← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

الشخصَ بما يشاكلُه، والشيءَ بما يقاربُه، والاطِّلاعُ على القياسِ فضيلةٌ للمتكلِّم، فكيفَ يُدَّعى [أنه] ضرورةٌ؟! ولهذا قالوا: إنَّما يبينُ فضلُ الشاعرِ في التشبيهِ، دونَ المديحِ والغَزل والمراثي، فإنَّ ذلك قد يحرِّكُه إلى التجويد فيه عطاءٌ يوجبُ المدحَ، وحزن يوجبُ التجويدَ في المرثيةِ، وبُغْضٌ يوجبُ الهجاءَ، وعشقٌ يوجبُ الوصفَ، فأمَّا التشبيهُ فَمَحضُ مُوازنة، أصلُها صحةُ اللَّمْحِ، وجَوْدَةُ النظر، لإلحاقِ (١) المِثلِ بالمِثلِ. وأحسنُ من هذا القول في سهولة الانفعال على الصانع جلَّتْ عظمته: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ [فصلت: ١١] ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. على أنَّ أصلَ الكلامِ إنَّما وُضِعَ -أعني: حقيقته- لأجلِ حاجةِ المتكلِّمينَ إلى التفاهمِ والتخاطُبِ، فهو بين نداءِ البعيدِ، ومناجاةِ القريبِ، وترخيمٍ لاستعجال الاستدعاءِ، ونُدبة هي في أصلِ الوضعِ تَفَجُّعٌ، وتَوجُّعٌ (٢)، واستراحةٌ لإخراجِ الكمَدِ من الصدور؛ بالهاءِ في قولهم: يا سيِّداه، يا أبتاه، يا ابناه، قال الله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] وقال: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠]، ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ﴾ [الشعراء: ١٠]، ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]، وجميعُ الحقائقِ التي تكلَّم

стр. 1682

بها العربُ لأجلِ أغراضِهم (١) وحوائِجهم، تكَلَّمَ البارىء بها، حتى إنَّ أشباهَ ما ذكرتُ من الأمثالِ، والمبالغةِ في المدحِ، والوعدِ والوعيدِ، والذم قد اجتمعَ في القرآنِ، فإن شئتَ المدحَ فقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ [الذاريات: ١٧] ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٤٤]، ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣]، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨ - ٩] ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١]، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)﴾ [هود: ٧٥]. وأمَّا الذمُّ, فأبلغُه قولُه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٠ - ١٣]، ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١ - ٢]، ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] أوهذه، استعارةٌ أحسنُ ما تكونُ من تسميةِ التي تُلهبُ الغضبَ، وتثيرُ الفتنَ بين النَاس، لكون ذلك مادةَ النَّارِ، وهذه مادةُ الثوائرِ بين النَّاس، فإذا كان كذلكَ، فقد وُجدَ حقيقةُ ما أتى بمثلِه الشعراءُ في المعنَى، وانْ عَجزوا عن المنطقِ والنَّظمِ، وكانَ ذلكَ لا لحاجةِ المتكلِّمِ إليه، لكنْ إظهارُه وإنزالُه لِحاجةِ المخلوقينَ إليه، لينتهوا عن القبائح بذمِّه ووعيدِه ونهيه، ويَهشُّوا إلى الفضائلِ بمدحِه ووعدِه، ويزدادوا من الخيرِ بشكرِه لهم، وثنائِه عليهم.

стр. 1683

من ذلكَ: أنَّه سمى المعرضينَ (١) عن الحقِّ وداعيتِه: أنعاماً، وشبَّههم بالكلابِ، قال فيهم: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٧٦] وقوله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وقال ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ [البقرة: ٧٤]. وأمَّا قولُهم: كان يجبُ أن يُشتَقَّ له اسمُ: متجوِّز، فلا (٢) يصحُّ، لأنَّه لا يسمَّى من الأسماءِ إلا بما سمَّى به نفسَه، ألا ترى [أنه] (٣) يتكلَّمُ بالحقيقةِ، ولا يُشتَّقُ له اسمُ: محقِّق، وفاعلٌ للحَبلِ في النِّساءِ، ولا يقال: محبِّل، وفيه معنى العقلِ من الحكمةِ، ولا يقال: عاقلٌ، ويسمَّى: حكيماً، لأنه سمَّى نفسَه حكيماً، وكريماً (٤)، والكرمُ هو السخاء، ويقال: كريمٌ، ولا يقال: سخيٌّ. على أنَّ القولَ بالتجوَّز يُوهِمُ الحذفَ، هذا هو الغالبُ من لغتِهم، ولا (٥) يقالُ: متجوِّز إلا لمن جوَّز في لفظه، والبارىء لا يُسمَّى باسمٍ موهمٍ للذَمِّ، تعالى عن ذلك (٦). وأمَّا قولُهم: لو كانَ في كلامِه ما ليس بحقيقةٍ، لكانَ في كلامِه ما ليس بحقً، فليسَ بصحيح، لأنَّ الحقَّ ضدُّ الباطلِ، فإذا قيل: ليسَ

стр. 1684

بحقٍّ، أُثبتَ الباطل، وليس الحقيقة من الحق بشيء، ولهذا تكلم النبي ﷺ بغير الحقيقةِ، وما (١) تكلم إلا بالحق، فقال: "أمزح، ولا أقول إلا حقاً" (٢)، فلما قال للمرأةِ: "في عين زوجك بياض" (٣)، أوهمها بياضاً (٤) في السَّوادِ، وهو يريدُ بياضاً حولَ السوادِ، وقال للحادي المعروفِ بأنجَشَة لما حدا، فأبكى زوجاتِه: "يا أنجشةُ، رفقاً بهؤلاءِ القواريرِ" (٥)، فاستعارَ للنِّساءِ اسم: قوارير، وما أحسنَ هذه الاستعارةَ!. فإنهنَّ رقيقاتُ القلوبِ، سريعاتُ الانفعال بالوهنِ، قليلاتُ الصبرِ والتماسكِ، كما أنَّ القواريرَ سريعاتُ الانكسارِ، أيسرُ شيءٍ يؤثِّرُ فيهنَّ، كالقواريرِ. فصلٌ والدلالةُ على مَنْ منعَ المجازَ من أصحابنا

стр. 1685

أنَّ مذهَبهم قِدَمُ الكلامِ (١)، والبارىء قد أخبرَ بإرسال الأنبياءِ، وأنَّهم قالوا، وفعلوا، ونودوا، وأُوذوا، وقيلَ لهم، وهذا كله لم يكُ بعد، ولا وُجدَ، فلا تَفَصِّي (٢) لهم عن المجازِ، وأضافَ (٣) إلى ذاتِه بظاهرِ اللفظَ: الحبَّ والغضبَ، والإتيانَ والمجيءَ، وهم بين مذهبين: إما تأويل يَصْرفُ عن الحقيقةِ، بمعنى: سيقول، كما قال: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، بمعنى: سينادي، وجاءت ملائكةُ الله، وأمرُ الله، وعقابُ الله، وهذا صورةُ المجاز. أو يكونُ غيرَ معلومٍ لا يعلمُه إلا اللهُ، فلا يمكنُ أنْ تكونَ حقيقةٌ موضوعةٌ لا تكونُ معلومةً، فلم يبقَ إلا المجازُ، ومتى كان حقيقةً، كان الخطابُ والمخاطبون (٤) قديمينَ، وذلكَ مُحالٌ (٥). فصل يَصِحُّ الاحتجاجُ بالمجازِ (٦) لأنَّه موضوع يُعقلُ منه المرادُ به من المقدَّر (٧) فيه، والمعبَّرُ به

стр. 1686

عنه؛ مثالُه: قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، والغائطُ: المطمئنُّ من الأرضِ حقيقةً، لكن لمَّا كانَ المعقولُ منه قضاءَ الحاجةِ، وذَكَرَ الموضِعَ توريةً وكنايةً عن الموضَع، صارَ كأنَّه قال: أو جاءَ أحدٌ منكم من الغائطِ بعدَ حدثِه في الغائِط، أو من حاجةِ الإنسانِ. وكذلكَ قولُه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وقد عُرِف أنَّ عيونَ الوجوهِ هيَ الناظرةُ، صارَ كأنَّه قالَ: عيونٌ يومئذٍ إلى ربِّها ناظرةٌ. وإذا كان المعقولُ منه ذلكَ، صارَ كأنَّه بالتقديرِ، كالكلامِ الأعجميِّ الموضوعِ للمقصودِ، يكونُ دليلاً للعَجمِ، والإشارةِ لمن يعقِلُها، وليسَ إبدالُ الخارجِ بذكر المكانِ، وإبدالُ العيونِ بالوجوهِ، بأكثرَ من إبدالِ اللغةِ بالإشارةِ المفهومةِ، ويجوزُ الاستدلالُ بالإشارةِ، مثلُ إِشارتِه ﷺ عندَ (١) قولِه: "الشهرُ هكذا وهكذا" (٢) بأصابعه: إلى تسعٍ وعشرين. فصلٌ قالوا: ولا يقاسُ على المجازِ (٣)، فلما قالَ سبحانَه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، لا يقالُ: سلِ الدَّكَّة (٤)

стр. 1687

والسرير، ويريد به: الجالس على السرير والدَّكَّةِ، كما أرادَ هناكَ ساكنَ القريةِ، وأهلَ العيرِ، و [لا] (١) تقول: بما كسبت أَرجلكم، بدلاً أو قياساً على قوله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. وعندي: أَنّهُم إنَّما منعوا ذلكَ، لأَنَّه مستعارٌ من حقيقةٍ، فلو قيسَ عليه، لكانَ استعارةً منه أيضاً، فيتسلسلُ، ولهذه العلَّةِ منعوا من تصغير التصغيرِ، والذي يظهرُ من المجازِ: أنَّه نوعُ قياسٍ منهم، لأنَّه إذا تُتُبَّعَ كل مستعار في لغةِ العرب، علم أنهم إنما قصدوا خلعَ اسم الحقيقةِ على مايشاكلُها نوعَ مشاكلَةٍ، من ذلكَ: لَحْظُهم (٢) البلادةَ التي في الحمارِ، والفيضَ الذي في البحارِ، والإقدامَ الذي في السَّبعِ والشّجاع، واستعارةُ اسمِ الحمارِ للبليدِ، والبحرِ للكريمِ أو العالمِ، واسمِ السَّبعِ للرجلِ المحرابِ، وهذا هو عينُ القياسِ، فلم يقيسوا على المقيسِ. فصلٌ (٣) ويجوز أن يرد اللفظُ الواحدُ، فيتناول موضعَ الحقيقةِ والمجازِ، فيكون حقيقةً من وجهٍ، مجازاً من وجهٍ آخر، نحو قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، هو حقيقة في الوطءِ، بدليلِ أنَّه يُستعملُ في موضعٍ لايجوزُ فيه العَقْدُ، مثل قوله

стр. 1688

- ﷺ : "ملعونٌ ناكحُ البهيمةِ"، "ناكحُ يدِه ملعونٌ" (١) ولا عقدَ، وقولُهم: أَنْكَحْنا الفَرَا، فَسَنَرى (٢). ثم استعمل في العَقدِ، فيحرمُ عليه أن يتزوَّجَ مَن تزوَّجها أبوه، وإن لم يوجد منه الوطء. ونحو قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ (٣) النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣]، حقيقةٌ في

стр. 1689

اللَّمس، إلا أنه يُطلَقُ على الجماعِ مجازاً، فيُحمَلُ عليهما جميعاً، ويُوجبُ الوضوءُ منهما جميعاً، فنقولُ: كلُّ معنيين جاز إرادتهما بلفظٍ يصلح لهما، [فهُما] (١) كالمعنيين المتفقين. بيانُ ذلكَ: أنَّه لو قال: إذا أحدثتَ فتوضأ، وأرادَ به [الحدث] (١) والبول، صحّ، فهذا الحقيقةُ والمجازُ فيهما، فجازَ اجتماعُهما، ليكونَ اللفظُ متناولاً لهما جميعاً. يوضِّح هذا: أنَّ قولَه تعالى في الكفارة: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] يتناولُ الرقبةَ الحقيقيةَ، وغيرَها من أعضاءِ الجملةِ على طريقِ المجازِ. وكذلكَ قولُهم: اشتريتُ رأساً من الغَنمِ، يتناولُ العضوَ الذي فيه الحواسُّ حقيقةً، وجميعَ الشاةِ مجازاً. وكذلك قولُهم: "لنا قَمَراها والنجومُ الطوالع" (٢)، و"بتنا على الأسودين"، و"عَدلُ العُمَرين" حقيقةٌ في أحدِهما، وهو طالعُ الليلِ دونَ الشمس، مجازٌ في الشَّمسِ، والأسودُ حقيقةٌ في التَّمرِ، مجازٌ في الماء، وَالعُمَرانِ حقيقةٌ في عمرَ بن الخطاب، مجازٌ في أبي بكرٍ ﵄. وقد سُئل أحمدُ عن العُمرين فقالَ: عمرُ بنُ الخطَّاب، وعُمرُ بن

стр. 1690

عبد العزيزِ، فجعلَهما حقيقتينِ (١). فصلٌ ليس في القرآنِ غيرُ العربيةِ ذكره أبو بكرٍ من أصحابنا في كتاب "التفسيرِ"، وبه قالَ جمهورُ الفقهاءِ [و] العلماءِ والمَتكلِّمين (٢)، خلافاً لابن عباسٍ وعكرمَةَ (٣): أنَّ فيهِ غيرَ (٤) العربيةِ، كقولِه سبحانَه: مشكاةٌ (٥)،

стр. 1691

وقِسطاسٌ (١)، وسِجِّيل (٢)، واستبرق (٣). فصل في أدلتنا فمنها: قولى تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨]

стр. 1692

﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، وقولُه: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤]، وهذه صفة لجميعِ الكتاب العزيزِ، ونفي للقول بأن فيه أعجمياً وعربياً (١)، وهذا القولُ يتطرقُ عليه إذا كان بعضُه غيرَ عربي. ولأنَّه تحداهم به سبحانه، والقومُ لا تقدِرونَ على الأعجمي، فلا يتحداهم بما لا قدرةَ لهم عليه، ولا هوَ من صناعتِهم، وإنَّما يتحداهم باللسانِ الذي يقدرون عليه، ثم يعجزونَ عن نظمِه وأسلوبه، ألا ترى أنَّه سِبحانه لمِ يَتَحدَّهُم (٢) بالطِّب، كما تحدى قوم عيسى، ولا بما يتوهمونه سحراً، كما تحدَّى قومَ موسى، فكلّ قوم تحداهم بما كان من صناعاتِهم، وأبان عن عَجزِهم عنه، استدلالاً على تأييد نبيِّهم بما يخرقُ عاداتِهم، ولهذا لم تُتَحَدَّ (٣) العبرانيةُ والسريانيةُ بالكلامِ العربيِّ (٤).

стр. 1693

فصلٌ فيما وجهُوه من الأسئلةِ على ما استدلَلنا به قالوا: ليسَ الأعجمئ بأكثرَ من أنَّه لا يُعقلُ معناه، وعلى قولكم: قد خاطَبهم بالآي المتشابهِ الذي قد تكرَّر منكم القولُ فيه، وثبتَ من أصلِكم: أنَّه هوَ المنفردُ (١) بعلمِه الذي لا يَعلمُ تأويلَه إلا اللهُ، ولا يُعقلُ المرادُ به، بل هو أشد غموضاً من الأعجميِّ الذي يوجَدُ مَن يفسِّرهُ، ويكشفُ عن معناه. فيقالُ: الآيُ المتشابِهُ من جملةِ المجازِ والاتَساع، وما تكلمت العربُ به، وهو أنَّه مصروفٌ عن مقتضاهُ في الَلغةِ إلى مايعبَّرُ به عنه استعارةً، على طريقِ التأويلِ، مثل (٢) قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه: ٣٩] [أي]: على مرأى منِّي ومنظَرٍ. ومثلُ قوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] , يريدُ: إلا هو، لقولهم: كرَم اللهُ وَجْهَك، والمراد به: كرَّمَكَ اللهُ. ومثلُ قولِه: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، [أي]: لما خلقتُ أنا، لا بإيلادي من أبٍ وأمٍّ، وأنا توليتُ إيلاجَ الروحِ فيه، التي هي مِلكي، والتكرُّمَ

стр. 1694

بالإضافةِ، فهذا المصروفُ بالتأويلِ دأبُ العربِ ولسانُهم (١). ونحنُ نقول: إنَّ له عندَ الله معنى، لكن لا يوصَلُ إليه بالتأويلِ، وهذا صرف له عن ظاهرِه في اللغةِ، وكلُّ مصروف (٢) له عن ظاهرهِ، إمَّا بتأويلٍ، أو (٣) حملٍ له على غيرِه من حقيقةِ اللفظِ فمجاز، وكلُّ مصروف عن ظاهرِه بدلالةٍ، فمجاز أيضاً، والدلالةُ التي صَرَفت عن ظاهرِ هذه الإضافات: هي نفيُ (٤) التشبيهِ عنه سبحانَه؛ بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وبدلائلِ العقوِلِ التي دلَّت علىِ أنَّه لو أشبَهَ الصُّورَ، وكان ذا أعضاءٍ وأجزاءٍ، لكان جسماً، ولو كان جسماً لم يكن واحداً، لأنَّ الجسمَ ما يتركَّبُ من جواهر، ولو لم يكن واحداً، بل كان مؤلَّفاً، لجازَ عليه ما يجوزُ على الأجسامِ، من التَّجَزُّؤ والانقسامِ، وحَمْلِ جِنس الأعراضِ، فاحتاجَ إلى ما احتاجت إليه الأجسام، فاتفقنا جميَعاً على الصرفِ عن ظاهرِه، وليسَ لنا كلامٌ مصروفٌ (٥) عن ظاهرِه، إلا وهو المجازُ، وهو من جملةِ ما تكلَّمت به العربُ، بخلافِ الأعجمي. وكذلك الحروفُ المقطَّعةُ قد تكلَمت بها العربُ، مثلُ قولِ

стр. 1695

شاعرهم: قلت لها: قفي، فقالت (١): قافْ (٢). فأمَّا العجميةُ فلم يُحفظْ عنها، وإنْ سَلَّمنا على الأشدِّ، وأنَّ فيه ما لا يُعقلُ معناه، لكن للتكليفِ (٣) والإيمان، فالمعنى والنطقُ مفهومٌ، لأنَّ المجيءَ معقولٌ، والنزولَ معقولٌ، واليدَ معقولةٌ، فكَلَّفَنا نفيَ الشبهةِ (٤) بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، نفيَ تسميةٍ فارغةٍ من تسميةٍ مملوءة، بتكلُّف التسليم للعالِم بها. فصلٌ في جمعِ شبههم فمنها: أنَّ النبيَّ ﷺ بُعثَ إلى الكافَّة، ولم يقف إرسالُه على العربِ خاصَّةً، فجُمعَ في كتابِه سائرُ اللُّغاتِ، ليقعَ الخطابُ لكلِّ من بُعثَ إليه بلسانِه الذي وضع له. ومنها: أنَّه قد وَجدْنا في القرآنِ ما ليسَ بالعربيةِ، فلا وجهَ لنفيِه، فمن ذلك: (المشكاةُ)، وهي كلمةٌ هنديةٌ (٥)، و (الإستبرق)،

стр. 1696

و (السجِّيل)، وهما كلمتان بالفارسية، و (طه) وقيل: إنَّها بالنبطية. وفيه ما لم يفهم أصلاً، وهو (الأبُّ)، حتى إنَّ عمرَ لم يعلَم ما الأبُّ، فقال لمَّا تلاه: هذه الفاكهةُ فأين الأبُّ (١)؛ ثمَّ عاتب (٢) نفسَه على (٣) البحثِ عنه، إذ ليسَ فيه أمرٌ ولا نهيٌ، ولا حكمٌ من أحكامِ الشرع. فصل في الأجوبةِ عمَّا ذكروه فأمَّا أنَّه بُعِثَ إلى الكافَّة، فليسَ يُعطي هذا أنَّه قد أعطى الكافَّة حقَهم من الخطابِ؛ لأنَّ البلاع إذا قُصِدَ به تعميمُ الكلِّ، وجَبَ أنْ يستوعِبَ كلَّ أُمَّةٍ (٤) بجميع ما شُرِعَ لهم، كما أنَّ العربَ استوعبت بخطابِهم بالأَوامرِ (٥) كلَها والنّواهي، والوعدِ والوعيدِ، والأمثالِ والمواعظِ، فأمَّا أن يُبعثَ بالرسولِ إلى الهندِ، فيقول لهم: (مشكاةٌ)، فَمُحالٌ (٦) في الأوامرِ والنواهي، وأقسامِ ألفاظِ التكليفِ كلِّها، التي هي المقصورةُ على العربِ، ويُبعثَ إلى الفرس، فلا يُخاطبهم بما يخصُّهم به، إلا أنْ يقولَ لهم: (سجِّيل)، و (إسَتبرق)، ويُبعثَ إلى النبط، فيقولَ لهم: (طه)، هذا من أَهْجنِ المقالاتِ.

стр. 1697

على أنَّ النبيَّ ﷺ بُعِثَ إلى العربِ، وهم أهلُ صناعةِ الكلامِ، وجُعلَ عجزُهُم عن مثلِه حجةً على غيرهم، كما جُعلَ عجزُ السَّحرةِ عمَّا جاءَ به موسى ﵇ حجةً على غيرِهم من بني إسرائيل. جوابٌ آخر عن قولهم. إنَّا قد وجدنا ذلك. وهو أنَّ المحقِّقين من أهلِ اللغةِ قالوا: إنَّ هذه كلمات تواطأت، فسارت، فكانت في العربيةِ كهي (١) في غيرها من اللغات، مثل تَنُّور، بكل لغةٍ تنورٌ، وتواطأ (٢) لسان العربِ والفرس في (سجِّيل) و (إستبرق)، والنبطِ والعربِ في (طه)، وأنَّه الرجَلُ، فلا يكون خروجاً عن العربية، بل مساواةً لغيرها، وأما (الأبُّ): فما خَفي على عُمر لأنَّه ليس من العربية، لكنْ لأنَّ من العربيةِ ما يُجهلُ عند قومٍ، ويُعرفُ عندَ غيرِهم، ولهذا رُويَ عن ابن عباس أنه قال: ما كنت أدري ما معنى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤]، حتى سمعت امرأةً من العرب تقول: أنا فطرته، فعلمت أنه أراد: منشىءَ (٣). وإلاَّ، فالأبُّ في اللغةِ: الحشيشُ (٤). على أنَّ العربيةَ قد وافقت غيرَها في أشياءَ، كقولِ الفُرس: سروال، مكانَ قولِ العرب: سراويل، وتقولُ في السماءِ: أسمان، والكلُّ قالوا: صابون، وتَنُّور، فما اختلف فيها لغتان.

стр. 1698

فصل في تفسيرِ القرآنِ بالرأي والاجتهادِ (١) لا يجوزُ عند أصحابنا، بل لا يجوزُ إلا نقلاً، لقوله (٢) تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فردَّ البيانَ إليه ﷺ ، فلأْ يجوزُ أن يُسمعَ من غيرِه. ورويَ عن ابنِ عباس، عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: "من قالَ في القرآن، برأيِه، فلْيتبوَّأْ مَقْعدَه منً النَّار" (٣). وروى جندبٌ أيضاً عن النبيِّ ﷺ :"من قالَ في القرآنِ برأيِه، فأصاب، فقد أخطأ" (٤).

стр. 1699

يعني (١): أخطأ بسلوكِه طريقَ الرأي، وإصابتُه تكون موافقةً، وهذا عينُ الخطأ. وروي عن عائشة قالت: ما كانَ رسولُ اللهِ ﷺ ، يفسِّر من القرآنِ إلا آياً بعددٍ، علمهنَّ إياهُ جبريلُ عليه (٢) السلام (٣). ورويَ أنَّ سعيدَ بن المسيِّب، سئل عن آيةٍ من القرآن، فقالَ: لا أقولُ في القرآنِ شيئاً (٤). قال صاحبنا أبو بكر، وهو راوي هذه الأحاديث: ولأنَّ التأويلَ خطرٌ، لأنَّه قد يفسِّر برأيه، فيكونُ باطنُ ذلكَ عند الله خلافه، أما رأيتَ الذي تركَ تحتَ رأسِه خيطين فقال له النبيُّ ﷺ : "إنَّك لعريض الوساد (٥)، إنما هما خيطا الفجر" (٦)؟!

стр. 1700

فصلٌ فأمَّا نقلُ التفسيرِ عن الروايةِ فقربة وطاعة، وقد فسر أحمدُ وأَوَّلَ (١) كثيراً من الآي، على مقتضى اللغةِ، من ذلك: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، الآية، فقال: بعلمِه، وقال في قولِه: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦]: هو جائز في اللغة، يقول الرجل: سأجري عليك رزقاً، أي: أفعلُ بكَ خيراً. والدليل على جوازِ ذلك، والتقربِ به: قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]. ورويَ أنَّ النبيَّ ﷺ دعا لابن عباس، فقال: "اللهمَ فَقهه في الدين، وعلِّمه التأويل" (٢)، ولو لم يكن فضيلةً، لما دعا له بها، وقَرَنَهُ إلى الفقه في الدين. ورويَ أنه لما استعمله عليُّ بن أبي طالب على حجٍّ، خَطبَ (٣)

стр. 1701

خطبةً لو سمِعَها التُّركُ والرُّومُ لأسلموا، قرأ سورة النُّور؟ (١) وفسَّرها (٢). ورويَ عن ابن مسعود، قالْ كان الرَّجلُ منا إذا تعلَّمَ عشرَ آيات، لم يجاورهُنَّ حتى يعلمَ تأويلَهنَّ، ويعملَ بهنَّ (٣). ولأنَّ القرآنَ نزلَ بلغتهم، فوجبَ تفسيرُ ما أُغلق منه على غيرهم بشواهدِ لغتهم، من نثرِهم، وأشعارِهم، وخطبِهم. فصلٌ في الرُّجوعِ إلى تفسيرِ أصحابِ رسولِ الله ﷺ كلامُ صاحبنا يدلُّ على الرُّجوع إلى تفسيرِهم في عدةِ رواياتٍ عنه، [كما] في إيجابِ مِثْلِ الصُّيودَ على المحرِمين، تفسيراً (٤) منهم (٥) لقوله تعالى: ﴿ومَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، ومثلُ كلامِهم في الكلالَةِ. (٦)

стр. 1702

وذلكَ لأنَّهم جَمَعوا بين معرفة اللغةِ، والسَّماعِ من رسول الله ﷺ ، وكانوا أعرفَ بالتأويلِ والتنزيلِ، ولذلكَ جعلنا قولَهم حجةً، وهذا أيسرُ من جعلِ قولهم [غيرَ] حجةٍ؛ لأنَّه نوعُ تأويل. وقالَ في التأويل [عن التابعين: إذا جاءَ الشيءُ عن الرجلِ من التابعين، لا يوجد فيه عن النبي ﷺ ، لا يلزم الأخذ به. وقال:] (١) يُنْظر ما كانَ عن النبيِّ ﷺ ، أو عن أصحابِه، فإن لم يكن، فعن التابعين. فتحقق في تفسيرِ التابعين روايتان. قالَ شيخُنا ﵁: يحملُ على إجماعِهم (٢). وهذا التأويلُ منه يسقطُ فائدةَ تخصيصِ أحمدَ بالتابعينَ، لأنَّ الإجماع من علماءِ كلِّ عصيرٍ حجةٌ مرجوعٌ إليها، مقطوعٌ بها. فصلٌ يجوزُ أن يرادَ باللفظ الواحدِ معنيانِ مختلفانِ (٣)، كالقُرءِ، والشَّفَقِ، واللَّمس، فيراد بالقُرءِ: الحيضُ والطهرُ، ويرادُ بالشفقِ: البياضُ والحمرَةُ، وباللَّمسِ: يرادُ به: اللمسُ باليدِ والجِماعُ، وبه قال الجُبائي.

стр. 1703

وقال أصحابُ أبي حنيفةَ: لا يجوزُ ذلك (١)، وهو قولُ أبي هاشم. فصلٌ في أدلتنا فمنها: أنَّا أجمعنا على أن المعنيينِ المختلفين (٢) يجوز أن يُرادا (٣) بلفظين، فنقول: كلُّ معنيين جاز إرادتُهما بلفظين مختلفين، جاز إرادتُهما بلفظ واحد، كالمعنيين المتفقين (٤). مثال ذلك: أن نقول: إذا أحدثتَ فتوضأ، ونريد به: البولَ والغائطَ، أو اغتسلْ، ونريدُ: [من] إنزالِ المنيِّ والتقاءِ الختانين. ومنها: أنَّ إرادَتَهما باللفظِ الواحد غيرُ مستحيل، بدليل أنَّه لو استحالَ، لما صحَ التصريحُ به، بدليلِ أنَّ العمومَ والخصوصَ لمّا استحالَ إرادتُهما معاً باللفظِ الواحِد، لم يجز أنْ يَرِدَ لفظٌ واحدٌ يرادان به جميعاً، وأجمعنا ها هنا على أنَّه لا يستحيلُ في اللغةِ أن يقول: أُريدُ بقولي: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]: الحيضَ والأطهارَ. وأريدُ بقولي: وقتُ المغرب باقٍ ما لم يغب الشفقُ: الحمرةَ والبياضَ. ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾

стр. 1704

[النساء: ٤٣] أريدُ به اللمسَ باليدِ والجماعَ، واللفظُ صالحٌ لهما، إمَّا حقيقةً فيهما أوإما مجازاً، (١). ولا ينكرُ في اللغةِ الاشتراكُ في الصيغةِ الواحدةِ بين المعاني المختلفة. ومع هذه الجملة، فلا وجهَ للمنعِ منه. فصلٌ في شبهِهِم فمنها: أنَّ الألفاظَ والصيغَ، وضعتْ للبيانِ (٢) والإفهامِ، فإذا جُوِّزَ أن يراد بالصيغةِ الواحدة معنيانِ مختلفانِ، كان تضليلاً وتلبيساً يخرجُ (٣) عن قصدِ الوضعِ الأول من الإفهامِ والبيانِ إلى ضده (٤)، ومثلُ ذلكَ ما جازَ في لغتِهم، بدليلِ أنَّ صيغةَ (افعل) لم يجزْ أن تَرِدَ والمرادُ بها الاستدعاءُ والتهديدُ، فَلمّا (٥) وضعت للاستدعاءِ في الأصلِ، لم يجزْ أن يرادَ بها غيرُ ما وُضعتْ له، أو (٦) ضده، وهو التهديدُ الموجِبُ للكفِّ والتركِ. ومنها: أنَّه لو جازَ أن يُراد (٧) باللفظ الواحد معنيانِ مختلفان،

стр. 1705

لجازَ أن يردَ لفظٌ واحدٌ يرادُ به التعظيمُ والتهوينُ، والكرامةُ للشخصِ والإهوانُ به، ولمَّا لم يجزْ ذلكَ، عُلِمَ بطلانُ هذا المذهب. ومنها: أنَّ طريقَ هذا: استعمالُ القومِ، وما سمعنا منهم إيرادَ لفظٍ واحدٍ المرادُ به معنيان مختلفان (١): أحدُهما حقيقةٌ، والآخرُ مجازٌ (٢)، أو أحدُهما صريحٌ، والآخر كنايةٌ، وإذا ثبتَ ذلكَ، لم يجز لنا أنْ نبنيَ مذهباً على خلافِ وَضعِهم، فيكونُ دعوى عليهم، بما (٣) لم يثبتْ عنهم (٤). فصلٌ في جمعِ الأجوبةِ فمنها: أنَّ كونَ المعنيينِ مرادين بالصيغةِ الواحدةِ لا يكونُ تضليلاً وتلبيساً، بل يكونُ جمعاً بين معنيينِ بصيغةٍ، كما يجمعُ بالدلالةِ الواحدةِ، والأمارةِ الواحدةِ بين مرادينِ مختلفينِ، مثلُ أنْ يُجعلَ طلوعُ الفجرِ دليلاً يُنْبِىءُ عن مدلولينِ مختلفينِ: تحريمِ الأكل، وإيجابِ صلاةِ الفجرِ، أو تَجويز (٥) فعلها مع تحريمِ الأكلِ. وليست الألفاظُ والصِّيغُ إلا وضعَ الحكماءِ، ولو كانَ تضليلاً في اللفظِ الدالِّ على مرادِهم، لكان تضليلاً [في]، (٦) الأمارات الدالَّة على

стр. 1706

مرادِهم. وأمَّا صيغةُ الأمرِ: فإنَّه إنَّما لم يُرِدْ بها الطَّلبَ والمنعَ والاستدعاءَ والتهديدَ، لأنّه مستحيلٌ اجتماعُ إرادتي الفعلِ والتركِ لأمرٍ واحدٍ في حالٍ واحد، ولهذا لو صرَّحَ بذلكَ لم يحسُنْ، فيقول: أريدُ بقولي اسجُدْ: السجودَ والانتصابَ، وها هنا يحسُن أن يقول: أريد بالقرءِ: الحيضَ والطهرَ، على ما قدَّمنا (١). على أنَّه يبطلُ على أصلِ المخالِفِ بالماءِ المذكورِ في آيةِ التيممِ (٢)، فإنه أريدَ به عندَه (٣): الماءُ والنبيذُ، وهو حقيقةٌ في أَحدِهما دونَ الآخرِ، وأمَّا التعظيمُ والتهوينُ، فإنَّما لم يجز أن يُرادا (٤) بالصيغة الواحدة؛ لأنَّهما ضدَّان، ولا يصحُّ اجتماعُ إرادتِهما باللَّفظِ الواحد، ولا بلفظين في حقِّ شخصَ واحد في حالةٍ واحدة، ولهذا لو صَرَّح، فقالَ: أبعدوا هذا الشخصَ عن ذلكَ المقامِ، إهانةً له إكراماً، لم يجزْ، ولو قال ها هنا: تطهَّر من اللَّمسِ باليدِ، ومن الجماع، واعْتَدِّي بالأقراء والحيض، وكمِّلي ثلاثاً من كلِّ واحد منهما، جازَ، فبانَ الفرقُ بينهما. وأما منعُهم ورودَ ذلك في الاستعمالِ، فلا نسلِّمُه، بل قد ورد: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، والمرادُ به: اللمسُ باليدِ حقيقةً، والجماعُ استعارةً في إيجابِ التيمُّم عندَ عدمِ الماءِ، وإذا صحَّ ذلكَ

стр. 1707

في النَّفي (١)، صحَ في الإثباتِ، ولا فرقَ، ألا ترى أنَّه يحسنُ أن يقولَ: نهيتكم عن مسيسِ النساءِ، ويريدُ به: الجماعَ واللمسَ باليدِ، وإن كانا معنيين مختلفين؟ فصل العمومُ إذا دخلَه التخصيصُ لم يصر مجملاً، ويصح الاحتجاجُ به فيما بقيَ من لفظه (٢). وبه قالَ أصحابُ أبي حنيفةَ، والمعتزلةُ. وقال عيسى بن أبان: إذا دخله التخصيصُ، صارَ مجملاً، فلا يجوزُ التعلّقُ بظاهرهِ، وحكيَ ذلك عن أبي ثورٍ (٣). وقال أبو الحسن الكرخي. إذا خُصَّ باستثناءٍ أو بكلام متصلٍ، صحَّ التعلُّق بهِ، وإن خُصَّ بدليلٍ منفصل (٤)، لم يصحَّ

стр. 1708

التعلّقُ به (١). وقال أبو عبدِ الله البصري: إن كان الحكم الذي تناولَه العمومُ (٢) يحتاجُ إلى شرائط وأوصافٍ (٣) لا ينبىءُ اللفظُ عنها، كقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] كانَ مجملاً، وجرى في الحاجةِ إلى البيانِ مجرى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فلا يحتج به (٤) إلا بدليل. فصل في جمعِ أدلتِنا فمنها: أنَّ فاطمةَ بنتَ النبي ﷺ وعليها السلام احتجت على أبي بكرٍ الصَديقِ بقوله [تعالى]: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] (٥) وإن كانت الآيةُ مخصوصةً في القاتلِ والكافرِ والرقيقِ، ولم ينكر احتجاجَها هو، ولا أحدٌ من أصحاب رسول الله ﷺ (٦). ومنها: أنَّه لو كانَ دخولُ التخصيص على اللفظ يمنعُ الاحتجاجَ

стр. 1709

به، لوجبَ التوقُّفُ في كلِّ لفظٍ يرد من ألفاظِ العموم، لأنه (١) ما من خطاب إلا وقد اعتبرَ في إثباتِ حكمِه صفات في المخاطَبِ، من تكليفٍ، وإيمانٍ وغيرِهما، فيؤدي ذلكَ إلى قولِ أهلِ الوقفِ، وقد اتفقنا وإياكم على بطلانِ قولِهم. فإن قيل: أليسَ قد توقفتم في العملِ بألفاظِ العمومِ إلى أن تعلموا أن ليس مخصِّص يخصُّها؟ قيل: لا نسلَّم ذلكَ. ومنها: ما نَخُصُّ به البصريَّ (٢)، فنقول: إنَّ المجملَ: ما لا يُعقلُ معناه من لفظِه، والعمومُ معقولٌ ما أريدَ به، لكن قامَ الدليلُ على إخراجِ بعضِ من كان داخلاً تحتَ ما أُريدَ به من الحكمِ، فلا وجهَ لإجمالِ اللفظِ بخروجِ بعض المخاطبينَ أو الداخلين تحتَه، لأنَّ باقي (٣) المعقول معقولٌ. فصل في شبههِم فمنها: أنَّ العمومَ إذا دخلَه التخصيصُ، خرجَ عن كونه موجباً حُكمَه، فلم يجز الاحتجاجُ به، كالعلَلِ إذا خُصَّت. فيقالُ: العلةُ لا تبطلُ بالتخصيصِ عندَهم، فهيَ حُجَّة (٤)، وعندنا

стр. 1710

على أحدِ الوجهينِ، وإنْ سلَّمنا على الوجهِ الآخَرِ، فإنما لم يجز في العلَلِ، لأنها إنَّما تظهرُ من جهةِ المستدلِّ، ولا يُعلمُ صحتُها إلا بدليلٍ، ولا شيءَ يدلّ عليه إلا السلامةُ والجريانُ، وليس كذلك العمومُ، فإنَّه يظهرُ من جهةِ صاحبِ الشرعِ، فلا يحتاجُ في صحتِه إلى دليلٍ، فافترقا (١). ومنها: أن قالوا: إذا دَخَلَه التخصيصُ، صارَ كأنَّه أوردَ لفظَ العموم، ثمَّ قال: أردتُ به بعضَ ما تناوَله، وما هذا سبيلُه لا يحتجُّ به فيما أريدَ به، كما نقولُ في قولِه سبحانه: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، فإنه لا يعلمُ من لفظهِ ما فيه إثم إلا بدليلٍ. فيقالُ: ليسَ تخصيصُه بمثابةِ قوله: أردتُ به البعضَ، لأنَّ التخصيصَ يُخرجُ من الجملةِ بعضَها، لكنه بعض معلومٌ، بلفظ صريح يَبْقَى (٢) به ما بقي منها، مثلُ قولي في المرأة التي قُتِلَت: "ما بالُها قُتِلَت وهي لا تقاتل؟! " (٣) بعد أمرِه بقتل المشركين (٤)، فأخرجَ المرأةَ، فالجملةُ الباقيةُ بعد إخراجِ النِّساء معلومة، وهي من يقع عليه

стр. 1711

اسمُ مشرِكٍ. فأمَّا قوله: لا تقتلوا لعضَ المشركين، وقوله: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، لا يُدرى به أيُ المشركين، ومَن البعض، ولا يُدرى أيُّ الظنون يتعلق به المأثمُ، فوِزانُه من العمومِ المخصوص، أنْ نقولَ: الظنُّ كلُّه إثمٌ، ثم نُخرِجُ بدلالةٍ ظناً مخصوصاً، فتبقى جميعُ الظنونِ ما عدا المُخْرَجَ يتعلقُ (١) بها الإثم. فأمَّا شبهةُ البصريَ: فهي أنَّ آيةَ السرقةِ، لا يمكنُ العملُ بها حتى يَنضمَّ إليها شرائط [لا] (٢) ينبىء اللفظُ عنها، والحاجةُ إلى بيانِ الشرائطِ التي يتمُّ بها الحكمُ، كالحاجةِ إلى بيانِ الحكم، وقد ثبتَ أنَّ ما يفتقرُ إلى بيانِ حكمِه مجملٌ، كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فكذلكَ ما يفتقرُ إلى بيانِ شرائطِ الحكمِ. فيقال: إنَّ هذا باطلٌ بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، فإنَّه لا يمكنُ العملُ به، حتى تُبينَ شروطُ استحقاقِ القتلِ للمُشْركِ، من العقلِ، والبلوغِ، والذكورةِ، وبلوغِ الدعوةِ، ثمَّ لا تُجعلُ الحاجةُ إلى بيانِ ذلكَ، كالحاجةِ إلى بيانِ المراد بالمجملِ من اللفظِ، ولا يكونُ قوله: ﴿فَاقْتُلُوا﴾، مثل قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤١]. فإن قيل: تلكَ الآيةُ إنما افْتَقَرَتْ إلى بيانِ من لم يُرَدْ بالَآيةِ مِن الصبيانِ والمجانينِ، فحمِلَت في الباقي على ظاهرِها، وها هنا يُفْتقَرُ إلى بيانِ ما أُريد بالَآيةِ من شروط القطع، ولهذا اشتغلَ الفقهاءُ بذكرِ شرائط القطعِ دون ما يُسقط القطعَ، فافترقا.

стр. 1712

قيل: لا فرقَ في الموضِعَينِ، فإنَّ آيةَ السرقةِ، إنما تفتقرُ إلى بيان مَنْ لا يراد، وهو مَنْ سرقَ دونَ النِّصابِ، أو سرقَ مِن غيرِ حرزٍ، أوكانَ والداً أو ولداً، وأما ذكرُ الفقهاءِ شرائط القطع، فلا عبرةَ به، لأنَّهم سلكوا بذلكَ طريقَ الاختصارِ، وإنَّما فعلوا ذلكَ؛ ليعرفَ بذلكَ مَنْ لا يَجبُ عليه القطعُ، وإنَّما الاعتبارُ بما يقتضيه اللفظُ، وما أُخرِجَ منه، ومعلوم أنَّ الظاهرَ يقتضي وجوبَ القطعِ على من سَرَق، والدليلُ دلَّ على إخراج مَنْ ليس بمراد؛ مِن صبيٍّ، ومجنونٍ، وولدٍ ووالدٍ، وغير ذلك، فصارَ ذلكَ بمنزلةِ ما ذكرناه من آية القتلِ، التي تقتضي بظاهرها إيجابَ القتلِ على كلِّ مشرِكٍ، ثم دلَّ الدليل على إخراج مَنْ ليسَ بمرادٍ بها. وأمَّا قولُه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فيحتمل أن نقول: إنَّها تتناولُ كلَّ دعاءٍ، إلا ما يُخرِجُه الدليلُ، ويحتمل أن نقولَ: إنها مجملة، فتفتقرُ إلى البيانِ. فعلى هذا: الفرقُ بينهما: أنَّ المرادَ بالصلاةِ لا يصلحُ له اللفظُ في اللغةِ، ولا يدلُّ عليه، وما يرادُ بالسارق، يصلح له اللفظ ويعقل [منه] (١)، ألا ترى أنَّه إذا أخرجَ من آية السرقة مَن لا يرادُ قطعُه، أمكنَ قطعُ مَنْ أريدَ قطعُهُ بظاهرِ الآيةِ، هاذا أخرجَ من آيةِ الصلاةِ ما ليسَ بمرادٍ، لم يمكنْ أن يحملَ على المرادِ بالآيةِ، فافترقا. ومما تعلَّقَ به البصريُّ أيضاً: أنَّ القطعَ يحتاجُ إلى أوصافٍ سوى السرقةِ من النِّصاب والحرزِ، وغير ذلكَ، فصارَ بمثابةِ ما لو احتاجَ

стр. 1713

إلى فعلٍ غيرِ السَّرقةِ، ولو [افتقر] (١) إلى فعلٍ غيرِ السَّرقةِ في إيجاب القطعِ، لم يمكن التعلقُ بظاهِره، فكذلكَ إذا افتقرَ الى أوصافٍ سوى السرقةِ. فيقال: هذا باطلٌ بآية القتلِ، فإنَّها تتعلَّقُ بأوصافٍ غيرِ الشَركِ، كالبلوغِ والعقلِ، ثم لا يصيرُ ذلك بمثابةِ ما لو احتاج إلى فعلٍ آخرَ في إيجابِ القتلِ، في إجمالِ الَايةِ، والمنعِ من التعلُّق بها. ويخالفُ هذا: إذا افتقرَ الحكمُ إلى فعلٍ آخرَ، فإنَّ هناكَ (٢) لو خُلِّينا وظاهرَ الآية (٣)، لم يمكن تَقْييدُ (٤) شيءٍ من الأحكامِ به، فافتقرَ أصلُها إلِى البيانِ، وها هنا (٥) لو خُلِّينا والظاهرَ لم نُخْطِىء (٦) فيها إلا في ضمِّ (٧) ما لم يُردْ إلى ما أُريدَ باللفظ، فعملنا بالظاهرِ في الباقي (٨). فصلٌ عمومُ اللفظ إذا قُرِنَ به المدح أو الذمُّ، لم يصِرْ مجملاً، ويصحُّ الاحتجاج (٩) به وذلك مثل قولِه سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ [المؤمنون: ٥]، وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ

стр. 1714

وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة: ٣٤]، خلافاً لبعضِ أصحاب الشافعيِّ (١)، وبعضِ الأصوليين: يصَيرُ مجملاً باقترانِ ذكرِ الذمِّ أو الَمدح (٢). فصل في أدلتنا منها: أن صيغةَ العمومِ، قد وُجِدَت، وشملَت الجنسَ الموصوفَ بحفظِ الفروجِ، وكنزِ الذَّهبِ، والامتناع من إخراجِ الزكاةِ منه، وليسَ في ذكرِ الوصفين ما يمنعُ كونَها (٣) عامَّةً غيرَ مجملةٍ، لأنَّها تضمنت ذكرَ جماعةٍ وُصِفوا بالبخلِ، وجماعةٍ وُصِفوا بالعِفَّةِ، وجميعاً يفهم مَعناهما (٤) من الصيغة واللفظِ، كما لو قال: اقتلوا المشركين. ولا فرقَ بين الأمرِ بقتلِ جماعةٍ موصوفةٍ بالشِّركِ، وبين البشارةِ بالعذابِ لجماعةٍ موصوفةٍ بالبخلِ بالزكاةِ والمنعِ.

стр. 1715

ومنها: أنَّ [اقترانِ] الوعيدِ والذَّمِّ به، لا يجعلُه مجملاً، و (١) لا يمنعُ من الاحتجاجِ به، كاقترانِ إيجابِ القطعِ بعمومِ (٢) السُّراقِ، واقترانِ ذكرِ الجَلْدِ والرَجْمِ بعمومِ الزناة (٣)، بل إنْ لم يكن ذكرُ العقابِ والثواب والمدحِ والذمِّ مؤكِّداً، لم يكن مُخرِجاً له عن الاستدلالِ، لأنًّ ربْطه بالمدحِ والذمِّ مؤكِّدٌ للحكمِ الموجِب للذمِّ والمدحِ، ولأنَّ العقابَ (٤) أبلغ من الذمِّ، ثم إنَّه لو قَرَنَه بإيجاب العقوبةِ، لم يمنع الاحتجاجَ به، فإذا قَرنَه بالذمِّ، كان أولى أَن لَا يمنع. فصلٌ في شبهِهم قالوا: القصدُ بهذهِ الآياتِ المدحُ والذمُّ على الفعل، دونَ ما يتعلقُ به الحكمُ من الشرائِط والأوصافِ، فلا يجوزُ التعلُّقُ بعمومها فيما يستباحُ، وفيما تجبُ فيه الزكاةُ، كما قلنا في قوله : ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، لمَّا كانَ المقصودُ بها: بيانَ إيجابِ حقٍّ في الزرع، لم يجز الاحتجاجُ بعمومه في المقدارِ والجنسِ. فيقال: لا نُسلِّم أنَّ القصدَ فيها الذمُّ والمدحُ دونَ الحكمِ، بل القصدُ بيانُ تأكيدِ الحكمِ في الإثابةِ على فعلهِ، والذَّمِّ على تركِه، ولو

стр. 1716

كانَ القصدُ المدحَ والذمَّ خاصةً، لما كان لذكرِ حفظِ الفروِجِ، وكنزِ الذهبِ من غير إيفاءِ الحقوق معنى، ألا ترى أنَّه [لو] قرن بالعموم ذِكر عقوية، أو قرنَ به ذكرَ جزاء أو مثوبةٍ، لم نَقُل: إنَّه قصدَ نفسَ العقوبةِ، بل قصدَ بذكرِ العقوبةِ عمومَ الصرفِ عن القبائح، والإبعاد عن الجرائم، بذكرِ العقوبات الصوارفِ، كذلكَ في الذمِّ وَالمدحِ. على أنَّه لو كان هذا صحيحاً، وأنَّ ذكرَ [المَدْحِ أو] الذمِّ يمنعُ كونَ الحكم مقصوداً، لجازَ أن يُقلَبَ، ويقال: إنَّ ذكرَ الحكمِ يمنعُ كونَ المدحِ [أو الذَّمِّ] مقصوداً، وهذا باطلٌ، بإجماعنا، فكذلكَ ما قالوه. فصلٌ إذا وردَ الأمرُ بالصلاةِ والحجِّ والزكاةِ، بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فإنَّه قبلَ البيانِ لذلكَ من الشَّرعِ: مجملٌ، وبعدَ البيانِ: مفسَّرٌ، فلا يُرْجَع إلى الدعاءِ والقصدِ والصدقةِ قبل بيانِ المرادِ به. وقالَ بعضُ الشافعيّهِ: هو عام يتناولُ اللغويَّ والشرعيَّ (١)، فيشملُ كلَّ قصدٍ ودعاءٍ وصدقةٍ، وقال بعضهم: هو مجملٌ (٢).

стр. 1717

فصل في دلائلنا فنقول: إنَّ هذه الصيغَ لا تُعرفُ، ولا يُعقلُ معناها من لفظِها؛ لأن المقصودَ يختلفُ، وكذلكَ الأدعيةُ والزكاةُ، والأفعالُ المخصوصةُ التي هي المقصودُ بها، لا تعقلُ من هذهِ الصيغ. فصل فيما تعلق به مَن نصرَ العمومَ [قالوا]: إنَّ الصلاةَ: الدعاءُ، والحجَّ: القصدُ، والزكاةَ: الزيادةُ، فوجبَ أن يحملَ على كلِّ دعاء، وكلِّ قصدٍ، وكل زيادة، إلا ما يخُصه الدَّليلُ، فيكونُ على عمومِه كسائرِ العموماتِ. فيقالُ: لا نسلِّم، بل الصلاةُ: أفعالٌ مخصوصةٌ، والحجُّ كذلك، والزكاةُ: صدقةٌ مخصوصة من مالٍ مخصوصٍ بشروطٍ مخصوصةٍ، فلا يصحُّ حملُه على العمومِ فيما ليس بمرادٍ به. على أنَّا وإن علمنا أنَّ الصلاةَ: [الدعاء]، فلا ندري بما ندعو، وإن علمنا أن الحجَّ: القصدُ، فلا ندري كيفَ نقصِد، فهو كالحقِّ، ندري أنَّه شيءٌ يُخرَجُ (١)، لكن لمّا لم نعرفْ جنسَه وقدرَه، كان قولُه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، مجملاً، وإن كانَ

стр. 1718

الحقُّ هو اللازمَ الواجبَ في اللغةِ، لكنْ لمَا جُهِل قدرُه ومصرفُه، كانَ مجملاً (١). فصلٌ في النفي إذا علِّقَ في (٢) الشيء على صفة، كقولِه عليه [الصلاةُ و] السلامُ: "لا صلاةَ إلا بفاتحةِ الكتابِ" (٢)، "لا نكاحَ إلا بولي" (٣)، "إنما الأعمالُ بالنياتِ، ولكلِّ امرىء ما نوى" (٤)، وأمثالِ ذلكَ من الألفاظِ المستعملَةِ في نفي أوإِثْباتٍ، أو رفع و (٥) إسقاط، حُمِلَ ذلكَ على نفي الاعتدادِ بالشيءِ بالكليةِ، وعدمِ الإجزاءِ به شرعاً.

стр. 1719

وقال بعضُ أصحابِ الشافعيّ: لا طريقَ إلى شيءٍ من ذلكَ إلا بدليل (١)، وهو قول البصريِّ من أصحابِ أبي حنيفة (٢). فصلٌ في أدلتِنا إنَّ هذا اللفظَ موضوعٌ للتأكيدِ في نفي الصفاتِ، ورفعِ الأحكام، ألا ترى أنَّه يقال: ليسَ في البلدِ سلطانٌ، وليسَ للنَّاس ناظرٌ، وليس لهم مدبرٌ ينظرُ في أمورِهم، والمرادُ بذلكَ: نفى الصَفاتِ التي تقعُ بها الكفايةُ، [ومنعُ] الاعتدادِ بالنَظرِ لهم في الأمورِ السياسيةِ؟ وإذا كان ذلكَ مقتضاه، وجَبَ إذا استعملَ في عبادةٍ أو غيرِها أنْ يُحْمَلَ على نفيِ الكفايةِ ومنعِ الاعتدادِ بها. ومنها: أنَّ النبيَّ ﷺ لا يجوزُ أنْ يقصِدَ بالنفي أصل الفعلِ الموجودِ مشاهدةً وحسَّاً؛ لمشاركتنا له في دركِ

стр. 1720

المحسوساتِ، ولا من طريقِ اللغة، لأنَّ اللغةَ تتبعُ حقائقَ الموجوداتِ من المسمَّياتِ، فلم يبقَ إلا أنَّه قصدَ الأحكامَ والصفاتِ الشرعيةَ التي يترتبُ عليها الإجزاءُ والاعتدادُ. ومنها: أنَّ قوله: "لا صلاةَ إلا بأمِّ الكتابِ"، متى أثبتنا "مجزئةً"، فقد ثبتت حسَّاً وقطعاً من طريقِ الصورةِ، فإذا أثبتناها صحيحةً مجزئةً أيضاً، لم يبق لنفيه ﷺ حقيقةٌ، وكلُّ قولٍ أبطَلَ ما نفاهُ صاحبُ الشرع، كان باطلاً، كما أنَّ كلَّ قولٍ أبطلَ ما أثبته، كان باطلاً (١). فصلٌ في شبهِهم في ذلك قالوا: النفي في هذه الألفاظِ لا يجوزُ أن يكونَ راجعاً إلى نفي المذكورِ من الصلاةِ والنَكاحِ والأعمالِ، فإنَّ ذلكَ كلَّه موجود حسَّاً وحقيقةً، فلم يبقَ إلا أن يكونَ راجعاً إلى غيرِه، وذلكَ الغيرُ ليس بمتَّحِدٍ، بل له أعيان عدَّة: الصحةُ والإجزاءُ، والفضلُ والكمالُ، وليس حملُه على أحدِهما بأولى من الآخرِ، ولا يجوزُ الحملُ عليهما -يعني الإجزاءَ والفضيلةَ- لأنَّ حملَه على نفي الفضيلةِ والكمالِ، يقتضي صحةَ الفعلِ، لأنَّ الفضلَ فرعٌ على الصحةِ، وحملُهَ على نفي الجوازِ يمنعُ صحةَ الفعلِ. ولأنَّ الفضيلَة والجوازَ معنيانِ مختلفان، فلا يجوزُ حملُ اللفظِ
следующие страницы →