← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

[الوَقْفَ] (١) في هذهِ الآيةِ على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وأنَّ العلماءَ لا يعلمونَ، لكنْ يقولون، فإذا عادَ بعد هذا الأصلِ المحفوظِ عنه وعليه يقولُ: أَحْمِلُ هذه الآياتِ والأسماءَ والإضافاتِ على ظاهرها، قلنا لهُ: وأيُّ ظهور؟ وماذا ظهرَ لكَ مع تسميةِ اللهِ [لها] (١) متشابهاتٍ، ومع إفراد نفسِه بعلمِها، وما أفردَ نفسَه بعلمِه كيف تقولُ: له ظاهرٌ عندي أحملُه عليه!؟ فهذا أصلٌ يجبُ أن يعتمدَ على اعتقادِه، فليس غيرُه ما يُعتمدُ عليه، ولا يُلتفتُ إليه، سيما في هذا المذهبِ المنزَّهِ عن الابتداعِ، فإذا ثبتَ بطلانُ قولِ مَن يدَّعي في المتشابِه ظاهراً (٢) بنفس قولِه: إنه لا يعلمُ تأويلَه (٣) أحدٌ من العلماء، لم يبقَ إلا أن يكونَ أحَدَ رجلين: إما أن يقولَ: لا أدري، ولا أعلمُ، واللهُ هو المستأثِرُ بعلمِ هذهِ الأسماءِ المضافةِ إليهِ. فهذا رجل أخبرَ بالتقصيرِ عن علمِ ما استأثَرَ اللهُ عنده بعلمِه. أو يُقدِمَ على التأويلِ بحسبِ ما تقتضيهِ اللغةُ مما ينحرسُ به محكمُ الكتاب، وهي آياتُ نفي التشبيه، وإجماعُ الأُمَّةِ عليهِ، وشهادةُ دلائلِ العقولَ التي أُثبتَ بها الصانعُ إثباتاً دلَّ على أنَّه متى أشبهَ خلقَه، دخل عليه ما يدخلُ عليهم، فأحوجَنا ذلكَ إلى صانعٍ يصنعُه، كما أحوَجنا ذلك في مخلوقاته إليه، لأن المِثلَ ما سدَّ مسدّ (٤) مثلِه، وجازَ عليه ما يجوزُ عليه.

стр. 1647

ولا قسم ثالث سوى التصريح بالتشبيهِ، ومن صرَّح به، زعقتْ به أدلةُ الشرع والعقلِ، فأخْرَسَتْهُ عن مقالتِه، فافهمْ ذلك، فهو أهمُّ ما صُرِفت العنايةُ إليه، فإنَّه الأصلُ الذي يُبْتَنى عليه ما نحن فيه من أُصولِ الفقهِ (١). وقال قومٌ: المحكمُ: غيرُ المنسوخ، وهو ما ثبتَ حكمُه، ولم يُغيَّرْ بنسخٍ بعدَه. والمتشابهُ: المنسوخُ، لأنهُ استفيدَ حكمُه من الناسخ لهُ (٢).

стр. 1648

وقالْ الجمهورُ من الفقهاءِ: هو المعلومُ حكمُه من صيغتِه ولفظِه. والمتشابِهُ: هو المُجمَلُ الذي يفتقرُ إلى تفسيرٍ وَتأْويل. وذكر أبو الحسينِ البصري (١) عن أصحابه: أنَّ المحكمَ مشتركٌ (٢): يحتملُ إحكامَ صيغتِه وإتقانَ لفظِه، وذلك بالفصاحةِ. والثاني: أنهُ ما لا يحتملُ تأويلين مختلفينِ مشتبهينِ احتمالاً شديداً. وكأنَّه يرجعُ إلى ما بيَّنا أولاً، وأشارَ إليه صاحبنا ﵁ (٣).

стр. 1649

فصلٌ في الدلالةِ على ما ذكرناه أنَّ اللهَ سبحانَه قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧]، وأمُّ الشيء: أصلُه، وإنَّما سُمِّيَ المحكمُ أصلاً، لأنهُ -على ما قدمتُ- يُرَدُّ إليه المتشابِهُ، كما يردُّ الفرعُ إلى أصلِه، إن شئتَ فرعَ العلةِ، وإن شئتَ كلَّ شيءٍ تَفَرَّعٍ عن شيءٍ، كالولدِ إلى أبيهِ، والثَمرِ إلى الشجرةِ، وكلَّ شيءٍ صَدر عن أصل حتى المخلوق إلى خالِقه، فكذلك الآياتُ المحكمةُ أصولٌ متفقٌ عَّلَى حُكمها، يُردُّ المُتردِّدُ المختلَفُ فيه لأجل تردُّده إليها، وهذا صورةُ ما قدَّمنا مثالَه: فإذا قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ثم قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فاشتبه، على السامعِ شأنُ السمعِ والبصرِ، هل هوَ بجارحةٍ، أو هو بمعنى العلم بما يسمعُه السامعُ منا، والعلمِ بما يبصرُه الواحدُ منا، أو هو إدرا، بغير جارحةٍ ليس بالعلمِ، لكنَّه زائد على العلمِ، أو هو كونُ الذاتِ سميعةً (١) بنفسِها، لا بمعنى هو علم ولا سمع ولا بصر، فإذا حصلَ الاشتباهُ في ذلك، ثم صدرَ عنهُ ما حصلَ من الاختلاف بين أهلِ العلم، وجبَ على العالِم الراسخِ في العلم، أن يردَّ هذا إلى أوَّلِ الآَيةِ وهو (٢) نفي التشبيهِ بقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فينفيَ من هذه الأمورِ المشتبهةِ ما يَخرجُ عن أوَّلِ الآيةِ -وهو الإحكامُ-،

стр. 1650

فإذا نفى التشبيهَ، قال: إنه سميعٌ لا بمثلِ ما نَسْمَعُ من جارجةٍ وجهَةٍ من ذواتِنا وحاسَّة، إذ لو حُمِلَ على ذلك لانتفى قولهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وذلك نفيٌ صريحٌ لا يترددُ، فكيف نزيلهُ بما يتردَّدُ؟، فحملنا المتشابِهَ على المحكمِ، فانتفى التشبيهُ، وبقيَ الأمرُ متردِّداً بعد نفي التشبيهِ بين مذهبين لا بأسَ بهما عند المحققينَ من العلماءِ: أحدهُما: القولُ بأنَّه سميع بصيرٌ، والإمساكُ عما به يسمعُ، لا تشبيهَ ولا تأويلَ. والثاني: التأويلُ على أنَّه يدركُ المسموعاتِ، والمبصَراتِ، ولا نزيدُ على ذلك. وأمَّا التأويلُ الذي لُقِّبَ صاحبُه بالزيغ، فإنَّه الحملُ له على ما يوجبُ الاختلافَ والتناقضَ، أو تأويلُ ما يعودُ على المحكمِ بالنفي؛ من نوعِ تشبيه يعودُ بنقض أوَّلِ الآية، فهذا صاحبُه زائغٌ، وقولُه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] يعني- واللهُ أعلمُ-: لا يعلم كُنْهَ ما تحتَ هذهِ الإضافاتِ، إلا مَن وصفَ نفسَه بها تارةً، وأضافها إليه أخرى، كما قال سبحانه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٣] ينتظرون معنى ما سمعوا من البعثِ والحسابِ والمجازاةِ، ﴿يوم يأتي تأويلُه﴾ [الأعراف: ١٥٣] ينكشف وعدُ اللهِ ووعيدُهُ، بالمعنى الذي أَخْبَرَتْ به الأنبياءُ صلواتُ الله عليهم، ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٣] يعني: تركوهُ مِن قبلُ: ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، فالتأويلُ المضافُ إلى اللهِ سبحانه: المعاني التي تحتَ هذه الألفاظ، ولا يَعلمُ ذلك إلا اللهُ. ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] الثابتون على صحةِ

стр. 1651

المعتقدِ ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا﴾ صدَّقنا ﴿بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، يعنونَ: المحكمَ الذي نَفى التشبيهَ، وهذا المتشابهَ الذي يوهمُ التشبيهَ، هما جميعاً من عندِ الله، فنحن نؤمِنُ بأنَّه ليسَ بحيث يتناقضُ كلامُه، ولا يكون المتردِّدُ قاضياً على النصِّ غيرِ المتردد، بل هذا من مثل (١) ذاك، واللهُ سبحانه لا تناقضَ في كلامِه، ولا تفاوتَ في خلقِه، فلم يبقَ إلا أنَّ لهذا المتشابه معنى هو العالمُ به، المستأثِرُ بعلمِه، فَحَدُّنا إذا لم نصِلْ إليه، أن نستطرحَ التسليمَ والتصديقَ، وكذلك يجبُ في كلِّ مشتبهٍ من أفعالِه يعطي ما لا يليقُ به، أَنْ يُحملَ على ما يليقُ من إِحْكامِ فعلِهِ الذي لا تفاوتَ فيه. وكذلكَ في الفروع: إذا جاءتْ آيةٌ (٢) مجمعٌ على حكمِها، وآيةٌ مختلف فيها، سُقنا المختلفَ فيه إلى المتفقِ عليه، مثلُ قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، فهذا (٣) يعطي المساواةَ، فإذا قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل ١٢٦]، ورأينا أنَّ طلبَ المماثلةِ في الصورةِ يخرجُ عن المساواةِ، بأن تقطعَ يَدُهُ فلا يموتُ، كما ماتَ مَن قَتَلَه بقطعِ يدِه، احتجنا أن نعودَ، فنضربَ عنقَه، فيفضي بنا طلبُ المماثلةِ في صورةِ الفعل إلى الزيادةِ على المثل، والخروجِ على المقاصَّةِ، فحملناهُ على إزهاقِ النفس دون مماثلةِ الصورةِ، ليحرسَ المعنى الذي هو الأصلُ -وهو المساواةُ-، وإذا ثبتَ ذلك، كان هذا أشبهَ ممن حملَ المحكمَ على النَّاسِخ، والمتشابِهَ على المنسوخ، وعلى الحروفِ المقطَّعةِ، ولأنَّ

стр. 1652

الناسخَ من الكتابِ، والمنسوخَ، والحروفَ لا يُفضي الخلافُ فيها، والتأويلُ لها -وإن أخطأ المتأوِّلُ- إلى تسميةِ خطئِه زيغاً في قلبِه، ولا فساداً في عَقْلِه، وما يدخلُ تحتَه ما يجوزُ على اللهِ وما لا يجوزُ، وما يجبُ له من الوصفِ، يدخلُه الزيغُ والانحرافُ بالخطأ، ويحسنُ فيه التسليمُ والإيمانُ عند الإحجامِ عن التأويلِ خوفَ مساكنةِ التعطيلِ أو التشبيهِ، وكذلك المجمعُ على معناه مع المختلفِ فيه، فإنه متى زال الاجتهادُ عن موافقةِ الإجماعِ، كان زيغاً وضلالاً. ومنها: أنَّ المتشابِهَ لو كان المرادُ به المنسوخَ، لما وقع على القصصِ، وقد سمَّى اللهُ تَثَنِّي (٢) القصص: متشابهاً، فقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، ومعلومٌ أنَّ القصصَ تشابهتْ وتماثلتْ وتَثَنَّتْ (٣). فإن كانَ إيقاعُ الاسم عليها حقيقةً، عُلِمَ أنَّ المتشابِهَ موضوعٌ لما ذكرناه من التردُّدِ والتماثلِ الموجبِ للاشتباهِ. وإن كان مستعاراً في القصصِ المُتَثَنِّيةِ، فلا يستعارُ الشيءُ إلا من أصلٍ يقاربُه نوعَ مقاربةٍ، كما يستعارُ للرجلِ السخيِّ والعالِم: بَحْرٌ، وللبليدِ: حمارٌ، فلا مدخلَ للمنسوخِ في هذا النوع، ولا هو من بابه، لأن المنسوخَ هو المرفوعُ المزايل، من قولهم: نسختِ الشمسُ الظَلَّ، والرياح الآثارَ. فإن قيلَ: بل في المنسوخِ نوعُ اشتباهٍ وقعَ لجماعةٍ من العقلاءِ

стр. 1653

وهو البداء (١)، حتى إنَهم نفَوا عن اللهِ سبحانه جوازَ النسخِ، وقالَ الباقون بمصلحةٍ بحسب الزمان، وقال قوم: بحكم من الله، لا بمصلحةٍ، ولا بَدَاءٍ. وكلُّ خلافٍ واشتباهٍ حصلَ في الإضافاتِ الموهمةِ للتشبيهِ من (٢) ذكرِ يدٍ وعينٍ ومجيءٍ وإتْيانٍ، حصلَ في آياتِ النسخ مثله. قيلَ: لا اشتباهَ في نطقِ الناسخِ ولا المنسوخِ؛ لأنهما نصَّان، وإنما حصلَ الاشتباهُ في علةِ ذلك وتَقابُلِ (٣) الآراءِ فيهِ دون (٤) النطقِ، فإنه لا يحصلُ إلاّ بنصَّين (٥) لا يمكن الجمعُ بينهما. ومنها: أنَّ النسخَ لا يقعُ إلا بنصٍّ لا يمكن معهُ الجمعُ بينه وبين المنسوخ، ولا (٦) اشتباهَ فيه، ومتى لم يَرْتقِ إلى رتبةِ النصِّ الذي لا احتمالَ فيه، فلا نَسخَ، والاشْتِباه (٧)، إنما يليق بما ذكرنا من المتردِّدِ المحتَمل. فصلٌ في شبهةِ المخالفِ لنفي المتشابِه الذي لا يُعلَمُ تأويلُه، ولا يُعلمُ

стр. 1654

المرادُ به. قولُه تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩]، وهذا يُعطي: أنَّه يُبَيِّنُ سائرَ ما يدخلُ تحتَ التكليفِ من الأفعالِ، والتُّروكِ (١)، والاعتقاداتِ، فلا يجوزُ أن يكونَ منه ما لا يُعْلَمُ معناهُ وحكمُهُ، لأنه يكونُ فيِ نفسِه غير مبيَّن، فكيف يكون مبيناً (٢) لغيرِه؟ وكيفَ يجوزُ أن يكون كلامُ اللهِ غيرَ مفيدٍ!؟ ومنها: أنَّه لو كان في الكتابِ ما لا يعلمُه إلاَّ الله، لكانَ كونُه عند الله لم ينزلْه إلينا [أولى] (٣)، فإنَّ ما لا يُعْلَمُ وأما، (٣) لم يُنْزَلْ سواء، وكلامُ البارىء يدلُّ على إبطالِ هذا المذهب، وهو أنه قالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤]، وهل الأعجميُّ الذي نفاه عن كتابِه إلا ما لا يُعْلَمُ؛ وإذا ثبتَ هذا، بطلَ دعوى متشابِهٍ (٤) في كتابِ الله لا يعلمُه سوى الله، ومقالةُ من ذهبَ إلى أنَّ العلماءَ يعلمونَ معناهُ وتأويلَه، أقربُ من هذه المقالة، لأنَّه إذا كان لنا علماءُ يعلمونَ معناهُ، وأُخذ عليهم أن لا يكتموه (٥)، استفيدَ بيانُه منهم، فتحصلُ الفائدةُ ببيانِهم.

стр. 1655

ومنها: أن ما ذَهَبْتُم إليه يُفضي إلى الإضْرارِ والتضليلِ في تنزيل (١) الآيات، إذ لا حُكْمَ فيها يوجبُ عملاً ولا تركاً، وظاهرُها يوهمُ التشبيهَ، والقرآنُ إنما نزل لبيانِ الأحكامِ، وإيضاحِ ما يهدي إلى الحقِّ من معالمِ الإيمانِ، وإذا لم يَجُزْ ذلك لما ذكرنا، لم يبقَ إلا أنَّ المحكمَ ما ثبتَ حكمُه، والمتشابهَ ما نُسِخَ حكمُه. فصل في الأجوبة أمَّا قولُهم: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، فهو عمومٌ نَخُصه على ما بيَّنَهُ بالتفسير، وليس هذا أوَّلَ عمومٍ خُصَّ، قال سبحانَه: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وأبانَ بأدلة التخصيص من الكتابِ تارةً، ومن دليل العقل أخرى، أنه أرادَ بعضَ الأشياء، وهو الآيُ المتضمِّن للأحكامِ فعلاً وتركاً، فأمَّا مالا يوجبُ عملاً ولا تركاً، فلا. وأمَّا قولُكم: مع كونِه داخلاً تَحْتَ التكليف، فلعمري لكن تكليفَنا في المتشابه لا يحتاجُ إلى البيانِ، لأنَّهُ لم يُكَلًّفْنا علمَه ولا العملَ به، لكن كلَّفناَ الإيمانَ به، والتسليمَ لما تحتَه من المعنى، ورد الأمرِ إلى عالمِه، كما كلَّفنا الإيمانَ بالبعثِ ولم يُطْلعنا على وقتِه، والروح خلقَها (٢) وكَتَمَناها، حتى قالَ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]، وكذلك الحروفُ التي في

стр. 1656

أوائلِ السورِ، لا (١) نعلمُ معناها بل تسمعُ سماعاً، ونؤمنُ بأنها منزَّلةٌ من اللهِ سبحانه، وذلك قدرُ تكليفِنا فيها، فنؤمنُ بالتلاوةِ، ونكلُ المعنى إلى المتكلِّم بها. وأمَّا قولُكم: إنَّ ما لا يُعْلَمُ كما لم يُنْزَلْ، فليس (٢) بصحيح، لأن ما لم يُنْزَلْ إلينا لا تكليفَ فيه يَحصُلُ به الثوابُ، وفي هذا تكليفٌ هو الإيمانُ به والتسليمُ للهِ في إنزالِه، وردُّ المتشابِه المتردِّدِ إلى المُحكَمِ المنصوصِ الذي لا احتمالَ فيه ولا تَرَدُّدَ، وهذا نوعُ تكليفٍ بخلافِ ما لم يُنْزَلْ، لكن وِزانُه ممَّا لم ينزلْ، ما أخبرنا بكونه عنده في كتاب مسطورٍ بجميع ما قدَّره في خلقِه وقضاهُ عليهم، فإنَّ لنا فيه نوعَ تكليفٍ، وهو التصديقُ بسبقِ المقاديرِ، وتسطيرِ الاَجال والأرزاقِ، فذاك أمرٌ لم يُنْزَلْ، وقد كَلَّفنا الإيمانَ بهِ حيث أعْلمنا به. وجميعُ ما أَحْبرنا به من البيان بلسانِ الرُّسلِ، فإنَّما أرادَ به ما كلَّفناه من الأحكام، وكما أنَّه بين الأحكامَ باللسانِ لتُتَّبَعَ ويُعملَ بها، بيَّن ما يجبُ الإيمانُ به جملة من غيرِ تفسيرٍ ولا تفصيلٍ، لنؤمِنَ بها ونسلمَها. وقولُكم: إنَّ القائلينَ بمشاركةِ العلماءِ في العلمِ به (٣) وبتأويله أقربُ، لأنَّ العلماءَ يبيِّنون لغير العلماء، فلا يبقى في الكلامِ خفاءٌ، ولا جهلٌ بمعنى، فالمقالتان جميعاً مُفيدَتان، لأنَّ المُتأوِّلَ يثابُ على استخراجِ التأويلِ على وجهٍ يوافقُ الحكمَ، والمسَلِّمَ بإيمانِه للمعنى لله سبحانه المستأثرِ بعلمِه مثابٌ على ردِّ المتشابِه إلى من صدرَ عنه

стр. 1657

المحكمُ، ونفي التشبيهِ الذي أوجَبه نصُّ الكتابِ ودليلُ العقلِ. وأمَّا كونُه (١) سبحانه لم يجعلْه أعجمياً، عادَ إلى ما فيه [من] (٢) أحكام يجبُ العملُ بها، والمتشابِهُ وإن لم يُعْلَمْ معناه، فغيرُ (٣) المجملِ الذي ما أخلاهُ من تفسيرٍ، والذي لم يفسره، ولا أقدَرَهم على تأويلِه، لم يكلِّفْ فيه [إلا] (٢) الإيمان به جملةً، والتسليمَ للهِ سبحانَه في انفرادِه بعلمِ التأويلِ. وأما قولُهم: إنَّه إذا لم يُبَيِّنْ معناهُ، أدَّى إلى إيهامِ التشبيهِ، وتعريضِ المكلفينَ للتضليلِ، فليس بصحيحٍ، لأنَّ تقديمه للمحكمِ، كالبيان للمتشابه، وما ذُكِرَ في أدلةِ العقول أيضاً من نفي التشبيه بيانٌ آخَرُ، فلا (٤) وجهَ لدخولِ التضليلِ إلاَّ على من أَهملَ النظرَ ولم يُحَقِّقْه، فالمنصوصُ قولُه سبحانَه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فلا يبقى بعد هذه اللفظة مساغٌ للتشبيه فيما (٥) جاءَنا في متشابِه الآيات من قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، ولِمَا ثبت في العقلِ من أن المِثلَ يجوزُ عليه ما يجوزُ على مثلِه، فلا يجوزُ أن يُشْبِهه شيءٌ من خلقِه، لاستحالةِ الحوادثِ عليه سبحانَه، واستحالةِ ما يتطرقُ عليه، فوَكَلَ المشتبهَ من الآياتِ إلى الدلائِل المنصوصةِ والمعقولةِ. وإذا وردَ في القرآن: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر: ٢٢]

стр. 1658

﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥]، فأوهم أنَّه يزولُ وينتقلُ، أزالَ هذا التوهُّمَ عن المجيء المضافِ إليه، والإتيانِ الواقعِ عليه: قولُه سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ [الأنعام: ٧٥]، ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ الى قوله ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦]، فأبان عن الأفولِ، وهو الغروبُ بعد الطلوع: أنه يخرجُ عن صفةِ القِدَمِ والإلهية (١)، وقامَ دليلُ العقلِ: أنَّ [من] (٢) يتحركُ وينتقلُ، وخارجٌ من حالٍ إلى حال، محدَثٌ. وأزال الإشكالَ في ذكرِ خلقِ آدم باليدين بقولِه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩]، فجمعَ بين آدمَ وعيسى في كونهما "بِكُنْ"، فقد بانَ مرادُه بذكرِ اليدين، فلا يبقى للتضليلِ بهذا اللفظِ وجهٌ، ولا يضِلُّ على اللهِ مع دلائِل كتابِه، والعقولِ التي مَنَحَها (٣) لخلقِه، إلا ضالٌّ عانَدَ أدلَّةَ اللهِ في أمرِه ونهيِه، وتجاهَلَ مع إمكانِ علمِه. ولئن جازَ أو وَجَبَ (٤) أن يُنفَى عن اللهِ سبحانَه ما هذا سبيلُه، من حيثُ أورثَ شبهةً، جاز أن يُنفى عن اللهِ، بل يجبُ أن يُنْفَى عنه من الأفعالِ: إيلامُ الأطفالِ، ومنعُ القَطْرِ مع قدرتِه عليه، وحاجةِ الخلقِ إليه، وإباحةُ ذبحِ الحيوانِ البَهِيم، والاصطيادِ له من أَوْكارِه، ومشارعِ

стр. 1659

مياهه (١)، وتفريقِ ما بينه وبينَ المَزْقوقِ (٢) من فراخِه، والمُرْضَع من سخالِه، إلى أشباهِ ذلك وأمثالِه من تسليطِ الآلامِ والأمراضِ والأَسقامِ على سائرِ الحيوان، فإنَّ ذلك قد أدَّى إلى التضليلِ طلباً لتبرئةِ اللهِ عن الظلم: فهذا يقولُ بالتناسخ، لتقعَ الآلامُ جَزاءً لا ابتداءً. وطائفةٌ جعلت الآلامَ، وجميعَ المضارِّ، والمُضرَّاتِ من الحيوانِ، كالسِّباع والحيَّاتِ، من فاعلٍ شريرٍ، وهي الظلمةُ. وقومٌ جعلوها (٣) من إبليس، فنَفوا التوحيدَ؛ لاختلافِ الأفعال وتضادِّها. وقومٌ أثبتوا تكليفَ البهيمِ، وجعلوا لكل نوعٍ رسولاً من نوعِه. وتفرقت الأقاويلُ بأنواعِ الضلالِ والتضليلِ. ولكن حسُنَ ذلكَ ولم يكن تضليلاً، لمَّا نَصَبَ اللهُ سبحانه من الدلائِل على حكمتِه، بما ظهر للعامي، وبطَنَ لخواصِّ العلماءِ من حكمتِه، بإحكامِ صنعته، وإتقانِ خلقِه، كما قال سبحانه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢١]، وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ

стр. 1660

السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ١٦٤]، وعدَّدَ أمثالَ ذلك من اَياتِه، ثم قالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢]، و ﴿يَعْلَمُونَ﴾ (١)، و ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣]، فكانَ ما أحكمَ وأتقنَ من أفعالِه، موجِباً لردِّ ما اشتبهَ منها إلى ما ثبتَ من حكمتِه سبحانَه بإتقانِ صنائِعه، فإنهُ يَبتلي، ويمتحنُ بمثلِ خُوارِ العجلِ، وكلامِ الشيطانِ في بطنِ الصنمِ، وإظهارِ الأمورِ الجاريةِ على يدي الدجالِ، وإلقاءِ السحرِ والكهانةِ؛ بتمكينِ هؤلاءِ بما يلقيهِ إليهم الشيطانُ، ويمكِّنُ السحرةَ من الإيهامِ بالسحرِ الذي ألقاهُ إليهم هاروتُ وماروتُ، فهذا المشتبهُ من الأمورِ، أوجبَ تنكُّبَه، وإسقاط حكمِه: ما ظهرَ من الإعجازِ الذي كان حقيقةً لا تَخييلاً، فكانَ ما ظهرَ من السحرِ والكهانةِ كالشبهاتِ المُخيِّلةِ، وما ظهرَ من المعجزاتِ حُجَجاً محقَّقةً، قال سبحانه: ﴿أَلمْ يَرَوْا أنَّه لا يُكَلِّمُهم﴾ [الأعراف: ١٤٨]، وقال في عيسى حيثُ ادّعوه ودعوهُ إلها: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] وهذا إشارة إلى حصولِ قِوامِه بغيرِه، وحاجتِه في البقاءِ إلى قوامٍ، والإله من قامتْ الأشياءُ بقدرتِه. وقالَ النبيُّ ﷺ في الأسودِ العَنْسي (٢) لما قيلَ له: إنه يتكلمُ بالأمرِ

стр. 1661

من قَبْلِ كونه، فقال: "إنَّ له شيطاناً، وإنه إذا شُكِّكَ شَك"، فمضى إليه فيروزُ الدَّيلمي (١)، فشَكَّكَه فشَك، وقصفَ عنقَه (٢). فالتكليفُ في ذلكَ ردُّ ما أشكلَ إلى ما لا يشكلُ، فما أخلى اللهُ سبحانَه شبهةً من حلٍّ، وقد أزاحَ العللَ في حلِّها، بما آتانا من القدرةِ على التأملِ والنظرِ، فَمَن (٣) صَدَقَ الله سبحانه في بذلِ ما آتاهُ من النظرِ في دلائلِ العبرِ، قَمَعَ الشُبَهَ بالحُجَجِ، وكَشَفَ عن عوارِ البدع بواضح السنَن، ورَدَّ المشتبهِ من الألفاظِ إلى المحكَمِ منها، والمَشْتَبهَ منَ الأفعالِ إلى المُتقَنِ منها. فصارت الأدلةُ التي توجِب حملَ المشتبهِ على المُحكَمِ، كالتفسيرِ للمُجْمَل.

стр. 1662

فإن قيل: فما الفائدةُ في ذلك؟ قيل: الفائدةُ التي تحصَّلتْ، بالتكاليفِ كلِّها؛ في الأبدان بما يشقُّ من الأعمالِ، وفي الأموالِ بما تبخلُ به النفوسُ، وتَضِنُّ (١) به الطِّباعُ، كما قالَ سبحانه: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة: ٤٨]، هو ما (٢) يَعْقُبُ ذلك من الثوابِ، وهذا أعظمُ التكليفين، لأنَّ أعمالَ القلوبِ أشدُّ من أعمال الأبدانِ، لأنَّها أشرفُ، وعليها مدارُ الأعمالِ. ومن فوائدِه (٣): ظهورُمقاديرِ الرِّجالِ في التأويل [لأَمر] (٤) اللهِ، أو التسليمِ لأمرِ الله، ليجازيَ كلاًّ بحسبِ عملِه واجتهادِه. وما (٥) قولُ القائل: ما الفائدةُ في شَوْب (٦) كتابِه بالمتشابِه، وقد كان يمكنُ أن يكونَ كلُه محكماً؟ مع تجويزِه واعتقادِه حُسْنَ التكليف، إلا بمثابة من قال: لماذا خَلقَ القُلْفَة، وكَلفَ الخِتانَ، وقد كان في الإمكانِ خلقُ الحشَفةِ مكشوفةً بلا جلدةٍ، أو خلقُ الجلدةِ مقلَّصةً غير مسبلةٍ؟ ولماذا خلقَ الخلقَ وكلَّفهم ما يشُقُّ، وفي الإمكان أن يبدأهم بالتفضلِ بالجنَّةِ، كما [فعل] (٤) بآدم ابتداء؟ ولمَّا خلقَ آدَمَ، لماذا كلَّفَه تركَ شجرةٍ حتى أكلَها، فقطعَ نعيمَه بالإهباطِ؟ وهذا أمرٌ يتَسَلْسَلُ، فكلُّ عذرٍ لهذا القائِل بِحُسْنِ التكليفِ، وتأويل

стр. 1663

يقيمُه لأمرِ اللهِ، أو تسليمٍ لأمرِ الله إن عجزَ عن التأويلِ، يجبُ أن يستعملَه في إبقاءِ (١) بابِ المتشابِه من الكلام خلال المحكَم، فالنَّاسُ قائلان: قائلٌ قال بالمصالح، ولا شكَّ أنهُ يجوزُ أن يكونَ في طَيِّ هذا مصلحة. وقائل يقول بالمشيئةِ المطلقةِ، فيكون ذلكَ بمشيئته المطلقة. فلا وجهَ لإنكارِه على كلا المذهبين، لا سيَّما وهو الذي مكَّنَ الشيطانَ من الإلقاءِ في تلاوةِ الأنبياءِ، فجعلَ ما يلقي الشيطانُ فتنة ضلَّ بها الكفارُ، وتأوَّلها الأبرار، وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] , وأراه دخول مكةَ، والتسلُط على أهلِها (٢) فصُدَّ عن البيتِ، وصالحَ على ذلك الأمر الذي ظهرتْ فيه استطالةُ المشركين، من محو اسمِه من الرسالةِ في المقاضاةِ (٣)، وَرَدِّ من جاءَهُ مؤمناً،

стр. 1664

فرَدَّ (١) أبا جندل (٢)، ورجعَ ذلك العام، حتى قال من قال، وشَكَّ من شكَّ، واحتجَّ من احتجَّ عليه: أليس قد قال: "لتدخلُنَّ"؟ حتى قالَ: "أقُلتُ العامَ؟ والله لتدخلنَّ (٣) ". فهذهِ المقاضاةُ من الامتحانِ والافتتانِ، صَدَرتْ (٤) عن اللهِ فعلاً، فكيف يُنْفَى عن كتابِه المتشابهُ الموهمُ للتشبيهِ وغيرِه، ولا يجوزُ عليه؟ وقد بيَّنا جوازَ أمثالِه، لَيُظهرَ اللهُ مَحَلَّ المتأولين، كقولِ أبي

стр. 1665

بكر: أفقال لكم العام؟ لَمَّا شَكُّوا في عمرةِ القضاءِ، وعَصوا عليهِ، لَمَّا أمرَهم بنَحرِ هديِهم (١) وتسليمَ من يُسَلِّمُ لأمرِه إن عجزَ عن التأويلِ لقولِه وفعلِه، فهذا أَمرٌ لا يُنكرُه من دخلَ معنا في حسنِ التكليفِ، ووافَقنا في صُدور (٢) هذه الأمورِ المشتبهةِ عن اللهِ سبحانه، فانْسَبَكَ من هذا الكلامِ: أنه إذا جازَ أن تصدرَ عنه الأفعالُ المشتبهةُ التي افتتنَ بها كثيرٌ من الناس، إما اعتماداً على إيجاب التسليم لأمرِه، لأنهُ أهلٌ أن يُسلَّمَ لهُ لِما وَضَحَ من حكمتِه، أوَ اعتماداً على استخراج التأويلِ له بغايةِ الجهدِ ومبلغِ الوسعِ، فلا يبقى [بعد] (٣) ذلك ضلالٌ من جهةِ التشابهِ في الأفعالِ والأقوالِ، وإنَّما يُدْهَى المكلفُ من قبل الإغفالِ والإهمالِ لِما يجبُ عليه من الاجتهادِ الذي بَيَّنَّاهُ، ولهذا حسُن العتبُ، ووقعَ التوبيخُ موقعَه، إذ لو لم يكنْ في القوى ما يدفعُ الشبهَ، لما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، ولما قال: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾

стр. 1666

[الصافات: ٩٥]، فهذا غايةُ التوبيخِ للعاقلِ، أتعبدُ ما صنعتَ؟ وإنَّما مقتضى العقل أن تستعبدَ ما صنعتَ. ولولا هذه الأمورُ الشاقَّةُ في استخراجِ التأويلِ، وتكلُّفِ التسليمِ، لما حصلَ الثوابُ، فتعريضُهم للثواب، وإظهارُ جواهِرهم في إمعانِ النظرِ، واستخراجِ الحقِّ من الباطلِ، وردِّ المتشابِه إلى المحكمِ، من الأعمالِ الشاقَّةِ، على القلوبِ كأعمالِ الأركانِ (١) الشاقّةِ على الأبدانِ (٢). وما كان ذلك قبيحاً ولا منكراً، بل أجمعنا على تجويزِه، كذلك كونُ الاشتباهِ الحاصلِ في الكتابِ صادراً عمَّن صدرَ عنه المحكمُ، ولا فرق. فصل في القرآن مجازاتٌ واستعاراتٌ (٣) وبه قالَ أكثرُ الفقهاءِ والأصوليين (٤)، خلافاً لبعضِ أهلِ الظاهرِ، وبعضِ الشيعةِ، وبعضِ أصحابنا: ليس في القرآن إلا الحقيقة (٥)،

стр. 1667

والحاكي ذلك عن أصحابِنا أبو الحسن التميمي. فصلٌ في دلائِلنا على ذلك في كتابِ اللهِ [ما] (١) يغني عن الدلالةِ عليه، وقد جَمع القرآنُ أقسامَ المجازِ: فمنها: الزيادةُ التي إذا حُذفت، استقلَّ الكلامُ، كقولهِ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فإذا (٢) حذفت الكاف، استقل المعنى، وهو أنه يبقى: ليس مثلَه شيءٌ، وإذا كانت بحالِها، اقتضى أن يكونَ له مثل، وليس لمثلِه شبهٌ ولا مثل، ولا بدَّ من حذفِه لحصول المعنى المقصود بالنفي. ومنها: النقصان، مثل قوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣]، وانَّما هو حُبُّ العجل، فحذف الحُبَّ، وذكرَ العجلَ، وذاتُ العجلِ لم تُشربْ في قلوبِهم، ولا يتصور ذلك. وكذلك قولُه في عيسى: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤]، ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ [النساء: ١٧١]، والمرادُ به: الكائنُ بكلمةِ اللهِ، يشهد لذلك قولُه تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩].

стр. 1668

وقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ومعلومٌ [أنَّ] (١) الحجَّ أفعالٌ مخصوصةٌ، والأشهرُ ظرفُ زمانِه، كما أنَّ الأمكنةَ ظروفُ مكانِه فعبَّرَ عن الظرف بالمظروفِ، وهذا استعار واتساعٌ. وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وإنما المرادُ بهِ: سؤالُ أهلِها، إذ لا يحسنُ إحالةُ السؤالِ على الجمادِ والبهائمِ، ولو سُئِلتْ، فليستْ (٢) مِمَّا يجيبُ عن السؤال. فصلٌ في أسئِلتهم وقد تكلَّفوا غايةَ التكلفِ (٣)، وتعسَّفوا غايةَ التَّعسُّفِ (٤) في بيان أنهُ حقيقةٌ: فمن ذلك: قولُهم: إنَّ القريةَ هي مجمعُ الناس، مأخوذٌ من قرأتُ الماءَ في الحوضِ، وما قرأَتِ الناقةُ في رَحِمِهاَ سلىً (٥) قطّ، وقرأتُ الطعام في فيَّ، وقالوا في المعروفِ بالضيافةِ: مُقري، ويقري؛

стр. 1669

لاجتماع الأضيافِ عندَه، وسُمِّيَ القُرآنُ والقِراءةُ بذلك، لكونه مجمعَ كلام، فكذلك حقيقةُ الاجتماع (١)، إنما هو الناسُ دون الجدار، فما أراد إلا مجمعَ الناس وهو في نفسه حقيقةُ القرية، يوضِّح ذلك: قولُه تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٩]، وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الطلاق: ٨]، وهذا يرجعُ إلى المجمع (٢) من الناس دونَ الجدرانِ، والعِيرُ اسم للقافلةِ. قالوا: ولأنَّ الأبنيةَ والحميرَ إذا أرادَ اللهُ نطقَها، أنطقَها، وزمن النبواتِ وقتٌ لخرقِ العاداتِ، ولو سأَلها، لأجابتْه عن حالهم معجزةً له أو كرامةً. وقوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤]، إنَّما أراد (٣) بقولِه: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾: اسمَه ونسبتَه إلى أمِّه، وذلك حقيقةُ قول الله، وقد قال صاحبكم أحمد: الله هو الله، يعني الاسم هو المسمى (٤). وقوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة:٩٣]، فإنَّه لما نُسف بعد أن بُرِدَ في البحرِ، وشربوا من الماءِ، كان ذلك حقيقةَ ذاتِ العجلِ. فلا شيءَ ممَّا ذكرتم إلا وهو حقيقةٌ. فيقال: القريةُ ما جمعتْ واجتمعَ فيها، لا نفسُ المجتَمعِ، ولهذا

стр. 1670

سُمِّيَ القُرْءُ والأقراء لزمانِ الحيضِ، أو زمانِ الطُّهرِ، والتصرية والمصرَّاة والصراة اسمٌ لمجمع اللبنِ والماءِ، لا لنفس الماءِ المجتمعِ، ولا اللَّبَنِ المجتمعِ، والقارىء: الجامع للقراَن، وَالمُقري الجامع للأضْياف، فأمّا نفسُ الأَضْيافِ فلا، والقافلةُ لا تسمى عيراً، إن لم تكنْ ذات بهائِمَ مخصوصة، فإنَّ المشاةَ والرجالةَ، لا يُسمَّون عيراً (١)، فلو كان اسماً لمجردِ القافلةِ، لكان يقعُ على الرجالةِ، كما يقعُ على أرْبابِ الدوابِّ، فبطَل ما قالوه. وقولُهم: لو سأل، لأجابَ الجدارُ، فمثلُ ذلك لا يقعُ بحسبِ الأحْيانِ (٢)، ولا يكونُ معتمداً على وقوعِه إلا عند التحدي به، فأمَّا أن يقعَ بالهاجِسِ، وفي عمومِ الأوقاتِ، فلا. وقولُه: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ٣٤]، يرجع إلى الاسم؛ فإنهم إذا حملوه على هذا أيضاً كان مجازاً، لأنَّ القولَ الذي هو الاسمُ ليس بمضافٍ إليه ولدٌ (٣)، فنقول: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ [مريم: ٣٥]، والاسمُ الذي هو القولُ ليس بابنِ مريمَ، وإنما ابنُ مريمَ نفسُ الجسمِ والروحِ التي تقَعُ عليها الاسمُ الذي ظهرتْ على يديه الآياتُ الجاريةُ التي جعلوهُ لأجلِ ظهورِها إلهاً. وقولُه: المرادُ به نفسُ ذاتِ العجل لمَّا نَسَفَه موسى، فإذا نُسِفَ، خرج [عن] أن يكون عجلاً أيضاً، بل العجلُ حقيقةً: الصورةُ المخصوصةُ التي خارت، ولأنَّ بُرادةَ الذهبِ لا تصلُ إلى القلوبِ، وغايةُ ما تَصِلُ: إلى الأجوافِ، فَأمّا أن يَسْتَقيها الطبعُ، فيُحِيلُها إلى

стр. 1671

أن تصلَ إلى القلبِ، فليس كذلك، بل سُحالةُ (١) الذهب إذا حصلت في المعدةِ، رسبت ولم تتحلل؛ بحيث ترتقي إلى غير محلِّها، فضلاً عن أن تصلَ إلى القلبِ. ولأنَّ قولَ العرب: أُشرِبوا، لا يرجعُ إلى الشرب، إنما يرجعُ إلى الإشراب، وهو الإشباعُ، وذلك يرجعُ إلى الحبِّ لاَ إلى الذواتِ التي هي الأَجسامُ، ولهذا لا يقال: أُشربوا في قلوبِهم الماء، وهو مشروبٌ، فكيف يقالُ في العجلِ؟ على أنَّ إضافَته إلىِ القلبِ، إضافة إلى محلِّ المحبةِ، وقد وردَ الخبرُ بأنهم كانوا يقولون في سُحالتِه إذا تناولوها: هذا أحب إلينا من موسى، ومن إلهِ موسى، لما تأكدتْ فتنةُ العجل في قلوبْهم. ومن أَدلتِنا: قولُه تعالى: ﴿بلسانٍ عَرَبيٍّ مُبينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، وإذا ثبت أنَّه عربي، فإن لغةَ العرب مَشتملةٌ على الاستعارةِ والمجازِ، وهي بعضُ طرقِ البيانِ والفصاحةِ، ولو أَخلَّ بذلك، لما تَمَّتْ أقسامُ الكلامِ، ولا تَصرَّحَتْ فصاحتُه على الكمال والتمامِ، ولا بانَ تَميُّزُهُ (٢)، وإنما يَبين تعجيزُ القومِ إذا طالَ، وجمعَ بين استعاراتِهم وأمثالهم وحقائِقهم، ولا يَبينُ عوارُ الألفاظِ إلا إذا طالتْ، ولهذا لا يحصلُ التحدي بمثلِ ﴿تَبَّتْ﴾ ولا بالآية والآيتين، ولهذا جعلَ حكمَ إلقليلِ منه غير محترمٍ احترامَ الكثيرِ الطويلِ، فسوَّغ الشَّرْع للجُنبِ والحائِضِ تلاوتَه (٣)، كلُّ ذلك لأنَّهُ لا إعجازَ فيه، فإدْا أتى بالمجازِ

стр. 1672

والحقيقةِ وسائرِ ضروبِ الكلامِ وأقسامِه، ففاقَ كلامَهم الجامعَ المشتملَ على تلك الأقسامِ، بانَ الإعجازُ، وظهرَ التعجيزُ لهم، فهذا يوجبُ أن يكونَ في القرآنِ مجازٌ. ومنها: ما زعموا أنَّهُ من أجودِ الاستدلالِ عليهم، وهو قولُه: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠]، وقوله: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، والصلواتُ في لغةِ العرب: إمَّا الأدعيةُ، أو (١) الأفعال المخصوصةُ، وكلاهما لا يوصفُ بالتهدُّمِ، والجماد لا يتَّصِفُ بالإرادةِ. فإدْ قيل. كان في لغةِ قوم تسميةُ المصلَّى صلاة، وقد وردَ في التفسير: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن:١٨]: [أنها] أعضاءُ السجود (٢). والجدار وإنْ (٣) لم يكنْ له إرادة، لكنَّه لا يستحيلُ من اللهِ فعل الإرادة فيه من غيرِ إحداثِ بنيةٍ مخصوصةٍ. فيقال: هذه (٤) دعوى على الوضعِ إذ لا يُعلم أنَّ الصلاةَ فى الأصلِ إلا الدعاءُ، وزِيدَ في الشرع، أو نُقِلَ إلى الأفعال المخصوصةِ، فأمَّا الأبنيةُ فلا يُعلمُ ذلكَ من نقلٍ عن العربِ. وإن سُمِّيتْ صلوات، فإنما هو استعارةٌ؛ لأنَّها مواضعُ الصلواتِ.

стр. 1673

ولو خلقَ اللهُ في الجدارِ إرادةً، لم يكن بها مريداً، كما لو خلق فيه كلاماً، لم يكن به متكلِّماً. فصلٌ وأما الدلائل على (١) جوازه شرعاً، فما قدمنا من الآيات. وأما الدلالة على جوازه عقلاً، [فهي]: أنَّه ليسَ في ذلكَ ما يحيلُ معنى، ولا يوجبُ مناقضةً، ولا اختلافاً، ولا يُخلُّ بمقصودٍ، فلا وجهَ للمنع منه عقلاً. فصلٌ في شبهاتِ المخالِفِ (٢) فمنها: قولهم: إنَّ المجاز كذبٌ، لأنَّه قد يقعُ خبراً بخلافِ مخبَره، ويتناولُ الشيءَ على خلافِ ما هو به؛ فيقولُ القائلُ في الرجلِ البليدِ: هذا حمارٌ، والعلم حاصل بسلب الحمارية عنه، وهو النهيق، ويقولُ في السخيِّ: بحرٌ، ويحسنُ سلبُ ذلكَ عنه؛ بأن يقال: ليس ببحرٍ، لكنَّه رجلٌ كريمٌ ذو عطاءٍ جزيلٍ، أو عالم علماً واسعاً (٣)، والخبرُ المردودُ (٤) على قائله بالسلبِ لِما تضمنه خبره من

стр. 1674

الإثبات، أو إثبات ما سلبه، هو الكذبُ، وما ليسَ بحقيقةٍ، فليسَ بحقٍّ، وما ليسَ بحقٍّ فهو الباطلُ، إذ ليسَ بينهما واسطةٌ. ومنها: أنْ قالوا: إنَّ المجازَ لم تستعملْه العربُ إلا لأجلِ الحاجةِ والضرورةِ، مثل حاجةِ الشعراءِ إلى المدحِ المبالغِ، لاستخراجِهم جوائزَ الأمراءِ والملوكِ، وتسهيلِ العطاءِ على الممدوحِ، فافتقروا إلى تشبيهِ الكريمِ بالبحرِ، وتلقيبِه بالسحابِ الهاطلِ، والماءِ الفائِضِ، والفرس الجاري، واستعاروا له بوصفِه بالإقدامِ على الحربِ، وثباتِ القلب اسمَ: أسدٍ وشجاعٍ، وفي منع الجار، وثباتِ العزمِ اسمَ: جبلٍ، ولمَّا احتاجوا الذمَّ لانجزاعِ (١) قلبِ مَن لا يمكنهم النكاية فيه بالفعلِ، وكانوا أربابَ ألسنةٍ، استبدلوا الألسنةَ بالأسلحةِ، فأنكَوا بالهجوِ قدحاً في الأعرِاضِ، وفَتّاً في الأعضادِ؛ بتلقيبِ الرجلِ حماراً، وربما يقصدون بذلكَ وصفَه بالبلادةِ والقذارةِ والشَّرَهِ، وبالحُساس (٢) صفة له بالخَوَرِ، واحتاجوا إلى استرحامِ القساةِ، واستعطافِ المعرضينَ من الولاةِ، فاستعاروا لأنفسِهم ما يوجبُ رقَّةَ القلوبِ عليهم، بتشبيهِ أولادِهم بالأفرُخ (٣) الزُّغْبِ (٤)، وأنفسِهم

стр. 1675

بالزقّاقِ (١)، كقول الشاعر لعمر: ماذا (٢) تقولُ لأفراخٍ بذي مَرَخ ... زغبِ الحواصلِ لا ماءٌ ولاشجرُ ألقيتَ كاسبَهم في قعرِ مظلِمةٍ ... فاغفِر هداكَ مَليكُ الناسِ يا عمرُ (٣) فهذه حاجاتٌ وضروراتٌ ألجأَت أربابَها إلى الاستعاراتِ، واستعمال المجازاتِ، فصارت بمثابةِ من لم يجد سيفاً لقتالِ عدوِّه، فاشتملَ له بقَدومٍ (٤)، ولم يجد سكيناً يبري به القلم، فبراه بمِقْراض، والآلاتُ الموضوعة للأعمالِ (٥) كالألفاظِ، واللهُ سبحانَه غنيٌّ عن كل شيءٍ بذاتِه، فلا وجهَ لإضافةِ المجازِ والاتساعِ إلى كلامِه،

стр. 1676

ومنها: أنَّه لو كانَ في كلامِه مجازٌ، لاشتُقَّ له منه اسمُ: متجوِّز، ولمَّا لم يجز ذلك على اللهِ سبحانَه، وجازَ على آحادِ العربِ، عُلِمَ أنَّ اللهَ سبحانَه لم يتكلَّم بالمجازِ، بل بمحضِ الحقيقةِ. ومنها: أنَّ ما ليسَ بحقيقةٍ، فليسَ بحقٍّ، وكما لا يجوزُ أن يُنفى عن كلامِ اللهِ الحقُّ، فنقولُ: في كلامه ما ليسَ بحقٍّ، لا يحسنُ أن يُنفى عن كلامِه الحقيقةُ، فيقالُ: في كلامِ اللهِ سبحانَه ما ليسَ بحقيقةٍ. فصلٌ في جمع أجوبةِ شُبَههم فأمَّا قولُهم: بأنه يفضي إلى الكذبِ، لأنَه بخلافِ مُخْبَره، فما أبعدَ هذا القولَ! وذلكَ أنَّ الكذبَ مستقبحٌ عند كلِّ ناطقٍ عاقلٍ، والاستعاراتُ عندَهم مستحسنةٌ مستعملةٌ، فأينَ الموضوعُ المستحسَنُ من المُجْتَنبِ المستقبَحِ؟! وقد أبانَ النبيُّ ﷺ عن نفْي الكذبِ عنه (١)، حيثُ نطق به، وأقرَّ عليه أصحابَه، فالذي نطقَ به أكثرُ من أن يُحصى، غيرَ أنَّنا نذكرُ قولَه للحادي: "رفقاً بهؤلاءِ القواريرِ يا أنجَشَةُ" (٢)، يشيرُ إلى النساء حيث

стр. 1677

بكينَ لحدوه الشجيِّ، وقالَ في استعاراتِ الحرب: "الآنَ حميَ الوطيسُ" (١)، فسمَّى النساءَ قواريرَ لسرعةِ تصدُّعهنَّ وبُعْدِ انجبارِهِنَّ، وسمَّى اسْتعِارَ الحربِ وطيساً، وهو تَنُّور من حديد (٢) وقال: "إنَّ في المعاريض لمندوحةً عن الكذب" (٣)، وعرَّض ﷺ فقال: "نحن من ماء" (٤)، يُوهم أنه من عربٍ مخصوصين بالماءِ، وقال: "ألسنا من ماءٍ مَهِين (٥) "، وقال للذي طلبَ منه بعيراً يخرج معه عليه إلى بعض الغزوات، وكان منافقاً (٦): "لا أجد إلا

стр. 1678

ولد ناقة" يُوهِمُ الفصيلَ، فقال: وما أصنعُ بولدِ ناقةٍ؟ فقالوا له في ذلك، وكانَ عنده من نَعَمِ الجزيةِ والصدقةِ عددٌ، فقال: "أليس الجمال أولادَ النُّوق" (١)، وقال: "لا يدخلُ الجنَّةَ العُجَّز" (٢)، وإلى أمثالِ ذلك من المعارِضِ، وقال ذلك توسُّعاً، وقال: "إنِّي لأَمْزَحُ، ولا أقولُ إلا حقاً" (٣). وليسَ من حيثُ نفيُه كان كذباً، ألا ترى أنه يحسُنُ نفيُه، وهو

стр. 1679

حسنٌ ومُستحسَنٌ (١)؟ والكذبُ لا يقعُ مستحسناً، ولأنَه يقابلُ قولهم: حسنَ نفيُه، فكان كذباً، بإنَّه حسنَ إثباتُه، فلا يكونُ كذباً، والكذبُ لا يحسنُ إثباتُه. وممَّا يُفسِدُ دعواهم الكذبَ: أنَّهم لا يُسمُّونَ مَنْ أكثرَ الاتساعَ في المجازِ والاستعاراتِ كذَّاباً، ومحالٌ أن لا يشتقَّ للمكرِّرِ لنوع من الأفعالِ (فعالاً)، ولهذا قالوا فيمن يكرِّرُ في كلامه التاء ضرورةً: تمتاماً، أو يكرر الفاءَ: فأفاءَ، ومن كرَّرَ التَّهزِّي، سُمِّيَ: هُزَأَةً، فلمَّا مُدِحَ المكرِّرُ للمجازِ بالفصاحةِ والقدرةِ على المنطقِ لغةً، ولم يُذَمَّ شرعاً، ولا قُدح في عدالتِه، عُلمَ أنَّه ليس بكذبٍ، ومن تكرَر منه الكذبُ، كان فاسقاً، ولا أحدَ استجرأَ على تفسيقِ المستعيرِ المتجوِّزِ في كلامِه، فبطلَ ما ادَّعوه. وأما قولُهم: هو ضدُّ الحقيقة، فيكونُ ضد الحقِّ، وهو الباطلُ، فليس كذاك، لأنَّ الحق غيرُ الحقيقة: ولهذا لفظُ التثنيةِ والتثليثِ حقيقةٌ في الوضعِ للشَرْكِ، وليس بحقٍّ، ورمي الشيء إصابةٌ، وليس بصوابٍ. وأما دعواهم: أنَّ المجاز لم تستعملْه العربُ إلا للحاجةِ، فبعيدٌ، لأنَّ القوم حسَّنوا به الكلامَ، وإلا ففي (٢) الحقائقِ غنى عن الاستعاراتِ، وذلك أنَّ من وجدَ للرجلِ الذي لا يفهمُ اسمَ: بليدٍ وذاهلٍ، لماذا يقولُ فيه: حمارٌ؟ ومن يمكنه أن يقولَ في الرجل الثابتِ في الحربِ: مِحْراب (٣) وقَتَّال، لماذا

стр. 1680

يَستعيرُ (١) له اسمَ بهيمةٍ، فيقول: أسدٌ وشجاعٌ؟ فلما استعملوه مع وجودِ الحقائقِ، دلَّ على تحسينِ الكلام، ولهذا لم يذمُّوا مستعملَه، بل كان أحذقُهم في ذلك أشعرَهم وأَخطَبَهم، ولو كان للحاجةِ، لكان أكثرُهم استعمالاً له أعجزَهم، لأنَّ ما يُستَعملُ للحاجةِ، دلَّ على شدةِ احتياجِه، ألا ترى أنَّ الإشارةَ لما كانت بدلاً عن الكلامِ لأجلِ لُكْنَةٍ، أو فساد في آلات المنطقِ وأدواتِه، لم تُعَدَ فَضْلاً؟ بل من ساعد منطقَه بيده، لم يعدَّ فاضلاً، لأنَّه لما استعان على تفهيم مكلَّمه ومحْاطَبه بيدِه وليست أداةً لنطقِه، كان ذلك لقصورٍ يجدُه في لفظِه، أو لُكْنَةٍ، أو لسوءِ فهمِ السامعِ، فإذا رأيناهم يعتمدونَ ذلك مع انتفاءِ هذه الموانع والعوارِضِ، عُلِمَ أنَّه في وضعِ كلامهم، وعاداتِ خطابِهم، وصار ذلك أشبهَ شبهاً بما [في] الكتاب في خطوطهم، من تَطويلِ الحروفِ، وسلسلةِ المنظومِ منها بعضه ببعض، فيكونُ ذلكَ طريقةً في الخطِّ، وقدرةً في السطرِ، وهل يكونُ أحسن من قول القائل: امتلأ الحوضُ وقال: قَطْني ... مَهْلاً رُويداً قد مَلأْتَ بَطني (٢) ويريدُ أنَّه بلغ من الامتلاءِ مبلغاً لو بلغه الحيُّ الناطقُ، لكان قائلاً: حسبي وقطني. وفي قولِ المجاز والاتساع فضيلة أيضاً، لأنه يدلُّ على اطِّلاع المستعير للبليد: حماراً، وللمحراب: أسداً وشجاعاً، وللسخيِّ: بحراً، وللمرأة: قارورةً، على ضربٍ من المقايسةِ، فإنه يُلحقُ

стр. 1681

الشخصَ بما يشاكلُه، والشيءَ بما يقاربُه، والاطِّلاعُ على القياسِ فضيلةٌ للمتكلِّم، فكيفَ يُدَّعى [أنه] ضرورةٌ؟! ولهذا قالوا: إنَّما يبينُ فضلُ الشاعرِ في التشبيهِ، دونَ المديحِ والغَزل والمراثي، فإنَّ ذلك قد يحرِّكُه إلى التجويد فيه عطاءٌ يوجبُ المدحَ، وحزن يوجبُ التجويدَ في المرثيةِ، وبُغْضٌ يوجبُ الهجاءَ، وعشقٌ يوجبُ الوصفَ، فأمَّا التشبيهُ فَمَحضُ مُوازنة، أصلُها صحةُ اللَّمْحِ، وجَوْدَةُ النظر، لإلحاقِ (١) المِثلِ بالمِثلِ. وأحسنُ من هذا القول في سهولة الانفعال على الصانع جلَّتْ عظمته: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ [فصلت: ١١] ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. على أنَّ أصلَ الكلامِ إنَّما وُضِعَ -أعني: حقيقته- لأجلِ حاجةِ المتكلِّمينَ إلى التفاهمِ والتخاطُبِ، فهو بين نداءِ البعيدِ، ومناجاةِ القريبِ، وترخيمٍ لاستعجال الاستدعاءِ، ونُدبة هي في أصلِ الوضعِ تَفَجُّعٌ، وتَوجُّعٌ (٢)، واستراحةٌ لإخراجِ الكمَدِ من الصدور؛ بالهاءِ في قولهم: يا سيِّداه، يا أبتاه، يا ابناه، قال الله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] وقال: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠]، ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ﴾ [الشعراء: ١٠]، ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]، وجميعُ الحقائقِ التي تكلَّم

стр. 1682

بها العربُ لأجلِ أغراضِهم (١) وحوائِجهم، تكَلَّمَ البارىء بها، حتى إنَّ أشباهَ ما ذكرتُ من الأمثالِ، والمبالغةِ في المدحِ، والوعدِ والوعيدِ، والذم قد اجتمعَ في القرآنِ، فإن شئتَ المدحَ فقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ [الذاريات: ١٧] ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٤٤]، ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣]، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨ - ٩] ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١]، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)﴾ [هود: ٧٥]. وأمَّا الذمُّ, فأبلغُه قولُه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٠ - ١٣]، ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١ - ٢]، ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] أوهذه، استعارةٌ أحسنُ ما تكونُ من تسميةِ التي تُلهبُ الغضبَ، وتثيرُ الفتنَ بين النَاس، لكون ذلك مادةَ النَّارِ، وهذه مادةُ الثوائرِ بين النَّاس، فإذا كان كذلكَ، فقد وُجدَ حقيقةُ ما أتى بمثلِه الشعراءُ في المعنَى، وانْ عَجزوا عن المنطقِ والنَّظمِ، وكانَ ذلكَ لا لحاجةِ المتكلِّمِ إليه، لكنْ إظهارُه وإنزالُه لِحاجةِ المخلوقينَ إليه، لينتهوا عن القبائح بذمِّه ووعيدِه ونهيه، ويَهشُّوا إلى الفضائلِ بمدحِه ووعدِه، ويزدادوا من الخيرِ بشكرِه لهم، وثنائِه عليهم.

стр. 1683

من ذلكَ: أنَّه سمى المعرضينَ (١) عن الحقِّ وداعيتِه: أنعاماً، وشبَّههم بالكلابِ، قال فيهم: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٧٦] وقوله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وقال ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ [البقرة: ٧٤]. وأمَّا قولُهم: كان يجبُ أن يُشتَقَّ له اسمُ: متجوِّز، فلا (٢) يصحُّ، لأنَّه لا يسمَّى من الأسماءِ إلا بما سمَّى به نفسَه، ألا ترى [أنه] (٣) يتكلَّمُ بالحقيقةِ، ولا يُشتَّقُ له اسمُ: محقِّق، وفاعلٌ للحَبلِ في النِّساءِ، ولا يقال: محبِّل، وفيه معنى العقلِ من الحكمةِ، ولا يقال: عاقلٌ، ويسمَّى: حكيماً، لأنه سمَّى نفسَه حكيماً، وكريماً (٤)، والكرمُ هو السخاء، ويقال: كريمٌ، ولا يقال: سخيٌّ. على أنَّ القولَ بالتجوَّز يُوهِمُ الحذفَ، هذا هو الغالبُ من لغتِهم، ولا (٥) يقالُ: متجوِّز إلا لمن جوَّز في لفظه، والبارىء لا يُسمَّى باسمٍ موهمٍ للذَمِّ، تعالى عن ذلك (٦). وأمَّا قولُهم: لو كانَ في كلامِه ما ليس بحقيقةٍ، لكانَ في كلامِه ما ليس بحقً، فليسَ بصحيح، لأنَّ الحقَّ ضدُّ الباطلِ، فإذا قيل: ليسَ

стр. 1684

بحقٍّ، أُثبتَ الباطل، وليس الحقيقة من الحق بشيء، ولهذا تكلم النبي ﷺ بغير الحقيقةِ، وما (١) تكلم إلا بالحق، فقال: "أمزح، ولا أقول إلا حقاً" (٢)، فلما قال للمرأةِ: "في عين زوجك بياض" (٣)، أوهمها بياضاً (٤) في السَّوادِ، وهو يريدُ بياضاً حولَ السوادِ، وقال للحادي المعروفِ بأنجَشَة لما حدا، فأبكى زوجاتِه: "يا أنجشةُ، رفقاً بهؤلاءِ القواريرِ" (٥)، فاستعارَ للنِّساءِ اسم: قوارير، وما أحسنَ هذه الاستعارةَ!. فإنهنَّ رقيقاتُ القلوبِ، سريعاتُ الانفعال بالوهنِ، قليلاتُ الصبرِ والتماسكِ، كما أنَّ القواريرَ سريعاتُ الانكسارِ، أيسرُ شيءٍ يؤثِّرُ فيهنَّ، كالقواريرِ. فصلٌ والدلالةُ على مَنْ منعَ المجازَ من أصحابنا

стр. 1685

أنَّ مذهَبهم قِدَمُ الكلامِ (١)، والبارىء قد أخبرَ بإرسال الأنبياءِ، وأنَّهم قالوا، وفعلوا، ونودوا، وأُوذوا، وقيلَ لهم، وهذا كله لم يكُ بعد، ولا وُجدَ، فلا تَفَصِّي (٢) لهم عن المجازِ، وأضافَ (٣) إلى ذاتِه بظاهرِ اللفظَ: الحبَّ والغضبَ، والإتيانَ والمجيءَ، وهم بين مذهبين: إما تأويل يَصْرفُ عن الحقيقةِ، بمعنى: سيقول، كما قال: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، بمعنى: سينادي، وجاءت ملائكةُ الله، وأمرُ الله، وعقابُ الله، وهذا صورةُ المجاز. أو يكونُ غيرَ معلومٍ لا يعلمُه إلا اللهُ، فلا يمكنُ أنْ تكونَ حقيقةٌ موضوعةٌ لا تكونُ معلومةً، فلم يبقَ إلا المجازُ، ومتى كان حقيقةً، كان الخطابُ والمخاطبون (٤) قديمينَ، وذلكَ مُحالٌ (٥). فصل يَصِحُّ الاحتجاجُ بالمجازِ (٦) لأنَّه موضوع يُعقلُ منه المرادُ به من المقدَّر (٧) فيه، والمعبَّرُ به
следующие страницы →