← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

كالمتَّصلِ، فإذا قال: اقتلوا المشركينَ، ولا تقتلوا أهلَ الكتابِ إذا دفعوا الجزية. وجبَ أن لا يعطل الخصوصُ، كذلك إذا فرَّق بينهما. ومنها: أنَّ مخالفنا قد جوَّز تخصيصَ العام بالقياسِ، وما ذلكَ إلا لأنَّ القياسَ يقتضي الحكمَ بخصوصِه، والقياسُ فرعٌ من الخبرِ يستنبطُ منه، فَلأنْ يجوزَ التخصيصُ بالخبرِ الخاصِّ أولى. ومنها: أنَّه دليلٌ عامٌّ قابلَه دليلٌ خاصٌّ، وليسَ في تخصيصِه إبطالٌ له، كخبرِ الواحدِ إذا وردَ مخالفاً لدليلِ العقلِ، فإنَّه يخصُّ بدليلِ العقلِ؛ لأنَّ الخاصَّ أقوى من العامِّ، كذلكَ ها هنا. فصل في شُبَههم فمنها: أنْ قالوا: ليسَ الخاصُّ فيما تناولَه بأولي ممَّا عارضَه من العامِّ، فوجَبَ التوقفُ فيه. فيقالُ: كلا، بل الخاصُ فيما تناوَله أولى من العامِّ؛ لأنَّ الخاص يقتضى الحكمَ بصريحِه على وجهٍ لا احتمالَ فيه، والعامّ يتناولُه بظاهرِه وعمومِه على وجهٍ يحتمل أن يكونَ المرادُ به غيرَ ظاهرِه، فوجبَ تقديمُ الأرجحِ منهما، وهذا دأبُ المستدلِّين في الأدلة، يقدِّمونَ الأظهرَ فالأظهر ولهذا قُدمَ دليلُ العقلِ على عمومِ خبرِ الواحدِ، ولأنَّ فيما قلناه استعمالَ الدليلين والعملَ بهما، وفيما قَاله الخصمُ إسقاطُ أحدِهما، فكانَ العملُ أولى من التعطيلِ (١). ومنها: أنْ قالوا: إذا كانَ العمومُ متقدماً والخصوصُ متأخِراً، فإنَّما قلنا: يكونُ ناسِخاً لبعضِه؛ لأن بيانَ العمومِ لا يجوزُ تأخيرُه عن حالِ وروده، فاذا وردَ متأخِراً

стр. 1577

عنه، لم يجُز أن يقعَ موقعَ البيانِ، فلم يبقَ إلا أن يكونَ ناسخاً له. فيقالُ: إنَّ العمومَ، وإن كانَ يفيدُ الحكمَ في جميعِ المسمَّيات، فقد بينا انَه إنَّما يفيدُ ذلكَ من طريقِ الظاهر ويحتملُ أن يكونَ المرادُ به غيرَ ما تناوَله الخاصُّ، والخاصُّ يتناولُ ما تناولَه بصريحِه من غير احتمال، فوجبَ القضاءُ به عليه، وتأخيرُ بيانِه يجوزُ, وفيه فائدةٌ كبيرةٌ بأنْ يعتقدَ المكلفُ ذلكَ ويعزمَ عليه فيقعُ له ثوابُ العزمِ إلى أن يأتيَ دليلُ الخصوصِ، ويعتقد الخصوص ويعمل به إذا وقعَ ابتداءً قبل العمومِ (١). ومنها: أنَّه لو أرادَ استثناءَ الأولِ من العمومِ الثاني لذكرَه ونبه عليه؛ لعلمِه باعتقادِ أهلِ اللّغة عمومَه بكونِ الصيغةِ موضوعة للشمولِ، فلما لم يُبَين ذلكَ كانَ الظاهرُ أنَّه رافعٌ للأوَّلِ، فيكون العمومُ الثاني ناسخاً للخصوصِ المتقدِّمِ عليه، هذا هوَ الظاهرُ. فيقالُ: إنما أخَّره؛ لأنَه يجوزُ تأخيرُ بيانِه، وإذا جازَ تأخيرُ البيانِ، فلا فرقَ بين ذكرهِ معَهُ أو قبلَه أو بعدَه، ولا نسلِّم أنَّ أهلَ اللغةِ يعتقدونَ عمومَ الصيغةِ مع تقدم الخصوصِ، بل الخصوصُ المتقدّمُ ممهِّدٌ عندَهم أنَّ العموم الثاني لايدخلُ على الخصوصِ المتقدِّم. ومنها: أنَّ العمومَ المتفق على استعمالِه في الشمول وأستغراقِ الجنسِ قد صار معلوماً كالنَّص، وصارَ يتناولُ كل واحدٍ من الجنسِ، فصَاركما يتناولُ كل واحد على الانفرادِ، ومعلوم أنَّه لو قال: اقتلوا المشركينَ، ولا تقتلوا أهلَ الكتابين. ثم قالَ: اقتلوا زيداً، وعَمراً، وبَكراً، وخالداً، وسالماً، وما زالَ يذكرُ أعيانَ المشركينَ واحداً بعدَ واحدٍ بأسمائهم الخاصَّةِ، وفيهم أهلُ الكتابينِ، قضى اللفظُ الشاملُ لأعدادِهم، فعمَّهم بالقتلِ قاضياً على الخصوصِ الأوَّلِ، كذلكَ ها هنا. فيقالُ: ليس ذكرُ الأعدادِ والآحادِ على الإفرادِ منْ قبيل العموم الشامل لهم

стр. 1578

بشيءٍ، ألا ترى أنَّه إذا ذكَرَ الأفرادَ والأعدادَ والأشخاصَ واحداً واحداً، وأفاضَ عليهم حكماً واحداً لم يَجُز أن يخصَّ بعضَ تلكَ الأشخاصِ بقياسٍ، ويكونُ إخراجُ بعضِهم نسخاً للحكمِ لا تخصيصاً، ولما جَازَ أن يردَ العمومُ في الخبر المتسلِّط على تخصيصِه دليلُ العقلِ، فلمّا وردَ ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] أمكنَ تخصيصُه بدليلِ العقلِ؛ لأنَه لا يدخلُ فيه الكلامُ والإرادةُ، فلو قال بدلاً من العمومِ: خالقُ كلامِه وإرادتِه، لم يمكنا دفعُ ذلكَ بدليلِ العقلِ، لكنَا نعْدِلُ إلى تأويلِ إضافتِه، ولا يمكننُا أن ننفي الخلقَ كما أثبتَه، بل نقولُ: خالقُ كلامٍ وإرادةٍ، أضافها إليه إضافَة مُلْك، لا إضافةَ صفةٍ من صفاتِه، وكنا بالنصِّ قائلينَ ما قال المعتزلةُ بشبهِهِم العقلية، ولو قالَ: تدمِّرُ كل شيءٍ من سماءٍ وأرضٍ وجبالٍ، لما أمكننا أن نُخرج شيئاً من ذلكَ بدليلٍ، لأنَّه يكونُ عينَ التكذيبِ للخبر، ولماّ قال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ولم يذكر أعيانَ السماءِ والأرضِ [أمكننا إخراج شيءٍ بدليل] (١)، لأن لفظَ العموم يتناولُ آحادَ الجنسِ وأنواعَه تناولاً بظاهرِه لا بصريحهِ، والمفردُ من الأشخاص يتناولُ الحكمَ بصريحِه، فافترقا. فصل إذا تعارضَ خبرانِ، كل واحدٍ منهما عام من وجهٍ، وخاصٌّ من وجه آخر؛ فهما سواء على الإطلاقِ ، إلا أن تقومَ دلالةٌ فتوجب تقديمَ أحدِهما على الآخر (٢). مثالُه: قوله ﷺ : "من نامَ عن صلاةٍ أو نسيَها فليصلها إذا ذكرها" (٣)، وقوله: "لا

стр. 1579

صلاة بعد العصرِ حتى تغربَ الشمس" (١). فالأول: خاصٌ في الفائتةِ، عامٌّ في الأوقاتِ، والثاني: عامٌّ في الصلوات، خاصٌّ في الوقتِ، نصّ عليه أحمد في القَضايا (٢) بما ذكرنا في هذين الخبرين بعينهما على الوجه الذي ذكرناهما في المثال، وبه قال أصحاب الشافعي (٣). وقال أصحاب أبي حنيفة: يقدم الخبرُ الذي فيه ذكرُ الوقتِ وجوازُ فعلِ الصلاةِ، ذكره الجرجاني عنهم (٤)؛ لأن الخلافَ واقعٌ في الوقتِ، وجواز فعلِ الصلاةِ فيه، فقُدَّمَ ما فيه ذكرُ الوقتِ لتناوله المقصودَ. لنا: أنَّ كل واحدٍ منهما قد تناولَ ما وقعَ الاختلاف فيه، فإنَّ الخلافَ واقعٌ في الوقتِ، وجوازِ فعلِ الصلاةِ فيه، وكلُّ واحدٍ منهما خاصٌّ فيما فيه اختلافٌ من وجه وعامّ فيما فيه اختلافٌ فتساويا (٥). فصل إذا تعارضَ آيتانِ أو خبرانِ، أحدُهما عامٌّ، والآخرُ خاصٌ، والخاصُّ موافقٌ للعامِّ، أو أحدُهما مطلقٌ والآخرُ مقيَّدٌ، فهل يقضى بالعامِّ على الخاصِّ، والمطلقِ على المقيَّد (٦)؟

стр. 1580

اعلم أنَّ ذلكَ على أربعةِ أضرُبٍ: أحدُها: أن يكونَ الحكمُ والسببُ واحداً، مثل أن يكونَ في كفارةِ القتلِ رقبةٌ مؤمنةٌ، ثم يذكرُ القتلَ في آيةٍ أخرى، فيقولُ: رقبةٌ ولا يذكرُ مؤمنةً، فإنَّه يجب بناءُ المطلق علي المقيَّد، ويقضى بالزيادةِ، ويكونُ مثلُ أن يذكرَ أحدُ الرواةِ أنَّه ﷺ دخلَ البيتَ وصلَّى (١)، ويروي الآخرُ: دخل البيتَ وما صلَّى (٢). وأن يكون الحكم والسبب واحداً، إلا أن أحدهما خاص، والآخر عام، ولم يكن للخاص دليلٌ، فإنَّ الخاصَّ داخلٌ في العام، وهو بعض ما شملَه العمومُ، ويكون ما تناولَه الخاصُّ ثابتاً بالخاص والعامَ وما زاد على ذلك ثابتاً بالعام وحدَه دونَ الخاص، مثالُه: ما رويَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ أفطر في رمضانَ، فعليه ما على المُظاهِر" (٣)

стр. 1581

وقضى على الذي وقع على امرأتِه في نهارِ رمضانَ بعِتقِ رقبةٍ أو صيامِ شهرين (١). فثبتَ وجوب الكفارة فيما عدا ذلك الواطىء بالخبر العامّ. وكذلكَ إن كانَ دليلُ خطابٍ، فإنه يقضى بدليلِ خطابِه على العامِّ، فخرجَ منه ما تناولَه دليلُه، وذلك مثل قوله: "في أربعين شاةً شاةٌ" (٢)، مع قوله: "في سائمةِ الغنم زكاة" (٣)، فتخرجُ المعلوفةُ من قوله: "في أربعينَ شاةً شاةٌ"؛ لأنَّ دليلَ الخطابِ بمنزلةِ النطقِ في وجوبِ العملِ به، والنطقُ الخاصُ يقضى به على النطقِ العامَ، وكذلكَ قوله: "إذاكان الماء قُلّتين لم يُنَجسه شيء" (٤)، مع قوله: "الماء طهور لا ينجسه إلا ما غيرَ طَعمه أو ريحه" (٥)، فإنه يحمل على القُلتين، فيُقضى بدليل خطابه عليه، فيخرج ما دون القلتين منه. فإن ناقضونا بمواضع، فيجب أن ننظرَ إلى دلائل تلك؛ فإن كانت تنبيهاً أو

стр. 1582

قياساً فاعلم أنَنا نتركُ دليلَ الخطابِ لما هو أقوى منه، ومعنى الخطابِ أقوى من الخطابِ، وكذلكَ التنبيهُ، مثالُه: قولهم: النبيُّ ﷺ : نهى عن بيعِ ما لم يقبَض (١)، ثم قال: "من ابتاعَ طعاماً، فلا يَبِعه حتى يستوفيه" (٢)، ولم يقضوا بدليل خطابِه ويخرجوا منه ما عدا الطعام، فإن نهيَه عن بيعِ الطعامِ حتى يُستوفى، مع كونِ حاجةِ الناس داعية إليه تنبيه على غيره، فقضينا بالتنبيهِ على دليلِ النطق؛ لأنّه أقوى منه، ومثل قوله ﷺ : "إذا اختلفَ المتبايعان والسلعة قائمة، فالقول قول البائع، والمبتاع بالخيار" (٣) لم يقض بدليل خطابه، فيخصُ ذلكَ بقيامِ السلعةِ؛ لأنه لما أمر بالتحالفِ، والسلعةُ قائمةٌ يمكنُ الرجوعُ إلى قيمتها الشاهدةِ باليمين لمثلها التي يمكنُ الاستدلالُ بها على صدق أحدهما، فأولى أن يحكمَ بالتحالُفِ حالَ الاشتباهِ وعدمِ الشاهدِ، وهو حالُ تلفِها، ولأنَّ كلَّ واحدِ منهما مُدعِ ومُدّعى عليه، وهذا المعنى موجود حالَ تلفِ السِّلعةِ، فكانَ المعنى أيضاً مقدّماً على دليل الخطاب.

стр. 1583

الضربُ الثاني: إذا كانَ الجنسُ مختلفاً، مثلُ صيامٍ وإطعام، صيام وصلاة، فإنَّه لا يُبنى المطلقُ على المقيَّد، سواءٌ كان السببُ واحداً، كالكفارةِ فيها صيامُ شهرينِ متتابعين، وإطعامٌ لم يقيد بالتوالي والتتابعِ، بل اطلقَ، أو كان مختلفاً، مثلُ الصيامِ قيِّدَ بالتتابعِ، والزكاة ذكرها مطلقةً، فإنه لا يُبنى المطلقُ على المقيَّد، قال أحمدُ: إذا وطىءَ في ليالي الكفارةِ يَستقبلُ الصومَ -أو قال: الصيام- وإذا وطىءَ في خلالِ الإطعامِ يبني (١). والوجه في هذا [أنه] (٢) إنَّما يُحملُ المطلقُ على المقيَّد إذا كان الحكمُ المختلَفُ فيه مختلِفاً في الموضعين، إلا أنَّه مطلقٌ في أحدِهما، مقيَّد في الآخرِ، وهذا معدومٌ في الجنسينِ، ولأنَّ المقيدَ مع المطلقِ، كالخاص مع العامّ، والمفسَّر مع المجملِ؛ لأنَّ التقييدَ فيه نوعُ إخراجٍ وتخصيصٍ، وهناكَ لا يقضي أحدُهما على الآخرِ إلا أن يكونَ أحدُهما من جنسِ الآخر كذلكَ ها هنا. الضرب الثالث: أن يكونَ الحكمُ متَفقاً، والسببُ مختلفاً، لكن في موضعين مقيدين مختلفين، ويُطلق في الثالثِ، كالصيامِ قيد بالتتابعِ في الكفارةِ، فقال: ﴿شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، وقيد بالتفريق في التمتع، فقال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وأطلق في كفارة اليمين بقوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقالَ في قضاءِ رمضانَ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فلهذا الصومِ المطلق مثلانِ مقيَّدان مختلفانِ، فإنَّا نحملُ المطلقَ على إطلاقِه، ولا نَبني على واحدٍ منهما، لأنَّه ليس حملُه على أحدِهما بأولى من حملِه على الآخر, فإنَّما أوجبَ أصحابُنا التَتَابعَ في كفارةِ اليمين لأجلِ قراءة عبد الله بن مسعود (٣).

стр. 1584

الضربُ الرابع: إذا كانَ الجنسُ واحداً، والسببُ مختلفاً، كالرقبةِ قُيَّدت في كفارةِ القتلِ بالإيمانِ، وأطلقت في كفارةِ الظِّهارِ، وهما سببانِ مختلفان وكما قيِّدت الأيدي إلى المرافقِ في طهارةِ الماءِ، وأُطلقت في التيمم بالترابِ، ففي هذا روايتان (١): إحداهما: يُبنى المطلقُ على المقيدِ من طريقِ اللغةِ (٢)، وبهذه الرواية قال أصحاب مالك (٣)، وتَعلَّق من نصر هذا بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، فقضينا بالتقييدِ بالعدالةِ على المطلق من الشهادة، وفيه رواية أخرى: لا يُبتَنى المطلقُ في هذا على المقيَّد، ويحمل المطلَقُ على إطلاقِه، وهي اختيارُ أبي إسحاقَ بن شاقْلا (٤)، وهو قولُ أصحابِ أبي حنيفة (٥)، واختلف أصحاب الشافعي (٦)؛ فمنهم من قال كقولنا وأنه يُبنى المطلق على

стр. 1585

المقيّد من طريق اللغة، ومنهم من حمل المطلق على المقيّد بالقياس عليه لا من جهة اللغة، وهم الأكثر وهو اختيار أبي بكر الأشعري. وهكذا الاختلاف في الخاص والعام نحو قوله: "فيما سقت السماء العشر" (١) عام في القليل والكثير وقوله: "ليس فيما دون خمسة أوْسُقٍ صدقة" (٢) خاصٌّ في المقدار, فهل يحملُ العامُ على الخاصِّ؟ على ما قدمناه من الاختلاف [في] (٣) حملِ المطلقِ على المقيّد. وقد قال أحمد: نَهى النبيُّ ﷺ عن الصلاةِ بعد العصرِ وبعدَ الصبح (٤)، نهيَ جملةٍ، و [قال] (٥): "مَن نامَ عن صلاةٍ أو نَسيها" (٦)، فكان هذا مخصوصاً به نَهيه عن الصلاةِ بعدَ العصرِ والصبح.

стр. 1586

فصل في أدلّتنا فمنها: أنَّ العرب إذا أطلقت الحكمَ في موضعٍ، وقيّدته في موضع، جعلت ذلك المطلَق مقيداً، يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وتقديره: والحافظاتِ فروجَهن، والذاكراتِ اللهَ كثيراً، وقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، وتقديره: ونَقصٍ من الأنفس، ونقصٍ من الثمرات، وقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، وتقديره: عن اليمين قعيد، فأبداً دأبُ العرب ذلك، قال شاعرهم: نَحنُ بما عندنا وأنتَ بما ... عندك راضٍ والرأي مختلف (١) وتقديره: نحن بما عندنا راضون. وقال الآخر فما أدري إذا يمّمتُ أرضاً ... اريدُ الخيرَ أيهما يليني (٢) يريد: أريدُ الخير وأتوقى الشر. فإن قيل: إنَّما حمل المطلقَ على المقيَّد ها هنا؛ لأنه لا يستقلُّ أحدُ الكلامين بنفسِه؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرَاتِ﴾ لايفهم، وكذلكَ قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ وقوله ﴿وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾، فأمَّا في مسألتِنا؛ فإنَّ قولَه في الظهار ﴿فتحريرُ رَقَبة﴾ [المجادلة: ٣]، كلام مستقلّ بنفسه، وقوله في القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾

стр. 1587

[النساء: ٩٢] كلامٌ مستقلٌ. قيل: الذاكرات. عمومٌ، والحافظات عمومٌ، لا يَفتقرُ إلى بيانٍ محفوظ معيَّن، ألا ترى أنه يحسُنُ أن يقولَ: والذاكراتِ رسلِ اللهِ وملائكةِ الله، والحافظات ألسنتِهنَّ وأيديهنَّ، يعني عن اللغط والسرقةِ، ولو قالَ ذلكَ؛ لكانَ لكلِّ واحدٍ حكم يُقيِّده، فلمَّا لم يقيدْ؛ حُمِل [على] (١) تقييد المقيَّد. وعن اليمينِ قائماً وقاعداً ومضطجعاً، لا يختضُ بحالٍ، فهو عموم، لكن خُصَّ بذكرِ حالِ صاحبِ الشمالِ، وكونه قعيداً. فإن قيل: فحملُنا للمطلقِ على المقيَّد هناك لأجلِ العطف، فإنَّه يجعلُ المعطوفَ مع المعطوفِ عليه الجملةِ الواحدِة، فأمَّا في مسألتِنا؛ فهما جملتانِ لكلِّ واحدةٍ منهما حكم بنفسها (٢). قيل: لا يجوزُ أن يكونَ حملُه عليه لأجل العطفِ، بل لأنَّ أحدَهما مطلق، والآخرَ مقيَّدٌ. يوضِّح هذا: أنَّه لو كانَ العطفُ هو المؤثر لكانَ إذا قيدَ (٣) كل واحدٍ منهما بمعنى، أعني المعطوف والمعطوف عليه، أن يُحملَ أحدُهما على الآخرِ في تقييده، وهو إذا قال: والحافظين فروجهم، والحافظات ألسنتهنَ وأيديهنَ من اللغطِ، فإنَّه لا يحملُ أحدُ المقيَّدين على الآخرِ، مع وجودِ العطفِ، لكنْ لمَّا عُدِمَ الإطلاقُ لم يُحملْ أحدُهما على الآخر، فبطلَ أن يكونَ العطفُ هو الموجِبَ لحملِ أحدهما على الآخرِ (٤). على أنَّ العطفَ لا يوجبُ موافقةً؛ بدليل أنَّه قده يُعطفُ الشيءُ على ما يخالفُه،

стр. 1588

قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وإن كانت صلاتُه الرحمةَ، وصلاةُ ملائكتِه الشفاعةُ والدعاءُ. ومنها: أنَّه قد أمكنَ الجمعُ بين الدليلينِ، فإسقاطُ أحدِهما لا وجهَ له، ألا ترى أننا لا نحكمُ إلا بعد امتناعِ جمعٍ بين الدليلين (١). فصل في شُبَه المخالف (٢) فمنها: لمن قال: لا يُحملُ عليه، أنَّ المطلقَ معلومٌ المرادُ بظاهرِه، فوجَب أن يُحمل عليه، فلا يُعدلُ عنه إلا بدليل، والخاص ليسَ بدليلٍ، لأنَّ التخصيصَ إنما يقعُ بما يخالِفُ الظاهرَ ويعارضُه، فأمَّا بما يوافقُه فلا، والمقيدُ يوافِقُ المطلقَ، فوجبَ أن لا يُخصَّ به. فيقالُ: إن التقييدَ يخالفُ الإطلاقَ ويعارضُه من لفظِه ومعناه، وينكشفُ ذلك بالمثال؛ يَقول: أعتق عبداً من عبيدي. فيكونُ الأمرُ شائعاً في سائرِ عبيده، فإذا قال: أعتق عبداً مؤمناً. فيخرجُ من عبيده الكفارُ، ويصيرُ الأمرُ واقعاً على بعضِ عبيدهِ، فما خصصناه إلا بما عارضَه دونَ ما واطأه ووافقه، ولا فرقَ بينه وبينَ الخاصِّ مع العامِّ، وذلكَ أنَّ كل واحدٍ منهما يُخرج من الجملة بعضَها، فالخصوصُ يُخرجُ من العمومِ ما لولاه لدخلَ فيه، والتقييدُ يُخرجُ من المطلقِ ما لولاه لدخلَ فيه، وأمَّا كونُ العامِّ معلوماً لكنَه من حيثُ الظاهرُ، والخاص معلومٌ من حيثُ القطعُ، فلما قضيَ بالخاصَ على العامِّ، كذلك يجبُ أن يقضَى بالمقيدِ على المطلَقِ، والذي يوضِّحُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثم قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ

стр. 1589

عَدْلٍ مِنْكُم﴾ [الطلاق: ٢]، وكل عارفٍ باللغةِ يعلَمُ أنَّه إنما أرادَ بالرجلينِ، العدلين، حيثُ قيد في النطقِ الآخرِ بالعدالةِ. ومنها: قولهُم: إن اللهَ سبحانَه أطلقَ الرقبةَ في الظهارِ، فاعتبارُ الإيمانِ فيها زيادةٌ لا حكمِ النص، وذلكَ نسخ، فلا يجوزُ بالقياسِ، ولا بخبرِ الواحدِ. قالوا: والدلالةُ على كونه نسخاً لها: أنَّ الآيةَ كانت تقتضي بإطلاقِها جوازَ عتق الرقبةِ الكافرةِ، فإذا اعتبر إيمانُ الرقبةِ خرجت الكافرةُ أن تكونَ مُجزيةً، ويرتفعُ ذلكَ الحكمُ الذي كان أولاً. فيقال (١): هذا ليس بزيادةٍ، وإنَّما هو تخصيص؛ لأنَه كان يجزىءُ بإطلاقِ الرقبةِ المؤمنةِ والكافرةِ والسليمةِ والمعيبةِ، وقولُنا: لا تجزىءُ إلا مؤمنةٌ. نقصانٌ ظاهرٌ كما إذا قال: أعطِ درهماً من شئتَ من هؤلاءِ العشرةِ. كان الأمرُ شائعاً في العشرةِ كلهم، فإذا قالَ: إذا كان قارئاً أو فقيهاً. كانَ ذلك نقصاناً لا زيادةً، وتخصيصاً لا رفعاً ونسخاً. ثمَّ لو كان زيادةً، فالزيادةُ ليست نسخاً، وهذا يأتي مستوفىً إن شاءَ الله تعالى في بابِ النَّسخِ. ومنها: أنَّ الخصوصَ إنَّما يردُ على الأعيانِ المنطوقِ بها دونَ المعاني التي لا يُنطق بها، والمنطوقُ هو ذكرُ الرقبةِ فقط، فأمَّا صفاتُها مِن كُفرها وإيمانِها، فلا ذِكرَ له. فيقالُ: هذا تعد من قائله؛ لأنَّ الأعيانَ تخصُ وتعمُ بأوصافِها لا بذواتِها، وإنَّما الإشاراتُ بتناولهِا بغيرِ صفات، مثل: هذهِ، وتلك، وهذا، وذاك في الأعيانِ الحاضرةِ، وإلا فالغائبة لا تخصُ إلا بذكرِ الأسماءِ والصفاتِ، حتى إن الصفاتِ تقضي على الأعيانِ الحاضرةِ، فلو قال: أعطِ مَنْ شئتَ مِن هؤلاء العبيدِ إلا الأسود منهم، أو الفاسقَ. قضى هذا الوصفُ على الإشارةِ، فأخرجَ الوصفُ ما تُخرجُ الإشارةُ. ومنها: أن قالوا: إنَّ الرقبةَ في الظهارِ منصوصٌ عليها، والرقبة في القتل منصوص

стр. 1590

عليها، فإذا قاسَ قائسٌ إحداهما على الأخرى لم يجُزْ لوجهين: أحدهما: أنَّه لا التفاتَ إلى القياسِ مع وجودِ النص. والثاني: أنَّه يُفضي إلى إسقاطِ المقيسِ على المقيسِ عليه، فيصيرُ الحكمُ لأحدِهما، ويسقطُ أحدُ النصين، ولهذا المعنى منعنا قياسَ التيممِ على الوضوءِ في دخولِ الرأس والرجلينِ، ولا قياسَ القطعِ في السرقةِ على قطعِ المحاربةِ، في إدخالِ الرِّجلِ مع اليدِ، ولا قياسَ كفارةِ الظِّهارِ على كفارةِ التمتع في اعتبار التفريقِ، ولا كفارةَ التمتعِ على كفارةِ الظِّهارِ، في اشتراطِ التتابعِ. فيقالُ: بل هو قياسُ المسكوتِ عنه على المنطوقِ به؛ لأنَّ الإيمانَ لم يُنطَقْ به في كفارةِ الظهارِ، وإنما سُكِت عنه، ونُطقَ بالرقبةِ فقط، وفي كفارةِ القتلِ نُطقَ بالرقبةِ والإيمانِ فيها، فقسنا ما سُكَتَ على الإيمانِ فيه، على ما نُطقَ بالإيمانِ فيه، وفارقَ التيمم مع الوضوِء؛ لأنَّ الطهارتين ما اجتمعتا في الجنسِ ولا الصفةِ ولا التأثيرِ فيقاسُ، فالترابُ جنسٌ غيرُ جنسِ الماءِ، والمسحُ الكليُّ غيرُ المسحِ والغسل، ورفعُ الخَبثِ حكمٌ، ونَفْي رفعه حكم آخر، فقياسُ أحدهما على الآخرِ رومَ التقريبِ الذي قصدَ الشرع، خلافَه بالتبعيد [لا يصح] (١). وليس كذلكَ الظهارُ، فإنه يُساوي القتلَ في اعتبارِ الرقبةِ الصحيحةِ السليمةِ، واعتبارِ البدل: صومُ شهرين، وصفةِ البدلِ وهو التتابعُ، ولم يُخلّ إلا بذكرِ الإيمانِ، فكانَ الظاهرُ: اعتبارَ الإيمانِ فيما ثبتَ له هذه الأحكامُ كلُها المساويةُ لكفارةِ القتلِ فيما استوى الحكم المذكور في الموضعينِ هناك، واستوى ها هنا، وكذلكَ صومُ التمتعِ شرُطَ فيه التفريقُ منصوصاً، والتتابعُ في الظهار منصوصاً، فلا يمكنُ سلوكُ القياسِ المسقطِ لأحدِ الحكمينِ المنصوصِ عليهما، ولسنا حُرُصاً على تلفيقِ ما فُرِّق، ولا تَفريق ما لُفِّق، بل لو أطلقَ صومُ التمتع، وقيَّدَ صومُ الكفارةِ؛ لجاز أن نأخذَ لأحدِهما

стр. 1591

صفةَ من الآخر من حيثُ نطقَ بها في إحداهما وسكتَ عنها في الأخرى (١). ومنها: أن قالوا: المطلقُ نطقُ الشارعِ، والمقيَّدُ نطقُه، فليسَ حَملُ أحد النطقينِ على الآخرِ بأولى من حملِ الآخرِ عليه. فيقالُ: إنَّ كونَ النطقينِ من جهةٍ واحدةٍ لا يوجبُ نفيَ افتراقِهما لمعنى يعودُ إلى النطقِ، فالناطقُ واحدٌ، والنطقانِ مختلفان، فأحدُهما: يتناول الحكمَ بإطلاقِه وعمومِه، وهو الظاهرُ، والآخرُ يتناولُه بخصوصه وتقييده، وهو صريحٌ، وما هما إلا بمثابةِ العام مع الخاصِّ، والاستثناءِ مع الجملةِ المستثنى منها. ولأنَّ حملَ الخاصِّ على العامِّ يفضي إلى إسقاطِ الخاصِّ كُلِّه بالعامِّ، وفي البناءِ للعام على الخاصِّ، والمطلقِ على المقيَّد عملٌ بالدليلينِ والنطقينِ جميعاً، فيعملُ بالعامِّ فيما يتناولُه الخاصُّ، وبالخاصِّ فيما وردَ فيه، فقد بانَ الأولى، وسقطَ ما ذكرتَ من دعوى عدمِه. ومنها: أن قالوا: حملُ العامِّ على الخاصِّ إهمالٌ للعام؛ لأنَّه يقتضي الاستغراقَ، فإسقاطُ استغراقِه إهمالٌ له، وذلكَ لا يجوزُ. فيقالُ: إنَّ التخصيص استعمالٌ ولغةٌ، فلا يجوزُ تلقيبه بالإهمالِ، ولا يسقطُ استعمالُ أهلِ اللغةِ، ولا استعمالُ أهلِ الرأي والقياسِ لأجل تلقيبِك له بالإهمالِ. على أنَّا نقولُ له: إعمالٌ؛ لأنَّه جمع بين اللفظين، وفي تركه البناءِ إسقاطٌ لعملِ الخصوصِ والتقييدِ، وذلك غيرُ جائزٍ، كما لم يجُز إسقاطُ التخصيصِ لبعضِ الأعدادِ المنصوصِ عليها بحكم يشملها، كالإشارةِ، والاستثناءِ، والتقييد بالصفةِ، مثل قوله بعد الإطلاقِ للتخييرِ بين العشرةِ: القارىء، أو الفقيه، أو ما شاكلَ ذلكَ، فإنه يقضى بذلكَ التقييد على التخييرِ الذي سبق فيما بيَّناه من قبل في قوله: أعط أيّهم شئت.

стр. 1592

فصل العامّ المتفقُ على استعمالِه يجب حملُه على الخاصِّ المختلَفِ فيه وبه قال أصحابُ الشافعي (١)، خلافاً لأصحابِ أبي حنيفةَ في قولهم: بلْ يُقدمُ العامُّ المتفق على استعمالِه على الخاصِّ المختلفِ في استعماله (٢). فصل في أدلّتنا فمنها: أنَّهما دليلانِ عامٌّ وخاص، فَيُبنى العامُّ على الخاصِّ، كما لو اتُفِقَ على استعمالِهما. يوضِّحُ هذا: أنه بِتقديم الخاصِّ على العامِّ، والقضاءِ به عليه مع تساويهما في الاتفاقِ عليهما، أو الاختلاف فيهما، بانت مزية الخاص على العام. ومنها: أنَّ فيما ذكرناه جمعاً بين الدليلينِ، فكانَ أولى من إسقاطِ أحدِهما، كالأصلِ الأوَّلَ.

стр. 1593

ومنها: أنَّ الخصوصَ يتناولُ الحكمَ بصريحِه، والعامَ يتناولُه بظاهِره، لأنَه يحتملُ أن يرادُ به غيرُ ما تناوله الخاصُ، فيقضى بالذي لا احتمال فيه على ما فيه احتمال. فصل في شُبهةِ المخالف أنَّ العامَّ قويَ بالاتفاقِ عليه، وضعفَ الخاص بالاختلافِ فيه، فوجَبَ أن يقضى بالأقوى على الأضعف. يوضِّح هذا: أنَّ اتفاقَ العلماءِ معصوم مقطوعٌ به. فيقال: لا نسلِّم أنَّه متفق على استعمالِه فيما لا يتناولُه الخاصُ بخصوصِه، وهذا لا يَمنعُ من جوازِ تخصيصِه، ألا ترى أنَّ استصحابَ الحالِ في براءةِ الذِّممِ بدليلِ العقلِ، متفق عليه في الجملةِ فيما لم يتناوله دليل شرعي ثم إذا وردَ دليل شرعي نُقِلَ عنه، وإن كان الدليلُ مختلَفاً فيه، على أنَهم قد ناقضوا في هذا، فإنهم قضوا بالنهي عن أكلِ السمك الطافي، وإن كان مختلفاً فيه، على قوله: ﷺ : "أحلّت لكم مَيْتتان ودَمان" (١) وإن كان مُجمعاً عليه. فصل إذا تعارض خبرانِ، وأمكن استعمالُهما ببناءِ أحدهما على الآخرِ, وجبَ أن يُبنى أحدُهما على الآخرِ . وقال أهلُ الظاهرِ: يسقطانِ، ويُبقى على حكم الأصل.

стр. 1594

فصل في أدلّتنا أنَّهما لفظانِ، عامٌّ وخاصٌّ، يمكن استعمالُهما، فلا يسقطان. أو نقول: فوجَب استعمالهُما وبناءُ أحدِهما على الآخر كالآيتين، وذلكَ مثل قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] قال ابن عباس: يُسألونَ في موضعٍ، ولا يُسألونَ في موضع (١)، يعني بذلكَ اختلافَ المقاماتِ، فإنَّ القيامةَ ذاتُ مقاماتٍ مختلفةٍ. ومنها: أنَّهما دليلانِ يمكنُ بناءُ أحدِهما على الآخرِ, فوجبَ استعمالُهما، أو نقول: فلا يجوزُ إسقاطهما. دليلُه: عمومُ خبرِ الواحِد، إذا وردَ مخالفاً لدليل العقل (٢). فإن قيل: أدلةُ العقل لا تحتملُ التأويلَ، ولا يدخلُها الاستعارةُ، بل كُلُّها حقائقُ مبنيّةٌ على التحقيق، والظاهرُ يحتملُ التأويلَ فَرُتب، وفي مسألتِنا، تأويلُ كل واحدٍ من اللفظينِ كتأويل الآخرِ, فلم يكن أحدُهما أولى من الآخر. قيل: هذا يبطلُ بالآيتين، فإنَّهما تستعملانِ، وإن كان تأويلُ إحداهما كتأويلِ الأخرى. فإن قيل: الآيتانِ كأدلَّةِ العقلِ في القطعِ، فلذلكَ لم يمكن إسقاطُهما.

стр. 1595

قيل: فأخبارُ الآحادِ وإن لم توجب القطعَ، فقد وجبَ العملُ بها، وإزالةُ استصحابِ حالِ العقلِ في براءةِ الذِّممِ، بالشُغلِ والإلزام وإتعابِ الأبدانِ، ومنعِ اللَّذاتِ، فهّلا وجبَ الجمعُ والبناءُ مع الإمكانِ، كما وجبَ الاستعمالُ لها وإن لم يوجب القطع .. و [ما] (١) يدلُّ عليه: هو أنَّ ما زادَ على الخصوص من العمومِ لا يعارضُه مثلُه ولا ما هو أقوى منه، فوجبَ أن لا يتوقفَ فيه، كما لو رويَ في أحدِ الخبرينِ ما في الآخرِ, وزيادةُ حكمٍ. فصل في شبههم فمنها: تعلّقُهم بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وهذا التعارضُ اختلافٌ، فدل على أنَّه ليسَ من عندِ الله. فيقالُ: لا اختلافَ بينهما، بل هما متفقانِ عندَ البناءِ والترتيبِ، على أنَّه لو كان هذا اختلافاً يمنعُ البناءَ في الأخبار لمنُعَ ذلك في الآي إذا تعارضت، ولمَّا أجمعنا على أنَّ ذلكَ لا يُعد اختلافاً نفاه اللهُ عن شرعهِ، كذلكَ ها هنا. وما مَنعَ من ذلكَ في الآي إلا إمكان البناء، كذلك في الأخبارِ قد أمكن البناء ولا اختلاف. ومنها: أنَّه إذا تعارَض لفظان، وأمكنَ فيه وجهان من الاستعمالِ، كنهيه ﷺ عن الصلوات في أوقات النهي (٢)، وأمرِه بالقضاءِ لمن نامَ عن صلاةٍ أو

стр. 1596

نسيها (١)، فلم يكن أحدُ الوجهينِ في الاستعمال بأولى من الآخر وجبَ إسقاطُ الجميع، والبقاءُ على براءةِ الذمةِ بدليلِ العقل القاطعِ. يقال: نحنُ إنَّما استعملنا لمّا أمكنَ وجهٌ واحدٌ من الاستعمال، فأمَّا إذا أمكنَ وجهان، لم يقدَّم أحدُ الوجهين على الآخر إلا بضربٍ من الترجيح، والترجيحُ إيجابُ القضاءِ في عمومِ الأوقاتِ، حتى أوقاتِ النهي، ولا تعطَّلُ أوقاتُ النهي عن النهي في صلاة النوافل غير المقضيّة المفروضة، ودليلُ العقل القاطع أوجبَ الاحتياطَ والاحترازَ من تركِ فعلٍ يوجبُ العقابَ في الآجل (٢). ومنها. أن قالوا: إنَّ الجمعَ والبناءَ إنَّما يكونُ بنفسِ اللفظِ، واللفظُ لا يدلُّ عليه، أو بدليلٍ آخرَ, وليسَ معكم في الجمعِ دليل، فوجبَ التوقُّف فيه. فيقالُ: هذا يَبطلُ ببناءِ إحدى الآيتين على الأخرى، فإنَّه يجوز, وإنْ لم يدلَّ عليهِ اللفظُ، ولا دليلَ آخر يقتضي الجمعَ بينهما. على أنَّ الدليلَ الذي اقتضى الجمعَ بينهما، هو: أنَّ الدليلَ قد دلَّ على وجوب العمل بكلِّ واحدٍ من الدليلين، وكلامُ صاحبِ الشرع لا يتناقضُ، فلم يبقَ إلا الجمعُ والترتيبُ. ومنها: أنْ قالوا: يحتملُ أن يكونَ أحدُهما منسوخاً بالآخر، ويحتملُ أن يكونَ مبنيَّاً عليه، ومرتَباً، فلا يجوزُ تقديمُ أحدِهما على الآخر، كما لو احتملَ وجهين من الترتيب، لا مزيَّةَ لأحدِهما على الآخر.

стр. 1597

فيقالُ: هذا يبطلُ بالآيتين، فإنه يحتملُ أن تكونَ إحداهما منسوخةً بالأُخرى، ويحُتملُ أن تكونَ مرتبةً عليها، ثم قدَّمنا الاستعمالَ والبناءَ على النَسخ، ولم نجعل ذلك بمثابةِ آيتين تعارضَ فيهما ترتيبانِ مختلفان، ولأنَّه وإن احتُمِلَ النَسخُ، إلا أنَّ الترتيبَ والبناءَ أظهرُ، لأنَّ فيه استعمالَ دليل، والنسخ إسقاطُ دليلٍ، والاستعمالُ كانَ أولى، لأنَّ الخبرَ إنَّما وردَ للاستعمالِ، والظاهرُ بقاءُ حكمِه. ومنها: أن قالوا: إنَّ أدلةَ الشرعِ فروعٌ لأدلةِ العقل، ثم التعارضُ في أدلةِ العقلِ لا يقتضى الترتيبَ، كذلكَ التَعارضُ في أدلَةِ الشرع. فيقالُ: الترتيبُ في أدلَّةِ العقلِ لا يمكنُ؛ لأنَّها لا تحتملُ التأويلَ، فهي بمنزلةِ النصّين إذا تعارضا لا يكونُ ذلك فيهما إلا أن يكونَ أحدُهما ناسخاً، والآخرُ منسوخاً، إذْ لا مجالَ للتأويلِ في النصِ لعدمِ الاحتمالِ. فأمَّا في مسألتِنا: فإنَّ الاحتمال حاصل، فيمكنُ أن يكونَ المرادُ بالعمومِ بعض ما تناوله، فجاز فيه البناءُ والترتيبُ، ولذلك جوَّزنا البناءَ والترتيبَ في الآيتين، وإن لم يجز ذلك في أدلَّةِ العقول. ومنها: قولهم: إنَّ الشهادتين إذا تعارضتا سقطتا، فكذلك الخبران، لأنَّ كل واحدٍ منهما قول يثبتُ به الحقُ وتشتغلُ به الذمة بعد فراغِها بحكم الأصل. فيقالُ: إذا أمكنَ العملُ بالشهادتينِ عملنا بهما، وهذا إذا شهدَ شاهدان بمئةٍ، وشهدَ آخران بقضاءِ خمسين من المئةِ، جمعنا بينهما كالجمعِ بين الخاصَّ والعامَّ، وإن لم يمكن الجمعُ سقطا، كالخبرين إذا لم يمكنِ الجمعُ بينهما (١).

стр. 1598

فصول الاستثناء فصل في حقيقة الاستثناءِ وأحكامِه وأقسامِه (١) وهو كلام ذو صِيَغِ مخصوصةٍ محصورةٍ، دالٌّ على أنَّ المذكورَ فيه لم يُردْ بالقول. وكُلُّ استثناء فهذه حاله، وكل ما هذه حالُه فهو استثناء، وكذا يُدَوَّر الحدُّ على المحدود. ولا يلزم على هذا الحد التخصيص (٢)؛ لأنّه لا يقف على الصيغ، لأنه يكون تارةً بالفعل (٣)، وتارة بالقول، فلا يختصُّ بكونه صيغةً. ولا يلزم التخصيصُ المتصلُ، مثلُ قوله: رأيتُ الناس، ولم أرَ عمْراً، لقولنا: كلامٌ ذو صيغ مخصوصة. وحروفُ الاستثناء محصورةٌ، وليس الواو منها. وقد استوفيت الحدودَ كلَّها في ابتداءِ كتابي هذا بما يغني عن الإطالة (٤).

стр. 1599

فصل لا يصحُّ الاستثناءُ المنفصلُ ، بل من شرْطِه الاتصالُ، فإذا انقطعَ لم يَعمَل (١). به قال الفقهاءُ والمتكلمون وأهلُ اللُّغة (٢). وقد حكى شيخُنا عن أحمدَ اختلافَ الرواية (٣)، وليس يظهرُ من ذلك ما يوجبُ اختلافاً؛ لأنه سهَّلَ ذلك في اليمين إذا سكتَ قليلاً، ثم قال: إن شاءَ اللهُ. وهذا يجبُ أن يكونَ محمولاً على يسير لايُعدُّ في الكلامِ فصلاً ولا قطعاً. وكلامُه الظاهرُ، وقولُ الخرقي يدلُّ على أنه لا يصحُّ إلا متصلاً (٤)، وهو الصحيحُ عند مشايخنا (٥). وحُكي عن ابن عباس أنه يصحُّ الاستثناءُ وإن كان منقطعاً، وعنه: أنه قدَّره بسنةٍ (٦). وحُكيَ عن الحسن (٧): أنَّه يصحُّ ما دامَ في المجلس (٨).

стр. 1600

فصل يجمع أدلّتنا فمنها: قولُ النبي ﷺ : "من حلفَ على يمينٍ فرأى غيرَها خيراً منها، فليأتِ الذي هو خيرٌ، وليكفِّر عن يمينه" (١)، وروي: "فليكفّر عن يمينه وليأتِ الذي هو خير" (٢) ولو كانَ الاستثناءُ طريقاً للتخلص بعد حصول الندم، وتأمُّل الخير في البُرء منها، لأرشدَ إليه، ولم يخصَّ ذلك بالكفارةِ، ولم يوجب الحِنثَ مع إمكانِ البِرِّ، فلما نصّ على التكفير، دلَّ على أنه لا طريقَ إلى ذلك بالاستثناءِ، إذ لو كان كذلك؛ لكان يُرشدُ إلى الأسهلِ (٣). ومنها: أنَّ أهلَ اللغةِ لا يعُدّون ما انفصلَ استثناءً، فلو قال القائل: رأيتُ بني تميم كلَّهم. وقال بعد شهر إلا زيداً، لم يعد في قوله: إلا زيداً. متكلماً بلُغةِ العرب، ولا يُلَفَّق هذا إلى الكلام الأول كما لا يُلَفقُ الحال بأن يقول: رأيتُ زيداً. ثم يقولُ بعد شهرٍ: قائماً, وكذلك قولُه: دخل زيدٌ الدارَ. ثم يقولُ بعد سَنةٍ راكباً. فهذا ليس بكلامٍ في عُرفِهم وعادتهم. حتى إنه لو كان ساكتاً منذ قال القولَ الأول، وقال بعد ذلك لفظَ الاستثناءِ، لم يكن مُستثنياً، فكيف إذا مضى بين الكلامين من أنواعِ الكلامِ، وجرى من الأحاديثِ الفاصلةِ بين الكلامين ما يخرجُ عن إلصاق بعضه ببعض، وتلفيقِ بعضه إلى بعض؟!

стр. 1601

ومنها: أنَّ الاستئناءَ مع المستثنى منه جملةٌ واحدةٌ، كالشرطِ مع الخبر أو الخبرِ مع الابتداء، ومعلومٌ أنَّه لو قال: زيد. ثم قال بعد شهر أو يوم: قام، لم يُعد متكلّماً بالمبتدأ والخبر بل ينقطعُ الخبرُ عن الابتداءِ، فلا يُفيدُ الأولُ ولا الثاني، وكذلكَ إذا قال: اضرب. وقال بعدَ شهر زيداً، أو قال: أكرم خالداً، ثم قالَ بعد شهر إنْ تفقَّهَ في دينِ الله، أو حفظَ كتابَ الله. فإنه لا يُلْحقُ الشرطُ بالمشروطِ، ولا الخبرُ بالشرط، ولا الفعلُ بالمفعولِ به، كذلكَ الاستثناءُ مع المستثنى منه؛ لأجْلِ أنَّ الكلَّ جملةٌ واحدةٌ، فلا يُفصلُ بعضُها عن بعض. ومنها: أنَّ الكلامَ إنما وُضع لفوائِده المخصوصة [ولو] (١) لحق الاستثناءُ بالمستثنى منه، مع وجودِ الفصلِ، لفاتت فائدةُ الكلامِ، فإن الأيمانَ وُضعت للثقةِ بها، وتأكُدِ الخبرِ لأجلِها، وكذلكَ الوعدُ والوعيدُ، فإنَّما تحصلُ الثقةُ إذا وقعت جازمةً، ولهذا متى وقعتِ الأيمانُ معلَّقة بشرطٍ، لم تحصل الثقةُ بها، فإذا قال: واللهِ لا غدرتُ بك ولا نكثتُ عقدك إنْ شاءَ اللهُ. لم يعدَّ يميناً، فإذا كان له أن يقولَ بعد سنةٍ: إنْ شاءَ الله أو يقولَ: واللهِ لأقْضينَّك دَيْنكَ كله غداً، ثم كان له أن يقول: إلا كذا وكذا منه، ولا أعطيتُك من دَينك مئة في غدٍ، ويقول بعد ساعة: إلا أربعين. فأيُ ثقةٍ تحصلُ مع إمكانِ إلحاقِ الاستثناءِ با لمستثنى منه، وإخراجِ الكلامِ الأولِ بالاستثناءِ الواقعِ بعد زمانٍ إلى ما تقدَّمَ من الكلامِ (٢).؟!. ومنها: أنَّ تقديرَ ذلك بالسَنةِ لا ينفصلُ عن الأقل منها والأكثر فلا وجهَ لهذا التقدير. ومنها: أن اللهَ سبحانَه [لو] (٣) قال لمكلف: أعتقْ رقبةً، أو صُم شهرينِ، ثم قال

стр. 1602

بعدَ سنةٍ: مؤمنةً، ومُتتابعين. لما عَرفَ المكلَّفُ أنَّ ذلك يرجعُ إلى الأوَّل، وإذا كان الاتصالُ من أحد شروط البيان لمعاني الكلام، ومن آكد شروطه: نظمُه وتحقيقُه على عادةِ العرب، فلو فرق بين الحروفِ ثم يعدَّ كلاماً؛ لأنَّ النظم شرطُه، فكذلكَ الكلمةُ إلى الكلمةِ التي بالتفريق فيما بينهما تُعدمُ الفائدةُ التي وُضع الكلامُ لأجلها. ومنها: أنَّ الاستثناءَ والمستثنى منه جملةٌ واحدةٌ في الكلام، فلا يُفصل بينهما فصلاً يقطعُ الكلامَ بعضه عن بعض، كالمبتدأ والخبر فإنَّه لو قال: قام. وقال بعد مدة: زيدٌ، ثم يكن متكلَّماً بلغةِ العرب، كذلك ها هنا (١). فصل في شُبَههم فمنها: مارُويَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه، قال: "والله لأَغْزونَّ قُريشاً"، ثم سكت، وقال: "إنْ شاءَ الله (٢) "، ولولا صحةُ الاستثناء بعد السكوت لما استثنى، لا سيَّما وقولُه مُتَّبع مُقتدىً به. وروي أنَّه لما سألته اليهودُ عن عِدَة أهلِ الكهف، وعن مُدَّةِ لُبثهم فيه. فقال: "غداً أُخبركم" ولم تقُلْ: إن شاء الله، فتأخَّر عنه الوحيُ مدةَ بضعةَ عشرَ يوماً, ثم نزل عليه: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، إلى قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]

стр. 1603

فقال: إن شاء الله (١). والجوابُ: إنَّ هذا لا يدل على الإلحاقِ به لغةً، وإنَّما يدلُّ على أنه استدركَ ذلك تعليقاً بمشيئة الله؛ لأجل قولِ الله له: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] وتأخَرَ الوَحي عنه أياماً حيث وُعِدَ بجوابِ المسألةِ التي سُئِل عنها عن عدَّةِ أهلِ الكهف، فلما نزلَ جوابُ ما سُئِلَ عنه نزلَ في ضِمْنِه (٢) قولُه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، فجعل قوله: إن شاءَ اللهُ بعد زمانٍ؛ لأجل النسيانِ مُزيلاً لكراهيةِ تركِ الاستثناءِ، وما يتعلق عليها من المعاتبة، ولهذا أكبر اللهُ سبحانه تركَ الاستثناء في قصةِ أهلِ الجنة التي قال أهلها: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧]، فقال سبحانه: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم: ١٨ - ١٩] وهذا كقضاءِ الصلاةِ، فيمن نامَ عنها، أو نسيَها، فذلك وقتُ الاستدراك، لإبراءِ الذمةِ شرعاً، لا أنَهُ الوقتُ الموضوع. لذلك ها هنا سقطت المعاتبةُ به عند الإتيان بعد النّسيان، ولا يدل على أنه الوضع الذي يقضي به في سُنَةِ الكلامِ اللغوي والأحكام المبنيةِ عليه، بدليلِ ما ذكرنا (٣). ومنها: أنَّه مذهبُ ابن عباسٍ (٤)، وهو من اللغةِ بمكان.

стр. 1604

فيقال: إنَّ ذلك إنْ صَحَ عنه، فلعله أراد به إخباراً عن شيءٍ كان قد أضمره في نفسِه، أو نطقَ به، فأخبره بإضمارِه بعدَ سنَةٍ أو إسرارِه، فظن ظانٌّ أنه ابتدأ الاستثناء في ذلك الوقتِ، والإضمارُ يستعملهُ الناسُ في الأَيمان، إذا كانت لدفعِ الظلم، وقد يَعتدُ به قوم في تقييدِ الإطلاق، فأمَّا على الوجه المذكور عنه فلا وجه له لغةً ولا شرعاً، ولو كان على غير ما تأوَّلنا لحججناه بالأدلةِ التي ذكرنا. ومنها: أنه تخصيصُ عموم، فجازَ أن يتأخَر، كالتخصيص للعموم بغيرِ لفظِ الاستثناء (١). فيقال: إنّا لا نُسلِّم على قول أبي الحسن التميمي، وأبي بكرٍ عبد العزير لأنَّهما لم يُجِيزا تأخيرَ البيانِ عن وقتِ النطقِ. وإن سلمنا؛ قلنا: فذاك تستوي فيه السَّنةُ وما قلَّ وكثر وزاد ونقصَ، فيقلب فيقول: فلا يتخصصُ بالسَنةِ كالأصل. ولأنَّ التخصيصَ يجوزُ بغير النطقِ من دلائلِ العقولِ، والسنّةُ: وهي لفظُ الرسولِ ﷺ يخصُ بها كتابُ اللهِ، والقياسُ المستنبط (٢)، وليس لنا استثناءٌ إلا هو لفظٌ من جهةِ من نطقَ بالجملةِ المستثنى منها، فهذا كلُّه يبعدُ التخصيصَ عن الاستثناءِ،

стр. 1605

ويبيّنُ أن التخصيص جملة أخرى غيرُ الجملة الأولى (١). ومنها: أن الرافعَ لليمينِ التكفيرُ والاستثناءُ. فنقول: معنى يرفعُ اليمينَ، فجاز أن يقعَ منفصلاً ومتصلاً كالكفارةِ. فيقالُ: إنّ الكفارة لا تمنعُ الحِنثَ، ولا ترفعُ أصلَ اليمين، بل تكفِّر الحِنث، والحِنثُ يتأخَّرُ عن اليمينِ غالباً، وإنَ الحانث يعرضُ له بتراخي الندم على ما حلفَ على تركه؛ فيفعلُه، أو على فعلِه؛ فيتركُه. والاستثناءُ من جملة الكلام، فهو بالشرط وجوابِه، والمبتدأ وخبره، أشبهُ منه بالكفارةِ.

стр. 1606

ومنها: أنَّ النسخَ يجوزُ تأخيرُه عن المنسوخِ، فكذلك الاستثناءُ، والجامعُ بينهما: المعنى، وأنَّ كل واحدٍ موضوعٌ للإخراج والرفعِ والإزالةِ. فيقالُ: إنَّ النسخَ إنما يقعُ في غالبِ الحالِ لأجل اختلاف الأزمان في المصالِح والمفاسدِ، وإنَ بعض التَعبداتِ تكون مصلحةً في وقت ومفسدةً في غيره، فصارَ الناسخُ جملةً، والمنسوخُ جملةً أخرى، فلا يجبُ الاتصال، بل لو كان الناسخُ متصلاً لكانَ بيانَ غايةٍ، ولم يكنْ نسخاً، ولهذا لم يجعل العلماءُ قولَه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] منسوخاً وناسخاً، بل سموا ذلك غايةً، وفي الغالبِ أنَّه يكونُ بينهما زمانٌ يختلفُ الأصلحُ فيه بين الإثبات والرفعِ، وعقبه يكونُ إما بيانَ غايةٍ، أو عين البَداء (١). فصل والدلالةُ على فسادِ قولِ مَن علَّقَه على المجلس: أنَّهما جملةٌ واحدةٌ -أعني المستثنى منه مع المستثنى- فلا يقفُ على المجلسِ، كالشرطِ والجزاء (٢)، أو الخبرِ والمبتدأ. شبهةُ الحسن (٣): أنَّ المجلسَ في الأُصولِ جُعل كحال الكلام، ولهذا عُلقَ عليه قبضُ رأسِ مالِ السَّلَم، وثمنِ الصرَف. فيقال: ذاك تعبُّد، لا يُعقلُ معناه، فأينَ هو من صلةِ الكلامِ بعضه ببعضٍ من طريق اللغةِ، والوضعِ، بل تشبيهه بما ذكرنا من الشرطِ والجزاءِ، أو الخبرِ والمبتدأ أولى.

стр. 1607

فصل يجوزُ تقديمُ الاستثناء على المستثنى منه، إذا كان متصلاً به (١). مثل قول القائل: ما جاءني إلا أخاك أحدٌ، وما مررتُ إلا أباك بأحدٍ، وقد تكلمت العربُ بذلك نظماً ونثراً، فقال حسَّانُ بنُ ثابتٍ ﵁: الناسُ ألْبٌ علينا فيكَ ليسَ لنا ... إلا السيوفَ وأطراف القَنا وَزَرُ (٢) وقال الكُمَيتُ (٣): فماليَ إلا آلَ أحمدَ شيعةٌ ... وماليَ إلامَشْعَب الحقِ مَشْعبُ (٤) فكان الاستثناءُ في الموضعينِ مقدَماً على المستثنى منه. فَنُصِبا جميعاً بالاستثناء مما هو في موضع النَصبِ والخفضِ؛ لأنَّه مما تكلمت به العربُ على هذا الوجهِ. وقد قال أهل اللغة: إنَّ الاستثناء إذا تقدمَ، نُصِبَ أبداً المستثنى منه، تقول: ما جاءني إلا أباك أحدٌ، وما مررت إلا أباك بأحدٍ، واستشهدوا بهذين البيتين، فيجب

стр. 1608

ترتيبُ الأمر في تقديمه على ما ذكرنا (١). فصل ويجوزُالاستثناءُ من الاستثناء (٢). لقوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [الحجر: ٥٩ - ٦٠] فاستثنى آلَ لوط من أهل المدينة، واستثنى امرأة لوطٍ من آلِ لوط، فالأهلَ استثناهم من المُهلكين، والمرأةَ استثناها من المنَجَّين من الهلاكِ. فصل لايصحُ استثناءُ الأكثر (٣). ذكَرَه الخرقيُّ من أصحابنا في كتاب الإقرار (٤)، وهو قول ابن درستويه (٥) النحوي، وأبي بكر الباقلّاني، خلافاً لأكثر الفقهاء والمتكلّمين في قولهم بجوازِ ذلك (٦).

стр. 1609

فصل في أدلتنا فمنها: أن الاستثناءَ من لغةِ العرب، وقد استهجنوا واستقبحوا ما طال من الكلامِ لغيرِ حاجةٍ، واسْتَحسنوا الاختصار وهو تَقليل الكلامِ الجامعِ لكثيرِ المعاني، وهو من أحدِ طرقِ إعجازِ القراَن، فهذا في الجملةِ، وإذا جاء التفصيل كان أشدَّ تقبيحاً واستهجاناً، كقولِ القائل وهو يريدُ الإخبارَ بأنَه رأى رجلاً أن يقول: رأيتُ ألفَ رجل إلا تسع مئةٍ وتسعة وتسعين رجلاً. وقوله: وهو يريد الإقرارَ لرجلٍ بدرهم: له على ألف درهم إلا تسع مئة وتسعةً وتسعين درهماً. وما دخل في خبرِ الاستقباحِ منهم لم يكنْ مستعملاً؛ لأنَّ القومَ عقلاءُ حكماءُ، امتازوا من الخلقِ باللسانِ وحسنِ البيان، فلا يخصَّون استعمالَهم إلا بالأحسن، فإذا رأيناهم استقبحوا كلاماً واستهجنوه، علِمنا أنَّه ليس من وضعهم. والدلالة على دعوانا استقباحهم ذلك: ما ذكره أبوإسحاق الزّجّاج في كتابِ "المعاني"، لما تكلَّمَ على قوبهِ: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] ولم يأت في كلام العرب إلا القليلُ من الكثير (١). وقال أبوالفتح ابن جِنّي (٢): لو قال قائلْ. هذه مئة إلا تسعين. ما كان متكلماً بالعربية، وكان كلامُه عِيَّا ولُكْنةً.

стр. 1610

وقال القتيبي (١) في "جوابات المسائل"، وفي كتابِ " الجامع " في النحو يجوزُ أن يقولَ: صمتُ الشهرَ كله إلا يوماً، ولا يجوز أن يقولَ: صمتُ الشهرَ كله إلا تسعةً وعشرين يوماً، ويقول: لقيتُ القومَ كلهم إلا واحداً. ولا يجوزُ أن يقول: رأيت القومَ كلَّم إلا أكثرَهم. وأنشدوا في ذلك: عَداني أنْ أزوركَ أنَّ بَهْمي ... عجافٌ كلُها إلاقَليلا (٢) ومنها: أنه لو جاز استثناء الأكثز لجاز استثناء الكل، ألا ترى أنه لما جازَ التخصيصُ في الأكثر جازَ رفعُ ذلك بالنسخِ رأساً. والأصول أكثرُها على إقامةِ الأكثرِ مقامَ الكل. ومنها: أنَّ عادةَ العرب إذا ضَموا مجهولاً إلى معلومٍ أن يبنوا الأمرَ فيه على التقريب، فإذا كان المجهولُ قريباً من العَقد (٣)؛ ذكروا العقدَ واستثنوا المجهول، وإذا كان بعيداً من العَقد؛ قذَموه إلى ما قبلَه من العدد (٤)، ولم يستثنوه، يقولون فيما قرُبَ من العقدِ: كُرَّينِ (٥) إلا شَيئاً. وفيما بَعُدَ: كُرُّ حنطةٍ وشيءٌ. ولهذا حَمل الشافعيُ ﵀

стр. 1611

عليه خبرَ ابن جريج (١) في تقديرِ القُلةِ بقربتين وشيء، حمل الشيء على ما دونَ النصف، ثمَّ بلغَ به النصفَ احتياطاً للماءِ (٢)، وهذا يدل على أنه لا يُسْتَثْنى [إلا] (٣) الأقل. فصل في الأسئلة لهم على أدلتنا فمنها: قولهم: أما استقباحُ ذلك؛ فلا وجه له، بل الأحسنُ عندهم غيره. وليس إذا كان الأحسنُ غيرَه لم يكنْ مستعملاً ولا سائغاً، ألا ترى أن الأحسنَ في حقِّ من أراد أن يُقر بتسعةٍ أو يخبر بها، أن لا يقول: عشرةٌ إلا واحداً، بل يقولُ: تسعةٌ. ومن أراد أن يثبت ستة إقراراً بها، فالأحسنُ أن يقولَ: ستة. ولا يقول: عشرة إلا أربعة، ثم لا يقالُ: إنَّ الاستثناء كذا؛ ليس بلغةٍ ولا مستعملاً.

стр. 1612

ومنها: أنَّ دعواكم أنَّه لم يوجدْ في لغة العرب، فكيف يصحُ ذلك منكم؟ والشاعرُ يقول: أذُوا التي نَقَصت تسعين من مئةٍ ... ثم ابعثوا حكماً بالحق قَوّالا (١) وهذا في معنى الاستثناء؛ لأن تقديره: مئةٌ إلا تسعين، قالوا: ولأنّا لم نسمع منهم إلا الاستثناء في كل جنسٍ وكلِّ عددٍ، ثمَّ إننا حكمنا بالاستثناءِ فيما لم نَسمع استثناءَهم فيه، على ماسَمعنا. ومنها: أن دعواكم أن كلامهم على الاختصارِ [فيها نظر] (٢)؛ فإنه ينقسمُ تارةً إطالةً، وتارة تقصيراً، وتارةً اختصاراً، وتارةً تكريراً، وهذا يوجدُ في تكرارِ القصص في كتابِ الله تعالى، والتأكيدات في لغتهم، ونفسُ الاستثناءِ تطويلٌ وتكثيرٌ يمكن تركه إلى ذكرِ العدد الأدنى، دون ذكرِ الأعلى والأكثرِ، ثم الاستثناء منه.

стр. 1613

ومنها: أن ضمَّ (١) المجهول إلى المعلوم هو الحجة، فإنَّهم لو فسروهُ بالأكثر المقارب للعقد في النفي والإثبات، صح، بأن يقولَ: أردتُ بالشيء: خمسين قفيزاً (٢). فصل في الأجوبةِ على الأسئلةِ أمَّا الاستهجان والاستقباح، فلا شُبهةَ فيه؛ لما نقلنا عن العلماءِ بهذا الشأنِ. وقولهم: ليس بمتكلمٍ بلغةِ العربِ من نطقَ بذلك، وما قولُ من قالَ: أعطيتُه مئة ألف إلا تسعة وتسعين ألفاً وتسع مئة وتسعة وتسعين درهماً، وما هو في الفعل إلا بمثابةِ من أرادَ المضيَّ إلى دارٍ في جوارِه طريقُها خطوات، فمضى خارجاً عنها دائراً في عَطَفاتٍ وزَنَقاتٍ (٣)، فمدّ (٤) المسافة فرسخاً، فاستهجانُ ذلك القولِ، كاستهجانِ هذا الفعل؛ لأنَّه تطويلٌ لا يُحتاجُ إليه، وهو العبثُ في الفعل، واللغو من القولِ، حتى إنَّ بعضَ العلماءِ يقولُ: إنه لا يحسنُ الاستثناءُ إلا بالكسر (٥)، فأمَّا بالعَقْدِ، فلا. وهذا يرجعُ إلى معنى، و [هو] (٦): أنّ الاستثناءَ نوعُ استدراكٍ، يقولُ الرجلُ: ثَنيتُ عِنانَ فرسي، وثنيتُ فلاناً عن رأيه، وذلك لا يقع أبداً إلا فيما يُستدركُ مثلُه لقلةِ الاهتمام به، والمذكورُ هو المهتمُ بهِ، فيذكر المئة والعشرةَ، لأنَّها المالُ الأكثرُ، والعقدُ الأكبرُ، ثم يَنْثني إلى إخراج ما قلَّ واستدراكه، فيكونُ ذكرُه الأكثرَ هو المهمُّ المذكورُ. فأمَّا أن يريدَ إثباتَ درهم، فيذكرَ مئة ألفٍ، وينفي منها ما يَبقى منه درهمٌ، فما

стр. 1614

هذا موضوعُ العرفِ والعادةِ. وأمَّا تعويلُهم على الشعرِ وقولهم: نقصت تسعينَ من مئةِ، فإنه ليس باستئناء وإنما حكى وأخبرَ بالحالِ، وعادةُ من أرادَ حكايةَ النقصان أنه يذكرُ ما نقصَ؛ لأنَّه تقريرٌ لما فوقَ وتأكيد (١) له، أو شرحُ حسابِ ذكرَ أصلَه، ثم ذكر خَرْجَه (٢). على أنَّنا لا ننكرُ أن يُستعمَل مثل ذلك القليل النادر وإنما المعوَّلُ على الاستعمالِ الشائع، ولا سبيلَ إلى الظفرِ بذلك. والذي يوضِّح أن التَنْقيصَ غيرُ الاستثناء: أنه يحسنُ أن يقولَ القائلُ: طلَّق الرجلُ من زوجاته ثلاثاً، وطلَّق امرأته من الثلاثِ طلقتين، ولا يحسنُ أن يقول: طلَّقَ زوجاتِه كلهنَّ إلا ثلاثاً، وطلقَ زوجته ثلاثاً إلاطلقتين. ولو سُئِل، فقيل له: كم طلقتَ من زوجاتِك الأربع؟ فقال: كلهنَّ إلا ثلاثاً. لاستُهجِنَ ذلك، ولو قال: طلقت منهم ثلاثاً. حَسُن ذلك، فيخبر عن الإيقاع بالأكثر ولا يستثنى الأكثر. فأمَّا الإكثارُ والإطالةُ، فهي من جملةِ اللغةِ، لكنْ للإفادة، فالتثنّي في القصصِ لبيانِ الفصاحةِ وتعجيزِ العربِ بأنَّ القصة الواحدة، كقصة نوحِ وموسى، مذكور بهذه الألفاظ الكثيرة المتكررة، وقد تُحدُّوا بواحدةِ من القَصَصِ، فما قدروا على مثلها، مع كونِ الله سبحانه قد أتى بأمثالها، وهذا أكبر قصدِ في التعجيز. ونفسُ الاستثناء مستعملٌ غيرُ مستهجنٍ، فأمَّا استثناءُ الأكثرِ فإنَّه غيرُ مستعمل على ما بيّنا، وما دخل في كلامِ المُحْدَثين -من غير استعمالِ كثُرَ من العربِ- واستمرَّ, فلا عبرة به.

стр. 1615

فصل في جمع شُبههم فمنها: أنَّ القرآنَ وردَ بذلك؛ وهو الأصلُ المعمولُ به، وعليه [المعوَّل] (١) في اللّغة والشرع، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] وقال: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠] فقد استثنى الغاوينَ من جملة العباد والمخلصين من جملتهم، وأّيّهما كان أكثر فقد استئناهُ. على أنَّ النصوصَ تُعطي أنَّ الغاوين أكثر بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] صدقه اللهُ على ذلك بقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] , ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣]، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) ومنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ...﴾ [المزمل: ١ - ٤]،، فقد استثنى النصفَ، وليس بأقلَّ (٣). ومنها: أنَّه معنى يُخرَجُ به من العموم ما لولاه لدخلَ فيه، أو لفظ، يُخرجُ من الجملة ما لولاهُ لدخلَ فيها، فجازَ أن يُخرجَ الأكثر كالتخصيص. ومنها: أنَّه استثناء بعضِ ما يتناولُه العمومُ، فصح كما لو استثنى الأقل.
следующие страницы →