا، وإما هذا، وهذا هو بعينه قوله: فتحرير، أو إِطعام ... أو كسوة، ولا فرقَ بإجماع العقلاء في ذلك، فإذا كان الواجبُ في التخييرِ بالعموم واحداً لا بعينه، كذلكَ في الخصوصِ، وكُلُّ ما يتعلّق به المخالفُ في هذه المسألةِ من وجوبِ التساوي في الأصلحِ، موجود في الأعيانِ الداخلةِ في عمومِ اللفظ، وتعليقِ الأمرِ بواحدٍ منها. ومن ذلك: أن التخييرَ قد يحصلُ بين الأشياءِ المختلفةِ في أعيانِها

стр. 1218

ومنافعِها، ولم يجب أن يعم التخييرُ النوعَ الواحدَ من الأعيانِ، ولا المقصودَ الواحد، فكذلك إيجابُ تَساويها في الحكُمِ لا وجه له مع جوازِ اختلافها في الجنسِ والنوعِ والمقصد. وكذلك يجوزُ التخييرُ بين الضدّين، والبعض والكُلّ، كالإمساكِ والإِقدام، والكلام والسكوتِ، والصيام والإفطارِ، والإتمام والقصرِ، والغسلَ والمسح، فما المانع من التخَييرِ بينَ أشياءَ الواجَبُ واحدٌ منها، وليسَ كلها واجباً؟ ومن ذلك. أن خصائصَ الوجوب لا تعم، فإنَّه لو فعلَ الثلاثةَ فأعتقَ وكسا وأطعم، سقطَ الواجبُ بواحَدٍ منها لا بالجميع، ولو تركَ الكُلَّ أثِم بواحدٍ منها لا بترك الجميع، واذا تأخّر عن الفعلِ خوطبَ بفعلٍ واحدٍ لا بالجميع، واذا لم تعمّ خصائصُ الوجوبِ، فلا وجهَ للقولِ بعموم الوجوب، كما أنَّ الواحدَ الذي عُديتْ فيه خصائصُ الوجوب، فلاَ يسقط بفَعلهِ الوجوبُ، ولا يأثم بتركهِ، ولا يُستدعى منه عند تأخيرهِ عنه، لا يكون واجباً، كذلكَ الثلاثةُ العاريةُ عن خصائِص الوجوبِ لا تشتركُ في الوجوب. ومن ذلك: أن الوجوبَ ينفي التخيير، فلا يصحُّ أن يقول: أوجبتُ عليك صلاتين، وأيهما شئت فصلِّ، كما لا يقول: أوجبتُ عليك صلاةً وإن شئت فلا تصلّها، فلما حَسُن هاهُنا أن يقول: بأي الأنواع شئت فكفر، عُلم أنه ليسَ الواجبُ إلا واحداً. ومن ذلك: أنَ العربَ لا تعقلُ من قولِ القائل لعبده: أعطِ زيداً درهماً أو ديناراً، وقوله لوكيله: تصدَّق بدرهمٍ أو دينار. أنه أوجبَ

стр. 1219

عليهما الاعطاءَ لزيدٍ وعمروٍ، ولا إيجابَ التصدقِ بالدرهم والدينار. ولا في الخبر أيضاً إذا قال: رأيت زيداً أو عمراً، ولقيتُ خالداً أو بكراً، يعطي تساويهما في وجوبِ اللقاءِ أو وجودهِ. فصل في جمع الأسئلةِ على أدلتنا قالوا: إذا قال: أعتقْ عبداً، فلا تخييرَ ولا ذكر جُمل تقتضي المساواةَ، بل لفظ تنكير، وهاهنا ذكر جملًا لو رتبها، لاقتضى ترتيبُها التساوي في الوجوب، إذ لا يقامُ مقامَ الواجب إلا واجب، ولهذا أجمعنا على أنه لا يجوزُ التخييرُ بين مندوب وواجَب ومباح، بل بينَ مباحٍ كُله، أو واجبٍ كُلّه، أو ندبٍ كُلّه، وما ذاك إلا لأنَّ التخيير يقتضي التساوي بين المخيَّرات. قالوا: ولأنَّ الضامنَ والمضمونَ عنه يتخيرُ المضمونُ له بينهما في المطالبة، والاستيفاءِ، والوجوبُ يعمهما. فبطل قولك: إنَ التخييرَ بين اثنين ينفي تعميمهما بالإِيجاب، وانما لم يأثم الكُلّ بالترك، لأن الوجوبَ ليس من طريقِ الجمعَ، لكن على طريق البدل، وإنما كان يجبُ الإثمُ عن تركِ الكُل أنْ لو كانت الثلالةُ واجبةً على وجهِ الجمع. فصل في جمعِ الأجوبةِ عن الأسئلةُ أمَّا قولُهم: لا تخييرَ في التكثيرِ، فليسَ كذاك، بل يقتضي التخييرَ، ويظهرُ ذلك بحُسن تفسيره بالتخيير، فيقول: أعتق عبداً، أي

стр. 1220

عبيدك شئت، ولو لم يكن في اللفظ تخيير لما حَسُن هذا التفسير، ألا ترى أنَّه إذا قال: أعتق سالماً وغانماً، أيهما شئت لم يحسن، ولو قال: أعتق سالما أو غانماً أيهما شئت حسُن ذلك لما فيه من التخيير، والضامن والمضمون عمّتهما خصيصة الوجوب، وذلك أن أحدَهما التزمَ ثمناً بعقد بيعٍ، أو أجرةً بعقد إجارةٍ، والآخَرَ التزم بعقدِ ضمان، فإذا امتنعا جميعاً من أداءِ الدين أثما مأثم المخل بالواجب عليه، بخلاف مسألتنا، فإنه إذا أخل بالثلاثة لم يأثم إلا بواحدٍ، فبان بأخذ الخصيصة مأخذ الواجب. وقولهم: إنما لم يأثم بالكُل، لأنه لم يجب الجمعُ، فإنما هو واجبٌ على سبيل البَدَل، فباطل بفروض الكفايات فإنه وجب على سبيل البدل، فأي سابق سبق إلى فعله سقط الفرض عن الباقين، كما أن هاهنا إلى أي الثلاثةِ سبقَ أجزأه ومع ذلكَ إذا تركَ الكل أثم. على أنَّ قولَك: ليس بواجبٍ على الاجتماعِ بل على سبيلِ البدل. فهذا هو النّافي لإجراءِ اسمِ واجب على كُل واحدٍ، وهل معنى واجب إلا الاقتضاءُ به على وجهٍ لا يخرجُ عن عهدتهِ الأمرُ إلا بفعلِه؟ فإن قيل: ففروضُ الكفاياتِ حجة عليكم من حيث إنه من فعله من الناس كان مسقطاً لواجب، ثم إذا فعله واحدٌ بقي الباقون غيرَ واجبٍ عليهم، كذلكَ جاز أن تكون الثلاثة هاهنا واجبةٌ قبل الفعل، فإذا فعل واحداً، خرج الباقي عن الوجوب، ولا شيءَ من الأصول يشبه مسألتنا على الوجه الذي ذهبنا إليه، إلا فروضَ الكفايات، فإنها تجبُ على سبيل البدل، أيّ طائفة نهضت بالفعل، سقطَ ذلكَ عن الباقين ونابَ عنهم، وهي فرض على الكُلِّ، والكل موصوفون بالخطابِ بها.

стр. 1221

قيلَ: ليسَ فروضُ الكفاياتِ من مسألتنا بشيءٍ، لأنَّه يحسُن أن يقال: يا أهلَ القريةِ؛ صلّوا على موتاكم، ومُروا بالمعروفِ، وانهَوا عن المنكرِ. ولا يقالُ هاهنا: لتخرجْ في الكفارةِ العتقَ والاطعامَ والكسوةَ، إذا تركَ أهلُ القرية ذلكَ أثموا كلُهم، وهنا الإِجماعُ منعقد على أنه لا يأثمُ إلا بواحدٍ. فإن قيل: كلامُكم يعطي أنكم لا تعقلونَ الوجوبَ مع التخييرِ، وليسَ الأمرُ كذلك، فإنكم قد قلتم: إن الصلاةَ تجبُ بأولِ الوقتِ وجوياً موسّعاً، فلما قيل لكم: ما معنى الوجوب، فالمكلفُ مخير بينَ فعلِ الصلاةِ في الوقتِ الأوّلِ، وبين تركهَا لا إلى بدل؟ قلتم: الوجوبُ الموسعُ معقول، وهو قضاءُ رمضانَ، يتّسعُ وقتُ قضائهِ من رمضانَ إلى مثلِه، فيكونُ ما بين رمضانين وقتاً لفعلِ القضاءِ، وكذلك الدينُ المؤجلُ واجبٌ، وهو مخير بين تعجيلهِ فيقعُ عن الواجب، ويين تأخيره، ولم يخرجه التأخير بين زمانٍ وزمانٍ، عن كونهِ واجباً فيَ الزمان الأول، كذلك لا يخرجُ تخيير هذا المكلفِ بين عينٍ وعينٍ، وفعلٍ وفعلٍ، عن كون الأعيَانِ والأفعالِ واجبةً، وليس التخيير هاهنا بأكثرَ من توسعة ورخصة (١) بين أعيان، كما أنها توسعة ورخصةٌ في الصلاةِ، وقضاءِ صوم رمضان، والديونِ المؤجّلة بين أزمان، وهو مثلُ مسألتنا سواء، فإنه إذا أخل بالفعلِ في جميعِ الأوقات التي خُير فيها، لم يأثم إلا بالتركِ في وقتٍ يتّسع لفعلها، ولا يكونُ آثماً إثمَ من أخلَّ بفعلٍ واجبٍ يملأ تلكَ الأوقاتِ كلَّها.

стр. 1222

قيل: إنا لم ننفِ الوجوبَ لأجلِ التخيير، لكنْ نفيناه لأجلِ انتفاءِ خصائصَ الوجوب. من ذلك: أنَها لو كانت كلُّها واجبةً، لوجب إذا فعلَ واحداً أن يبقى وجوب ما لم يفعلْه منها كسائرِ الواجبات، ألا ترى أن الصلواتِ الخمسَ، وصومَ أيامِ رمضانَ لما كانت واجبةً كلُّها، إذا فعل واحداً منها بقيَ الباقي منها على وجوبهِ. وأمَّا أوقاتُ الصلواتِ، فإن الأول تَعين الوجوبُ به، وأُبيحَ له التأخيرُ، كما أبيح الامتدادُ والإِطالةُ إلى آخرِ الوقتِ، وانما لم يحصل المأثمُ بالتأخيرِ لأنه أتى ببدلٍ عن التقديمِ، وهو العزم على الفعلِ في الثاني، فنابَ منابَ التقديم. واحتجَّ بعضُهم في النظرِ بأنَّ الثلاثةَ لو لم تكن واجبةً، لما سقطَ بجميعها الفرضُ إذا فعلَها ثلاثة، فأعتق واحداً، وأطعم واحداً، وكسا واحداً، فلما سقطت فروضُ الثلاثةِ بالثلاثةِ، عُلِمَ أن جميعها واجبةٌ، إذ لو كانَ فيها واحدٌ ليسَ بواجبٍ لكانَ في الثلاثةِ واحدٌ لم يسقط الفرض والواجب (١). فصلٌ في جمعَ شبههِم قالوا: إنَ الله سبحانَه سوَّى بينها في الأمرِ، فكُلُّ واحدٍ من الثلاثة

стр. 1223

مأمور به في الإجزاء، فكلُّ واحدٍ يحصلُ به الإجزاءُ وبراءةُ الذَمةِ وحصولُ التكفيرِ به، وفي الأصلحِ والمشيئةِ فكُلُّ واحدٍ منها صالحٌ ومرادٌ، فوجبَ تساويها في الإيجابِ، إذ لا مزيّةَ لواحدٍ منها على الآخر. كما لو تناولَها الأمرُ مطلقاً من غيرِ تخيير. ومن ذلك قولُهم: لو كانَ الواجبُ واحداً، لنصبَ الله عليه دليلاً، وجعل لنا إليه سبيلاً، ولم يبهمه عنا إبهاماً، مع كونِنا لا نعرفُ الأصلحَ لنا، ولا ما فيه فسادُنا، ألا ترى أن سائرَ الواجباتِ وقتها بمواقيتَ وقدَرها بمقادير، وعينها بما امتازت به عن غيرها، ولم يتركْ للمكلفِ، ولا جعلَ إليه إلا مجرَّد الفعل لذلك المعين الموقّتِ المقدّرِ، فلما لم يعين هاهنا، بل ذكرَ الجملَ الثلاثَ، عُلِمَ أن جميعَها واجبةٌ، فأيها فعلَ كانَ مصادفاً للواجبِ الأصلحِ المأمونِ معه الفسادُ. ومن ذلك قولُهم: لو كانَ الواجبُ واحداً، لكانَ إذا كفر ثلاثةٌ من المكلَّفين بالثلاثةِ، فكفَّر كُل واحد من الثلاثة، بواحدٍ عن الذي كفر به الآخر، أنْ يكونَ المكفَرُ بالواجب واحداً منهم لا بعينه، فلما وقع تكفير كُلّ واحدٍ موقع الوجوب، دل على أنَ الوجوبَ عمَّ الجميعَ، ألا ترى أنَّ القِبلةَ لما كانت واحدةً، والصلاةَ المنسيَّةَ الواحدةَ لما كانت واحدةٌ، لا جرمَ إذا صلَّى ثلاثةٌ إلى ثلاثِ جهاتٍ، أنَّ واحداً منهم صلى إلى القِبلة، واذا صلَّى ثلاثَ صلواتٍ، إذا كانَ بينهنَّ أنها صلاةُ نهارٍ لأجلَ المنسية، أو خمس صلواتٍ إذا لم يدرِ صلاةَ نهارٍ أم ليلٍ، فإنَ الواجبَ منها واحدةٌ، ولا نقولُ الجميع وقعتْ واجبةً. ومن ذلكَ قولُهم: إن الوجوبَ قد يعم عدداً من المتعبّدين، ثم يسقطُ بفعلِ الواحدِ منهم، كذلكَ جازَ أن يعم عدداً من العباداتِ،

стр. 1224

ويسقطُ بفعلِ واحدٍ منها أيّها فعل. ومن ذلك قولهم: إنَه لو كانَ الواجبُ من المخيرّات واحداً لا بعينه، وأنه إنما تعين بفعلِ المكلفِ ونيتهِ، مع كونِ الله سبحانَه عالماً بما يختاره المكلفُ من الثلاثة وينويه، لكانَ ذلكَ معلوماً لله سبحانه، وهو الواجبُ عندَه، والمرادُ به له سبحانه، وأن يعلم أن غيره ليسَ بواجب، فيكونُ تخييره بين ما علم وجوبه، وبين ما علم أنه ليس بواجب، وما ليس بواجب، فهو النفلُ المتطوعُ به، وفي هذا خروج من إجماع الأمّة، فإن القائلينَ بأنَّ الواجبَ واحدٌ من الثلاثةِ لا يقولون: إنّ الواجبَ واحدٌ معين عندَ الله معلوم، وأنَّ غيرَه ليسَ بواجب. فصل يجمعُ الأجوبة عن شبههم أمَّا تعلًقهم بتسويةِ الثلاثةِ في الأمرِ والإجزاء، فغيرُ موجب للكُلِّ، ولاللتسويةِ بينها في الوجوب، كما لم يوجب التسويةَ بينها في العقاب والمأثمِ عند الترك، ولا أوَجبَ التسويةَ بينها في إسقاطِ ما في الذّمةَ إذا جمع بين الكُلِّ في الفعل، ولأنَّ التخييرَ بلفظِ العموم، يتساوى فيه سائرُ الأعيانِ، فإنَّه لا يقول: أعتقْ عبداً من عبيدِك، واقتَل مشركاً من المشركين. إلا وكل عبدٍ يساوي غيرَه من العبيدِ، وكذلكَ المشركُ المنكرُ، ثم مع ذلك لم يقتضِ ذلك مساواتَهم في الإيجابِ، والمعنى في الأصل وهو المطلقُ، فذاكَ جمعٌ، وهذا تخييرٌ، وفرق بينهما، كما لو قال: اعتقْ عبيدَك، واقتل المشركين. اقتضى إيجابَ الجميعِ، ولو قال: اقتلْ مشركاً، وأعتقْ عبداً، لم يقتضِ إلا إيجابَ

стр. 1225

قتلِ واحدٍ من العبيد، وقتل واحدٍ من المشركين. وأما الجوابُ عن قولهم: لو كانَ الواجبُ واحداً، لنصب الله عليه دليلاً. فلا وجه للمطالبةِ بالدليلِ عليه، مع كونهِ قد جعلَ الاختيارَ من المكلَّفِ هو المعين له بالوجوب، كما إذا جعلَ التخييرَ إليه بلفظِ العموم، فإنَّه لما نكّر العبدَ فىَ العِتقِ، والمشركَ في القتلِ، صارَ العبدُ الذَي يبادره بالعتقِ، والمشركُ الذي يبادره بالقتل، هو الواجبَ عتقه وقتله، كذلك التخييرُ بلفظِ الخصوص. ولأنَّ هذا باطل بالعقاب على تركه، فإنَّه لم يقم على المتروكِ المستحق به العقاب دليلًا، وَلا جعلَ إليه سبيلًا، ومع هذا فهو واحد، وباقي الثلاثة ليست كذلك، وكونُ المكلَّفِ المختارِ لا يعرفُ الأصلحَ له فيسلكُه ويقصده، ولا المفسدَ فيجتنبه، ولا يجوز أن يرد الاختيارَ إليه، لا يمنعُ أن يكونَ الباري لا يخير إلا إذا علم أنه لا يختار إلا الأصلحَ دونَ المفسد، ولو فصح الباري وصرَّح بذلكَ بأنْ يقول: أيها المكلف كفَر بأيِّ الثلاثة شئت، فمهما اخترتَ التكفيرَ به، فهو المختارُ لنا والمصلحةُ لك. وقد قلنا مثلَ ذلك في جواز ردِّ الاختيارِ والتكليفِ إلى النبي ﷺ والتشريع، فيقول الباري له: احكم بما شئتَ وما ترى، من غير قياسٍ ولا استنباطٍ، بل ما تراه فهو الحكم عندنا. ولأنَ طلبَ الأصلح، وخوفَ مواقعةِ الأفسدِ، إنّما يكون فيما هو معيّن، فأمَّا إذا كان المأمورُ به غيرَ معيَّن، فإنه لا يجبُ البيان، لأنَّ الجميع متساوٍ. وأما قولهم: إذا كفر ثلاثة، كلُّ واحدٍ منهم بغيرِ الذي كفر به

стр. 1226

الآخرُ، فاستوعبوا الثلاثةَ أعيان، كانَ الجميعُ واجباً من حيث إنه سقطَ بها الوجوبُ عن ثلاثةٍ، كل واحد منهم قد وجب عليه نوع، فلماسقطَ بالثلاثةِ ثلاثُ كفاراتٍ واجباتٍ. دل على [أنَّ]، الثلاث واجبات، حيثُ سقطَ بها ثلاثة واجباتٍ، فلا يلزمُ، لأن كونَ الثلاثة في حق ثلاثةٍ من المكلفين لا يعتبرُ به الثلاثةُ في حق الواحدِ، فإنه لو أمرَ بلفظِ التنكير فقال: أعتق عبداً، كأعتقَ كُلُّ مُكَفر عبداً، كانَ جميعُ ما أعتقه المكفرون من العبيدِا واجباً، وَبمثله لو أعتقَ واحدٌ جميعَ أولئك العبيد، لم يكن الجميعُ واجباً، بل كانَ الواجبُ منهم واحداً. وأمَّا تعلّقهم بفروض الكفايات، فهو الحجّةُ لنا، لأنه لما كان الفرضُ على الجميع، أثَمَ بتركه الجميعُ، فلو كانَ هاهنا الواجبُ الجميع، لأثم بتركهِ الجميعُ. على أن فروضَ الكفاياتِ لو لم تجب على الكافة لاتكلَ بعضُهم على بعض، فلم يُفعل شيءٌ منها، وهاهنا إذا وجب واحدٌ لا يفضي تركُ اثنين إلى ترك الجميع، لأنه إذا نابَ واحدٌ عن آخر في حقِّ المكفِّر الواحِد، لم يخلدْ إلى تركِ الكل، بل غايةُ ما يخلدُ إلى تركِ الواحد والاثنين، وفي فعلِ الأخركفاية. وأما قولُهم: إنَّ هذا يُفضي إلى أن يكونَ ما يختارُه المكلفُ من الأعيانِ الثلاثةِ هو الواجبَ عندَ الله، وما لم يختره ليس بواجب، وغيرُ الواجب هو النفل، وأحدٌ لا يقولُ إنَ الله خيَّر في هذهِ الأعيانِ الثلاثة بين واجَبٍ ونفل، فهو قولٌ مخالفٌ الإِجماعَ، فلم يبقَ إلا القولُ بأنَ الثلاثة واجبةٌ. فهذا لا يصحُّ من وجوه:

стр. 1227

أحدها: أنا وإن قلنا بان الواجبَ تعين بالنيةِ، والفعلِ، إلا أنَه قبل الفعل والنيةِ غيرُ متعين، وليسَ إذا كانَ الله سبحانه عالماً بعين ما يفعلُه المكلفُ ويختاره ويعتقده وينويه، كان ذلكَ موجباً لتعيينه بالوجوبِ، كما أنه يعلمِ مَن الناهضُ من الأمة بفعلِ فروضِ الكفاية، ولا يوجب علمةُ سبحانه بذلك أن التعيين حاصل في حق من علمَ أنه ينهضُ بذلكَ، بل الفروضُ على مَآبها، فلا يتعين سقوطُ الفرضِ على الجميع إلا بفعل الناهض بذلك الفرضِ ونيتهِ واعتقادِه، وكذلكَ من قال له الشرع: أعتقْ عبداً، أو اقتل مشركاً. فإن الله سبحانَه عالم بمن يُصرف إليه العتق من العبيدِ، وُيقتلُ من المشركين، ومع ذلكَ لا يُجعل قبلَ الفعلِ متعيناً. على أنه لو كانَ علمُ الله سبحانه بعين ما يفعلهُ المكلفُ ويختارهُ يجعلُه واجباً بعينه، لم يُستنكر أنْ يكون غيرُه نائباً منابَه، وسادّاً مسدّه، كما زعمَ بعضُ فقهاءِ أصحابِ أبي حنيفة أنَّ الصلاةَ في أول الوقتِ نفل، تمنعُ بقاءَ الفرض، وتنوب منابه في الوقت الأخير عند تحقق الفرض. والمسبوكُ من هذه المسألة أن كُل شيء كان من هذا القبيل من التخيير بين آحاد عدد: كالشورى في الستةِ في باب الخلافة (١)،

стр. 1228

والأنواع الثلاثة في الكفارة، والأوقاتِ في الصلوات: الأول والأوسطِ والآخرِ، وما بين رمضانين لقضاء ما فات من صوم رمضان، لايحسُنُ أن يقال في ذلك كلّه: إن الوجوبَ عم الجميعَ، ولا إن الواجب واحد بعينه، بل يقال: إن الكُل متساوي الآحاد في صلاحيته لأداءِ الواجب به إن كان فعلًا، أو فيه إن كان وقتاً للفعل وظرفاً، فالخطأ ممن عمَّهَا بالوجوبِ في اللفظِ، وهذا هو الحاصلُ لنَا. والله أعلم. فصل ويدخلُ في ذلكَ مالا يتحقق أداءُ الواجب إلا به، كفعلِ صلواتٍ خمسٍ في حقِّ من فاتته صلاة من خمسٍ لَا يعلمُ عينها، والإِمساكِ في جزء من الليل لتحقق صوم جميعِ بياضِ اليوم، وغسلِ جزءٍ من قُصاصِ شعرِ الرأس ليتحقّق على جميع الوجه. فصل وممّا يشبهُ ذلكَ ويقاربُه، اشتباهُ الحلالِ بالحرام مما لا يمكن تركُ الحرامِ إلا بتركِه، مثل أخيه ومرضعته بالأجانب، اشَتباهاً لا يمكنُ معه التمييز. فهذا إن كان في دربٍ أو محلّةٍ أو قريةٍ صغيرةٍ، صارَ نساؤها كلُّهن محرماتِ الاستمتاعِ والنكاحَ في حقّه، لأنَّ كلَّ واحدةٍ منهن يحتملُ أنْ

стр. 1229

تكونَ هي المحرمةَ. فيقال: الكُلّ محرماتُ: بمعنى لا يباحُ نكاحهنّ ولا المتعةُ بهن بملكِ يمين إن كن مملوكات، وكذلك المسلوخاتُ إحداهن ميتةٌ. فصلٌ ومن ذلك اشتباهُ الأواني، يُجعل الكُل محرماً استعمالُه وشربُه إذا لم يمكن التحري، أو أمكن لكنَّ [في]، أحدِها بولاً، أو كان لا تطلق عليها الِإباحةُ قبل التمييز، ويطلق على جملتها التحريمُ عند من لم يرَ التحرّي، ولا يطلق التحريم على جميعها عند من يرى التحري، ومن يرى التحري فيها يقول: إن فيها حراماً وفيها حلالًا يحصل تمييزه بالاجتهاد. فصلٌ إذا أمرَ الله سبحانَه بعبادةٍ، وعلقها على وقتٍ يتسع سعةً توفي على فعلها؛ كالصلاةِ تجبُ لدلوكِ الشمس إلى غَسَق الليل، كما قال اللهُ سبحانه (١)، فإنَّ الوجوب يتعلق بجميعِ الوقتِ وجوباً موسّعاً (٢). ومعنى قولنا: وجوباً موسّعاً، هو أنَّ الصلاةَ وجبت بأوَّلِ الوقتِ، وجعل أوله وأوسطَه وآخره وقتاً لأدائها، فلا يأثمُ المكلفُ بتركِها في

стр. 1230

وقتٍ إذا كان عازماً على فعلها، فيما بقي في الوقت متّسعاً لها، فمن أخلّ بالعزم كان آثماً بإهماله أمرَ الله سبحانَه حيث تركَ تلقيّه بتعبدٍ ما لا فعلاً ولا عزماً، وبه قال القاضي أبو بكر الأشعري (١)، وأصحاب الشافعي. وقال أكثر أصحاب أبي حنيفة: يتعلّقُ بآخرِ الوقتِ الذي لا يتَسعُ إلا لفعلِ العبادةِ. وقال أبو الحسن الكرخي: يتعلق بوقتٍ غير معين، ويتخير المكلّفُ بين فعلِها في أوَلهِ وأوسطِهِ وآخرهِ، ويتعيّن بالفعل. وقال بعضُهم؛ أعني أصحابَ أبي حنيفة: إنْ فعلهَا في الوقتِ الأول وقعت نفلاً، يمنعُ وجوبَ الفعل وتقع مراعاة إن بقىَ المكلفُ على تكليفه إلى آخره تبيّنا أنها وقعت واجبةً، و [إن] لم يبق إلى آخره كانت نفلاً. وقال بعض المتكلمين: إنَه مخيّر بين الأوقاتِ في إيقاعِ الفعل فيها، كما يتخيّر بينَ الأعيان في كفارةٍ للتخييرِ في التكفيرِ بها. فصلٌ مجموعُ أدلِتنا على تعلق الوجوب بالوقتِ الأوّلِ والأوسطِ والأخيرِ، وإفسادِ قولِ من خصصّ الوجوبَ بَالوقتِ الأخير، وإفسادِ قولِ من جعلَ الفعلَ في الوقتِ الأولِ نفلاً، ومذهبِ من جعله مراعىً بحالِ المكلف في آخرهِ. فالدليلُ لصحةِ مذهبنا وأن فعلَ العبادةِ في الوقتِ الأولِ والثاني
следующие страницы →