стр. 1541
← Усуль аль-фикх следующие страницы →
Усуль аль-фикх · id 122232
الواضح في أصول الفقه
أبو الوفاء ابن عقيل
Полный текст (2 579 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1542
إذنِ وليِّها، فنكاحها باطل" (١) الخبر المعروف.
وحكى أبو سفيان عن أبي بكر الرازي أنه قال: هذا على وجهين (٢):
أحدهما: أن يكونَ الخبرُ محتمِلاً للتأويلِ، فلا يُلتفتُ إلى عملِ الصحابيِّ، كحديثِ ابن عمرَ في التفرُّقِ بين خبرِ المتبايعين وخيارهما (٣)، وحمله ذلك على التفرّق بالأبدان (٤)، فلا يعمل على تأويله.
والثاني أن يكون الخبرُ غيرَ محتمِلٍ للتأويل، فعمله بخلافِه يكونُ دليلاً على أنَّه عَرفَ نسخه، او عقلَ من دلالةِ الحالِ مرادَ النبي ﷺ أنَّه للندبِ دونَ الإيجابِ، وكان يحكي ذلكَ عن الكرخي، وحكى غيرُه عن الكرخيَّ أنَّ الأخذَ بما رواه أَوْلى مما عمل به من غيررتفصيلٍ (٥).
فصل
في دلالة الرواية الأولى
إنَّ كلامَ صاحبِ الشرع واجبٌ اتباعُه، وقولَ الراوي وعملَه قد يقعُ لشبهة أو اجتهادٍ يخطىءُ فيه، وقد يكون لدلالةٍ، فلا يجوزُ تركُ الحجّةِ لما يَحتمل هذه الاحتمالات.
وهذه الروايةُ التي تقولُ: إنَّ الصحابي كسائر المجتهدين، وليسَ قولُه حُجّةً، وأيضاً فإنَّ أبا حنيفةَ قال: ليسَ بيعُ الأمةِ المزوجةِ طلاقاً لها، واحتجّ هو وغيرُه بما رويَ عن ابنِ عباس أنَّ عائشةَ اشترت بَريرة، فأعتقتها، فخيرَّها رسولُ الله ﷺ (٦)، ولو
стр. 1543
كانَ بيعُها طلاقاً لما خيَّرها، وخالفَ ابنُ عباسٍ هذا الخبر وهو راويه، وكان يقولُ: بيعُ الأمةِ طلاقُها (١)، ولم يكن ذلك موجباً ترك الخبر.
ووجهُ المذهبِ الآخر أنَّ الصحابيَّ لا يخالفُ الخبرَ ولا يعاندُه، فإذا عملَ بخلافِه، أو أفتى بخلافِه استدللنا على نسخِ الخبر, وأنَّه إنَّما خالفه وتركَه عن توقيفٍ عرفَه من قول النبي ﷺ ، وتصاريفِ أحوالِه الدالّةِ على إسقاطِ حكمِ الخبرِ (٢).
جوابُ من نصرَ الأوَّلَ: أنَّ وجوهَ الاحتمالِ لغير ما ذكرتَ كثير، فلمَ قصرتَه على النَسخِ؟ ودلالة الحال مع احتمالِ النسيانِ أو التأويلِ بنوعِ شبهةٍ تجلَّت عنده بالدليلِ مع كونه مجتهداً يُقَرُّ على الخطأ، وليس بمعصومٍ، فلا وجهَ لتقليدِه، وتركِ ظاهرِ الخبرِ مع احتمالِ هذه الوجوه.
الثاني مما تعلَّقوا به: أنَّ الصحابيَّ أعرفُ بقولِ النبي ﷺ لسماعِ الوحي ومشاهدةِ الأحوالِ، وتصاريفِ النبي ﵊، فكان قولُه قاضياً على ظاهرِ الأخبار.
فيقالُ: قد وفيناه حقَه من هذه الميزةِ فيما يحتملُ من الألفاظِ، فأمَّا ما لا يحتملُ ولا يفتقرُ إلى التفسيرِ والبيانِ فلا؛ لأنَه مجرّدُ خلافٍ منه للخبرِ، ولأنَّه لو عرفَ أمراً؛ لوجبَ عليه نقلُ ذلكَ الأمرِ لنَعرِفه كما عرفَه.
على أنَا قد بيَّنا وجوهَ الاحتمالِ التي لا يستحيلُ حصولُها في حقّه، فلا وجهَ لإبطالِها والاقتصارِ على ما ذكرت.
стр. 1544
فصل
لا يجوزُ تخصيصُ اللفظ العام بعادةِ المكلَّفين (١)
مثلُ ورودِ تحريمِ البيعِ مطلقاً، وعادتُهم جاريةٌ بنوعٍ منه، كقوله العامِّ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] وقد جرت عادتُهم بأكلِ نوعٍ منه، فإنه لا يُعدلُ عن عمومِ اللفظِ بإخراجِ ما جرت به عادتهم، وما رأيتُ في ذلكَ، خلافاَّ فأحكيه (٢)، ولكنَ الأصوليين سطّروا ذلك في كتبهم.
لنا محلى صحةِ ذلك، وإبطالِ ما عساه يذهبُ إليه بعضُ من لا يعرفُ وضعَ
стр. 1545
الخصوص: أنَّ العموم نطقُ الشارعِ، ونطقُه لا يُخَصُّ إلا بنطقِه أو ما يستخرجُ من نُطقِه، كالفحوى، ودليلِ الخطابِ، ومعنى الخطابِ، فأمَّا العادةُ؛ فليست إلا وضعَ الشهواتِ أو الاختياراتِ أو الحاجاتِ التي لا يجوزُ أن تكونَ شرعاً، فكيف تَخُصُّ شَرعاً؟!
وأيضاً: فإنَّ الشريعةَ جاءت بتغيير العوائِد وحسمِ موادِّها، فلا يجوزُ أن يكونَ ما وردت الشريعة قاضيةً عليه، قاضياً عليها، ومُزيلاً لعمومها؛ ولأنَّ الشرع إمَّا لمصلحةٍ أو تحكُّمٌ بالمشيئةِ، والعاداتُ قد تقع بالمفاسدِ، ومخالفةً للمصالح؛ لأنها واقعة ممّن لا مَعرفةَ له بالمصالحِ، وتحكُّمُ الشرعِ إذا وردَ إنما يردُ على ألسنةِ الرسُل، فلا وجْه لقضاءِ العادةِ على عمومِ لفظِ الشارعِ ونطقِه، ولأنَّه لو خُصّصَ العمومُ بالعوائدِ؛ لما عُمِلَ بعمومٍ قط؛ لأنَّ العاداتِ قد تتجددُ أبداً، والخصوصُ بيانٌ، فيفضي إلى خلوِّ نطقِ الشرعِ عن بيانٍ.
شبهةٌ: إذا جاز أن يُخصَّ الاسم بالعرفِ، جازَ أن يُخصَّ العمومُ الشاملُ بالعرفِ.
قالوا: ونقول: ما خُصَّ به الاسمُ خُصَّ به العمومُ، كالنطقِ والقياسِ، ولأنَّ إطلاقَ الثمنِ في البيع يختصّ بنقدِ البلدِ، وهو عُرفٌ، وقد أجمعنا على حَمْلِ اسم الدابة على حيوانٍ مخصوصٍ، وإن كان واقعاً على ما يَدبُّ.
فيقال: إنَّ عرفَ الاستعمالِ في الاسمِ مقارنٌ للفظ، فيصيرُ ذلك لغةً جاريةً، فإنَّ اللغةَ أصلها استعمالٌ، بخلافِ وضعِ الشرعِ، فإنَّه ليس بمبنيٍّ على الاستعمالِ، وإنَّما هو وضعٌ وتحكُم، أو تحكم الحِكمةِ والمصلحةِ للمكلَّفين.
وممَّا يوضحُ الفرقَ بين اللُّغة والشرعِ: أنَّ العاداتِ التي يحتاجُ النَّاسُ إليها لم تتحكمْ على الوضعِ الشرعيِّ، وذلكَ مثلُ عادة الديالِم والركابية والباتاواة (١) أكثرُ
стр. 1546
استعمالاً من الخِفافِ والقفّازينِ، والنِّقاب والبُرْقُع عادةً للنساء، ولم يحكم بها على الإلحاقِ بالحوائلِ التي أجازَ الشرعُ المسحَ عليها، إلى أمثالِ ذلك من الحاجات والعادات.
فإن قيل: أليس صاحبُكم تركَ الركعتين بعد أذان المغرب، وقبل الإقامة (١)، مع الرواية الصحيحةِ عنده أنَّ الصحابة كانت تبتدرها عند سواري المسجد (٢)؟ وقال أيضاً في رواية مُهنا (٣) عنه في رواية بهْز بن حكيم عن أبيه عن يَعلى بن حكيم عن سليمان بن أبي عبد الله، قال: أدركتُ أبناء المهاجرين والأنصار يَعتمّون، ولا يَجعلونها تحت الحَنَك: هو معروفٌ، ولكنَّ النَّاسَ -على هذا أهل الشام خاصةً- لا يعتمِون إلا تَحت الحَنَك (٤). فظاهر هذا أنه اطَّرحَ الحديث بعادة أهل الشام.
فيقالُ: ليس فيما فعله وقاله قضاءٌ على لفظِ الشرعِ، بل قال في الركعتين: رأيتُ الناسَ ينكرونها. وذلك لجهلِ العامّة، فما تركها إلا في المسجدِ، وإخفاءُ السنن لأجلِ المضرّةِ والتُّهمِ يجوز لدفعِ مَضرّةٍ، لا قضاء بها على الشرعِ، وقضاء بعُرفٍ على عُرفٍ، وقابَلَ عُرفاً بعُرفٍ، وما قَضى بعرفٍ على نُطقٍ.
стр. 1547
فصل
ويَدخلُ التخصيصُ على الأخبار كدخوله على الأوامرِ والنواهي (١)، نحو قوله: رأيتُ المشركينَ، أشارَ إليه أحمدُ في عدّةِ مواضع من كتاب الله تعالى (٢)، خلافاً لأحد الوجهين لأصحابِ الشافعي (٣) وبعضِ الأصوليين، وجعلوا التخصيص ممنوعاً في بابِ الأخبارِ كامتناعِ النَّسخِ.
فصل
في الحجّةِ لمذهبنا
إنَّ العمومَ في الخبرِ محتمل يتردَّدُ، كاحتمالِه في الأمرِ والنَّهي، فيقول القائل: قال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وبانَ بالتخصيصِ أنَّه أراد البعضَ، وقال: ﴿تُدمِّر كُلَّ شيءٍ بأمْرِ ربَّها﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، و ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وأرادَ به البعضَ، وما زالت العربُ تقول: جاءني النَّاسُ كلُهم، ورأيتُ النَّاسَ أجمعينَ قد تختموا، كما تقول: ائْتِني بالنَّاسِ كلهم؛ وتُريدُ به البعضَ، وإذا اتفَقا في الاحتمالِ اتفَقا في التخصيصِ الصارفِ للَّفظِ الكُلِّي إلى ما احتمله من الجزئي، وأنَ المرادَ به بعضُ العمومِ أمراً وخبراً.
стр. 1548
شبهةٌ: هذا أحدُ التخصيصين، فلم يدخل على الأخبارِ، كتخصيصِ الأزمانِ، وذلكَ أنَّ تخصيصَ الأزمان و [الأعيان] (١) جميعاً يكشفان عن المرادِ، فهذا يخرجُ بعضَ الزمانِ بعد أن كان ظاهرُه الشمولَ والاسَتغراقَ، فإذا لم يَجُز أحدهما لم يَجُز الآخرُ.
فيقال: بل يجوزُ نسخُ الخبرِ -وهو الوعيد- يجوزُنسخه بالعفوِ، وقد تبجَّحت به العربُ، فقالوا: وإنِّي إذا أوْعَدْتُه أو وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إيعادي ومُنْجِزُ مَوْعدي (٢) إنَّ النسخَ رفعٌ للحكمِ وإزالةٌ لجميعِ مقتضى اللَّفظِ، فرفعُه يكشفُ عن الخبرِ أنَّه كان كذباً، وذلكَ لا يجوزُ على الشرعِ، ولا يحسُن من أحدٍ من المتكلمينَ بالخبر, ويكشفُ ذلكَ أنَّه لما قال لإبراهيمَ: اذبح واحِدَك أو ولَدَك -على الخلافِ في النقل- حَسُنَ أن ينسخَ ذَبْحه إلى ذبح الذِّبح (٣)، ولو قال: ذبحَ إبراهيمُ إسماعيلَ أو إسحاقَ، لم يَجُزْ أن يَنْسَخ ذلك بدليلٍ يوضِّح أنَّه لم يذبحه، حتى إنَّ النسخَ يكون بالخلافِ، فقال قومٌ: هو البداء على الإطلاقِ، ومنعوا جوازَه على الله سبحانَه، وقومٌ منعوا منه قبلَ وقت الفعلِ، وظنوه بَدَاءً، وما استقْبَحَ أحد تخصيصَ العموم، فلا تساوي بينهما (٤).
فصل
إذا وردَ الخطابُ من صاحبِ الشرعِ بناءً على سؤالِ سائل، نظرتَ: فإن لم يكن مستقلاً بنفسِه بحيث لو قُطِعَ عن السؤالِ وأُفرد عنه لم يكن مفهوماً، مثل قوله لأبي بُردة بن نِيار لما سأله عن ذبحِ أضحيته قبلَ الصلاة، وأنَّه لا يجد إلا عناقاً جذعةً:
стр. 1549
"تُجزئكَ، ولا تجزىءُ أحداً بعدَكَ" (١)، وقوله لأبي بكرة حيث دخل الصف راكعاً:
"زادَكَ اللهُ حِرصاً ولا تَعُد" (٢).
فهذا جوابٌ خاص على السؤال الخاص، وأما إذا كان جوابُه ﷺ عامَّاً، وسؤال السائل خاصاً، فلا يُحكم بخصوص الجواب المستقلِّ العامِّ، لأجل خصوص السؤال (٣)، مثل سؤالهم له عن وضوئهِ من بئر بُضاعة، فقال: "الماءُ طَهور" (٤)، وسؤالهم عن كونهم في البحر على أرماثٍ (٥) لهم، وليس معهم من الماء العذب ما يشربونه، وقولهم: أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال: "هو الطهور ماؤه، الحِلُّ ميتته" (٦)، ومثل سؤالهم عن عَبدٍ وُجِدَ به عَيبٌ، وكان استُغِلَّ، فقال: "الخراجُ بالضمان" (٧)، فكان ذلك عامَّا في كل من له خراجُ شيء. فعليه ضمانُه دون خصوص العبد المبيعِ المَعيبِ، فهذا يكون على عمومه في حقِّ الناس كُلّهم، ومثل قول القائل: إنّ أُمي ارتدّت،
стр. 1550
فيقول: اقتُلوا مَن بدَل دينه، أو: "مَنْ بَدَل دينَه فاقتُلوه" (١)، فنأخذ بعموم اللَّفظ دون خصوص السبب، وبه قال الفقهاء، خِلافاً لمالك، والمزني -من أصحاب الشافعي-، وأبي ثور، وأبي بكر القَفّال، والدَّقاق في قولهم: يقصر على السبب الخاص، ويخصّ به عموم الجواب (٢).
فصل
يجمع أدلتنا
فمنها: أنَّ الحكمَ إنَّما يُتلقى من لفظ صاحبِ الشريعةِ دونَ نطق السائِلِ، فإذا كان لفظُه عامّاً، وسؤالُ السائلِ خاصَّاً، علمنا أنه مبتدىءٌ بالتشريعِ العام، تاركٌ لتخصيصِ السائِل، فالسائلُ إذا قال له: إنَّ زوجتي ارتدَّت، فقال هو ﷺ : "من بدَّلَ دينَه" فعليه القتلُ، أو: "فاقتلوه" (١)، علمنا أنَّه أرادَ تشريعَ قتلِ المرتدينَ أجمعَ، بوحيٍ عامٍّ نزلَ عليه، وكان المثيرُ له سؤالَ السائلِ.
ومثلُ هذا من الكلامِ الجاري فيما بيننا: أنَّ قائلاً لو قالَ لغيرِه: هل أنجزَكَ الأميرُ ما وعدَكَ؟ فقال: إنَّ الأمير منجزٌ وعدَه، محققٌ لخبرِه بإنجازِه، لا يُخلفُ وعداً، ولا يَنكُثُ عقداً. عَلمَ كُلُّ سامعٍ كلامَه أنَّه لو أرادَ جوابَ سائلِه فقط، لقال: نعم أنجزَني. فلما أطالَ؛ عُلِمَ؛ أنَّه قصدَ وصْفَ الأميرِ بإنجازِه عِداتِه هذه وغيرَها، وأنَّ ذلكَ دأبُه وخُلُقُه وعادتُه، وهذا أعمُّ من السببِ والسؤالِ.
والذي يوضِّحُ هذا: أنَّه لو كانَ كلامُه مقصوراً على سؤالِه؛ لما كانَ مجيباً له، ألا
стр. 1551
ترى أنَّ السائلَ في المناظرةِ والمجادلةِ إذا قال: ما تقول في نبيذ التَّمر المشتَدِّ؟ فقال: عندي كُلُّ نبيذٍ من تمرٍ وزبيبٍ وحنطةٍ وذُرةٍ وشَعيرٍ حرامٌ، وعلى الذي يسكرُ منه الحدّ. لم يكن مجيباً عندَ أهلِ الجدل، وقالوا: لا يكونُ الجوابُ صحيحاً حتى يكونَ مطابقاً للسؤالِ، والنبيُّ ﷺ يُسألُ عن ماء البحر فيجيب عنه وعن ميتَتِه. ويقول ابتداءً: "لا جَلَبَ ولا جَنَبَ ولا شِغار" (١)، ويقول: "البِئْرُ جُبارٌ، والمعدِنُ جُبارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمسُ" (٢). فيقرنُ بالحكمِ ما لا يشاكله، وهذا يدلُّ على أنَّه ليس ينتظمه نظماً إنما يقولُ ما يقالُ له، فإذا أُنزلَ الوحيُ بالأمرِ، قاله بحسب ما أوحيَ إليه، فإذا
стр. 1552
قصرنا قولَه العامَّ على سؤالِ السائلِ الخاصِّ، عطَّلنا وحيَ اللهِ؛ لأجلِ تخصيصِ السائلِ لغرضِه الخاصِّ، وذلك لا يجوزُ.
فإن قيل: فلو قالَ لهم لمَّا سألوه: توضؤوا به، بَدلاً من قوله: "هو الطهورُ ماؤه"، كان مقصوراً عليهم، أو قالَ لهم: نعم، ولم يزد على هذا، وقفَ على وضوئهم به.
قيل: كذا يقتضي المذهبُ، إذ لا عمومَ في اللفظ إلا أنْ تقومَ دلالةٌ، فيدلَّ (١)، بل يكونُ مقصوراً عليهم، وعلى من حاله كحالهم التي ذكروها.
ومنها: أنَّا أجمعنا على أنَّ السؤالَ إذا كان عامَّاً، وجوابُ النبي ﷺ أو غيرُه خاصاً، قُضيَ بخصوص الجواب.
مثالُه: أن يقول السائل: يا رسولَ الله، أنقتل من لقينا من المشركين؟ فيقول: اقتلوا غير المجاهدين، أو اقتلوا من لا ذِمَّة له، أو يقولَ: أنعتق كل رقبةٍ في الكفارةِ؟ فيقول: أعتِقوا السليمةَ المسلِمةَ من الرقابِ. فإنَّا نقضي بخصوصِ الجوابِ على عمومِ السؤالِ، تلقياً للحكمِ من لفظِ الشارع دونَ السائلِ، فكما يُطرحُ عموم سؤالِه لخصوصِ جوابِ الشارعِ، كذلكَ يجب أن يُطرحَ خصوصُ جوابِ السائلِ لعمومِ خطابِ الشارعِ، ولا نجدُ (٢) لذلك فرقاً.
ومنها: ما أجمعَ عليه الفقهاءُ: أنَّ الزوجَ إذا شكت إليه زوجتُه ضَرَّةً لها، فأجابها بأنْ قال: كلُّ زوجاتي طوالق. قُضيَ بوقوعِ الطلاقِ على الشاكية والمشكوِّ منها وغيرهِما، ممن لم يَجْرِ لها ذكرٌ في لفظِ الشاكيةِ، تعويلاً على عمومِ إيقاعِه وشمولِ لفظه دونَ خصوصِ سؤالها (٣).
يوضِّحُ هذا: أنَّ الزوجَة الشاكيةَ كالمرأةِ السائلةِ، والزوجُ في تملّكِه إيقاعَ الطلاقِ
стр. 1553
وإزالةَ السببِ المشكوِّ منه بتصرفِه في الزوجاتِ، كصاحبِ الشرعِ في تصرُّفِه في الأحكامِ، ثم عوَّلنا على عمومِ جوابِ الزوجِ، ولم نقضِ عليه بخصوصِ سؤالِ المرأةِ الزوجةِ، كذلكَ يجبُ أن نعوِّل على عمومِ قولِ الشارعِ دونَ خصوصِ سؤالِ السائلِ.
ومنها: أنَّ الجوابَ إذا كانَ صالحاً لخطابِ سائرِ المكلفين لم يقصر على السائلِ اعتباراً بعمومِ لفظِ الشارعِ الشاملِ لجميعِ المكلفين المخاطبين، كذلكَ في بابِ عمومِ الحكمِ وشموله يجبُ أن لا يقتصرَ على سؤالِ السائل، وما الفرق بين الشخصِ السائل الخاصِّ [وغيره] (١) إلا أنَّ المصالح تختلف باختلاف الزمان، وكذلكَ خُصَّت الأمكنةُ بالمناسكِ، والأسفارُ بالرخصِ، فلا فرقَ بينهما، فلما لم نقصر الجوابَ العامَّ على السؤال الخاص، كذلكَ لا نقصر الجوابَ العامَّ على السبب (٢) الخاصِّ، وذلكَ مثلُ آيةِ اللِّعانِ، نزلت في هلالِ بن أُمية (٣)، وآيةُ حد القَذفِ نزلت في عائشةَ (٤)، واعتبر بعموم (٥) صيغتها دونَ خصوصِ القصةِ والشخصِ الذي نزل فيه.
ومنها: أنَّ السؤالَ قد يقعُ في زمانٍ مخصوص ومكانٍ مخصوصٍ، ولا يُعتبر بهما، وإن كانت المصالحُ تختلف بهما، لكنَّا عوَّلنا على عمومِ الصيغةِ وشمولها دونَ خصوصِ الوقتِ والمكان، كذلكَ يجبُ أن نُراعيَ عمومَها دون خصوصِ السؤالِ.
فإن قيل: المكانُ والزمانُ لا يصلحان وصفين لِعِلَّة (٦) الحكم، بخلاف ما انتظم سؤال السائلِ من الألفاظِ.
قيل: السفر في البحر وصفُ الماءِ، وكما (٧) يجوز أن يكون وصفاً بعضُ الأزمانِ،
стр. 1554
يصلح أن يكون [وصفاً بعض الأعيان] (١)، وكيف لا يكون كذلك؟، والنسخ يا حُسْنُهُ عند من علَّله (٢).
ومنها: أن العامّ إنما يُقضى عليه بما يخالفه وينافيه، فأمَّا ما يطابقه ويماثله ويُضاهيه؛ فلا، ومعلومٌ أنه لا تَنافي بين السببِ الذي وقع السؤال عنه، وبين عموم الجواب، فإنَّه سُئِلَ عن الوضوءِ بماءِ مخصوصٍ، فأجاب بجنسِ جعلَ الماءَ طهوراً، الذي ماءُ البحرِ منه وبعضٌ له، ولهذا لا يقتضى بالنَسخِ (٣) مع إمكانِ الجمعِ، فكيف يقضى بالتخصيصِ للعموم بلفظِ يُطابقه ويُلائمه؟
ومنها: أنَّا أجمعنا على أنَّ عمومَ لفظِ صاحبِ الشريعةِ حجّةٌ، وأنَ قولَ السائلِ ليس بحجةِ، فلا يجوزُ أن يقضى على قولِ هو حجة بقول مسترشِدٍ وليس بحجة.
ومنها: أنَّ لفظَ الشارعِ مستقلٌ بنفسه، وغيرُ محتاجِ، ولا يفتقر إلى السؤال، ولهذا لو ابتدأ فقال: الماءُ طَهورٌ، الخراجُ بالضِّمانِ، ماء البحرِ طهورٌ وميْتته حلالٌ. كان ذلكَ شرعاً مستقِلاً، والسؤالُ لو انفردَ لما تعلَّقَ به حكمٌ، فكان الاعتبارُ باللفظِ الذي به يتعلَّقُ الحكمُ دون مَا لا يتعلَقُ الحكمُ به إذا انفرد.
فصل
يجمع شُبَههم
فمنها: أنْ قالوا: السؤالُ مع الجوابِ كالجملةِ الواحدةِ، بدليلِ أمرين:
أحدُهما: أنَّه هو المقتضي للجواب.
والثاني: أنَّه متى كان الجوابُ مُبْهماً أُحيلَ ببَيانه على السؤالِ، ألا ترى أنَّ ابتداءَ قول القائلِ بنَعمْ لا يُفيد، فإذا قالَ: أزيدٌ في الدارِ؟ فقالَ المجيبُ: نَعمْ، صارَ المقتضي
стр. 1555
لنعمْ قولُه: أزيدٌ في الدار؟ قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ١٤٤]، ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وإذا ثبت أنَّها جملةٌ واحدةٌ؛ وجبَ أن يجعل الجوابُ مقدَّراً بالسؤالِ، وصارَ كالمبتدأ والخبر: قامَ زيدٌ، أو: زيدٌ قامَ. والاستثناءِ مع المستثنى: قامَ النإسُ إلا زيداً.
فيقالُ: لا نُسلِّمُ أنهما كالجملةِ الواحدةِ، بل هما جملتانِ مفترقتانِ، وأمَّا كونُ الجوابِ بمقتضى السؤال، فلا يُسلَّمُ أيضاً، وكيفَ يكون مقتضاه، وذلكَ خاصٌ، وهذا عامٌّ، فأين الخاصُّ من العامِّ؟ ولربما كانَ الجوابُ يتضمنُ حكمين وثلاثةً، ويكونُ السؤالُ عن حكمٍ واحدٍ على ما بينّا من ذكرِ مَيْتةِ البحرِ، وما سألوه إلا عن مائِهِ، وكما نطقَ به القرآنُ عن موسى- ﵇، لما قيل له: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧]، كان جوابه: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] وكان الجوابُ الذي يخصُّ السؤال: عَصا، بلا إضافة، فهذا شائعٌ في لغة القومِ.
وكونُه قد يُحَالُ منهم الجواب على بيان السؤال (١)، فباطلٌ بالكتابِ مع السُّنةِ، فإنَّه يجوزُ أن يحالَ أحدُهما على الآخرِ في البيانِ وهما مختلفانِ.
على أنَّ خلافَنا في الجوابِ المستقلِّ بنفسِه غير مفتقِرٍ في البيان إلى السؤالِ، وذلك ليس مع السؤال جملةً واحدة.
ثمَّ هذا يبطل بما ذكرنا من سؤالِ الزوجةِ زوجَها وشكواها الخاصِّ إذا أجابها عنه بطلاقٍ عامٍّ.
فإن قيل: لنا في الزوجةِ من الحجّة عليكَ مثل مالَكَ، فإنَّها لو سألَتْه الطلاق، فقال لها: أنت خَليَّة. فإنَّ قوله: أنت خليَّة. إذا كان مُبتدأ؛ لا يقعُ به طلاقٌ، ولو أجابها به عن سؤالها، كان طلاقاً، وما حصل كونُه طلاقاً إلا بناءً على سؤالها.
стр. 1556
قيل: "خَليةٌ" لفظٌ صالحٌ متردد بين خليِّةٍ من زوجٍ، ومن الخيرِ، فإذا سألَتْه، كان الظاهرُ أنَّه قصدَ جوابها، فصارَ ما دلَّ على نيته وقَصدِه [قائماً] (١) مقامَ قصده، ودلائلُ الأحوالِ أبداً تترجَّحُ إلى أحد محتملي اللفظِ (٢).
ومثلُه من ألفاظِ صاحبِ الشريعةِ إذا قال له الرجلُ: أريدُ طلاقَ زوجتي لكونِها متبرِّجةً. فقال: خَلِّها. صُرِفَ إلى التخليةِ بالطلاقِ، دونَ التخلية من حَبسِه وحَجرِه.
ومنها: أنَّه جوابٌ خَرَجَ على سؤالٍ خاصٍّ، فكانَ مقصوراً عليه، كما لو لم يستقلَّ إلا بالسببِ.
فيقال: المعنى هناك: أنَّ اللفظ لم يتناول غير ما سئلَ عنه، فهو كقوله ﷺ :
"تُجزئكَ ولا تُجزىءُ أحداً بعدَكَ" (٣) لمَّا لم يصلح الخطابُ لغيرِه وُقِفَ عليه، وليسَ كذلكَ ها هنا، فإنَّ اللفظَ العامَّ موضوعٌ للشمولِ، فهو كلفظِ المجيبِ إذا تناولَ عدداً مخصوصاً كالعشرةِ، والسائلُ واحدٌ، فلو قالَ له واحدٌ من عشرة حاضرين: يا رسولَ اللهِ، أتوضأ بماءِ البحر؟ فقال: توضؤوا بمائِهِ، فإنَّه يُعملُ بجوابِه الشاملِ للعشرةِ، دون خصوصِ السائلِ.
ومنها: أنْ قالوا: لمّاَ وردَ الخطابُ على السببِ، دلَّ على أنَّه بيانٌ لِحكمةٍ خاصَّةٍ، إذ لو كانَ بياناً لغيرِه لبينه قبلَ السؤالِ؛ لما وجبَ عليه من بيانِ الأحكامِ.
فيقالُ: يجوزُ أن يكونَ عند سؤال السائل نزلَ الوحيُ له وللأمّة، بل الظاهرُ ذلكَ، وإنَّما لم يَبتدىء، لأنَّ اللهَ سبحانه أثَارَ السببَ، وهو الحاجةُ إلى السؤالِ حتى يبين الحكم العام للأمة، كما قيضَ العباس لقوله: يا رسولَ الله إلا الإذخرَ، فقال: "إلا
стр. 1557
الإذْخر" (١) بأسرعِ جوابٍ، وما كانَ ذلك منه، بل قيلَ له، فقالَ، وإنما سبقَ العباسُ إلى الاستثناءِ، والله قد أعد الرخصةَ جواباً، كما رويَ عن عمرَ في الثلاثِ التي وافق اللهَ فيها، ولهذا قال: وافقتُ ربي في ثلاث (٢)، وقول النبي ﷺ : "سَنَّ لكم مُعاذُ" (٣)، والمرادُ به: أنَّ الله قيَّضه لفعل ذلك، وقد سبق بتشريع ذلكَ، لا أنَّ معاذاً شرعه أعني تأخير قضاء ما سَبَق به من الركعات بعد أن كانوا يَبتدؤون بأداءِ ما فات -ألا
стр. 1558
تراه كيف بين حكماً لم يُسأل عنه؟ وكجوابه بميتةِ البحرِ وما سُئل عنها، ولأنَه لو كان بياناً للجواب خاصَّةً لخصَّه به كما خصَ أبا بُردَة وأبا بَكْرة (١)، ولأنه باطل بنزوله على حادثةٍ، كالَلِّعان في العَجْلاني (٢)، وآياتِ القذف لقصة عائشة (٣)، وغير ذلك من أمثالِها نزلت لأجلِ حوادث ولا تختصّ بل تعمُّ، كذلكَ السؤالُ.
ومنها: أن قالوا: إن السبب هو الذي أثار الحكم فتعلَّقَ به، كالعلَّةِ، والعلّةُ لا تؤثر إلا بمعلولها خاصَةً، كذلكَ الجوابُ الذي أثارَ السبَب.
قيل: العلةُ مقتضية للحكمِ، ولهذا لا يدخلُ عليها ما لا يؤثرُ ولا يقتضي، ولو زيدتْ وصفاً كان حشواً، ولا يجوزُ أن تكونَ العلةُ أعمَ من حكمِها، فلو قالَ فيما يَستقلُّ: بطاهرٍ مائعٍ. لم يَجُز ولو قال فيما يستقل: بطاهرٍ جامدٍ. كان حشواً. وفي مسألتنا يُسألُ عن الماءِ، فيجيبُ عن الميتةِ مع الماءِ وعن أحكام كثيرةٍ (٤).
ومنها: أن تعديهُ من السببِ الذي وردَ عليه لا يؤمَنُ أنْ يكونَ مفسدةً، والظاهرُ بأنَّه لمّا خرجَ على السببِ الخاَصِّ أنَّه كان مصلحةً على ما وردَ عليه من السببِ الخاصِّ. (٥)
فيقالُ: إنَّ المصالحَ قد تكونُ منوطةً بالأشخاصِ والأزمانِ والأمكنةِ، والواحدِ دونَ العددِ الزائِد، ومع ذلكَ لم يقصره المخالفُ على الشحْصِ السائِل، ولا الوقت
стр. 1559
الذي حصَلَ السؤالُ فيه، ولا قصرَه على المكانِ، ولا خصَّهُ بالواحدِ إذا كان جوابُ الشارعِ تضمَّنَ الخطاب لعشرةٍ، على أنَّه لو كانَ المصلحةُ ذلكَ لما جاز للشارعِ أن يتنكَبَ الخاصَّ من القول، ويعدِلَ إلى العامِّ.
ومنها: أنْ قالوا: لو كانَ الجوابُ عن سؤال (هل) ب (نعم) أو (لا)، أو عن (ليس) ب (بلى) كان مقصوراً على السؤال، فلما قال الباري سبحانه: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] كان تقديره: نعم، وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، بلى أنتَ ربنا.
فيقال: إنَّما يكونُ ذلكَ في الجوابِ الناقصِ، وكلامُنا في الجوابِ التَّام العام الصالحِ للابتداءِ وإلاستقبالِ، ولسنا نُنكرُ تعلُّقَ الجوابِ بالسؤالِ إذا لم يكن مستقلاً، وقوله: نعمْ. لا يستقلُّ، وبلى أيضاً لا يستقِل، ولهذا لو ابتدأ به لم يُعقل منه معنى حتى يُسألَ عمَّا كان من السؤالِ. وها هنا الكلامُ مُستقِلٌ، ولهذا لم يقصَر عليه.
ومنها: أن قالوا: قد اتفقَ أصحابُكم وأصحابُ مالك على أنَّ الأيْمانَ محمولةٌ على مخارجِها، مقصورةٌ على ما هيَّجها وأثارها، فاذا قال: واللهِ لا فَعلتُ كذا، ولا قَبلتُ منك كذا. وكان (١) المهيِّجُ ليمينه والسببُ فيها: المنَّةَ، لم يُحملْ إلا على ما يزيل المنَّةَ، وامتنع من القبول لأجلها، واليمينُ حكمٌ شرعيٌ بُنيَ على لفظٍ وترتَبَ عليه، كذلكَ يجبُ أن يقصر جوابُ صاحبِ الشريعةِ على السببِ الذي أثارَه، ومتى لم يكن كذا كان مناقضةً في المذهبِ، إذ لا فرق بينهما.
فيقالُ: إنَّ الأيمانَ حجةٌ لنا من وجهٍ؛ وهو أنَّه إذا حلف: لا لبسَ من غزلِ زوجتهِ، وكانَ السببُ في يمينِه منَتها عليه، واستزادتَها له على ما يجبُ لها؛ لأجل ما ذكرَته من غزلها، فإنَّنا لا نَقصر ذلك على الغزل، حتى إنه لا يقف حِنثُه على لُبسِه من غزلها، بل يحنثُ بقبولِ كل شيءٍ من جهتها؛ من مالٍ وعملٍ تحصل بمثله المنَّةُ،
стр. 1560
فلو ركِبَ دابَّتها، أو استخدم عبدَها وأمتَها، فإنَّه يحنثُ، فقد تعدت اليمينُ السببَ المحلوفَ عليه.
على أنَّ الأيمانَ تُحْالف وضعَ الشرعِ؛ لأنَّها تتخصص بالعرف، ولهذا لو حلفَ: لا أكلتُ الرؤوسَ. حُمِلَ على رؤوسِ الأنعامِ، و: لا دخلتُ سوقَ الطعامِ.
تخصَّص حِنثُه بدخولِ سوقِ الحِنطةِ دونَ دار البِطِّيخ وسوقِ الخبازين، وإن كان الخبزُ أقربَ إلى الطُّعمِ والأكلِ، فإنَّ الطعامَ طُعمةُ الإنسانِ، والحنطةُ أبعدُ من الطُّعمِ (١).
ومنها: قولُهم: لو لم يكن الجواب مقصوراً على السبب؛ لجاز إخراجُ السَببِ عن تناول حكمِ الخطابِ له، كما لو نَطقَ باللفظِ العامِّ ابتداءً، فإنه لو ابتدأ العمومُ جاز تخصيصُه فيما عدا السببَ الذي وردَ عليه سؤالُ السائلِ في مسألتِنا، فلمَّا كانَ السببُ لا بُدَّ داخلاً، عُلِمَ أنَّه قد تخصَّص به تخصُّصاً خرجَ به عن حكمِ العمومِ المبتدأ.
بيانُه: أن يقول ابتداءً: "الماءُ طَهوو لا ينجسُه شيءٌ" (٢)، ويخصُّ به ماءَ بئرِ بُضاعة بأنَّه ليسَ بطَهورٍ، فلَّما جاءَ سؤالُ القوم عن بئر بُضاعة، فقالَ: "الماءُ طهور"، لم يَجز بعدَ خروجِ سؤالِهم عنها أنْ يخرجَ ماؤها عن الطُّهوريةِ المذكورةِ.
فيقال: إنَّما لم يجز إخراجُه عن الجوابِ بعدَ السؤالِ؛ لأنَّ الجوابَ وإن كانَ لفظُه عامَّاً، إلا أنَّه لا بُد أن يكون جواباً عن السؤالِ، فأوَّلُ ما يُراعى في اللَّفظِ الواردِ عقيبَ السؤال أن يكون جواباً، ثم يُعطى العمومُ حقَه، كما أعطيَ السؤالُ حقَّه، ألا ترى أنَّه لا يحسُنُ أن يقولوا له حالهَم التي ذكروها في البَحرِ، ثم يُتبعوه: أفنتوضأ بماء البحر؛ فيكونُ جوابه: هو الحلُّ ميتته. لأنه ابتدأ إفادةً بالشرعِ إباحة ميتةِ البحر،
стр. 1561
ويكون مُعطلاً للبيان عما سألوه عنه مع حاجتهم إليه، وذلكَ لا يجوزُ، فكما لا يجوز تركُ ما سألوا عنه ابتداءً، والإتيانُ بحكمٍ آخرَ غيرِ ما سألوا عنه، كذلكَ لا يحسُن أن يأتَي بلفظِ عمومٍ ثم يخصُه على غيرِ ما سألوه عنه، فلذلكَ افترقَ الحالُ بينَ العمومِ المبتدأ، والعمومِ الخارجِ على سبيلِ الجوابِ عن حكمٍ خاص (١)، وأنَّ العمومَ المبتدأ لا يجبُ فيه قضاءُ حق آخرَ، وهذا يجبُ فيه أن يُراعى مراعاةَ حكمِ الجوابِ وإعطاء العمومِ الزائدِ عليه حقَّه. ألا ترى أنَّ الناس يعدُّون (٢) ذلك عبثاً شائعاً، فيقول قائلهم: سألته عن أبيه، فقال: خالي شُعيبٌ، إذ كان توريةً عن الجوابِ، ولو قال: أبي زيدٌ، وخالي شعيب، لم يستنكرْ أن يجيبَه عمَّا سأل، ويفيده تعريفَ خالِه بعد تعريفِ أبيه المسؤولِ عنه.
على أنَّ الإجماعَ يغني عن الاعتذارِ، ففيه الكفايةُ، ولا خلافَ بين الأمَّةِ أنَّ ما خرجَ السؤالُ عليه لا يجوز تخصيصُه، ودليل الإجماعِ: ما (٣) ذكرناه، والله أعلم.
ومما يصلح أن يكَونَ دلالةَ الإجماعِ: أنَّ الخطابَ الخارجَ ابتداء لكلِّ مكلَّفٍ، فالسائلُ من جملةِ المكلَّفين، وله خصيصةُ استحقاقِ الجوابِ عما سألَ عنه؛ لكونه محتاجاً إلى العلم بذلك، فإنَّ (٤) رسولَ الله ﷺ لا يجوزُ له تركُ ما يجبُ من البيانِ، والعدولُ إلى بيانِ حكمٍ لم تقع الحاجةُ إليه، ولو تسلَّطَ عليه الإخراجُ عن عمومِ اللفظِ وتناوله له كانَ نسخاً، فأمَّا تخصيصاً فلا.
ومن أعظمِ الفوائِدِ: أنَّه لو لم يردِ السببُ والسؤالُ اللذان خَرجَ اللفظُ عليهما، بل نقل مجرَّدُ اللفظِ؛ لكانَ لأهلِ الاجتهادِ إخراجُ ذلكَ بدليلٍ، فلماَّ خرجَ مخرجَ السؤال؛ امتنعَ ذلك؛ لأنَّه صارَ جوابه نصَّاً ومن أخرجَ السببَ عن حكمِ اللفظِ كان
стр. 1562
نسخاً، فقد تخصَّصَ السببُ بهذه الخصيصةِ، وتخصُصُه يمنعُ من كونِ اللفظِ الذي حصل جواباً عاماً، إذ لو كان له حكمُ العموم لما اختص بعضُه بحكمٍ يخرج به عن جميعِ ما شمِلَه، وما هذا مما يوجبُ قصورَ الجوابِ عليه، كالسائلِ نفسه، والوقت، والمكان، فإنَّ الحكمَ لا بُدَّ أن يتناولَ الشخص السائلَ، ثم إنَّه لا يجوزُ إخراجُه عنه، ولم يدلَّ ذلكَ على قصورِه عليه، فبطلَ أن يكونَ كلُّ ما وجبَ دخولُه وجبَ الاقتصارُ عليه.
ومنها: أن قالوا: لو لم يكن قصرُ العام على السببِ والسؤالِ الخاصَّين واجباً، لما وجبَ تأخيرُ الحكمِ إلى حينِ حدوثِ السببِ، ولَماَ كان لتأخيرِ الحكمِ معنى، فلما وجَبَ تأخيرُ الحكمِ إلى حينِ حدوثِ السبب؛ عُلِمَ أنَّه مقصورٌ عليه.
فيقال: ولم قلتم: إنَّه لم يؤخره إلا لأجلِ قصورِه عليه؟ فلا سبيلَ إلى جوابهم عن ذلك.
على أنَّ من مذهبنا: أنَّ اللهَ سبحانَه لا يؤخِّرُ تعبداً، ولا يقدمه لعلةٍ من العللِ على ما قرَّره أئمتنا في أصولِ الدياناتِ (١)، مما لا يليقُ هذا الكتاب بذكرِه.
على أنكم ما تنكرونَ أن تكونَ الفائدةُ في ذلكَ سبقَ العلمِ بأن التعبُّدَ عند تجددِ السؤالِ، وحدوثِ السّببِ الخاصِّ هو الأصلحُ في التكليفِ، وأنَّه لو قدم التعبّد عليهما، [أو] (٢) أورده بعد ورودهِما، أو أورده ابتداءً، لم تقع الطاعةُ من أحدٍ من المكلفين، ولكانَ ذلكَ تنفيراً (٣) وفساداً، وقد أشار اللهُ سبحانَه إلى ذلك فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] قال الله سبحانه:
стр. 1563
﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان: ٣٢ - ٣٣] ومثل هذا لا ينكرُ أحد اتفاقَ مثلِه في المعلومِ، وإذا كانَ كذلكَ سقطَ ما قالوه من قصرِ الفائدةِ التي طلبوها على العلّةِ التي ذكروها.
فإن قيلَ: الباري قد عَلمَ أنَّهم سيَسألون، فلمَ لم يقدِّم الحكم فيغنيهم عن السؤال، فيكون أبلغَ؟! لأنَّ الإغناءَ بالعطاءِ قبل السؤال افضلُ من العطاءِ بعدَ السؤالِ في بابِ المالِ، كذلكَ في بابِ العلم.
قيلَ: إنَّ أفعال الحكيمِ تارةً ابتداءً ومناداةً ليغنيَ عن السؤالِ، وتارةً جواباَ ليبين محلَّ الجوابِ، والعطاءُ بتقدُّمِ الحاجةِ، وفي ذوقِ العَدَمِ والحاجةِ ما ليسَ للإغناءِ قبلَ الحاجةِ، ولا يعرفُ محلُّ الإرشادِ إلا بعدَ الضلالِ، ولا محلُّ شيء يوجدُ إلا بعد قَصدِهِ، فهو كإجابةِ دعوةٍ لشخصٍ، ثم تَعمُّ (١) إجابتُها مثل: أن سألَ سلامةَ زرعِه مِن الجفافِ، فأغاثَ اللهُ بمطرٍ عام، أو سألَ عافيةَ ولدِه من طاعونٍ، فأزال الله الطاعونَ عن ولده رأساً، فإنه لمَّا (٢) عمَّ السمعَ (٣) ودفعَ الضررَ لم يكن خاصَّاً له، وما خرجَ من ميزةِ التخصصِ بأن كان سبباً للإجابةِ.
ويقالُ لهم أيضاً: ما أنتم في هذه الدعوى إلا بمثابةِ من قال: إنَه ما (٤) اخرَ الحكمَ في جلدِ الزاني ورَجْمِه، وقطعِ السارقِ، وحكمِ اللعانِ، والظهارِ إلى حين وقوع تلكَ الأفعالِ والأقوالِ من أقوامٍ وأشخاصٍ معيَّنين في تلكَ الأوقات المخصوصةِ إلا لتعلقِه بتلكَ الأفعال من أولئكَ الأشخاصِ في تلك الأوقاتِ، وإلا فقد كانَ يمكنُ الابتداءُ بإنزالها من قبلِ حدوثِ تلكَ الأسبابِ، ولمّاَ لم يدل ذلكَ على تخصُّصِ
стр. 1564
الأشخاصِ والأوقاتِ، كذلكَ لا يدُلُّ على تخصُّصِ الحكمِ بالأسبابِ والأسئلةِ الحادثةِ المخصوصةِ مع كونِ الألفاظِ عامةً شاملةً وصالحةً للابتداءِ، وقيامِها بنفسها.
فإن قالوا: كذلكَ نقولُ. فارقوا الأمَّةَ وخرجوا من الإجماعِ، وإنْ سلموه؛ أبطلَ جميعَ ما ذكروه.
ومنها: قولهم: قد اتفقنا على التخصيصِ لكلِّ لفظٍ عام يَصدرُ عن اللافظِ به بما يقصدُه من التخصيصِ، وإذا جازَ قصرُ اللفظِ العامِّ وتخصيصُه بقصدهِ، فكذلكَ وجب قصرُه على سؤالِ السائلِ، والسببِ الذي خرجَ الجوابُ عليه، والجامعُ بين قصدِ الناطقِ بالعمومِ، وبين السببِ والسؤالِ: أنَّ كل وأحدٍ منهما هو المثيرُ للنطقِ والموجِبُ له.
فيقالُ: ما أبعدَ ما بينهما؛ وذلكَ أنَّ الألفاظَ إنما تصدُر عن المتكلمِ ليدل بها على مقاصدِه من عمومٍ، أو خصوصٍ، أو أمرٍ أو نَهي، أو نداءٍ إلى أنواعِ الكلام، فالكلامُ ترجمانُ مقاصدِ المتكلَم، وكما عَلِمنا به عمومَه، علِمنا به خصوصَه، وقضينا بقصدِه على لفظِه، فأمَّا لفظُ السائلِ، فإنَّما خرجَ على قصدِ نفسِه، وليس يجبُ على المجيبِ أن يبني كلامَه على ذلكَ اللفظِ الصادرِ عن غيرِه، ولو قصدَ بناءَ كلامِه على سؤالِه، لجاءَ بنطقٍ مخصوصٍ، فلما عدَل إلى ضدِّ السؤالِ فأجابَ بعموم، وهو ضدُّ الخصوصِ؛ عُلم أنَّه أرادَ الحكمَ المبتدأ الشاملَ، غيرَ المخصوصِ المقصورِ (١).
فصل
أقلُّ الجمعِ المطلقِ ثلاثةٌ ، وعلى ذلكَ الإقرارُ، والنَّذرُ, والوصيةُ بالدراهمِ والدنانير, والكفارات (٢).
стр. 1565
وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة (١)، وأكثرُ أصحاب الشافعي (٢).
وحكي عن أصحاب مالك (٣)، وقوم من النحاة مثل نِفْطَويه (٤)، ومن أهل الظاهر: ابن داود الفقيه (٥)، وبعض أصحاب الشافعي (٦)، وأبو بكر الأشعري (٧)، أنَّ أقلّ الجمع اثنان (٨).
فصل
يجمع أدلّتنا
فمنها: ما روي في ذلك عن الصحابة: فرويَ عن ابن عباس أنه قال لعثمان بن عفان ﵄: إنَّ الأخوين لا يحجبان الأمَّ من الثلثِ إلى السدسِ، إنَّما قال
стр. 1566
الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، وليس الأخوانِ إخوةً في لسانِ قومِكَ. فقالَ عثمانُ: لا أستطيعُ أن أنقضَ أمراً كان قبلي، وتوارثه النَّاسُ، ومَضَى في الأمصارِ (١). ولولا أنَّه مقتضى اللغةِ لما احتجَّ به ابنُ عباس، ولما سمعه عثمانُ منه، وما قابله عثمانُ إلا بمجرّدِ سيرةِ غيرِه، وما نازعَه في مقتضى اللفظِ، وهما من فصحاءِ العربِ وأربابِ اللسانِ.
فإن قيل: فقد رُويَ خلافُ ذلكَ عن زيدِ بن ثابت، فقال: الأخوانِ إخوة (٢).
ورويَ عنه أنَّه قال: أقلّ الجمعِ اثنانِ (٣). فتقابلَ القولان.
قيل: إن صحَ ذلك عنه؛ فمعناهُ: أنَّهما يجريانِ مجرى الجمعِ في حَجبِ الأمِّ.
وقولُه: أقلُّ الجمعِ اثنان، يعني أوّل وأقلُّ ما يجتمعُ شيءٌ إلى شيءٍ، فهذا من الاجتماعِ، فأمَّا الجمعُ؛ فإنَّه ليسَ من التثنيةِ في شيءٍ من حيثُ اللغةُ والوضعُ.
ومنها: أنَّ أهلَ اللغةِ فرَّقوا بين الواحدِ والاثنينِ والجمعِ، فقالوا: رجلٌ، ورجلانِ، ورجالٌ. وأوقعوا اسم رجال على ما زادَ أيضاً على الثلاثةِ وإن كثرَ، فلو كانَ اسمُ الاثنينِ جمعاً كالثلاثة، لقالوا في الاثنين: رجالٌ. كما قالوا: رجالٌ، في الثلاثةِ وما زادَ عليها من الأعدادِ.
فإن قيل: ليس انفرادُ الاثنين باسم خاص مانعاً من أن يجتمعَ مع الثلاثةِ في الاسمِ الأعمِّ، وهو الجمعُ، كقولنا: أسدٌ, اسمٌ يخصُّ البهيمةَ المخصوصةَ (٤)، ثم إنَه لا يمنعُ ذلك من اجتماعِه وغيرِه في الاسمِ الأعمِّ، وهو سَبُعٌ، فالاثنانِ تحتَ ما زاد عليها، كالأسدِ تحت الاسمِ الأعمِّ، وهو السبُع الموضوعُ للجملةِ.
стр. 1567
قيلَ: الأسدُ والسَّبُعُ لم يوضع للتمييزِ بينَ شيئينِ، وإنَّما وُضِعَ أحدهما للجنسِ، والآخرُ للنوعِ الذي تحتَ الجنسِ، وليس كذلكَ لفظ التثنيةِ والجمعِ؛ لأنَّهما وُضعا للتمييزِ بين نوعينِ مختلفينِ من العددِ، فصارا من أسماءِ الحيوانِ، كالأسدِ، والحمارِ, والفرسِ، والنَّمرِ.
يوضِّحُ هذا: أنَّه لو كان هذا قد وُضِعَ كذاك، لقالوا في الكُّلِّ: جمعٌ، وقالوا: تثليثٌ، وتربيعٌ، وتخميسٌ، وتسديسٌ، وتسبيعٌ، ولَما قالوا في الكُليِّ سَبُعٌ، ووضعوا لما تَحته أسدٌ، ونمرٌ, وفهدٌ، وذئبٌ (١).
ومنها: أنَّ من خصائصِ الحقائقِ: أنَّه لا يجوزُنَفي (٢) الموضوع عنها، ومن خصيصةِ المجازِ حُسنُ النفي، فلا يقالُ في النَّهَّاق: ليس بحمارٍ. ويقالُ في الرجلِ البليد: ليس بحمارٍ، لكنَّه إنسانٌ بليدٌ. وفي مسألتنا يحسُنُ أن يقولَ القائلُ من العربِ: ما رأيتُ رجالاً, لكن رأيتُ رجلينِ، كما يحسُنُ أن يقولَ: [ما] (٣) رأيتُ رجلينِ، لكن رأيتُ رجلاً.
ولا خلافَ بيننا وبينَ من خالفنا من أصحابِ الشافعيِّ أنَّه إذا قالَ: له عليَّ دراهمُ. أنَّه يلزمه ثلاثة فصاعداً، حسبَ (٤) ما يُفسِّر، ولو فسَّره بدرهمين؛ لم يقبل، ولو كانَ أقلُّ الجمعِ اثنينِ؛ لقبل منه التفسيرُ بهما (٥).
فصل
في جمع الشُّبهِ التي لهم
فمنها: قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ [الشعراء: ١٥] وأرادَ به: موسى وهارون. وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَينَ
стр. 1568
أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، بعد قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢١ - ٢٢]، وكانا مَلكين، وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] وأراد به: الأخوين، وقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: ٨٣]، والمراد به: اثنان، وقوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، فجمعهما، وهما اثنان.
فيقالُ: أمَّا الآيةُ الأُولى؛ فالمرادُ بها: موسى وهارون وفرعونُ، مستمعونَ ما تقولا ويقالُ لكما.
وقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] فالمرادُ به: بينَ كلِّ اثنينِ من المؤمنينَ.
وقوله: ﴿الْخَصْمِ﴾ [ص: ٢١]، فيقالُ: واحدٌ خصمٌ, واثنانِ خصمٌ, وثلاثةٌ خصمٌ.
وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]، فالظاهرُ أنَّه أرادَ الثلاثةَ، لكن صُرف عن ظاهرِها بدلالةٍ.
والمرادُ بقوله: ﴿عسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: ٨٣] يوسف، وبنيامين، وشمعون الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: ٨٠] وأمَّا قولُه: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، فإنَّما أرادَ به: حكمَ الأنبياءِ كلهم، ويحتملُ أنَّه أرادَ داودَ وسليمانَ والمحكومَ له.
ومنها: ما رويَ عن النبي ﷺ أنَّه قال: "اثْنانِ فما فَوقهما جماعةٌ" (١).
стр. 1569
والجوابُ: أنَّه حجةٌ لنا من وجهٍ، وهو أنَّه لو كانَ ذلكَ جمعاً في اللغةِ، لما احتاجوا إلى بيانِه فإنَهم في اللغةِ مثلُه، فلم يبقَ إلا أنَّه بينَ ما يخصُه ولا يشاركونه فيه، وهو الحكمُ، فكأنه بين أنَّ ذلك جمعٌ في الصلاة (١).
ومنها: أنَّ الجمعَ عبارة عن اجتماعِ شيءٍ إلى شيءٍ، وانضمامِه إليه، وهذا أوَّلُ ما يوجدُ ويتحققُ فى الاثنينِ، ثم يترقَى إلى ما زادَ، فلا يجوزُ أن يُسلَب الاثنانِ الجمعَ مع تحقُق معناه فيهما.
فيقالُ: إنَّ وجودَ الاشتقاقِ لا يدُّلُ على أنَّه حقيقةٌ فيه، لكنْ كما أنَّ الحُبَّ (٢) والجرّةَ يوجدُ فيهما استقرارُ المائعاتِ التي تختص بهما (٣)، كالخلِّ والدِّبسِ والماءِ، حسب ما يستقرُّ الدُهنُ في القارورةِ، ولا يُطلقُ على الحُبِّ والجرةِ اسمُ قارورة، وكذلكَ الدابَّة سُميت به؛ لأنَّها تَدِبُّ، ولا يُسمَّى بذلك الإنسانُ، ولأنَه قد حسُنَ نفيُ الجمعِ، فيقالُ: ليسا برجالٍ، لكنَّهما رجلان، كما قالوا: ليس بقارورةٍ لكنّه حُبٌّ أو خابِيةٌ، ولم تَقل العرب ذلك فى الحقيقةٍ قط.
ومنها: قولهم: إنَّ العربَ تتصرفُ في اسمِ الاثنينِ بالاجتماعِ والتفرّقِ والجمعِ، فتقولُ: جمعتُ بين زيدٍ وعمروٍ, فاجتمعا. وهما مجتمعانٍ، فافترقَا. والفرقُ ضدّ الجمعِ، ويقال: اجتمعَ الرجلُ بزوجتِه. كما يقالُ: اجتمعَ النَاسُ، واجتَمع العسكرُ وتفرقوا.
وهذا من آكدِ علاماتِ الحقيقةِ، وهذا لأنَّ الاجتماعَ والجمعَ من بابِ المتضايفاتِ (٤)، وذلك يصِحُّ في الاثنينِ حقيقةً، ولا يصحُ في الواحدِ، وما زادَ على الاثنينِ مضاعفةً
стр. 1570
وزيادةً على ما تحتاجُ إليه الحقيقةُ.
فيقالُ: ليسَ في هذهِ الطريقةِ إلا ما في الأولى منَ الاشتقاقِ، والتصرُّف يحصُلُ في الحقائقِ والمجازِ جميعاً، فيقالُ: خَبأتُ في الخابية، وخبأتُ في الصُّندوقِ، واستقرَّ الدُهنُ في القارورةِ، واستقرَ الماءُ في الخابية والدَّنِّ (١) والقِربةِ، ويقولُ العظيمُ: فعلنا، نفعلُ، وسَنفعلُ، ولم يدُل على كونِ الصندوقِ خابيةً، ولا الحب قارورةً، ولا العظيم من الناس جماعةً، لكن (٢) لماّ كانَ في حصولِ الشيء في الصندوق نوعُ خَبْءٍ لما (٣) يُجعلُ فيه، كما أن، (٤) فيما يُجعلُ في الخابيةِ نوعُ خَبْءٍ؛ قيل: خَبَأت، ولم يقل: الصندوقُ خابية، و [لمّا] (٤) كان في حصول الماء في الحُب استقرار والحب له قرارٌ، قيلَ: استقر فيه الماءُ يستقر ولم يُسمَ قارورةً، وحيثُ كانَ العظيمُ إذا فَعل، فَعَلَ بِفِعْلِه أتباعُه، وهم جَمعٌ؛ دخلَ عليه نونُ الجمعِ، ولم يدُل ذلكَ على أنَّ العظيمَ جماعةٌ، ولا الصندوقَ خابيةٌ، ولا الحُب قارورةٌ لغةً، كذلكَ تصرفُهم في الجمع في بابِ الاثنينِ لا يدُل على أنَهما جماعة، ولا جمع حقيقةً، على أن التفرُقَ لم يوضعْ لأقلِّهِ وأكثرِه وَضعٌ في اللغةِ، وها هنا قالوا: تأحيدٌ وتثنيةٌ وجمعٌ (٥).
ومنها: قولُهم: إنَّ الاثنينِ يُخبرانِ عن أنفسِهما بلفظِ الجمعِ، فيقولانِ: قمنا، وقَعدْنا، وضَربْنا، وأكلْنا. كما تقولُ الجماعةُ عن أنفسِهم، ولا يحسنُ أن يصدرَ ذلكَ من الواحد لماّ عُدِمَ فيه الجمع، وإن قالَه العظيمُ قاله لِماْ يقدرمِن فعلِه ومِن فِعلِ أتباعِه معهُ وبأمرِه.
стр. 1571
فيقالُ: إنَّ هذا لا يدلُّ على أنَّ التثنيةَ جمعٌ، وأنَّهما سواءٌ في حقيقةِ الجمِعِ، كالمؤنَّثينَ؛ نقولُ في إخبارهما كما نقولُ في الذكور: فعلنا، ولا يدلُّ على أن جمعَ المؤنَّثِ والمذكرِ سواءٌ، ولا تثنيتُهما سواءٌ.
على أنَّهما إنْ كانا في الإخبارِ عن أنفسِهما سواءٌ، فالإخبارُ عنهما يخالفُ الإخبارَ عن الجماعةِ، فيقالُ: قاما، وقَعدا، وضَربا. ويقالُ في الثلاثةِ: قاموا، وقعدوا، وضربوا.
ويقالُ في الإناثِ: قُمْنَ، وقعدْنَ، وفي الاثنتينِ: قامَتا، وقعدتَا، وأكلَتا، وضربتَا، ويقالُ في الإناثِ: هي، وهما، وهنَّ، وفي الذكور هو وهُما، وهم، فقد تقابلا.
فصل
قال أصحابنا: إذا كان أوّلُ الآية عامَّاً، وآخرُها خاصَّاً، فالعمومُ على عمومِه، والخصوصُ على خصوصِه، ولا يقضى بتخصيصِ أولها لأجلِ تخصيصِ آخرها (١).
قالوا: وذلكَ مثلُ قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والمرادُ به كل الحرائرِ من المطلَّقاتِ؛ بوائنَ أو رجعياتٍ، وقال في آخرها: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [لبقرة: ٢٢٨]، يرجعُ إلى الرجعياتِ، فالأوَّلُ على عمومِه، والآخرُ خاصٌ في الرجعياتِ، وكذلكَ قولُه تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ﴾ (٢) الى قوله ﴿زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٤٨]، فالكل يأتونَ فُرادى كما خلقَهم، وليسَ كلُهم زعموا أنْ لا موعدَ، فأوَّلُها عامٌ، وآخرُها خاصٌ، وقد أخطأ من أطلَق ذلكَ إطلاقاً مع كونِ المذهبِ حملَ العام على الخاص في الآيتين، فكيفَ لا يمضى بخصوصِ آخرِ الآيةِ على عمومِ أوَّلها، وآخرُها إلى أوَّلها أقرب من آيةٍ أخرى؟
стр. 1572
[فيقال] (١): فأمَّا الآيتانِ المذكورتانِ ها هنا، فإنَّ الدلالةَ فى دلَّت على منعِ البناء، وقطع قضاءِ الخُصوصِ على العموم -لأنه ليس كُل الناس جحدوا البعث، ولا كلُّ متربصةٍ تردُّ إلى النّكاحِ -بدلائل، فلا يجوزُ أن نَجعلَ ذلكَ مذهباً، والفصلُ الذي يليه يُبطل إطلاقَ هذا الفصل، وإنما ذكرتُه ليجتنبَ الخطأُ منه، وهو الإطلاقُ.
وإنَّما لم يقضَ بالخاصِّ على العام في الأوَل، لدليلِ امتناعِ الرد في حقَ البوائنِ، وحكمنا بايجابِ العدّةِ في حقَ المطلّقاتِ كلَهن؛ لأنَّ العدةَ لا تقفُ على الرجعياتِ، بل البوائنِ كذلكَ، والرجعةُ والردُ تقف على الرجعياتِ. وهذا أصلٌ واضحٌ بيناه في أنَّ الكلامَ يُبنى بعضُه على بعض مهما أمكن، فإذا لم يُمكن قُطعَ.
فصل
إذا تعارضَ آيتانِ أو خبران، وكان أحدُهما عامَّاً، والآخرُ خاصَّاً، فانَه يقضى بالخاصَ على العامِ إذا كان بينهما تَنافٍ، سواءٌ تقدم العامُ على الخاص، أو تأخرَ عنه، أو جُهِلَ التاريخُ رأساً، فلم يُعلَمْ أيهما تقدم، أشارَ إليه أحمدُ في عدّةِ مواضعَ (٢)، وذلكَ مثلُ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾
стр. 1573
[المائدة:٥]، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقولُ النبيِّ ﷺ : "لا قَطعَ إلا في رُبع دينار" (١)، و"لا قطعَ في ثَمرٍ ولا كَثر حتى يأويَه الجرين" (٢).
وقال [به] (٣) أكثرُ أصحابِ الشافعي (٤)، سوى أبو بكر الدقاق، فإنَّه قالَ: لا يقضى بالخاصِّ على العام، بل يتعارضُ الخاصُّ وما قابله من العامِّ. وهو اختيارُ أبي بكرٍ الأشعري (٥). وقالَ أصحابُ أبي حنيفةَ -فيما حكاه الجُرجانيُّ عنهم-: إنْ كانَ العامُّ هوَ المتقدم، كانَ الخاصُ المتأخرُ ناسخاً لبعضه، وإن كانَ العامِّ هو المتأخر كان ناسخاً لجميعِ الخاص (٦).
وإن لم يُعلمْ التاريخُ: فقد ذكر عيسَى بن أبان أنَّه على أربعةِ أقسامٍ (٧):
стр. 1574
إن كان النَّاسُ قد عملوا بهما جميعاً؛ وجبَ استعمالُهما، وترتَّبَ العامُّ على الخاصِّ، مثل نهيه ﷺ عن بيعِ ما ليسَ عندَه (١)، ورخَصَ في السلَم (٢).
وإن كان اتفاقُهم على استعمالِ أحدِهما؛ عُمِلَ بما اتفقوا عليه، والآخرُ منسوخٌ، وذلكَ مثلُ قوله: "فيما سقت السماء العُشر" (٣)، وقوله: "ليسَ في الخَضْراواتِ صدقةٌ" (٤). العامُ؛ تَلَقته الأمةُ بالقبولِ، والخاصُّ؛ مختَلَف في حكمِه والعملِ به، فلم يقضَ به على المتفقِ عليه.
وإن كانوا اختلفوا في ذلكَ، فعمِلَ بعضٌ بأحدِ الخبرينِ، وعامَّةُ الفقهاءِ خالفَه ويُنكرُ عليه؛ فالعملُ على ما عليه العامةُ، وسقطَ العملُ بالآخر.
وإن كان الخبرانِ مما يتعلَق الحكمُ بهما ويسوغُ الاجتهادُ في الحكمِ الذي تضمَّنه كلُّ واحد من الخبرينِ، ولم يظهرْ من الصحابةِ العملُ بأحدِ الخبرينِ، فالواجبُ المصيرُ إلى الاجتهادِ في تقديمِ أحدِهما على الآخرِ، واستعمالُ كل منهما فيما يَقتضيه،
стр. 1575
ومعنى هذا عندَهم: أنَّهما يسقطانِ، ويرجعُ إلى دليلِ غيرِهما.
وقالَ أبو بكرٍ الأشعري: إذا جُهلَ التاريخُ؛ وجبَ التوقفُ فيهما (١).
فصل
في جمعِ أدلّتنا
فمنها: قولُه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فهذهِ الآيةُ عامَّة في كل زانِ وزانيةِ، قضينا عليها بالآية الخاصةِ في الإماءِ، وهي قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وإجماعُ الأمَّةِ على تخصيصِ الأولى بالثانية، إجماع على حملِ العام على الخاصِّ، فهو حجّةٌ لنا، ولا عذر لهم.
ومنها: أنَّ الخاصَّ يتناولُ الحكمَ المتناوِلَ له بصريحهِ، والعامُّ يتناولُ الحكمَ بظاهره المحتَملِ، والصريحُ مقدم على الظاهر وصار الصريحُ في الخصوصِ كالإشارةِ، فإنه لو قالَ: لا تضرب هذا العبدَ. وقال بعد ذلكَ: اضرب عبيدي. فإنَّ المشارَ إليه بالمنعِ من الضربِ لا يدخلُ في عمومِ قوله: اضرب عبيدي. لمكانَ تخصيصِه، كذلك التخصيصُ بالقولِ المنبىء عن إخراجِ المخصوصِ عن جملةِ العمومِ (٢).
ومنها: أنَّ في حملِ العامِّ على الخاصِّ جمعٌ بين الدليلينِ وعملٌ بهما، وهذه الأدلةُ إنما وُضِعت للاستعمالِ، فلا يجوزُ تعطيلُها مهما أمكن، ومن أخذَ بالعمومِ؛ أسقطَ الخصوصَ، ومن وقفَ؛ تركَ العملَ بدليلِ الشرعِ.
ومنها: أنَّ كلامَ صاحبِ الشريعةِ يُبنى بعضُه على بعضٍ، ويُجعلُ مفرَّقه
стр. 1576
كالمتَّصلِ، فإذا قال: اقتلوا المشركينَ، ولا تقتلوا أهلَ الكتابِ إذا دفعوا الجزية. وجبَ أن لا يعطل الخصوصُ، كذلك إذا فرَّق بينهما.
ومنها: أنَّ مخالفنا قد جوَّز تخصيصَ العام بالقياسِ، وما ذلكَ إلا لأنَّ القياسَ يقتضي الحكمَ بخصوصِه، والقياسُ فرعٌ من الخبرِ يستنبطُ منه، فَلأنْ يجوزَ التخصيصُ بالخبرِ الخاصِّ أولى.
ومنها: أنَّه دليلٌ عامٌّ قابلَه دليلٌ خاصٌّ، وليسَ في تخصيصِه إبطالٌ له، كخبرِ الواحدِ إذا وردَ مخالفاً لدليلِ العقلِ، فإنَّه يخصُّ بدليلِ العقلِ؛ لأنَّ الخاصَّ أقوى من العامِّ، كذلكَ ها هنا.
فصل
في شُبَههم
فمنها: أنْ قالوا: ليسَ الخاصُّ فيما تناولَه بأولي ممَّا عارضَه من العامِّ، فوجَبَ التوقفُ فيه.
فيقالُ: كلا، بل الخاصُ فيما تناوَله أولى من العامِّ؛ لأنَّ الخاص يقتضى الحكمَ بصريحِه على وجهٍ لا احتمالَ فيه، والعامّ يتناولُه بظاهرِه وعمومِه على وجهٍ يحتمل أن يكونَ المرادُ به غيرَ ظاهرِه، فوجبَ تقديمُ الأرجحِ منهما، وهذا دأبُ المستدلِّين في الأدلة، يقدِّمونَ الأظهرَ فالأظهر ولهذا قُدمَ دليلُ العقلِ على عمومِ خبرِ الواحدِ، ولأنَّ فيما قلناه استعمالَ الدليلين والعملَ بهما، وفيما قَاله الخصمُ إسقاطُ أحدِهما، فكانَ العملُ أولى من التعطيلِ (١).
ومنها: أنْ قالوا: إذا كانَ العمومُ متقدماً والخصوصُ متأخِراً، فإنَّما قلنا: يكونُ ناسِخاً لبعضِه؛ لأن بيانَ العمومِ لا يجوزُ تأخيرُه عن حالِ وروده، فاذا وردَ متأخِراً
стр. 1577
عنه، لم يجُز أن يقعَ موقعَ البيانِ، فلم يبقَ إلا أن يكونَ ناسخاً له.
فيقالُ: إنَّ العمومَ، وإن كانَ يفيدُ الحكمَ في جميعِ المسمَّيات، فقد بينا انَه إنَّما يفيدُ ذلكَ من طريقِ الظاهر ويحتملُ أن يكونَ المرادُ به غيرَ ما تناوَله الخاصُّ، والخاصُّ يتناولُ ما تناولَه بصريحِه من غير احتمال، فوجبَ القضاءُ به عليه، وتأخيرُ بيانِه يجوزُ, وفيه فائدةٌ كبيرةٌ بأنْ يعتقدَ المكلفُ ذلكَ ويعزمَ عليه فيقعُ له ثوابُ العزمِ إلى أن يأتيَ دليلُ الخصوصِ، ويعتقد الخصوص ويعمل به إذا وقعَ ابتداءً قبل العمومِ (١).
ومنها: أنَّه لو أرادَ استثناءَ الأولِ من العمومِ الثاني لذكرَه ونبه عليه؛ لعلمِه باعتقادِ أهلِ اللّغة عمومَه بكونِ الصيغةِ موضوعة للشمولِ، فلما لم يُبَين ذلكَ كانَ الظاهرُ أنَّه رافعٌ للأوَّلِ، فيكون العمومُ الثاني ناسخاً للخصوصِ المتقدِّمِ عليه، هذا هوَ الظاهرُ.
فيقالُ: إنما أخَّره؛ لأنَه يجوزُ تأخيرُ بيانِه، وإذا جازَ تأخيرُ البيانِ، فلا فرقَ بين ذكرهِ معَهُ أو قبلَه أو بعدَه، ولا نسلِّم أنَّ أهلَ اللغةِ يعتقدونَ عمومَ الصيغةِ مع تقدم الخصوصِ، بل الخصوصُ المتقدّمُ ممهِّدٌ عندَهم أنَّ العموم الثاني لايدخلُ على الخصوصِ المتقدِّم.
ومنها: أنَّ العمومَ المتفق على استعمالِه في الشمول وأستغراقِ الجنسِ قد صار معلوماً كالنَّص، وصارَ يتناولُ كل واحدٍ من الجنسِ، فصَاركما يتناولُ كل واحد على الانفرادِ، ومعلوم أنَّه لو قال: اقتلوا المشركينَ، ولا تقتلوا أهلَ الكتابين. ثم قالَ: اقتلوا زيداً، وعَمراً، وبَكراً، وخالداً، وسالماً، وما زالَ يذكرُ أعيانَ المشركينَ واحداً بعدَ واحدٍ بأسمائهم الخاصَّةِ، وفيهم أهلُ الكتابينِ، قضى اللفظُ الشاملُ لأعدادِهم، فعمَّهم بالقتلِ قاضياً على الخصوصِ الأوَّلِ، كذلكَ ها هنا.
فيقالُ: ليس ذكرُ الأعدادِ والآحادِ على الإفرادِ منْ قبيل العموم الشامل لهم
стр. 1578
بشيءٍ، ألا ترى أنَّه إذا ذكَرَ الأفرادَ والأعدادَ والأشخاصَ واحداً واحداً، وأفاضَ عليهم حكماً واحداً لم يَجُز أن يخصَّ بعضَ تلكَ الأشخاصِ بقياسٍ، ويكونُ إخراجُ بعضِهم نسخاً للحكمِ لا تخصيصاً، ولما جَازَ أن يردَ العمومُ في الخبر المتسلِّط على تخصيصِه دليلُ العقلِ، فلمّا وردَ ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] أمكنَ تخصيصُه بدليلِ العقلِ؛ لأنَه لا يدخلُ فيه الكلامُ والإرادةُ، فلو قال بدلاً من العمومِ: خالقُ كلامِه وإرادتِه، لم يمكنا دفعُ ذلكَ بدليلِ العقلِ، لكنَا نعْدِلُ إلى تأويلِ إضافتِه، ولا يمكننُا أن ننفي الخلقَ كما أثبتَه، بل نقولُ: خالقُ كلامٍ وإرادةٍ، أضافها إليه إضافَة مُلْك، لا إضافةَ صفةٍ من صفاتِه، وكنا بالنصِّ قائلينَ ما قال المعتزلةُ بشبهِهِم العقلية، ولو قالَ: تدمِّرُ كل شيءٍ من سماءٍ وأرضٍ وجبالٍ، لما أمكننا أن نُخرج شيئاً من ذلكَ بدليلٍ، لأنَّه يكونُ عينَ التكذيبِ للخبر، ولماّ قال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ولم يذكر أعيانَ السماءِ والأرضِ [أمكننا إخراج شيءٍ بدليل] (١)، لأن لفظَ العموم يتناولُ آحادَ الجنسِ وأنواعَه تناولاً بظاهرِه لا بصريحهِ، والمفردُ من الأشخاص يتناولُ الحكمَ بصريحِه، فافترقا.
فصل
إذا تعارضَ خبرانِ، كل واحدٍ منهما عام من وجهٍ، وخاصٌّ من وجه آخر؛ فهما سواء على الإطلاقِ ، إلا أن تقومَ دلالةٌ فتوجب تقديمَ أحدِهما على الآخر (٢).
مثالُه: قوله ﷺ : "من نامَ عن صلاةٍ أو نسيَها فليصلها إذا ذكرها" (٣)، وقوله: "لا
стр. 1579
صلاة بعد العصرِ حتى تغربَ الشمس" (١).
فالأول: خاصٌ في الفائتةِ، عامٌّ في الأوقاتِ، والثاني: عامٌّ في الصلوات، خاصٌّ في الوقتِ، نصّ عليه أحمد في القَضايا (٢) بما ذكرنا في هذين الخبرين بعينهما على الوجه الذي ذكرناهما في المثال، وبه قال أصحاب الشافعي (٣).
وقال أصحاب أبي حنيفة: يقدم الخبرُ الذي فيه ذكرُ الوقتِ وجوازُ فعلِ الصلاةِ، ذكره الجرجاني عنهم (٤)؛ لأن الخلافَ واقعٌ في الوقتِ، وجواز فعلِ الصلاةِ فيه، فقُدَّمَ ما فيه ذكرُ الوقتِ لتناوله المقصودَ.
لنا: أنَّ كل واحدٍ منهما قد تناولَ ما وقعَ الاختلاف فيه، فإنَّ الخلافَ واقعٌ في الوقتِ، وجوازِ فعلِ الصلاةِ فيه، وكلُّ واحدٍ منهما خاصٌّ فيما فيه اختلافٌ من وجه وعامّ فيما فيه اختلافٌ فتساويا (٥).
فصل
إذا تعارضَ آيتانِ أو خبرانِ، أحدُهما عامٌّ، والآخرُ خاصٌ، والخاصُّ موافقٌ للعامِّ، أو أحدُهما مطلقٌ والآخرُ مقيَّدٌ، فهل يقضى بالعامِّ على الخاصِّ، والمطلقِ على المقيَّد (٦)؟
стр. 1580
اعلم أنَّ ذلكَ على أربعةِ أضرُبٍ:
أحدُها: أن يكونَ الحكمُ والسببُ واحداً، مثل أن يكونَ في كفارةِ القتلِ رقبةٌ مؤمنةٌ، ثم يذكرُ القتلَ في آيةٍ أخرى، فيقولُ: رقبةٌ ولا يذكرُ مؤمنةً، فإنَّه يجب بناءُ المطلق علي المقيَّد، ويقضى بالزيادةِ، ويكونُ مثلُ أن يذكرَ أحدُ الرواةِ أنَّه ﷺ دخلَ البيتَ وصلَّى (١)، ويروي الآخرُ: دخل البيتَ وما صلَّى (٢).
وأن يكون الحكم والسبب واحداً، إلا أن أحدهما خاص، والآخر عام، ولم يكن للخاص دليلٌ، فإنَّ الخاصَّ داخلٌ في العام، وهو بعض ما شملَه العمومُ، ويكون ما تناولَه الخاصُّ ثابتاً بالخاص والعامَ وما زاد على ذلك ثابتاً بالعام وحدَه دونَ الخاص، مثالُه: ما رويَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ أفطر في رمضانَ، فعليه ما على المُظاهِر" (٣)